Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
إذا تلفت العين المستأجرة في يد المستأجر من غير فعله لم يلزمه الضمان لانه عين قبضها ليستوفي منها ما ملكه فلم يضمنها بالقبض كالمرأة في يد الزوج والنخلة التى اشترى ثمرتها وإن تلفت بفعله نظرت فإن كان بغير عدوان كضرب الدابة وكبحها باللجام للاستصلاح لم يضمن لانه هلك من فعل مستحق فلم يضمنه كما لو هلك تحت الحمل وإن تلفت بعدوان كالضرب من غير حاجة لزمه الضمان لانه جناية على مال الغير فلزمه ضمانه فصل وإن اكترى ظهرا إلى مكان فجاوز به المكان فهلك نظرت فإن لم يكن معه صاحبه لزمه قيمته أكثر ما كانت من حين جاوز به المكان إلى أن تلف لانه ضمنه باليد من حين جاوز فصار كالغاصب وإن كان صاحبه معه نظرت فإن هلك بعد نزوله وتسليمه إلى صاحبه لم يضمن لانه ضمنه باليد فبرىء بالرد كالمغصوب إذا رده إلى مالكه وإن تلف في حال السير والركوب ضمن لانه هلك في حال العدوان وفي قدر الضمان قولان أحدهما نصف قيمته لانه تلف من مضمون وغير مضمون فكان الضمان بينهما نصفين كما لو مات من جراحته وجراحة مالكه والثاني أنه تقسط القيمة على المسافتين فما قابل مسافة الإجارة سقط وما قابل الزيادة يجب لانه يمكن تقسيطه على قدرهما فقسط بناء على القولين في الجلاد إذا ضرب رجلا في القذف إحدى وثمانين فمات وإن تعادل اثنان ظهرا استأجراه وارتدف معهما ثالث من غير إذن فتلف الظهر ففيه ثلاثة أوجه أحدهما أنه يجب على المرتدف نصف القيمة لانه هلك من مضمون وغير مضمون والثاني يجب عليه الثلث لان الرجال لا يوزنون فقسط الضمان على عددهم والثالث أنه يقسط على أوزانهم فيجب على المرتدف ما يخصه بالوزن لانه يمكنه تقسيطه بالوزن فقسط عليه فصل وإن استأجر عينا واستوفى المنفعة وحبسها حتى تلفت فإن كان حبسها لعذر لم يلزمه الضمان لانه أمانة في يده فلم يضمن بالحبس لعذر كالوديعة وإن كان لغير عذر فإن قلنا لا يجب الرد قبل الطلب لم يضمن كالوديعة قبل الطلب وإن قلنا يجب ردها ضمن كالوديعة بعد الطلب فصل وإن تلفت العين التي استؤجر على العمل فيها نظرت فإن كان التلف بتفريط بأن استأجره ليخبز له فأسرف في الوقود أو ألزقه قبل وقته أو تركه في النار حتى احترق ضمنه لانه هلك بعدوان فلزمه الضمان وإن استؤجر على تأديب غلام فضربه فمات ضمنه لانه يمكن تأديبه بغير الضرب فإذا عدل إلى الضرب كان ذلك تفريطا منه فلزمه الضمان وإن كان التلف بغير تفريط نظرت فإن كان العمل في ملك المستأجر بأن دعاه إلى داره ليعمل له أو كان العمل في دكان الأجير والمستأجر حاضر أو اكتراه ليحمل له شيئا وهو معه لم يضمن لان يد صاحبه عليه فلم يضمن من غير جناية وإن كان العمل في يد الأجير من غير حضور المستأجر نظرت فإن كان الأجير مشتركا وهو الذي يعمل له ولغيره كالقصار الذي يقصر لكل أحد والملاح الذي يحمل لكل أحد ففيه قولان أحدهما يجب عليه الضمان لما روى الشعبي عن أنس رضي الله عنه قال استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين متاعي فضمننيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن خلاس بن عمرو أن عليا رضي الله عنه كان يضمن الأجير وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي كرم الله وجهه أنه كان يضمن الصباغ والصواغ وقال لا يصلح الناس إلا ذلك ولانه قبض العين لمنفعته من غير استحقاق فضمنها كالمستعير والثاني لا ضمان عليه وهو قول المزني وهو الصحيح قال الربيع كان الشافعي رحمه الله يذهب إلى أنه لا ضمان على الأجير ولكنه لا يفتى به لفساد الناس والدليل عليه أنه قبض العين لمنفعته ومنفعة المالك فلم يضمنه كالمضارب
وإن كان الأجير منفردا وهو الذى يعمل له ولا يعمل لغيره فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال هو كالأجير المشترك وهو المنصوص فإن الشافعي رحمه الله قال والأجراء كلهم سواء فيكون على قولين لانه منفرد باليد فأشبه الأجير المشترك ومنهم من قال لا يجب عليه الضمان قولا واحدا لانه منفرد بالعمل فأشبه ما إذا كان عمله في دار المستأجر فإن قلنا إنه أمين فتعدى فيه ثم تلف ضمنه بقيمته أكثر ما كانت من حين تعدى إلى أن تلف ( لانه ضمن ) بالتعدي فصار كالغاصب وإن قلنا إنه ضامن لزمه قيمته أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف كالغاصب ومن أصحابنا من قال يلزمه قيمته وقت التلف كالمستعير وليس بشيء فصل وإن عمل الأجير بعض العمل أو جميعه ثم تلف نظرت فإن كان العمل في ملك صاحبه أو بحضرته وجبت له الأجرة لانه تحت يده فكلما عمل شيئا صار مسلما له وإن كان في يد الأجير فإن قلنا إنه أمين لم يستحق الأجرة لانه لم يسلم العمل وإن قلنا إنه ضامن استحق الأجرة لانه يقوم عليه معمولا فيصير بالتضمين مسلما للعمل فاستحق الأجرة فصل وإن دفع ثوبا إلى خياط وقال إن كان يكفيني لقميص فاقطعه فقطعه ولم يكفه لزمه الضمان لانه أذن له بشرط فقطع من غير وجود الشرط فضمنه وإن قال أيكفيني للقميص فقال نعم فقال اقطعه فقطعه فلم يكفه لم يضمن لانه قطعه بإذن مطلق فصل واختلف أصحابنا فيما يأخذ الحمامي هل هو ثمن الماء أو أجرة الدخول والسطل وحفظ الثياب فمنهم من قال هو ثمن الماء وهو متطوع بحفظ الثياب ومعير للسطل فعلى هذا لا يضمن الثياب إذا تلفت وله عوض السطل إذا تلف ومنهم من قال هو أجرة الدخول والسطل وحفظ الثياب فعلى هذا لا يضمن الداخل السطل إذا هلك لانه مستأجر وهل يضمن الحمامى الثياب فيه قولان لانه أجير مشترك فصل وإن استأجر رجلا ( للحج ) فتطيب في إحرامه أو لبس وجبت الفدية على الأجير لانه جناية لم يتناولها الإذن فوجب ضمانها كما لو استأجره ليشتري له ثوبا فاشتراه ثم خرقه وإن أفسد الحج صار الإحرام عن نفسه لان الفاسد غير مأذون فيه فانعقد له كما لو وكله في شراء عبد فاشترى أمة فإن كان العقد على حجه في هذه السنة انفسخ لانه فات المعقود عليه وإن كان على حج في الذمة ثبت له الخيار لانه تأخر حقه فإن استأجر للحج من ميقات فأحرم من ميقات آخر لم يلزمه شيء لان المواقيت المنصوص عليها متساوية في الحكم وإن كان بعضها أبعد من بعض فإذا ترك بعضها إلى بعض لم يحصل نقص يقتضي الجبران وإن أحرم دون الميقات لزمه دم لانه ترك الإحرام من موضع يلزمه الإحرام منه فلزمه دم كما لو ترك ذلك في حجه لنفسه فإن استأجره ليحرم من دويرة أهله فأحرم دونه لزمه دم لانه وجب عليه ذلك بعقد الإجارة فصار كما لو لزمه في حجه لنفسه بالشرع أو بالنذر فتركه وهل يلزمه أن يرد من الأجرة بقسطه قال في القديم يهرق دما وحجه تام وقال في الأم يلزمه أن يرد من الأجرة بقدر ما ترك فمن أصحابنا من قال يلزمه قولا واحدا والذى قاله في القديم ليس فيه ( نص ) أنه لا يجب ومنهم من قال فيه قولان وهو الصحيح أحدهما لا يلزمه لان النقص الذي لحق الإحرام جبره بالدم فصار كما لو لم يترك والثاني أنه يلزمه لانه ترك بعض ما استؤجر عليه فلزمه رد بدله كما لو استأجره لبناء عشرة أذرع فبنى تسعة فعلى هذا يرد ما بين حجه من الميقات وبين حجه من الموضع الذي أحرم منه
فإن استأجره ليحرم بالحج من الميقات فأحرم من الميقات بعمرة عن نفسه ثم أحرم بالحج عن المستأجر من مكة لزمه الدم لترك الميقات وهل يرد من الأجرة بقدر ما ترك على ما ذكرناه من الطريقين فإن قلنا يلزمه ففيه قولان قال في الأم يرد بقدر ما بين حجه من الميقات وحجه من مكة لان الحج من الإحرام وما قبله ليس من الحج وقال في الإملاء يلزمه أن يرد ما بين حجه من بلده وبين حجه من مكة لانه جعل الأجرة في مقابلة السفر والعمل وجعل سفره لنفسه ويخالف المسألة قبلها لان هناك سافر للمستأجر وإنما ترك الميقات وإن استأجره للحج فحج عنه وترك الرمي أو المبيت لزمه الدم كما يلزمه لحجه وهل يرد من الأجرة بقسطه على ما ذكرناه فيمن ترك الإحرام من الميقات باب اختلاف المتكاريين إذا اختلف المتكاريان في مقدار المنفعة أو قدر الأجرة ولم تكن بينة تحالفا لانه عقد معاوضة فأشبه البيع وإذا تحالفا كان الحكم في فسخ الإجارة كالحكم في البيع لان الإجارة كالبيع فكان حكمها في الفسخ كالحكم في البيع فإن اختلفا في التعدى في العين المستأجرة فادعاه المؤجر وأنكره المستأجر فالقول قول المستأجر لان الأصل عدم العدوان والبراءة من الضمان فإن اختلفا في الرد فادعاه المستأجر وأنكره المؤجر فالقول قول المؤجر أنه لم يرد عليه لان المستأجر قبض العين لمنفعته فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير وإن اختلف الأجير المشترك والمستأجر في رد العين فادعى الأجير أنه ردها وأنكر المستأجر فإن قلنا إن الأجير يضمن العين بالقبض لم يقبل قوله في الرد لانه ضامن فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير والغاصب وإن قلنا إنه لا يضمن العين بالقبض فهل يقبل قوله في الرد فيه وجهان كالوكيل بجعل وقد مضى توجيههما في الوكالة وإن هلكت العين فادعى الأجير أنها هلكت بعد العمل وأنه يستحق الأجرة وأنكر المستأجر فالقول قول المستأجر لان الأصل عدم العمل وعدم البدل فصل وإن دفع ثوبا إلى خياط فقطعه قباء ثم اختلفا فقال رب الثوب أمرتك أن تقطعه قميصا فتعديت بقطعه قباء فعليك ضمان النقص وقال الخياط بل أمرتني أن أقطعه قباء فعليك الأجرة فقد حكى الشافعي ( رحمه الله ) في اختلاف العراقيين قول ابن أبي ليلى أن القول قول الخياط وقول أبي حنيفة ( رحمة الله عليه ) أن القول قول رب الثوب ثم قال وهذا أشبه وكلاهما مدخول وقال في كتاب الأجير والمستأجر إذا دفع إليه ثوبا ليصبغه أحمر فصبغه أخضر فقال أمرتك أن تصبغه أحمر فقال الصباغ بل أمرتني أن أصبغه أخضر أنهما يتحالفان واختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق فمنهم من قال فيه ثلاثة أقوال أحدها أن القول قول الخياط لانه مأذون له في القطع فكان القول قوله في صفته والثاني أن القول قول رب الثوب كما لو اختلفا في أصل الإذن والثالث أنهما يتحالفان وهو الصحيح لان كل واحد منهما مدع ومدعى عليه لان صاحب الثوب يدعي الأرش والخياط ينكره والخياط يدعي الأجرة وصاحب الثوب ينكره فتحالفا كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر ( الثمن ) ومن أصحابنا من قال المسألة على القولين المذكورين في اختلاف العراقين وهو قول أبي العباس وأبي إسحاق وأبي علي بن أبي هريرة والقاضي أبي حامد ومن أصحابنا من قال هي على قول واحد أنهما يتحالفان وهو قول أبي حامد الإسفراييني لان الشافعي ( رحمه الله ) ذكر القولين الأولين ثم قال وكلاهما مدخول فإن قلنا إن القول قول الخياط فحلف لم يلزمه أرش النقص لانه ثبت بيمينه أنه مأذون له فيه وهل يستحق الأجرة فيه وجهان أحدهما وهو قول أبي إسحاق أنه لا يستحق الأجرة لان قوله قبل في سقوط الغرم لانه منكر فأما في الأجرة فإنه مدع فلم يقبل قوله والثاني وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن له الأجرة لانا قبلنا قوله في الإذن فعلى هذا هل يجب المسمى أو أجرة المثل فيه وجهان أحدهما يجب المسمى لانا قبلنا قوله أنه أذن له فوجب ما اقتضاه
والثاني يجب له أجرة المثل لانا إذا قبلنا قوله لم نأمن أن يدعي ألفا وأجرة مثله درهم وإن قلنا إن القول قول صاحب الثوب فحلف لم تجب الأجرة لانه فعل ما لم يؤذن فيه ويلزمه أرش القطع لانه قطع ما لم يكن له قطعه وفي قدر الأرش قولان أحدهما يلزمه ما بين قيمته مقطوعا وصحيحا لانا حكمنا أنه لم يؤذن له في القطع فلزمه أرش القطع والثاني يلزمه ما بين قيمته مقطوعا قميصا وبين قيمته مقطوعا قباء لانه قد أذن له في القطع وإنما حصلت المخالفة في الزيادة فلزمه أرش الزيادة فإن لم يكن بينهما تفاوت لم يلزمه شيء وإذا قلنا إنهما يتحالفان فتحالفا لم تجب الأجرة لان التحالف يوجب رفع العقد والخياطة من غير عقد لا توجب الأجرة وهل يجب أرش القطع فيه قولان أحدهما يجب لان كل واحد منهما حلف على ما ادعاه ونفى ما ادعي عليه فبرئا كالمتبايعين والثاني أنه يجب أرش النقص لانا حكمنا بارتفاع العقد بالتحالف فإذا ارتفع العقد حصل القطع من غير عقد فلزمه أرشه ومتى قلنا إنه يستحق الأجرة لم يرجع بالخيوط لانه أخذ بدلها فإن قلنا لا يستحق الأجرة فله أن يأخذ خيوطه لانه عين ماله فكان له أن يأخذه فصل إذا استأجر صانعا على عمل من خياطة أو صباغة فعمل فهل له أن يحبس العين على الأجرة فيه وجهان أحدهما لا يجوز لانه لم يرهن العين عنده فلم يجز له احتباسها كما لو استأجره ليحمل له متاعا فحمله ثم أراد أن يحبس المتاع على الأجرة والثاني يجوز لان عمله ملكه فجاز له حبسه على العوض كالمبيع في يد البائع فصل وإن دفع ثوبا إلى رجل فخاطه ولم يذكر له أجرة فقد اختلف أصحابنا فيه على أربعة أوجه أحدها أنه تلزمه الأجرة وهو قول المزني ( رحمه الله ) لانه استهلك عمله فلزمه أجرته والثاني أنه إن قال له خطه لزمه وإن بدأ الرجل فقال أعطنى لاخيطه لم تلزمه وهو قول أبي إسحاق لانه إذا أمره فقد ألزمه بالأمر والعمل لا يلزم من غير أجرة فلزمته وإذا لم يأمره لم يوجد ما يوجب الأجرة فلم تلزم والثالث أنه إذا كان الصانع معروفا بأخذ الأجرة على الخياطة لزمه وإذا لم يكن معروفا بذلك لم يلزمه وهو قول أبي العباس لانه إذا كان معروفا بأخذ الأجرة صار العرف في حقه كالشرط وإن لم يكن معروفا لم يوجد ما يقتضي الأجرة من جهة الشرط ولا من جهة العرف والرابع وهو المذهب أنه لا يلزمه بحال لانه بذل ماله من غير عوض فلم يجب له العوض كما لو بذل طعامه لمن أكله وإن نزل رجل في سفينة ملاح بغير إذنه فحمله فيها إلى بلد لزمه الأجرة لانه استهلك منفعة موضعه من السفينة من غير إذن فلزمه أجرتها وإن نزل فيها عن إذنه ولم يذكر الأجرة فعلى ما ذكرناه من الوجوه الأربعة في الخياطة وبالله التوفيق باب الجعالة يجوز عقد الجعالة وهو أن يبذل الجعل لمن عمل له عملا من رد ضالة وردآبق وبناء حائط وخياطة ثوب وكل ما سيتأجر عليه من الاعمال والدليل عليه قوله تعالى ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم وروى أبو سعيد الخدير أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا حيا من أحياء العرب فلم يقروهم فبينماهم كذلك إذا لدغ سيد أولئك فقالوا هل فيكم راق فقالوا لم تقرونا فلا نفعل أو تجعلوا لنا جعلا فجعلوا لهم قطيع شاء فجعل رجل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ الرجل فأتوهم بالشاء فقالوا لا نأخذها حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فضحك وقال ما أدراك أنه رقية خذوها واضربوا لي فيها بسهم ولأن الحاجة تدعوا إلى ذلك من رد ضالة وآبق وعمل لا يقدر عليه فجاز كالاجارة والمضاربة فصل ويجوز أن يعقد لعامل غير معين
للآية ولأنه قد يكون له عمل ولا يعرف من من يعمله فجاز من غير تعيين وروى المزني في المختصر عن الشافعي رحمه الله في المنثور أنه قال إذا قال أول من يحج عني فله مائة فحج عنه رجل أنه يستحق المائة وقال المزني ينبغي أن يستحق أجرة المثل لأنه اجارة فلم تصح من غير تعيين وهذا خطأ لأن ذلك جعالة وقد بينا أن الجعالة تجوز من غير تعيين العامل فصل وتجوز على عمل مجهول لللآية ولأن الحاجة تدعوا إلى ذلك فجاز مع الجهالة كالمضا ولا تجوز إلا بعوض معلوم لأنه عقد معاوضة فلا تجوز بعوض مجهول كالنكاح فإن شرط له جعلا على مجهولا فعلم استحق أجرة المثل لأن كل عقد وجب المسمى في صحيحه وجب المثل في فاسده كالبيع والنكاح ولا يستحق العامل الجعل إلا بإذن صاحب المال فأما إذا عمل له عملا من غير إذنه بأن وجد له آبقا فجاء به أوضالة فردها إليه لم يستحق الجعل لأنه بذل منفعته من غير عوض فلم يستحق العوض فإن عمل بغذانه ولم يشرط له الجعل فعلى الأوجه الأربعة التي ذكرناها في الاجارة فإن أذن له وشرط له الجعل فعمل استحق الجعل لأنه استهلك منفعته بعوض فاستحق العوض كالأجير فإن نادى فقال من رد عبدي فله دينار فرده من لم يسمع النداء لم يستحق الجعل لأنه متطوع بالرد من غير بدل فإن أبقى عبد لرجل فنادى غيره أن من رد عبد فلان فله دينار فرده رجل وجب الدينار على المنادي لأنه ضمن العوض فلزمه فإن قال في النداء قال فلان من رد عبدي فله دينار فرده رجل لم يلزم المنادى لأنه لم يضمن وإنما حكى قوله غيره فصل ولا يستحق شيئا من الجعل إلا بالفراغ من العمل فإن شرط جعلا على رد الآبق فرده إلى باب الدار ففر منه أو مات قبل أن يسلمه لم يستحق شيئا من الجعل لأن المقصود هو الرد والجعل في مقابلته ولم يوجد من شيء وإن قال من رد عبدي الآبق من البصرة فله دينار وهو ببغداد فرده رجل من واسط استحق نصف الدينار لأنه رد من نصف الطريق وإن رده من أبعد من البصرة لم يستحق أكثر من الدينار لأنه لم يضمن له لما زاد شيئا وإن أبق له عبدان فقال من ردهما فله دينار فرد رجل أحدهما استحق نصف الجعل لأنه عمل نصف العمل وإن قال من رد عبدي فله دينار فاشترك في رده اثنان اشتركا في الدينار لأنهما اشتركا في العمل فاشتركا في الجعل وإن قال لرجل إن رددت عبدي فلك دينار وقال لآخران رددته فلك ديناران فاشتركا في الرد استحق كل واحد منهما نصف ما جعل له وإن جعل لاحدهما دينارا وللآخر ثوبا مجهولا فرداه استحق صاحب الدينار نصف دينار وصاحب الثوب نصف أجرة المثل لأن الدينار جعل صحيح فاستحق نصفه والثوب جعل باطل فاستحق نصف أجرة المثل وإن قال لرجل إن رددت عبدي فلك دينار فشاركه غيره في رده فإن قال شاركته معاونة له كان الدينار للعامل لأن العمل كله له فكان الجعل كله له وإن قال شاركته لا شاركه في الجعل كان للعامل نصف الجعل لأنه عمل نصف العمل ولا شيء للشريك لأنه لم يشترط له شيئا فصل ويجوز لكل واحد منهما فسخ العقد لأنه عقد على عمل مجهول بعوض فجاز لكل واحد منهما فسخه كالمضاربة فأن فسخ العامل لم يستحق شيئا لأن الجعل يستحق بالفراغ من العمل وقد تركه فسقط حقه وإن فسخ رب المال فإن كان قبل العمل لم يلزمه شيء لأنه فسخ قبل أن يستهلك منفعة العامل فلم يلزمه شيء كما لو فسخ المضاربة قبل العمل وإن كان بعدما شرع فالعمل لزمه أجرة المثل لما عمل لأنه استهلك منفعته بشرط العوض فلزمه أجرته كما لو فسخ المضاربة بعد الشروع في العمل فصل وتجوز الزيادة والنقصان في الجعل قبل العمل
فإن قال من رد عبدي فله دينا ثم قال من رده فله عشرة فرده رجل استحق عشرة وإن قال من رد عبدي فله عشرة ثم قال من رده فله دينار استحق الدينار لأنه مال بذل في مقابلة عمل في عقد جائز فجائز والزيادة والنقصان فيه قبل العمل كالريح في المضاربة فصل وإن اختلف العامل ورب المال فقال العامل شرطت لي الجعل وأنكر رب المال فالقول قول رب المال لأن الأصل عدم الشرط وعدم الضمان وإن اختلفا في عين العبد فقال السيد شرطت الجعل في رد غيره وقال العامل بل شرطت الجعل في رده فالقول قول المالك لأن العامل يدعى عليه شرط الجعل في عقد الأصل عدمه فكان القول فيه قوله وإن اختلفا في قدر الجعل تحالفا كما قلنا في البيع فإذا تحالف رجع إلى أجرة المثل كما رجع في البيع بعد هلاك السلعة إلى قيمة العين وإن اختلف العامل والعبد فقال العامل أنا رددته وقال العبد جئت بنفسي وصدقه المولى قالقول قول المولى مع يمينه لأن الأصل عدم الرد وعدم وجوب الجعل وبالله التوفيق كتاب السبق والرمى تجوز المسابقة والمناضلة لما روى بان عمر أن رسول الله صلى لله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة منها من الحفيا إلى ثنية الوداع وما لم يضمر منها من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له ناقة يقال لها العضباء لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسبقها فشق ذلك على المسلمين فقالوا يا رسول الله سبقت العضباء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حق على الله أن لا يرتفع من هذه القذرة شيء إلا وضعه وروى سلمة بن الأكوع قال أتى علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نترامى فقال حسن هذا لعبا أرموا يا بني اسماعيل فإن أباكم كان راميا أرموا وأنا مع ابن الأدرع فكف القوم أيديهم وقسيهم وقالوا غلب يا رسول الله من كنت معه قال ارموا وأنا معكم جميعا فإن كان ذلك للجهاد فهو مندوب إليه لما روى عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر وأعدو لهم ما استطعتم من قوة ألا أن القوة هي الرمي قالها ثلاثا وروى عقبة ابن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ارموا واركبوا ولأن ترموا أحب إلى من أن تركبوا وليس من اللهو إلا ثلاثة ملاعبة الرجل أهله وتأديبه فرسه ورميه بقوسه ومن علمه الله الرمي فتركه رغبة عنه فنعمة كفرها وإن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة صانعه المحتسب فيه الخير والرامي ومنبله فصل ويجوز ذلك بعوض لما روى أنه سئل عثمان رضي الله عنه أكنتم تراهينون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم راهن رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس له فجاءت سابقة فهش لذلك وأعجبه والرهن لا يكون إلا على عوض ولأن في بذل العوض فيه تحريضا على التعلم والاستعداد للجهاد فصل ويجوز أن يكون العوض منهما ويجوز أن يكون من أحدهما ويجوز أن يبذله السط من بينتالمال ويجوز أن يكون من رجل من الرعية لأنه اخراج مال لمصلحة الدين فجاز من الجميع كارتباط الخيل في سبيل الله ولا يجوز إلا على عوض معلوم أما معيينا أو موصوفا في الذمة لأنه عقد معاوضة فلم يجز إلا على عوض معلوم كالبيع ويجوز على عوض حال ومؤجل لأنه عوض يجوز أن يكون عينا ودينا فجاز أن يكون حالا ومؤجلا كالثمن في البيع فصل فإن كان العوض من أحدهما أو من السلطان أو من رجل من الرعية فهو كالجعال وإن كان منهما ففيه قولان
أحدهما أنه يلزم كالاجارة وهو الصحيح لأنه عقد من شرط صحته أن يكون العوض والمعوض معلومين فكان لازما كالاجارة والثاني أنه لا يلزم كالجعالة لأنه عقد يبذل العوض فيه على ما لا يوثق به فلم يلزم كالجعالة فإن قلنا إنه كالاجارة كان حكمهما في الرهن والضمين حكم الاجارة وحكمهما في خيار المجلس وخيار الشرط حكم الاجارة ولا يجوز لواحد منهما فسخه بعد تمامه ولا الزيادة ولا النقصان بعد لزومه كما لا يجوز ذلك في الاجارة وإن قلنا إنه كالجعالة كان حكمه في الرهن والضمان حكم الجعالة وقد مضى ذلك في كتاب الرهن والضمان فأما الفسخ والزيادة والنقصان فإن كان قبل الشروع فيه أو بعد الشروع فيه وهما متكافئان فلكل واحد منهما أن يفسخ ويزيد وينقص لأنه عقد جائز لا ضرر على أحد في فسخه والزيادة والنقصان فيه وإن كانا غير متكافئين نظرت فإن كان الذي له الفضل هو الذي يطلب الفسخ أو الزيادة جاز لأنه عقد جائز لا ضرر على صاحبه في الفسخ والزيادة فيه فتلك الفسخ والزيادة فيه وإن كان الذي عليه الفضل هو الذي يطلب الفسخ أو الزيادة ففيه وجهان أحدهما له ذلك لأنه عقد جائز فتلك فسخه والزيادة فيه والثاني ليس له لأن لو جوزنا ذلك لم يسبق أحد أحد لأنه متى لا ح له أن صاحبه يغلب فسخ أو طلب الزيادة فيبطل المقصود فصل وتجوز المسابقة على الخيل والإبل بعوض لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا سبق ألا في نصل أو خف أو حافر ولأن الخيل تقاتل عليها العرب والعمجم والإبل تقاتل عليها العرب فجازت المسابقة عليها بالعوض واختلف قوله في البغل والحمار فقال في أحد القولين تجوز المسابقة عليهما بعوض بحديث أبي هريرة ولأنه ذو حافر أهلي فجازت المسابقة عليهما بعوض الخيل والثاني لا تجوز لأنه لا يصلح للكر والفر فأشبه البقر واختلف أصحابنا في المسابقة على الفيل بعوض فمنهم من قال لا تجوز لأنه لا يصلح للكر والفر ومنهم من قال تجوز لحديث أبي هريرة ولأنه ذو خف يقاتل عليه فأشبه الإبل واختلفوا في المسابقة على الحمام فمنهم من قال لا تجوز المسابقة عليها بعوض وهو المنصوص لحديث أبي هريرة ولأنه ليس من آلات الحرب فلم تجز المسابقة عليه بعوض ومنهم من قال تجوز لأنه يستعاب به على الحرب في حمل الأخبار فجازت المسابقة عليه بعوض كالخيل واختلفوا في سفن الحرب كالزابازب والشذوات فمنهم من قال تجوز وهو قول أبي العباس لأنها في قتال الماء كالخيل في قتال الأرض ومنهم من قال لا تجوز لأن سبقها بالملاح لا بمن يقاتل فيها واختلفوا في المسابقة على الأقدام بعوض فمنهم من قال تجوز لأن الأقدام في قتال الرجالة كالخيل في قتال الفرسان ومنهم من قال لا تجوز وهو المنصوص لحديث أبي هريرة ولأن المسابقة بعوض أجيزت ليتعلم بها ما سيتعان به في الجهاد والمشي بالأقدام لا يحتاج إلى التعلم واختلفوا في الصراع فمنهم من قال يجوز بعوض لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صارع يزيد بن ركانة على شاء فصرعه ثم عاد فصرعة ثم عاد فصرع فأسلم ورد عليه الغنم ومنهم من قال لا يجوز وهو المنصوص لحديث أبي هريرة ولأنه ليس من آلات القتال وحديث يزيد بن ركانة محمول على أنه فعل ذلك ليسلم ولأنه لما أسلم رد عليه ما أخذ منه فصل وتجوز المسابقة بعوض على الرمي بالنشاب والنبل وكل ماله نصل يرمي به كالحراب والرانات لحديث أبي هريرة ولأنه يحتاج إلى تعلمه في الحرب فجاز أخذ العوض عليه ويجوز على رمي الأحجار عن المقلاع لأنه سلاح يرمي به فهو كالنشاب وأما الرمح والسيف والعمود ففيه وجهان أحدهما تجوز المسابقة عليها بعوض لأنه سلاح يقاتل به فأشبه النشاب والثاني لا تجوز لأن القصد بالمسابقة التحريض على تعلم ما يعد للحرب والمسابقة بهذه الآلات محاربة لا مسابقة فلم تجز كالسبق على أن يرمي بعضهم بعضا بالسهم
فصل وأما كرة الصولجان ومداحاة الأحجار ورفعها من الأرض والمشابكة والسباحة واللعب بالخاتم والوقوف على رجل واحدة وغير ذلك من اللعب الذي لا يستعان به على الحرب فلا تجوز المسابقة عليها بعوض لأنه لا يعد للحرب فكان أخذ العوض فيه من أكل المال بالباطل فصل وإن كانت المسابقة على مركوبين فقد اختلف أصحابنا فيها فمنهم من قال لا تجوز إلا على مركوبين من جنس واحد كالفرسين والبعيرين فإن سابق بين فرس وبعير أو فرس وبغل لم يجز لأن تفاضل الجنسين معلوم وأنه لا يجرى البغل في شوط الفرس كما قال الشاعر إن المذرع لا تغني خؤولته كالبغل يعجز عن شوط المحاضير وجوز أن يسابق بين العتيق والهجين لأن العتيق في أول شوطه أحد وفي آخره ألين والهجين في أول شوطه ألين وفي آخره أحد فربما صارا عند الغاية متكافئين ومنهم من قال وهو قول أبي إسحاق أنه يعتبر التكافؤ بالتقارب في السبق فإن تقارب جنسان كالبغل والحمار جاز لأنه يجوز أن يكون كل واحد منها سابقا والآخر مسبوقا وإن تباعد نوعان من جنس كالهجين والعتيق والبختي والتجيب لم يجز لأنه يعلم أنه يعلم أن احدهما لا يجرى في شوط الأخر قال الشاعر إن البراذين إذا أجريتهما مع العتاق ساعة أعنيتها فلا معنى للعقد عليه فصل ولا تجوز إلا على مركوبين معينين لأن القصد معرفة جوهرهما ولا يعرف ذلك إلا بالتعيين فصل ولا تجوز إلا على مسافة معلومة الابتداء والانتهاء لحديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عيله وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع وما لم يضمر منها من ثنية الوادع إلى مسجد بني زريق ولأنهما إذا تسابقا على اجراء الفرسين حتى يسبق أحدهما الآخر إلى غير غاية لم يؤمن أن لا يسبق أحدهما الآخر إلى ان يعطبا ولا يجور أن يكون اجراؤه إلا بتدبير الراكب لأنهما إذ جريا لانفسهما تنافر أو لم يقفا على الغاية وإن تسابقا على أن من سبق صاحبه بخمسة أقدام فأكثر كان السبق له فقد قال أبو علي الطبري في الافصاح يجوز ذلك عندي لأنهما يتحاطان ما تساويا فيه وينفرد أحدهما بالقدر الذي شرطه فجاز كما يجوز في الرمي أن يتناضلا على أن يتحاطا ما تساويا فيه ويفضل لاحدهم عدد قال أبو علي الطبري ورأيت من أصحابنا من منع ذلك وأبطله ولا أعرف له وجها فصل وإن كان المخرج للسبق هو السلطان أو رجل من الرعية
لم يخل أما أن يجعله للسابق منهم أو لبعضهم أو لجميعهم فإن جعله للسابق بأن قال من سبق منكم فله عشرة جاز لأنه يجتهد كل واحد منهم أن يكون هو السابق ليأخذ السبق فيحصل المقصود فإن سبق واحد منهم استحق العشرة لأنه سبق وإن سبق اثنان أو ثلاثة وجاءوا مكانا واحدا اشتركوا في العشرة لأنهم اشتركوا في السبق فإن جاؤا كلهم مكانا واحدا لم يستحق واحد منهم لأنه لم يسبق منهم أحد وإن جعله لبعضهم بأن جعله للمجلي والمصلي ولم يجعل للباقى جاز لأن كل واحد منهم يجتهد إن يكون هو المجلى أو المصلى ليأخذ السبق فيحصل المقصود وإن جعله لجميعهم نظرت فإن سوى بينهم بأن قال من جاء منكم إلى الغاية فله عشرة لم يصح لأن القصد من بذل العوض هو التحريض على المسابقة وتعلم الفروسية فإذا سوى بين الجميع علم كل واحد منهم أنه يستحق السبق تقدم أو تأخر فلا يجتهد في المسابق فيبطل المقصود وإن شرط للجميع وفاضل بينهم بأن قال للمجلى وهو الأول مائة وللمصلى وهو الثاني خمسون ولتالي وهو الثالث أربعون وللبارع وهو الرابع ثلاثون وللمرتاح وهو الخامس عشرون وللحظى وهو السادس خمسة عشر وللعاطف وهو السابع عشرة وللمرمل وهو الثامن ثمانية وللطيم وهو التاسع خمسة وللسكيت وهو العاشر درهم وللفسكل وهو الذي يجىء بعد الكل نصف درهم ففيه وجهان أحدهما يجوز لأن كل واحد منهم يجتهد ليأخذ الأكثر والثاني لا يجوز لأن كل واحد منهم يعلم أنه لا يخلوا من شيء تقدم أو تأخر فلا يجتهد في المسابقة وإن جعل للأول عشرة وللثالث خمسة وللرابع أربعة ولم يجعل للثاني شيئا ففيه وجهان أحدهما يصح ويقوم الثالث مقام الثاني والرابع مقام الثالث لأن الثاني بخروجه من السبق يجعل كان لم يكن والثاني أنه يبطل لأنه فضل الثالث والرابع على من سبقهما فصل فإن كان المخرج للسبق هما المتسابقان نظرت فإن كان معهما محلل وهو ثالث على فرس كفىء لفرسيهما صح العقد وإن لم يكن معهما محلل فالعقد باطل بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فلا بأس ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار ولأن مع المحلل لا يكون قمارا لأن فيهم من يأخذ إذا سبق ولا يعطى إذا سبق وهو المحلل ومع عدم المحلل ليس فيهم إلا من يأخذ إذا سبق ويعطى إذا سبق وذلك قمار وإن كان المحلل اثنين أو أكثر جاز لأن ذلك أبعد من القمار وإن كانت السابقة بين حزبين كان حكمهما في المحلل حكم الرجلين لأن القصد من دخول المحلل الخروج من القمار وذلك يحصل بالمحلل الواحد مع قلة العدد وكثرته واختلف أصحابنا في دخول المحلل فذهب أكثرهم إلى أن دخول الحلل لتحليل السبق لكل من سبق منهم وذهب أبو علي بن خيران إلى أن دخوله لتحليل السبق لنفسه وأن يأخذ إذا سبق ولا يأخذان إذا سبقا لأنا لو قلنا أنهما أذا سبقا أخذا حصل فيهم من يأخذا مرة ويعطى مرة وهذا قمار والمذهب الأول لان بينا أن بدخول المحلل خرجا من القمار لأن في القمار ليس فيهم إلا من يعطى مرة ويأخذ مرة وبدخول المحلل قد حصل فيهم من يأخذ ولا يعطى فلم يكن قمارا فإن تسابقوا نظرت فإن انتهوا إلى الغاية معا أحرز كل واحد منهما سبقه لأنه لم يسبقه أحد ولم يكن للمحلل شيء لأنه لم يسبق واحد منهما وإن سبقه المخرجان أحرز كل واحد منهما سبقه لأنهما تساويا في السبق ولا شيء للمحلل لأنه مسبوق وإن سبقهما المحلل أخذ سبقهما لأنه سبقهما وإن سبق أحد المخرجين وتأخر المحلل والمخرج الآخر أحرز السابق سبق نفسه وفي سبق المسبوق وجهان المذهب أنه للسابق المخرج لأنه انفرد بالسبق وعلى مذهب ابن خيرا يكون سبق المسبوق لنفسه لأنه لا يستحقه السابق المخرج على قوله ولا يستحقه المحلل لأنه لم يسبق وإن سبق المحلل واحد المخرجين أحرز السابقين سبق نفسه وفي سبق المسبوق وجهان المذهب أنه بين المخرج السابق والمحلل وعلى مذهب ابن خيران يكون للمحلل دون سبقه للمحلل وإن سبق أحد المخرجين ثم جاء المحلل ثم جاء المخرج الآخر ففيه وجهان المذهب إن سبق المسبوق للمخرج السابق بسبقه وعلى مذهب ابن خيران يكون السابق وإن سبق أحد المخرجين ثم جاء المخرج الثاني ثم جاء المحلل ففيه ودجهان المذهب أن سبق المسبوق للسابق وعلى مذهب ابن خيران يكون للمسبوق لأن المخرج السابق لا يستحقه والمحلل لم يسبق فبقى على ملك صاحبه
فصل وإن كان المخرج للسبق أحدهما جاز من غير محلل لأن فيهم من يأخذ ولا يع وهو الذي لم يخرج فصار كما لو كان السبق منهما وبينهما محلل فإن تسابقا فسبق المخرج أحرز السبق وإن سبق الآخر أخذ سبقه وإن جاآمعا أحرز المخرج السبق لأنه لم يسبقه الآخر فصل ويطلق الفرسان من مكان واحد في وقت واحد لما روى الحسن أو خلاس عن علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي يا علي قد جعلت إليك هذه السبقة بين الناس فخرج علي كرم الله وجهه فدعا بسراقة بن مالك فقال يا سراقة إني قد جعلت إليك ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم في عنقي من هذه السبقة في عنقك فإذا أتيت الميطان فصف الخيل ثم ناد ثلاثا هل مصلح للجام أو حامل لغلام أو طارح لجل فإذا لم يجيبك أحد فكبر ثلاثا ثم خلها عندا الثالثة يسعد الله بسبقه من يشاء من خلقه فإن كان بينهما محلل وتنازعا في مكانه جعل بينهما لأنه أعدل وأقطع للتنافر وإن اختلف المتسابقان في اليمين واليسار أقرع بينهما لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر ولا يجلب وراؤه لما روى ابن عباس رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أجلب على الخيل يوم الرهان فليس منا قال مالك الجلب أن يجلب وراء الفرس حين يدنوا أو يحرك وراءه الشن ليستحث به السبق فصل وأما ما يسبق به فينظر فيه فإن شرط في السبق أقداما معلومة لم يستحق بما دوناها لأنه شرط صحيح فتعلق الاستحقاق به وإن أطلق نظرت فإن تساوي المركوبان في طول العنق اعتبر السبق بالعنق أو بالكتد فإن سبق أحدما بالعتق أو ببعضه أو بالكتد أو ببعضه فقد سبق وإن اختلف في العنق اعتبر السبق بالكتد لأنه لا يختلف وإن سبق أطولهما عنقا بقدر زيادة الخلقة لم يحكم له بالسبق لأنه يسبق بزياة الخلقة لا بجودة الجرى فصل وإن عثر أحد الفرسين أو ساخت قوائمه في الأرض أو وقف لعلة أصابته فسبقه الآخر لم يحكم للسابق بالسبق لأنه لم يسبق بجودة الجرى ولا تأخر المسبوق لسوء جريه فصل وإن مات المركوب قبل الفراغ بطل العقد لأن العقد تعلق بعينه وقد فات بالموت فبطل كالبيع إذا هلك قبل القبض وإن مات الراكب فإن قلنا إنه كالجعالة بطل العقد بموته وإن قلنا إنه كالاجارة لم يبطل وقام الوارث فيه مقامه فصل وإن كان العقد على الرمي لم يجز بأقل من نفسين لأن المقصود معرفة الحذق ولا يبين ذلك بأقل من اثنين فإن قال رجل لآخر ارم عشرا وناضل فيها خطأك بصوابك فإن كان صوابك أكثر فلك دينار لم يجز لأنه بذل العوض على أن يناضل نفسه وقد بينا أن ذلك لا يجوز وإن قال ارم عشرة فإن كان صوابك أكثر فلك دينار ففيه وجهان أحدهما يجوز لأنه بذل له العوض على عمل معلوم لا يناضل فيها نفسه فجاز والثاني لا يجوز لأنه جعل العوض في مقابلة الخطأ والصواب والخطأ لا يستحق به بدل فصل ولا يجوز اخراج السبق إلا على ما ذكرناه في المسابقة من اخراج العوض منه أو منهما أو من غيرهما وفي دخول المحلل بينهما فصل ولا يصح حتى يتعين المتراميان لأن المقصود معرفة حذقهما ولا يعلم ذلك إل بالتعيين فإن كان أحدما كثير الاصابة والآخر كثير الخطأ ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لأن نضل أحدهما معلوم فيكون الناضل منهما كالآخذ للمال من غير نضال وذلك من أكل المال بالباطل والثاني لا يجوز لأن أخذ المال منه يبعثه على معاطاة الرمي والحذق فيه فصل ولا يصح إلا على آلتين متجانستين
فإن عقد على جنسين بأن يرمي أحدهما بالنشاب والآخر بالحراب لم يجز لأنه لا يعلم فضل أحدهما على الآخر في واحد من الجنسين وإن عقد على نوعين من جنس بأن يرمي أحدهما بالنبل والآخر بالنشاب أو يرمي أحدهما على قوس عربي وإلا خر على قوس فارسي جاز لأن النوعين من جنس واحد يتقاربان فيعرف به حذقهما فإن اطلق العقد في موضع العرف فيه نوع واحد حمل العقد عليه وإن لم يكن فيه عرف لم يصح حتى يبين لأن الأغراض تختلف باختلاف النوعين فوجب بيانه وإن عقد على نوع فأراد أن ينتقل إلى نوع آخر لم تلزم الإجابة إليه لأن الأغراض تختلف باختلاف الأنواع فإن من الناس من يرمي بأحد النوعين أجود من رميه بالنوع الآخر وإن عقد على قوس بعينها فأراد أن ينتقل إلى غيرها من نوعها جاز لأن الأغراض لا تختلف باختلاف الأعيان فإن شرط على أنه لا يبطل فهو على الأوجه الثلاثة فيمن استأجر ظهرا ليركبه على أن لا يركبه مثله وقد بيناها في كتاب الاجارة فصل ولا يجوز إلا على رشق معلوم وهو العدد الذي يرمي به لأنه إذا لم يعرف منتهى العدد لم يبن الفضل ولم يظهر السبق فصل ولا يجوز إلا على اصابة عدد معلوم لأنه لا يبين الفضل إلا بذلك فإن شرط اصابة عشرة من عشرة أو تسعة من عشرة ففيه وجهان أحدهما يصح لأنه قد يصيب ذلك فصح العقد كما لو شرط اصابة ثمانية من عشرة والثاني لا يصح لأن اصابة ذلك تندر وتتعذر فبطل المقصود بالعقد فصل ولا يجوز إلا أن يكون مدى الغرض معلوما لأن الاصابة تختلف بالقرب والبعد فوجب العلم به فإن كان في الموضع غرض معلوم المدى فأطلق العقد جاز وحمل عليه كما يجوز أن يطلق الثمن في البيع في موضع فيه نقد واحد وإن لم يكن فيه غرض معلوم المدى لم يجز العقد حتى يبين فإن أطلق العقد بطل كما يبطل البيع بثمن مطلق في موضع لا نقد فيه ويجوز أن يكون مدى الغرض قدرا يصيب مثلهما في مثله في العادة ولا يجوز أن يكون قدر إلا يصيب مثلمها في مثله في مثله وفيما يصيب مثلهما في مثله نادرا وجهان أحدهما يجوز لأنه قد يصيب مثلهما في مثله فإذا عقدا عليه بعثهما العقد على الاجتهاد في الاصابة والثاني لا يجوز لأن اصابتهما في مثله تندر فلا يحصل المقصود وقدر أصحابنا ما يصاب منه بمائتين وخمسين ذراعا ومالا يصاب بما زاد على ثلثمائة وخمسين ذراعا وفيما بينهما وجهان فإن تراميا على غير غرض على أن يكونا السبق لأبعدهما رميا ففيه وجهان أحدهما يجوز لأنه يمتحن به قوة الساعد ويستعان به على قتال من بعد من العدو والثاني لا يجوز لأن الذي يقصد بالرمي هو الاصابة فأما الابعاد فليس بمقصود فلم يجز أخذ العوض عليه فصل ويجب أن يكون الغرض معلوما في نفسه فيعرف طوله وعرضه وقدر انخفاضه وارتفاعه من الأرض لأن الاصابة تختلف باختلافه فإن كان العقد في موضع فيه غرض معروف فأطلق العقد حمل عليه كما يحمل البيع بثمن مطلق في موضع فيه نقد متعارف على نقد البلد وإن لم يكن فيه غرض وجب بيانه والمستحب أن يكون الرمي بين غرضين لما روى عبد الدائم بن دينار قال بلغني أن مابين الهدفين روضة من رياض الجنة وعن عقبة بن عامر أنه كان يرمي بين غرضين بينهما أربعمائة وعن ابن عمر أنه كان يختفي بين الغرضين بينهما أربعمائة وعن أنس انه كان يرمي بين الهدفين ولأن ذلك أقطع للتنافر وأقل للتعب فصل ويجب أن يكون موضع الاصابة معلوما
وأن الرمي إلى الهدف وهو التراب الذي يجمع أو الحائط الذي يبني أو إلى الغرض وهو الذي ينصب في الهدف أو الشن الذي في الغرض أو الدارة التي في الشن أو الخاتم الذي في الدارة لأن الغرض يختلف باختلافها فإن أطلق العقد حمل على الغرض لأن العرف في الرمي لإصابة الغرض فحمل العقد عليه ويجب أن تكون صفة الرمي معلومة من من القرع وهو اصابة الغرض أو الخزق وهو أن يثقب الشن أو الخزسق وهو الذي يثقبه ويثبت فيه أو المرق وهو الذي ينقذ منه أو الخرم وهو أن يقطع طرف الشن ويكون بعض السهم في الشن وبعضه خارجا منه لأن الحذق لا يبين إلا بذلك فإن أطلق العقد حمل على القرع لأنه هو المتعارف فحمل مطلق العقد عليه فإن شرط قرع عشرة من عشرين وأن يحسب خاسق كل واحد منهما بقارعين جاز لأنهما يتساويان فيه وإن أصاب أحدهما تسعة قرعا وأصاب الآخر قارعين وأربعة خواسق فقد نضله لأنه استكمل العشرة بالخواسق فصل واختلف أصحابنا في بيان حكم الاصابة أنه مبادرة أو محاطة أو حوابي فمنهم من قال يجب بيناه فإن أطلق العقد لم يصح لأن حكمها يختلف وأغراض الناس فيها لا تتفق فيوجب بيانه ومنهم من قال يصح ويحمل على المبادرة لأن المتعارف في الرمي هو المبادرة واختلفوا في بيان من يبتدىء بالرمي فمنهم من قال يجب فإن أطلق العقد بطل وهو المنصوص لأن ذلك موضوع على نشاط القلب وقوة النفس ومتى قدم أحدهما انكسر قلب الآخر وساء رميه فلا يحصل مقصود العقد ومنهم من قال يصح لأن ذلك من توابع العقد ويمكن تلافيه بما تزول به التهمة من العرف أو القرعة فإذا قلنا أنه يصح ففي البادىء وجهان أحدهما أن كان السبق من أحدهما قدم لأن له مزية بالسبق وإن كان السبق منهما أقرع بينهما لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر والثاني لا يبدأ أحدهما إلا بالقرعة لأن أمر المسابقة موضوع على أن لا يفضل أحدهما على الآخر بالسبق فإن كان الرمي بين غرضين فبدأ أحدهما من أحد الغرضين بدأ الآخر من الغرض الآخر لأنه أعدل وأسهل فإن كانت البداية لأحدهما فبدأ الآخر ورمي لم يحسب له أن أصاب ولا عليه إن أخطأ لأنه رمي بغير عقد فمل يعتد به وإن اختلف في موضع الوقوف كان الأمر إلى من له البداية لأنه لما ثبت له السبق ثبت لها اختيار المكان فإذا صار الثاني إلى الغرض الثاني صار الخيار في موضع الوقوف إليه ليستويا وإن طلب أحدهما استقبال الشمس والآخر استدبارها أجيب من طلب الاستدبار لأنه أوفق للرمي فصل ويجوز أن يرميا سهما سهما وخمسا خمسا وأن يرمي كل واحد منهما جميع الرشق فإن شرط شيئا من ذلك حملا عليه وإن أطلق العقد تراسلا سهما سهما لأن العرف فيه ما ذكرناه وإن رمى أحدهما أكثر مما له لم يحسب له إن أصاب ولا عليه إن أخطأ لأنه رمي من غير عقد فلم يعتد به فصل ولا يجوز أن يتفاضلا في عدد الرشق ولا في عدد الاصابة ولا في صفة الاصاب ولا في محل الاصابة ولا أن يحسب قرع أحدهما خسقا ولا أن يكون في يد أحدهما من السهام أكثر مما في يد الآخر في حال الرمي ولا أن يرمي أحدهما والشمس في وجهه لأن القصد أن يعرف حذقهما وذلك لا يعرف عع الاختلاف لأنه إذا نضل أحدهما كان النضل بما شرط لا بجودة الرمي فإن شرط شيئا من ذلك بطل العقد لأنه في أحد القولين كالاجارة وفي الثاني كالجعالة والجميع يبطل بالشرط الفاسد وهل يجب للناضل في الفاسد أجرة المثل فيه وجهان أحدهما لا تجب وهو قول أبي إسحاق لأنه لا يحصل للمسبوق منفعة بسبق السابق فلم تلزمه أجرته والثاني تجب وهو الصحيح لأن كل عقد وجب المسمى في صحيحه وجب عوض المثل في فاسده كالبيع والاجارة فصل وإن شرط على السابق أن يطعم أصحابه من السبق
بطل الشرط لأنه شرط ينافي مقتضى العقد فبطل وهو يبطل العقد المنصوص أنه يبطل لأنه تمليك مال شرط فيه شرط يمنع كمال التصرف فإذا بطل الشرط بطل العقد كما لو باعه سلعة بألف على أن يتصدق بها وقال أبو إسحاق يحتمل قولا آخر لا يبطل كما قال فيمن أصدق امرأة ألفين على أن تعطى أباها ألفا إن الشرط باطل وصح الصداق فإذا قلنا بالمنصوص سقط المستحق وهل يرجع السابق بأجرة المثل على الوجهين فصل وإذا تناضلا لم يخل أن يكون الرمي مبادرة أو محاطة أو حوابي فإن كان مبادرة وهو أن يعقد على اصابة عدد من الرشق وأن من بدر منهما إلى ذلك مع تساويهما في الرمي كان ناضلا فإن كان العقد على اصابة عشرة من ثلاثين نظرت فإن اصاب أحدهما عشرة من عشرين وأصاب الآخر تسعة من عشرين فالأول ناضل لأنه بادر إلى عدد الاصابة وإن أصاب كل واحد منهما عشرة من عشرين لم ينضل واحد منهما ويسقط رمي الباقي لأن الزيادة على عدد الاصابة غير معتد بها وإن أصاب الأول تسعة من عشرين وأصاب لآخر خمسة من عشرين فالنضال بحاله لأنه لم يستوف واحد منهما عدد الاصابة فيرميان فإن رمى الأولا سهما وأصاب فقد فلج وسقط رمي الباقي وإن رمى الأول خمسة فأخطأ في جميعها ورمى الثاني فأصاب في جميعها فإن الناضل هو الثاني ويسقط رمي ما بقى من الرشق لأن الأول أصاب تسعة من خمسة وعشرين وأصاب الثاني عشرة من خمسة وعشرين وإن أصاب الأول تسعة من تسعة عشر وأصاب الآخر ثمانية من تسعة عشر فرمى البادىء سهما فأصاب فقد نضل ولا يرمي الثاني با بقي من رشقه لأنه لا يستفيد به نضلا ولا مساوى لأن الباقي من رشقه سهم وعليه اصابة سهمين فإن اصاب كل واحد منهما تسعة من عشرة ثم رمى الابادىء فأصاب جاز للثاني أن يرمي لأنه ربما يصيب فيساويه فصل وإن كان الرمي محاطة وهو أن يعقدا على اصابة عدد من الرشق وإن يتحاطا ما استويا فيه من عدد الاصابة ويفضل لأحدهما عدد الاصابة فيكون ناضلا نظرت فإن كان العقد على اصابة خمسة من عشرين فأصاب كل واحد منهما خمسة من عشرة لم ينضل أحدهما الأخر لأنه لم يفضل له عدد من الاصابة ويرميان ما تبقى من الرشق لأنه يرجو كل واحد منهما أن ينضل فإن فضل لأحدهما بعد تساويهما في الرمي واسقاط ما استويا فيه عدد الاصابة لم يخل أما أن يكون قبل اكمال الرشق أو بعده فإن كان بعدا كما الرشق بأن رمى أحدهما عشرين وأصابها ورمى الآخر فاصاب خمسة عشر فالأول هوالناضل لأنه يفضل له بعد المحاطة فيما استويا فيه عدد الاصابة وإن كان قبل كمال الرشق وطالب صاحب الأقل صاحب الأكثر برمى باقي الرشق نظرت فإن لم يكن له فائدة مثل أن يرمي الأول خمسة عشر وأصابها ورمى الثاني خمسة عشر فأصاب خمسة لم يكن له مطالبته لأن أكثر ما يمكن أن يصيب فيما بقي له وهو خمسة ويبقى للأول خمسة فينضله بها وإن كان له فيه فائدة بأن يرجو أن ينضل بأن يرمي أحدهما أحد عشر فيصيب ستة ويرمي الآخر عشرة فيصيب واحدا ثم يرمي صاحب الستة فيخطىء فيما بقي له من الرشق ويرمي صاحب الواحد فيصيب في جميع ما بقي له فينضله بخمسة أو يساويه بأن يرمي أحدهما خمسة عشر فيصيب منها عشرة ويرمي الآخر خمسة عشر فيصيب منها خمسة ثم يرمي صاحب العشرة فيخطىء في الجميع ويرمي صاحب الخمسة فيصيب فيساويه أو يقلل اصابته بأن يصيب أحدهما أحد عشر من خمسة عشر ويصيب الآخر سهمين من خمسة عشر ثم يرمي صاحب الأحد عشر ما بقى له من رشقه فيخطىء في الجميع ويرمى صاحب السهمين فيصير له سبعة ويبقى لصاحبه أربعة فهل لأقلهما اصابة مطالبة الآخر باكمال الرشق فيه وجهان أحدهما ليس له مطالبته لأنه بدر إلى الاصابة مع تساويهما في الرمي بعد المحاطة فحكم له بالسبق والثاني له مطالبته لأن مقتضى المحاطة اسقاط ما استويا فيه من الرشق وقد بقى من الرشق بعضه
فصل وإن كان العقد على حوابي وهو أن يشترطا اصابة عدد من الرشق على أن يسقط ما قرب من اصابة أحدهما ما بعد من اصابة الآخر فمن فضل له بعد ذلك مما اشترطا عليه من العدد كان له السبق فإن رمى أحدهما فأصاب من الهدف موضعا بينه وبين الغرض قدر شبر حسب له فإن رمى الآخر فأصاب موضعا بينه وبين الغرض قدر أصبق حسب له وأسقط ما رماه الأول فإن عاد الأول ورمى فأصاب الغرض أسقط ما رماه صاحبه وإن أصاب أحدهما الشن وأصاب الآخر العظم الذي في الشن فقد قال الشافعي رحمه الله من الرماة من قال أنه تسقط الاصابة من العظم ما كان أبعد منه قال الشافعي رحمه الله وعندي أنهما سواء لأن الغرض كله موضع الاصابة فإن استوفيا الرشق ولم يفضل أحدهما صاحبه بالعدد الذي اشترطاه فقد تكافآ وإن فضل أحدهما صاحبه بالعدد أخذ السبق وحكي عن بعض الرماة أنهما إذا أصابا أعلى الغرض لم يتقايسا قال والقياس أن يتقايسا لأن احدهما أقرب إلى الغرض من آخر فأسقط الأقرب الأبعد كما لو أصابا أسفل الغرض أو جنبه فصل وإن كان النضال بين حزبين جاز وحكى عن أبي علي بن أبي هريرة أنه قال لا يجوز لأنه يأخذ كل واحد منهم بفعل غيره والمذهب الأول لما رويناه في أول الكتاب من حديث سلمة بن الأكوع وينصب كل واحد من الحزبين زعيما يتوكل لهم في العقد ولا يجوز أن يكون زعيم الحزبين واحدا كما لا يجوز أن يكون وكيل المشتري والبائع واحد ولا يجوز إلا على حزبين متساويي العدد لأن القصد معرفة الحذق فإذا تفاضلا في العدد فضل أحدهما لآخر بكثرة العدد لا بالحذق وجودة الرمي ويحب أن يتعين الرماة كما قلنا في نضال الاثنين ولا يجوز أن يتعينوا إلا بالاختيار فإن اقترع الزعيمان على أن من خرجت عليه قرعة أحدهما كان معه لم يجز لأنه ربما أخرجت القرعة الحذاق لأحد الحزبين والضعفاء للحزب الآخر فإن عدل بين الحزبين في القوة والضعف بالاختيار ثم اقترع الزعيمان على أن من خرجت قرعته على أحد الحزبين كان معه لم يجز لأنه عقد معاوضة فلم يجز تعيين المعقود عليه فيه بالقرعة كالبيع ويجب أن يكون على عدد من الرشق معلوم فإن كان عدد كل حزب ثلاثة اعتبر أن يكون عدد الرشق له ثلث صحيح كالثلاث والستين وإن كانوا أربعة اعتبر أن يكون عدد الرشق له ربع صحيح كالاربعين والثمانين لأنه إذا لم يفعل ذلك بقي سهم ولا يمكن اشتراك جماعة في سهم واحد فإن خرج في أحد الحزبين من لا يحسن الرمي بطل العقد فيه لأنه ليس بمحل في العقد وسقط من الحزب الآخر بإزائة واحد كما إذا بطل البيع في أحد العبدين سقط ما في مقابلته من الثمن وهل يبطل العقد في الباقي من الحزبين فيه قولان بناء على تفريق الصفقة فإن قلنا لا يبطل في الباقي ثبت للحزبين الخيار في فسخ العقد لأن الصفقة تبعضت عليهم بغير اختيارهم فإن اختاروا البقاء على العقد وتنازعوا فيمن يخرج في مقابلته من الحزب الآخر فسخ العقد لأنه تعذر امضاؤه على مقتضاه ففسخ ومن أصحابنا من قال يبطل في الجميع قولا واحدا لأن من في مقابلته من الحزب الآخر لا يتعين ولا سبيل إلى تعيينه بالقرعة فبطل في الجميع فإن نضل أحد الحزبين الآخر ففي قسمة المال بين الناضلين وجهان أحدهما يقسم بينهم بالسوية كما يجب على المنضولين بينهم بالسوية فعلى هذا أن خرج فيهم من لم يصل استحق والثاني تقسم بينهم على قدر اصاباتهم لأنهم استحقوا بالاصابة فاختلف باختلاف الاصابة ويخالف ما لزم المنضولين فإن ذلك وجب بالالتزام والاستحقاق بالرمي فاعتبر بقدر الاصابة فعلى هذا إن خرج فيهم من لم يصب لم يستحق شيئا وبالله الوفيق باب بيان الإصابة والخطإ في الرمي إذا عقد على إصابة الغرض فأصاب الشن أو الجريد الذي يشد فيه الشن أو العرى وهو السير الذي يشد به الشن على الجريد حسب له لان ذلك كله من الغرض
وإن أصاب العلاقة ففيه قولان أحدهما يحسب له لانه من جملة الغرض ألا ترى أنه إذا مد امتد معه فأشبه العرى والثاني لا يحسب لان العلاقة ما يعلق به الغرض فأما الغرض فهو الشن وما يحيط به وإن شرط إصابة الخاصرة وهو الجنب من اليمين واليسار فأصاب غيرهما لم يحسب له لانه لم يصب الخاصرة وإن شرط إصابة الشن فأصاب العروة وهو السير أو العلاقة لم يحسب لان ذلك كله غير الشن فإن أصاب سهما في الغرض فإن كان السهم متعلقا بنصله وباقيه خارج الغرض لم يحسب له ولا عليه لان بينه وبين الغرض طول السهم ولا يدري لو لم يكن هذا السهم هل كان يصيب الغرض أم لا يصيب وإن كان السهم قد غرق في الغرض إلى فوقه حسب له لانه العقد على إصابة الغرض ومعلوم أنه لو لم يكن هذا لكان يصيب الغرض فإن خرج السهم من القوس فهبت ريح فنقلت الغرض إلى موضع آخر فأصاب السهم موضعه حسب له وإن أصاب الغرض في الموضع الذي انتقل إليه حسب عليه في الخطإ لانه أخطأ في الرمي وإنما أصاب بفعل الريح لا بفعله وإن رمى وفي الجو ريح ضعيفة فأرسل السهم مفارقا للغرض وأمال يده ليصيب مع الريح فأصاب الغرض أو كانت الريح خلفه فنزع نزعا قريبا ليصيب مع معاونة الريح فأصاب حسب له لانه أصاب بفراهته وحذقه وإن أخطأ حسب عليه لانه أخطأ بسوء رميه ولانه لو أصاب مع الريح لحسب له فإذا أخطأ معها حسب عليه وإن كانت الريح قوية لا حيلة له فيها لم يحسب له إذا أصاب لانه لم يصب بحسن رميه ولا يحسب عليه إذا أخطأ لانه لم يخطىء بسوء رميه وإنما أخطأ بالرمي في غير وقته وإن رمى من غير ريح فثارت ريح بعد خروج السهم من القوس فأخطأ لم يحسب عليه لانه لم يخطىء بسوء رميه وإنما أخطأ بعارض الريح وإن أصاب فقد قال بعض أصحابنا فيه وجهان بناء على القولين في إصابة السهم المزدلف وعندي أنه لا يحسب له قولا واحدا لان المزدلف ( إنما ) أصاب الغرض بحدة رميه ومع الريح لا يعلم أنه أصاب برميه وإن رمى سهما فأصاب الغرض بفوقه لم يحسب له لان ذلك من أسوأ الرمي وأردئه فصل وإن انكسر القوس أو انقطع الوتر أو أصابت يده ريح فرمى وأصاب حسب له لان إصابته مع اختلال الآلة أدل على حذقه فإن أخطأ لم يحسب عليه في الخطإ لانه لم يخطىء بسوء رميه وإنما أخطأ بعارض وإن أغرق السهم فخرج من الجانب الآخر نظرت فإن أصاب حسب له لان إصابته مع الإغراق أدل على حذقه وإن أخطأ لم يحسب عليه ومن أصحابنا من قال يحسب عليه في الخطإ لانه أخطأ في مد القوس والمنصوص هو الأول لان الإغراق ليس من سوء الرمي وإنما هو لمعنى قبل الرمي فهو كانقطاع الوتر وانكسار القوس وإن انكسر السهم بعد خروجه من القوس وسقط دون الغرض لم يحسب عليه في الخطإ لانه إنما لم يصب لفساد الآلة لا لسوء الرمي وإن أصاب بما فيه النصل حسب له لان إصابته مع فساد الآلة أدل على حذقه وإن أصابه بالموضع الآخر لم يحسب له لانه لم يصب ولم يحسب عليه لان خطأه لفساد الآلة لسوء الرمي فصل وإن عرض دون الغرض عارض من إنسان أو بهيمة نظرت فإن رد السهم ولم يصل لم يحسب عليه لانه لم يصل للعارض لا لسوء الرمي
وإن نفذ ( فيه ) السهم وأصاب حسب له لان إصابته مع العارض أدل على حذقه وحكي أن الكسعي كان راميا فخرج ( ذات ) ليلة فرأى ظبيا فرمى فأنفذه وخرج السهم فأصاب حجرا وقدح فيه نارا فرأى ضوء النار فظن أنه أخطأ فكسر القوس وقطع إبهامه فلما أصبح رأى الظبي صريعا قد نفذ فيه سهمه فندم فضربت به العرب مثلا وقال الشاعر ( الوافر ) فندمت ندامة الكسعي لما رأت عيناه ما صنعت يداه وإن رمى فعارضه عارض فعثر به السهم وجاوز الغرض ولم يصب ففيه وجهان أحدهما هو قول أبي إسحاق أنه يحسب عليه في الخطإ لانه أخطأ بسوء الرمي لا للعارض لانه لو كان للعارض تأثير لوقع سهمه دون الغرض فلما جاوزه ولم يصب دل على أنه أخطأ بسوء رميه فحسب عليه في الخطإ والثاني ( أنه ) لا يحسب عليه لان العارض قد يشوش الرمي فيقصر عن الغرض وقد يجاوزه وإن رمى السهم فأصاب الأرض وازدلف فأصاب الغرض ففيه قولان أحدهما يحسب ( له ) لانه أصاب الغرض بالنزعة التي أرسلها وما عرض دونها من الأرض لا يمنع الاحتساب كما لو عرض دونه شيء فهتكه وأصاب الغرض والثاني لا يحسب له لان السهم خرج عن الرمي إلى غير الغرض وإنما أعانته الأرض حتى ازدلفت عنها إلى الغرض فلم يحسب له وإن ازدلف ولم يصب الغرض ففيه وجهان أحدهما يحسب عليه في الخطإ لانه إنما ازدلف بسوء رميه لان الحاذق لا يزدلف سهمه والثاني لا يحسب عليه لان الأرض تشوش السهم وتزيله عن سننه فإذا أخطأ لم يكن من سوء رميه فصل وإن كان العقد على إصابة موصوفة نظرت فإن كان على القرع فأصاب الغرض وخزق أو خسق أو مرق حسب له لان الشرط هو الإصابة وقد حصل ذلك في هذه الأنواع فصل وإن كان الشرط هو الخسق نظرت فإن أصاب الغرض وثبت فيه ثم سقط حسب له لان الخسق هو أن يثبت وقد ثبت فلم يؤثر زواله بعد ذلك كما لو ثبت ثم نزعه إنسان فإن ثقب الموضع بحيث يصلح لثبوت السهم لكنه لم يثبت ( فيه ) ففيه قولان أحدهما أنه يحسب له لان الخسق أن يثقب بحيث يصلح لثبوت السهم وقد فعل ذلك ولعله لم يثبت لسعة الثقب أو لغلظ لقيه والثاني وهو الصحيح أنه لا يحسب له لان الأصل عدم الخسق وأنه لم يكن فيه من القوة ما يثبت فيه فلم يحسب له وإن كان الغرض ملصقا بالهدف فأصابه السهم ولم يثبت فيه فقال الرامي قد خسق إلا أنه لم يثبت فيه لغلظ لقيه من نواة أو حصاة وقال رسيله لم يخسق نظرت فإن لم يعلم موضع الإصابة من الغرض فالقول قول الرسيل لان الأصل عدم الخسق وهل يحلف ينظر فيه فإن فتش الغرض فلم يكن فيه شيء يمنع من ثبوته لم يحلف لان ما يدعيه الرامي غير ممكن وإن كان هناك ما يمنع من ثبوته حلف لان ما يدعيه الرامي ( غير ) ممكن وإن علم موضع الإصابة ولم يكن فيه ما يمنع من ثبوته فالقول قول الرسيل من غير يمين لان ما يدعيه الرامي غير ممكن وإن كان فيه ما يمنع الثبوت ففيه وجهان أحدهما أن القول قول الرامي لان المانع شهد له والثاني أن القول قول الرسيل لان الأصل عدم الخسق والمانع لا يدل على أنه لو لم يكن لكان خاسقا ولعله لو لم يكن مانع لكان هذا منتهى رميه فلا يحكم له بالخسق بالشك وإن كان في الشن خرق أو موضع بال فوقع فيه السهم وثبت في الهدف نظرت فإن كان الموضع الذي ثبت ( فيه ) في صلابة الشن اعتد به لانا نعلم أنه لو كان الشن صحيحا لثبت فيه
وإن كان دون الشن في الصلابة كالتراب والطين الرطب لم يعتد له ولا عليه لانا لا نعلم أنه لو كان صحيحا هل كان يثبت فيه أم لا فيرد إليه السهم حتى يرميه وإن خرمه وثبت ففيه قولان أحدهما يعتد به لان الخسق هو أن يثبت النصل وقد ثبت والثاني لا يعتد به لان الخسق أن يثبت السهم في جميع الشن ولم يوجد ذلك فإن مرق السهم فقد قال الشافعي رحمه الله هو عندي خاسق ومن الرماة من لا يحتسبه فمن أصحابنا من قال يحتسب له قولا واحدا وما حكاه عن غيره ليس بقول له لان معنى الخسق قد وجد وزيادة ولانه لو مرق والشرط القرع حسب فكذلك إذا مرق والشرط الخسق ومن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما يحسب له لما ذكرناه والثاني لا يحسب له لان الخسق أن يثبت وما ثبت ولان في الخسق زيادة حذق وصنعة من نزع القوس بمقدار الخسق والتعليل الأول أصح لان هذا يبطل به إذا مرق والشرط القرع وإن أصاب الشن ومرق وثبت في الهدف ووجد على نصله قطعة من الشن والهدف دون الشن في الصلابة فقال الرامي هذا الجلد قطعه سهمي بقوته وقال الرسيل بل كان في الشن ثقبة وهذه الجلدة كانت قد انقطعت من قبل فحصلت في السهم فالقول قول الرسيل لان الأصل عدم الخسق فصل إذا مات أحد الراميين أو ذهبت يده بطل العقد لان المقصود معرفة حذقه وقد فات ذلك فبطل العقد كما لو هلك المبيع وإن رمدت عينه أو مرض لم يبطل العقد لانه يمكن استيفاء المعقود عليه بعد زوال العذر وإن أراد أن يفسخ فإن قلنا إنه كالجعالة كان حكمه حكم الفسخ من غير عذر وقد بيناه في أول الكتاب وإن قلنا إنه كالإجارة جاز له أن يفسخ لانه تأخر المعقود عليه فملك الفسخ كما يملك في الإجارة وإن أراد أحدهما أن يؤخر الرمي للدعة فإن قلنا إنه كالإجارة أجبر عليه كما أجبر في الإجارة وإن قلنا إنه كالجعالة لم يجبر كما لا يجبر في الجعالة كتاب إحياء الموات يستحب إحياء الموات لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر وما أكله العوافي منها فهو له صدقة وتملك به الأرض لما روى سعيد بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أحيا أرضا ميتة فهي له ويجوز ذلك من غير إذن الإمام للخبر ولانه تملك مباح فلم يفتقر إلى إذن الإمام كالاصطياد فصل وأما الموات الذي جرى عليه الملك وباد أهله ولم يعرف مالكه ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يملك بالإحياء لما روى طاوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عادى الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم بعد ولانه إن كان في دار الإسلام فهو كاللقطة التي لا يعرف مالكها وإن كان في دار الحرب فهو كالركاز والثاني لا يملك لانه إن كان في دار الإسلام فهو لمسلم أو لذمي أو لبيت المال فلا يجوز إحياؤه وإن كان في دار الحرب جاز أن يكون لكافر لا يحل ماله أو لكافر لم تبلغه الدعوة فلا يحل ماله ولا يجوز تملكه والثالث أنه إن كان في دار الإسلام لم يملك وإن كان في دار الحرب ملك لان ما كان في دار الإسلام فهو في الظاهر لمن له حرمة وما كان في دار الحرب فهو في الظاهر لمن لا حرمة له ولهذا ما يوجد في دار الحرب يخمس وما يوجد في دار الإسلام يجب تعريفه وإن قاتل الكفار عن أرض ولم يحيوها ثم ظهر المسلمون عليها ففيه وجهان أحدهما ( أنه ) لا يجوز أن تملك بالإحياء بل هي غنيمة بين الغانمين لانهم لما منعوا عنها صاروا فيها كالمتحجرين فلم تملك بالإحياء والثاني أنه يجوز أن تملك بالإحياء لانهم لم يحدثوا فيها عمارة فجاز أن تملك بالإحياء كسائر الموات فصل وما يحتاج إليه لمصلحة العامر من المرافق
كحريم البئر وفناء الدار والطريق ومسيل الماء لا يجوز إحياؤه لانه تابع للعامر فلا يملك بالإحياء ولانا لو جوزنا إحياءها أبطلنا الملك في العامر على أهله وكذلك ما بين العامر من الرحاب والشوارع ومقاعد الأسواق لا يجوز تملكه بالإحياء لان الشرع قد ورد بإحياء الموات وهذا من جملة العامر ولانا لو جوزنا ذلك ضيقنا على الناس في أملاكهم وطرقهم وهذا لا يجوز فصل ويجوز إحياء كل من يملك المال لانه فعل يملك به فجاز من كل من يملك المال كالاصطياد ولا يجوز للكافر أن يملك بالإحياء في دار الإسلام ولا للإمام أن يأذن له في ذلك لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال موتان الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني فجمع الموتان وجعلها للمسلمين فانتفى أن يكون لغيرهم ولان موات الدار من حقوق الدار والدار للمسلمين فكان الموات لهم كمرافق المملوك لا يجوز لغير المالك إحياؤه ولا يجوز للمسلم أن يحيي الموات في بلد صولح الكفار على المقام فيه لان الموات تابع للبلد فإذا لم يجز تملك البلد عليهم لم يجز تملك مواته فصل والإحياء الذي يملك به أن يعمر الأرض لما يريده ويرجع في ذلك إلى العرف لان النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الإحياء ولم يبين فحمل على المتعارف فإن كان يريده للسكنى فأن يبني سور الدار من اللبن والآجر والطين والجص إن كانت عادتهم ذلك أو القصب أو الخشب إن كانت عادتهم ذلك ويسقف وينصب عليه الباب لانه لا يصلح للسكنى بما دون ذلك فإن أراد مراحا للغنم أو حظيرة للشوك والحطب بنى الحائط ونصب عليه الباب لانه لا يصير مراحا وحظيرة بما دون ذلك وإن أراد للزراعة فأن يعمل لها مسناة ويسوق الماء إليها من نهر أو بئر فإن كانت الأرض من البطائح فأن يحبس عنها الماء لان إحياء البطائح أن يحبس عنها الماء كما أن إحياء اليابس بسوق الماء إليه ويحرثها وهو أن يصلح ترابها وهل يشترط غير ذلك فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه لا يشترط غير ذلك وهو المنصوص في الأم وهو قول أبي إسحاق لان الإحياء قد تم وما بقي إلا الزراعة وذلك انتفاع بالمحيا فلم يشترط كسكنى الدار والثاني وهو ظاهر ما نقله المزني أنه لا يملك إلا بالزراعة لانها من تمام العمارة ويخالف السكنى فإنه ليس من تمام العمارة وإنما هو كالحصاد في الزرع والثالث وهو قول أبي العباس أنه لا يتم إلا بالزراعة والسقي لان العمارة لا تكمل إلا بذلك وإن أراد حفر بئر فإحياؤها أن يحفر إلى أن يصل إلى الماء لانه لا يحصل البئر إلا بذلك فإن كانت الأرض صلبة تم الإحياء وإن كانت رخوة لم يتم الإحياء حتى تطوق البئر لانها لا تكمل إلا به فصل وإذا أحيا الأرض ملك الأرض وما فيها من المعادن كالبلور والفيروزج والحديد والرصاص لانها من أجزاء الأرض فملك بملكها ويملك ما يتبع فيها من الماء والقار وغير ذلك وقال أبو إسحاق لا يملك الماء وما ينبع فيها وقد بينا ذلك في البيوع ويملك ما ينبت فيها من الشجر والكلا وقال أبو القاسم الصيمري لا يملك الكلا لما روي أن أبيض بن حمال سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حمى الأراك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حمى في الأراك ولانه لو فرخ في الأرض طائر لم يملك فكذلك إذا نبت فيه الكلا وقال أكثر أصحابنا يملك لانه من نماء الملك فملكه بملكه كشعر الغنم فصل ويملك بالإحياء ما يحتاج إليه من المرافق كفناء الدار والطريق ومسيل الماء وحريم البئر وهو بقدر ما يقف فيه المستقي إن كانت البئر للشرب وقدر ما يمر فيه الثور إن كانت للسقي وحريم النهر وهو ملقى الطين وما يخرج منه من التقن ويرجع في ذلك إلى أهل العرف في الموضع والدليل عليه ما روى عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من احتفر بئرا فله أربعون ذراعا حولها عطن لماشيته
وروى ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال من السنة أن حريم القليب العادية خمسون ذراعا وحريم البدىء خمسة وعشرون ذراعا وحريم بئر الزرع ثلثمائة ذراع فإن أحيا أرضا إلى جنب غيره فجعل أحدهما داره مدبغة أو مقصرة لم يكن للآخر منعه من ذلك لانه تصرف مباح في ملكه فلم يمنع منه وإن ألصق حائطه بحائطه منع من ذلك وإن طرح في أصل حائطه سرجينا منع منه لانه تصرف باشر ملك الغير بما يضر به فمنع منه فإن حفر حشا في أصل حائطه لم يمنع منه لانه تصرف في ملكه ومن أصحابنا من قال يمنع لانه يضر بالحاجز الذي بينهما في الأرض وإن ملك بئرا بالإحياء فجاء رجل وتباعد عن حريمه وحفر بئرا فنقص ماء الأول لم يمنع منه لانه تصرف في موات لا حق لغيره فيه فصل وإن تحجر رجل مواتا وهو أن يشرع في إحيائه ولم يتمم صار أحق به من غيره لقوله صلى الله عليه وسلم من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به وإن نقله إلى غيره صار الثاني أحق به لانه آثره صاحب الحق به وإن مات انتقل ذلك إلى وارثه لانه حق تملك ثبت له فانتقل إلى وارثه كالشفعة وإن باعه ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي إسحاق أنه يصح لانه صار أحق به فملك بيعه والثاني أنه لا يصح وهو المذهب لانه لم يملكه بعد فلم يملك بيعه كالشفيع قبل الأخذ وإن بادر غيره إلى إحيائه نظرت فإن كان ذلك قبل أن تطول المدة ففيه وجهان أحدهما لا يملك لان يد المتحجر أسبق والثاني يملك لان الإحياء يملك به والتحجر لا يملك به فقدم ما يملك به على ما لا يملك به وإن طالت المدة ولم يتمم قال له السلطان إما أن تعمر وإما أن ترفع يدك لانه ضيق على الناس في حق مشترك بينهم فلم يمكن منه كما لو وقف في طريق ضيق أو مشرعة ماء ومنع غيره منها وإن سأل أن يمهل أمهل مدة قريبة فإن انقضت المدة ولم يحي فبادر غيره فأحيا ملك لانه لا حق له بعد انقضاء المدة فصل ومن سبق في الموات إلى معدن ظاهر وهو الذي يوصل إلى ما فيه من غير مؤنة كالماء والنفط والمومياء والياقوت والبرام والملح والكحل كان أحق به لقوله صلى الله عليه وسلم من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به فإن أطال المقام فيه ففيه وجهان أحدهما لا يمنع لانه سبق إليه والثاني يمنع لانه يصير كالمتحجر فإن سبق اثنان وضاق المكان وتشاحا فإن كانا يأخذان للتجارة هايأ الإمام بينهما فإن تشاحا في السبق أقرع بينهما لانه لا مزية لاحدهما على الآخر فقدم بالقرعة وإن كانا يأخذان للحاجة ففيه ثلاثة أوجه أحدها يقرع بينهما لانه لا مزية لاحدهما على الآخر والثاني يقسم بينهما لانه يمكن لهما القسمة فلا يؤخر حقه والثالث يقدم الإمام أحدهما لان للإمام نظرا في ذلك فقدم من رأى تقديمه وإن كان من ذلك ما يلزم عليه مؤنة بأن يكون بقرب الساحل موضع إذا حصل فيه الماء حصل فيه ملح جاز أن يملك بالإحياء لانه يوصل إليه بالعمل والمؤنة فملك بالإحياء كالموات فصل وإن سبق إلى معدن باطن وهو الذى لا يوصل إليه إلا بالعمل والمؤنة كمعدن الذهب والفضة والحديد والرصاص والياقوت والفيروزج فوصل إلى نيله ملك ما أخذه لقوله صلى الله عليه وسلم من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به وهل يملك المعدن فيه قولان أحدهما يملكه لانه موات لا يوصل إلى ما فيه إلا بالعمل والإنفاق فملكه بالإحياء كموات الأرض
والثاني لا يملك وهو الصحيح لان النبي صلى الله عليه وسلم علق الملك في الموات على الإحياء وهو العمارة والعمل في المعدن حفر وتخريب فلا يملك به ولانه يحتاج في كل جزء يأخذه إلى عمل فلا يملك منه إلا ما أخذ ويخالف موات الأرض لانه إذا عمر انتفع به على الدوام من غير عمل مستأنف فملك به فإن قلنا إنه يملك بالإحياء ملكه إلى القرار وملك مرافقه فإن تباعد إنسان عن حريمه وحفر معدنا فوصل إلى العرق لم يمنع من أخذ ما فيه لانه إحياء في موات لا حق فيه لغيره فإن حفر ولم يصل إلى النيل صار أحق به كما قلنا فيمن تحجر في موات الأرض فإن قلنا لا يملك كان كالمعدن الظاهر في إزالة يده إذا طال مقامه وفي القسمة والتقديم بالقرعة وتقديم من يرى الإمام تقديمه فصل ويجوز الارتفاق بما بين العامر من الشوارع والرحاب الواسعة بالقعود للبيع والشراء لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على إقرار الناس على ذلك من غير إنكار ولانه ارتفاق بمباح من غير إضرار فلم يمنع منه كالاجتياز فإن سبق إليه كان أحق به لقوله صلى الله عليه وسلم منى مناخ من سبق وله أن يظلل بما لا ضرر به على المارة من بارية وثوب لان الحاجة تدعو إلى ذلك وإن أراد أن يبني دكة منع ( منه ) لانه يضيق به الطريق ويعثر به الضرير وبالليل البصير فلم يجز وإن قام وترك المتاع لم يجز لغيره أن يقعد فيه لان يد الأول لم تزل وإن نقل متاعه كان لغيره أن يقعد فيه لانه زالت يده وإن قعد وأطال ففيه وجهان أحدهما يمنع لانه يصير كالمتملك وتملكه لا يجوز والثاني يجوز لانه قد ثبت له اليد بالسبق إليه وإن سبق إليه اثنان ففيه وجهان أحدهما يقرع بينهما لانه لا مزية لاحدهما على الآخر والثاني يقدم الإمام أحدهما لان للإمام النظر والاجتهاد ولا تجيء القسمة لانها لا تملك فلم تقسم باب الإقطاع والحمى يجوز للإمام أن يقطع موات الأرض لمن يملكه بالإحياء لما روى علقمة بن وائل عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا فأرسل معه معاوية أن أعطه إياها أو قال أعطها إياه وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه حتى قام ورمى بسوطه فقال أعطوه من حيث وقع السوط وروي أن أبا بكر أقطع الزبير وأقطع عمر عليا وأقطع عثمان رضي الله عنهم خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير وسعدا وابن مسعود وخبابا وأسامة بن زيد رضي الله عنهم ومن أقطعه الإمام شيئا من ذلك صار أحق به ويصير كالمتحجر في جميع ما ذكرناه لان بإقطاع الإمام صار أحق به كالمتحجر فكان حكمه حكم المتحجر ولا يقطع من ذلك إلا ما يقدر على إحيائه لانه إذا أعطاه أكثر من ذلك دخل الضرر على المسلمين من غير فائدة فصل وأما المعادن فإنها إن كانت من المعادن الظاهرة لم يجز إقطاعها لما روى ثابت بن سعيد عن أبيه عن جده أبيض بن حمال أنه استقطع النبي صلى الله عليه وسلم ملح المأرب فأقطعه إياه ثم إن الأقرع بن حابس قال يا رسول الله إني قد وردت الملح في الجاهلية وهو بأرض ليس بها ملح ومن ورده أخذه وهو مثل الماء العد بأرض فاستقال أبيض بن حمال فقال أبيض قد أقلتك فيه على أن تجعله مني صدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو منك صدقة وهو مثل الماء العد ومن ورده أخذه وإن كانت من المعادن الباطنة فإن قلنا إنها تملك بالإحياء جاز إقطاعه لانه موات يجوز أن يملك بالإحياء فجاز إقطاعه كموات الأرض وإن قلنا لا تملك بالإحياء فهل يجوز إقطاعه فيه قولان أحدهما يجوز إقطاعه لانه يفتقر الانتفاع به إلى المؤن فجاز إقطاعه كموات الأرض والثاني لا يجوز لانه معدن لا يملك بالإحياء فلم يجز إقطاعه كالمعادن الظاهرة