Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
ولا بينة جعل بينهم بالسوية فإن كان الواقف حيا رجع إلى قوله لانه ثبت بقوله فرجع إليه كتاب الهبات الهبة مندوب إليها لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تهادوا تحابوا وللأقارب أفضل لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الراحمون يرحمهم الله ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله وفي الهبة صلة الرحم والمستحب ألا يفضل بعض أولاده على بعض في الهبة لما روى النعمان بن بشير قال أعطانى أبي عطية فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أعطيت ابنى عطية وإن أمه قالت لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل أعطيت كل ولدك مثل ذلك قال لا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم أليس يسرك أن يكونوا في البر سواء قال بلى قال فلا إذا قال الشافعي رحمه الله ولانه يقع في نفس المفضول ما منعه من بره ولان الأقارب ينفس بعضهم بعضا ما لا ينفس العدا فإن فضل بعضهم بعطية صحت العطية لما روي في حديث النعمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أشهد على هذا غيري فلو لم يصح لبين له ولم يأمره أن يشهد عليه غيره ولا يستنكف أن يهب القليل ولا أن يتهب القليل لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دعيت إلى كراع لاجبت ولو أهدي إلي كراع أو ذراع لقبلت فصل وما جاز بيعه من الأعيان جاز هبته لانه عقد يقصد به ملك العين فملك به ما يملك بالبيع وما جاز هبته جاز هبة جزء منه مشاع لما روى عمر بن سلمة الضمري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة حتى أتى الروحاء فإذا حمار عقير فقيل يا رسول الله هذا حمار عقير فقال دعوه فإنه سيطلبه صاحبه فجاء رجل من فهر فقال يا رسول الله إني أصبت هذا فشأنكم به فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بقسم لحمه بين الرفاق ولان القصد منه التمليك والمشاع كالمقسوم في ذلك فصل وما لا يجوز بيعه من المجهول وما لا يقدر على تسليمه وما لم يتم ملكه عليه كالمبيع قبل القبض لا تجوز هبته لانه عقد يقصد به تمليك المال في حال الحياة فلم يجز فيما ذكرناه كالبيع فصل ولا يجوز تعليقها على شرط مستقبل لانه عقد يبطل بالجهالة فلم يجز تعليقه على شرط مستقبل كالبيع فصل ولا تصح إلا بالإيجاب والقبول لانه تمليك آدمي لآدمي فافتقر إلى الإيجاب والقبول كالبيع والنكاح ولا يصح القبول إلا على الفور وقال أبو العباس يصح على التراخي والصحيح هو الأول لانه تمليك مال في حال الحياة فكان القبول فيه على الفور كالبيع فصل ولا يملك الموهوب منه الهبة من غير قبض لما روت عائشة رضي الله عنها أن أباها نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله فلما حضرته الوفاة قال يا بنية إن أحب الناس غنى بعدي لانت وإن أعز الناس علي فقرا بعدي لانت وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا من مالي ووددت أنك جذذتيه وحزته وإنما هو اليوم مال الوارث وإنما هما أخواك وأختاك قالت هذان أخواي فمن أختاي قال ذو بطن بنت خارجة فإني أظنها جارية فإن مات قبل القبض قام وارثه مقامه إن شاء قبض وإن شاء لم يقبض ومن أصحابنا من قال يبطل العقد بالموت لانه غير لازم فبطل بالموت كالعقود الجائزة والمنصوص أنه لا يبطل لانه عقد يؤول إلى اللزوم فلم يبطل بالموت كالبيع بشرط الخيار فإذا قبض ملك بالقبض
ومن أصحابنا من قال يتبين أنه ملك بالعقد فإن حدث منه نماء قبل القبض كان للموهوب له لان الشافعي رضي الله عنه قال فيمن وهب له عبد قبل أن يهل عليه هلال شوال وقبض بعد ما أهل أن فطرة العبد على الموهوب له والمذهب الأول وما قال في زكاة الفطر فرعه على قول مالك رحمه الله فصل فإن وهب لغير الولد وولد الولد شيئا وأقبضه لم يملك الرجوع فيه لما روى ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما رفعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما أعطى ولده وإن وهب للولد أو ولد الولد وإن سفل جاز له أن يرجع للخبر ولان الأب لا يتهم في رجوعه لانه لا يرجع إلا لضرورة أو لإصلاح الولد وإن تصدق عليه فالمنصوص أن له أن يرجع كالهبة ومن أصحابنا من قال لا يرجع لان القصد بالصدقة طلب الثواب وإصلاح حاله مع الله عز وجل فلا يجوز أن يتغير رأيه في ذلك والقصد من الهبة إصلاح حال الولد وربما كان الصلاح في استرجاعه فجاز له الرجوع وإن تداعى رجلان نسب مولود ووهبا له مالا لم يجز لواحد منهما أن يرجع لانه لم يثبت له بنوته فإن لحق بأحدهما ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز لانه ثبت أنه ولده والثاني لا يجوز لانه لم يثبت له الرجوع في حال العقد وإن وهب لولده ووهب الولد لولده ففيه وجهان أحدهما يجوز لانه في ملك من يجوز له الرجوع في هبته والثاني لا يجوز لانه رجوع على غير من وهب له فلم يجز وإن وهب لولده شيئا فأفلس الولد وحجر عليه ففيه وجهان أحدهما يرجع لان حقه سابق لحقوق الغرماء والثاني لا يرجع لانه تعلق به حق الغرماء فلم يجز له الرجوع كما لو رهنه فصل وإن زاد الموهوب في ملك الولد أو زال الملك فيه ثم عاد إليه فالحكم فيه كالحكم في المبيع إذا زاد في يد المشتري أو زال الملك فيه ثم عاد إليه ثم أفلس في رجوع البائع وقد بيناه في التفليس فصل فإن وهب شيئا لمن هو دونه لم يلزمه أن يثيبه بعوض لان القصد من هبته الصلة فلم تجب المكافأة فيه بعوض كالصدقة وإن وهب لمن هو مثله ( لم يلزمه أيضا أن يثيبه ) لان القصد من هبته اكتساب المحبة وتأكيد الصداقة وإن وهب لمن هو أعلى منه ففيه قولان قال في القديم لم يلزمه أن يثيبه عليه بعوض لان العرف في هبة الأدنى للأعلى أن يلتمس به العوض فيصير ذلك كالمشروط وقال في الجديد لا يجب لانه تمليك بغير عوض فلا يوجب المكافأة بعوض كهبة النظير للنظير فإن قلنا لا يجب فشرط فيه ثوابا معلوما ففيه قولان أحدهما يصح لانه تمليك مال بمال فجاز كالبيع فعلى هذا يكون كبيع بلفظ الهبة في الربا والخيار وجميع أحكامه والثاني أنه باطل لانه عقد لا يقتضي العوض فبطل شرط العوض كالرهن فعلى هذا حكمه حكم البيع الفاسد في جميع أحكامه وإن شرط فيه ثوابا مجهولا بطل قولا واحدا لانه شرط العوض ولانه شرط عوضا مجهولا وإن قلنا إنه يجب العوض ففي قدره ثلاثة أقوال أحدها أنه يلزمه أن يعطيه إلى أن يرضى لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن أعرابيا وهب للنبي صلى الله عليه وسلم هبة فأثابه عليها وقال أرضيت قال لا فزاده وقال أرضيت فقال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد هممت ألا أتهب إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي والثاني يلزمه قدر قيمته لانه عقد يوجب العوض فإذا لم يكن مسمى وجب عوض المثل كالنكاح والثالث يلزمه ما جرت العادة في ثواب مثله لان العوض وجب بالعرف فوجب مقداره في العرف فإن قلنا إنه يجب العوض فلم يعطه ثبت له الرجوع فإن تلفت العين رجع بقيمتها لان كل عين ثبت له الرجوع بها إذا تلفت وجب الرجوع إلى بدلها كالمبيع
ومن أصحابنا من قال لا يجب لان حق الواهب في العين وإن نقصت العين رجع فيها وهل يرجع بأرش ما نقص فيه وجهان كالوجهين في رد القيمة إذا تلفت وإن شرط عوضا مجهولا لم تبطل لانه شرط ما يقتضيه العقد لان العقد على هذا القول يقتضي عوضا مجهولا وإن لم يدفع إليه العوض وتلف الموهوب ضمن العوض بلا خلاف وإن شرط عوضا معلوما ففيه قولان أحدهما أن العقد يبطل لان العقد يقتضي عوضا غير مقدر فبطل بالتقدير والثاني يصح لانه إذا صح بعوض مجهول فلان يصح بعوض معلوم أولى فصل وإن اختلف الواهب والموهوب له فقال الواهب وهبتك ببدل وقال الموهوب له وهبتني على غير بدل ففيه وجهان أحدهما أن القول قول الواهب لانه لم يقر لخروج الشيء من ملكه إلا على بدل والثاني أن القول قول الموهوب له لان الواهب أقر له بالهبة وادعى بدلا الأصل عدمه باب العمرى والرقبى العمرى هو أن يقول أعمرتك هذه الدار حياتك أو جعلتها لك عمرك وفيها ثلاث مسائل إحداها أن يقول أعمرتك هذه الدار حياتك ولعقبك بعدك فهذه عطية صحيحة تصح بالإيجاب والقبول ويملك فيها بالقبض والدليل عليه ما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها لانه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث والثانية أن يقول أعمرتك هذه الدار حياتك ولم يشرط شيئا ففيه قولان قال في القديم هو باطل لانه تمليك عين قدر بمدة فأشبه إذا قال أعمرتك سنة أو أعمرتك حياة زيد وقال في الجديد هو عطية صحيحة ويكون للمعمر في حياته ولورثته بعده وهو الصحيح لما روى جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعمر عمرى حياته فهي له ولعقبه من بعده يرثها من يرثه من بعده ولان الأملاك المستقرة كلها مقدرة بحياة المالك وتنتقل إلى الورثة فلم يكن ما جعله له في حياته منافيا لحكم الأملاك والثالثة أن يقول أعمرتك حياتك فإن مت عادت إلي إن كنت حيا وإلى ورثتي إن كنت ميتا فهي كالمسألة الثانية فتكون على قولين أحدهما تبطل والثاني تصح لانه شرط أن تعود إليه بعد ما زال ملكه أو إلى وارثه وشرطه بعد زوال الملك لا يؤثر في حق المعمر فيصير وجوده كعدمه فصل وأما الرقبى فهو أن يقول أرقبتك هذه الدار أو داري لك رقبى ومعناه وهبت لك وكل واحد منا يرقب صاحبه فإن مت قبلى عادت إلي وإن مت قبلك فهي لك فتكون كالمسألة الثالثة من العمرى وقد بينا أن الثالثة كالثانية فتكون على قولين وقال المزني الرقبى أن يجعلها لآخرهما موتا وهذا خطأ لما روى عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعمر عمرى أو أرقب رقبى فهي للمعمر يرثها من يرثه فصل ومن وجب له على رجل دين جاز له أن يبرئه من غير رضاه ومن أصحابنا من قال لا يجوز إلا بقبول من عليه الدين لانه تبرع يفتقر إلى تعيين المتبرع عليه فافتقر إلى قبوله كالوصية والهبة ولان فيه التزاما منه فلم يملك من غير قبوله كالهبة والمذهب الأول لانه إسقاط حق ليس فيه تمليك مال فلم يعتبر فيه القبول كالعتق والطلاق والعفو عن الشفعة والقصاص ولا يصح الإبراء من دين مجهول لانه إزالة ملك لا يجوز تعليقه على الشرط فلم يجز مع الجهالة كالبيع والهبة كتاب الوصايا من ثبتت له الخلافة على الأمة جاز له أن يوصي بها إلى من يصلح لها لان أبا بكر رضي الله عنه وصى إلى عمر ووصى عمر رضي الله عنه إلى أهل الشورى رضي الله عنهم ورضيت الصحابة رضي الله عنهم بذلك فصل ومن ثبتت له الولاية في مال ولده
ولم يكن له ولي بعده جاز له أن يوصي إلى من ينظر في ماله لما روى سفيان بن عيينة رضي الله عنه عن هشام بن عروة قال أوصى إلى الزبير تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عثمان والمقداد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود رضي الله عنهم فكان يحفظ عليهم أموالهم وينفق على أبنائهم من ماله وإن كان له جد لم يجز أن يوصي إلى غيره لان ولاية الجد مستحقة بالشرع فلا يجوز نقلها عنه بالوصية فصل ومن ثبت له الولاية في تزويج ابنته لم يجز أن يوصي إلى من يزوجها وقال أبو ثور يجوز كما يجوز أن يوصي إلى من ينظر في مالها وهذا خطأ لما روى ابن عمر قال زوجني قدامة بن مظعون ابنة أخيه عثمان بن مظعون فأتى قدامة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنا عمها ووصي أبيها وقد زوجتها من عبد الله بن عمر فقال صلى الله عليه وسلم إنها يتيمة لا تنكح إلا بإذنها ولان ولاية النكاح ( لها من يستحقها ) بالشرع فلا يجوز نقلها بالوصية كالوصية بالنظر في المال مع وجود الجد فصل ومن عليه حق يدخله النيابة من دين آدمي أو حج أو زكاة أو رد وديعة جاز أن يوصي إلى من يؤدي عنه لانه إذا جاز أن يوصي في حق غيره فلان يجوز في خاصة نفسه أولى فصل ومن ملك التصرف في ماله بالبيع والهبة ملك الوصية بثلثه في وجوه البر لما روى عامر بن سعيد عن أبيه قال مرضت مرضا أشرفت منه على الموت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فقلت يا رسول الله لي مال كثير وليس يرثني إلا ابنتي أفأتصدق بمالي كله قال لا قلت أتصدق بثلثي مالي قال لا قلت أتصدق بالشطر قال لا قلت أتصدق بالثلث قال الثلث والثلث كثير إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس ولا يجب ذلك لقوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا وفسر بالوصية فجعل ذلك إليهم فدل على أنها لا تجب ولانه عطية لا تلزم في حياته فلم تلزم الوصية به قياسا على ما زاد على الثلث فصل وإن كانت ورثته فقراء فالمستحب ألا يستوفي الثلث لقوله صلى الله عليه وسلم الثلث كثير إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس فاستكثر الثلث وكره أن يترك ورثته فقراء فدل على أن المستحب ألا يستوفي الثلث وعن علي رضي الله عنه أنه قال لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالثلث وإن كان الورثة أغنياء فالمستحب أن يستوفي الثلث لانه لما كره الثلث إذا كانوا فقراء دل على أنه يستحب إذا كانوا أغنياء أن يستوفيه وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا فصل وينبغي لمن رأى المريض يجنف في الوصية أن ينهاه لقوله تعالى الله وليقولوا قولا سديدا قال أهل التفسير إذا رأى المريض يجنف على ولده أن يقول اتق الله ولا توص بمالك كله ولان النبي صلى الله عليه وسلم نهى سعدا عن الزيادة على الثلث فصل والأفضل أن يقدم ما يوصي به من البر في حياته لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل قال أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمن الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا ولانه لا يأمن إذا وصى به أن يفرط به بعد موته فإن اختار أن يوصي فالمستحب ألا يؤخر الوصية لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما حق امرىء مسلم عنده شيء يوصى يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ولانه إذا أخر لم يؤمن أن يموت فجأة فتفوته فصل وأما من لا يجوز تصرفه في المال
فإن كان ممن لا يميز كالمعتوه والمبرسم ومن عاين الموت لم تصح وصيته لان الوصية تتعلق صحتها بالقول ولا قول لمن لا يميز ولهذا لا يصح إسلامه ولا توبته فلم تصح وصيته فإن كان صبيا مميزا أو بالغا مبذرا ففيه قولان أحدهما لا تصح وصيته لانه تصرف في المال فلم يصح من الصبي والمبذر كالهبة والثاني تصح لانه إنما منع من التصرف خوفا من إضاعة المال وليس في الوصية إضاعة المال لانه إن عاش فهو على ملكه وإن مات لم يحتج إلى غير الثواب وقد حصل له ذلك بالوصية فصل وأما إذا أوصى بما زاد على الثلث فإن لم يكن له وارث بطلت الوصية فيما زاد على الثلث لان ماله ميراث للمسلمين ولا مجيز له منهم فبطلت فإن كان له وارث ففيه قولان أحدهما أن الوصية تبطل بما زاد على الثلث لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى سعدا عن الوصية بما زاد على الثلث والنهي يقتضي الفساد وليست الزيادة مالا للوارث فلم تصح وصيته به كما لو أوصى بمال للوارث من غير الميراث والثاني أنها تصح وتقف على إجازة الوارث فإن أجاز نفذت وإن ردها بطلت لان الوصية صادفت ملكه وإنما يتعلق بها حق الوارث في الثاني فصحت ووقفت الإجازة كما لو باع ما فيه شفعة فإن قلنا على أنها باطلة كانت الإجازة هبة مبتدأة يعتبر فيها الإيجاب والقبول باللفظ الذي تنعقد به الهبة ويعتبر في لزومها القبض وإن كانت الوصية عتقا لم يصح إلا بلفظ العتق ويكون الولاء فيه للوارث وإن قلنا إنها تصح كانت الإجارة إمضاء لما وصى به الموصي وتصح بلفظ الإجازة كما يصح العفو عن الشفعة بلفظ العفو فإن كانت الوصية عتقا كان الولاء للموصى ولا يصح الرد والإجازة إلا بعد الموت لانه لا حق له قبل الموت فلم يصح إسقاطه كالعفو عن الشفعة قبل البيع فصل فإن أجاز الوارث ما زاد على الثلث ثم قال أجزت لاني ظننت أن المال قليل وأن ثلثه قليل وقد بان أنه كثير لزمت الإجازة فيما علم والقول قوله فيما لم يعلم مع يمينه فإذا حلف لم يلزمه لان الإجازة في أحد القولين هبة وفي الثاني إسقاط والجميع لا يصح مع الجهل به وإن وصى بعبد فأجازه الوارث ثم قال أجزت لاني ظننت أن المال كثير وقد بان أنه قليل ففيه قولان أحدهما أن القول قوله كالمسألة قبلها والثاني أنه يلزمه الوصية لانه عرف ما أجازه ويخالف المسألة قبلها فإن هناك لم يعلم ما أجازه فصل واختلف أصحابنا في الوقت الذي يعتبر فيه قدر المال لإخراج الثلث فمنهم من قال الاعتبار بقدر المال في حال الوصية لانه عقد يقتضي اعتبار قدر المال فكان الاعتبار فيه بحال العقد كما لو نذر أن يتصدق بثلث ماله فعلى هذا لو أوصى وثلث ماله ألف فصار عند الوفاة ألفين لم تلزم الوصية في الزيادة فإن وصى بألف ولا مال له ثم استفاد مالا لم تتعلق به الوصية وإن وصى وله مال فهلك ماله بطلت الوصية ومنهم من قال الاعتبار بقدر المال عند الموت وهو المذهب لانه وقت لزوم الوصية واستحقاقها ولانه لو وصى بثلث ماله ثم باع جميعه تعلقت الوصية بالثمن فلو كان الاعتبار بحال الوصية لم تتعلق بالثمن لانه لم يكن حال الوصية فعلى هذا لو وصى بثلث ماله وماله ألف فصار ألفين لزمت الوصية في ثلث الألفين فإن وصى بمال ولا مال له ثم استفاد مالا تعلقت به الوصية فإن وصى بثلثه وله مال ثم تلف ماله لم تبطل الوصية فصل وأما الوصية بما لا قربة فيه كالوصية للكنيسة والوصية بالسلاح لاهل الحرب فهي باطلة لان الوصية إنما جعلت له ليدرك بها ما فات ويزيد بها الحسنات ولهذا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى أعطاكم ثلث أموالكم في آخر آجالكم زيادة في حسناتكم وما ذكرناه ليس من الحسنات فلم تصح فيه الوصية
فإن وصى ببيع ماله من رجل من غير محاباة ففيه وجهان أحدهما يصح لانه قصد تخصيصه بالتمليك والثاني لا يصح لان البيع من غير محاباة ليس بقربة فلم تصح الوصية به وإن وصى بذمي جاز لما روي أن صفية وصت لاخيها بثلثها ثلاثين ألفا وكان يهوديا ولان الذمي موضع للقربة ولهذا يجوز التصدق عليه بصدقة التطوع فجازت له الوصية فإن وصى لحربي ففيه وجهان أحدهما أنه لا تصح الوصية وهو قول أبي العباس بن القاص لان القصد بالوصية نفع الموصى له وقد أمرنا بقتل الحربي وأخذ ماله فلا معنى للوصية له والثاني يصح وهو المذهب لانه تمليك يصح للذمي فصح للحربي كالبيع فصل واختلف قول الشافعي رحمه الله تعالى فيمن وصى لقاتله فقال في أحد القولين لا يجوز لانه مال يستحق بالموت فمنع القتل منه كالميراث وقال في الثاني يجوز لانه تمليك يفتقر إلى القبول فلم يمنع القتل منه كالبيع فإن قتلت أم الولد مولاها عتقت لان عتقها ليس بوصية بدليل أنه لا يعتبر من الثلث فلم يمنع القتل منه فإن قتل المدبر مولاه فإن قلنا إن التدبير عتق بالصفة عتق لانه ليس بوصية وإنما هو عتق بصفة وقد وجدت الصفة فعتق وإن قلنا إنه وصية وقلنا إن الوصية للقاتل لا تجوز لم يعتق وإن قلنا إنها تجوز عتق من الثلث فإن كان على رجل دين مؤجل فقتله صاحب الدين حل الدين لان الأجل حق للمقتول لا حظ له في بقائه بل الحظ في إسقاطه ليحل الدين ويقضى فيتخلص منه فصل واختلف قوله في الوصية للوارث فقال في أحد القولين لا تصح لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا وصية لوارث ولانها وصية لا تلزم لحق الوارث فلم تصح كما لو أوصى بمال لهم من غير الميراث فعلى هذا الإجازة هبة مبتدأة يعتبر فيها ما يعتبر في الهبة والثاني تصح لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تجوز لوارث وصية إلا إن شاء الورثة فدل على أنهم إذا شاؤوا كانت وصية وليست الوصية في ملكه وإنما يتعلق بها حق الورثة في الثاني فلم يمنع صحتها كبيع ما فيه شفعة فعلى هذا إذا أجاز الورثة نفذت الوصية فصل ولا تصح الوصية لمن لا يملك فإن وصى لميت لم تصح الوصية لانه تمليك فلم يصح للميت كالهبة وإن وصى لحمل تيقن وجوده حال الوصية بأن وضعته لدون ستة أشهر من حين الوصية أو لستة أشهر وليست بفراش صحت الوصية لانه يملك بالإرث فملك بالوصية وإن وضعته لستة أشهر وهي فراش لم تصح الوصية لانه يجوز أن يكون حدث بعد الوصية فلم تصح الوصية بالشك فإن ألقته ميتا لم تصح الوصية لانه لا يتيقن حياته حال الوصية ولهذا لا يحكم له بالإرث فلم يحكم له بالملك بالوصية فإن وصى لما تحمل هذه المرأة لم تصح الوصية وقال أبو إسحاق تصح والمذهب الأول لانه تمليك لمن لا يملك فلم يصح فصل فإن قال وصيت بهذا العبد لاحد هذين الرجلين لم يصح لانه تمليك لغير معين فإن قال أعطوا هذا العبد أحد هذين الرجلين جاز لانه ليس بتمليك وإنما هو وصية بالتمليك ولهذا لو قال بعت هذا العبد من أحد هذين الرجلين لم يصح ولو قال لوكيله بع هذا العبد من أحد هذين الرجلين جاز فصل فإن أوصى لعبده كانت الوصية لوارثه لان العبد لا يملك فكانت الوصية للوارث وقد بيناه فإن وصى لمكاتبه صحت الوصية لان المكاتب يملك المال بالعقد فصحت له الوصية فإن وصى لام ولده صحت لانها حرة عند الاستحقاق فإن وصى لمدبره وعتق من الثلث صحت له الوصية لانه حر عند الموت فهو كأم الولد فإن لم يعتق كانت الوصية للوارث وقد بيناه فإن وصى لعبد غيره كانت الوصية لمولاه وهل يصح قبوله من غير إذن المولى فيه وجهان أحدهما وهو الصحيح أنه يصح ويملك به المولى كما يملك ما يصطاده بغير إذنه
والثاني وهو قول أبي سعيد الإصطخري أنه لا يصح لانه تمليك للسيد بعقد فلم يصح القبول فيه من غير إذنه وهل يصح قبول السيد فيه وجهان أحدهما لا يصح لان الإيجاب للعبد فلم يصح قبول السيد كالإيجاب في البيع والثاني يصح لان القبول في الوصية يصح لغير من أوجب له وهو الوارث بخلاف البيع فصل وتجوز الوصية بالمشاع والمقسوم لانه تمليك جزء من ماله فجاز في المشاع والمقسوم كالبيع ويجوز بالمجهول كالحمل في البطن واللبن في الضرع وعبد من عبيد وبما لا يقدر على تسليمه كالطير الطائر والعبد الآبق لان الموصى له يخلف الميت في ثلثه كما يخلفه الوارث في ثلثه فلما جاز أن يخلف الوارث الميت في هذه الأشياء جاز أن يخلفه الموصى له فإن وصى بمال الكتابة جاز لما ذكرناه فإن وصى برقبته فهو على القولين في بيعه فصل فإن وصى بما تحمله الجارية أو الشجرة صحت الوصية لان المعدوم يجوز أن يملك بالسلم والمساقاة فجاز أن يملك بالوصية ومن أصحابنا من قال إذا قلنا إن الاعتبار بحال الوصية لم تصح لانه لا يملك في الحال ما وصى به فصل وتجوز الوصية بالمنافع لانها كالأعيان في الملك بالعقد والإرث فكانت كالأعيان في الوصية ويجوز بالعين دون المنفعة وبالعين لواحد وبالمنفعة لآخر لان المنفعة والعين كالعين فجاز فيهما ما جاز في العينين ويجوز بمنفعة مقدرة بالمدة وبمنفعة مؤبدة لان المقدرة كالعين المعلومة والمؤبدة كالعين المجهولة فصحت الوصية بالجميع فصل وتجوز الوصية بما يجوز الانتفاع به من النجاسات كالسماد والزيت النجس والكلب وجلد الميتة لانه يحل اقتناؤها للانتفاع بها فجاز نقل اليد فيها بالوصية ولا يجوز بما لا يحل الانتفاع به كالخمر والخنزير والكلب العقور لانه لا يحل الانتفاع بها ولا تقر اليد عليها فلم تجز الوصية بها فصل ويجوز تعليق الوصية على شرط في الحياة لانها تجوز في المجهول فجاز تعليقها بالشرط كالطلاق والعتاق ويجوز تعليقها على شرط بعد الموت لان ما بعد الموت في الوصية كحال الحياة فإذا جاز تعليقها على شرط في الحياة جاز بعد الموت فصل وإن كانت الوصية لغير معين كالفقراء لزمت بالموت لانه لا يمكن اعتبار القبول فلم يعتبر وإن كانت لمعين لم تلزم إلا بالقبول لانه تمليك لمعين فلم يلزم من غير قبول كالبيع ولا يصح القبول إلا بعد الموت لان الإيجاب بعد الموت فكان القبول بعده فإن قبل حكم له بالملك وفي وقت الملك قولان منصوصان أحدهما تملك بالموت والقبول لانه تمليك يفتقر إلى القبول فلم يقع الملك قبله كالهبة والثاني أنه موقوف فإن قبل حكمنا بأنه ملك من حين الموت لانه لا يجوز أن يكون للموصي لان الميت لا يملك ولا يجوز أن يكون للوارث لان الوارث لا يملك إلا بعد الدين والوصية ولا يجوز أن يكون للموصى له لانه لو انتقل إليه لم يملك رده كالميراث فثبت أنه موقوف وروى ابن عبد الحكم قولا ثالثا أنه يملك بالموت ووجهه أنه مال مستحق ( بالموت ) فانتقل به كالميراث فصل وإن رد نظرت فإن كان في حياة الموصي لم يصح الرد لانه لا حق له في حياته فلم يملك إسقاطه كالشفيع إذا عفا عن الشفعة قبل البيع وإن رد بعد الموت وقبل القبول صح الرد لانه يثبت له الحق فملك إسقاطه كالشفيع إذا عفا عن الشفعة بعد البيع وإن رد بعد القبول وقبل القبض ففيه وجهان أحدهما لا يصح الرد لانه ملكه ملكا تاما فلم يصح رده كما لو قبضه والثاني أنه يصح الرد وهو المنصوص لانه تمليك من جهة الآدمي من غير بدل فصح رده قبل القبض كالوقف وإن لم يقبل ولم يرد كان للورثة المطالبة بالقبول أو الرد فإن امتنع من القبول والرد حكم عليه بالرد لان الملك متردد بينه وبين الورثة كما لو تحجر أرضا فامتنع من إحيائها أو وقف في مشرعة ماء فلم يأخذ ولم ينصرف فصل وإن مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية ولا يقوم وارثه مقامه لانه مات قبل استحقاق الوصية
وإن مات بعد موته وقبل القبول قام وارثه مقامه في القبول والرد لانه خيار ثابت في تملك المال فقام الوارث مقامه كخيار الشفعة باب ما يعتبر من الثلث ما وصى به من التبرعات كالعتق والهبة والصدقة والمحاباة في البيع يعتبر من الثلث سواء كانت في حال الصحة أو في حال المرض أو بعضها في الصحة وبعضها في المرض لان لزوم الجميع عند الموت فأما الواجبات من ديون الآدميين وحقوق الله تعالى كالحج والزكاة فإنه إن لم يوص بها وجب قضاؤها من رأس المال دون الثلث لانه إنما منع من الزيادة على الثلث لحق الورثة ولا حق للورثة مع الديون فلم تعتبر من الثلث وإن وصى أن يؤدى ذلك من الثلث اعتبر من الثلث لانها في الأصل من رأس المال فلما جعلها من الثلث علم أنه قصد التوفير على الورثة فاعتبرت من الثلث وإن وصى بها ولم يقل إنها من الثلث ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه تعتبر من الثلث وهو ظاهر النص لانها من رأس المال فلما وصى بها علم أنه قصد أن يجعلها من جملة الوصايا فجعل سبيلها سبيل الوصايا والثاني وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه إن لم يقرن بها ما يعتبر من الثلث اعتبر من رأس المال وإن قرن بها ما يعتبر من الثلث اعتبر من الثلث لانها في الأصل من رأس المال فإذا عريت عن القرينة بقيت على أصلها وإن قرن بها ما يعتبر من الثلث علم أنه قصد أن يكون مصرفهما واحدا والثالث أنه تعتبر من رأس المال وهو الصحيح لانها في الأصل من رأس المال والوصية بها تقتضي التأكيد والتذكار بها والقرينة تقتضي التسوية بينهما في الفعل لا في السبيل فبقيت على أصلها فصل وأما ما تبرع به في حياته ينظر فيه فإن كان في حال الصحة لم يعتبر من الثلث لانه مطلق التصرف في ماله لا حق لاحد في ماله فاعتبر من رأس المال وإن كان ذلك في مرض غير مخوف لم يعتبر من الثلث لان الإنسان لا يخلو من عوارض فكان حكمه حكم الصحيح وإن كان ذلك في مرض مخوف واتصل به الموت اعتبر من الثلث لما روى عمران بن الحصين أن رجلا أعتق ستة أعبد له عند موته لم يكن له مال غيرهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للرجل قولا شديدا ثم دعاهم فجزأهم فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ولانه في ( هذه ) الحالة لا يأمن الموت فجعل كحال الموت وإن برىء من المرض لم يعتبر من الثلث لانه قد بان أنه لم يكن في ماله حق أحد وإن وهب في الصحة وأقبض في المرض اعتبر من الثلث لانه لم يلزم إلا بالقبض وقد وجد ذلك منه في المرض فصل وإن باع في المرض بثمن المثل أو تزوج امرأة بمهر المثل صح العقد ولم يعتبر العوض من الثلث لانه ليس بوصية لان الوصية أن يخرج مالا من غير عوض ولم يخرج ههنا شيئا من غير عوض وإن كاتب عبدا اعتبر من الثلث لان ما يأخذ من العوض من كسب عبده وهو مال له فيصير كالعتق بغير عوض وإن وهب له من يعتق عليه في المرض المخوف فقبله اعتبر عتقه من الثلث فإذا مات لم يرثه وقال أبو العباس يعتبر عتقه من رأس المال ويرثه لانه ليس بوصية لانه لم يخرج من ملكه شيئا بغير عوض والمذهب الأول لانه ملكه بالقبول وعتق عليه والعتق في المرض وصية والميراث والوصية لا يجتمعان فلو ورثناه بطل عتقه وإذا بطل العتق بطل الإرث فأثبتنا العتق وأبطلنا الإرث فصل والمرض المخوف كالطاعون والقولنج وذات الجنب والرعاف الدائم والإسهال المتواتر وقيام الدم والسل في انتهائه والفالج الحادث في ابتدائه والحمى المطبقة لان هذه الأمراض لا يؤمن معها معاجلة الموت فجعل كحال الموت
فأما غير المخوف فهو كالجرب ووجع الضرس والصداع اليسير وحمى يوم أو يومين وإسهال يوم أو يومين من غير دم والسل قبل انتهائه والفالج إذا طال لان هذه الأمراض يؤمن معها معاجلة الموت فإذا اتصل بها الموت علم أنه لم يكن موته من هذه الأمراض وإن أشكل شيء من هذه الأمراض رجع فيه إلى نفسين من أطباء المسلمين ولا يقبل فيه قول الكافر وإن ضرب الحامل الطلق فهو مخوف لانه يخاف منه الموت وفيه قول آخر أنه غير مخوف لان السلامة منه أكثر فصل وإن كان في الحرب وقد التحمت طائفتان متكافئتان أو كان في البحر وتموج أو في أسر كفار يرون قتل الأسارى أو قدم للقتل في المحاربة أو الرجم في الزنا ففيه قولان أحدهما أنه كالمرض المخوف يعتبر تبرعاته فيه من الثلث لانه لا يأمن الموت كما لا يأمن في المرض المخوف والثاني أنه كالصحيح لانه لم يحدث في جسمه ما يخاف منه الموت فإن قدم لقتل القصاص فالمنصوص أنه لا تعتبر عطيته من الثلث ما لم يجرح واختلف أصحابنا فيه على طريقين فقال أبو إسحاق هي على قولين قياسا على الأسير في يد كفار يرون قتل الأسارى ومن أصحابنا من قال لا تعتبر عطيته من الثلث لانه غير مخوف لان الغالب من حال المسلم أنه إذا قدر رحم وعفا فصار كالأسير في يد من لا يرى قتل الأسارى فصل وإن عجز الثلث عن التبرعات لم يخل إما أن يكون في التبرعات المنجزة في المرض أو في الوصايا فإن كان في التبرعات المنجزة في المرض فإن كانت في وقت واحد نظرت فإن كانت هبات أو محاباة قسم الثلث بين الجميع لتساويهما في اللزوم فإن كانت متفاضلة المقدار قسم الثلث عليها على التفاضل وإن كانت متساوية قسم بينها على التساوي كما يفعل في الديون وإن كان عتقا في عبيد أقرع بينهم لما ذكرناه من حديث عمران بن الحصين ولان القصد من العتق تكميل الأحكام ولا يحصل ذلك إلا بما ذكرناه فإن وقعت متفرقة قدم الأول فالأول عتقا كان أو غيره لان الأول سبق فاستحق به الثلث فلم يجز إسقاطه بما بعده فإن كان له عبدان سالم وغانم فقال لسالم إن أعتقت غانما فأنت حر ثم أعتق غانما قدم عتق غانم لان عتقه سابق فإن قال إن أعتقت غانما فأنت حر حال عتق غانم ثم أعتق غانما فقد قال بعض أصحابنا يعتق غانم لان عتقه غير متعلق بعتق غيره وعتق سالم متعلق بعتق غيره فإذا أعتقناهما في وقت واحد احتجنا أن نقرع بينهما فربما خرجت القرعة على سالم فيبطل عتق غانم وإذا بطل عتقه بطل عتق سالم فيؤدي إثباته إلى نفيه فسقط ويبقى عتق غانم لانه أصل ويحتمل عندي أنه لا يعتق واحد منهما لانه جعل عتقهما في وقت واحد ولا يمكن أن نقرع بينهما لما ذكرناه ولا يمكن تقديم عتق أحدهما لانه لا مزية لاحدهما على الآخر بالسبق فوجب أن يسقطا وإن كانت التبرعات وصايا وعجز الثلث عنها لم يقدم بعضها على بعض بالسبق لان ما تقدم وما تأخر يلزم في وقت واحد ( وهو بعد ) الموت فإن كانت كلها هبات أو كلها محاباة أو بعضها هبات وبعضها محاباة قسم الثلث بين الجميع على التفاضل إن تفاضلت وعلى التساوي إن تساوت وإن كان الجميع عتقا أقرع بين العبيد لما ذكرناه في القسم قبله وإن كان بعضها عتقا وبعضها محاباة أو هبات ففيه قولان أحدهما أن الثلث يقسم بين الجميع لان الجميع يعتبر من الثلث ويلزم في وقت واحد والثاني يقدم العتق بما له من القوة وإن كان بعضها كتابة وبعضها هبات ففيه طريقان أحدهما أنه لا تقدم الكتابة لانه ليس له قوة وسراية فلم تقدم كالهبات والثاني أنها على قولين لانها تتضمن العتق فكانت كالعتق فصل وإن وصى أن يحج عنه حجة الإسلام من الثلث أو يقضى دينه من الثلث ووصى معها بتبرعات ففيه وجهان أحدهما يقسط الثلث على الجميع لان الجميع يعتبر من الثلث
فإن كان ما يخص الحج أو الدين من الثلث لا يكفي تمم من رأس المال لانه في الأصل من رأس المال وإنما اعتبر من الثلث بالوصية فإذا عجز عنه وجب أن يتمم من أصل المال والثاني يقدم الحج والدين لانه واجب ثم يصرف ما فضل في الوصايا فصل وإن وصى لرجل بمال وله مال حاضر ومال غائب أو له عين ودين دفع إلى الموصى له ثلث الحاضر وثلث العين وإلى الورثة الثلثان وكل ما حضر من الغائب أو نض من الدين شيء قسم بين الورثة والموصى له لان الموصى له شريك الورثة بالثلث فصار كالشريك في المال وإن وصى لرجل بمائة دينار وله مائة حاضرة وله ألف غائبة فللموصى له ثلث الحاضرة ويوقف الثلثان لان الموصى له شريك الوارث في المال فصار كالشريك في المال وإن أراد الموصى له التصرف في ثلث المائة الحاضرة ففيه وجهان أحدهما يجوز لان الوصية في ثلث الحاضرة ماضية فمكن من التصرف فيه والثاني لا يجوز لانا منعنا الورثة من التصرف في الثلثين الموقوفين فوجب أن نمنع الموصى له من التصرف في ( الثلث ) وإن دبر عبدا قيمته مائة وله مائتان غائبة ففيه وجهان أحدهما يعتق ثلث العبد لان عتق ثلثه مستحق بكل حال والثاني وهو ظاهر المذهب أنه لا يعتق لانا لو أعتقنا الثلث حصل للموصى له الثلث ولم يحصل للورثة مثلاه وهذا لا يجوز فصل وإن وصى له بثلث عبد فاستحق ثلثاه وثلث ماله يحتمل الثلث الباقي من العبد نفذت الوصية فيه على المنصوص وقال أبو ثور وأبو العباس لا تنفذ الوصية إلا في ثلث الباقي كما لو وصى بثلث ماله ثم استحق من ماله الثلثان والمذهب الأول لان ثلث العبد ملكه وثلث ماله يحتمله فنفذت الوصية فيه كما لو أوصى له بعبد يحتمله الثلث ويخالف هذا إذا أوصى بثلث ماله ثم استحق ثلثاه لان الوصية هناك بثلث ماله وماله هو الباقي بعد الاستحقاق وليس كذلك ههنا لانه يملك الباقي وله مال غيره يخرج الباقي من ثلثه فصل وإن وصى له بمنفعة عبد سنة ففي اعتبارها من الثلث وجهان أحدهما يقوم العبد كامل المنفعة ويقوم مسلوب المنفعة في مدة سنة ويعتبر ما بينهما من الثلث والثاني تقوم المنفعة سنة فيعتبر قدرها من الثلث ولا تقوم الرقبة لان الموصى به هو المنفعة فلا يقوم غيرها وإن وصى له بمنفعة عبد على التأبيد ففي اعتبار منفعته من الثلث ثلاثة أوجه أحدها تقوم المنفعة في حق الموصى له والرقبة مسلوبة المنفعة في حق الوارث لان الموصى له ملك المنفعة والوارث ملك الرقبة وينظر كم قدر التركة مع قيمة الرقبة مسلوبة المنفعة وينظر قيمة المنفعة فتعتبر من الثلث والثاني تقوم المنفعة في حق الموصى له لانه ملكها بالوصية ولا تقوم الرقبة في حق الموصى له لانه لم يملكها ولا في حق الوارث لانها مسلوبة المنفعة في حقه لا فائدة له فيها فعلى هذا ينظر كم قدر التركة وقيمة المنفعة فتعتبر من الثلث والثالث وهو المنصوص تقوم الرقبة بمنافعها في حق الموصى له لان المقصود من الرقبة منفعتها فصار كما لو كانت الرقبة له فقومت في حقه وينظر قدر التركة فتعتبر قيمة الرقبة من ثلثها وإن وصى بالرقبة لواحد وبالمنفعة ( لآخر ) قومت الرقبة في حق من وصي له بها والمنفعة في حق من وصي له بها لان كل واحد منهما يملك ما وصي له به فاعتبر قيمتهما من الثلث فصل وإن وصى له بثمرة بستانه فإن كانت موجودة اعتبرت قيمتها من الثلث وإن لم تخلق فإن كانت على التأبيد ففي التقويم وجهان أحدهما يقوم جميع البستان والثاني يقوم كامل المنفعة ثم يقوم مسلوب المنفعة ويعتبر ما بينهما من الثلث فإن احتمله الثلث نفذت الوصية فيما بقي من البستان وإن احتمل بعضها كان للموصى له قدر ما احتمله الثلث يشاركه فيه الورثة فإن كان الذي يحتمله النصف كان للموصى له من ثمرة كل عام النصف وللورثة النصف والله أعلم باب جامع الوصايا
إذا وصى لجيرانه صرف إلى أربعين دارا من كل جانب لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حق الجوار أربعون دارا هكذا وهكذا وهكذا يمينا وشمالا وقداما وخلفا فصل وإن وصى لقراء القرآن صرف إلى من يقرأ جميع القرآن وهل يدخل فيه من لا يحفظ جميعه فيه وجهان أحدهما يدخل فيه لعموم اللفظ والثاني لا يدخل فيه لانه لا يطلق هذا الاسم في العرف إلا على من يحفظه وإن وصى للعلماء صرف إلى علماء الشرع لانه لا يطلق هذا الاسم في العرف إلا عليهم ولا يدخل فيه من يسمع الحديث ولا يعرف طرقه لان سماع الحديث من غير علم بطرقه ليس بعلم فصل فإن وصى للأيتام لم يدخل فيه من له أب لان اليتيم في بني آدم من فقد الأب ولا يدخل فيه بالغ لقوله صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد الحلم وهل يدخل فيه الغنى فيه وجهان أحدهما يدخل فيه لانه تيتم بفقد الأب والثاني لا يدخل فيه لانه لا يطلق هذا الاسم في العرف على غني فإن وصى للأرامل دخل فيه من لا زوج لها من النساء وهل يدخل فيه من لا زوجة له من الرجال فيه وجهان أحدهما لا يدخل فيه لانه لا يطلق هذا الاسم في العرف على الرجال والثاني يدخل فيه لانه قد يسمى الرجل أرملا كما قال الشاعر ( البسيط ) فكل الأرامل قد قضيت حاجتهم فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر وهل يدخل فيه من لها مال على وجهين كما قلنا في الأيتام فصل وإن وصى للشيوخ أعطي من جاوز الأربعين وإن وصى للفتيان والشباب أعطي من جاوز البلوغ إلى الثلاثين وإن وصى للغلمان والصبيان أعطي من لم يبلغ لان هذه الأسماء لا تطلق في العرف إلا على ما ذكرناه فصل وإن وصى للفقراء جاز أن يدفع إلى الفقراء والمساكين وإن وصى للمساكين جاز أن يدفع إلى المساكين والفقراء لان كل واحد من الاسمين يطلق على الفريقين وإن وصى للفقراء والمساكين جمع بين الفريقين في العطية لان الجمع بينهما يقتضي الجمع في العطية كما قلنا في آية الصدقات وإن وصى لسبيل الله تعالى دفع إلى الغزاة من أهل الصدقات لانه قد ثبت لهم هذا الاسم في عرف الشرع فإن وصى للرقاب دفع إلى المكاتبين لان الرقاب في عرف الشرع اسم للمكاتبين وإن وصى لاحد هذه الأصناف دفع إلى ثلاثة منهم لانه قد ثبت لهذه الألفاظ عرف الشرع في ثلاثة وهو في الزكاة فحملت الوصية عليها فإن وصى لزيد والفقراء فقد قال الشافعي رحمه الله هو كأحدهم فمن أصحابنا من قال هو بظاهره أنه يكون كأحدهم يدفع إليه ما يدفع إلى أحدهم لانه أضاف إليه وإليهم فوجب أن يكون كأحدهم ومنهم من قال يصرف إلى زيد نصف الثلث ويصرف النصف إلى الفقراء لانه أضاف إليه وإليهم فوجب أن يساويهم ومنهم من قال يصرف إليه الربع ويصرف ثلاثة أرباعه إلى الفقراء لان أقل الفقراء ثلاثة فكأنه وصى لاربعة فكان حق كل واحد منهم الربع وإن وصى لزيد بدينار وبثلثه للفقراء وزيد فقير لم يعط غير الدينار لانه قطع الاجتهاد في الدفع بتقدير حقه في الدينار فصل وإن وصى لقبيلة عظيمة كالعلويين والهاشميين وطييء وتميم ففيه قولان أحدهما أن الوصية تصح وتصرف إلى ثلاثة منهم كما قلنا في الوصية للفقراء والثاني أن الوصية باطلة لانه لا يمكن أن يعطى الجميع ولا عرف لهذا اللفظ في بعضهم فبطل بخلاف الفقراء فإنه قد ثبت لهذا اللفظ عرف وهو في ثلاثة في الزكاة فصل وإن أوصى أن يضع ثلثه حيث يرى لم يجز أن يضعه في نفسه لانه تمليك ملكه بالإذن فلم يملك من نفسه كما لو وكله في البيع والمستحب أن يصرفه إلى من لا يرث الموصى من أقاربه فإن لم يكن له أقارب صرف إلى أقاربه من الرضاع فإن لم يكونوا صرف إلى جيرانه لانه قائم مقام الموصي والمستحب للموصي أن يضع فيما ذكرناه فكذلك الوصي
فصل وإن وصى بالثلث لزيد ولجبريل كان لزيد نصف الثلث وتبطل في الباقي فإن وصى لزيد وللرياح ففيه وجهان أحدهما أن الجميع لزيد لان ذكر الرياح لغو والثاني أن لزيد النصف وتبطل الوصية في الباقي كالمسألة قبلها فإن قال ثلثي لله ولزيد ففيه وجهان أحدهما أن الجميع لزيد وذكر الله تعالى للتبرك كقوله تعالى فأن لله خمسه وللرسول والثاني أنه يدفع إلى زيد نصفه والباقي للفقراء لان عامة ما يجب لله تعالى يصرف إلى الفقراء فصل وإن وصى لحمل امرأة فولدت ذكرا وأنثى صرف إليهما وسوي بينهما لأن ذلك عطية فاستوى فيه الذكر والأنثى وإن وصى إن ولدت ذكرا فله ألف وإن ولدت أنثى فلها مائة فولدت ذكرا وأنثى استحق الذكر الألف والأنثى المائة فإن ولدت خنثى دفع إليه المائة لانه يقين ويترك الباقى إلى أن يتبين فإن ولدت ذكرين أو أنثيين ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن الوارث يدفع الألف إلى من يشاء من الذكرين والمائة إلى من يشاء من الأنثيين لان الوصية لاحدهما فلا تدفع إليهما والاجتهاد في ذلك إلى الوارث كما لو أوصى لرجل بأحد عبديه والثاني أنه يشترط الذكران في الألف والأنثيان في المائة لانه ليس أحدهما بأولى من الآخر فسوى بينهما ويخالف العبد فإنه جعله إلى الوارث وههنا لم يجعله إلى الوارث والثالث أنه يوقف الألف بين الذكرين والمائة بين الأنثيين إلى أن يبلغا ويصطلحا لان الوصية لاحدهما فلا يجوز أن تجعل لهما ولا خيار للوارث فوجب التوقف فإن قال إن كان ما في بطنك ذكرا فله ألف وإن كان أنثى فله مائة فولدت ذكرا وأنثى لم يستحق واحد منهما شيئا لانه شرط أن يكون جميع ما في البطن ذكرا أو جميعه أنثى ولم يوجد واحد منهما فصل فإن أوصى لرجل بسهم أو بقسط أو بنصيب أو بجزء من ماله فالخيار إلى الوارث في القليل والكثير لان هذه الألفاظ تستعمل في القليل والكثير فصل فإن أوصى له بمثل نصيب أحد ورثته أعطي مثل نصيب أقلهم نصيبا لانه نصيب أحدهم فإن وصى له بمثل نصيب ابنه وله ابن كان ذلك وصية بنصف المال لانه يحتمل أن يكون قد جعل له الكل ويحتمل أنه جعله مع ابنه فلا يلزمه إلا اليقين ولانه قصد التسوية بينه وبين ابنه ولا توجد التسوية إلا فيما ذكرناه فإن كان له ابنان فوصى له بمثل نصيب أحد ابنيه جعل له الثلث وإن وصى له بنصيب ابنه بطلت الوصية لان نصيب الابن للابن فلا تصح الوصية به كما لو أوصى له بمال ابنه من غير الميراث ومن أصحابنا من قال يصح ويجعل المال بينهما كما لو أوصى له بمثل نصيب ابنه فإن وصى له بمثل نصيب ابنه وله ابن كافر أو قاتل فالوصية باطلة لانه وصى بمثل نصيب من لا نصيب له فأشبه إذا وصى بمثل نصيب أخيه وله ابن فصل فإن وصى بضعف نصيب أحد أولاده دفع إليه مثلا نصيب أحدهم لان الضعف عبارة عن الشيء ومثله ولهذا يروى أن عمر رضي الله عنه أضعف الصدقة على نصارى بني تغلب أي أخذ مثلي ما يؤخذ من المسلمين فإن وصى له بضعفي نصيب أحدهم أعطي ثلاثة أمثال نصيب أحدهم وقال أبو ثور يعطى أربعة أمثاله وهذا غلط لان الضعف عبارة عن الشيء ومثله فوجب أن يكون الضعفان عبارة عن الشيء ومثليه فصل فإن وصى لرجل بثلث ماله ولآخر بنصفه وأجاز الورثة قسم المال بينهما على خمسة للموصى له بالثلث سهمان وللموصى له بالنصف ثلاثة أسهم فإن لم يجيزوا قسم الثلث بينهما على خمسة على ما ذكرناه لان ما قسم على التفاضل عند اتساع المال قسم على التفاضل عند ضيق المال كالمواريث والمال بين الغرماء فإن أوصى لرجل بجميع ماله ولآخر بثلثه وأجاز الورثة قسم المال بينهما على أربعة للموصى له بالجميع ثلاثة أسهم وللموصى له بالثلث سهم لان السهام في الوصايا كالسهام في المواريث ثم السهام في المواريث إذا زادت على قدر المال أعيلت الفريضة بالسهم الزائد فكذلك في الوصية
فإن لم يجيزوا قسم الثلث بينهما على ما قسم الجميع فصل فإن قال أعطوه رأسا من رقيقي ولا رقيق له أو قال أعطوه عبدي الحبشي وله عبد سندي أو عبدي الحبشي وسماه باسمه ووصفه بصفة من بياض أو سواد وعنده حبشي يسمى بذلك الاسم ومخالف له في الصفة فالوصية باطلة لانه وصى له بما لا يملكه فإن كان له رقيق أعطى منه واحدا سليما كان أو معيبا لانه لا عرف في هبة الرقيق فحمل على ما يقع عليه الاسم فإن مات ما له من الرقيق بطلت الوصية لانه فات ما تعلقت به الوصية من غير تفريط فإن قتلوا فإن كان قبل موت الموصى بطلت الوصية لانه جاء وقت الوجوب ولا رقيق له فإن قتلوا بعد موته وجبت له قيمة واحد منهم لانه بدل ما وجب له فصل فإن وصى بعتق عبد أعتق عنه ما يقع عليه الاسم لعموم اللفظ ومن أصحابنا من قال لا يجزىء إلا ما يجزى في الكفارة لان العتق في الشرع له عرف وهو ما يجزي في الكفارة فحملت الوصية عليه فإن وصى أن يعتق عنه رقبة فعجز الثلث عنها ولم تجز الورثة أعتق قدر الثلث من الرقبة لان الوصية تعلقت بجميعها فإذا تعذر الجميع بقي في قدر الثلث فإن وصى أن يعتق عنه رقاب أعتق ثلاثة لان الرقاب جمع وأقله ثلاثة فإن عجز الثلث عن الثلاثة أعتق عنه ما أمكن فإن اتسع الثلث لرقبتين وتفضل شيء فإن لم يمكن أن يشتري بالفضل بعض الثالثة زيد في ثمن الرقبتين وإن أمكن أن يشتري به بعض الثالثة ففيه وجهان أحدهما يزاد في ثمن الرقبتين لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الرقاب فقال أكثرها ثمنا وأنفسها عند أهلها والثاني أنه يشتري به بعض الثالثة لقوله صلى الله عليه وسلم من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار ولان ذلك أقرب إلى العدد الموصى به فصل فإن قال أعتقوا عبدا من عبيدي وله خنثى حكم له بأنه رجل ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز لانه محكوم بأنه عبد والثاني لا يجوز لان اسم العبد لا ينصرف إليه فإن قال أعتقوا أحد رقيقي وفيهم خنثى مشكل فقد روى الربيع فيمن وصى بكتابة أحد رقيقه أنه لا يجوز الخنثى المشكل وروى المزني أنه يجوز فمن أصحابنا من قال يجوز كما نقله المزني لانه من الرقيق ومنهم من قال لا يجوز كما نقله الربيع لان إطلاق اسم الرقيق لا ينصرف إلى الخنثى المشكل فصل فإن قال أعطوه شاة جاز أن يدفع إليه الصغير والكبير والضأن والمعز لان اسم الشاة يقع عليه ولا يدفع إليه تيس ولا كبش على المنصوص ومن أصحابنا من قال يجوز الذكر والأنثى لان الشاة اسم للجنس يقع على الذكر والأنثى كالانسان يقع على الرجل والمرأة فإن قال أعطوه شاة من غنمى والغنم إناث لم يدفع إليه ذكر فإن كانت ذكورا لم يدفع إليه أنثى لانه أضاف إلى المال وليس في المال غيره فإن كانت غنمه ذكورا وإناثا فعلى ما ذكرنا من الخلاف فيه إذا أوصى بشاة ولم يضف إلى المال فإن قال أعطوه ثورا لم يعط بقرة فإن قال أعطوه جملا لم يعط ناقة فإن قال أعطوه بعيرا فالمنصوص أنه لا يعطى ناقة ومن أصحابنا من قال يعطى لان البعير كالإنسان يقع على الذكر والأنثى فإن قال أعطوه رأسا من الإبل أو رأسا من البقر أو رأسا من الغنم جاز الذكر والأنثى لان ذلك اسم للجنس فصل فإن قال أعطوه دابة فالمنصوص أنه يعطى فرسا أو بغلا أو حمارا واختلف أصحابنا فيه فقال أبو العباس هذا قاله على عادة أهل مصر فإن الدواب في عرفهم الأجناس الثلاثة فإن كان الموصي بمصر أعطي واحدا من الثلاثة وإن كان في غيرها لم يعط إلا الفرس لانه لا تطلق الدابة في سائر البلاد إلا على الفرس
وقال أبو إسحاق وأبو علي بن أبي هريرة يعطى واحدا من الثلاثة في جميع البلاد لان اسم الدواب يطلق على الجميع فإن قال أعطوه دابة من دوابي وليس عنده إلا واحد من الثلاثة أعطي منه لانه أضاف إلى ماله وليس له غيره فإن قال أعطوه دابة ليقاتل عليه العدو لم يعط إلا فرسا فإن قال ليحمل عليه لم يعط إلا بغلا أو حمارا فإن قال لينتفع بنسله لم يعط إلا فرسا أو حمارا لان القرينة دلت على ما ذكرناه فصل فإن وصى بكلب ولا كلب له فالوصية باطلة لانه ليس عنده كلب ولا يمكن أن يشتري فبطلت الوصية فإن قال أعطوه كلبا من كلابي وعنده كلاب لا ينتفع بها بطلت الوصية لان ما لا منفعة فيه من الكلاب لا يحل اقتناؤه فإن كان ينتفع بها أعطي واحدا منها إلا أن يقرن به قرينة من صيد أو حفظ زرع فيدفع إليه ما دلت عليه القرينة فإن كان له ثلاثة كلاب ولا مال له فأوصى بجميعها ولم تجز الورثة ردت إلى الثلث وفي كيفية الرد وجهان أحدهما يدفع إليه من كل كلب ثلثه كسائر الأعيان والثاني يدفع إليه أحدها وتخالف سائر الأعيان لان الأعيان تقوم وتختلف أثمانها والكلاب لا تقوم فاستوى جميعها وفيما يأخذ وجهان أحدهما وهو قول أبي إسحاق إنه يأخذ واحدا منها بالقرعة والثاني يعطيه الوارث ما شاء منها فإن كان له كلب واحد فوصى به ولم تجز الورثة ولم يكن له مال أعطي ثلثه فإن كان له مال ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يدفع الجميع إلى الموصى له لان أقل المال خير من الكلب فأمضيت الوصية فيه كما لو أوصى له بشاة وله مال تخرج الشاة من ثلثه والثاني وهو قول أبي سعيد الإصطخري أنه يدفع إليه ثلث الكلب لانه لا يجوز أن يحصل للموصى له شيء إلا ويحصل للورثة مثلاه ولا يمكن اعتبار الكلب من ثلث المال لانه لا قيمة له فاعتبر بنفسه فصل وإن وصى له بطبل من طبوله وليس له إلا طبول الحرب أعطي واحدا منها وإن لم يكن له إلا طبول اللهو نظرت فإن لم يصلح وهو طبل لغير اللهو وإن فصل لمباح لم يقع عليه اسم الطبل فالوصية باطلة لانه وصية بمحرم وإن كان يصلح لمنفعة مباحة مع بقاء الاسم جازت الوصية لانه يمكن الانتفاع به في مباح وإن كان له طبل حرب وطبل لهو ولم يصلح طبل اللهو لغير اللهو أعطي طبل الحرب لان طبل اللهو لا تصح الوصية به فيصير كالمعدوم وإن كان يصلح لمنفعة مباحة أعطاه الوارث ما شاء منهما فصل فإن وصى بعود من عيدانه وعنده عود اللهو وعود القوس وعود البناء كانت الوصية بعود اللهو لان إطلاق الاسم ينصرف إليه فإن كان عود اللهو يصلح لمنفعة مباحة دفع إليه ولا يدفع معه الوتر والمضراب لان اسم العود يقع من غير وتر ولا مضراب وإن كان لا يصلح لغير اللهو فالوصية باطلة لانه وصية بمحرم ومن أصحابنا من قال يعطى من عود القوس والبناء لان المحرم كالمعدوم كما قلنا فيمن وصى بطبل من طبوله وعنده طبل حرب وطبل لهو أنه تجعل الوصية في طبل الحرب ويجعل طبل اللهو كالمعدوم والمذهب أنه لا يعطى شيئا لان العود لا يطلق إلا على عود اللهو والطبل يطلق على طبل اللهو وطبل الحرب فإذا بطل في طبل اللهو حمل على طبل الحرب فإن قال أعطوه عودا من عيداني وليس عنده إلا عود القوس أو عود البناء أعطي منها لانه أضاف إلى ما عنده وليس عنده سواه فصل فإن وصى له بقوس كانت الوصية بالقوس الذي يرمى عنه النبل والنشاب دون قوس الندف والجلاهق وهو قوس البندق لان إطلاق الاسم ينصرف إلى ما يرمى عنه ولا يعطى معه الوتر ومن أصحابنا من قال يعطى معه الوتر لانه لا ينتفع به إلا مع الوتر والصحيح أنه لا يعطى لان الاسم يقع عليه من غير وتر
فإن قال أعطوه قوسا من قسي وليس عنده إلا قوس الندف أو قوس البندق أعطي مما عنده لانه أضاف إلى ما عنده وليس عنده سواه وإن كان عنده قوس البندق وقوس الندف أعطي قوس البندق لان الاسم إليه أسبق فصل فإن وصى بعتق مكاتبه أو بالإبراء مما عليه اعتبر من الثلث أقل الأمرين من قيمته أو مال الكتابة لان الإبراء عتق والعتق إبراء فاعتبر أقلهما وألغي الآخر فإن احتملهما الثلث عتق وبرىء من المال وإن لم يحتمل شيئا منه لديون عليه بطلت الوصية وأخذ المكاتب بأداء جميع ما عليه فإن أدى عتق وإن عجز رق وتعلق به حق الغرماء والورثة فإن احتمل الثلث بعض ذلك مثل أن يحتمل النصف من أقل الأمرين عتق نصفه وبقي نصفه على الكتابة فإن أدى عتق وإن عجز رق وإن احتمل الثلث أحدهما دون الآخر اعتبر الأقل فعتق به فإن لم يكن له مال غير العبد نظر فإن كان قد حل عليه مال الكتابة عتق ثلثه في الحال وبقي الباقي على الكتابة إن أدى عتق وإن عجز رق وإن لم يحل عليه مال الكتابة ففيه وجهان أحدهما لا يتعجل عتق شيء منه لانه يحصل للموصى له الثلث ولم يحصل للورثة مثلاه وهذا لا يجوز كما لو أوصى بالثلث وله مال حاضر ومال غائب فإنه لا تمضي الوصية في شيء حتى يحصل للورثة مثلاه والثاني وهو ظاهر المذهب أنه يتعجل عتق ثلثه ويقف الثلثان على العتق بالأداء أو الرق بالعجز لان الورثة على يقين من الثلثين إما بالأداء وإما بالعجز بخلاف ما لو كان له مال حاضر ومال غائب لانه ليس على يقين من سلامة الغائب فصل فإن قال ضعوا عن مكاتبي أكثر ما عليه وضع عنه النصف وشيء لانه هو الأكثر فإن قال ضعوا عنه ما شاء من كتابته فشاء الجميع فقد روى الربيع رحمه الله أنه يوضع عنه الجميع إلا شيئا وروى المزني أنه إذا قال ضعوا عنه ما شاء فشاءها كلها وضع الجميع إلا شيئا فمن أصحابنا من قال الصحيح ما رواه الربيع لان قوله من كتابته يقتضي التبعيض وما رواه المزني خطأ في النقل والذي يقتضيه أن يوضع عنه الكل إذا شاء لان قوله ما شاء عام في الكل والبعض وقال أبو إسحاق ما نقله الربيع صحيح على ما ذكرناه وما نقله المزني أيضا صحيح فإنه يقتضي أن يبقى من الكل شيء لانه لو أراد وضع الجميع لقال ضعوا عنه مال الكتابة فلما علقه على ما شاء دل على أنه لم يرد الكل فإن قال ضعوا عنه ما قل وما كثر وضع الوارث عنه ما شاء من قليل وكثير لانه ما من قدر إلا وهو قليل بالإضافة إلى ما هو أكثر وكثير بالإضافة إلى ما هو أقل منه فإن قال ضعوا عنه أكثر نجومه وضع عنه أكثرها مالا لان إطلاق الأكثر ينصرف إلى كثرة المال دون طول المدة فإن قال ضعوا عنه أوسط النجوم واجتمع في نجومه أوسط في القدر وأوسط في المدة وأوسط في العدد كان للوارث أن يضع أي الثلاثة شاء لان الوسط يقع على الثلاثة فإن استوى الجميع في المدة والقدر وضع عنه الأوسط في العدد فإن كانت النجوم ثلاثة وضع عنه الثاني فإن كانت أربعة وضع عنه الثاني والثالث فإن كانت خمسة وضع عنه الثالث وعلى هذا القياس فصل وإن كاتب عبده كتابة فاسدة ثم أوصى لرجل بما في ذمته لم تصح الوصية لانه لا شيء له في ذمته فصار كما لو وصى بماله في ذمة حر ولا شيء له في ذمته وإن وصى له بما يقبضه منه صحت الوصية لانه أضاف إلى حال يملكه فصار كما لو وصى له برقبة مكاتب إذا عجزه وفي هذا عندى نظر لانه لا يملكه بالقبض وإنما يعتق بحكم الصفة كما يعتق بقبض الخمر إذا كاتبه عليه ثم لا يملكه وإن وصى برقبته والكتابة فاسدة نظرت فإن لم يعلم بفساد الكتابة ففيه قولان أحدهما أن الوصية جائزة لانها صادفت ملكه
والثاني أنها باطلة لانه وصى وهو يعتقد أنه يملك الوصية وإن وصى بها وهو يعلم أن الكتابة فاسدة صحت الوصية قولا واحدا كما لو باع من رجل شيئا بيعا فاسدا ثم باعه من غيره وهو يعلم فساد البيع ( الأول ) ومن أصحابنا من قال القولان في الجميع ويخالف البيع فإن فاسده لا يجري مجرى الصحيح في الملك وفي الكتابة الفاسدة كالصحيح في العتق والصحيح هو الطريقة الأولى فصل وإن وصى بحج فرض من رأس المال حج عنه من الميقات لان الحج من الميقات وما قبله تسبب إليه فإن وصى به من الثلث ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي إسحاق أنه يحج عنه من بلده فإن عجز الثلث عنه تمم من رأس المال لانه يجب عليه الحج من بلده والثاني وهو قول أكثر أصحابنا أنه من الميقات لان الحج يجب بالشرع من الميقات فحملت الوصية عليه وإن أوصى أن يجعل جميع الثلث في حج الفرض حج عنه من بلده وإن عجز الثلث عن ذلك حج عنه من حيث أمكن من طريقه وإن عجز عن الحج من الميقات تمم من رأس المال ما يحج به من الميقات لان الحج من الميقات مستحق من رأس المال وإنما جعله من الثلث توفيرا على الورثة فإذا لم يف الثلث بالجميع بقي فيما لم يف من رأس المال فصل وإن أوصى بحج التطوع وقلنا إنه تدخله النيابة نظرت فإن قال أحجوا بمائة من ثلثي حج عنه من حيث أمكن وإن لم يوجد من يحج بهذا القدر بطلت الوصية وعاد المال إلى الورثة لانها تعذرت فبطلت كما لو أوصى لرجل بمال فرده وإن قال أحجوا عني بثلثي صرف الثلث فيما أمكن من عدد الحجج فإن اتسع المال لحجة أو حجتين وفضل ما لا يكفي لحجة أخرى من بلده حج من حيث أمكن من دون بلده إلى الميقات فإن عجز الفضل عن حجة من الميقات رد الفضل إلى الورثة وإن أمكن أن يعتمر به لم يفعل لان الموصى له هو الحج دون العمرة فإن قال أحجوا عني حج عنه بأجرة المثل من حيث أمكن من بلده إلى الميقات فإن عجز الثلث عن حجة من الميقات بطلت الوصية لما ذكرناه فصل وإن وصى أن يحج عنه رجل بمائة ويدفع ما يبقى من الثلث إلى آخر وأوصى بالثلث لثالث فقد وصى بثلثي ماله فإن كان الثلث مائة سقطت وصيته للموصى له بالباقي لان وصيته فيما يبقى بعد المائة ولم يبق شيء فإن أجاز الورثة دفع إلى الموصى له بالثلث ثلثه وهو مائة وإلى الموصى له بالمائة مائة وإن لم يجيزوا قسم الثلث بين الموصى له بالثلث وبين الموصى له بالمائة نصفين لانهما اتفقا في قدر ما يستحقان وهو المائة فإن كان الثلث أكثر من مائة وأجاز الورثة دفع الثلث إلى الموصى له بالثلث ودفع مائة إلى الموصى له بالمائة ودفع ما بقي إلى الموصى له بالباقي وإن لم يجيزوا ما زاد على الثلث ردت الوصية إلى نصفها وهو الثلث فيدفع إلى الموصى له بالثلث نصف الثلث وفي النصف الآخر وجهان أحدهما يقدم فيه الموصى له بالمائة ولا يدفع إلى الموصى له بالباقي شيء حتى يأخذ الموصى له بالمائة حقه لانه وإن كان قد اعتد به مع الموصى له بالمائة في إحراز الثلث إلا أن حقه فيما يبقى بعد المائة فلا يأخذ شيئا قبل أن يستوفي الموصى له بالمائة حقه كما اعتد بالأخ من الأب مع الأخ من الأب والأم على الجد في إحراز ثلثي المال ثم لا يأخذ شيئا مع الأخ من الأب والأم فإن كان النصف مائة أو أقل أخذه الموصى له بالمائة وإن كان أكثر أخذ الموصى له بالمائة مائة وأخذ الموصى له بالباقي ما يبقى والوجه الثاني أن الموصى له بالمائة والموصى له بالباقي يقسمان النصف على قدر وصيتهما من الثلث فإن كان الثلث مائتين اقتسما المائة نصفين لكل واحد منهما خمسون
وإن كان مائة وخمسين اقتسما الخمسة والسبعين أثلاثا للموصى له بالمائة خمسون وللموصى له بالباقي خمسة وعشرون وعلى هذا القياس لانه إنما أوصي له بالمائة من كل الثلث لا من بعضه فلم يجز أن يأخذ من نصف الثلث ما كان يأخذ من جميعه كأصحاب المواريث إذا زاحمهم من له فرض أو وصية فصل وإن بدأ فوصى بثلث ماله لرجل ثم وصى لمن يحج عنه بمائة ووصى لآخر بما يبقى من الثلث ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي إسحاق أن الوصية بالباقي بعد المائة باطلة لان الوصية بالثلث تمنع من أن يبقى شيء من الثلث فعلى هذا إن أجاز الورثة نفذت الوصيتان وإن لم يجيزوا ردت الوصية إلى الثلث فإن كان الثلث مائة استوت وصيتهما فيقتسمان الثلث بينهما نصفين وإن كان الثلث خمسمائة قسم الثلث بينهما على ستة أسهم للموصى له بالثلث خمسة أسهم وللموصى له بالمائة سهم فإن كان الثلث ألفا قسم على أحد عشر سهما للموصى له بالثلث عشرة أسهم وللموصى له بالمائة سهم والوجه الثاني وهو قول أبي علي ابن أبي هريرة أن الحكم في هذه المسألة كالحكم في المسألة قبلها لانه إذا أوصى بالمائة بعد الثلث علم أنه لم يرد ذلك الثلث لان الوصية الأولى قد استوعبته وإنما أراد ثلثا ثانيا فإذا أوصى بعد المائة بما يبقى من الثلث دل على أنه أراد ما يبقى من الثلث الثاني فصار موصيا بثلثي ماله كالمسألة قبلها فصل وإن وصى لرجل بعبد ولآخر بما بقي من الثلث قوم العبد مع التركة بعد موت الموصي فإن خرج من الثلث دفع إلى الموصى له فإن بقي من الثلث شيء دفع إلى الآخر وإن لم يبق شيء بطلت الوصية بالباقي لان وصيته فيما بقي وإن أصاب العبد عيب بعد موت الموصى قوم سليما ودفع إلى الموصى له الباقي لانه وصي له بالباقي من قيمته وهو سليم وإن مات العبد بعد موت الموصي بطلت الوصية فيه وقوم وقت الموت مع التركة ودفع إلى الموصى له الباقي من الثلث لانهما وصيتان فلا تبطل إحداهما ببطلان الأخرى كما لو وصى لرجلين فرد أحدهما فصل فإن وصى له بمنفعة عبد ملك الموصى له منافعه واكتسابه فإن كان جارية ملك مهرها لانه بدل منفعتها ولا يجوز للمالك وطؤها لانه تملك الرقبة من غير منفعة ( ولا للموصى له وطؤها لانه تملك المنفعة من غير الرقبة ) والوطء لا يجوز إلا في ملك تام ويجوز تزويجها لاكتساب المهر وفيمن يملك العقد ثلاثة أوجه أحدها يملكه الموصى له بالمنفعة لان المهر له والثاني يملكه المالك لانه يملك رقبتها والثالث لا يصح العقد إلا باتفاقهما لان لكل واحد منهما حقا فلا ينفرد به أحدهما دون الآخر فإن أتت بولد مملوك ففيه وجهان أحدهما أنه للموصى له لانه من جملة فوائدها فصار كالكسب والثاني أنه كالأم رقبته للمالك ومنفعته للموصى له لانه جزء من الأم فكان حكمه حكم الأم فإن قتل ففي قيمته وجهان أحدهما أنها للمالك لانها بدله فكانت له والثاني وهو الصحيح أنه يشتري به مثله للمالك رقبته وللموصى له منفعته لانه قائم مقام الأصل فكان حكمه حكم الأصل فإن جنى على طرفه ففي أرشه وجهان أحدهما أنه للمالك لانه بدل ملكه والثاني وهو الصحيح أن ما قابل منه ما نقص من قيمة الرقبة للمالك وما قابل منه ما نقص من المنفعة للموصى له لانه دخل النقص عليهما فقسط الأرش عليهما فإن احتاج العبد إلى نفقة ففيه ثلاثة أوجه أحدها وهو قول أبي سعيد الإصطخري أن النفقة على الموصى له بالمنفعة لان الكسب له والثاني أنها على المالك وهو قول أبي علي بن أبي هريرة لان النفقة على الرقبة فكانت على مالكها والثالث أنها فى كسبه فإن لم يف الكسب ففي بيت المال لانه لا يمكن إيجابها على المالك لانه لا يملك الانتفاع ولا على الموصى له لانه لا يملك الرقبة فلم يبق إلا ما قلناه
فإن احتاج البستان الموصى بثمرته إلى سقي أو الدار الموصى بمنفعتها إلى عمارة لم يجب على واحد منهما لانه لو انفرد كل واحد منهما بملك الجميع لم يجبر على الإنفاق فإذا اشتركا لم يجب فصل فإن أراد المالك بيع الرقبة ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يجوز لانه يملكها ملكا تاما والثاني أنه لا يجوز لانها عين مسلوبة المنفعة فلم يجز بيعها كالأعيان التي لا منفعة فيها والثالث يجوز بيعها من الموصى له لانه يمكنه الانتفاع بها ولا يجوز من غيره لانه لا يمكنه الانتفاع بها فإن أراد أن يعتقه جاز لانه يملكه ملكا تاما وللموصى له أن يستوفي المنفعة بعد العتق لانه تصرف في الرقبة فلم يبطل به حق الموصي له من المنفعة ولا يرجع العبد على المالك بأجرته كما يرجع العبد المستأجر على مولاه بعد العتق في أحد القولين لان هناك ملك المولى بدل منفعته ولم يملك المولى ههنا بدل المنفعة باب الرجوع في الوصية يجوز الرجوع في الوصية لانها عطية لم تزل الملك فجاز الرجوع فيها كالهبة قبل القبض ويجوز الرجوع بالقول والتصرف لانه فسخ عقدا قبل اتمامه فجاز بالقول والتصرف كفسخ البيع في مدة الخيار وفسخ الهبة قبل القبض وإن قال هو حرام عليه فهو رجوع لانه لا يجوز أن يكون وصية له وهو محرم عليه فإن قال لوارثي فهو رجوع لانه لا يجوز أن يكون للوارث وللموصى له وإن قال هو تركتي ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لان التركة للورثة والثاني أنه ليس برجوع لان الوصية من جملة التركة فصل وإن وصى لرجل بعبد ثم وصى به لآخر لم يكن ذلك رجوعا لامكان أن يكون نسي الأول أو قصد الجمع بينهما فإن قال ما وصيت به لفلان فقد وصيت به لآخر فهو رجوع ومن أصحابنا من قال ليس برجوع كالمسألة قبلها والمذهب الأول لانه صرح بالرجوع فصل وإن باعه أو وهبه وأقبض أو أعتقه أو كاتبه أو أوصى أن يباع أو يوهب ويقبض أو يعتق أو يكاتب فهو رجوع لانه صرفه عن الموصى له وإن عرضه للبيع أو رهنه في دين أو وهبه ولم يقبضه فهو رجوع لان تعريضه لزوال الملك صرف عن الموصى له ومن أصحابنا من قال إنه ليس برجوع لانه لم يزل الملك وليس بشيء وإن وصى بثلث ماله ثم باع ماله لم يكن ذلك رجوعا لان الوصية بثلث المال عند الموت لا بثلث ما باعه فإن وصى بعبد ثم دبره فإن قلنا إن التدبير عتق بصفة كان ذلك رجوعا لانه عرضه لزوال الملك وإن قلنا إنه وصية وقلنا في أحد القولين إن العتق يقدم على سائر الوصايا كان ذلك رجوعا لانه أقوى من الوصية فأبطلها وإن قلنا إن العتق كسائر الوصايا ففيه وجهان أحدهما أنه ليس برجوع فيكون نصفه مدبرا ونصفه موصى به كما لو أوصى به لرجل ثم وصى به لآخر والثاني أنه رجوع لان التدبير أقوى لانه يتنجز من غير قبول والوصية لا تتم إلا بالقبول فقدم التدبير كما يقدم ما تنجز في حياته من التبرعات على الوصية فصل وإن وصى له بعبد ثم زوجه أو أجره أو علمه صنعة أو ختنه لم يكن ذلك رجوعا لان هذه التصرفات لا تنافي الوصية فإن كانت جارية فوطئها لم يكن ذلك رجوعا لانه استيفاء منفعة فلم يكن رجوعا كالاستخدام وقال أبو بكر بن الحداد المصري إن عزل عنها لم يكن رجوعا وإن لم يعزل عنها كان رجوعا لانه قصد التسري بها فصل وإن وصى بطعام معين فخلطه بغيره كان ذلك رجوعا لانه جعله على صفة لا يمكن تسليمه فإن وصى بقفيز من صبرة ثم خلط الصبرة بمثلها لم يكن ذلك رجوعا لان الوصية مختلطة بمثلها والذي خلطه به مثله فلم يكن رجوعا فإن خلطه بأجود منه كان رجوعا لانه أحدث فيه بالخلط زيادة لم يرض بتمليكها
فإن خلطه بما دونه ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه ليس برجوع لانه نقص أحدثه فيه فلم يكن رجوعا كما لو أتلف بعضه والثاني أنه رجوع لانه يتغير بما دونه كما يتغير بما هو أجود منه فإن نقله إلى بلد أبعد من بلد الموصى له ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه لو لم يرد الرجوع لما أبعده عنه والثاني أنه ليس برجوع لانه باق على صفته فصل فإن وصى بحنطة فقلاها أو بذرها كان ذلك رجوعا لانه جعله كالمستهلك وإن وصى بحنطة فطحنها أو بدقيق فعجنه أو بعجين فخبزه كان ذلك رجوعا لانه أزال عنه الاسم ولانه جعله للاستهلاك وإن وصى له بخبز فجعله فتيتا ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه أزال عنه إطلاق اسم الخبز فأشبه إذا ثرده والثاني ليس برجوع لان الاسم باق عليه لانه يقال خبز مدقوق وإن وصى برطب فجعله تمرا ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه أزال عنه اسم الرطب والثاني ليس برجوع لانه أبقى له وأحفظ على الموصى له فصل وإن وصى بقطن فغزله أو بغزل فنسجه كان ذلك رجوعا لانه أزال عنه الاسم وإن أوصى له بقطن فحشى به فراشا ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه جعله للاستهلاك والثاني ليس برجوع لان الاسم باق عليه فصل وإن أوصى له بثوب فقطعه أو بشاة فذبحها كان رجوعا لانه أزال عنه الاسم ولانه جعله للاستهلاك وإن وصى له بلحم فطبخه أو شواه كان ذلك رجوعا لانه جعله للأكل وإن قدده ففيه وجهان كما قلنا في الرطب إذا جعله تمرا فصل وإن وصى له بثوب فقطعه قميصا أو بساج فجعله بابا ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه أزال عنه إطلاق اسم الثوب والساج ولانه جعله للاستعمال والثاني أنه ليس برجوع لان اسم الثوب والساج باق عليه فصل وإن وصى بدار فهدمها كان رجوعا لانه تصرف أزال به الاسم فكان رجوعا كما لو وصى بحنطة فطحنها وإن تهدمت نظرت فإن لم يزل عنها اسم الدار فالوصية باقية فيما بقي وأما ما انفصل عنها فالمنصوص أنه خارج من الوصية لانه انفصل عن الموصى به في حياة الموصى وحكى القاضي أبو القاسم ابن كج رحمه الله وجها آخر أنه للموصى له لانه تناولته الوصية فلم يخرج منها بالانفصال وإن زال عنها اسم الدار ففي الباقي من العرصة وجهان أحدهما أنه تبطل فيه الوصية لانه أزال عنها اسم الدار والثاني لا تبطل لانه لم يوجد من جهته ما يدل على الرجوع فصل وإن وصى له بأرض فزرعها لم يكن ذلك رجوعا لانه لا يراد للبقاء وقد يحصل قبل الموت فلم يكن رجوعا وإن غرسها أو بنى فيها ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه جعلها لمنفعة مؤبدة فدل على الرجوع والثاني ليس برجوع لانه استيفاء منفعة فهو كالزراعة فعلى هذا في موضع الأساس وقرار الغراس وجهان أحدهما أنه لا تبطل فيه الوصية كالبياض الذي بينهما فإذا مات الغراس أو زال البناء عاد إلى الموصى له والثاني أنه تبطل الوصية فيه لانه جعله تابعا لما عليه فصل وإن أوصى له بسكنى دار سنة فأجرها دون السنة لم يكن ذلك رجوعا لانه قد تنقضي الإجارة قبل الموت فإن مات قبل انقضاء الإجارة ففيه وجهان أحدهما يسكن مدة الوصية بعد انقضاء الإجارة والثاني أنه تبطل الوصية بقدر ما بقي من مدة الإجارة وتبقى في مدة الباقي باب الأوصياء لا تجوز الوصية إلا إلى بالغ عاقل حر عدل فأما الصبي والمجنون والعبد والفاسق فلا تجوز الوصية إليهم لانه لا حظ للميت ولا للطفل في نظر هؤلاء ولهذا لم تثبت لهم الولاية
وأما الكافر فلا تجوز الوصية إليه في حق المسلم لقوله عز وجل لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم ولانه غير مأمون على المسلم ولهذا قال الله تعالى لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وفي جواز الوصية إليه في حق الكافر وجهان أحدهما أنه يجوز لانه يجوز أن يكون وليا له فجاز أن يكون وصيا له كالمسلم والثاني لا يجوز كما لا تقبل شهادته للكافر وللمسلم فصل وتجوز الوصية إلى المرأة لما روي أن عمر رضي الله عنه وصى إلى ابنته حفصة في صدقته ما عاشت فإذا ماتت فهو إلى ذوي الرأي من أهلها ولانها من أهل الشهادة فجازت الوصية إليها كالرجل واختلف أصحابنا في الأعمى فمنهم من قال تجوز الوصية إليه لانه من أهل الشهادة فجازت الوصية إليه كالبصير ومنهم من قال لا تجوز الوصية لانه تفتقر الوصية إلى عقود لا تصح من الأعمى وفضل نظر لا يدرك إلا بالعين فصل واختلف أصحابنا في الوقت الذي تعتبر فيه الشروط التي تصح بها الوصية إليه فمنهم من قال يعتبر ذلك عند الوفاة فإن وصى إلى صبي فبلغ أو كافر فأسلم أو فاسق فصار عدلا قبل الوفاة صحت الوصية لان التصرف بعد الموت فاعتبرت الشروط عنده كما تعتبر عدالة الشهود عند الأداء أو الحكم دون التحمل ومنهم من قال تعتبر عند العقد وعند الموت ولا تعتبر فيما بينهما لان حال العقد حال الإيجاب وحال الموت حال التصرف فاعتبر فيهما ومنهم من قال تعتبر في حال الوصية وفيما بعدها لان كل وقت من ذلك يجوز أن يستحق فيه التصرف بأن يموت فاعتبرت الشروط في الجميع فصل وإن وصى إلى رجل فتغير حاله بعد موت الموصي فإن كان لضعف ضم إليه معين أمين وإن تغير بفسق أو جنون بطلت الوصية إليه ويقيم الحاكم من يقوم مقامه فصل ويجوز أن يوصى إلى نفسين لما روي أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت النظر في وقفها إلى علي كرم الله وجهه فإن حدث به حدث رفعه إلى ابنيها فيليانها ويجوز أن يجعل إليهما وإلى كل واحد منهما لانه تصرف مستفاد بالإذن فكان على حسب الإذن فإن جعل إلى كل واحد منهما جاز لكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف فإن ضعف أحدهما أو فسق أو مات جاز للآخر أن يتصرف ولا يقام مقام الآخر غيره لان الموصي رضي بنظر كل واحد منهما وحده فإن وصى إليهما لم يجز لاحدهما أن ينفرد بالتصرف لانه لم يرض بأحدهما فإن ضعف أحدهما ضم إليه من يعينه فإن فسق أحدهما أو مات أقام الحاكم من يقوم مقامه لان الموصي لم يرض بنظره وحده فإن أراد الحاكم أن يفوض الجميع إلى الثاني لم يجز لانه لم يرض الموصي باجتهاده وحده فإن ماتا أو فسقا فهل للحاكم أن يفوض إلى واحد فيه وجهان أحدهما يجوز لانه سقط حكم الوصية بموتهما وفسقهما فكان الأمر فيه إلى الحاكم والثاني لا يجوز لانه لم يرض بنظر واحد وإن اختلف الوصيان في حفظ المال جعل بينهما نصفين فإذا بلغا إلى التصرف فإن كان التصرف إلى كل واحد منهما تصرف كل واحد منهما في الجميع وإن كان إليهما لم يجز لاحدهما أن ينفرد بالتصرف دون الآخر فصل ومن وصي إليه في شيء لم يصر وصيا في غيره ومن وصي إليه إلى مدة لم يصر وصيا بعد المدة لانه تصرف بالإذن فكان على حسب الإذن فصل وللوصي أن يوكل فيما لم تجر به العادة أن يتولاه بنفسه كما قلنا في الوكيل ولا يجوز أن يوصى إلى غيره لانه يتصرف بالإذن فلم يملك الوصية كالوكيل