Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
فإذا قلنا يجوز إقطاعه لم يجز إلا ما يقوم به لما ذكرناه في إقطاع الموات فصل ويجوز إقطاع ما بين العامر من الرحاب ومقاعد الأسواق للارتفاق فمن أقطع شيئا من ذلك صار أحق بالموضع نقل متاعه أو لم ينفل لان للإمام النظر والاجتهاد فإذا أقطعه ثبتت يده عليه بالإقطاع فلم يكن لغيره أن يقعد فيه فصل ولا يجوز لاحد أن يحمى مواتا ليمنع الإحياء ورعي ما فيه من الكلا لما روى الصعب بن جثامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا حمى إلا لله ولرسوله فأما الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه كان يجوز له أن يحمي لنفسه وللمسلمين فأما لنفسه فإنه ما حمي ولكنه حمى للمسلمين والدليل عليه ما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع لخيل المسلمين وأما غيره من الأئمة فلا يجوز أن يحمي لنفسه للخبر وهل يجوز أن يحمي لخيل المجاهدين ونعم الجزية وإبل الصدقة وماشية من يضعف عن الإبعاد في طلب النجعة فيه قولان أحدهما لا يجوز للخبر والثاني يجوز لما روى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال أتى أعرابي من أهل نجد عمر فقال يا أمير المؤمنين بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام فعلام تحميها فأطرق عمر رضي الله عنه وجعل ينفخ ويفتل شاربه وكان إذا كره أمرا فتل شاربه ونفخ فلما رأى الأعرابي ما به جعل يردد ذلك فقال عمر المال مال الله والعباد عباد الله فلولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبرا في شبر قال مالك نبئت أنه كان يحمل في كل عام على أربعين ألفا من الظهر وقال مرة من الخيل وروى زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر رضي الله عنه استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى وقال له يا هني اضمم جناحك عن الناس واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة وأدخل رب الصريمة والغنيمة وإياك ونعم ابن عوف وإياك ونعم ابن عفان فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما فيأتياني فيقولا يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين أفتاركهم أنا لا أبا لك إن الماء والكلأ أيسر عندي من الذهب والورق والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا فإن حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا لحاجة والحاجة باقية لم يجز إحياؤها وإن زالت الحاجة ففيه وجهان أحدهما يجوز لانه زال السبب والثاني لا يجوز لان ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم نص فلا يجوز نقضه بالاجتهاد وإن حماه إمام غيره وقلنا إنه يصح حماه فأحياه رجل ففيه قولان أحدهما لا يملكه كما لا يملك ما حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني يملك لان حمى الإمام اجتهاد وملك الأرض بالإحياء نص والنص لا ينقض بالاجتهاد باب حكم المياه الماء اثنان مباح وغير مباح
فأما غير المباح فهو ما ينبع في أرض مملوكة فصاحب الأرض أحق به من غيره لانه على المنصوص بملكه وعلى قول أبي إسحاق لا يملكه إلا أنه لا يجوز لغيره أن يدخل إلى ملكه بغير إذنه فكان أحق به وإن فضل عن حاجته واحتاج إليه الماشية للكلا لزمه بدله من غير عوض وقال أبو عبيد بن حرب لا يلزمه بذله كما لا يلزمه بذل الكلا للماشية ولا بذل الدلو والحبل ليستقي به الماء للماشية والمذهب الأول لما روى إياس بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع فضل الماء وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلا منعه الله فضل رحمته ويخالف الكلأ فإنه لا يستخلف أخذه وربما احتاج إليه لماشيته قبل أن يستخلف فتهلك ماشيته والماء يستخلف أخذه وما ينقص من الدلو والحبل لا يستخلف فيستضر والضرر لا يزال بالضرر ولا يلزمه بذل فضل الماء للزرع لان الزرع لا حرمة له في نفسه والماشية لها حرمة في نفسها ولهذا لو كان الزرع له لم يلزمه سقيه ولو كانت الماشية له لزمه سقيها وإن لم يفضل الماء عن حاجته لم يلزمه بذله لان النبي صلى الله عليه وسلم علق الوعيد على منع الفضل ولان ما لا يفضل عن حاجته يستضر ببذله والضرر لا يزال بالضرر فصل وأما المباح فهو الماء الذي ينبع في الموات فهو مشترك بين الناس لقوله صلى الله عليه وسلم الناس شركاء في ثلاثة الماء والنار والكلا فمن سبق منهم إلى شيء منه كان أحق به لقوله صلى الله عليه وسلم من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به فإن أراد أن يسقي منه أرضا فإن كان نهرا عظيما كالنيل والفرات وما أشبههما من الأودية العظيمة جاز أن يسقي منه ما شاء ومتى شاء لانه لا ضرر فيه على أحد وإن كان نهرا صغيرا لا يمكن سقي الأرض منه إلا أن يحبسه فإن كانت الأرض متساوية بدأ من في أول النهر فيحبس الماء حتى يسقي أرضه إلى أن يبلغ الماء إلى الكعب ثم يرسله إلى من يليه وعلى هذا إلى أن تنتهي الأراضي لما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في شرب نهر من سيل أن للأعلى أن يشرب قبل الأسفل ويجعل الماء فيه إلى الكعب ثم يرسله إلى الأسفل الذي يليه كذلك حتى تنتهي الأرضون وروى عبد الله بن الزبير أن الزبير ورجلا من الأنصار تنازعا في شراج الحرة التي يسقى بها النخل فقال الأنصاري للزبير سرح الماء فأبى الزبير فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك فقال الأنصاري أن كان ابن عمتك يا رسول الله فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا زبير اسقي أرضك واحبس الماء إلى أن يبلغ الجدر وإن كانت الأرض بعضها أعلى من بعض ولا يقف الماء في الأرض العالية إلى الكعب حتى يقف في الأرض المستفلة إلى الوسط فيسقي المستفلة حتى يبلغ الماء إلى الكعب ثم يسدها ويسقي العالية حتى يبلغ الكعب فإن أحيا جماعة أرضا على هذا النهر وسقوا منه ثم جاء رجل فأحيا أرضا في أعلاه إذا سقى أرضه استضر أهل النهر منع من ذلك لان من ملك أرضا ملكها بمرافقها والنهر من مرافق أرضهم فلا يجوز مضايقتهم فيه فصل وإن اشترك جماعة في استنباط عين اشتركوا في مائها فإن دخلوا على أن يتساووا تساووا في الإنفاق
وإن دخلوا على أن يتفاضلوا تفاضلوا في الإنفاق ويكون الماء بينهم على قدر النفقة لانهم استفادوا ذلك بالإنفاق فكان حقهم على قدره فإن أراد وأسقى أراضيهم بالمهايأة يوما يوما جاز وإن أرادوا قسمة الماء نصبوا خشبة مستوية قبل الأراضي وتفتح فيها كوى على قدر حقوقهم فتخرج حصة كل واحد منهم إلى أرضه فإن أراد أحدهم أن يأخذ حقه من الماء قبل المقسم في ساقية تحفرها إلى أرضه منع من ذلك لان حريم النهر مشترك بينهم فلا يجوز لواحد منهم أن يحفر فيه فإن أراد أن ينصب رحا قبل المقسم ويديرها بالماء منع من ذلك لانه يتصرف في حريم مشترك فإن أراد أن يأخذ الماء ويسقي به أرضا أخرى ليس لها رسم بشرب من هذا النهر منع منه لانه يجعل لنفسه شربا لم يكن له كما لا يجوز لمن له داران متلاصقان في دربين أن يفتح من أحدهما بابا إلى الأخرى فيجعل لنفسه طريقا لم يكن له والله أعلم كتاب اللقطة إذا وجد الحر الرشيد لقطة يمكن حفظها وتعريفها كالذهب والفضة والجواهر والثياب فإن كان ذلك في غير الحرم جاز التقاطه للتملك لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة فقال ما كان منها في طريق مئتاء فعرفها حولا فإن جاء صاحبها وإلا فهي لك وما كان منها في خراب ففيها وفي الركاز الخمس وله أن يلتقطها للحفظ على صاحبها لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه وإن كانت في الحرم لم يجز أن يأخذها إلا للحفظ على صاحبها ومن أصحابنا من قال يجوز التقاطها للتملك لانها أرض مباحة فجاز أخذ لقطتها للتملك كغير الحرم والمذهب الأول لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام إلى يوم القيامة لم يحل لاحد قبلي ولا يحل لاحد بعدي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار وهو حرام إلى يوم القيامة لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرف ويلزمه المقام للتعريف وإن لم يمكنه المقام دفعها إلى الحاكم ليعرفها من سهم المصالح فصل وهل يجب أخذها روى المزني أنه قال لا أحب تركها وقال في الأم لا يجوز تركها فمن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما لا يجب لانها أمانة فلم يجب أخذها كالوديعة والثاني يجب لما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حرمة مال المؤمن كحرمة دمه ولو خاف على نفسه لوجب حفظها فكذلك إذا خاف على ماله وقال أبو العباس وأبو إسحاق وغيرهما إن كانت في موضع لا يخاف عليها لامانة أهله لم يجب عليه لان غيره يقوم مقامه في حفظها وإن كان في موضع يخاف عليها لقلة أمانة أهله وجب لان غيره لا يقوم مقامه فتعين عليه وحمل القولين على هذين الحالين فإن تركها ولم يأخذها لم يضمن لان المال إنما يضمن باليد أو بالإتلاف ولم يوجد شيء من ذلك ولهذا لا يضمن الوديعة إذا ترك أخذها فكذلك اللقطة فصل وإن أخذها اثنان كانت بينهما كما لو أخذ صيدا كان بينهما فإن أخذها واحد وضاعت منه ووجدها غيره وجب عليه ردها إلى الأول لانه سبق إليها فقدم كما لو سبق إلى موات فتحجره فصل وإذا أخذها عرف عفاصها وهو الوعاء الذي تكون فيه ووكاءها وهو الذى تشد به وجنسها وقدرها لما روى زيد بن خالد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة فقال اعرف عفاصها ووكاءها وعرفها سنة فإن جاء من يعرفها وإلا فاخلطها بمالك فنص على العفاص والوكاء وقسنا عليهما الجنس والقدر ولانه إذا عرف هذه الأشياء لم تختلط بماله وتعرف به صدق من يدعيها
وهل يلزمه أن يشهد عليها وعلى اللقيط فيه ثلاثة أوجه أحدها لا يجب لانه دخول في أمانة فلم يجب الإشهاد عليه كقبول الوديعة والثاني يجب لما روى عياض بن حمار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من التقط لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب ولانه إذا لم يشهد لم يؤمن أن يموت فتضيع اللقطة أو يسترق اللقيط والثالث أنه لا يجب على اللقطة لانه اكتساب مال فلم يجب الإشهاد عليه كالبيع ويجب على اللقيط لانه يحفظ به النسب فوجب الإشهاد عليه كالنكاح وإن أخذها وأراد الحفظ على صاحبها لم يلزمه التعريف لان التعريف للتملك فإذا لم يرد التملك لم يجب التعريف فإن أراد أن يتملكها نظرت فإن كان مالا له قدر يرجع من ضاع منه في طلبه لزمه أن يعرفه سنة لحديث عبد الله بن عمرو وحديث زيد بن خالد وهل يجوز تعريفها سنة متفرقة فيه وجهان أحدهما لا يجوز ومتى قطع استأنف لانه إذا قطع لم يظهر أمرها ولم يظهر طالبها والثاني يجوز لان اسم السنة يقع عليها ولهذا لو نذر صوم سنة جاز أن يصوم سنة متفرقة ويجب أن يكون التعريف في أوقات اجتماع الناس كأوقات الصلوات وغيرها وفي المواضع التي يجتمع الناس فيها كالأسواق وأبواب المساجد لان المقصود لا يحصل إلا بذلك ويكثر منه في الموضع الذي وجدها فيه لان من ضاع منه شيء يطلبه في الموضع الذي ضاع فيه ولا يعرفها في المساجد لما روى جابر قال سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ينشد ضالة في المسجد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لا وجدت وذلك لانه كان يكره أن ترفع فيه الأصوات ويقول من ضاع منه شيء أو من ضاع منه دنانير ولا يزيد عليها حتى لا يضبطها رجل فيدعيها فإن ذكر النوع والقدر والعفاص والوكاء ففيه وجهان أحدهما لا يضمن لان بمجرد الصفة لا يجب الدفع والثاني يضمن لانه لا يؤمن أن يحفظ ذلك رجل ثم يرافعه إلى من يوجب الدفع بالصفة فإن لم يوجد من يتطوع بالنداء كانت الأجرة على الملتقط لانه يتملك به وإن كانت اللقطة مما لا يطلب كالتمرة واللقمة لم يعرف لما روى أنس قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على تمرة في الطريق مطروحة فقال لولا أن أخشى أن تكون من الصدقة لاكلتها وإن كان مما يطلب إلا أنه قليل ففيه ثلاثة أوجه أحدها يعرف القليل والكثير سنة وهو ظاهر النص لعموم الأخبار والثاني لا يعرف الدينار لما روي أن عليا كرم الله وجهه وجد دينارا فعرفه ثلاثا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كله أو شأنك به والثالث يعرف ما يقطع فيه السارق ولا يعرف ما دونه لانه تافه ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها ما كانت اليد تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه فصل فإن عرفها فلم يجد صاحبها ففيه وجهان أحدهما تدخل في ملكه بالتعريف لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإن جاء صاحبها وإلا فهي لك ولانه كسب مال بفعل فلم يعتبر فيه اختيار التملك كالصيد والثاني أنه يملكه باختيار التملك لما روي في حديث زيد بن خالد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها فجعله إلى اختياره ولانه تملك ببدل فاعتبر فيه اختيار التملك كالملك بالبيع وحكى فيه وجهان آخران أحدهما أنه يملك بمجرد النية والثاني يملكه بالتصرف ولا وجه لواحد منهما ولا فرق في ملكها بين الغني والفقير لقوله صلى الله عليه وسلم فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ولم يفرق لانه ملك بعوض فاستوى فيه الغني والفقير كالملك في القرض والبيع فصل فإن حضر صاحبها قبل أن يملكها نظرت فإن كانت العين باقية وجب ردها مع الزيادة المتصلة والمنفصلة لانها باقية على ملكه
وإن كانت تالفة لم يلزم الملتقط ضمانها لانه يحفظ لصاحبها فلم يلزم ضمانها من غير تفريط كالوديعة وإن حضر بعدما ملكها فإن كانت باقية وجب ردها وإن كانت تالفة وجب عليه بدلها وقال الكرابيسي لا يلزمه ردها ولا ضمان بدلها لانه مال لا يعرف له مالك فإذا ملكه لم يلزمه رده ولا ضمان بدله كالركاز والمذهب الأول لما روى أبو سعيد الخدرى أن عليا كرم الله وجهه وجد دينارا فجاء صاحبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أده قال على قد أكلته فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء ناشىء أديناه ويخالف الركاز فإنه مال لكافر لا حرمة له وهذا مال مسلم ولهذا لا يلزمه تعريف الركاز ويلزمه تعريف اللقطة فإن كانت العين باقية فقال الملتقط أنا أعطيك البدل لم يجبر المالك على قبوله لانه يمكنه الرجوع إلى عين ماله فلا يجبر على قبول البدل وإن حضر وقد باعها الملتقط وبينهما خيار ففيه وجهان أحدهما يفسخ البيع ويأخذ لانه يستحق العين والعين باقية والثاني لا يجوز له أن يفسخ لان الفسخ حق للعاقد فلا يجوز لغيره من غير إذنه وإن حضر وقد زادت العين فإن كانت زيادة متصلة رجع فيها مع الزيادة وإن كانت زيادة منفصلة رجع فيها دون الزيادة لانه فسخ ملك فاختلفت فيه الزيادة المتصلة والمنفصلة كالرد بالعيب فصل وإن جاء من يدعيها ووصفها فإن غلب على ظنه أنها له جاز له أن يدفع إليه ولا يلزمه الدفع لانه مال للغير فلا يجب تسليمه بالوصف كالوديعة فإن دفع إليه بالوصف ثم جاء غيره وأقام البينة أنها له قضي بالبينة لانها حجة توجب الدفع فقدمت على الوصف فإن كانت باقية ردت على صاحب البينة وإن كانت تالفة فله أن يضمن الملتقط لانه دفع ماله بغير حق وله أن يضمن الآخذ لانه أخذ ماله بغير حق فإن ضمن الآخذ لم يرجع على الملتقط لانه إن كان مستحقا عليه فقد دفع ما وجب عليه فلم يرجع وإن كان مظلوما لم يجز أن يرجع على غير من ظلمه وإن ضمن الملتقط نظرت فإن كان قد أقر للآخذ بالملك بأن قال هي لك لم يرجع عليه لانه اعترف أنه أخذ ماله وإن صاحب البينة ظلمه فلا يرجع على من لم يظلمه وإن لم يقر له ولكنه قال يغلب على ظنى أنها لك فله الرجوع لانه بان أنه لم يكن له وقد تلف في يده فاستقر الضمان عليه فصل وإن وجد ضالة لم يخل إما أن تكون في برية أو بلد فإن كانت في برية نظرت فإن كانت مما يمتنع على صغار السباع بقوته كالإبل والبقر والخيل والبغال والحمير أو ببعد أثره لسرعته كالظباء والأرانب أو بجناحه كالحمام والدراج لم يجز التقاطه للتملك لما روى زيد بن خالد الجهني قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل فغضب واحمرت عيناه وقال مالك ولها معها الحدء والسقاء تأكل من الشجر وترد الماء حتى يأتى ربها وسئل عن ضالة الغنم فقال خذها هي لك أو لاخيك أو للذئب وهل يجوز أخذها للحفظ ينظر فيه فإن كان الواجد هو السلطان جاز لان للسلطان ولاية في حفظ أموال المسلمين ولهذا روي أنه كان لعمر حظيرة يجمع فيها الضوال فإن كان له حمى تركها في الحمى وأشهد عليها ويسمها بسمة الضوال لتتميز عن غيرها من الأموال وإن لم يكن له حمى فإن كان يطمع في مجىء صاحبها بأن يعرف أنها من نعم قوم يعرفهم حفظها اليومين والثلاثة وإن لم يعرف أو عرف ولم يجىء صاحبها باعها وحفظ ثمنها لانه إذا تركها احتاجت إلى نفقة وفي ذلك إضرار وإن كان الواجد لها من الرعية ففيه وجهان أحدهما يجوز لانه يأخذها للحفظ على صاحبها فجاز كالسلطان والثاني لا يجوز لانه لا ولاية له على صاحبها بخلاف السلطان فإن أخذها للتملك أو للحفظ وقلنا إنه لا يجوز ضمنها لانه تعدى بأخذها فضمنها كالغاصب
وإن دفعها إلى السلطان ففيه وجهان أحدهما ( أنه ) لا يبرأ من الضمان لانه لا ولاية للسلطان على رشيد والثاني يبرأ وهو المذهب لان للسلطان ولاية على الغائب في حفظ ما يخاف عليه من ماله ولهذا لو وجدها السلطان جاز له أخذها للحفظ على مالكها فإذا أخذها غيره وسلمها إليه برىء من الضمان وإن كان مما لا يمتنع من صغار السباع كالغنم وصغار الإبل والبقر أخذها لحديث زيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ضالة الغنم خذها هي لك أو لاخيك أو للذئب ولانه إذا تركها أخذها غيره أو أكلها الذئب فكان أخذها أحوط لصاحبها وإذا أخذها فهو بالخيار بين أن يمسكها ويتطوع بالإنفاق عليها ويعرفها حولا ثم يملكها وبين أن يبيعها ويحفظ ثمنها ويعرفها ثم يملك الثمن وبين أن يأكلها ويغرم بدلها ويعرفها لانه إذا لم يفعل ذلك احتاج إلى نفقة دائمة وفي ذلك إضرار بصاحبها والإمساك أولى من البيع والأكل لانه يحفظ اعين على صاحبها ويجرى فيها على سنة الالتقاط في التعريف والتملك والبيع أولى من الأكل لانه إذا أكل استباحها قبل الحول وإذا باع لم يملك الثمن إلا بعد الحول فكان البيع أشبه بأحكام اللقطة فإن أراد البيع ولم يقدر على الحاكم باعها بنفسه لانه موضع ضرورة وإن قدر على الحاكم ففيه وجهان أحدهما لا يبيع إلا بإذنه لان الحاكم له ولاية ولا ولاية للملتقط والثاني يبيع من غير إذنه لانه قد قام المالك فقام مقامه في البيع وإن أكل فهل يلزمه أن يعزل البدل مدة التعريف فيه وجهان أحدهما لا يلزمه لأن كل حالة جاز أن يستبيح أكل اللقطة لم يلزمه عزل البدل كما بعد الحول ولانه إذا لم يعزل كان البدل قرضا في ذمته وإذا عزله كان أمانة والقرض أحوط من الأمانة والثاني يلزمه عزل البدل لانه أشبه بأحكام اللقطة فإن من حكم اللقطة أن تكون أمانة قبل الحول وقرضا بعد الحول فيصير البدل كاللقطة إن شاء حفظها له وإن شاء عرفها ثم تملك وإن أفلس الملتقط كان صاحبها أحق بها من سائر الغرماء وإن وجد ذلك في بلد فقد روى المزنى أن الصغار والكبار في البلد لقطة فمن أصحابنا من قال المذهب ما رواه المزني لان النبي صلى الله عليه وسلم إنما فرق بين الصغار والكبار في البرية لان الكبار لا يخاف عليها لانها ترد الماء وترعى الشجر وتتحفظ بنفسها والصغار يخاف عليها لانها لا ترد الماء والشجر فتهلك وأما في البلد فالكبار كالصغار في الخوف عليها فكان الجميع لقطة ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر إن البلد كالبرية فالصغار فيه لقطة والكبار ليست بلقطة لعموم الخبر فإن قلنا إن البلد كالبرية فالحكم فيه على ما ذكرناه إلا في الأكل فله أن يأكل الصغار في البرية وليس له أكلها في البلد لان في البرية إذا لم يأكل الصغار هلكت لانه لا يمكن بيعها وفي البلد يمكن بيعها فلم يجز الأكل وإن قلنا إن الجميع في البلد لقطة فالحكم في الكبار كالحكم في الصغار في البرية إلا في الأكل فإنه لا يأكل في البلد ويأكل الصغار في البرية لما ذكرناه فصل وإن وجد عبدا صغيرا لا تمييز له جاز له أن يلتقطه لانه كالغنم ويعرفه حولا ثم يملكه وإن وجد جارية صغيرة لا تمييز لها فإن كان لا يحل له وطؤها جاز له أن يلتقطها للتملك كما يجوز أن يقترضها وإن كانت تحل له لم يجز أن يلتقطها للتملك كما لا يجوز أن يقترضها فصل وإن وجد كلب صيد لم يجز أن ينتفع به قبل الحول فإن عرفه حولا ولم يجد صاحبه جاز له أن ينتفع به لان الانتفاع بالكلب كالتصرف في المال والتصرف في المال يقف على التعريف في الحول فكذلك الانتفاع بالكلب فصل وإن وجد مالا يبقى كالشواء والطبيخ والخيار والبطيخ فهو بالخيار بين أن يأكله ويغرم البدل وبين أن يبيعه ويحفظ الثمن على ما ذكرناه في الغنم في بيعه وحفظ ثمنه وأكله وعزل بدله
وخرج المزني فيه قولا آخر أنه يلزمه البيع ولا يجوز الأكل والمذهب الأول لانه معرض للهلاك فخير فيه بين البيع والأكل كالغنم وإن وجد ما لا يبقى ولكن يمكن التوصل إلى حفظه كالرطب والعنب فإن كان الأنفع لصاحبه أن يباع بيع وإن كان الأنفع أن يجفف جفف وإن احتاج إلى مؤنة في تجفيفه ولم يوجد من يتطوع بيع بعضه وأنفق عليه فصل وإن وجد خمرا أراقها صاحبها لم يلزمه تعريفها لان إراقتها مستحقة فلم يجز التعريف فإن صارت عنده خلا ففيه وجهان أحدهما أنها لمن أراقها لانها عادت إلى الملك السابق والملك السابق للذي أراق فعاد إليه كما لو غصبه من رجل فصار في يده خلا والثاني أنه للملتقط لان الأول أسقط حقه منها فصارت في يد الثانى ويخالف المغصوبة لانها أخذت بغير رضاه فوجب ردها إليه فصل فأما العبد إذا وجد لقطة ففيه قولان أحدهما له أن يلتقط لانه كسب بفعل فجاز للعبد كالاصطياد والثاني لا يجوز لان الالتقاط يقتضى ولاية قبل الحول وضمانا بعد الحول والعبد ليس من أهل الولاية ولا له ذمة يستوفي منها الحق إلى أن يعتق ويوسر فإن قلنا إنه يجوز أن يلتقط فالتقط فهلك في يده من غير تفريط لم يضمن وإن هلك بتفريط ضمنها في رقبته فتبتاع فيها وإن عرفها صح تعريفه ولا يملك به لانه في أحد القولين لا يملك المال وفي الثاني يملك إذا ملكه السيد وههنا لم يملكه السيد فإن قلنا إن الملتقط يملك بالتعريف من غير اختيار التملك دخل في ملك السيد كما يدخل في ملكه ما التقطه وعرفه وإن قلنا لا يملك إلا باختهيار التملك وقف على اختياره فإن تملكها العبد وتصرف فيها ففيه وجهان أحدهما يضمنها في ذمته ويتبع بها إذا عتق كما لو اقترض شيئا والثاني يضمنها في رقبته لانه مال لزمه بغير رضا من له الحق فتعلق برقبته كأرش الجناية وإن علم السيد نظرت فإن لم يكن عرفها العبد عرفها السيد حولا ثم تملك وإن عرفهما العبد تملكها السيد في الحال لأن تعريف العبد كتعريفه فإن عرفهما العبد بعض الحول عرفها السيد ما بقى ثم تملك وإن أقرها في يد العبد نظرت فإن كان العبد أمينا لم يضمن كما لا يضمن ما التقطه بنفسه وسلمه إلى عبده وإن كان خائنا ضمنها كما لو التقطها بنفسه وسلمها إليه وهو خائن وإن قلنا إنه لا يجوز أن يلتقط فالتقط ضمنها في رقبته لانه أخذ مال غيره بغير حق فأشبه إذا غصبه وإن عرفها لم يصح تعريفه لانها ليست في يده بحكم اللقطة فإن علم السيد نظرت فإن أخذها صارت في يده أمانة لانه أخذ ما يجوز له أخذه بحكم الالتقاط فصار كما لو وجد لقطة فالتقطها ويبرأ العبد من الضمان لانه دفعها إلى من يجوز الدفع إليه فبرىء من الضمان كما لو دفعها إلى الحاكم وإن أراد أن يتملك ابتدأ التعريف ثم تملك فإن أقرها في يد العبد ليعرفها فإن كان أمينا لم يضمن كما لو استعان به في تعريف ما التقطه بنفسه وإن لم يأخذها ولا أقرها في يده ولكنه أهملها فقد روى المزني أنه يضمنها في رقبة العبد وروى الربيع أنه يضمنها في ذمته ورقبة العبد فمن أصحابنا من قال الصحيح ما رواه المزني أنه يختص برقبته لان الذي أخذ هو العبد فاختص الضمان برقبته فعلى هذا إن تلف العبد سقط الضمان وقال أبو إسحاق الصحيح ما رواه الربيع وأنه يتعلق بذمة السيد ورقبة العبد لان العبد تعدى بالأخذ والسيد تعدى بالترك فاشتركا في الضمان فعلى هذا إن تلف العبد لم يسقط الضمان وإن التقط العبد لقطة ولم يعلم السيد بها حتى أعتقه فعلى القولين إن قلنا إنه يجوز للعبد أن يلتقط كان للسيد أن يأخذها منه لانه كسب له حصل له في حال الرق فكان للسيد كسائر أكسابه
وإن قلنا لا يجوز له أن يلتقط لم يكن للسيد أن يأخذها منه لانه لم يثبت للعبد عليه يد الالتقاط فعلى هذا يكون العبد أحق بها لانها في يده وهو من أهل الالتقاط ويحتمل ألا يكون أحق بها لان يده يد ضمان فلا تصير يد أمانة فصل وإن وجد المكاتب لقطة فالمنصوص أنه كالحر واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال إنه كالحر قولا واحدا لانه يملك التصرف في المال وله ذمة يستوفى منها الحق فهو كالحر ومنهم من قال هو كالعبد لانه ناقص بالرق كالعبد فيكون في التقاطه قولان فإن قلنا إنه كالحر أو قلنا إنه كالعبد وجوزنا التقاطه صح تعريفه فإذا عرفها ملكها لانه من أهل الملك وإذا قلنا إنه كالعبد ولم نجوز التقاطه صار ضامنا لانه تعدى بالأخذ ويجب أن يسلمها إلى السلطان لانه لا يمكن إقرارها في يده لانها في يده بغير حق ولا يمكن تسليمها إلى السيد لانه لا حق له في أكسابه فوجب تسليمها إلى السلطان فإن أخذها السلطان برىء المكاتب من الضمان فتكون في يد السلطان أبدا إلى أن يجد صاحبها فصل وإن وجد اللقطة من نصفه حر ونصفه عبد فالمنصوص أنه كالحر فمن أصحابنا من قال هو كالحر قولا واحدا لانه تملك ملكا تاما وله ذمة صحيحة فهو كالحر ومنهم من قال هو كالعبد القن لما فيه من نقص الرق فيكون على قولين فإذا قلنا إنه كالحر نظرت فإن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة كانا شريكين فيها كسائر أكسابه وإن كان بينهما مهايأة فإن قلنا إن الكسب النادر لا يدخل في المهايأة كانت اللقطة بينهما لانه بمنزلة ما لم يكن بينهما مهايأة وإن قلنا إن الكسب النادر يدخل في المهايأة كانت اللقطة لمن وجدها في يومه فصل وإن وجد المحجور عليه لسفه أو جنون أو صغر لقطة صح التقاطه لانه كسب بفعل فصح من المحجور عليه كالاصطياد وعلى الناظر في أمره أن ينتزعها منه ويعرفها لان اللقطة في مدة التعريف أمانة والمحجور عليه ليس من أهل الأمانة فإن كان ممن يجوز الاقتراض عليه تملكها له وإن كان ممن لا يجوز الاقتراض عليه لم يتملك له لان التملك بالالتقاط كالتملك بالاقتراض في ضمان البدل فصل وإن وجد الفاسق لقطة لم يأخذها لانه لا يؤمن ألا يؤدي الأمانة فيها فإنه التقطها ففيه قولان أحدهما لا تقر في يده وهو الصحيح لان الملتقط قبل الحول كالولي في حق الصغير والفاسق ليس من أهل الولاية في المال والثاني تقر في يده لانه كسب بفعل فأقر في يده كالصيد فعلى هذا يضم إليه من يشرف عليه وهل يجوز أن ينفرد بالتعريف فيه قولان أحدهما يجوز لان التعريف لا يفتقر إلى الأمانة والثاني لا يجوز حتى يكون معه من يشرف عليه لانه لا يؤمن أن يفرط في التعريف فإذا عرفه ملكه لانه من أهل التملك فصل وإن التقط كافر لقطة في دار الإسلام ففيه وجهان أحدهما يملك بالتعريف لانه كسب بالفعل فاستوى فيه الكافر والمسلم كالصيد والثاني لا يملك لان تصرفه بالحفظ والتعريف بالولاية والكافر لا ولاية له على المسلم كتاب اللقيط إلتقاط المنبوذ فرض على الكفاية لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولانه تخليص آدمى له حرمة من الهلاك فكان فرضا كبذل الطعام للمضطر فصل وإن وجد لقيط مجهول الحال حكم بحريته لما روى سنين أبو جميلة قال أخذت منبوذا على عهد عمر رضي الله عنه فذكره عريفي لعمر رضي الله عنه فأرسل إلى فدعاني والعريف عنده فلما رآنى قال عسى الغوير أبؤسا فقال عريفي إنه لا يتهم فقال عمر ما حملك على ما صنعت قلت وجدت نفسا بمضيعة فأحببت أن يأجرني الله تعالى فيه فقال هو حر وولاؤه لك وعلينا رضاعه ولان الأصل في الناس الحرية فإن كان عليه ثياب أو حلي أو تحته فراش أو في يده دراهم أو عنان فرس أو كان في دار ليس فيها غيره فهي له لانه حر فكان ما في يده له كالبالغ
وإن كان على بعد منه مال مطروح أو فرس مربوط لم يكن له لانه لا يد له عليه وإن كان بالقرب منه وليس هناك غيره ففيه وجهان أحدهما ليس له لانه لا يد له عليه والثاني له لان الإنسان قد يترك ماله بقربه فإذا لم يكن هناك غيره فالظاهر أنه له وإن كان تحته مال مدفون لم يكن له لان البالغ لو جلس على الأرض وتحته دفين لم يكن له ذلك فكذلك اللقيط فصل وإن وجد في بلد من بلاد المسلمين وفيه مسلم لانه اجتمع له حكم الدار وإسلام من فيها وإن كان في بلد الكفار ولا مسلم فيه فهو كافهر لان الظاهر أنه ولد بين كافرين وإن كان فيه مسلم ففيه وجهان أحدهما إنه كافر تغليبا لحكم الدار والثاني إنه مسلم تغليبا لاسلام المسلم الذى فيه وإن التقطه حر مسلم أمين مقيم موسر أقر في يده لما ذكرناه من حديث عمر رضي الله عنه ولانه لا بد من أن يكون في يد من يكفله فكان الملتقط أحق به لحق السبق فصل فإن كان له مال كانت نفقته في ماله كالبالغ ولا يجوز للملتقط أن ينفق عليه من ماله بغير إذن الحاكم فإن أنفق عليه من غير إذنه ضمنه لانه لا ولاية له عليه إلا في الكفالة فلم يملك الإنفاق بنفسه كالأم وإن فوض إليه الحاكم أن ينفق عليه مما وجده معه فقد قال في كتاب اللقيط يجوز وقال في كتاب اللقطة إذا أنفق الواحد على الضالة ليرجع به لم يجز حتى يدفع إلى الحاكم ثم يدفع الحاكم إليه ما ينفق عليه فمن أصحابنا من نقل جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وجعلهما على قولين أحدهما لا يجوز لانه لا يلى بنفسه فلم يجز أن يكون وكيلا لغيره في القبض له من نفسه كما لو كان عليه دين ففوض إليه صاحب الدين قبض ماله عليه من نفسه والثاني يجوز لانه جعل أمينا على الطفل فجاز أن ينفق عليه مما له في يده كالوصي ومنهم من قال يجوز في اللقيط ولا يجوز في الضالة لان اللقيط لا ولى له في الظاهر فجاز أن يجعل الواحد وليا له والضالة لها مالك هو ولي عليها فلا يجوز أن يجعل الواحد وليا عليها وإن لم يكن حاكم فأنفق من غير إشهاد ضمن وإن أشهد ففيه قولان أحدهما يضمن لانه لا ولاية له فضمن كما لو كان الحاكم موجودا والثاني لا يضمن لانه موضع ضرورة وإن لم يكن له مال وجب على السلطان القيام بنفقته لانه آدمي له حرمة يخشى هلاكه فوجب على السلطان القيام بحفظه كالفقير الذى لا كسب له ومن أين تجب النفقة فيه قولان أحدهما من بيت المال لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه استشار الصحابة في نفقة اللقيط فقالوا من بيت المال ولان من لزم حفظه بالإنفاق ولم يكن له مال وجبت نفقته من بيت المال كالفقير الذي لا كسب له فعلى هذا لا يرجع على أحد بما أنفق عليه والقول الثاني لا يجب من بيت المال لان مال بيت المال لا يصرف إلا فيما لا وجه له غيره واللقيط يجوز أن يكون عبدا فنفقته على مولاه أو حرا له مال أو فقيرا له من تلزمه نفقته فلم يلزم من بيت المال فعلى هذا يجب على الإمام أن يقترض له ما ينفق عليه من بيت المال أو من رجل ثري من المسلمين فإن لم يكن في بيت المال ولا وجد من يقرضه جمع الإمام من له مكنة وعد نفسه فيهم وقسط عليهم نفقته فإن بان أنه عبد رجع على مولاه وإن بان أن له أبا موسرا رجع عليه بما اقترض له فإن لم يكن له أحد وله كسب رجع في كسبه وإن لم يكن له كسب قضى من سهم من ثري من المساكين أو الغارمين فصل وأما إذا التقطه عبد فإن كان بإذن السيد وهو من أهل الالتقاط جاز لان الملتقط هو السيد والعبد نائب عنه
وإن كان بغير إذنه لم يقر في يده لانه لا يقدر على حضانته مع خدمة السيد وإن علم به السيد وأقره في يده كان ذلك التقاطا من السيد والعبد نائب عنه ( فيه ) فصل وإن التقطه كافر نظرت فإن كان اللقيط محكوما بإسلامه لم يقر في يده لان الكفالة ولاية ولا ولاية للكافر على المسلم ولانه لا يؤمن أن يفتنه عن دينه وإن كان محكوما بكفره أقر في يده لانه على دينه وإن التقطه فاسق لم يقر في يده لانه لا يؤمن أن يسترقه وأن يسىء في تربيته ولان الكفالة ولاية والفاسق ليس من أهل الولاية فصل وإن التقطه ظاعن يريد أن يسافر به نظرت فإن لم تختبر أمانته في الباطن لم يقر في يده لانه لا يؤمن أن يسترقه إذا غاب وإن اختبرت أمانته في الباطن فإن كان اللقيط في الحضر والملتقط من أهل البدو ويريد أن يخرج به إلى البدو منع منه لانه ينقله من العيش في الرخاء إلى العيش في الشقاء ومن طيب المنشإ إلى موضع الجفاء وفي الخبر من بدا فقد جفا وإن أراد أن يخرج به إلى بلد آخر ففيه وجهان أحدهما يجوز وهو ظاهر النص لان البلد كالبلد والثاني لا يجوز لان البلد الذي وجد فيه أرجى لظهور نسبه فيه وإن كان الملتقط في بدو فإن كان الملتقط من أهل الحضر وأراد أن يخرج به إلى الحضر جاز لان الحضر أرفق به وأنفع له وإن كان من البادية فإن كانت حلته في مكان لا ينتقل عنه أقر في يده لان الحلة كالقرية وإن كان يظعن في طلب الماء والكلا ففيه وجهان أحدهما يقر في يده لانه أرجى لظهور نسبه والثاني لا يقر في يده لانه يشقى بالتنقل في البدو فصل وإن التقطه فقير ففيه وجهان أحدهما لا يقر في يده لانه لا يقدر على القيام بحضانته وفي ذلك إضرار باللقيط والثاني يقر في يده لان الله تعالى يقوم بكفاية الجميع فصل وإن تنازع في كفالته نفسان من أهل الكفالة قبل أن يأخذاه أخذه السلطان وجعله في يد من يرى منهما أو من غيرهما لانه لا حق لهما قبل الأخذ ولا مزية لهما على غيرهما فكان الأمر فيه إلى السلطان وإن التقطاه وتشاحا أقرع بينهما فمن خرجت عليه القرعة أقر في يده وقال أبو على بن خيران لا يقرع بينهما بل يجتهد الحاكم فيقره في يد من هو أحظ له والمنصوص هو الأول لقوله تعالى وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ولانه لا يمكن أن يجعل في أيديهما لانه لا يمكن اجتماعهما على الحضانة ولا يمكن أن يجعل بينهما مهايأة لانه تختلف عليه الأخلاق والأغذية فيستضر ولا يمكن أن يقدم أحدهما لانهما متساويان في سبب الاستحقاق ولا يمكن أن يسلم إلى غيرهما لانه قد ثبت لهما حق الالتقاط فلا يجوز إخراجه عنهما فأقرع بينهما كما لو أراد أن يسافر بإحدى نسائه وإن ترك أحدهما حقه من الحضانة ففيه وجهان أحدهما يدفع إلى السلطان فيقره في يد من يرى لان الملتقط لا يملك غير الحفظ فأما إقرار اللقيط في يد غيره فليس ذلك إليه ولهذا لو انفرد بالالتقاط لم يملك أن ينقله إلى غيره والثاني وهو المذهب أنه يقر في يد الآخر من غير إذن السلطان لان الحضانة بحكم الالتقاط لا تفتقر إلى إذن السلطان ولهذا لو انفرد كل واحد منهما بالالتقاط ثبت له الحضانة من غير إذن فإذا اجتمعا وترك أحدهما حقه ثبت للآخر كالشفعة بين شفيعين فصل فأما إذا اختلفا في الالتقاط فادعى كل واحد منهما أنه الملتقط ولم تكن بينة فإن لم يكن لاحدهما عليه يد أقره السلطان في يد من يرى منهما أو من غيرهما لانه لا حق لهما وإن كان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه لان اليد تشهد له وإن كان في يدهما تحالفا فإن حلفا أو نكلا صارا كالملتقطين يقرع بينهما على المذهب
وعلى قول أبي على بن خيران يقره الحاكم في يد من هو أحظ له فإن كان لاحدهما بينة قضي له لان البينة أقوى من اليد والدعوى وإن كان لكل واحد منهما بينة فإن كانت بينة أحدهما أقدم تاريخا قضي له لانه قد ثبت له السبق إلى الالتقاط وإن لم تكن بينة أحدهما أقدم تاريخا فقد تعارضت البينتان ففي أحد القولين تسقطان فيصيران كما لو لم تكن بينة وقد بيناه وفي القول الثاني تستعملان وفي الاستعمال ثلاثة أقوال أحدهما القسمة والثاني القرعة والثالث الوقف ولا يجىء ههنا إلا القرعة لانه لا يمكن قسمة اللقيط بينهما ولا يمكن الوقف لان فيه إضرار باللقيط فوجبت القرعة فصل وإن ادعى حر مسلم نسبه لحق به وتبعه في الإسلام لانه يقر له بحق لا ضرر فيه على أحد فقبل كما لو أقر له بمال وله أن يأخذه من الملتقط لان الوالد أحق بكفالة الولد من الملتقط وإن كان الذي أقر بالنسب هو الملتقط فالمستحب أن يقال له من أين صار ابنك لانه ربما اعتقد أنه بالالتقاط صار أبا له وإن ادعى نسبه عبد لحق به لان العبد كالحر في السبب الذى يلحق به النسب ولا يدفع إليه لانه لا يقدر على حضانته لاشتغاله بخدمة مولاه وإن ادعى نسبه كافر لحق به لان الكافر كالمسلم في سبب النسب وهل يصير اللقيط كافرا قال في اللقيط أحببت أن أجعله مسلما وقال في الدعوى والبينات أجعله مسلما فمن أصحابنا من قال إن أقام البينة حكم بكفره قولا واحدا وإن لم تقم البينة ففيه قولان أحدهما يحكم بكفره لانا لما حكمنا ثبوت نسبه فقد حكمنا بأنه ولد على فراشه والقول الثاني يحكم بإسلامه لانه محكوم بإسلامه بالدار فلا يحكم بكفره بقول كافر وقال أبو إسحاق الذي قال في اللقيط أراد به إذا ادعاه وأقام البينة عليه لانه قد ثبت بالبينة أنه ولد على فراش كافر والذى قال في الدعوى والبينات أراد إذا ادعاه من غير بينة لانه محكوم بإسلامه بظاهر الدار فلا يصير كافرا بدعوى الكافر وهذا الطريق هو الصحيح لانه نص عليه ( في الإملاء ) وإذا قلنا إنه يتبع الأب في الكفر فالمستحب أن يسلم إلى مسلم إلى أن يبلغ احتياطا للإسلام فإن بلغ ووصف الكفر أقررناه على كفره وإن وصف الإسلام حكمنا بإسلامه من وقته فصل وإن ادعت امرأة نسبه ففيه ثلاثة أوجه أحدهما يقبل لانها أحد الأبوين فقبل إقرارها بالنسب كالأب والثاني لا يقبل وهو ظاهر النص لانه يمكن إقامة البينة على ولادتها من طريق المشاهدة فلا يحكم فيها بالدعوى بخلاف الأب فإنه لا يمكن إقامة البينة على ولادته من طريق المشاهدة فقبلت فيه دعواه ولهذا قلنا إنه إذا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق لم يقبل قولها في دخول الدار إلا ببينة ولو قال لها إن حضت فأنت طالق قبل قولها في الحيض من غير بينة لما ذكرناه من الفرق فكذلك ههنا والثالث إن كانت فراشا لرجل لم يقبل قولها لان إقرارها يتضمن إلحاق النسب بالرجل وإن لم تكن فراشا قبل لانه لا يتضمن إلحاق النسب بغيرها فصل وإن تداعى نسبه رجلان لم يجز إلحاقه بهما لان الولد لا ينعقد من اثنين والدليل عليه قوله تعالى إنا خلقناكم من ذكر وأنثى فإن لم يكن لواحد منهما بينة عرض الولد على القافة وهم قوم من بنى مدلج من كنانة فإن ألحقته بأحدهما لحق به لما روت عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف السرور في وجهه فقال ألم ترى إلى مجزز المدلجي نظر إلى أسامة وزيد وقد غطيا رؤوسهما وقد بدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض فلو لم يكن ذلك حقا لما سر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل يجوز أن يكون من غير بني مدلج فيه وجهان أحدهما لا يجوز لان ذلك ثبت بالشرع ولم يرد الشرع إلا فهى بنى مدلج
والثاني أنه يجوز وهو الصحيح لانه علم يتعلم ويتعاطى فلم تختص به قبيلة كالعلم بالأحكام وهل يجوز أن يكون واحد ( منهما ) فيه وجهان أحدهما أنه يجوز لان النبي صلى الله عليه وسلم سر بقول مجزز المدلجي وحده ولانه بمنزلة الحاكم لانه يجتهد ويحكم كما يجتهد الحاكم ثم يحكم والثاني لا يجوز أقل من اثنين لانه حكم بالشبه في الخلقة فلم يقبل من واحد كالحكم في المثل في جزاء الصيد ولا يجوز أن يكون امرأة ولا عبدا كما لا يجوز أن يكون الحاكم امرأة ولا عبدا ولا يقبل إلا قول من جرب وعرف بالقيافة حذقه كما لا يقبل فهي الفتيا إلا قول من عرف في العلم حذقه وإن ألحقته بهما أو نفته عنهما أو أشكل الأمر عليها أو لم تكن قافة ترك حتى يبلغ ويؤخذان بالنفقة عليه لان كل واحد منهما يقول أنا الأب وعلى نفقته فإذا بلغ أمرناه أن ينتسب إلى من يميل طبعه إليه لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال للغلام الذي ألحقته القافة بهما وال أيهما شئت ولان الولد يجد لوالده ما لا يجد لغيره فإذا تعذر العمل بقول القافة رجع إلى اختيار الولد وهل يصح أن ينتسب إذا صار مميزا ولم يبلغ فيه وجهان أحدهما يصح كما يصح أن يختار الكون مع أحد الأبوين إذا صار مميزا والثاني لا يصح لانه قول يتعين به النسب ويلزم الإحكام به فلا يقبل من الصبى ويخالف اختيار الكون مع أحد الأبوين لان ذلك غير لازم ولهذا لو اختار أحدهما ثم انتقل إلى الآخر جاز ولا يجوز ذلك في النسب وإن كان لاحدهما بينة قدمت على القافة لان البينة تخبر عن سماع أو مشاهدة والقافة تخبر عن اجتهاد فإن كان لكل واحد منهما بينة فهما متعارضتان لانه لا يجوز أن يكون الولد من اثنين ففي أحد القولين يسقطان ويكون كما لو لم تكن بينة وقد بيناه وفي الثاني تستعملان فعلى هذا هل يقرع بينهما فيه وجهان أحدهما يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة قضي له لانه لا يمكن قسمة الولد بينهما ولا يمكن الوقف لان فيه إضرارا باللقيط فوجبت القرعة والثاني لا يقرع لان معنا ما هو أقوى من القرعة وهو القافة فعلى هذا يصير كما لو لم يكن لهما بينة وليس في موضع تسقط الأقوال الثلاثة في استعمال البينتين إلا في هذا الموضع على هذا المذهب وإن تداعت امرأتان نسبه وقلنا إنه يصح دعوى المرأة ولم تكن بينة فهل يعرض على القافة فيه وجهان أحدهما يعرض لان الولد يأخذ الشبه من الأم كما يأخذ من الأب فإذا جاز الرجوع إلى القافة في تمييز الأب من غيره بالشبه جاز في تمييز الأم من غيرها والثاني لا يعرض لان الولد يمكن معرفة أمه يقينا فلم يرجع فيه إلى القافة بخلاف الأب فإنه لا يمكن معرفته إلا ظنا فجاز أن يرجع فيه إلى الشبه فصل وإن ادعى رجل رق اللقيط لم يقبل إلا ببينة لان الأصل هو الحرية فإن شهدت له البينة نظرت فإن شهدت له بأنه ولدته أمته فقد قال في اللقيط جعلته له وقال في الدعوى والبينات إن شهدت له بأنه ولدته أمته في ملكه جعلته له فمن أصحابنا من قال يجعل له قولا واحدا وإن لم تقل ولدته في ملكه وما قال في الدعوى ( والبينات ) ذكره تأكيدا لا شرطا لان ما ( تأتي ) به أمته من غيره لا يكون إلا مملوكا له ومنهم من قال فيه قولان أحدهما يجعل له لما بيناه والثاني لا يجعل له لانه ( يحتمل ) أن تكون الأمة ولدته قبل أن يملكها ثم ملكها فلم يملك ولدها وإن شهدت له البينة بالملك ولم تذكر سبب الملك ففيه قولان أحدهما يحكم له كما يحكم له إذا شهدت له بملك مال وإن لم تذكر سببه والثاني لا يحكم لان البينة قد تراه في يده فتشهد بأنه عبده بثبوت يده عليه بالالتقاط أو غيره
وإن شهدت البينة له باليد فإن كان المدعى هو الملتقط لم يحكم له لانه قد عرف سبب يده وهو الالتقاط ويد الالتقاط لا تدل على الملك فلم يكن للشهادة تأثير وإن كان المدعى غيره ففيه قولان أحدهما يحكم له مع اليمين لان اليد قد ثبتت فإذا حلف حكم له كما لو كان في يده مال فحلف عليه والثاني لا يحكم له لان ثبوت اليد على اللقيط لا تدل على الملك لان الظاهر الحرية فصل ومن حكم بإسلامه أو بأحد أبويه أو بالسابي فحكمه قبل البلوغ حكم سائر المسلمين في الغسل والصلاة والميراث والقصاص والدية لان السبب الذى أوجب الحكم بإسلامه لم يزل فأشبه من أسلم بنفسه وبقي على إسلامه فإن بلغ ووصف الكفر فالمنصوص أنه مرتد فإن تاب وإلا قتل لانه محكوم بإسلامه قطعا فأشبه من أسلم بنفسه ثم ارتد ومن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما ما ذكرناه والثاني أنه يقر على الكفر لانه لما بلغ زال حكم التتبع فاعتبر بنفسه فإن بلغ ولم يصف الإسلام ولا الكفر فقتله قاتل فالمنصوص أنه لا قود على قاتله ومن أصحابنا من قال يجب القود لانه محكوم بإسلامه فأشبه ما قبل البلوغ وهذا خطأ لانه يحتمل أن يكون غير راض بالإسلام والقصاص يسقط بالشبهة فسقط ويخالف ما قبل البلوغ فإن إسلامه قائم قطعا وبعد البلوغ لا نعلم بقاء الإسلام فأما من حكم بإسلامه بالدار فإنه قبل البلوغ كالمحكوم بإسلامه بأبويه أو بالسابي فإن بلغ ووصف الكفر فإنه يفزع ويهدد على الكفر احتياطا فإن أقام على الكفر أقر عليه ومن أصحابنا من قال هو كالمحكوم بإسلامه بأبويه لانه محكوم بإسلامه بغيره فصار كالمسلم بأبويه والمنصوص أنه يقر على الكفر لانه محكوم بإسلامه من جهة الظاهر ولهذا لو ادعاه ذمي وأقام البينة حكم بكفره فصل وإن بلغ اللقيط وقذفه رجل وادعى أنه عبد وقال اللقيط بل أنا حر ففيه قولان أحدهما أن القول قول اللقيط لان الظاهر من حاله الحرية والثاني أن القول قول القاذف لانه يحتمل أن يكون عبدا والأصل براءة ذمة القاذف من الحد وإن قطع حر طرفه وادعى أنه عبد وقال اللقيط بل أنا حر فالمنصوص أن القول قول اللقيط فمن أصحابنا من قال فيه قولان كالقذف ومنهم من قال إن القول قول اللقيط قولا واحدا وفرق بينه وبين القذف بأن القصاص قد وجب في الظاهر ووجوب القيمة مشكوك فيه فإذا أسقطنا القصاص انتقلنا من الظاهر إلى الشك فلم يجز وفي القذف قد وجب الحد في الظاهر ووجوب التعزيز يقين لانه بعض الحد فإذا أسقطنا الحد انتقلنا من الظاهر إلى اليقين فجاز فصل إذا بلغ اللقيط ووهب وأقبض وباع وابتاع ونكح وأصدق وجنى وجني عليه ثم قامت البينة على رقه كان حكمه في التصرفات كلها حكم العبد القن يمضي ما يمضى من تصرفه وينقض ما ينقض من تصرفه فيما يضره ويضر غيره لانه قد ثبت بالبينة أنه مملوك فكان حكمه حكم المملوك فإن أقر على نفسه بالرق لرجل فصدقه نظرت فإن كان قد تقدم منه إقرار بحريته لم يقبل إقراره بالرق لانه لزمه بإقراره بالحرية أحكام الأحرار في العبادات والمعاملات فلم يقبل إقراره في إسقاطها وإن لم يتقدم منه إقرار بالحرية ففيه طريقان من أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما لا يقبل إقراره بالرق لانه محكوم بحريته فلم يقبل إقراره بالرق كما لو أقر بالحرية ثم أقر بالرق والثاني يقبل لانا حكمنا بحريته في الظاهر وما ثبت بالظاهر يجوز إبطاله بالإقرار ولهذا لو ثبت إسلامه بظاهر الدار وبلغ وأقر بالكفر قبل منه فكذلك ههنا ومنهم من قال يقبل إقراره بالرق قولا واحدا لما ذكرناه ويكون حكمه في المستقبل حكم الرقيق فأما تصرفه بعد البلوغ وقبل الحكم برقه فعلى قولين أحدهما يقبل إقراره في جميعه لان الرق هو الأصل وقد ثبت فوجب أن تثبت أحكامه كما لو ثبت بالبينة
والثاني يقبل فيما يضره ولا يقبل فيما يضر غيره لان إقراره يتضمن ما يضره ويضر غيره فقبل فيما يضره ولم يقبل فيما يضر غيره كما لو أقر بمال عليه وعلى غيره وهذا الطريق هو الصحيح وعليه التفريع فإن باع واشترى فإن قلنا يقبل إقراره في الجميع وقلنا إن عقود العبد من غير إذن ( المولى ) لا تصح كانت عقوده فاسدة فإن كانت الأعيان باقية وجب ردها وإن كانت تالفة وجب بدلها في ذمته يتبع به إذا عتق وإن قلنا يقبل فيما يضره ولا يقبل فيما يضر غيره لم يقبل قوله في إفساد العقود ويلزمه أعواضها فإن كان في يده مال استوفى منه فإن فضل في يده شيء كان لمولاه وإن كان اللقيط جارية فزوجها الحاكم ثم أقرت بالرق فإن قلنا يقبل إقرارها في الجميع فالنكاح باطل لانه عقد بغير إذن المولى فإن كان قبل الدخول لم يجب على الزوج شيء وإن كان بعد الدخول وجب عليه مهر المثل لانه وطء في نكاح فاسد وإن أتت بولد فهو حر لانه دخل على أنه حر وعليه قيمته ويجب عليها عدة أمة وهي قرءان وإن قلنا لا يقبل فيما يضر غيره لم يبطل النكاح لان فيه إضرارا بالزوج ولكنه في حق الزوج في حكم الصحيح وفي حقها في حكم الفاسد فإن كان قبل الدخول لم يجب لها مهر لأنها لا تدعيه وإن كان بعد الدخول وجب لها أقل الأمرين من مهر المثل أو المسمى لانه إن كان المهر أقل لم يجب ما زاد لان فيه إضرارا بالزوج وإن أتت منه بولد فهو حر ولا قيمة عليه لانا لا نقبل قولها فيما يضره ونقول للزوج قد ثبت أن زوجتك أمة فإن اخترت إمساكها كان ما تلده مملوكا للسيد لانك تطؤها على علم أنها أمة وإن طلقها اعتدت عدة حرة وهو ثلاثة أقراء وله فيها الرجعة لانا لا نقبل قولها عليه فيما يضره وإن مات عنها لزمتها عدة أمة وهي شهران وخمس ليال لان عدة الوفاة تجب لحق الله تعالى لا حق له فيها ولهذا تجب من غير وطء وقول اللقيط يقبل فيما يسقط حق الله تعالى من العبادات وإن كان اللقيط غلاما فتزوج ثم أقر بالرق فإن قلنا يقبل إقراره في الجميع بطل النكاح من أصله لانه بغير إذن المولى فإن لم يدخل بها لم يلزمه شيء وإن دخل بها لزمه أقل الأمرين من المسمى أو مهر المثل لانه إن كان المسمى أقل لم يجب ما زاد لانها لا تدعيه وإن كان مهر المثل أقل لم يجب ما زاد لان قوله مقبول وإن ضر غيره وإن قلنا لا يقبل قوله فيما يضر غيره لم يقبل قوله إن النكاح باطل لانه يضرها ولكن يحكم بانفساخه في الحال لانه أقر بتحريمها فإن كان قبل الدخول لزمه نصف المسمى وإن دخل بها لزمه جميعه لانه لا يقبل قوله في إسقاط المسمى فصل وإن جنى عمدا على عبد ثم أقر بالرق وجب عليه القصاص على القولين وإن جنى خطأ وجب الأرش في رقبته على القولين لان وجوب القصاص ووجوب الأرش في رقبته يضره ولا يضر غيره فقبل قوله فيه وإن جنى عليه حر عمدا لم يجب القود على الجانى لان ذلك مما يضره ولا يضر غيره فقبل قوله فيه وإن جنى عليه خطأ بأن قطع يده فإن الجانى يقر بنصف الدية واللقيط يدعى نصف القيمة فإن كان نصف القيمة أكثر من نصف الدية وجب نصف القيمة لان ما زاد عليه لا يدعيه وإن كان أكثر من نصف الدية فعلى القولين إن قلنا يقبل قوله في الجميع وجب على الجانى نصف القيمة وإن قلنا لا يقبل فيما يضر غيره وجب نصف الدية لان فيما زاد إضرارا بالجاني فصل وإن أقر اللقيط أنه عبد لرجل وكذبه الرجل سقط إقراره كما لو أقر له بدار فكذبه وإن أقر اللقيط بعد التكذيب بالرق لآخر لم يقبل وقال أبو العباس يقبل كما لو أقر لرجل بدار فكذبه ثم أقر بها لآخر
والمذهب الأول لان بإقراره الأول قد أخبر أنه لم يملكه غيره فإذا كذبه المقر له رجع إلى الأصل وهو أنه حر فلم يقبل إقراره بالرق بعده ويخالف الدار لانه إذا كذبه الأول رجع إلى الأصل وهي مملوكة فقبل الإقرار بها لغيره فصل وإن بلغ اللقيط فادعى عليه رجل أنه عبده فأنكره فالقول قوله لان الأصل الحرية وإن طلب المدعى يمينه فهل يحلف يبنى على القولين في إقراره بالرق فإن قلنا يقبل حلف لانه ربما خاف من اليمين فأقر له بالرق وإن قلنا لا يقبل لم يحلف لان اليمين إنما تعرض ليخاف فيقر ولو أقر لم يقبل فلم يكن في عرض اليمين فائدة وبالله التوفيق كتاب الوقف الوقف قربة مندوب ( إليها ) لما روى عبد الله بن عمر أن عمر رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد ملك مائة سهم من خيبر فقال قد أصبت مالا لم أصب مثله وقد أردت أن أتقرب به إلى الله تعالى فقال حبس الأصل وسبل الثمرة فصل ويجوز وقف كل عين ينتفع بها على الدوام كالعقار والحيوان والأثاث والسلاح لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس بن عبد المطلب يعنى الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله ورسوله فأما خالد فإنكم تظلمون خالدا ( إن خالدا ) قد حبس أدرعه وأعتده معا في سبيل الله ولانه لما أمر عمر رضي الله عنه بتحبيس الأصل وتسبيل الثمرة دل ذلك على جواز وقف كل ما يبقى وينتفع به وأما ما لا ينتفع به على الدوام كالطعام وما يشم من الريحان وما تحطم وتكسر من الحيوان فلا يجوز وقفه لانه لا يمكن الانتفاع به على الدوام ويجوز وقف الصغير من الرقيق والحيوان لانه يرجى الانتفاع به على الدوام ولا يجوز وقف الحمل لانه تمليك منجز فلم يصح في الحمل وحده كالبيع فصل واختلف أصحابنا في الدراهم والدنانير فمن أجاز إجارتها أجاز وقفها ومن لم يجز إجارتها لم يجز وقفها واختلفوا في الكلب فمنهم من قال لا يجوز وقفه لان الوقف تمليك والكلب لا يملك ومنهم من قال يجوز الوقف لان القصد من الوقف المنفعة وفي الكلب منفعة فجاز وقفه واختلفوا في أم الولد فمنهم من قال يجوز وقفها لانه ينتفع بها على الدوام فهى كالأمة القنة ومنهم من قال لا يجوز لانها لا تملك فصل ولا يصح الوقف إلا في عين معينة فإن وقف عبدا غير معين أو فرسا غير معين فالوقف باطل لانه إزالة ملك على وجه القربة فلم يصح في عين في الذمة كالعتق والصدقة فصل وما جاز وقفه جاز وقف جزء منه مشاع لان عمر رضي الله عنه وقف مائة سهم من خيبر بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لان القصد بالوقف حبس الأصل وتسبيل المنفعة والمشاع كالمقسوم في ذلك ويجوز وقف علو الدار دون سفلها وسفلها دون علوها لانهما عينان يجوز وقفهما فجاز وقف أحدهما دون الآخر كالعبدين فصل ولا يصح الوقف إلا على بر ومعروف كالقناطر والمساجد والفقراء والأقارب فإن وقف على ما لا قربة فيه كالبيع والكنائس وكتب التوراة والإنجيل وعلى من يقطع الطريق أو يرتد عن الدين لم يصح لان القصد بالوقف القربة وفيما ذكرناه إعانة على المعصية وإن وقف على ذمى جاز لانه في موضع القربة ولهذا يجوز التصدق وعليه فجاز الوقف عليه وفي الوقف على المرتد والحربى وجهان أحدهما يجوز لانه يجوز تمليكه فجاز الوقف عليه كالذمى والثاني لا يجوز لان القصد بالوقف نفع الموقوف عليه والمرتد والحربى مأمور بقتلهما فلا معنى للوقف عليهما وإن وقف على دابة رجل ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لان مؤنتها على صاحبها والثاني يجوز لانه كالوقف على مالكها فصل ولا يجوز أن يقف على نفسه ولا أن يشرط
لنفسه منه شيئا وقال أبو عبد الله الزبيدى يجوز لان عثمان رضي الله عنه وقف بئر رومة وقال دلوى فيها كدلاء المسلمين وهذا خطأ لأن الوقف يقتضي حبس العين وتمليك المنفعة والعين محبوسة عنه عليه و ( منفعتها ) مملوكة له فلم يكن للوقف معنى ويخالف وقف عثمان رضي الله عنه لان ذلك وقف عام ويجوز أن يدخل في العام ما لا يدخل في الخاص والدليل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى في المساجد وهي وقف على المسلمين وإن كان لا يجوز أن يخص بالصدقة ولان في الوقف العام يدخل فيه من غير شرط ولا يدخل في الوقف الخاص فدل على الفرق بينهما فصل ولا يجوز الوقف على من لا يملك كالعبد والحمل لانه تمليك منجز فلم يصح على من لا يملك كالهبة والصدقة فصل ولا يصح الوقف على مجهول كالوقف على رجل غير معين والوقف على من يختاره فلان لانه تمليك منجز فلم يصح ( في ) مجهول كالبيع والهبة فصل ولا يصح تعليقه على شرط مستقبل لانه عقد يبطل بالجهالة فلم يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع ولا يصح بشرط الخيار وبشرط أن يرجع فيه إذا شاء أو يبيعه إذا احتاج أو يدخل فيه من شاء أو يخرج منه من شاء لانه إخراج مال على وجه القربة فلم يصح مع هذه الشروط كالصدقة فصل ولا يجوز إلى مدة لانه إخراج مال على وجه القربة فلم يجز إلى مدة كالعتق والصدقة فصل ولا يجوز إلا على سبيل لا ينقطع وذلك من وجهين أحدهما أن يقف على من لا ينقرض كالفقراء والمجاهدين وطلبة العلم وما أشبهها والثاني أن يقف على من ينقرض ثم من بعده على من لا ينقرض مثل أن يقف على رجل بعينه ثم على الفقراء أو على رجل ثم على عقبه ثم على الفقراء فأما إذا وقف وقفا منقطع الابتداء والانتهاء كالوقف على عبده أو على ولده ولا ولد له فالوقف باطل لان العبد لا يملك والولد الذى لم يخلق لا يملك فلا يفيد الوقف عليهما شيئا وإن وقف وقفا متصل الابتداء منقطع الانتهاء بأن وقف على رجل بعينه ولم يزد عليه أو على رجل بعينه ثم على عقبه ولم يزد عليه ففيه قولان أحدهما أن الوقف باطل لان القصد بالوقف أن يتصل الثواب على الدوام وهذا لا يوجد في هذا الوقف لانه قد يموت الرجل وينقطع عقبه والثاني أنه يصح ويصرف بعد انقراض الموقوف عليه إلى أقرب الناس إلى الواقف لان مقتضى الوقف الثواب على التأبيد فحمل فيما سماه على ما شرطه وفيما سكت عنه على مقتضاه ويصير كأنه وقف مؤبد ويقدم المسمى على غيره فإذا انقرض المسمى صرف إلى أقرب الناس إلى الواقف لانه من أعظم جهات الثواب والدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا صدقة وذو رحم محتاج وروى سليمان بن عامر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال صدقتك على المساكين صدقة وعلى ذى الرحم اثنتان صدقة وصلة وهل يختص به فقراؤهم أو يشترك فيه الفقراء والأغنياء فيه قولان أحدهما يختص به الفقراء لان مصرف الصدقات إلى الفقراء والثاني يشترك فيه الفقراء والأغنياء لان في الوقف الغنى والفقير سواء وإن وقف وقفا منقطع الابتداء متصل الانتهاء بأن وقف على عبد ثم على الفقراء أو على رجل غير معين ثم على الفقراء ففيه طريقان من أصحابنا من قال يبطل قولا واحدا لان الأول باطل والثانى فرع لاصل باطل فكان باطلا ومنهم من قال فيه قولان أحدهما أنه باطل لما ذكرناه والثاني أنه يصح لانه لما بطل الأول صار كأن لم يكن وصار الثانى أصلا فإذا قلنا إنه يصح فإن كان الأول لا يمكن اعتبار انقراضه كرجل غير معين صرف إلى من بعده وهم الفقراء لانه لا يمكن اعتبار انقراضه فسقط حكمه وإن كان يمكن اعتبار انقراضه كالعبد ففيه أوجه
أحدهما ينقل في الحال إلى من بعده لان الذي وقف عليه في الابتداء لم يصح الوقف عليه فصار كالمعدوم والثاني وهو المنصوص أنه للواقف ثم لوارثه إلى أن ينقرض الموقوف عليه ثم يجعل لمن بعده لانه لم يوجد شرط الانتقال إلى الفقراء فبقي على ملكه والثالث أنه لا يكون لاقرباء الواقف إلى أن ينقرض الموقوف عليه ثم يجعل للفقراء لانه لا يمكن تركه على الواقف لانه أزال الملك فيه ولا يمكن أن يجعل للفقراء لانه لم يوجد شرط الانتقال إليهم فكان أقرباء الواقف أحق وهل يختص به فقراؤهم أو يشترك فيه الفقراء والأغنياء على ما ذكرناه من القولين فصل وإن وقف وقفا مطلقا ولم يذكر سبيله ففيه قولان أحدهما أن الوقف باطل لانه تمليك فلا يصح مطلقا كما لو قال بعت دارى ووهبت مالى والثاني يصح وهو الصحيح لانه إزالة ملك على وجه القربة فصح مطلقا كالأضحية فعلى هذا يكون حكمه حكم الوقف المتصل الابتداء المنقطع الانتهاء وقد بيناه فصل ولا يصح الوقف إلا بالقول فإن بنى مسجدا وصلى فيه أو أذن للناس بالصلاة فيه لم يصر وقفا لانه إزالة ملك على وجه القربة فلم يصح من غير قول مع القدرة كالعتق وألفاظه ستة وقفت وحبست وسبلت وتصدقت وأبدت وحرمت فأما الوقف والحبس والتسبيل فهى صريحة فيه لان الوقف موضوع له ومعروف به والتحبيس والتسبيل ثبت لهما عرف الشرع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه حبس الأصل وسبل الثمرة وأما التصدق فهو كناية فيه لانه مشترك بين الوقف وصدقة التطوع فلم يصح الوقف بمجرده فإن اقترنت به نية الواقف أو لفظ من الألفاظ الخمسة بأن يقول تصدقت به صدقة موقوفة أو محبوسة أو مسبلة أو مؤبدة أو محرمة أو حكم الوقف بأن يقول صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث صار وقفا لانه مع هذه القرائن لا يحتمل غير الوقف وأما قوله حرمت وأبدت ففيه وجهان أحدهما أنه كناية فلا يصح به الوقف إلا بإحدى القرائن التي ذكرنا لانه لم يثبت له عرف الشرع ولا عرف اللغة فلم يصح الوقف بمجرده كالتصدق والثاني أنه صريح لان التأبيد والتحريم في غير الإبضاع لا يكون إلا بالوقف فحمل عليه فصل وإذا صح الوقف لزم وانقطع تصرف الواقف فيه لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها لا تباع ولا توهب ولا تورث ويزول ملكه عن العين ومن أصحابنا من خرج فيه قولا آخر أنه لا يزول ملكه عن العين لان الوقف حبس العين وتسبيل المنفعة وذلك لا يوجب زوال الملك والصحيح هو الأول لانه سبب يزيل ملكه عن التصرف في العين والمنفعة فأزال الملك كالعتق واختلف أصحابنا فيمن ينتقل الملك إليه فمنهم من قال ينتقل إلى الله تعالى قولا واحدا لانه حبس عين وتسبيل منفعة على وجه القربة فأزال الملك إلى الله تعالى كالعتق ومنهم من قال فيه قولان أحدهما أنه ينتقل إلى الله تعالى وهو الصحيح لما ذكرنا والثاني أنه ينتقل إلى الموقوف عليه لان ما أزال الملك عن العين لم يزل المالية ينقل إلى الآدمي كالصدقة فصل ويملك الموقوف عليه غلة الوقف فإن كان الموقوف شجرة ملك ثمرتها وتجب عليه زكاتها لانه يملكها ملكا تاما فوجب زكاتها عليه فإن كان حيوانا ملك صوفه ولبنه لان ذلك من غلة الوقف وفوائده فهو كالثمرة وهل يملك ما تلده فيه وجهان أحدهما يملكه لانه نماء الوقف فأشبه الثمرة وكسب العبد والثاني أنه موقوف كالأم لان كل حكم ثبت للأم يتبعها فيه الولد كحرمة الاستيلاد في أم الولد وإن كان جارية ملك مهرها لانه بدل منفعتها ولا يملك وطأها لان في أحد القولين لا يملكها وفي الثاني يملكها ملكا ضعيفا فلم يملك به الوطء فإن وطئها لم يلزمه الحد لانه في أحد القولين يملكها وفي الثاني له شبهة ملك
وفي تزويجها وجهان أحدهما لا يجوز لانه ينقص قيمتها وربما تلفت من الولادة فيدخل الضرر على من بعده من أهل الوقف والثاني يجوز لانه عقد على منفعتها فأشبه الإجارة فإن قلنا إنها للموقوف عليه كان تزويجها إليه وإن قلنا إنها تنتقل إلى الله تعالى كان تزويجها إلى الحاكم كالحرة التي لا ولي لها ولا يزوجها الحاكم إلا بإذن الموقوف عليه لان له حقا في منافعها فلم يملك التصرف فيها بغير إذنه فإن أتت بولد مملوك كان الحكم فيه كالحكم فيما تلد البهيمة فصل وإن أتلفه الواقف أو أجنبي فقد اختلف أصحابنا فيه على طريقين فمنهم من قال يبنى على القولين فإن قلنا إنه للموقوف عليه وجبت القيمة له لانه بدل ملكه وإن قلنا إنه لله تعالى اشترى به مثله ليكون وقفا مكانه وقال الشيخ أبو حامد الإسفرايني يشتري بها مثله ليكون وقفا مكانه قولا واحدا لان وإن قلنا إنه ينتقل إلى الموقوف عليه إلا أنه لا يملك الانتفاع برقبته وإنما يملك الانتفاع بمنفعته ولان في ذلك إبطال حق البطن الثاني من الوقف وإن أتلفه الموقوف عليه فإن قلنا إنه إذا أتلفه غيره كانت القيمة له لم تجب عليه لانها تجب له وإن قلنا يشتري بها ما يكون وقفا مكانه أخذت القيمة منه واشترى بها ما يكون مكانه وإن كان الوقف جارية فوطئها رجل بشبهة فأتت منه بولد ففي قيمة الولد ما ذكرناه من الطريقين في قيمة الوقف إذا أتلف مكانه وإن كان الوقف جارية فوطئها رجل بشبهة فأتت منه بولد ففي قيمة الولد ما ذكرناه من الطريقين في قيمة الوقف إذا أتلف وإن كان الوقف عبدا فجنى جناية توجب المال لم يتعلق برقبته لانها ليست بمحل للبيع فإن قلنا إنه للموقوف عليه وجب الضمان عليه وإن قلنا إنه لله تعالى ففيه ثلاثة أوجه أحدهما يلزم الواقف وهو قول أبى إسحاق وهو الصحيح لانه منع من بيعه ولم يبلغ به حالة يتعلق الأرش بذمته فلزمه أن يفديه كأم الولد والثاني أنه يجب في بيت المال لانه لا يمكن إيجابه على الواقف لانه لا يملكه ولا على الموقوف عليه لانه لا يملكه فلم يبق إلا بيت المال والثالث أنه يجب في كسبه لانه كان محله الرقبة ولا يمكن تعليقه عليها فتعلق بكسبه لانه مستفاد من الرقبة ويجب أقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية لانه لا يمكن بيعه كأم الولد فصل وتصرف الغلة على شرط الواقف من الأثرة والتسوية والتفضيل والتقديم والتأخير والجمع والترتيب وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بصفة لان الصحابة رضي الله عنهم وقفوا وكتبوا شروطهم فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه صدقة للسائل والمحروم والضيف ولذي القربى وابن السبيل وفي سبيل الله وكتب علي كرم الله وجهه بصدقته ابتغاء مرضاة الله ليولجني الجنة ويصرف النار عن وجهي ويصرفني عن النار في سبيل الله وذي الرحم والقريب والبعيد لا يباع ولا يورث وكتبت فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لنساء رسول الله صلى الله عليه وسلم وفقراء بني هاشم وبني المطلب فصل فإن قال وقفت على أولادي دخل فيه الذكر والأنثى والخنثى لان الجميع أولاده ولا يدخل فيه ولد الولد لان ولده حقيقة ولده من صلبه فإن كان له حمل لم يدخل فيه حتى ينفصل فإذا انفصل استحق ما يحدث من الغلة بعد الانفصال دون ما كان حدث قبل الانفصال لانه قبل الانفصال لا يسمى ولدا وإن وقف على ولده وله ولد فنفاه باللعان لم يدخل فيه وقال أبو إسحاق يدخل فيه لان اللعان يسقط النسب في حق الزوج ولا يتعلق به حكم سواه ولهذا تنقضي به العدة والمذهب الأول لان الوقف على ولده وباللعان قد بان أنه ليس بولده فلم يدخل فيه وإن وقف على أولاد أولاده دخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات لان الجميع أولاد أولاده
فإن قال على نسلي أو عقبي أو ذريتي دخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات قربوا أو بعدوا لان الجميع من نسله وعقبه وذريته ولهذا قال الله تعالى ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس فجعل هؤلاء كلهم من ذريته على البعد وجعل عيسى من ذريته وهو ينسب إليه بالأم فإن وقف على عترته فقد قال ابن الأعرابي وثعلب هم ذريته وقال القتيبي هم عشيرته وإن وقف على من ينسب إليه لم يدخل فيه أولاد البنات لانهم لا ينسبون إليه ولهذا قال الشاعر ( الطويل ) فبنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال ( الأباعد ) وإن وقف على البنين لم يدخل فيه الخنثى المشكل لانا لا نعلم أنه من البنين فإن وقف على البنات لم يدخل فيه لانا لا نعلم أنه من البنات فإن وقف على البنين والبنات ففيه وجهان أحدهما أنه لا يدخل فيه لانه ليس من البنين ولا من البنات والثاني أنه يدخل لانه لا يخلو من أن يكون ابنا أو بنتا وإن أشكل علينا فإن وقف على بني زيد لم يدخل فيه بناته فإن وقف على بني تميم وقلنا إن الوقف صحيح ففيه وجهان أحدهما لا يدخل فيه البنات لان البنين اسم للذكور حقيقة والثاني يدخلن فيه لانه إذا أطلق اسم القبيلة دخل فيه كل من ينسب إليها من الرجال والنساء فصل وإن قال وقفت على أولادي فإن انقرض أولادي وأولاد أولادي فعلى الفقراء لم يدخل فيه ولد الولد ويكون هذا وقفا منقطع الوسط فيكون على قولين كالوقف المنقطع الانتهاء ومن أصحابنا من قال يدخل فيه أولاد الأولاد بعد انقراض ولد الصلب لانه لما شرط انقراضهم دل على أنهم يستحقون كولد الصلب والصحيح هو الأول لانه لم يشرط شيئا وإنما شرط انقراضهم لاستحقاق غيرهم فصل وإن وقف على أقاربه دخل فيه كل من تعرف قرابته فإن كان للواقف أب يعرف به وينسب إليه دخل في وقفه كل من ينسب إلى ذلك الأب ولا يدخل فيه من ينسب إلى أخي الأب أو أبيه فإن وقف الشافعي رحمه الله لاقاربه دخل فيه كل من ينسب إلى شافع بن السائب لانهم يعرفون بقرابته ولا يدخل فيه من ينسب إلى علي وعباس بن السائب ولا من ينسب إلى السائب لانهم لا يعرفون بقرابته ويستوي فيه من قرب وبعد من أقاربه ويستوي فيه الذكر والأنثى لتساوي الجميع في القرابة فإن حدث قريب بعد الوقف دخل فيه وذكر البويطي أنه لا يدخل فيه وهذا غلط من البويطي لانه لا خلاف أنه إذا وقف على أولاده دخل فيه من يحدث من أولاده فصل وإن وقف على أقرب الناس إليه ولم يكن له أبوان صرف إلى الولد ذكرا كان أو أنثى لانه أقرب من غيره لانه جزء منه فإن لم يكن له ولد فإلى ولد الولد من البنين والبنات فإن لم يكن ولد ولا ولد ولد وله أحد الأبوين صرف إليه لانهما أقرب من غيرهما فإن اجتمعا استويا فإن لم يكونا صرف إلى أبيهما الأقرب فالأقرب فإن كان له أب وابن ففيه وجهان أحدهما أنهما سواء لانهما في درجة واحدة في القرب والثاني يقدم الابن لانه أقوى تعصيبا من الأب فإن قلنا إنهما سواء قدم الأب على ابن الابن لانه أقرب منه وإن قلنا يقدم الابن قدم ابن الابن على الأب لانه أقوى تعصيبا منه فإن لم يكن أبوان ولا ولد وله إخوة صرف إليهم لانهم أقرب من غيرهم فإن اجتمع أخ من أب وأخ من أم استويا وإن كان أحدهما من الأب والأم والآخر من أحدهما قدم الذي من الأب والأم لانه أقرب فإن لم يكن إخوة صرف إلى بني الإخوة على ترتيب آبائهم فإن كان له جد وأخ ففيه قولان أحدهما أنهما سواء لتساويهما في القرب ولهذا سوينا بينهما في الإرث والثاني يقدم الأخ لان تعصيبه تعصيب الأولاد فإذا قلنا إنهما سواء قدم الجد على ابن الأخ
وإن قلنا يقدم الأخ فابن الأخ وإن سفل أولى من الجد فإن لم يكن إخوة وله أعمام صرف إليهم ثم إلى أولادهم على ترتيب الإخوة وأولادهم فإن كان له عم وأبو جد فعلى القولين في الجد والأخ وإن كان له عم وخال أو عمة وخالة أو ولدهما فهما سواء فإن كان له جدتان إحداهما تدلي بقرابتين والأخرى بقرابة فالتي تدلي بقرابتين أولى لانها أقرب ومن أصحابنا من قال إن قلنا إن السدس بينهما في الميراث استويا في الوقف فصل وإن وقف على جماعة من أقرب الناس إليه صرف إلى ثلاثة من أقرب الأقارب فإن وجد بعض الثلاثة في درجة والباقي في درجة أبعد استوفى ما أمكن من العدد من الأقرب وتمم الباقي من الدرجة الأبعد لانه شرط الأقرب والعدد فوجب اعتبارهما فصل وإن وقف على مواليه وله مولى من أعلى ومولى من أسفل ففيه ثلاثة أوجه أحدها يصرف إليهما لان الاسم يتناولهما والثاني يصرف إلى المولى من أعلى لان له مزية بالعتق والتعصيب والثالث أن الوقف باطل لانه ليس حمله على أحدهما بأولى من حمله على الآخر ولا يجوز الحمل عليهما لان المولى في أحدهما بمعنى وفي الآخر بمعنى آخر فلا تصح إرادتهما بلفظ واحد فبطل فصل وإن وقف على زيد وعمرو وبكر ثم على الفقراء فمات زيد صرف إلى من بقي من أهل الوقف فإذا انقرضوا صرف إلى الفقراء وقال أبو علي الطبري يرجع إلى الفقراء لانه لما جعل لهم إذا انقرضوا وجب أن تكون حصة كل واحد منهم لهم إذا انقرض والمنصوص في حرملة هو الأول لانه لا يمكن نقله إلى الفقراء لانه قبل انقراضهم لم يوجد شرط النقل إلى الفقراء ولا يمكن رده إلى الواقف لانه ( أزال ) ملكه عنه فكان أهل الوقف أحق به فصل وإن وقف مسجدا فخرب المكان وانقطعت الصلاة فيه لم يعد إلى الملك ولم يجز له التصرف فيه لان ما زال الملك فيه لحق الله تعالى لا يعود إلى الملك بالاختلال كما لو أعتق عبدا ثم زمن وإن وقف نخلة فجفت أو بهيمة فزمنت أو جذوعا على مسجد فتكسرت ففيه وجهان أحدهما لا يجوز بيعه لما ذكرناه في المسجد والثاني يجوز بيعه لانه لا يرجى منفعته فكان بيعه أولى من تركه بخلاف المسجد فإن المسجد يمكن الصلاة فيه مع خرابه وقد يعمر الموضع فيصلى فيه فإن قلنا تباع كان الحكم فى ثمنه حكم القيمة التي توجد من متلف الوقف وقد بيناه وإن وقف شيئا على ثغر فبطل الثغر ك عطرسوس أو على مسجد فاختل المكان حفظ الارتفاع ولا يصرف إلى غيره لجواز أن يرجع كما كان فصل وإن احتاج الوقف إلى نفقة أنفق عليه من حيث شرط الواقف لانه لما اعتبر شرطه في سبيله اعتبر شرطه في نفقته كالمالك في أمواله وإن لم يشترط أنفق عليه من غلته لانه لا يمكن الانتفاع به إلا بالنفقة فحمل الوقف عليه وإن لم يكن له غلة فهو على القولين إن قلنا إنه لله تعالى كانت نفقته في بيت المال كالحر ( المعسر ) الذي لا كسب له وإن قلنا للموقوف عليه كانت نفقته عليه فصل والنظر في الوقف إلى من شرطه الواقف لان الصحابة رضي الله عنهم وقفوا وشرطوا من ينظر فجعل عمر رضي الله عنه إلى حفصة رضي الله عنها وإذا توفيت فإنه إلى ذوي الرأي من أهلها لان سبيله إلى شرطه فكان النظر إلى من شرطه وإن وقف ولم يشرط الناظر ففيه ثلاثة أوجه أحدها إنه إلى الواقف لانه كان النظر إليه فإذا لم يشرطه بقي على نظره والثاني أنه للموقوف عليه لان الغلة له فكان النظر إليه والثالث إلى الحاكم لانه يتعلق به حق الموقوف عليه وحق من ينتقل إليه فكان الحاكم أولى فإن جعل الواقف النظر إلى اثنين من أفاضل ولده ولم يوجد فيهم فاضل إلا واحد ضم الحاكم إليه آخر لان الواقف لم يرض فيه بنظر واحد فصل إذا اختلف أرباب الوقف في شروط الوقف وسبيله