Qur'an&Sunnah

Mâtürîdî — Kitâbü't-Tevhîd (Mâtürîdî)

حصہ V01/P136–V01/P138

فإن قال إذ لا عذر في الشاهد للعبد أقبل من قوله لسيده لم أعلم أن فعلي يسخطك فأتركه ولو علمت ذلك لانزجرت مما فعلت لم لا كان ذلك في حكمة الله مقبولا قيل ذلك إنما حسن بيننا لارتفاع ما به يعرف الأمر من الدليل عليه وأما الله سبحانه فقد جعل لعبده على الأمر بما أمره به دليلا وحرك ذهنه بالخواطر ونبهه بصنوف العبر فإنما أتى من قبل تركه النظر وذلك فعله فيصير بما هو معتذرا محجوجا إذ بفعله أعرض عن ذلك ولا قوة إلا بالله قال الفقيه أبو منصور رحمه الله وأصله أن العلم بالله وبأمره عرض لا يدرك إلا بالإستدلال وقد أظهر به ما يستدل من أحوال نفسه التي عليها مداره مع ما بينا أن الضرورة تبعثه على النظر وتدفعه إلى الفكر فيما يرى من أحواله وأعضائه ومنافعه ومضاره التي في الجهل بها عطبه وفي العلم بها صلاحه وفي صلاحه بها على علمه بأنه لم يكن دبر ما ذكرت من أحوال تضطره إلى معرفته ومن قام هو به ولا قوة إلا بالله مناقشة ابن شبيب في حدث الأجسام واحتج محمد بن شبيب في حدث الأجسام بما لا يخلو من سكون هو مقام وحركة هي الظعن وهما محدثان بما يختلف على الإثنين المكان بما تقدم أحدهما ثبت أن قد حدث في أحدهما ولو سمى ذلك مادة في أحد الجسمين فالقول فيها أيها حدثت وفي حدوث غير ما قلنا يعلم بحدوث الزوال وجود الجسم في غير موضع تراه في الأول وبهذه الضرورة التي أظهرت في الجسم من الإنتقال علمنا الحركة التي لا تحس إذ وجدنا اختلاف الحال في المحسوس وعرفنا باعتماد الشيء في المكان الأول وإنتقاله في المكان الثاني أن المسمى إعتماده في الحال الأول يصير حركة ونقلة في الحالة الثانية مما لا يوصف الحركة بمناسبة الجسم ولا مباينته إذ ذلك حق الجسم ثم زيد أحق من عمرو بها لأن توهم عدم عمرو لإنعدامها عن زيد إذ وجد هو في غير المكان الأول وأجاب المعارض له أن كيف هي إذ هي فعلكم ولم يعرف كيفية فعله قبله فلم استدللتم على الحركة بالمقاييس قيل إنما يعرف أن كيف التقدم والتأخر الذي هو فعلنا لا أن يعرف غيريتها لنا وإنما أقمنا الدلالة على الغيرية ألا ترى أن قوما أنكروا الغيرية للجسم على إثبات القول بالتقدم والتأخر ثم إذ ثبت حدث ما ذكر والجسم لا يسبقه ثبت حدثه قال الشيخ رحمه الله وهذه عبارة لم يزل أهل التوحيد يعتزون بها لكنه أطنب فيها السؤال والجواب فذكرت ذلك على الإيماء إلى ما ذكر دون البسط ثم عورض بالحركة إنها جسم فقال ذا لايسأل عنه من يقول بقدم الجسم لأنها حدثت بالحس وقال للإحالة أن يكون في المكان الأول جسم إلا على التداخل وفي المداخلة إيجاب حركة أخرى للإنتقال فيكون غير جسم مع لو جعلت الثانية متداخلة يلزم تداخل الأجسام بلا نهاية ولو جاز ذا لجاز تداخل الدنيا في بيضه ومثله أجاب في التلاقي وذلك كله تطويل بلا نفع ولو أنصف لوجد ما يمنعه عن دليله وهو قوله الجسم في أول حاله ليس بساكن ولا متحرك فأخلاه عما ذكر وفي ذلك سبق عن الذي وصف لكن من يقول بقدمه لا يثبت له حال الأولية إذ في ذلك القول بحدثه فلزم الذي وصف والله الموفق واستدل على أن سكون الجسم معنى غير الجسم بما يقال هو في دار كذا لو لم يكن سوى الجسم والدار لكان لا يكون في غيرها بموجود والدار توجد وهو ليس بموصوف بالكون فيها قال أبو منصور رحمه الله وهذا أمر ظاهر لا يسأله أحد إذ سكناه يزول وقت تحركه من غير زوال الجسمية عنه فثبت أنه غير ثم أجاب من قال لعل سكونه معه حيث كان مع ما قد يذكر مدة سكونه في مكان بزيادة ونقصان ثبت أن ثمة غير السكون الأول وهذا مثل الأول لا يسأل عنه وجوابه ما بينا والله المستعان

حصہ V01/P138–V01/P140

ثم أطنب في هذا النوع فتركته لما لا منفعة فيه وفيما قال من دليل غيرية السكون والحركة في جواز كون كل واحد منهما بدلا عن الآخر وأنهما غيران ما يبطل قول كثير من المعتزلة في قولهم بالإبقاء بلا بقاء ولا قوة إلا بالله ثم أجاب من عارضه بما كذلك كانت الأجسام غير خالية عما ذكرت أبدا فزعم أنه لا يجوز لما لا يثبت للكل شرط العدم إلا بوجود غير هو في ذلك وفي ذلك بطلان الوجود واستدل بما سبق ذكره من دخول الدار مع ما زعم في طير من يطير أن بينهما ذراع من جهة واحدة طيرانا مستويا لم يحتمل أن يكونا كذلك من غير نهاية لأوليتهما إذ ارتفاع النهاية يوجب الإجتماع بالإستواء وقد وجد التفاضل واحتج بما إذ ثبت تضاد الأشياء من الثقل والخفة والحرارة والبرودة ونحو ذلك وقد ثبت فساد الشيء من الشيء إلى ما لا أول له ثم كان من طبع المتضاد التنافر وفي ذلك التباعد وبخاصة إذ جعل أصحاب هذا القول إثنين متباينين فامتزجا وكانا متضادين لم يجز لهما الإجتماع بما ذكر مع ما كان اختلافهما طباعا ولو جاز خروجهما عن الطباع الذي ذكرت لجاز أن يسخن المبرد ويبرد المسخن ولو جاز ذلك لجاز فناؤهما ليخرجا من طبع البقاء وإذا بطل ذا ثبت قول أهل التوحيد في مدبر عليم ألف بين ذلك ولا قوة إلا بالله قال أبو منصور رحمه الله نقول وبالله التوفيق إن القول بأكثر من واحد لايخلو من أن كل واحد منهم يملك إفناء غيره أو لا أو يملك الواحد خاصة فإن كان الأول أو الثاني لحقهما عجز مع ما فيه من الجهل بتدبير الإهلاك بالحيل إن لم يكن بالقوة وإن قدر الواحد بطل غيره لما لا يتركه يعاديه في ملكه وينازعه في ربوبيته وله قدرة تصفية الملك له وبعد فإن العاجز الجاهل أحق أن يكون عبدا مربوبا دون أن يكون ربا ملكا ولا قوة إلا بالله وهذا يبطل على من يقول بالظلمة والنور لما جهل النور حيث وقع في وثاق الآخر والظلمة حيث منعت عن عملها وهو الشر في الآخر ومع ما تفرقت أجزاؤهما وتشتتت أحوالهما حتى عجز كل واحد منهما أن يظهر سلطانه ويستولى على ماله جل ربنا وتعالى عن أن يكون هذه صفته وأيضا أن القول من أصحاب الإثنين قول بنهاية كل واحد منهما من جانب وارتفاعهما من سائر الجوانب فإن كان الإرتفاع دليل القدم لزم الحدث في وجه الحد وإن لم يكن لزم الحدث في الكل مع ما إن لم يقدر النور على تخليص جزؤه المتناهي عن يد عدوه بالأجزاء التي لا تتناهى ولا كانت تلك الأجزاء قدرت على حفظ ذلك الجزء من يديها قبل الوقوع في وثاقها أنى يقدر إذا أراد بعد الوقوع في وثاق الظلمة والتخليص من قيده وعلى قول من يجعل الحواس كلها للنور دون الظلمة والعلم كله وكذلك جميع ما وصف به الظلمة مما قاله عليه أعمى لا يبصر عاجز لا يقدر ضعيف لا يقوى شر بالطبع لا بالقوة فنسأل الله أن يعصمنا عن العدول عن سبيله والإبتلاء بشبكة الثنوية فإنه لا قوة إلا بالله مع ما كل اثنين لا بد من انفراد كل بمكان إن كان جسما أو عرضا فإن كان عرضا فمفارقته توجب تلفه وإن كان جسما فإما أن يكون مكان كل واحد منهما من جوهره فلا يقوم في مضادة حاله كالمائي في البر والليلي من البصر بالنهار وإن كان من غير جوهره ألف الخير بالشر والشر بالخير وذلك ينقض معتمدهم في القول بالعدد ولا قوة إلا بالله أقاويل الدهرية وبيان فسادها قال أبو منصور رحمه الله ثم نذكر أقاويل الدهرية على ما ذكره ابن شبيب وغيره ليظهر مذاهبهم فإن ظهورها أحد أدلة فسادها بعد أن يعلم إتفاقهم في قدم طينة العالم وإختلافهم في قدم الصنعة وحدثها وهذا جملة مذاهبهم

حصہ V01/P140–V01/P142

زعم أصحاب الطبائع أنهن أربع حر وبرد وندوة ويبس واختلف العالم باختلاف الإمتزاج منها واعتدل ما اعتدل منها بإستواء المزاج منها وعلى ذلك مجرى الشمس والقمر والنجوم ولم يزل يجرى بمثل الذي يجرى كما ترى لا أول للأشياء وسموا حركاتها أعراضا وضربوا لباطلهم هذا مثلا من نحو الأصباغ كالبياض والحمرة والسواد والخضرة إنها عند الإمتزاج على قدر الكثرة والقلة والرقة والكثافة تختلف ألوانها لا أن يكون ثمة حادث لون وإن كان ربما يخرج على ما لا يعرف أهل هذه الألوان أن ذلك مم خرج فمثله ما ذكروا من الطبائع قال الشيخ أبو منصور رحمه الله فمن تأمل هذا القول بما ضربوا له من المثل وجده يثبت قول أهل التوحيد لأن الأصباغ لأنفسها لا تمتزج ثم هي لو امتزجت لأنفسها خرجت على لون مستسمج مما عد ذلك في العقول فساد للأصباغ فإذا مزجها حكيم عليم يعلم عواقب ذلك المزاج خرج متقنا مستحسنا ثم كان العالم خرج متقنا ثبت أن الذي به كان العالم عليم حكيم يعرف عواقب الأشياء فأخرجها على ذلك وفي ذلك فساد أن يكون تلك الطبائع أو الطينة أو ماسموا من الأسماء لنفسها صارت بحيث يكون على ما عليه يخرج فثبت أن الذي أنشأها كذلك مدبر حكيم ويجب تكوينها لا من شيء مع ما كانت الألوان كل لون منها لا يوصف بشيء مما ذكروا من الحرارة والبرودة إذ قد يكون في الأشياء شيء يغلب عليه لون منها وهو حار وآخر يغلب عليه ذلك وهو مع ذلك بارد فثبت أنه لم يكن شيء من ذلك الألوان بما ذكروا ولا ما ذكروا بها وفي ذلك إيجاب غير الذي قالوا وبالله التوفيق وكذلك يجد ما فيها من الطعوم مختلفة حتى يكون بلون واحد وطبيعة واحدة تخرج على نوع من الطعم نحو الملوحة أو الحموضة أو المرارة أو الطينة التي لا يضرب إلى شيء من ذلك ثبت أن ذلك كان بتدبير من يملك جعل كل على ما شاء من غير أسباب ولا قوة إلا بالله على أن هذه الطبائع لا يخلو من أن يكون جواهر أو أعراضا فإن كانت جواهر صيرت بالأعراض التي اعترضت فيها على ما ذكر من الإختلاف وهي الإجتماع والإفتراق ولولاهما لكان كل جوهر من ذلك متفرقا ودل اختلاف الجواهر مع إجتماع الأخلاط فيها على غلبة الأعراض عليها وأنها تصرفها من حال إلى حال ثم كانت الأعراض لأنفسها لا تقوم ولا تقدح في الأشياء ثبت أنها عملت فيها هذا العمل يمن يعلم أنها تعمل كذا ولم يجز أن يكون بعلم أحد ذلك إلا بمن يملك جعل تلك الجواهر يصلح لاحتمال تلك الأعراض ومحال علم مثله إلا بمن يجعلها كذلك وفي ذلك لزوم القول بواحد عليم قادر لا يخفى عليه شيء ولا يصعب عليه تكوين ما يريد كونه وإن كانت أعراضا فمحال وجودها لأنفسها وقيامها فلزم القول بموجد قديم مع إيجاد ما فيه وبه يدخل في حد الوجود على أن حدث الأعراض مما لا نمانع فيه ولا قوة إلا بالله وبعد فإنه معلوم أن تلك الطبائع هي متضادة وحق التضاد التدافع وفي ذلك تفرق وفي التفرق تبدد وتفان فلم يحتمل أن يكون أصول الأشياء لأنفسها كائنة وقائمة مع التناقض الذي ذكرت ثبت أنها إن كانت كانت بمانع عن التدافع الذي فيه التبدد وهو الجامع ببنها بعد التفرق القاهر لها وبالجمع كان العالم ثبت حدوثه وفي ذلك فساد القول بالطبائع لأن كون شيء لا عن شيء ليس بأبعد في العقول من قيام الشيء مع ضده وهو ما ينقضه ولبعد ذلك عن عقولهم صاروا إلى ما قالوا فإذا لزمهم فيما قالوا مثل الذي عنه فروا بطل قولهم وذهب عذرهم وبالله العصمة وقوم قالوا بمثل ذلك إلا أنهم زعموا أن ليس لأجناس الطبائع عدد يعرفونه وكلهم قالوا بقدم الأشياء في جميع جملتها من مهب الشمال والجنوب والدبور والصبا ومن أعلاها وأسفلها

حصہ V01/P142–V01/P144

وزعم قوم من المنجمة أن النجوم لم تزل تدبر أمر العالم وهي متصلة به ومنها سعد فاختلافه باختلاف ما اتصل به منها كأداة صاحب الديباج بالخيوط الموصولة من الإبر بسم بأعلى أداتها بما يظهر فيه من الظهور وغيره برفع الخشب وحفظها فمثله أمر النجوم بالعالم تختلف صورته باختلاف تحرك النجوم وفي اختلافها وائتلافها السعادة والنحس وهي لم تزل تتحرك فيحدث من كل حركة غير الذي يحدث من غيرها ويتولد ذلك وبمثل ذلك يقولون في البيضة والدجاجة أنه يكون ذلك بضرب من حركات النجوم كالديباج الذي ذكرت وزعموا أن الأجسام قديمة وهي غير الأعراض والحركات أعراض تحدث إلى ما لا نهاية لها وصيروا أمر جميع العالم أضطرارا بما كان كذلك بالنجوم والأفلاك من اجتماع وتفرق فمثله في النجوم نقول وبالله التوفيق قال الشيخ رحمه الله أما القول بحركات لا نهاية لها فقد بينا فيما تقدم فسادها مع ما لا يشك في حركة انقضت إلا أنها نهاية ما تقدم من الحركات حتى لا يكون شيء مما تقدم بعد هذه وإذا ثبت نهاية الفناء لها والإنقضاء لم يجز أن يتناهى الإقتضاء لما لا يتناهى له الإبتداء ثبت لذلك الإبتداء وبعد فإنا رأينا الجواهر كلها في رأي العين متفاوتة الحدود لا يحتمل أن تكون هي كذلك على غير أن تكون كذلك إلا عن أقل متفاوت يظهر في أكثره ذلك فثبت أن كان لذلك عن أصغر حال يكون عظمة وكثافته بعد أن لم يكن ولطف عظمه وكثافته في الكون بعد أن لم يكن لا بشيء تقدمه لأن في التقديم إيجاب الإستواء وقد ثبت التفاوت فثبت أن الذي تقدم هو حدث بعد أن لم يكن إذ هو في معنى ما هو كذلك مع ما لو كانت الحركات إذ هي مستديرة لو جعلت مستقيمة من جهة ليكون بعضها على أثر بعض وفي وجود بعضها فناء البعض ولو وجب قدم الحركات ليجب قدم فنائها فتكون في الأزل معدومة موجودة وذلك متناقض إذ لا يجوز اجتماع الوجود والفناء في حال فكذا في كل الأحوال وفي ذلك لزوم الإبتداء مع ما لو تفاوت في رأي العين ذهاب سرعة أحد سبق آخر يسيران سيرا مستقيما لا يحتمل أن لا يكون ابتداء أحدهما قبل ابتداء الآخر أو يسير أحدهما أسرع من الآخر وفي رفع النهاية عنهما بطلان النهاية بينهما وفي بطلانه نقض المحسوس ثبت لهما الإبتداء وكذلك هذا المعنى في المستدير من الحركات والله الموفق وبهذا كله ننقض على جميع القائلين بقدم الأعيان غير خارجة عن الأعراض ولا قوة إلا بالله وبمثله تكلم أصحاب الطبائع ثم يقال للفريقين جميعا بم عرفتم أنه كذلك فإن أدعوا السمع فيه عورضوا بالسمع الذي ورد ممن فيهم حجج الصدق فهم أحق أن يصدقوا وهم الرسل وإن ادعوا العيان والحس أكذبهم علمهم بأنفسهم إنهم لا يذكرون قدمهم ولا شهدوا تدبير النجوم والطبائع وإن رجعوا إلى الإستدلال بما عاينوا فليس في شيء مما عاينوا دليل تدبير النجوم ولا قدم الطبائع وتولد العالم من امتزاجها بل لو قلب على الفريقين جميعا القول كان أقرب إلى الوجود وأحق في الإستدلال فأما أمر الطبائع فإنه في الوجود إن كثرة الإضطراب والتحرك تولد الحرارة في نفس المضطرب المتحرك وكثرة السكون والقرار تولد الرطوبة فتكون الطبائع هي الحادثة من أحوال العالم دون أن يكون العالم هو المتولد عنها وهذا أقرب إلى حق الحواس ثم يقال أن اضطراب الفلك وتحرك النجوم وتقلبها على أحوال الإجتماع والتفرق يكون بتقلب أحوال الأرضين وما فيها من أنواع الأشجار البحار والمياه وجوهر التفرق التي يعلو بخارها أو هي بجوهرها كالنيران والجواهر الحقيقية وبها ينقلب أمر النجوم وما ذكر فهذا أحق إذ هو أقرب إلى العين وأولى أن يكون دليلا لما غاب عنا ولا قوة إلا بالله

حصہ V01/P144–V01/P146

ثم تكلم هؤلاء بما تكلم به أصحاب الطبائع إن ذلك الصانع إنما خرج فعله محكما متقنا بما عنده من العلم وله من القدرة ولولا ذلك لما احتمل ما ذكرت فإنه بما سبق من التدبير استقام ذلك فمثله أمر النجوم لو كان على ما يقول كان يكون ذلك كذلك بتدبير عليم حكيم أنشأه على ذلك ولو كان إليها التدبير لما يحتمل أن تتعب نفسها بالسير والحركات الدائمة وتؤلمها إذ كذلك حال الأحياء في الشاهد إن تلك الأحوال تتعبهم وتؤلمهم أو أن يكون من الموات فيكون بتدبير غيرها كان الذي كان على ما ذكر من قصة الديباج على أنه يعلم أنه لو قدر على ذلك بلا اتعاب نفسه لاختاره عليه ليعلم أن كل ذلك بتدبير حكيم عليم غنى استعمل جميع ما ذكر فيما ذكر ولا قوة إلا بالله وبعد فإنه لو جاز القول في عالمنا إنه بتدبير من ذكر لجاز مثله فيمن ذكر أنه كان بتدبير من يعلوه كذلك إلى ما لا نهاية له وفي ذلك بطلان قولهم في تدبير النجوم أو يرجع إلى نهاية وفي ذلك فساد قولهم في رفع النهاية عن الأشياء وإيجاب القول بواحد إليه يرجع تدبير جميع ما ذكر وهو العالم بعواقب الأمور المقدر في كل ما إليه ينتهى على أن هؤلاء قد أقروا بقولهم أن ليس لهم قول لأنهم زعموا أن لا اختيار لهم لكنهم مضطرون فيما يقولون وكذلك خصومهم فيما يكذبونهم فيكون ذلك التكاذب والتناقض من هذا المدبر ومن ذلك تدبيره فهو المفسد ومن ذلك قدر قوله فهو لم يقل عند نفسه وفي ذلك وجهان أحدهما سقوط قوله فيبقى قول الموحدين والثاني إنكاره العيان والإختيار الذي يعلمه كل أحد وكل عاقل ومن أنكر العيان الذي يحيط به حسه ثم يدعى غائبا لا يبلغه حسه بالذي أنكر مما أدركه حسه فهو بحمد الله مكفى المؤونة حقيق الهجر وبالله المعونة ولو كانت الأحوال مدفوعة إليها لما ترك أحد الأكل والشرب لخوف ولما أقدم عليها لشهوة ولما أصاب لشيء من ذلك لذة وكل ذلك موجود فيما عليه الطباع حتى كان فيمن عظم من ذلك أقل منه فيمن صغر ولو كان بالطبيعة أو اتصال بالنجوم يجب أن يكون على كل قلب به وبعد فإن خروج الأفعال المختلفة وأحوالها محال وجودها من ذي طبع كالتبريد والتسخين والشر والخير فثبت أن ليس أصل شيء منه بذي طبع ولكن بعليم حكيم جعل كل شيء على ذلك بالخلقة والوجود ولو كانت الأفعال بالدفع لم يمكن الفاعل الإمتناع كالمدفوع في قفاه والذي يهوى من فوق بيت والموثوق بالحبال ولا قوة إلا بالله وفي الوجود إن المفلوج يعلم أنه لا يمتنع عما تلى وكذلك الأعمى وكل ذي آلة مؤوفه ثم هو يعلم ارتفاع تلك الآفات والتمكين من الخلاف لتلك الأحوال ثبت أن القول بالضرورة في الجملة كذب وزعم صنف أن طينة العالم كانت قديمة سميت هيولي معها قوة لم تزل بصفتها ولا طول لها ولا عرض ولا عمق ولا وزن ولا مساحة ولا لون ولا طعم ولا رائحة ولا لين ولا خشونة ولا حر ولا برد ولا بلة ولا حركة ولا سكون ولا شيء معها في أوليتها من الأعراض سميت إذ ذاك هيولي وقلبت الهيولي القوة بطباع منها لا باختيار فحدثت هذه الأعراض فسمى جوهرا وهو جوهر واحد وهو جوهر العالم والإفتراق والإتفاق إنما جاء من قبل الأعراض والأعراض لا توصف بالإختلاف والإتفاق لأنهما لا يكونان إلا بغيرهما والعرض لا يقوم بالعرض وإنما يقوم بالجوهر فاختلف به الجوهر واتفق

حصہ V01/P146–V01/P148

وذكر أرسطاطاليس وهو صاحب هذا القول في كتابه الذي سماه المنطق عشرة أبواب باب العين كقولك إنسان سميت عينه وباب المكان كقولك أين والصفة بقولك كيف والوقت متى والعدد ب كم والمضاف مما في ذكر الواحد ذكر الآخر كالأب والعبد والشريك ونحوه وذو كقولك ذو شرف وذو أهل ونحو ذلك سموه باب الجدة والنصبة كالقيام والقعود والفاعل كقولك أكل ونحوه والمفعول كقولك مأكول لا يقدر أحد أن يذكر ما يخرج عن جملة ذلك وزعموا في القوة إنها جاهلة تفعل بالطباع وليس بالهيولي حاجة إلى الأعراض قال الفقيه رحمه الله فمن تأمل ما صار هؤلاء إليه علم أنهم أوتوا ذلك لجهلهم نعم الله فعموا عن سبيل الرشد فضلوا ثم بعثتهم حيرة الضلال إلى الإستيناس بمثل هذا الخيال الذي لا يصير عليه عقل ولا يستجلبه هوى والله المستعان ولولا ذلك ما الذي كان يعرفهم أن ابتداء العالم ما ذكر ثم اسمه الذي وصف ليس فيه ثمة ما ذكر وعمله الذي نعت ليس في جوهر العالم دليله ولا في السمع احتماله لكنهم سمعوا قول أهل التوحيد في وصف الله بالذي وصفوا به الهيولي عندهم ولم ينظروا فيما ألزمهم القول به فرجعوا فنقضوا ما قد أثبتوه إذ صيروا الذي لذاته خارج عن احتمال الأعراض ممتنع عن معنى الجواهر جوهرا ثم جوهرا ثم جواهر ثم صار بحيث لم يبق من أوليته أثر وما بقى مما انتهى أمر العالم من القديم والحديث إلا الجواهر والأعراض وذهب الذي لم يكن بهذا الوصف فيكون في ذلك فناء العالم بنفسه واستحالة القديم بذاته بأعراض قهرته وأفنته مما لا قيام لها بنفسها ويكون في ذلك القول بحدث جميع العالم الذي دفعهم عظيم هذا القول إلى ذلك الخيال إذ كل ما هو مأخوذ إنما هو عرض وجوهر ولم يكن الأول ثم يبطل قوله إذا سمى نفسه حكيما ألزم غيره الصدود عن رأيه واتباع هواه بعد قوله إن الأصل الذي منه كان جاهلا سفيها وأن الأعراض هي أغيار ولدتها القوة السقيمة التي لا حكمة فيها ولا علم لديها وهو أحد أبنائها الذي لم ينل شيئا إلا بها فمن أين قدم نفسه عليها وإذا جاز كذلك من غير أصل له به صار كذلك فليقل في جميع العالم بمثل الذي قال بنفسه ثم لا يخلو القوة التي هي قلبت الهيولي من أن يكون لها سلطان عليها بمائها قلبتها فليقل هو في الله سبحانه أنشأ الهيولي أو ما شاء على وجه فيقبل التقليب ويقوم به التركيب ثم ليسم بما شاء هو على فناء ما قلبه فإذا بطل الأصل الذي به العالم وهلك مع الإحالة أن يهلك القائم بذاته ليكون بهلاكه انقلاب غير وقيامه مع ما يكون في الهيولي تلفها فتصير هي بلا قوة التقليب فيكون في ذلك إبطال العالم وتقلبه من حال إلى حال دائما فدل وجوده على فساد هذا الأصل مع ما في الشاهد أن لا يوجد شيء يصير بحيث يصلح لشيء لم يكن يصلح إلا بحكيم يجعله كذلك فثبت أن ابتداء العالم إن صلح أن يحتمل كون هذه الجواهر والأعراض كان كذلك كل على جعله كذلك وبعد فإن القوة إذ هي قلبته بالطبع فهي غير مفارقة عنه فما بالها خلت عن عملها في القدم وذو الطبع لا يخلو عن عمله في الشاهد على أن الأعراض التي أحدثت إما أن كانت في الهيولي فيبطل قوله كانت خالية عنها حتى حدثت أو لم يكن فحدثت من غير شيء إذ وصف القوة بما وصف به الهيولي ولم يكن فيه أعراض فثبت أيضا كونها لا عن شيء وهذا المعنى ألزمهم بالقول الذي قالوا فبطل بحمد الله

حصہ V01/P148–V01/P150

على أنه أمكن القلب عليهم في كل ما قالوا للقوة أن يجعل ذلك للهيولي في القوة على أنها لا تخلو من غير أن يكون غير الهيولي فهما إثنان وزعم أن الكم من باب العدد فلم يكن ثمة حدث وقد أوجب هنالك أو هي هيولي فيبطل قوله هي مع الهيولي أو هي التي قلبت الهيولي وكأنها قلبت نفسها لا الهيولي مع ما زعم أن تلك الأعراض اعترضت في الهيولي فحركته وسكنته ودفعته وخفضته من غير أن كان ثمة غير إليه تتحرك أو فيه يسكن أو إليه يرتفع وينحط ووجود أمثال فاسد فيما عنه تولده فهي في أصله أشد فسادا وزعم محمد بن شبيب أنه يسمى القوة حركة وفي روايته أنها لا توصف بما لا توصف به الهيولي وقد ذكر عنهم الآراء في الهيولي فلا أدري أيصح ذا أو لا إلا أن سمى القوة حركة وهي فيه فيبطل قوله إن الهيولي لا يوصف بحركة إذ قد وصفه بها ثم لا يخلو من أن يكون مماسة له أو مباينة عنه وأيهما قال فيه إثبات الجسمية والعرضية إذ البينونة والمماسة غر الذي يماس ويباين ثم قول هؤلاء أن حدثت الجواهر من حركات الأصل وكذلك قول المنجمة ومعلوم وجود جواهر من علو وسفل من كل جانب على إحالة تلك الحركات المختلفة فثبت أن ذا باطل وبهذا الفصل ناقضهم النظام إنه إذا كان بقلب القوة الهيولي سبب حدوث الأعراض ثم هي تختلف كاللون والطعم والحر واللين ونحو ذلك فيحدث ذلك كله في وقت واحد وبحركة إنما هي تكون من جهة واحدة فقيل تكون من جهات فزعم أن أكثرها ستة وقد يحدث الشر من اثنى عشر من تلك الأعراض فثبت أن ذلك لتقليب القوة على أن التقليب يكون من جهة والأعراض تكثر ثبت أن ذلك ليس بما ذكر وعارضهم محمد بن شبيب بما الهيولي قبل حدوث الأعراض ليست بطويلة والأعراض ليست بطويلة فكيف صارت عند الوجود طويلة وكذلك العرض ولو جاز ذا لجاز أن يجمع بين ما ليس يخلو وما لا يخلو فيصير خلو ومثله في جميع الأعراض كلا سواد ولا سواد فأجاب عنهم بالنورة والزرنيخ أن كل واحد منهما على الإنفراد لا يحرق وعند الإجتماع يحرق فيقال ما يبعد أن يكون أحدهما يحرق لكن فيه ما يمنع عن الإحراق وفي الآخر ما يمنع هذا المانع عن المانع فيحرق لا أن لم يكن فيه إحراق أو كلاهما كانا كذلك وأمر الأعراض عندك على ما ذكرنا ومحال حلول المانع فيه لو كان طويلا أو سوادا وكذا في الهيولي لذلك اختلفا قال الشيخ رحمه الله والأصل في هذا عندنا وفيما ذكر من النجوم والطبائع أن لا يخلو من أن يرجع في ذلك إلى السمع وفيهم سماع أهل التوحيد أثبت لما معهم براهين الصدق أو يستدل بالحاضر الموجود على الغائب فإن كان هذا طريقه فيجب إذ الموجود على حال وبالوجود اعتباره أن يكون الذي به وجد بهذه الصفة فيبطل قولهم في حدوث العالم بالإمتزاج وبتحرك النجوم وتقليب القوة الهيولي والهيولي والقوة جميعا وإن كان على اعتبار معان في الموجود يدل عليه فإن الأصل أن كل ذي طبع لا يتغير عما عليه إلى خلاف إلا بمغير حكيم أو سفيه لكن يظهر أمرهما بالعواقب فمثله الأصل الذي أشاروا إليه إنه لا يصير على غير تلك الحال مما يصلح عواقبه إلا بحكيم إذ هي كذلك وذلك يبطل أصلهم ويثبت أن الأصل احتمل ما احتمل يجعل غيره كذلك وفي ذلك حدثه بمحدث حكيم وبالله التوفيق وأيضا أن المعلوم فيما كان طبعه الإحراق أنه لا يحرق إلا المطبوع لاحتمال الإحتراق وكذا التسويد وكل حال وجوهر ثم ليس في طبع المحتمل الرفع إلى القابل فيه بالطبع ولا في طبع المحرق أن يصير إلى من يحتمل ذلك ومن أراد في الشاهد ذلك لا يتهيأ له دون العلم بالوجود والجمع بينهما فعلى ذلك أمر ذلك الغائب فيبطل الذي راموا إثباته ويصير هو بمعنى ما هم فيه والله الموفق

حصہ V01/P150–V01/P153

مع ما إذا كان جميع تلك الأصول التي قالوها هي موات لا تدبير لهن ويعملن بالطبع لا اختيار لهن لم يجز أن يكون فيما منه وجود به يحيى عالما سميعا بصيرا قادرا حيا ميتا محتملا لجهات ذلك خارجا من احتمال ذلك ثبت كون ذلك كله بالمكون العليم ولا قوة إلا بالله مسألة أقاويل السمنية من الدهرية وبيان فسادها وقالت السمنية من الدهرية مع موافقتهم في حدوث الأشياء في الأزل إن الأرض لا تزال تهوى سفلا بمن عليها فسألهم عن ذلك النظام فاحتجوا بثقلها والثقيل لا يقاوم الهواء ولا يقوم في الجو فعارضهم بسرعة انحدار الحجر بثقله إذا أرسل مع الريشة ثم كانت الأرض منهما أثقل وقد أدركاها ثم عارضهم بما رأوا الريح تحمل الشيء فتصعد به في العلو دون الجوانب فما يدريكم لو كانت تحت الأرض فتحملها بقوتها فكيف حكمتم بأن يهوى دون أن يصعد ويرتفع وقد رأيتم مثله وقطع الكلام على هذا وإذا كان ذا حاصل المناظرة فما أشبهها بالملاعبة بل الأصل إذ كنا نعاين السماء منذ عاينها على حالة واحدة وعاينا الأرض على ثقلها وعلى ما كان كل جزء من أجوائها لو أرسل من أعلى موضع يبلغه الوهم لكان يلحقها دل أن الأرض إذ قرت على حال وكذلك السماء وهما في طبيعتهما بطبع الثقل وأن لا قرار لهما في الهواء ثبت أن قرارهما بقوى حكيم وأنه منشئهما على ما لا يدركه الأوهام ولا يبلغه العقول وفي ذلك بطلان الدهر وفروعه مع ما كانت مناظرة هؤلاء عبثا أو طريقها البحث عن الأمور الخفية لتنجلى وعن الوقوف على حدود الحكمة وهم جعلوا العالم على ما عليه من الإختلاف والإتفاق وإختلاف الجواهر والأعراض قائمات بالطباع مولدات عن حركات أشياء أو مشوبات بما لا تدبير لها ولا علم ولا على حكمة تقدر ويكون البشر أحد هؤلاء فمحال أن يكون عندهم علم أو حكمة إلا أن يثبت لغير الذي منه العالم فيهم تدبير وفي خروج أعلى جواهر العالم عن طبع ما به العالم دليل كون ذلك أيضا به على ما شاء إنشاء خلقه ولا قوة إلا بالله مسألة أقاويل السوفسطائية وبيان فسادها قال الشيخ رحمه الله قالت السوفسطائية لما وجدنا الإنسان يعلم شيئا ثم يبطل ويجد لذة ثم يزول ويهلك هوام البر في البحر والبحر والبر ويبصر الخفاش بالليل ويغشى بالنهار ثبت أن لا يصح علم وإنما هو اعتقاد لا غير وإن اختلف عن إعتقاد غيره فسأل ابن شبيب فقال قولكم لا علم بعلم قلتم فقد أثبتم أو لا بعلم لم يكن لكم الدعاء إليه مع ما علمتم أنكم قلتم بغير علم فإن قالوا بالعلم أثبتوا العلم وإن قالوا بالثاني ألزموا السكت وذا مجرى الباب قال الشيخ رحمه الله ومناظرة من يقول بهذا الكلام لا معنى لها لأنه يحصل على أنه اعتقاد لا علم فكل شيء يقول عند المناظرة فهو ذلك وإنما يناظر مثل من ينفى الحقائق حتى يرد قوله محققا وكذلك بدعواه وأما من يقول ليس غير الإعتقاد فهو أي شيء يقول فإنما هو ذلك وإنما يقابل بالضرب المؤلم والقطع ويعتقد ما يعتقده هو فينكر عليه بضده أو بقوله إني أعتقد إنكارك إقرارا حتى يدفعه الضرورة إلى الإقرار بما أنكر مع ما أنه اعتقاد لا غير وفي ذلك إثبات الإعتقاد فيبطل قوله بنفى العلم بإثباته الإعتقاد والله الموفق مع ما عارض بأشياء ظهر له خلافه ولو لم يكن علم البتة بطل ما به يدفع من ظهور الخلاف ولا قوة إلا بالله وسأل محمد بن شبيب نفسه بما يرى الشيء الواحد شيئين وآخر يرى شيئا واحدا فأيهما الحق فزعم أن الأول حسبه كذلك لنظره يبصره من جهته يرى بكل عين غير الجهة التي يرى بالآخر دليله أنه لو أعور لا يرى

حصہ V01/P153–V01/P155

قال الفقيه رحمه الله والأصل في هذا ونحوه أن علم الحس يختلف بإختلاف أحوال الحس يعلم ذو الحواس ما به من الآفة فيعلم بأن الآفة حجاب فبالحاسة يعلم خلاف الحقيقة عند الآفة وحقيقته ممتد ارتفاعها وذلك يكون في الذي وقعت عليه الحاسة من لطافة أو بعد أو ستر الجو بما يغشاه ومرة يكون في البصر وعلى ذلك شأن كل حاسة وذلك كله معلوم بالحواس فلا نقيض عليه مع ما أنه على هذا القول يبطل القول بالخلاف وبه يحتج أو يثبت فيبطل قوله بنفى الحقيقة إذ ثبت الإختلاف ولا قوة إلا بالله ويعلم الذي يذكر بالقرب منه أو بالزيادة من الضوء ليعلم حقيقته إن ضعف بصره عن إدراكه بالآفة ففي مثل هذه الأحوال يظهر ولا قوة إلا بالله وجوابنا في صاحب الصفراء الذي يجد العسل مرا هذا مع ما يعلم هو من نفسه الآفة فيما يجد به الطعم ولا قوة إلا بالله وقال ابن شبيب اختلف فيه قال قوم في العسل مرارة فإذا اتصل بما في ذائقة فيقوى المرارة فيجده مرا وقال قوم إن في ذائق صاحب الصفراء مرارة المرة الصفراء فلما اتصلت حلاوة العسل بالمرة التي في الذائق وتحركت في ذائقه وجد حسها كذلك قال الشيخ رحمه الله والأصل في هذا أن الإنسان إذا اشتمل على حدود وجهات فكل جهة منه تقابل جهة من المدرك لا يدرك بتلك الجهة غير الجهة التي قابلته فإذا اعترضت الآفة في جهته التي بها يدرك مقابلها أو غشى مقابلها شيء ستره فيذهب مقدار ذلك من الجهة ومقابلها فيكون كالإدراك بغير الجهة التي هي لذلك النوع من الإدراك فيكون الأحوال ثلاثة بقلب الجهة لا يدرك منه شيئا البتة وتقريرها مع ارتفاع السواتر كلها فيدرك به حقيقة المدرك أو الإختلاط فعلى تفاوت ذلك يتفاوت الدرك وكل ذلك حق الحس معلوم بالحس فلم يرد في علم الحس اختلاف البتة في الحقيقة ولا قوة إلا بالله ثم تكلف نوع ما كلم النظام السمنية مما لا يجدي نفعا فزعم أن الحيتان كان الغلبة في طبائعها الرطوبة والبرودة فإذا صارت إلى الجدب والغالب عليه الحرارة واليبوسة غلبتا على الرطوبة والندوة فأهلكا وكذلك كل متضادين من الطبائع إذا غلب واحد ضده أهلكه وكذلك أمر الطائر في السماء وكلب الماء فإنه أشد اعتدالا من الحوت يعيش في الماء والبر والخفاش فإن بصره مسترقة ليست بالقوية يذهبه ضوء الشمس نحو ما يعشى الرجل إذا نظر إلى عين الشمس فإذا غابت الشمس ذهب ما أضعف بصره فأبصر فإذا اشتدت الظلمة لا يبصر وأما الأسد فهو قوي البصر يبصر بالنهار وأكثر ما يبصر غيره وكذلك المانع له بالليل أقل مما يمنع غيره قال أبو منصور رحمه الله وذلك كله عبث بل القول إنه كذلك خلق وبهذا الطبع جبل بعض الجواهر يطير في السماء وآخر يسبح في الماء والثالث يمشي على وجه الأرض فتكلف الإعتلال لمثل هذا تحكم على رب العالمين واعتلال بما لم يؤذن له ولا له به درك وليس ذلك من نوع ما ضمن الشرع فيه من تحقيق الأعيان ولا قوة إلا بالله ثم عارض نفسه بما يرى النائم فيخرج على ما يرى فلعل أمر اليقظان على هذا أو ما يعلم ذا من ذا فزعم أن الذي يفرق بين الأمرين أنه يرى ما لا يصح في العقل في حال النوم نحو أن يرى نفسه ميتا والميت لا يعلم أو يرى رأسه ملقى في حجره ومثله لا يحتمل رؤية اليقظان فإن قيل كيف يتوهم النائم المحال وهو لا يثبت في الوهم قيل عند ما يرى نفسه في المنام لا يعتقدها حية ميتة وذلك هو المحال وكذلك إذا رأى رأسه ملقى لا يتوهمه في مكانين وزعم أن العلم بصحة ما في اليقظة وفساد ما في النوم اكتساب دليله ما ذكرت قال وقد يرى في المنام ما يصح ذلك إنما بملك يريه أو بما ذلك في الأصحاء أو بعض ذلك

حصہ V01/P155–V01/P157

قال الفقيه رحمه الله والأصل في هذا ما في الأول إن النائم ذو آفة يعرفها بما يعلم به يقظته وذلك حق الحس إنه يرى في النوم مضطرا وفي اليقظة لا وكذلك يبقى ألم ما يضرب في حال اليقظة ويعرف لذة ما به يغتذى وليس بيننا وبين هؤلاء في هذه الأحوال مسألة إنما بيننا إلزام حق اليقظة وتحقيقه بضرورة بما ذكرنا ثم تغير ذلك إنما ذلك للآفات التي تعترض وجملته أن الطبيعة أو النجوم أو الأغذية لا يحتمل أن تولد ذلك ولا فيها ما يوجب ذلك وأن لكل شيء من ذلك مضرة ومنفعة وما به الغلبة والإعتدال فلا يحتمل وجود مثله بالطبع ولا بالنجم من حيث خروج ذلك على ما فيه من الحكمة والإتقان وما يوجبه الطبع لا يحتمل ذلك وقد مر بيان ذلك والله الموفق مسألة في صفة أقاويل الثنوية أولا أقاويل المنانية وبيان فسادها قال الشيخ رحمه الله زعمت المنانية أن الأشياء على ما عليه من امتزاج النور والظلمة وكانا متباينين النور في العلو لا يتناهى في أربع جهات شمال وجنوب وصبا ودبور والظلمة في السفل كذلك ولها من جهة الإلتقاء تناه قبعت الظلمة على النور فامتزجا فكان العالم من امتزاجهما على قدر الإمتزاج ولكل واحد منهما خمسة أجناس حمرة وبياض وصفرة وسواد وخضرة فكل شيء مما جاء من هذا الجنس من جوهر النور فهو خير وما كان من جوهر الظلمة فهو شر وكذلك لكل واحد منهما حواس خمس سمع وبصر وذائق وحاسة الشم واللمس فما أدرك جوهر النور بها فهو خير وما أدرك جوهر الظلمة فهو شر وللنور روح وللظلمة روح وروح الظلمة يسمى همامة وهي حية فغلب العالم ليحبس النور فيها والنور ليس بحساس وما كان منه يكون بالطبع ويكون خيرا كله والهامة حساسة وسيصير كل واحد منهما إلى حيزه ثم وجد أعلى الأشياء أصفاها وأسفلها أكدرها ومن طبعهما الخفة والثقل وأمرهما على التنافر إذ الخفيف يعلو صعدا والثقيل ينحدر سفلا فيمر الدهر إذ كانا كذلك يتخلصان من وجه التناهي كما امتزجا قال الشيخ رحمه الله ومن تأمل القول وجده كله متناقضا من غير أن يحتاج إلى تكلف الدلالة على إبطال القول سوى تفسيره أول شيء به أنه أراك النهاية من الوجوه وأثبتها من وجه فجعل المتناهي غير المتناهي إذ النهاية حد والحد قصر عما هو أعظم منه وذلك تدبير غيره فيه وهو دليل حدث جانب منه وذلك جزء وبعيد كون كلية الأجزاء المتناهية غير متناهية لأن ذلك المعنى يتمكن في كل جزء منها يتصل على أن كل واحد منهما في الوجوه التي لا تتناهى إما أن يكون الآخر فيها فيبطل قوله امتزجا من جانب بل كانا إلا من جانب ثم امتزجا وإن لم يكن زال كل واحد منهما عن الأوجه الأربعة التي هي للآخر فصار من تلك الوجوه متناهيا والله الموفق ثم إن كان من طبع السفلى التسفل والعلوى العلو وذلك معنى التنافر وإليه مرجع العاقبة فكيف صار السفلى يذهب صعدا وذلك طبع العالي الصافي وهو معنى الخير فقد صار من السفلى الأمران جميعا فبطل المعنى الذي له لزم القول بإثنين ثم من العلوى النفار إلى العلوى ولم يقم بوفاء ذلك ولا امتنع به عما كان بجوهر ينحدر حتى ارتفع عليه وخلق العالم بحبسه فكيف يطمعون أن ينخلص من يدى الهمامة وهي مع ذلك حساسة فعاله بالحيل أوثقته وقيدته وحبسته وليست له قوة يتخلص بها وبطبعه لم يمتنع عند التخلية فكيف يتخلص بعد الوثاق إلا أن يقول تخلى الهمامة سبيله فيجعلها فاعلة الخير وبعد فإن جوهر الظلمة إن كان هو رأى النور وهو الذي أيس النور ليحبسه فهو الموصوف بالعلم والرؤية لا الذي لم يره ليتحصن منه ولم يعلم ما به يتخلص من قهره فإذا العلم والرؤية والمقدرة والغنى والشرف كله في جوهر الظلمة والقهر والجهل والعجز والذل والهوان في جوهر النور فإن كان ذا كله خيرا والأول كله شرا فما أبصركم بالخير والشر

حصہ V01/P157–V01/P160

وكذلك عندكم إن النور فعله طباع والهمامة فعلها اختيار والعالم أنشأه الهمامة بطل القول بإثنين بل العالم كله فعل الواحد لكنه مزج أجزاءه بأجزاء الآخر ولو كان الآخر بما يفعل به وفيه يصير آخر لتحصيل القول بالإثنين لكان كل ذي طبع هو من به وفيه العالم فيصير القول بما لا يحصى عدده ثم إذ كانت الظلمة هي التي بغت على النور ثم تخلص منها فأما أن يكون التخلص منه بالجوهر وذلك محال لأنه لم يمتنع منها به مع ما يوجب تخلص أجزائه من حبس الهمامة وليس فيما علاه موضع يسير إليه ما انتزع منها إذ غير هذا الجانب غير متناه وهو التخليص يرجع إلى ما لا نهاية فلا يجد لنفسه موضع قرار فلا معنى للتخلص إلا أن يكون الظلمة تدفعه عن نفسها فيكون دفعه خيرا إذ كان حبسه شرا مع ما إذا دفع أجزاءه وما علا ليس إلا أجزاؤه فهو يدخل بعضه ولذلك نهاية لكنه كان يحبسه في جوهره ثم قهر كلية النور فجعله سجنا لنفسه يحبس فيه عدوه فيصير عدوه بجوهره حبيسا لنفسه وبعد فإن الظلمة ليس لها في غير وجه الإمتزاج حد فهو إلى ماذا يصير بالتخلص فهو يبين أن لا معنى للتخلص ولا قوة إلا بالله قال الشيخ رحمه الله ثم العجب من قولهم إن الخير كله في العالم من جوهر النور فمن أين يكون منه الخير وهو المقهور المحبوس والفعل كله من الآخر ليحبسه به فليس من النور غير البقاء في سجن الآخر ووثاقه فمن يجنى منه خير إلا أن يرى ذلك من سائر الأجزاء التي لم تبغ عليه فيلقى أجزاءه في حبس آخر وذلك هو الشر وأنى لملك الخير وهو كله في الخلاص وهو غير ممنوع ثم التناقض أنهم جعلوا التباين بالجوهر فمحال امتزاجهما وهما بالجوهر متباينين وذلك قائم بحاله إذ هم يرون الإمتزاج غيرا على أنه يقال لهم الإمتزاج أليس بعد أن لم يكن لا بد من بلى قيل أكان هو النور أو الظلمة أو غيرهما فإن قال بالأولين أحال لأنه أثبت الإمتزاج والتباين لنفسه ولو جاز ذلك لجاز وجودهما معا وهو بين ولا قوة إلا بالله ثم إثباتهم الحد من حيث الإلتقاء إما إن كانا متماسين في الأزل أو غير متماسين فإن كانا متباينين قال إن تماسا حدثا فحدث الجزء يوجب الكل بحق الإستدلال بالشاهد على الغائب وإن كانا متماسين فلا بد من أن يزداد أحدهما حتى يمتزج بالآخر أو يحيد من الآخر حتى يدخل في نفسه وأيهما كان ففيه زيادة لم يكن أو قطع وإدخال في جوهر فيبطل القول بأنه غير متناه لأنه إذا لم يكن لأجزائه تناه لم يكن للآخر فيه تداخل ليمتزج به ثبت أنه متناه إذا احتمل الإمتزاج مع البعد أن تبقى الظلمة مع كثافتها على النور مع رقته فيقتطع منها إذ كل ممتلئ بما يلطف من الأشياء لا يتمكن فيه ما يكثف ولو كان ذلك من النور فقد اكتسب الشر وألقى نفسه في الحبس مع ثبات الكيف جوهرا واحدا وإنما يحد اللطف المنفذ في الكثيف إذا كان من جواهر مختلفة يبقى بينها الفرج وأما الذي سبيله ما ذكر فلا ولا قوة إلا بالله وإن سبقت بما حدث من الإمتزاج بعد أن لم يكن فإما أن كان بأحدهما أو بهما وفيه احتمال الحدوث فمثله الكل أو ليس بهما ففي ذلك تثبيت ثالث أو لأنفسهما كان فلزم نفى التباين أو تبقى الظلمة بنفسها فلم يكن ذلك الوقت بأولى مما قبله وإذا لم يحدث في الجزئين اللذين لم يمتزجا شيء وقد وجد لم لا كان كذلك في الكل مع ما لا يخلو من الإفتراق إذ الإمتزاج أن يكون بالطبع والطبائع لا تنقلب فيجب أن يكون أبدا كذلك وأطنب في نوع الطبائع لكنه روى أن الظلمة فعاله باختيار فالقول في الطباع على ذلك فاسد وأخبر عنهم تحرك الظلمة إلى أن لقيت النور فدخلت عليه إن قالوا أبدا ما مر في كلام الدهر وإن قالوا بالإبتداء لزم الحدث والله الموفق

حصہ V01/P160–V01/P162

ثم تمام الجهل في قولهم يتخلصان بما كان من طبع الثقيل الإنحدار وطبع الخفيف الإرتفاع ثم في الإبتداء مع هذا الطبع قد امتزجا فلو لا أن كل واحد منهما على طبع الآخر في الثقل والخفة ما احتمل الإمتزاج وإذا احتمل دل أن الطبعين كانا في كل واحد ولا قوة إلا بالله وإذا احتمل الواحد الأمرين احتمل الخير والشر فيبطل الثاني ولا قوة إلا بالله على أن اللازم إذ جعلوهما متضادين في الطبيعة أن يجعلوا أحدهما شأنه الإمتزاج والآخر البينونة وقد غلب أحدهما أن يكون على ذلك ثم من قولهم إنهما إذا تفرقا لا يمتزجان من بعد فما أدراهم ووجدنا باليقين لم يؤنس الإجتماع فكيف وجود تفرق بجهد وما يدريهم أنهم أبدا على تفرق وإجتماع وكذلك في الأزل فيبطل القول بالنور والظلمة وبعد فإن حكمهم هذا عجيب لأنهم لا يخبرون عن أحوال كانت ويكون ما عندهم من جوهر هذين ولم يكن لهما علم من قبل بالإمتزاج ولا علم بكيفية الفراق والله الموفق ثم يطالب على كل فصل مما قالوا من قطع النهاية وما قالوا من ابتداء العالم دون أن يكون عالم على أثر عالم بلا نهاية وكذلك يكون بالدليل وكذلك الإمتزاج والإنفصال ليعلموا تعنتهم ويقال لم يعاينوا شيئا ممتزج من خير وشر ولم يرد لكم خبر يحتمل الصدق فإن قال علمنا بالأدلة أن شأن الأشياء التفرق وكل شيء يرجع إلى أصل جوهره قال الشيخ رحمه الله يقال بل شأنهم الإجتماع فمنتهى كل على أصل جوهره وإذا كان وقع هذا قد اجتمع فاجعل ذلك أبدا كذلك ويقال إذ التفرق تبدد والإجتماع تأكد وقوعه لم لا كان شأنهم الإجتماع ولا قوة إلا بالله ولو جاز تثبيت ما لا شاهد له في الشاهد مع كونه من جوهره لجاز القول بفعل الحواس على المعروف أو الدرك باضداد ما به الدرك وعورضوا بقولهم لا يكون من النور غير الخير ولا من الظلمة غير الشر فإذا قتل رجل ثم أقر فإن كان المقر هو الذي قتل وهو صدق فقد عمل به الخير بعد الشر وإن كان المقر هو الذي لم يقتل فهو كذب وهو شر قد كان منه الخير وهو ترك القتل وكذلك من قولهم إن كل حاسة لا تدرك ما تدركه الأخرى ثم فيما سمع قال سمعت أو فيما رأى قال رأيت وما قال به رأيت وسمعت غير الذي به سمع ورأى وذلك جواب بما لم يدرك وسئل عن سواد الظلمة إذا زيد على سواد النور وهل زاد في السواد شيئا فإن قالوا لا صيروا ما كثر هو الذي لم يكثر فإن قالوا ازداد قيل أهو النور أو الظلمة أو غيرهما فإن قال بالأولين فازداد النور أو الظلمة وذلك بعيد إذ يزداد كل واحد منهما بالجوهر الآخر وإن قال غيرهما أثبت للآمرين غيرا ثم ما يدريهم أن ليس في النور أو الظلمة زيادة على تلك الأجناس الخمسة وهم لا يعلمون بجميع أجزاء الجنسين بما لا نهاية لكل واحد فإن ادعى الإستدلال بالشاهد على الغائب أبطل فوله بالتفرق وارتفاع النهاية لأنه لم يشهد ذلك فإن قال علمنا بالرسل قيل إذ كان الرسل من أجزاء النور والظلمة مانعة فما يدريكم أن يكون الظلمة منعت وسترت أغيارا فيهما غير الخمس فلم يعلم وإن زعم في الأول أنه يدرك بكل حاسة ما يدرك بغيرها فبطل قولهم خمس حواس وحصل على الواحد ثم موجود العجز مع السمع وكذلك سائر ذلك فثبت به الإختلاف ثم عورض بحواس الظلمة إنها إذا أدركت ما أدرك حواس النور وكل شيء على ما هو عليه كيف صار أحد الإدراكين خيرا والآخر شرا ثم عارض بالعفو عن الذم إنه فعل من فإن قال فعل النور فهو نفع عدوه وذلك شر وإن كانت من الظلمة فقد عفا فهو خير والأصل إنا نجد في الشاهد جاهلا يعلم ومخطئا يندم وقائلا يرجع عن قوله فأما إن كان الثاني هو الأول فيثبت الفعلان المتضادات عن واحد ومن غيره فثبت كذب الخير بالوجوه الثلاثة وبالله التوفيق ثانيا أقاويل الديصانية وبيان فسادها

حصہ V01/P162–V01/P164

قال الشيخ رحمه الله وقول الديصانية مثل قول المنانية في الأصل لكنهم قالوا النور بياض كله والظلمة سواد كلها والنور حي هو الذي مازج الظلمة وهي ميتة لما وجد من خشونتها في الجهة التي تلقاه فأراد الممازجة ليدبر تدبيرا يلين وقد يخشن اللين كما يخشن الحديد عن المنشار إذا نقل بعض عن بعض بالمبرد فإذا ذهب الشق واستوت أجزاؤه لان وقال بعضهم لا بل تأذى بها فدفعها عن نفسه فمازجها كمن يبلى بالوحل إنه إذا تكلف الخروج يزداد فيه ولوجا والحركة تكون من النور والسكون من ضده إذ هما متضادان فأوجبوا أصلين نورا وظلمة وفرعين حركة النور وحسه وسكون الظلمة وعدم الحس من غير أن يبينوا شيئا سوى النور والظلمة قال الفقيه رحمه الله ذكرنا أقاويلهم لتعلموا مقت الله ممن آثر عداوته وعدل عن طاعته ولم يتفكر في خلقه بفكر خاضع له مستغيث به ليوفقه لدينه ويفتح عليه باب الحق لكن مال إلى الدنيا ركونا إليها ورغبة في شهوات نفسه فوكل إلى نفسه ولم يعصمه من عدوه إذ لم يتضرع إليه ولا رغب في غير الذي مال إليه وبالله نستعين والأصل أن الله عز وجل يجعل هلاك عبده بالذي به يدعى جحوده ويعدل عن طاعته خوفا عن أمر يلزمه بأن يهلكه بلزومه فيما طمع الخلوص عنه فهؤلاء لظنهم أن الذي يكون منه الخير لا يحتمل كون الشر منه صاروا إلى القول بإثنين وبجعل أصل كل غير الذي هو أصل الآخر ثم صيروا الذي هو أصل الخير عندهم هو النهاية في الشر والذي هو أصل الشر عندهم هو النهاية في الخير لأن هؤلاء صيروا النور جاهلا بعواقب ما إليه يصيير حتى كان على أحد القولين أراد دفع أذاه فبقى فيه لا يعلم أنه لا يقدر عليه ولا أنه يبقى في غاية ما رام دفعه ولا قدر على التخلص إذ بلى به والأول صار إليه ليلين خشونته ويدفع أذاه جهلا منه أنه لا يقدر عليه وعجزا أن يتخلص عنه وكذلك على قول الماني إن الظلمة هي التي بغت على النور وألقته في حبسها وأوثقته بوثاقها حتى مأتاه وعجز عن النجاة وبدوء كل خير ونهاية العلم والإحاطة بكل خير والبلوغ إليه إنما هو بالقدرة عليه فأزالوا الأمرين جميعا عن النور وحققوا للظلمة فصاروا إلى نقض جميع ما بنوا إن الخير 165 كله لكل ذلك فصيروا النور خارجا عن أعظم الخير والآخر عن أعظم الشر ثم حققوا الأمرين لواحد وله قالوا بالإثنين ليعلم هلاك كل فريق بالذي به ظن النجاة وبالله التوفيق مع ما لو كان لذينك الوجهين يجب القول بالإثنين ليجب القول بالأربع نحو الطبائع إذ هي متضادة كل يضر الكل ولو كان بهذا يقول بالأربع ليجب القول بالست بما لا يخلو شيء قائم عن جهات ست وذلك يوجب القول بالسابع لما كان حامل تلك الجهات لا يوصف بجهة سابقها أو بالخمس بما كان الذي فيه إجتماع تلك الطبائع هو الخامس لا يوصف بحر ولا برد ولو كان كما تقول الثنوية ليجب القول بالثالث لما كانا ولم يكن العالم ولا خير ولا شر ومحال كون متبائن بنفسه ممتزحا بنفسه لا يوجب الاجتماع والتناقض ثبت كون ذلك بغيرها وبه كان كل خير وشر فيبطل قولهم من حيث راموا إثباته

حصہ V01/P164–V01/P166

ثم القول بالواحد لا يضطر صاحبه إلى القول بآخر بوجه وأصل ذلك أن هؤلاء قوم لم تبلغ عقولهم المبلغ الذي يدرك به حكمة الربوبية في الأشياء وظنوا أن يكون الرب على صفتهم من الحاجات والشهوات واحتمال الآفات وشوائب العاهات فقدروا أفعاله بالذي علموا الحكمة بأفعال أنفسهم ولو تأملوا ما هم فيه من الضرورات السواتر المانعة عن الإحاطة بالأشياء ثم بمصالح أنفسهم التي في ذلك جل كدهم وجهدوا لعلموا أن الجهل هو الذي سدهم عن إدراك الحكمة في ذلك وأحق الناس بهذا هم إذ زعموا أن العالم إنما هو امتزاج النور والظلمة فما من جزء من أجزاء النور إلا وهو مشوب بجزء من أجزاء الظلمة والظلمة هي الساترة ثم هي القاهرة للنور فما من خير يرجى بدؤه منه إلا والظلمة تقهره وتستره عن التجلى لأهل المذهب فأنى لهم والعلم والوقوف على طريق الحكمة حتى يدعون في الآخر دعوى بشر والعجب أن نورهم مع قيامه بنفسه وصفائه عن شوائب الظلمة لم يعلم ما عليه الإمتزاج من الضنك والضيق ومن الجهل والعجز ثم يرجى بجزء منه عند خروجه عن جوهره ووقوعه في يدى عدوه أنه يطلقه على الحكمة التي لم يبلغها هو عند تمامه وأحق من لا يدعى الحكمة ولا يناظر أهلها ولا يشرع فيها التنوى لأنه يرجع إلى جوهرين عند نفسه شر وخير وكذا كل أحد عنده وأما إن كان الشرع فيها بجوهر النور وكذلك من يكلمه فيها فهما عندهم حكيمان لا يخفى عليهما شيء لا معنى لكليهما وهما بأنفسهما ذلك أو جوهر الظلمة ومحال احتمالهما الحكمة أو أحدهما جوهر النور والآخر هي الظلمة لا يحتمل ذا الجهل ولا الآخر العلم فيكون التكلم عبثا لا معنى له ولا قوة إلا بالله قال الشيخ رحمه الله ثم الأصل أن من يفعل فعلا لا ينتفع هو به لهلاكه وفنائه أنه عائب والله سبحانه لم يكن لينتفع بما ينشئه لتعاليه عن الحاجات وغناه بنفسه عن غيره فيبطل أن يكون فعله لينتفع به هو ثم لو كان للهلاك لا غير لكان لا معنى لخلقه فثبت أن خلق العالم للعواقب ثم خلق خلائق لم يجعل عندها تمييزا ولا إدراكا لعواقب الأمر ثبت أنه خلقهم لا لأنفسهم وخلق خلقا يعرفون ذلك ويطلبون بجميع صنيعهم نفع العواقب حتى من خرج فعله عن ذلك إذ هو محتاج كل غير حكيم في فعله فلزمت محبتهم لئلا يضيع نعم المنشئ فيهم من العقول التي يدركون بها العواقب ولأنهم لو تركوا وتدبيرهم لم يكونوا يرضون من أنفسهم التقلب فيما لا يؤثر نفعا ولا يعقبه حمدا ومن تعاطى منهم مثله فهو سفيه جاهل وإذا لزم ما ذكرنا لزم في الحكمة خلق الضار والنافع وخلق الجوهر المحتمل للألم واللذة وإنشاء الآلام والملاذ ليعلموا ما يرغب إليه الأنفس وما تهرب منه فيحذرون ويرغبون بمثله فيما امتحنوا به وليعلموا النفع من الضرر الذي لولا ذلك لم يكن لخلقهم معنى فخلقهم الله على ما خلق من الإختلاف لهذين السببين ثم بلطفه خلق كل جوهر محتملا للنفع والضرر يحل به لغيره وأوصل منفعة كل جوهر بغيره من الجواهر التي فيها المضار ليعلم الناظرون أن مدبر ذلك كله واحد وأنه لو كان من مختلف لتدافع الخلق لأن جوهر الخير إذ لا يجئ منه غير الخير ومن جوهر الشر غير الشر لكان صنع كل واحد منهما في بعض صنع الآخر وإفساده ما يقوم مع مثله عالم فدل الإتساق وتعلق منافع بعض ببعض على فساد هذا على أنا إذا لم نقل بأن الكل لواحد لم يحتمل القول منا لعدد إذ لم يقدر واحد منهم على أفراد الذي منه باد يدل عليه ولا أعلم عليه علما يدل عليه لم يجب بمثله حق المعرفة به والعلم بحالة فيفسد العلم جميعا لجهل الأصل الذي كل أنواع العلم وفروعه به

حصہ V01/P166–V01/P168

مع ما ينفع أحد الجوهرين يضر الآخر وفي ذلك يلاقى الضار النافع فيبطل به نفع البتة لما معه المانع عنه وفي وجود العالم وما فيه لكل منهم نفع هو الدليل الحق على أن مدبر ذلك كله واحد لحبس كل ضار عن عمله من وجه ضرره باللطف لتقبل ما أراد من النفع ليصل إلى من أراد نفعه وهكذا هذه القصة فيمن أراد ضرره ولا قوة إلا بالله مع ما أنه معلوم أن العقول ليست تركب للأكل والشرب ما لا عقل له في ذلك ما له العقل وتعظيم محل قوم اتقوا الأكل والشرب في القلوب وهم الملائكة فثبت أنها خلقت للعبر والنظر لما فيه المحامد والمكارم وإذ كان كذلك لزم خلق مختلف الجواهر في الحكمة ليكون بطريق العبرة تاما وحق النظر وافرا ولا قوة إلا بالله على أنه معلوم في الشاهد أن من يعمل الأمرين جميعا هو أتم بل لا يقدر أحد على إتقاء ما يضره إذا لم يعلمه فعلى ذلك خلق الأمرين في الحكمة أوجب وأتم من خلق أحدهما مع ما في ذلك من دلالة غنى الفاعل وتمام قوته وعلمه بما يليق بكل شيء أن يكون عليه ولا قوة إلا بالله ولو لم يكن لما عليه أهل التوحيد سوى أدلة صدق الدعاة إليه والبراهين النيرة معهم وهم الرسل مما لا يوجد شيء من ذلك لأحد من منكرى الصانع الواحد لكان ذلك كافيا فكيف وما من شيء إلا وهو بجوهره يشهد بحدثه وأنه حدث لمحدث حكيم لولا تعنت الملحدين بما ادعوا من قدم الأعيان مما لا سبيل لهم في الرجوع إليه إلا إلى تقليد من ليس معه دليل أو جعله سفهه وهو عجزه عن الوقوف على كون شيء لا عن شيء دليلا له ولا ريب أن كلا منهم يعلم من نفسه جهلا بأشياء ثم العلم بها وعجزا عن أشياء ثم قدرته عليها وضرورة إلى أشياء ثم غنى عنها فحق من هذا وصفه أن لا يثق برأيه ولا ينفع ما يرى أنه من إشارة عقله مع ما لا يخلو أن من رد ذلك إلى الطبائع التي لا تعقل ما يولد منها وبها وكذلك النجوم أو إلى عدد من الصانعين مما كان بدء أمرهم الجهل والعمى أو إلى تقليد أقاويل في قدم الأشياء على ماهي عليه مما يتناقض ويتضاد فأنى لهم العقل مع هذه الأصول المتجاهلة الذين هم فروعها أو الوقوف على حقائق الأشياء حتى يدعون في شيء من حكمة أو سفها ولا قوة إلا بالله على أن الذي دعى الثنوية إلى إنكار شيء من لا شيء خروجه عن التصور في العقول أو تقديرهم في تعرف الحكمة في العقل ما عاينوا بينهم ولو علموا أن القول بمبادئ العالم على ما عندهم في الخروج من التصور في الوهم مثل الذي أنكروا أو خروج ما معهم من الروح والعقل والحواس أو خروج حكمهم عن التصور في الوهم لما أنكروا ثم لو علموا أنهم شهدوا فعل الضعفاء الجهال بأنفسهم على ما علموا بالخبر أنهم ثم كانوا لعلموا أن الأشياء من غير شيء أحق أن تنسب إليه من به جملة العالم ثم لو علموا غناه وقدرته وتعاليه عن صفة الخلق لم تضق قلوبهم عند قصورها عن درك الحكمة في خلقه على الله نتوكل وبه نستعين وذكر جعفر بن حرب أنه سأل ثنويا عمن قتل آخر ظلما ثم اعتذر إليه وأقر بالإساءة فألزمه أن الثاني خير ولو كان من غيره جوهر الأول كان كذبا من النور وهو شر فكتب ذلك إلى رئيس لهم فكتب الرئيس مجيبا إن ذلك كمن ينفح دابته ويعتذر هو فقال جعفر إنما ذلك توجع منه ولو اعتذر في الحقيقة كان جاهلا إلا أن يكون الإعتذار من تقريبه الدابة إليه فأسلم الرجل وحق له أن يسلم وما ذكر ابن حرب لازم ولا قوة إلا بالله

حصہ V01/P168–V01/P170

ثم المسألة على قول المعتزلة خطأ إذ من مذهبهم أن ليس في خلق الله شر وإنما سمى شرا بالمجاز فإنما طريق مناظرتهم الثنوية في إزالة ما ظنوه شرا أن يكون شرا فأما أن يسلموا الثنوية ويلزمهم القول بالخالق الواحد من الوجه الذي يوجد من غير الله تعالى الوجهين جميعا ويجعلونه على الصانع فيجد القول بنفى ذلك فهو محال فاسد لما فيه تثبيت معرفته وتوحيده يخلق الشر والخير ثم ينفى أحدهما في الحقيقة رجعت إلى قول الثنوية بأن الذي منه خلق الشر في الحقيقة غير الذي منه خلق الخير فيلزمه التوحيد بالتثنية ووجه قولهم في هذا أنهم أنكروا خلق أفعال العباد بما فيها السيئات والمعاصي والشرور فعورضوا بخلق الشرور من الجواهر وأنه لم يسم به شريرا ولا مسيئا ولا إفساد الأشياء مفسدا فكذلك في خلق أفعال الشر والفساد لا يسمى به فكان من جوابهم أن الجواهر سميت شرا على المجاز لا على الحقيقة وهي في الحقيقة ليست بالشر وأما عندنا فنحن نقول بأن الله جل جلاله خالق جوهر الشر والخير وخالق فعل الخلق شرا أو خيرا ولا يجوز كون شيء في سلطانه لم يخلقه فيكون له شريك في سلطانه وعديل في خلق عالمه جل الله عن ذلك وتعالى ونقول بأن خلق الخلق ليس هو ذلك الخلق وكذلك فعله ولا يوصف فعله بالشر والخير ولا يوصف بأن فعله خير وشر لأنه موصوف بفعله ولم يقل هو خير ولا شرير ومن فعله ذلك في الحقيقة فهو مسمى به ولا قوة إلا بالله وما يجب في الحكمة خلق الجواهر المؤذية والمناظر القبيحة وخلق الآفات في الحواس أن البشر كلهم قد اعتقدوا شيئا غاب عن حواسهم إما نفى أو إثبات منهم من دانوا ومنهم من تجاهل وحصل على الشهوات فإذا لم يخلق فيما يقع على الحواس ما ذكرنا لم يعرفوا القبح من الحسن ولا المؤذى من النافع وإذا لم يعقلوا ذلك لم يحتمل عقولهم درك القبيح من الحسن ولا المؤذى من الملذ فخلق كذلك ليمثلوا بما تقع عليه الحواس ما لا تقع عليه ليصير كل معتقد غاب عن البصر على ما عليه معروفا بما يشاهده ولا قوة إلا بالله ثم الذي ينقض على الثنوية على اختلافهم اتفقوا في جميع ما ينطقون به أنهم بجوهر النور ينطقون وبه يتقلبون فصار كل الإختلاف به إن صدقوا وإن كذبوا فصار كل الكذب به وإن صدق بعضهم وكذب بعض فثبت ممن هو من جوهر الظلمة تفضيل النور حتى اختار الإنتساب إليه دون الظلمة وتفضيل ذي الفضل خير في شهادة العقول يلزم بطلان القول بأصل هو شر لا يجئ منه غيره وخير لا يجئ منه غيره ولا قوة إلا بالله ثالثا أقاويل المرقيونية وبيان فسادها والمرقيونية قالوا بعلو النور وسفول الظلمة وبمتوسط بينهما ليس بنور ولا ظلمة وهو الإنسان الحساس الدراك والإنسان عندهم حياة في البدن وأن هذه الثلاثة كانت متفرقة فامتزجت وأن كل جنس منها يحاذى الذي يليه كمحاذاة الشمس الظل نحو أعلى المتوسط يحاذى النور وأسفله الظلمة والجوهران عند الأولين كذلك في التحاذى

حصہ V01/P170–V01/P172

وقول الصابئين مثل قول المنانية إلا أن بينهما كما زعم ابن شبيب فرق قليل لا يحده والمنانية زعمت أن النور يلقى الظلمة من الشمال ذاهبا في مهب الجنوب والظلمة تلقاه في مهب الجنوب ذاهبة في مهب الشمال وكانا متلاقيين على دخول بعض الظلمة فيه ولا يتناهيان من سائر الجهات فتكلم هؤلاء بمثل الذي تكلم الثنوية ثم لا يخلو الواسط من أن يكون تدبير كان منهما أمر العالم أو على الإجتماع حدث منه فإن كان بالتدبير بطل الإمتزاج وأنى يقع وهو بين النور والظلمة والظلمة من شأنها التسفل ومن شأن النور العلو وبينهما فاصل يمنع إلا أن يكون بالتدبير جمع بينهما وإمتزاج هو بهما فكان أصل كل شر إذ كان من الإمتزاج ولولا أنه مزج بينهما ما وجد أحدهما سبيلا إلى الآخر فيصير الأمر إلى أن مدبر الخير والشر واحد وإن كانا هما غلبا بالطبع وقهرا الواسط حتى امتزجا فإذا لم ينفعه حسه ودركه إذ صار تحت قهر ذي الطبع فكونه واسطا لا معنى له أو حصل الأمر على النور والظلمة ثم قالوا جعلوا الواسط متناهيا والآخرين غير متناهيين والمتناهي تحت غير المتناهي لأنه كالمقصر عن تمام ما ليس بمتناه كالقصير من الطويل والإنسان إن كانت الحياة التي في البدن فهي محسه للبدن مستعملة له فيجب أن يكون الواسط هو الذي له تدبير العالي والسافل وهو المستعمل لهما فيصير الإله في الحقيقة واحدا أو يبطل الإمتزاج وما ذكر من الخيال ثم إشارته إلى الإمتزاج وهي حياته خطأ إذ لا إنسان يعرف تدبير إبتدائه ولا أصلح ما فسد منه ولا دفع ما حل به ثبت أن المدبر واحد وهو غير الذي ذكر وأن الذي ذكر تحت تدبير الواحد ثم لا فرق بين أن يحدث مزاجا لم يكن لا عن أصل هو امتزاج وبين أن يحدث لم يكن لا عن أصل البينونة ثم لا فرق بين إمكان تغير قد تم إلى إحتمال الحوادث بعد أن لم تكن كذلك بقدرة قادر وبين أن يكون الحوادث به لا يقلب القديم إلى معنى الحديث إذ هما جميعا في البعد عن البصر في الوهم واحد وبالله المعونة والنجاة أقاويل المجوس وبيان فسادها قال الشيخ رحمه الله قالت المجوس أعجب الله حسن خلقه فتخوف ما يضاده فيه فتفكر في ذلك فكرة فحدث منها إبليس وقال بعضهم أصابته بعينة فالتفت وراءه فرأى إبليس فصالحه على أن يمهله إلى مدة ووادعه على ذلك حتى إذا مضت المدة أهلكه الله فكان من إبليس كل شر ومن الله كل خير وهذا الذي حكوا إن كان هو قولهم في الحقيقة فهم شر من جميع الثنوية لأن الثنوية قالت بإثنين لما رأوا خلق الشيء لا عن شيء غير متصور في الوهم عظم عليهم القول بحدث العالم لا عن شيء ثم رأوا العالم مشتملا على خير وشر موصوفا كل من فعله الخير والعدل بالصفات المحمودة ومن فعله الشر والجور بالصفات المذمومة استعظموا نسبتهما إلى الواحد فيكون واحدا محمودا مذموما بما عليه العرف فقالوا بإثنين قديمين

حصہ V01/P172–V01/P173

والمجوس قد استجازوا حدث العالم لا عن شيء وأصل وإنما عظم عندهم وصف من منه الخيرات بفعل الشر لم ألزموه فعل شر الشر صيروه أمه إذ الفكرة الردية شر وما حدث وهو إبليس شر وكان منه الأمران جميعا وهو السبب الذي دعاهم إلى القول بإثنين فتناقض قولهم مع ما لا يؤمن منه حدوث الفكر وقتا بعد وقت فيكون جميع الشر بذلك وإن أريد إحالة ذا دل وجوده مرة على دفع الإحالة إلا أن يقول بالخير فلعل بداه عن الفكرة التي هي شر على أنه إذا وادعه على الترك إلى تلك المدة فأما أن لم يعلم أنه يعمل ما يعمل به الشر والجهل شر فهو شر آخر أو علم فتركه على ما علم من الفساد به فذلك منه الشر ومثله إما أن يكون علم من قبل ما يعمل فكره ففكر على العلم بما يكون منه وهو شر وإما لم يعلم والجهل شر ثم لا يخلو من أن يكون منه وهو شر وإما لم يعلم والجهل شر ثم لا يخلو من أن يكون قادرا على منع إبليس وقهره أو لا فإن قدر ثم أمهله ليفسد الخلق فهو شر عندهم وإن لم يقدر فلا يكون العاجز رب العالمين مع ما يقال ثم علم أن إبليس عند المدة يفى له بالذي وعد وفاء الوعد خير وحق فإذا يكون من الشر خير ذلك مع ما كان هذا لازما له إنه إذا كان ممن هو أصل الخير يجئ الشر فنعكس عليهم ونجعل كل خير من إبليس وكل شر من غيره وبعد فكيف يأمن بالقدرة عليه في الوقت الذي لم يكن لإبليس غير نفسه عون وللذي به كان كل الأشياء أعوان ثم اختلط خلقه الذين هم أعوانه بالذين هم أعوان الله في منعهم عن المعونة عليه جل الله عما وصفه الملحدون وإن قالوا الموادعة كانت لبعض المصالح فمثله الهوام الضارة والأشياء المؤذية وبعد فإن تخوفه من يضاده يوجب الجهل بأنه رب كل شيء وكذلك إصابة العين فإذا ضر به العين ومن تقهره العين وتزيل قدرته وتدفع علمه فهو رب بغيره لا بنفسه خالق بغيره فيلزم القول في معبودهم إنه عبد لا معبود ثم لا شيء من تلك الجواهر المؤذية إلا وهي تنفع خلقا فلا تضر ولا تؤذي لأنفسها ولكن بمدبر حكيم عليم جعلها بحيث تؤذى أحدا وتنفع آخر ثبت أن القول بإنفراد منشئ الشر بعيد ثم إن لم يكن في خلق الشيء من غير شيء إلا خروجه من وسع الخلق وارتفاعه عن التصور فلا أحد امتنع عن القول بتحقيق مثله لأن إنشاء الجسم وكونه في الأرحام بالطبائع وحدوثه بحركات النجوم أو خروج العالم عن هذا الطبع وإمتزاج النور والظلمة ثم التباين خارج عن الوجه الذي ذكر على أن حقيقة كل شيء من تأمله كذلك نجده لأنه ليس في النطفة ولا في جميع الأغذية ولا في الأرحام شي من معاني البشر ثم مما له من العقل والسمع والنظر فإنما ذلك خارج عن ذلك بتقدير عليم حكيم وكذلك جميع الطبائع المختلفة أو جواهر الخير والشر لو خلى بينها وبين عملها ما ظهر بها جوهر ولا يمكن بها خلق فالقول بالكون بمثله أبعد عن التصور في العقل ولا قوة إلا بالله

حصہ V01/P173–V01/P176

وقد بينا وجه الحكمة في خلق الجواهر المختلفة وأن فعل الله لا يوصف بذلك وإن أنشأها على ما عليه من قبح القبيح وحسن الحسن هو معنى الحكمة ووضع كل شيء موضعه وأن الله تعالى إذ لم يخلق لحاجات نفسه وإنما خلق بذاته إنه خالق ليكون الخلق الذي ركب فيهم العقول وجعلهم أهل المعرفة بالنعم والبلايا يمتحنون بوضع كل شيء موضعه والقيام بالشكر لما أنعم عليهم بأن جعل لهم جميع الخلائق على اختلاف جواهرهم أدله وعبرا ومحنة وإبتلاء بمعاداه جواهر وموالاة أخرى وليعرفوا كيفية الإتقاء ووجه الحذر وما فيه الرعب ووجوه المبادرة في ذلك للعواقب المحمودة في العقول وإبقاء لمكروهة فيها بما عاينوا من مختلف الجواهر والأحوال في حق الترغيب والترحيب ليكون الوعد والوعيد مقدرا عن الحس والعيان إذ ذلك طريق المعارف وبه يوصل إلى درك النهايات ولا قوة إلا بالله ولو جاز إنكار الشيء لا من شيء بما لا يتصور في الوهم لجاز لكل مؤوف الحاسة إنكار ما يدرك بها إذ هو غير مدرك إنكار كل غائب لم يبلغه الحاسة وفي ذلك نفض المجوسية وغيرهم إذ هم جميعا اتبعوا أوائلهم ثم التصور في الوهم تقديره مما تقع عليه الحاسة إذا ارتفعت فتصور حال وقوع الحاسة في وهمه أو يقدر مثله في الوهم ثم الله سبحانه لم يعرف من طريق الحواس ولا له مثال في المعروف بطل التقدير به ثم الأصل أن التصور في الوهم هو علم الحس أو في علم الحس دليل لزوم العلم بما لم يحس ولأن يعرف إذ كل ذي حس جاهل بمائية الحس وكيفيته فلزم ذلك في كل حس هو كذلك فيجب كون الحواس بمن يعرف حقائقها وينشئها على ما يرى أهل الحواس أن الذي أنشأها لا يحتمل إدراكه بالحواس إذ كل ذي حاسة جاهل بما عليه أحواله وعاجز عن إحتمال وسعه ما فسد منه فأوجب ذا أن وراء هذا عليم حكيم لا يحتمل ما احتمل المحسوس إذ لو جاز واحتمل لم يحتمل كون المحسوس به كما لم يحتمل بأمثالنا وبالله العصمة والنجاة مسألة إثبات الرسالة وبيان الحاجة إليها قال الفقيه رحمه الله تكلم الناس في الرسالة فأثبتها أئمة الهدى وقادة الخير وحكماء البشر وأنكرها من جهل صانعه ومن أقر ممن جهل أمره ونهيه ومن أقر بذلك ممن زعم أن في العقل الغنى عن الرسالة مع ما أمكن مقابلة آيات من ادعى الرسالة بصنيع الكهنة والسحرة والمشعبذة وبعد فإنه يحتمل ظهور عجز من حضرهم بما لم يكن في ذلك النوع تكلف وإجتهاد ولم يكونوا امتحنوا قوى الجميع قال الشيخ فنناظر من أنكر الصانع في إثباته إذ التنازع في إرساله لا يتمكن إلا بعد لزوم القول بهستيته وثباته مع ما أمكن الأمران جميعا بآيات الرسل إذ هم قوم نشأوا بين قوم عرفوا أحوالهم وقد كانوا أدركوا منتهى وسعهم فلما جاءوا بالآيات التي قهرت عقولهم مع علمهم بأن وسعهم لا يحتمل إنشاء مثلها لزم العلم بصدقة فيما أخبر من مرسله وأن تلك الآيات مما أنشأها من يكون رسالته من عليم حكيم قادر على إنشاء الأدلة على إثباته ليعلموه بها وإن لم يشهدوه ولا قوة إلا بالله ثم من أنكر الأمر والنهى والوعد والوعيد لم يحصل لإنشاء حكمة وإنما حصل منه على الإنشاء ثم الإفناء ثم معلوم أن كل من ذلك عاقبة فعله ليس بحكيم فدلت حكمة صانع العالم بما جعل فيه من الأدلة على وحدانيته وعظيم سلطانه على أنه حكيم والله الموفق

حصہ V01/P176–V01/P178

مع ما كان الله سبحانه إذ هو غنى بذاته حكيم في فعله خلق الخلق للبقاء إلى قدرة جعلها لهم ثم لم يجعل البقاء إلا بالأغذية وقد حبب إليهم البقاء ودوام الحياة فلو لم يجعل عليهم الأمر والنهى لبادر كل إلى ما يطمع فيه من البقاء ودوام الحياة مع ما له فيه من اللذة والشهوة ثم يفعل أقرانه بذلك الشيء نحو فعله فيحدث بينهم التنازع والتجاذب ويحملهم ذلك على التدافع وفي ذلك خوف الفناء بما به جعل البقاء فلزم جعل الحرمات والحل والأمر والنهى بما فيه من الوعد والوعيد ليعلم كل ما له مما ليس له فيسلم من كل عداوة وتبقى له روحه ومن أنكر الأمر والنهى والمحنة ذهب إلى معنى المحنة في الشاهد إنما هو لظهور ما خفى وتجلى ما استتر والأمر والنهى لمنفعه ينالها الآمر والناهي أو مكروه يدفعه فإذا كان الله غنيا بذاته عليما بالسرائر والخفيات ذهب معنى المحنة والأمر والنهى قال الفقيه رحمه الله نقول وبالله التوفيق إن كان أمره ونهيه ومحنته على ما يذكر فإن فعله لذلك لمكروه يدفع أو محبوب يجلب أو عيب عنه يتخلى والله سبحانه أنشأ العالم لا للذي يذكر فمثله الأمر والنهى والمحنة مع ما كان ذلك التقدير إنما هو فعل المحتاجين مما يعلو درجاتهم وتجل أقدارهم ولو فعلوا غير ذلك كان عليهم في فعل ذلك ضرر عاجل وشر آجل فأما من هو حكيم بذاته غنى فهو لا يفعل لنفع ولا لدفع الضرر فمثله الأمر والنهى مع ما بينا من إختلاف الممتحنين في الغنا والحكمة لم يجز تقدير أحدهما بالآخر ولا يحتمل حكيم يفعل الشر لحكمه الربوبية فتكلفه الذي ذكر خطأ وبعد فإنه إذ جعل الخلق قسمين ضارا ونافعا وجعل كل جوهر محتملا للألم واللذة لم يحتمل أن يجعلهم كذلك إلا لعواقب يحذرهم بها ويرغبهم فيها من الوعيد بالشدائد والوعد بالملاذ وبذلك تتم الرغبة والرهبة والله الموفق وبعد فإذ خلق الخلق وجعل البعض منافعا لبعض وإن لم يكن له في ذلك نفع لغناه وكذلك المضار فمثله يأمر وينهى بمنافع بعض ببعض وإتقاء المضار مع ما يأمر بما ينفعهم كما خلقهم وجعل لهم ذلك وينهى عما يضرهم والله الموفق وأيضا إن في الحكمة الأمر والنهى إن الله خلق البشر في أحسن تقويم وسخر لهم جميع ما على وجه الأرض وبركاتها وبركات السماء من غير أن سبق منهم ما خرج ذلك مخرج المكافأة أو مخرج حق قضاه فلا يجوز في العقل إسداء مثل هذه النعم إلى ما لا يعرفها لما فيه تضييع وظلم النعم فلزمهم به معرفة المنعم ليعلموا من يستحق المحبة ويستوجب الشكر وفي ذلك لزوم المحنة ووصل بذلك الوعد والوعيد ليتم الرغبة والرهبة وبالله التوفيق وبعد فإنه قد حسن في العقول الصدق والعدل وقبح فيها الجور والكذب فجعل الفريق الأول عظيما في القلوب كريما والثاني حقيرا مهينا فيصير العقول آمرة بكسب ما يعلى شرف من رزق منها وناهية عما فيه هو أن صاحبها فيجب الأمر والنهى بضرورة العقل ثم الثواب ليتم الكرامة لمن اختار سبلها والقيام بوفائها والعقاب لمن آثر هواه على إشارة العقل وفيما ذكرنا لزوم القول بالرسل ليدلوهم على معالم العدل والصدق ومضار ضدهما على الإشارة إلى كل شيء أشكلت مائيته ليكون أمر الأحوال للحمد موافقا والله الموفق وبعد فإنه لا عاقل في الشاهد يرضى إهمال نفسه عن التعاهد ينهمك في الشهوات بل كل يجتهد على تسويتها على ما لايضرها وعلى ما يحمد عواقبها على ما فيها من الجهل الذي يعطبه بما به يرجو نجاته ويضره فيما به يطمع نفعه فذلك يحوجه إلى من يعلم عواقب الأمور حتى يروض نفسه على إشاراته دون أن يهملها لشهواتها ولا قوة إلا بالله

سوالات