Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)
وإن لم يقبل حتى مات الموصي فقال لا أقبل ثم قال أقبل فله ذلك إن لم يكن القاضي أخرجه من الوصية حين قال لا أقبل لأن بمجرد قوله لا أقبل لا يبطل الإيصاء لأن في إبطاله ضررا بالميت وضرر الوصي في الإبقاء مجبور بالثواب ودفع الأول وهو أعلى أولى إلا أن القاضي إذا أخرجه عن الوصاية يصح ذلك لأنه مجنهد فيه إذ للقاضي ولاية دفع الضرر وربما يعجز عن ذلك فيتضرر ببقاء الوصاية فيدفع القاضي الضرر عنه وينصب حافظا لمال الميت متصرفا فيه فيندفع الضرر من الجانبين فلهذا ينفذ إخراجه فلو قال بعد إخراج القاضي إياه أقبل لم يلتفت إليه لأنه قبل بعد بطلان الوصاية بإبطال القاضي قال ومن أوصى إلى عبد أو كافر أو فاسق أخرجهم القاضي عن الوصاية ونصب غيرهم وهذا اللفظ يشير إلى صحة الوصية لأن الإخراج يكون بعدها وذكر محمد رحمه الله في الأصل أن الوصية باطلة قيل معناه في جميع هذه الصور أن الوصية ستبطل وقيل معناه في العبد باطل حقيقة لعدم ولايته واستبداده وفي غيره معناه ستبطل وقيل في الكافر باطل أيضا لعدم ولايته على المسلم ووجه الصحة ثم الإخراج أن أصل النظر ثابت لقدرة العبد حقيقة وولاية الفاسق على أصلنا وولاية الكافر في الجملة إلا أنه لم يتم النظر لتوقف ولاية العبد على إجازة المولى وتمكنه من الحجر بعدها والمعاداة الدينية الباعثة للكافر على ترك النظر في حق المسلم واتهام الفاسق بالخيانة فيخرجه القاضي من الوصاية ويقيم غيره مقامه إتماما للنظر وشرط في الأصل أن يكون الفاسق مخوفا عليه في المال وهذا يصلح عذرا في إخراجه وتبديله بغيره قال ومن أوصى إلى عبد نفسه وفي الورثة كبار لم تصح الوصية لأن للكبير أن يمنعه أو يبيع نصيبه فيمنعه المشتري فيعجز عن الوفاء بحق الوصاية فلا يفيد فائدته وإن كانوا صغارا كلهم فالوصية إليه جائزة عند أبي حنيفة رحمه الله ولا تجوز عندهما وهو القياس وقيل قول محمد رحمه الله مضطرب يروى مرة مع أبي حنيفة وتارة مع أبي يوسف وجه القياس أن الولاية منعدمة لما أن الرق ينافيها ولأن فيه إثبات الولاية للمملوك على المالك وهذا قلب المشروع ولأن الولاية الصادرة من الأب لا تتجزأ وفي اعتبار هذه تجزئتها لأنه لا يملك بيع رقبته وهذا نقض الموضوع وله أنه مخاطب مستبد بالتصرف فيكون أهلا للوصاية وليس لأحد عليه ولاية فإن الصغار وإن كانوا ملاكا ليس لهم ولاية المنع فلا منافاة وإيصاء المولى إليه يؤذن بكونه ناظرا لهم وصار كالمكاتب والوصاية قد تتجزأ على ماهو المروي عن أبي حنيفة رحمه الله أو نقول يصار إليه كيلا يؤدي إلى إبطال أصله وتغيير الوصف لتصحيح الأصل أولى قال ومن يعجز عن القيام بالوصية ضم إليه القاضي غيره رعاية لحق الموصي والورثة وهذا لأن تكميل النظر يحصل بضم الآخر إليه لصيانته ونقص كفايته فيتم النظر بإعانة غيره ولو شكى إليه الوصي ذلك لا يجيبه حتى يعرف ذلك حقيقة لأن الشاكي قد يكون كاذبا تخفيفا على نفسه وإذا ظهر عند القاضي عجزه أصلا استبدل به رعاية للنظر من الجانبين ولو كان قادرا على التصرف أمينا فيه ليس للقاضي أن يخرجه لأنه لو اختار غيره كان دونه لما أنه كان مختار الميت ومرضيه فإبقاؤه أولى ولهذا قدم على أب الميت مع وفور شفقته فأولى أن يقدم على غيره وكذا إذا شكى الورثة أو بعضهم الوصي إلى القاضي فإنه لا ينبغي له أن يعزله حتى يبدو له منه خيانة لأنه استفاد الولاية من الميت غير أنه إذا ظهرت الخيانة فالميت إنما نصبه وصيا لأمانته وقد فاتت ولو كان في الأحياء لأخرجه منها فعند عجزه ينوب القاضي منابه كأنه لا وصي له
قال ومن أوصى إلى اثنين لم يكن لأحدهما أن يتصرف عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله دون صاحبه إلا في أشياء معدودة نبينها إن شاء الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله ينفرد كل واحد منهما بالتصرف في جميع الأشياء لأن الوصاية سبيلها الولاية وهي وصف شرعي لا تتجزأ فيثبت لكل منهما كملا كولاية الإنكاح للأخوين وهذا لأن الوصاية خلافة وإنما تتحقق إذا انتقلت الولاية إليه على الوجه الذي كان ثابتا للموصى وقد كان بوصف الكمال ولأن اختيار الأب إياهما يؤذن باختصاص كل واحد منهما بالشفقة فينزل ذلك منزلة قرابة كل واحد منهما ولهما أن الولاية تثبت بالتفويض فيراعى وصف التفويض وهو وصف الاجتماع إذ هو شرط مقيد وما رضي الموصي إلا بالمثنى وليس الواحد كالمثنى بخلاف الأخوين في الإنكاح لأن السبب هناك القربة وقد قامت بكل منهما كملا ولأن الإنكاح حق مستحق لها على الولي حتى لو طالبته بإنكاحها من كفء يخطبها يجب عليه وههنا حق التصرف للوصي ولهذا يبقى مخيرا في التصرف ففي الأول أوفى حقا على صاحبه فصح وفي الثاني استوفى حقا لصاحبه فلا يصح أصله الدين الذي عليهما ولهما بخلاف الأشياء المعدودة لأنها من باب الضرورة لا من باب الولاية ومواضع الضرورة مستثناه أبدا وهي ما استثناه في الكتاب وأخواتها فقال إلا في شراء كفن الميت وتجهيزه لأن في التأخير فساد الميت ولهذا يملكه الجيران عند ذلك وطعام الصغار وكسوتهم لأنه يخاف موتهم جوعا وعريا ورد الوديعة بعينها ورد المغصوب والمشترى شراء فاسدا وحفظ الأموال وقضاء الديون لأنها ليست من باب الولاية فإنه يملكه المالك وصاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه وحفظ المال بملكه من يقع في يده فكان من باب الإعانة ولأنه لا يحتاج فيه إلى الرأي وتنفيذ وصية بعينها وعتق عبد بعينه لأنه لا يحتاج فيه إلى الرأي والخصومة في حق الميت لأن الاجتماع فيها متعذر ولهذا ينفرد بها أحد الوكيلين وقبول الهبة لأن في التأخير خيفة الفوات ولأنه يملكه الأم والذي في حجره فلم يكن من باب الولاية وبيع ما يخشى عليه التوى والتلف لأن فيه ضرورة لا تخفى وجمع الأموال الضائعة لأن في التأخير خشية الفوات ولأنه يملكه كل من وقع في يده فلم يكن من باب الولاية وفي الجامع الصغير وليس لأحد الوصيين أن يبيع أو يتقاضى والمراد بالتقاضي الاقتضاء كذا كان المراد منه في عرفهم وهذا لأنه رضي بأمانتهما جميعا في القبض ولأنه في معنى المبادلة لا سيما عند اختلاف الجنس على ما عرف فكان من باب الولاية ولو أوصى إلى كل واحد على الانفراد قيل ينفرد كل واحد منهما بالتصرف بمنزلة الوكيلين إذا وكل كل واحد على الانفراد وهذا لأنه لما أفرد فقد رضي برأي الواحد وقيل الخلاف في الفصلين واحد وهو الأصح لأن وجوب الوصية عند الموت بخلاف الوكيلين لأن الوكالة تتعاقب فإن مات أحدهما جعل القاضي مكانه وصيا آخر أما عندهما فلأن الباقي عاجز عن التفرد بالتصرف فيضم القاضي إله وصيا آخر نظرا للميت عند عجزه وعن أبي يوسف رحمه الله الحي منهما وإن كان يقدر على التصرف فالموصي قصد أن يخلفه متصرفا في حقوقه وذلك ممكن التحقق بنصب وصي آخر مكان الميت ولو ان الميت مهما أوصى إلى الحي فللحي أن يتصرف وحده في ظاهر الرواية بمنزلة ما إذا أوصي إلى شخص آخر ولا يحتاج القاضي إلى نصب وصي آخر لأن رأي الميت باق حكما برأي من يخلفه وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا ينفرد بالتصرف لأن الموصى مارضي بتصرفه وحده بخلاف ما إذا أوصى إلى غيره لأنه ينفذ برأي المثنى كما رضيه المتوفي وإذا مات الوصي وأوصى إلى آخر فهو وصية في تركته وتركة الميت الأول عندنا
وقال الشافعي رحمه الله لا يكون وصيا في تركة الميت الأول اعتبارا بالتوكيل في حالة الحياة والجامع بينهما أنه رضي برأيه لا برأي غيره ولنا أن الوصي يتصرف بولاية منتقلة إليه فيملك الإيصاء إلى غيره كالجد ألا يرى أن الولاية التي كانت ثابتة للموصي تنتقل إلى الوصي في المال وإلى الجد في النفس ثم الجد قائم مقام الأب فيما انتقل إليه فكذا الوصي وهذا لأن الإيصاء إقامة غيره مقامه فيما له ولايته وعند الموت كانت له ولاية في التركتين فينزل الثاني منزلته فيهما ولأنه لما استعان به في ذلك مع علمه أنه قد تعتريه المنية قبل تتميم مقصوده بنفسه وهو تلافي ما فرط منه صار راضيا بإيصائه إلى غيره بخلاف الوكيل لأن الموكل حي يمكنه أن يحصل مقصوده بنفسه فلا يرضى بتوكيل غيره والإيصاء إليه قال ومقاسمة الوصي الموصي له عن الورثة جائزة ومقاسمته الورثه عن الموصى له باطلة لأن الوارث خليفة الميت حتى يرد بالعيب ويرد عليه به ويصير مغرورا بشراء المورث والوصي خليفة الميت أيضا فيكون خصما عن الوارث إذا كان غائبا فصحت قسمته عليه حتى لو حضر وقد هلك ما في يد الوصي ليس له أن يشارك الموصى له أما الموصى له فليس بخليفة عن الميت من كل وجه لأنه ملكه بسبب جديد ولهذا لا يرد بالعيب ولا يرد عليه ولا يصير مغرورا بشراء الموصى فلا يكون الوصي خليفة عنه عند غيبته حتى لو هلك ما أفرز له عند الوصي كان له ثلث ما بقي لأن القسمة لم تنفذ عليه غير أن الوصي لا يضمن لأنه أمين فيه وله ولاية الحفظ في التركة فصار كماإذا هلك بعض التركة قبل القسمة فيكون له ثلث الباقي لأن الموصي له شريك الوارث فيتوى ما توى من المال المشترك على الشركة ويبقى ما بقي على الشركة قال فإن قاسم الورثة وأخذ نصيب الموصى له فضاع رجع الموصى له بثلث ما بقي لما بينا قال وإن كان الميت أوصى بحجة فقاسم في الورثة فهل ما في يده حج عن الميت من ثلث ما بفي وكذلك إن دفعه إلى رجل ليحج عنه فضاع ما في يده وقال أبو يوسف رحمه الله إن كان مستغرقا للثلث لم يرجع بشيء وإلا يرجع بتمام الثلث وقال محمد رحمه الله لا يرجع بشيء لأن القسمة حق الموصي ولو أفرز الموصى بنفسه مالا ليحج عنه فهلك لا يلزمه شيء وبطلت الوصية فكذا إذا أفرزه وصيه الذي قام مقامه ولأبي يوسف رحمه الله أن محل الوصية الثلث فيجب تنفيذها ما بقي محلها وإذا لم يبق بطلت لفوات محلها ولأبي حنيفة رحمه الله أن القسمة لا تراد لذاتها بل لمقصودها وهو تأدية الحج فلم تعتبر دونه وصار كما إذا هلك قبل القسمة فيحج بثلث ما بقي ولأن تمامها بالتسليم إلى الجهة المسماة إذ لاقابض لها فإذا لم يصرف إلى ذلك الوجه لم يتم فصار كهلاكه قبلها قال ومن أوصى بثلث ألف درهم فدفعها الورثة إلى القاضي فقسمها والموصى له غائب فقسمته جائزة لأن الوصية صحيحة ولهذا لو مات الموصى له قبل القبول تصير الوصية ميراثا لورثته والقاضي نصب ناظرا لا سيما في حق الموتى والغيب ومن النظر إفراز نصيب الغائب وقبضه فنفذ ذلك وصح حتى لو حضر الغائب وقد هلك المقبوض لم يكن له على الورثه سبيل قال وإذا باع الوصي عبدا من التركة بغير محضر من الغرماء فهو جائز لأن الوصي قائم مقام الموصي ولو تولى حيا بنفسه يجوز بيعه بغير محضر من الغرماء وإن كان في مرض موته فكذا إذا تولاه من قام مقامه وهذا لأن حق الغرماء متعلق بالمالية لا بالصورة والبيع لا يبطل المالية لفواتها إلى خلف وهو الثمن بخلاف العبد المديون لأن للغرماء حق الاستسعاء وأما ههنا فبخلافه
قال ومن أوصى بأن يباع عبد ويتصدق بثمنه على المساكين فباعه الوصي وقبض الثمن فضاع في يده فاستحق العبد ضمن الوصي لأنه هو العاقد فتكون العهدة عليه وهذه عهدة لأن المشترى منه ما رضي ببذل الثمن إلا ليسلم له المبيع ولم يسلم فقد أخذ الوصي البائع مال الغير بغير رضاه فيجب عليه رده قال ويرجع فيما ترك الميت لأنه عامل له فيرجع عليه كالوكيل وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول أولالا يرجع لأنه ضمن بقبضه ثم رجع إلى ما ذكرنا ويرجع في جميع التركة وعن محمد رحمه الله أنه يرجع في الثلث لأن الرجوع بحكم الوصية فأخذ حكمها ومحل الوصية الثلث وجه الظاهر أنه يرجع عليه بحكم الغرور وذلك دين عليه والدين يقضى من جميع التركة بخلاف القاضي أو أمينه إذا تولى البيع حيث لا عهدة عليه لأن في إلزامها القاضي تعطيل القضاء إذ يتحامى عن تقلد هذه الأمانة حذرا عن لزوم الغرامة فتتعطل مصلحة العامة وأمينه سفير عنه كالرسول ولا كذلك الوصي لأنه يمنزلة الوكيل وقد مر في كتاب القضاء فإن كانت التركة قد هلكت أو لم يكن بها وفاء لم يرجع بشيء كما إذا كان على الميت دين آخر قال وإن قسم الوصي الميراث فأصاب صغيرا من الورثة عبد فباعه وقبض الثمن فهلك واستحق العبد رجع في المال الصغير لأنه عامل له ويرجع الصغير على الورثة بحصته لانتقاض القسمة باستحقاق ما أصابه قال وإذا احتال الوصي بمال اليتيم فإن كان خيرا لليتيم جاز وهو أن يكون أملا إذ الولاية نظرية وإن كان الأول أملا لا يجوز لأن فيه تضييع مال اليتيم على بعض الوجوه قال ولا يجوز بيع الوصي ولا شراؤه إلا بما يتغابن الناس في مثله لأنه لا نظر في الغبن الفاحش بخلاف اليسير لأنه لا يمكن التحرز عنه ففي اعتباره انسداد بابه والصبي المأذون والعبد المأذون والمكاتب يجوز بيعهم وشراؤهم بالغبن الفاحش عند أبي حنيفة لأنهم يتصرفون بحكم المالكية والإذن فك الحجر بخلاف الوصي لأنه يتصرف بحكم النيابة الشرعية نظرا فيتقيد بموضع النظر وعندهما لا يملكونه لأن التصرف بالفاحش تبرع لا ضرورة فيه وهم ليسوا من اهله وإذا كتب كتاب الشراء على وصي كتب كتاب الوصية على حدة وكتاب الشراء على حدة لأن ذلك أحوط ولو كتب جملة عسى أن يكتب الشاهد شهادته في آخره من غير تفصيل فيصير ذلك حملا له على الكذب ثم قيل يكتب اشترى من فلان ابن فلان ولا يكتب من فلان وصى فلان لما بينا وقيل لا بأس بذلك لأن الوصاية تعلم ظاهرا قال وبيع الوصي على الكبير الغائب جائز في كل شيء إلا في العقار لأن الأب يلي ما سواه ولا يليه فكذا وصيه فيه وكان القياس أن لايملك الوصي غير العقار أيضا لأنه لا يملكه الأب على الكبير إلا أنا استحسناه لما أنه حفظ لتسارع الفساد إليه وحفظه الثمن أيضا وهو يملك الحفظ أما العقار فمحصن بنفسه قال ولا يتجر في المال لأن المفوض إليه الحفظ دون التجارة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وصى الأخ في الصغير والكبير الغائب بمنزلة وصي الأب في الكبير الغائب وكذا وصي الأم ووصي العم وهذا الجواب في تركة هؤلاء لأن وصيهم قائم مقامهم وهم يملكون ما يكون من باب الحفظ فكذا وصيهم قال والوصي أحق بمال الصغير من الجد وقال الشافعي رحمه الله الجد أحق لأن الشرع أقامه مقام الأب حال عدمه حتى أحرز الميراث فيقدم على وصيه ولنا أن بالإيصاء تنتقل ولاية الأب إليه فكانت ولايته قائمة معنى فيقدم عليه كالأب نفسه وهذا لأن اختياره الوصي مع علمه بقيام الجد يدل على أن تصرفه أنظر لبنيه من تصرف أبيه فإن لم يوص الأب فالجد بمنزلة الأب لأنه أقرب الناس إليه وأشفقهم عليه حتى يملك الإنكاح دون الوصي غير أنه يقدم عليه وصي الأب في التصرف لما بيناه فصل في الشهادة قال وإذا شهد الوصيان أن الميت أوصى إلى فلان معهما فالشهادة باطلة لأنهما متهمان فيها لإثباتهما معينا لأنفسهما
قال إلا أن يدعيها المشهود له وهذا استحسان وهو في القياس كالأول لما بينا من التهمة وجه الاستحسان أن للقاضي ولاية نصب الوصي ابتداء أوضم آخر إليهما برضاه بدون شهادتهما فيسقط بشهادتهما مؤنة التعيين عنه أما الوصاية فتثبت بنصب القاضي قال وكذلك الابنان معناه إذا شهدا أن الميت أوصى إلى رجل وهو ينكر لأنهما يجران إلى أنفسهما نفعا بنصب حافظ للتركة ولو شهدا يعني الوصيين لوارث صغير بشيء من مال الميت أو غيره فشهادتهما باطلة لأنهما يظهران ولاية التصرف لأنفسهما في المشهود به قال وإن شهدا لوارث كبير في مال الميت لم يجز وإن كان في غيرمال الميت جاز وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا إن شهدا لوارث كبير تجوز في الوجهين لأنه لا يثبت لهما ولاية التصرف في التركة إذا كانت الورثة كبارا فعريت عن التهمة وله أنه يثبت لهما ولاية الحفظ وولاية بيع المنقول عند غيبة الوارث فتحققت التهمة بخلاف شهادتهما في غير التركة لانقطاع ولاية وصي الأب عنه لأن الميت أقامه مقام نفسه في تركته لا في غيرها قال وإذا شهد رجلان لرجلين على ميت بدين ألف درهم وشهد الآخران للأولين بمثل ذلك جازت شهادتهما فإن كانت شهادة كل فريق للآخر بوصية ألف درهم لم تجز وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله لا تقبل في الدين أيضا وأبو حنيفة رحمه الله فيما ذكر الخصاف مع أبي يوسف رحمه الله وعن أبي يوسف رحمه الله مثل قول محمد رحمه الله وجه القبول أن الدين يجب في الذمة وهي قابلة لحقوق شتى فلا شركة ولهذا لو تبرع أجنبي بقضاء دين احدهما ليس للآخر حق المشاركة وجه الرد أن الدين بالموت يتعلق بالتركة إذ الذمة خربت بالموت ولهذا لو استوفى أحدهما حقه من التركة يشاركه الآخر فيه فكانت الشهادة مثبتة حق الشركة فتحققت التهمة بخلاف حال حياة المديون لأنه في الذمة لبقائها لا في المال فلا تتحقق الشركة قال ولو شهدا أنه أوصى لهذين الرجلين بجاريته وشهد المشهود لهما أن الميت أوصى للشاهدين بعبده جازت الشهادة بالاتفاق لأنه لا شركة فلا تهمة ولو شهدا أنه أوصى لهذين الرجلين بثلث ماله وشهد المشهود لهما أنه أوصى للشاهدين بثلث ماله فالشهادة باطلة وكذا إذا شهد الأولان أن الميت أوصى لهذين الرجلين بعبد وشهد المشهود لهما أنه أوصى للأولين بثلث ماله فهي باطلة لأن الشهادة في هذه الصورة مثبتة للشركة 1 كتاب الخنثى فصل في بيانه 1 قال وإذا كان للمولود فرج وذكر فهو خنثى فإن كان يبول من الذكر فهو غلام إن كان يبول من الفرج فهو أنثى لأن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عنه كيف يورث فقال من حيث يبول وعن علي رضي الله عنه مثله ولأن البول من أي عضو كان فهو دلالة على أنه هو العضو الأصلي الصحيح والآخر بمنزلة العيب وإن بال منهما فالحكم للأسبق لأن ذلك دلالة أخرى على أنه هو العضو الأصلي وإن كانا في السبق على السواء فلا معتبر بالكثرة عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا ينسب إلى أكثرهما بولا لأنه علامة قوة ذلك العضو وكونه عصوا أصليا ولأن للأكثر حكم الكل في أصول الشرع فيترجح بالكثرة وله أن كثرة الخروج ليس يدل على القوة لأنه قد يكون لاتساع في أحدهما وضيق في الآخر وإن كان يخرج منهما على السواء فهو مشكل بالاتفاق لأنه لا مرجح قال وإذا بلغ الخنثى وخرجت له لحية أو وصل إلى النساء فهو رجل وكذا إذا احتلم كما يحتلم الرجل أو كان له ثدي مستو لأن هذه من علامات الذكران ولو ظهر له ثدي كثدي المرأة أو نزل له لبن في ثديه أو حاض أو حبل أو أمكن الوصول إليه من الفرج فهو امرأة لأن هذه من علامات النساء وإن لم يظهر إحدى هذه العلامات فهو خنثى مشكل وكذا إذا تعارضت هذه المعالم فصل في أحكامه
قال رضي الله عنه الأصل في الخنثى المشكل أن يؤخذ فيه بالأحوط والأوثق في أمور الدين وأن لا يحكم بثبوت حكم وقع الشك في ثبوته قال وإذا وقف خلف الإمام قام بين صف الرجال والنساء لاحتمال أنه امرأة فلا يتخلل الرجال كيلا يفسد صلاتهم ولا النساء لاحتمال أنه رجل فتفسد صلاته فإن قام في صف النساء فأحب إلي أن يعيد صلاته لاحتمال أنه رجل وإن قام في صف الرجال فصلاته تامة ويعيد الذي عن يمينه وعن يساره والذي خلفه بحذائه صلاتهم احتياطا لاحتمال أنه امرأة قال وأحب إلينا أن يصلي بقناع لأنه يحتمل أنه امرأة ويجلس في صلاته جلوس المرأة لأنه إن كان رجلا فقد ترك سنة وهو جائز في الجملة وإن كان امرأة فقد ارتكب مكروها لأن الستر على النساء واجب ما أمكن وإن صلى بغير قناع أمرته أن يعيد لاحتمال أنه امرأة وهو على الاستحباب وإن لم يعد أجزأه وتبتاع له أمة تختنة إن كان له مال لأنه يباح لمملوكته النظر إليه رجلا كان أو امرأة ويكره أن يختنه رجل لأنه عساه أنثى أو تختنه امرأة لأنه لعله رجل فكان الاحتياط فيما قلنا وإن لم يكن له مال ابتاع له الإمام أمة من بيت المال لأنه أعد لنوائب المسلمين فإذا خنثنه باعها ورد ثمنها في بيت المال لوقوع الاستغناء عنها ويكره له في حياته لبس الحلى والحرير وأن يتكشف قدام الرجال أو قدام النساء وأن يخلو به غير محرم من رجل أو امرأة وأن يسافر من غير محرم من الرجال توقيا عن احتمال المحرم وإن أحرم وقد راهق قال أبو يوسف رحمه الله لا علم لي في لباسه لأنه إن كان ذكرا يكره له لبس المخيط وإن كان أنثى يكره له تركه وقال محمد رحمه الله يلبس لباس المرأة لأن ترك لبس المخيط وهو امرأة أفحش من لبسه وهو رجل ولا شيء عليه لأنه لم يبلغ ومن حلف بطلاق أو عتاق إن كان أول ولد تلدينه غلاما فولدت خنثى لم يقع حتى يستبين أمر الخنثى لأن الخنث لا يثبت بالشك ولو قال كل عبد لي حر أو قال كل أمة لي حرة وله مملوك خنثى لم يعتق حتى يستبين أمره لما قلنا وإن قال القولين جميعا عتق للتيقن بأحد الوصفين لأنه ليس يمهل وإن قال الخنثى أنا رجل أو أنا امرأة لم يقبل قوله إذا كان مشكلا لأنه دعوى يخالف قضية الدليل وإن لم يكن مشكلا ينجي أن يقبل قوله لأنه أعلم بحاله من غيره وإن مات قبل أن يستبين أمره لم يغسله رجل ولا امرأة لأن حل الغسل غير ثابت بين الرجال والنساء فيتوقى لاحتمال الحرمة وييمم بالصعيد لتعذر الغسل ولا يحضر إن كان مراهقا غسل رجل ولا امرأة لاحتمال أنه ذكر أو أنثى وإن سجي قبره فهو أحب لأنه إن كان أنثى يقيم واجبا وإن كان ذكرا فالتسجية لا تضره وإذا مات فصلي عليه وعلى رجل وامرأة وضع الرجل مما يلي الإمام والخنثى خلفه والمرأة خلف الخنثى فيؤخر عن الرجل لاحتمال أنه امرأة ويقدم على المرأة لاحتمال أنه رجل ولو دفن مع رجل في قبر واحد من عذر جعل الخنثى خلف الرجل لاحتمال أنه امرأة ويجعل بينهما حاجز من صعيد وإن كان مع امرأة قدم الخنثى لاحتمال انه رجل وإن جعل على السرير نعش المرأة فهو أحب إلي لاحتمال أنه عورة ويكفن كما تكفن الجارية وهو أحب إلي يعني يكفن في خمسة أثواب لأنه إذا كان أنثى فقد أقيمت سنة وإن كان ذكرا فقد زادوا على الثلاث ولا بأس بذلك ولو مات أبوه وخلف ابنا فالمال بينهما عند أبي حنيفة رحمه الله أثلاثا للابن سهمان وللخنثى سهم وهو أنثى عنده في الميراث إلا أن يتبين غير ذلك وقالا للخنثى نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى وهو قول الشعبي رحمه الله
واختلفا في قياس قوله قال محمد رحمه الله المال بيهنما على اثني عشر سهما للابن سبعة وللخنثى خمسة وقال أبو يوسف رحمه الله المال بينهما عل سبعة للابن أربعة وللخنثى ثلاثة لأن الابن يستحق كل الميراث عند الانفراد والخنثى ثلاثة الأرباع فعند الاجتماع قسم بينهما على قدر حقيهما هذا يضرب بثلاثة وذلك يضرب بأربعة فيكون سبعة لمحمد رحمه الله أن الخنثى لو كان ذكرا يكون المال بينهما نصفين وإن كان أنثى يكون المال بينهما أثلاثا احتجنا إلى حساب له نصف وثلث وأقل ذلك ستة ففي حال يكون المال بينهما نصفين لكل واحد ثلاثة وفي حال يكون أثلاثا للخنثى سهمان وللابن أربعة فسهمان للخنثى ثابتان بيقين ووقع الشك في السهم الزائد فيتنصف فيكون له سهمان ونصف فانكسر فيضعف ليزول الكسر فصار الحساب من اثني عشر للخنثى خمسة وللابن سبعة ولأبي حنيفة رحمه الله أن الحاجة ههنا إلى إثبات المال ابتداء والأقل وهو ميراث الأنثى متيقن به وفيما زاد عليه شك فأثبتنا المتيقن قصرا عليه لأن المال لا يجب بالشك وصار كما إذا كان الشك في وجوب المال بسبب آخر فإنه يؤخذ بالمتيقن كذا هذا إلا أن يكون نصيبه الأقل لو قدرناه ذكرا فحينئذ يعطى نصيب الابن في تلك الصورة لكونه متيقنا به وهو أن تكون الورثة زوجا وأما وأختا لأب وأم هي خنثى أو امرأة وأخوين لأم وأختا لأب وأم هي خنثى فعندنا في الأولى للزوج النصف وللأم الثلث والباقي للخنثى وفي الثانية للمرأة الربع وللأخوين لأم الثلث والباقي للخنثى لأنه أقل النصيبين فيهما والله أعلم بالصواب مسائل شتى قال وإذا قرىء على الأخرس كتاب وصيته فقيل له أنشهد عليك بما في هذا الكتاب فأومأ برأسه إي نعم أو كتب فإذا جاء من ذلك ما يعرف أنه إقرار فهو جائز ولا يجوز ذلك في الذي يعتقل لسانه وقال الشافعي رحمه الله يجوز في الوجهين لأن المجوز إنما هو العجز وقد شمل الفصلين ولا فرق بين الأصلي والعارض كالوحشي والمتوحش من الأهلي في حق الذكاة والفرق لأصحابنا رحمهم الله أن الإشارة إنما تعتبر إذا صارت معهودة معلومة وذلك في الأخرس دون المعتقل لسانه حتى لو امتد ذلك وصارت له إشارات معلومة قالوا هو بمنزلة الأخرس ولأن التفريط جاء من قبله حيث آخر الوصية إلى هذاالوقت أما الأخرس فلا تفريط منه ولأن العارضي على شرف الزوال دون الأصلي فلا ينقاسان وفي الآبدة عرفناه بالنص قال وإذا كان الأخرس يكتب كتابا أو يومىء إيماء يعرف به فإنه يجوز نكاحه وطلاقه وعتاقه وبيعه وشراؤه ويقتص له ومنه ولا يحد ولا يحد له أما الكتابة فلأنها ممن نأى بمنزلة الخطاب ممن دنا ألا ترى أن النبي عليه الصلاة والسلام أدى واجب التبليغ مرة بالعبارة وتارة بالكتابة إلى الغيب والمجوز في حق الغائب العجز وهو في حق الأخرس أظهر وألزم ثم الكتاب على ثلاث مراتب مستبين مرسوم وهو بمنزلة النطق في الغائب والحاضر على ماقالوا ومستبين غير مرسوم كالكتابة على الجدار وأوراق الأشجار وينوى فيه لأنه بمنزلة صريح الكتابة فلا بد من النية وغير مستبين كالكتابة على الهواء والماء وهو بمنزلة كلام غير مسموع فلا يثبت به الحكم وأما الإشارة فجعلت حجة في حق الأخرس في حق هذه الاحكام للحاجة إلى ذلك لأنها من حقوق العباد ولا تختص بلفظ دون لفظ وقد تثبت بدون اللفظ والقصاص حق العبد أيضا ولا حاحة إلى الحدود لأنها حق الله تعالى ولأنها تندرىء بالشبهات ولعله كان مصدقا للقاذف فلا يحد للشبهة ولا يحد أيضا بالإشارة في القذف لانعدام القذف صريحا وهو الشرط ثم الفرق بين الحدود والقصاص أن الحد لا يثبت ببيان فيه شبهة ألا ترى أنهم لو شهدوا بالوطء الحرام أو أقر بالوطء الحرام لا يجب الحد ولو شهدوا بالقتل المطلق أو أقر بمطلق القتل يجب القصاص وإن لم يوجد لفظ التعمد وهذا لأن القصاص فيه معنى العوضية لأنه شرع جابرا فجاز أن يثبت مع الشبهة كسائر المعاوضات الي هي حق العبد
أما الحدود الخالصة لله تعالى فشرعت زواجر وليس فيه معنى العوضية فلا تثبت مع الشبهة لعدم الحاجة وذكر في كتاب الإقرار أن الكتاب من الغائب ليس بحجة في قصاص يجب عليه ويحتمل أن يكون الجواب هنا كذلك فيكون فيهما روايتان ويحتمل أن يكون مفارقا لذلك لأنه يمكن الوصول إلى نطق الغائب في الجملة لقيام أهلية النطق ولا كذلك الأخرس لتعذر الوصول إلى النطق للآفة المانعة ودلت المسألة على أن الإشارة معتبرة وإن كان قادرا على الكتابة بخلاف ما توهمه بعض أصحابنا رحمهم الله أنه لا تعتبر الإشارة مع القدرة على الكتابة لأنه حجة ضرورية ولا ضرورة لأنه جمع ههنا بينهما فقال أشار أو كتب وإنما استويا لأن كل واحد منهما حجة ضرورية وفي الكتابة زيادة بيان لم يوجد في الإشارة وفي الإشارة زيادة أثر لم يوجد في الكتابة لما أنه أقرب إلى النطق من آثار الأقلام فاستويا وكذلك الذي صمت يوما أو يومين لعارض لما بينا في المعتقل لسانه أن آلة النطق قائمة وقيل هذا تفسير لمعتقل اللسان قال وإذا كانت الغنم مذبوحة وفيها ميتة فإن كانت المذبوحة أكثر تحرى فيها وأكل وإن كانت الميتة أكثر أو كانا نصفين لم يؤكل وهذا إذا كانت حالة لحالة الاختيار أما في حالة الضرورة يحل له التناول في جميع ذلك لأن الميتة المتيقنة تحل له في حالة الضرورة فالتي تحتمل أن تكون ذكية أولى غير أنه يتحرى لأنه طريق يوصله إلى الذكية في الجملة فلا يتركه من غير ضرورة وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز الأكل في حالة الاختيار وإن كانت المذبوحة أكثر لأن التحري دليل ضروري فلا يصار إليه من غير ضرورة ولا ضرورة لأن الحالة حالة الاختيار ولنا أن الغلبة تنزل منزلة الضرورة في إفادة الإباحة ألا ترى أن أسواق المسلمين لا تخلو عن المحرم المسروق والمغصوب ومع ذلك يباح التناول اعتمادا على الغالب وهذا لأن القليل لا يمكن الاحتراز عنه ولا يستطاع الامتناع عنه فسقط اعتباره دفعا للحرج كقليل النجاسة وقليل الانكشاف بخلاف ما إذا كانا نصفين أو كان الميتة أغلب لأنه لا ضرورة فيه والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب بعون الله تعالى قد تم طبع كتاب الهداية شرح بداية المبتدى
دستیاب متن ختم۔