Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

حصہ V10/P092–V10/P093

ولنا قول الله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله المائدة 49 ولم يقل بالتقليد وقال لتحكم بين الناس بما أراك الله النساء 105 وقال فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى اللهه والرسول النساء وروى بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ورجل جار في الحكم فهو في النار رواه ابن ماجه والعامي يقضي على جهل ولأن الحكم آكد من الفتيا لأنه فتيا وإلزام ثم المفتي لا يجوز أن يكون عاميا مقلدا فالحكم أولى فإن قيل فالمفتي يجوز أن يخبر بما سمع قلنا نعم إلا أنه لا يكون مفتيا في تلك الحال وإنما هو مخير فيحتاج أن يخبر عن رجل بعينه من أهل الإجتهاد فيكون معمولا بخبره لا بفتياه ويخالف قول معرفته المقولين لأن ذلك لا يمكن الحاكم معرفته بنفسه بخلاف الحكم إذا ثبت هذا فمن شرط الإجتهاد معرفة ستة أشياء الكتاب والسنة والإجماع والاختلاف والقياس ولسان العرب أما الكتاب فيحتاج أن يعرف منه عشر أشياء الخاص والعام والمطلق والمقيد والمحكم والمتشابه والمجمل والمفسر والناسخ والمنسوخ في الآيات المتعلقة بالأحكام وذلك نحو خمسمائة ولا يلزمه معرفة سائر القرآن فأما السنة فيحتاج إلى معرفته ما يتعلق منها بالأحكام دون سائر الأخبار من ذكر الجنة والنار والرقائق ويحتاج أن يعرف منها ما يعرف من الكتاب ويزيد معرفة التواتر والآحاد والمرسل والمتصل والمسند والمنقطع والصحيح والضعيف ويحتاج إلى معرفة ما أجمع عليه وما اختلف فيه ومعرفة القياس وشروطه ويحتاج إلى معرفة ما أجمع عليه وما اختلف فيه ومعرفة القياس وشروطه وأنواعه وكيفية استنباطه الأحكام ومعرفة لسان العرب فيما يتعلق بما ذكرنا ليتعرف به استنباط الأحكام من أصناف علوم الكتاب والسنة وقد نص أحمد على اشتراط ذلك للفتيا والحكم في معناه فإن قيل هذه شروط لا تجتمع فكيف يجوز اشتراطها قلنا ليس من شرطه أن يكون محيطا بهذه العلوم إحاطة تجمع أقصاها وإنما يحتاج إلى أن يعرف من ذلك ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة ولسان العرب ولا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة في هذا فقد كان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب خليفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيراه وخير الناس بعده في حال إمامتهما يسأنلا عن الحكم فلا يعرفان ما فيه من السنة يسألا الناس فيخبرا فسئل أبو بكر عن ميراث الجدة فقال مالك في كتاب الله شيء ولا أعلم لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ولكن ارجعي حتى أسأل الناس ثم قام فقال أنشد الله من يعلم قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجدة فقام المغيرة بن شعبة فقال أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس وسألعمر عن إملاص المرأة فأخبره المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة ولا يشترط معرفة المسائل التي فرعها المجتهدون في كتبهم فإن هذه فروع فرعها الفقهاء بعد حيازة منصب الإجتهاد فلا تكون شرطا له وهو سابق عليها وليس من شرط الاجتهاد في مسألة أن يكون مجتهدا في كل المسائل بل من عرف أدلة مسألة وما يتعلق بها فهو مجتهد فيها وإن جهل غيرها كمن يعرف الفرائض وأصولها ليس من شرط اجتهاده فيها معرفته بالبيع ولذلك ما من إمام إلا وقد توقف في مسائل وقيل من يجيب في كل مسألة فهو مجنون وإذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله وحكي أنمالكا سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها لا أدري ولم يخرجه ذلك عن كونه مجتهدا وإنما المعتبر أصول هذه الأمور وهو مجموع مدون في فروع الفقه وأصوله فمن عرف ذلك ورزق فهمه كان مجتهدا له الفتيا وولاية الحكم إذا وليه والله أعلم فصل ليس من شرط الحاكم كونه كاتبا وقيل يشترط ذلك لعلم ما يكتبه كاتبه ولا يتمكن من إخفائه عنه

حصہ V10/P093–V10/P095

ولنا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أميا وهو سيد الحكام وليس من ضرورة الحاكم الكتابة فلا تعتبر شروطها وإن احتاج إلى ذلك جاز توليته لمن يعرفه كما أنه قد يحتاج إلى القسمة بين الناس وليس من شرطه معرفة المساحة ويحتاج إلى التقويم وليس من شرط القضاء أن يكون عالما بقيمة الأشياء ولا معرفته بعيوب كل شيء فصل وينبغي أن يكون الحاكم قويا من غير عنف لينا من غير ضعف لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله ويكون حليما متأنيا ذا فطنة وتيقظ لا يؤتي من غفلة ولا يخدع لغرة صحيح السمع والبصر عالما بلغات أهل ولايته عفيفا ورعا نزها بعيدا عن الطمع صدوق اللهجة ذا رأي ومشورة لكلامه لين إذا قرب وهيبة إذا أوعد ووفاء إذا وعد ولا يكون جبارا ولا عسوفا فيقطع ذا الحجة عن حجته قال علي رضي الله عنه لا ينبغي أن يكون القاضي قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال عفيف حليم عالم بما كان قبله يستشير ذوي الألباب لا يخاف في الله لومة لائم وعنعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال ينبغي للقاضي أن تجتمع فيه سبع خلال إن فاتته واحدة كانت فيه وصمة العقل والفقه والورع والنزاهة والصرامة والعلم بالسنن والحكم ورواه سعيد فيه يكون فهما حليما عفيفا صلبا سآلا عما لا يعلم وفي رواية محتملا للأئمة ولا يكون ضعيفا مهينا لأن ذلك يبسط المتخاصمين إلى التهاتر والتشاتم بين يديه قال عمر رضي الله عنه لأعزلن فلانا عن القضاء ولأستعملن رجلا إذا رآه الفاجر فرقه فصل وله أن ينتهر الخصم إذا التوى ويصيح عليه وإن استحق التعزير عزره بما يرى من أدب أو حبس وإن افتات عليه بأن يقول حكمت علي بغير الحق أو ارتشيت فله تأديبه وله أن يعفو وإن بدأ المنكر باليمين قطعها عليه وقال البينة على خصمك فإن عاد عزره إن رأى وأمثال ذلك مما فيه إساءة الأدب فله مقابلة فاعله وله العفو فصل وإن ولى الإمام رجلا القضاء فإن كانت ولايته في غير بلده فأراد السير إلى بلاد ولايته بحث عن قوم من أهل ذلك البلد ليسألهم عنه ويتعرف منهم ما يحتاج إلى معرفته فإن لم يجد سأل في طريقه فإن لم يجد سأل إذا دخل البلد عن أهله ومن به من العلماء والفضلاء وأهل العدالة والسير وسائر ما يحتاج إلى معرفته وإذا قرب من البلد بعث من يعلمهم بقدومه ليتلقوه ويجعل قدومه يوم الخميس إن أمكنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر قدم يوم الخميس ثم يقصد الجامع فيصلي فيه ركعتين كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إذا دخل المدينة ويسأل الله تعالى التوفيق والعصمة والمعونة وأن يجعل عمله صالحا ويجعله لوجهه خالصا ولا يجعل لأحد فيه شيئا ويفوض أمره إلى الله تعالى ويتوكل عليه ويأمر مناديه فينادي في البلد أن فلانا قدم عليكم قاضيا فاجتمعوا لقراءة عهده وقت كذا وكذا وينصرف إلى منزله الذي أعد له وينبغي أن يكون في وسط البلد ليتساوى أهل المدينة فيه ولا يشق على بعضهم قصده فإذا اجتمعوا أمر بعهده فقرىء عليهم ليعلموا التولية ويأتوا إليه ويعد الناس يوما يجلس فيه للقضاء ثم ينصرف إلى منزله وأول ما يبدأ فيه من أمر الحكم أن يبعث إلى الحاكم المعزول فيأخذ منه ديوان الحكم وهو ما فيه وثائق الناس من المحاضر وهي نسخ ما ثبت عند الحاكم والسجلات نسخ ما حكم به وما كان عنده من حجج الناس ووثائقهم مودعة في ديوان الحكم وكانت عنده بحكم الولاية فإذا انتقلت الولاية إلى غيره كان عليه تسليمها إليه فتكون مودعة عنده في ديوانه ثم يخرج في اليوم الذي وعد بالجلوس فيه إلى مجلسه على أكمل حالة وأعدلها خليا من الغضب والجوع الشديد والعطش والفرح الشديد والحزن الكثير والهم العظيم والوجع المؤلم ومدافعة الأخبثين أو أحدهما والنعاس الذي يغمر القلب ليكون أجمع لقلبه وأحضر لذهنه وأبلغ في تيقظه للصواب وفطنته لموضع الرأي ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان فنص على الغضب ونبه على ما في معناه من سائر ما ذكرناه ويسلم على من يمر به من المسلمين في طريقه ويذكر الله بقلبه ولسانه حتى يأتي مجلسه ويستحب أن يجعله في موضع بارز للناس فسيح كالرحبة والفضاء الواسع أو الجامع ولا يكره القضاء في المساجد فعل ذلك شريح والحسن والشعبي ومحارب بن دثار ويحيى بن يعمر وابن أبي ليلى وابن خلدة قاض لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وروي عن عمر وعثمان وعلي أنهم كانوا يقضون في المسجد

حصہ V10/P095–V10/P096

وقال مالك القضاء في المسجد من أمر الناس القديم وبه قال مالك وإسحاق وابن المنذر وقال الشافعي يكره ذلك إلا أن يتفق خصمان عنده في المسجد لما روي أن عمر كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن أن لا تقض في المسجد لأنه تأتيك الحائض والجنب ولأن الحاكم يأتيه الذمي والحائض والجنب وتكثر غاشيته ويجري بينهم اللغظ والتكاذب والتجاحد وربما أدى إلى السب وما لم تبن له المساجد ولنا إجماع الصحابة بما قد رويناه عنهم وقالالشعبي رأيت عمر وهو مستند إلى القبلة يقضي بين الناس وقال مالك هو من أمر الناس القديم ولأن القضاء قربة وطاعة وإنصاف بين الناس فلم يكره في المسجد ولا نعلم صحة ما رووه عن عمر وقد روي عنه خلافه وأما الحائض فإن عرضت لها حاجة إلى القضاء وكلت أو أتته في منزله والجنب يغتسل ويدخل والذمي يجوز دخوله بإذن مسلم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس في مسجده مع حاجة الناس إليه للحكومة والفتيا وغير ذلك من حوائجهم وكان أصحابه يطالب بعضهم بعضا بالحقوق في المسجد وربما رفعوا أصواتهم فقد روي عن كعب بن مالك أنه قال تقاضيت ابن أبي حدرد دينا في المسجد حتى ارتفعت أصواتنا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فأشار إلي أن ضع من دينك الشطر فقلت نعم يا رسول الله قال فقم فاقضه وينبغي أن يكون جلوسه في وسط البلد لئلا يبعد على قاصديه ولا يتخذ حاجبا يحجب الناس عن الوصول إليه لما روى القاسم بن مخيمرة عن أبي مريم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ولي من أمور الناس شيئا واحتجب دون حاجتهم احتجب الله دون حاجته وفاقته وفقره رواه الترمذي ولأن حاجبه ربما قدم المتأخر وأخر المتقدم لغرض له وربما كسرهم بحجبهم والإستئذان لهم ولا بأس باتخاذ حاجب في غير مجلس القضاء ويبسط له شيء ولا يجلس على التراب ولا على حصير المسجد لأن ذلك يذهب بهيبته من أعين الخصوم ويجعل جلوسه مستقبل القبلة لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة وهذه الآداب المذكورة في هذا الفصل ليست شرطا في الحكم إلا الخلو من الغضب وما في معناه فإن في اشتراطه روايتين فصل وإذا جلس الحاكم في مجلسه فأول ما ينظر فيه أمر المحبوسين لأن الحبس عذاب وربما كان فيهم من لا يستحق البقاء فيه فينفذ إلى حبس القاضي الذي كان قبله ثقة يكتب اسم كل محبوس وفيم حبس ولمن حبس فيحمله إليه فيأمر مناديا ينادي في البلد ثلاثة أيام ألا إن القاضي فلان بن فلان ينظر في أمر المحبوسين يوم كذا فمن كان له محبوس فليحضر فإذا حضر ذلك اليوم وحضر الناس ترك الرقاع التي فيها اسم المحبوسين بين يديه ومد يده إليها فما وقع في يده منها نظر إلى اسم المحبوس وقال من خصم فلان المحبوس فإذا قال خصمه أنا بعث معه ثقة إلى الحبس فأخرج خصمه وحضر معه مجلس الحكم ويفعل ذلك في قدر ما يعلم أنه يتسع زمانه للنظر فيه في ذلك المجلس ولا يخرج غيرهم فإذا حضر المحبوس وخصمه لم يسأل خصمه لم حبسته لأن الظاهر أن الحاكم إنما حبسه بحق لكن يسأل المحبوس بم حبست ولا يخلو جوابه من خمسة أقسام أحدها أن يقول حبسني بحق له حال أنا مليء فيقول له الحاكم اقضه وإلا رددتك في الحبس

حصہ V10/P096–V10/P097

الثاني أن يقول له علي دين أنا معسر به فيسأل خصمه فإن صدقه فلسه الحاكم وأطلقه وإن كذبه نظر في سبب الدين فإن كان شيئا حصل له به مال كقرض أو شراء لم يقبل قوله في الإعسار إلا ببينة بأن ماله تلف أو نفد أو ببينة أنه معسر فيزول الأصل الذي ثبت ويكون القول قوله فيما يدعيه عليه من المال وإن لم يثبت له أصل مال ولم تكن لخصمه بينة بذلك فالقول قول المحبوس مع يمينه أنه معسر لأن الأصل الإعسار وإن شهدت لخصمه بينة بأن له مالا لم تقبل حتى تعين ذلك المال بما يتميز به فإن شهدت عليه البينة بدار معينة أو غيرها وصدقها فلا كلام وإن كذبها وقال ليس هذا لي وإنما هو في يدي لغيري لم يقبل إلا أن يقر به إلى واحد بعينه فإن كان الذي أقر له به حاضرا نظرت فإن كذبه في إقراره سقط وقضى من المال دينه وإن صدقه نظرت فإن كان له به بينة فهو أولى لأن له بينة وصاحب اليد يقر له به وإن لم تكن له بينة فذكر القاضي أنه لا يقبل قولهما ويقضي الدين منه لأن البينة شهدت لصاحب اليد بالملك فتضمنت شهادتها وجوب القضاء منه فإذا لم تقبل شهادتها في حق نفسه قبلت فيما تضمنته لأنه حق لغيره ولأنه متهم في إقراره لغيره لأنه قد يفعل ذلك ليخلص ماله ويعود إليه فتلحقه تهمة فلم تبطل البينة بقوله وفيه وجه آخر يثبت الإقرار وتسقط البينة لأنها تشهد بالملك لمن لا يدعيه وينكره الجواب الثالث أن يقول حبسني لأن البينة شهدت علي لخصمي بحق ليبحث عن حال الشهود فهذا ينبني على أصل وهو أن الحاكم هل له ذلك أو لا فيه وجهان أحدهما ليس له ذلك لأن الحبس عذاب فلا يتوجه عليه قبل ثبوت الحق عليه فعلى هذا لا يرده إلى الحبس إن صدقه خصمه في هذا والثاني يجوز حبسه لأن المدعي قد أقام ما عليه وإنما بقي ما على الحاكم من البحث ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين فعلى هذا الوجه يرده إلى الحبس حتى يكشف عن حال شهوده وإن كذبه خصمه وقال بل قد عرف الحاكم عدالة شهودي وحكم عليه بالحق فالقول قوله لأن الظاهر أن حبسه بحق الجواب الرابع يقول حبسني الحاكم بثمن كلب أو قيمة خمر أرقته لذمي لأنه كان يرى ذلك فإن صدقه خصمه فذكر القاضي أنه يطلقه لأن غرم هذا ليس بواجب وفيه وجه آخر أن الحاكم ينفذ حكم الحاكم الأول لأنه ليس له نقض حكم غيره باجتهاده وفيه وجه آخر أنه يتوقف ويجتهد أن يصطلحا على شيء لأنه لا يمكنه فعل أحد الأمرين المتقدمين وللشافعي قولان كهذين الوجهين الأخيرين وإن كذبه خصمه وقال بل حبست بحق واجب غير هذا فالقول قوله لأن الظاهر حبسه بحق الجواب الخامس أن يقول حبست ظلما ولا حق علي فينادي منادي الحاكم بذكر ما قاله فإن حضر رجل فقال أنا خصمه فأنكره وكانت للمدعي بينة كلف الجواب على ما مضى وإن لم تكن له بينة أو لم يظهر له خصم فالقول قوله مع يمينه أنه لا خصم له أو لا حق عليه ويخلي سبيله

حصہ V10/P097–V10/P098

فصل ثم ينظر في أمر الأوصياء لأنهم يكونون ناظرين في أموال اليتامى والمجانين وتفرقة الوصية بين المساكين فيقصدهم الحاكم بالنظر لأن المنظور عليه لا يمكنه المطالبة بحقه فإن الصغير والمجنون لا قول لهما والمساكين لا يتعين الأخذ منهم فإذا قدم إليه الوصي فإن كان الحاكم قبله نفذ وصيته لم يعزله لأن الحاكم ما نفذ وصيته إلا وقد عرف أهليته في الظاهر ولكن يراعيه فإن تغيرت حاله بفسق أو ضعف أضاف إليه أمينا قويا يعينه وإن كان الأول ما نفذ وصيته نظر فيه فإن كان أمينا قويا أقره وإن كان أمينا ضعيفا ضم إليه من يعينه وإن كان فاسقا عزله وأقام غيره وعلى قول الخرقي يضم إليه أمين ينظر عليه وإن كان قد تصرف أو فرق الوصية وهو أهل للوصية نفذ تصرفه وإن كان ليس بأهل وكان أهل الوصية بالغين عاقلين معينين صح الدفع إليهم لأنهم قبضوا حقوقهم وإن كانوا غير معينين كالفقراء والمساكين ففيه وجهان أحدهما عليه الضمان ذكره القاضي وأصحاب الشافعي لأنه ليس له التصرف والثاني لا ضمان عليه لأنه أوصله إلى أهله وكذلك إن فرق الوصية غير الموصى إليه بتفريقها فعلى وجهين فصل ثم ينظر في أمناء الحاكم وهم من رد إليهم الحاكم النظر في أمر الأطفال وتفرقة الوصايا التي لم يعين لها وصي فإن كانوا بحالهم أقرهم لأن الذي قبله ولاهم ومن تغير حاله منهم عزله إن فسق وإن ضعف ضم إليه أمينا فصل ثم ينظر في أمر الضوال واللقطة التي تولى الحاكم حفظها فإن كانت مما يخاف تلفه كالحيوان أو في حفظه مؤنة كالأموال الجافية باعها وحفظ ثمنها لأربابها وإن لم تكن كذلك كالأثمان حفظها لأربابها ويكتب عليها لتعرف مسألة قال ( ولا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان ) لا خلاف بين أهل العلم فيما علمناه في أن القاضي لا ينبغي له أن يقضي وهو غضبان كره ذلك شريح وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة والشافعي وكتب أبو بكرة إلى عبد الله بن أبي بكرة وهو قاض بسجستان أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان متفق عليه وكتبعمر رضي الله عنه إلى أبي موسى إياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر لهم عند الخصومة فإذا رأيت الخصم يتعمد الظلم فأوجع رأسه ولأنه إذا غضب تغير عقله ولم يستوف رأيه وفكره وفي معنى الغضب كل ما شغل فكره من الجوع المفرط والعطش الشديد والوجع المزعج ومدافعة أحد الأخبثين وشدة النعاس والهم والغم والحزن والفرح فهذه كلها تمنع الحاكم لأنها تمنع حضور القلب واستيفاء الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب فهي في معنى الغضب المنصوص عليه فتجري مجراه فإن حكم في الغضب أو ما شاكله فحكي عن القاضي أنه لا ينفذ قضاؤه لأنه منهي عنه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه وقال في المجرد ينفذ قضاؤه وهو مذهب الشافعي لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم اختصم إليه الزبير ورجل من الأنصار في شراج الحرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير اسق ثم أرسل الماء إلى جارك فقال الأنصاري إن كان ابن عمتك فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للزبير اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر متفق عليه فحكم في حال غضبه وقيل إنما يمنع الغضب الحاكم إذا كان قبل أن يتضح له الحكم في المسألة فأما إن اتضح الحكم ثم عرض الغضب لم يمنعه لأن الحق قد استبان قبل الغضب فلا يؤثر الغضب فيه مسألة قال ( وإذا نزل به الأمر المشكل عليه مثله شاور فيه أهل العلم والأمانة )

حصہ V10/P098–V10/P099

وجملته أن الحاكم إذا حضرته قضية تبين له حكمها في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله أو إجماع أو قياس جلي حكم ولم يحتج إلى رأي غيره لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن بم تحكم قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد قال أجتهد برأيي قال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن احتاج إلى الاجتهاد استحب له أن يشاور لقول الله تعالى وشاورهم في الأمر آل عمران 159 قال الحسن إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لغنيا عن مشاورتهم وإنما أراد أن يستن بذلك الحكام بعده وقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أسارى بدر وفي مصالحة الكفار يوم الخندق وفي لقاء الكفار يوم بدر وروي ما كان أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاورأبو بكر الناس في ميراث الجدة وعمر في دية الجنين وشاور الصحابة في حد الخمر وروي أن عمر كان يكون عنده جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف إذا نزل به الأمر شاورهم فيه ولا مخالف في استحباب ذلك قال أحمد لما ولي سعيد بن إبراهيم قضاء المدينة كان يجلس بين القاسم وسالم يشاورهما وولي محارب بن دثار قضاء الكوفة فكان يجلس بين الحكم وحماد يشاورهما ما أحسن هذا لو كان الحكام يفعلونه يشاورون وينتظرون ولأنه قد ينتبه بالمشاورة ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة ولأن الإحاطة بجميع العلوم متعذرة وقد ينتبه لإصابة الحق ومعرفة الحادثة من هو دون القاضي فكيف بمن يساويه أو يزيد عليه فقد روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه جاءته الجدتان فورث أم الأم وأسقط أم الألب فقال له عبد الرحمن بن سهل يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أسقطت التي لو ماتت ورثها ورثت التي لو ماتت لم يرثها فرجع أبو بكر فأشرك بينهما وروى عمر بن شبة عن الشعبي أن كعب بن سوار كان جالسا عند عمر فجاءته امرأة فقالت يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي والله إنه ليبيت ليله قائما ويظل نهاره صائما في اليوم الحار ما يفطر فاستغفر لها وأثنى عليها وقال مثلك أثنى الخير قال واستحيت المرأة فقامت راجعة فقال كعب يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأة على زوجها قال وما شكت قال زوجها أشد الشكاية قال أو ذاك أرادت قال نعم قال ردوا علي المرأة فقال لا بأس بالحق أن تقوليه إن هذا زعم أنك جئت تشكين زوجك أنه يجتنب فراشك قالت أجل إني امرأة شابة وإني لأبتغي ما يبتغي النساء فأرسل إلى زوجها فجاء فقال لكعب اقض بينهما قال أمير المؤمنين أحق أن يقضي بينهما قال عزمت عليك لتقضين بينهما فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهم قال فإني أرى كأنها عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن فاقضي له بثلاثة أيام بلياليهن يتعبد فيهن ولها يوم وليلة فقال عمر والله ما رأيك الأول أعجب إلي من الآخر اذهب فأنت قاض على البصرة إذا ثبت هذا فإنه يشاور أهل العلم والأمانة لأن من ليس كذلك فلا قول له في الحادثة ولا يسكن إلى قوله قال سفيان وليكن أهل مشورتك أهل التقوى وأهل الأمانة ويشاور الموافقين والمخالفين ويسألهم عن حجتهم ليبين له الحق

حصہ V10/P099–V10/P101

فصل والمشاورة ها هنا لاستخراج الأدلة ويعرف الحق بالاجتهاد ولا يجوز أن يقلد غيره ويحكم بقول سواه سواء ظهر له الحق فخالفه غيره فيه أو لم يظهر له شيء وسواء ضاق الوقت أو لم يضق وكذلك ليس للمفتي الفتيا بالتقليد وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة إذا كان الحاكم من أهل الإجتهاد جاز له ترك رأيه لرأي من هو أفقه منه عنده إذا صار إليه فهو ضرب من الاجتهاد ولأنه يعتقد أنه أعرف منه بطريق الاجتهاد ولنا أنه من أهل الاجتهاد فلم يجز له تقليد غيره كما لو كان مثله كالمجتهدين في القبلة وما ذكره ليس بصحيح فإن من هو أفقه منه يجوز عليه الخطأ فإذا اعتقد أن ما قاله خطأ لم يجز له أن يعمل به وإن كان لم يبن له الحق فلا يجوز له أن يحكم بما يجوز أن يبين له خطؤه إذا اجتهد فصل قال أصحابنا يستحب أن يحضر مجلسه أهل العلم من كل مذهب حتى إذا حدثت حادثة يفتقر إلى أن يسألهم عنها سألهم ليذكروا أدلتهم فيها وجوابهم عنها فإنه أسرع لاجتهاده وأقرب لصوابه فإن حكم باجتهاده فليس لأحد منهم أن يرد عليه وإن خالف اجتهاده لأن فيه افتياتا عليه إلا أن يحكم بما يخالف نصا أو إجماعا فصل وينبغي له أن يحضر شهوده مجلسه ليستوفي بهم الحقوق وتثبت بهم الحجج والمحاضر فإن كان ممن يحكم بعلمه فإن شاء أدناهم إليه وإن شاء باعدهم منه بحيث إذا احتاج إلى إشهادهم على حكمه استدعاهم ليشهدوا بذلك وإن كان ممن لا يحكم بعلمه أجلسهم بالقرب منه حتى يسمعوا كلام المتخاصمين لئلا يقر منهم مقر ثم ينكر ويجحد فيحفظوا عليه إقراره ويشهدوا به فصل وإذا اتصلت به الحادثة واستنارت الحجة لأحد الخصمين حكم وإن كان فيها لبس أمرهما بالصلح فإن أبيا أخرهما إلى البيان فإن عجلها قبل البيان لم يصلح حكمه وممن رأى الإصلاح بين الخصمين شريح وعبد الله بن عتبة وأبو حنيفة والشعبي والعنبري وروي عن عمر أنه قال ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن قال أبو عبيد إنما يسعه الصلح في الأمور المشكلة أما إذا استنارت الحجة لأحد الخصمين وتبين له موضع الظالم فليس له أن يحملهما على الصلح ونحوه قول عطاء واستحسنه ابن المنذر وروي عن شريح أنه ما أصلح بين متحاكمين إلا مرة واحدة فصل وإذا حدثت حادثة نظر في كتاب الله فإن وجدها وإلا نظر في سنة رسوله فإن لم يجدها نظر في القياس فألحقها بأشبه الأصول بها لما ذكرنا من حديث معاذ بن جبل وهو حديث يرويه عمرو بن الحارث ابن أخي المغيرة بن شعبة عن رجال من أصحاب معاذ من أهل حمص وعمرو والرجال مجهولون إلا أنه حديث مشهور في كتب أهل العلم رواه سعيد بن منصور والإمام أحمد وغيرهما وتلقاه العلماء بالقبول وجاء عن الصحابة من قولهم ما يوافقه فروى سعيد أن عمر قال لشريح أنظر ما يتبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا وما لا يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه السنة وما لم يتبين لك في السنة فاجتهد فيه رأيك وعن ابن مسعود مثل ذلك مسألة قال ( ولا يحكم الحاكم بعلمه ) ظاهر المذهب أن الحاكم لا يحكم بعلمه في حد ولا غيره لا فيما علمه قبل الولاية ولا بعدها هذا قول شريح والشعبي ومالك وإسحاق وأبي عبيد ومحمد بن الحسن وهو أحد قولي الشافعي وعن أحمد رواية أخرى يجوز له ذلك وهو قول أبي يوسف وأبي ثور والقول الثاني للشافعي واختيار المزني لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت له هند إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي قال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فحكم لها من غير بينة ولا إقرار لعلمه بصدقها

حصہ V10/P101–V10/P102

وروى ابن عبد البر في كتابه أن عروة ومجاهدا رويا أن رجلا من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حدا في موضع كذا وكذا وقال عمر إني لأعلم الناس بذلك وربما لعبت أنا وأنت فيه ونحن غلمان فأتني بأبي سفيان فأتاه به فقال له عمر يا أبا سفيان انهض بنا إلى موضع كذا وكذا فنهضوا ونظر عمر فقال يا أبا سفيان خذ هذا الحجر من هاهنا فضعه ها هنا فقال والله لا أفعل فقال والله لتفعلن فقال والله لا أفعل فعلاه بالدرة وقال خذه لا أم لك فضعه ها هنا فإنك ما علمت قديم الظلم فأخذ أبو سفيان الحجر ووضعه حيث قال عمر ثم إن عمر استقبل القبلة فقال اللهم لك الحمد حيث لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه وأذللته لي بالإسلام قال فاستقبل القبلة أبو سفيان وقال اللهم لك الحمد إذا لم تمتني حتى جعلت في قلبي من الإسلام ما أذل به لعمر قالوا فحكم بعلمه ولأن الحاكم يحكم بالشاهدين لأنهما يغلبان على الظن فما تحققه وقطع به كان أولى ولأنه يحكم بعلمه في تعديل الشهود وجرحهم فكذلك في ثبوت الحق قياسا عليه وقال أبو حنيفة ما كان من حقوق الله لا يحكم فيه بعلمه لأن حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة والمسامحة وأما حقوق الآدميين فما علمه قبل ولايته لم يحكم به وما علمه في ولايته حكم به لأن ما علمه قبل ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود قبل ولايته وما علمه في ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود في ولايته ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فدل على أنه إنما يقضي بما يسمع لا بما يعلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الحضرمي والكندي شاهداك أو يمينه ليس لك منه إلا ذاك وروي عن عمر رضي الله عنه أنه تداعى عنده رجلان فقال له أحدهما أنت شاهدي فقال إن شئتما شهدت ولم أحكم أو أحكم ولا أشهد وذكر ابن عبد البر في كتابه عن عائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم على الصدقة فلاحاه رجل في فريضة فوقع بينهما شجاج فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم الأرش ثم قال إني خاطب الناس ومخبرهم أنكم قد رضيتم أرضيتم قالوا نعم فصعد النبي صلى الله عليه وسلم فخطب وذكر القصة وقال أرضيتم قالوا لا فهم بهم المهاجرون فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم صعد فخطب الناس ثم قال أرضيتم قالوا نعم وهذا يبين أنه لم يأخذ بعلمه وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لو رأيت حدا على رجل لم أحده حتى تقوم البينة ولأن تجويز القضاء بعلمه يفضي إلى تهمته والحكم بما اشتهى ويحيله على علمه فأما حديث أبي سفيان فلا حجة فيه لأنه فتيا لا حكم بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أفتى في حق أبي سفيان من غير حضوره ولو كان حكما عليه لم يحكم عليه في غيبته وحديث عمر الذي رووه كان إنكارا لمنكر رآه لا حكم بدليل أنه ما وجدت منهما دعوى وإنكار بشروطهما ودليل ذلك ما رويناه عنه ثم لو كان حكما كان معارضا بما رويناه عنه ويفارق الحكم بالشاهدين فإنه لا يفضي إلى تهمة بخلاف مسألتنا وأما الجرح والتعديل فإنه يحكم فيه بعلمه بغير خلاف لأنه لو لم يحكم فيه بعلمه لتسلسل فإن المزكيين يحتاج إلى معرفة عدالتهما وجرحهما فإذا لم يعمل بعلمه احتاج كل واحد منهما إلى مزكيين ثم كل واحد منهما يحتاج إلى مزكيين فيتسلسل وما نحن فيه بخلافه فصل ولا خلاف في أن للحاكم أن يحكم بالبينة والإقرار في مجلس حكمه إذا سمعه معه شاهدان فإن لم يسمعه معه أحد أو سمعه شاهد فنص أحمد على أنه يحكم به

حصہ V10/P102–V10/P103

وقال القاضي لا يحكم به حتى يسمعه معه شاهدان لأنه حكم بعلمه مسألة قال ( ولا ينقض من حكم غيره إذا رفع إليه إلا ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماعا ) وجملة ذلك أن الحاكم إذا رفعت إليه قضية قد قضى بها حاكم سواه فبان له خطؤه أو بان له خطأ نفسه نظرت فإن كان الخطأ لمخالفة نص كتاب أو سنة أو إجماع نقض حكمه وبهذا قال الشافعي وزاد إذا خالف نصا جليا نقضه وعن مالك وأبي حنيفة أنهما قالا لا ينقض الحكم إلا إذا خالف الإجماع ثم ناقضا ذلك فقال مالك إذا حكم بالشفعة للجار نقض حكمه وقال أبو حنيفة إذا حكم ببيع متروك التسمية أو حكم بين العبيد بالقرعة نقض حكمه وقال محمد بن الحسن إذا حكم بالشاهد واليمين نقض حكمه وهذه مسائل خلاف موافقة للسنة واحتجوا على أنه لا ينقض ما لم يخالف الإجماع بأنه يسوغ فيه الخلاف فلم ينقض حكمه فيه كما لا نص فيه وحكي عن أبي ثور وداود أنه ينقض جميع ما بان له خطؤه لأن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت نفسك فيه اليوم فهديت لرشدك أن تراجع فيه الحق فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ولأنه خطأ فوجب الرجوع عنه كما لو خالف الإجماع وحكي عن مالك أنه واففقهما في قضاء نفسه ولنا على نقضه إذا خالف نصا أو إجماعا أنه قضاء لم يصادف شرطه فوجب نقضه كما لو لم يخالف الإجماع وبيان مخالفته للشرط أن شرط الحكم بالاجتهاد عدم النص بدليل خبر معاذ ولأنه إذا ترك الكتاب والسنة فقد فرط فوجب نقض حكمه كما لو خالف الإجماع أو كما لو حكم بشهادة كافرين وما قالوه يبطل بما حكيناه عنهم فإن قيل أليس إذا صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم بان له الخطأ لم يعد قلنا الفرق بينهما من ثلاثة أوجه أحدها أن استقبال القبلة يسقط حال العذر في حال المسايفة والخوف من عدو أو سبع أو نحوه مع العلم ولا يجوز ترك الحق إلى غيره مع العلم بحال الثاني أن الصلاة من حقوق الله تعالى تدخلها المسامحة الثالث أن القبلة يتكرر فيها اشتباه القبلة فيشق القضاء ها هنا إذا بان له الخطأ لا يعود الاشتباه بعد ذلك وأما إذا تغير اجتهاده من غير أن يخالف نصا ولا إجماعا أو خالف اجتهاده اجتهاد من قبله لم ينقضه لمخالفته لأن الصحابة رضي الله عنه أجمعوا على ذلك فإن أبا بكر حكم في مسائل باجتهاده وخالفه عمر ولم ينقض أحكامه وعلي خالف عمر في اجتهاده فلم ينقض أحكامه وخالفهما علي فلم ينقض أحكامهما فإن أبا بكر سوى بين الناس في العطاء وأعطى العبيد وخالفهعمر ففاضل بين الناس وخالفهما علي فسوى بين الناس وحرم العبيد ولم ينقض واحد منهم ما فعله من قبله وجاء أهل نجران إلى علي فقالوا يا أمير المؤمنين كتابك بيدك وشفاعتك بلسانك فقال ويحكم إن عمر كان رشيد الأمر ولن أرد قضاء قضى به عمر رواه سعيد

حصہ V10/P103–V10/P104

وروي أنعمر حكم في المشركة بإسقاط الإخوة من الأبوين ثم شرك بينهم بعد وقال تلك ما قضينا وهذه على ما قضينا وقضى في الحد بقضايا مختلفة ولم يرد الأولى ولأنه يؤدي إلى نقض الحكم بمثله وهذا يؤدي إلى أن لا يثبت الحكم أصلا لأن الحاكم الثاني يخالف الذي قبله والثالث يخالف الثاني فلا يثبت حكم فإن قيل فقد روي أن شريحا حكم في ابني عم أحدهما أخ لأم أن المال للأخ فرفع ذلك إلى علي رضي الله عنه فقال علي بالعبد فجيء به فقال في أي كتاب الله وجدت ذلك فقال قال الله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله الأحزاب 6 فقال له علي قد قال الله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس النساء 12 ونقض حكمه قلنا لم يثبت عندنا أن عليا نقض حكمه ولو ثبت فيحتمل أن يكون علي رضي الله عنه اعتقد أنه خالف نص الكتاب في الآية التي ذكرها فنقض حكمه لذلك فصل إذا تغير اجتهاده قبل الحكم فإنه يحكم بما تغير اجتهاده إليه ولا يجوز أن يحكم باجتهاده الأول لأنه إذا حكم فقد حكم بما يعتقد أنه باطل وهذا كما قلنا فيمن تغير اجتهاده في القبلة بعدما صلى لا يعيد وإن كان قبل أن يصلي إلى الجهة التي تغير اجتهاده إليها ولذلك إذا بان فسق الشهود قبل الحكم لم يحكم بشهادتهم ولو بان بعد الحكم لم ينقضه فصل وليس على الحاكم تتبع قضايا من كان قبله لأن الظاهر صحتها وصوابها وأنه لا يولى القضاء إلا من هو من أهل الولاية فإن تتبعها نظر في الحاكم قبله فإن كان ممن يصلح للقضاء فما وافق من أحكامه الصواب أو لم يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا لم يسغ نقضه وإن كان مخالفا لأحد هذه الثلاثة وكان في حق لله تعالى كالعتاق والطلاق نقضه لأن له النظر في حقوق الله سبحانه وإن كان يتعلق بحق آدمي لم ينقضه إلا بمطالبة صاحبه لأن الحاكم لا يستوفي حقا لمن لا ولاية عليه بغير مطالبته فإن طلب صاحبه ذلك نقضه وإن كان القاضي قبله لا يصلح للقضاء نقضت قضاياه المخالفة للصواب كلها سواء كانت مما يسوغ فيه الاجتهاد أو لا يسوغ لأن حكمه غير صحيح وقضاؤه كلا قضاء لعدم شرط القضاء فيه وليس في نقض قضاياه نقض الاجتهاد بالاجتهاد لأن الأول ليس باجتهاد ولا ينقض ما وافق الصواب لعدم الفائدة في نقضه فإن الحق وصل إلى مستحقه وقال أبو الخطاب ينقض قضاياه كلها ما أخطأ فيه وما أصاب وهو مذهب الشافعي لأن وجود قضائه كعدمه ولا أعلم فيه فائدة فإن الحق لو وصل إلى مستحقه بطريق القهر من غير حكم لم يغير ذلك وكذلك إذا كان بقضاء وجوده كعدمه والله أعلم فصل وحكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته في قول جمهور العلماء منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة إذا حكم الحاكم بعقد أو فسخ أو طلاق نفذ حكمه ظاهرا وباطنا فلو أن رجلين تعمدا الشهادة على رجل أنه طلق امرأته فقبلهما القاضي بظاهر عدالتهما ففرق بين الزوجين لجاز لأحد الشاهدين نكاحها بعد قضاء عدتها وهو عالم بتعمده الكذب ولو أن رجلا ادعى نكاح امرأة وهو يعلم أنه كاذب وأقام شاهدي زور فحكم الحاكم حلت له بذلك وصارت زوجته قال ابن المنذر وتفرد أبو حنيفة فقال لو استأجرت امرأة شاهدين شهدا لها بطلاق زوجها وهما يعلمان كذبهما وتزويرهما فحكم الحاكم بطلاقها لحل لها أن تتزوج وحل لأحد الشاهدين نكاحها واحتج بما روي عن علي رضي الله عنه أن رجلا ادعى على امرأة نكاحها فرفعها إلى علي رضي الله عنه فشهد له شاهدان بذلك فقضى بينهما بالزوجية فقالت والله ما تزوجني يا أمير المؤمنين اعقد بيننا عقدا حتى أحل له فقال شاهداك زوجاك فدل على أن النكاح ثبت بحكمه ولأن اللعان ينفسخ به النكاح وإن كان أحدهما كاذبا فالحكم أولى

حصہ V10/P104–V10/P105

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار متفق عليه وهذا يدخل فيه ما إذا ادعى أنه اشترى منه شيئا فحكم له ولأنه حكم بشهادة زور فلا يحل له ما كان محرما عليه كالمال المطلق وأما الخبر عن علي إن صح فلا حجة لهم فيه لأنه أضاف التزويج إلى الشاهدين لا إلى حكمه ولم يجبها إلى التزويج لأن فيه طعنا على الشهود فأما اللعان فإنما حصلت الفرقة به لا بصدق الزوج ولهذا لو قامت البينة به لم ينفسخ النكاح إذا ثبت هذا فإذا شهد على امرأة بنكاح وحكم به الحاكم ولم تكن زوجته فإنها لا تحل له ويلزمها في الظاهر وعليها أن تمتنع ما أمكنها فإن أكرهها عليه فالإثم عليه دونها وإن وطئها الرجل فقال أصحابنا وبعض الشافعية عليه الحد لأنه وطئها وهو يعلم أنها أجنبية وقيل لا حد عليه لأنه وطء مختلف في حله فيكون ذلك شبهة وليس لها أن تتزوج غيره وقال أصحاب الشافعي تحل لزوج ثان غير أنها ممنوعة منه في الحكم وقال القاضي يصح النكاح ولنا إن هذا يفضي إلى الجمع بين الوطء للمرأة من اثنين أحدهما يطؤها بحكم الظاهر والآخر بحكم الباطن وهذا فساد فلا يشرع ولأنها منكوحة لهذا الذي قامت له البينة في قول بعض الأئمة فلم يجز تزويجها لغيره كالمتزوجة بغير ولي وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى مثل مذهب أبي حنيفة في أن حكم الحاكم يزيل الفسوخ والعقود والأول هو المذهب فصل وإذا استعدى رجل على رجل إلى الحاكم ففيه روايتان إحداهما أنه يلزمه أن يعديه ويستدعي خصمه سواء علم بينهما معاملة أو لم يعلم وسواء كان المستعدي ممن يعامل المستعدى عليه أو لا يعامله كالفقير يدعي على ذي ثروة وهيئة نص على هذا في رواية الأثرم في الرجل يستعدي على الحاكم أنه يحضره ويستحلفه وهذا اختيار أبي بكر ومذهب أبي حنيفة والشافعي لأن في تركه تضييعا للحقوق وإقرارا للظلم فإنه قد ثبت له الحق على من هو أرفع منه بغصب أو يشتري منه شيئا ولا يوفيه أو يودعه شيئا أو يعيره إياه فلا يرده ولا تعلم بينهما معاملة فإذا لم يعد عليه سقط حقه وهذا أعظم ضررا من حضور مجلس الحاكم فإنه لا نقيصة فيه وقد حضر عمر وأبي عند زيد وحضر هو وآخر عند شريح وحضر علي عند شريح وحضر المنصور عند رجل من ولد طلحة بن عبيد الله والرواية الثانية لا يستدعيه إلا أن يعلم بينهما معاملة ويتبين أن لما ادعاه أصلا روي ذلك عنعلي رضي الله عنه وهو مذهبمالك لأن في أعدائه على كل أحد تبذيل أهل المروءات وإهانة لذوي الهيئات فإنه لا يشاء أحد أن يبذلهم عند الحاكم إلا فعل وربما فعل هذا من لا حق له ليفتدي المدعي عليه من حضوره وشر خصمه بطائفة من ماله والأولى أولى لأن ضرر تضييع الحق أعظم من هذا وللمستدعي عليه أن يوكل من يقوم مقامه إن كره الحضور وإن كان المستدعى عليه امرأة نظرت فإن كانت برزة وهي التي تبرز لقضاء حوائجها فحكمها حكم الرجل وإن كانت مخدرة وهي التي تبرز لقضاء حوائجها أمرت بالتوكيل فإن توجهت اليمين عليها بعث الحاكم أمينا معه شاهدان فيستحلفها بحضرتهما فإن أقرت شهدا عليها وذكر القاضي أن الحاكم يبعث من يقضي بينها وبين خصمها في دارها وهو مذهب الشافعي لأن النبي قال واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فبعث إليها ولم يستدعها وإذا حضروا عندها كان بينها وبينهم ستر تتكلم من ورائه فإن اعترفت للمدعي أنها خصمه حكم بينهما

حصہ V10/P105–V10/P106

وإن أنكرت ذلك جيء بشاهدين من ذوي رحمها يشهدان أنها المدعى عليها ثم يحكم بينهما فإن لم تكن له بينة التحفت بجلبابها وأخرجت من وراء الستر لموضع الحاجة وما ذكرناه أولى إن شاء الله لأنه أستر لها وإذا كانت خفرة منعها الحياء من النطق بحجتها والتعبير عن نفسها سيما مع جهلها بالحجة وقلة معرفتها بالشرع وحججه فصل ولا يخلو المستعدى عليه من أن يكون حاضرا أو غائبا فإن كان حاضرا في البلد أو قريبا منه فإن شاء الحاكم بعث مع المستعدي عونا يحضر المدعى عليه وإن شاء بعث معه قطعة من شمع أو طين مختوما بخاتمه فإذا بعث معه ختما فعاد فذكر أنه امتنع أو كسر الختم بعث إليه عيونا فإن امتنع أنفذ صاحب المعنونة فأحضره فإذا حضر وشهد عليه شاهدان بالامتناع عزره إن رأى ذلك بحسب ما يراه تأديبا له إما بالكلام وكشف رأسه أو بالضرب أو بالحبس فإن اختبأ بعث الحاكم من ينادي على بابه ثلاثا أنه إن لم يحضر سمر بابه وختم عليه ويجمع أماثل جيرانه ويشهدهم على إعذاره فإن لم يحضر وسأل المدعي أن يسمر عليه منزله ويختم عليه وتقرر عند الحاكم أن المنزل منزله سمره أو ختمه فإن لم يحضر بعث الحاكم من ينادي على بابه بحضرة شاهدي عدل أنه لم يحضر مع فلان أقام عنه وكيلا وحكم عليه فإن لم يحضر أقام عنه وكيلا وسمع البينة عليه وحكم عليه كما يحكم على الغائب وقضى حقه من ماله إن وجد له مالا وهذا مذهب الشافعي وأبي يوسف وأهل البصرة حكاه عنهم أحمد وإن لم يجد له مالا ولم تكن للمدعي بينة فكان أحمد ينكر التهجم عليه ويشتد عليه حتى يظهر وقال الشافعي إن علم له مكانا أمر بالهجوم عليه فيبعث خصيانا أو غلمانا لم يبلغوا الحلم وثقات من النساء معهم ذوو عدل من الرجال فيدخل النساء والصبيان فإذا حصلوا في صحن الدار دخل الرجال ويؤمر الخصيان بالتفتيش ويتفقد النساء فإن ظفروا به أخذوه فأحضروه وإن استعدى على غائب نظرت فإن كان الغائب في غير ولاية القاضي لم يكن له أن يعدي عليه وله الحكم عليه على ما سنذكره إن شاء الله تعالى وإن كان في ولايته وله في بلده خليفة فإن كانت له بينة ثبت الحق عنده وكتب به إلى خليفته ولم يحضره وإن لم تكن له بينة حاضرة نفذه إلى خصمه ليخاصمه عند خليفته وإن لم يكن له فيه خليفة وكان فيه من يصلح للقضاء أذن له في الحكم بينهما وإن لم يكن فيه من يصلح للقضاء قيل له حرر دعواك لأنه يجوز أن يكون ما يدعيه ليس بحق عنده كالشفعة للجار وقيمة الكلب أو خمر الذمي فلا يكلفه الحضور لما لا يقضي عليه به مع المشقة فيه بخلاف الحاضر فإنه لا مشقة في حضوره فإذا تحررت بعث فأحضر خصمه بعدت المسافة أو قربت وبهذا قال الشافعي وقال أبو يوسف إن كان يمكنه أن يحضر ويعود فيأوي إلى موضعه أحضره وإلا لم يحضره ويوجد من يحكم بينهما وقيل إن كانت المسافة دون مسافة القصر أحضره وإلا فلا ولنا أنه لا بد من فصل الخصومة بين المتخاصمين فإذا لم يمكن إلا بمشقة فعل ذلك كما لو امتنع من الحضور فإنه يؤدب ويعزر ولأن إلحاق المشقة به أولى من إلحاقها بمن ينفذه الحاكم ليحكم بينهما وإن كانت امرأة برزة لم يشترط في سفرها هذا محرم نص عليه أحمد لأنه لحق آدمي وحق الآدمي مبني على الشح والضيق

حصہ V10/P106–V10/P108

فصل وإن استعدى على الحاكم المعزول لم يعده حتى يعرف ما يدعيه فيسأله عنه صيانة للقاضي عن الامتهان فإن ذكر أنه يدعي عليه حقا من دين أو غصب أعداه وحكم بينهما كغير القاضي وكذلك إن ادعى أنه أخذ منه رشوة على الحكم لأن أخذ الرشوة عليه لا يجوز فهي كالغصب وإن ادعى عليه الجور في الحكم وكان للمدعي بينة أحضره وحكم بالبينة وإن لم يكن معه بينة ففيه وجهان أحدهما لا يحضره لأن في إحضاره وسؤاله امتهانا له وأعداء القاضي كثير وإذا فعل هذا معه لم يؤمن ألا يدخل في القضاء أحد خوفا من عاقبته والثاني يحضره لجواز أن يعترف فإن حضر واعترف حكم عليه وإن أنكر فالقول قوله من غير يمين لأن قول القاضي مقبول بعد العزل كما يقبل في ولايته وإن ادعى عليه أنه قتل ابنه ظلما فهل يستحضره من غير بينة فيه وجهان فإن أحضره فاعترف حكم عليه وإلا فالقول قوله وإن ادعى أنه أخرج عينا من يده بغير حق فالقول قول الحاكم من غير يمين ويقبل قوله للمحكوم له بها على ما سنذكره إن شاء الله تعالى فصل وإن ادعى على شاهدين أنهما شهدا عليه زورا أحضرهما فإن اعترفا أغرمهما وإن أنكرا وللمدعي بينة على إقرارهما بذلك فأقامها لزمهما ذلك وإن أنكرا لم يستحلفا لأن إحلافهما يطرق عليهما الدعاوي في الشهادة والامتهان وربما منع ذلك إقامة الشهادة وهذا قول الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا مسألة قال ( وإذا شهد عنده من لا يعرفه سأل عنه فإن عدله اثنان قبل شهادته ) وجملته أنه إذا شهد عند الحاكم شاهدان فإن عرفهما عدلين حكم بشهادتهما وإن عرفهما فاسقين لم يقبل قولهما وإن لم يعرفهما سأل عنهما لأن معرفة العدالة شرط في قبول الشهادة بجميع الحقوق وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وعن أحمد رواية أخرى يحكم بشهادتهما إذا عرف إسلامهما بظاهر الحال إلا أن يقول الخصم هما فاسقان وهذا قول الحسن والمال والحد في هذا سواء لأن الظاهر من المسلمين العدالة ولهذا قال عمر رضي الله عنه المسلمون عدول بعضهم على بعض وروي أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهد برؤية الهلال فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أتشهد ألا إله إلا الله فقال نعم فقال أتشهد أني رسول الله قال نعم فصام وأمر الناس بالصيام ولأن العدالة أمر خفي سببها الخوف من الله تعالى ودليل ذلك الإسلام فإذا وجد فليكتف به ما لم يقم على خلافه دليل وقال أبو حنيفة في الحدود والقصاص كالرواية الأولى وفي سائر الحقوق كالثانية لأن الحدود والقصاص مما يحتاط لها وتندرىء بالشبهات بخلاف غيرها ولنا أن العدالة شرط فوجب العلم بها كالإسلام أو كما لو طعن الخصم فيهما فأما الأعرابي المسلم فإنه كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبتت عدالتهم بثناء الله تعالى عليهم فإن من ترك دينه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إيثارا لدين الإسلام وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتت عدالته وأما قول عمر فالمراد به أن الظاهر العدالة ولا يمنع ذلك في وجوب البحث ومعرفة حقيقة العدالة فقد روي عنه أنه أتي بشاهدين فقال لهما عمر لست أعرفكما ولا يضركما إن لم أعرفكما جيئا بمن يعرفكما فأتيا برجل فقال له عمر تعرفهما فقال نعم فقال عمر صحبتهما في السفر الذي تبين فيه جواهر الناس قال لا قال عاملتهما في الدنانير والدراهم التي تقطع فيها الرحم قال لا قال كنت جارا لهما تعرف صباحهما ومساءهما قال لا قال يا ابن أخي لست تعرفهما جيئا بمن يعرفكما وهذا بحث يدل على أنه لا يكتفي بدونه

حصہ V10/P108–V10/P109

إذا ثبت هذا فإن الشاهد يعتبر فيه أربعة شروط الإسلام والبلوغ والعقل والعدالة فليس فيها ما يخفى ويحتاج إلى البحث إلا العدالة فيحتاج إلى البحث عنها لقول الله تعالى ممن ترضون من الشهداء البقرة 282 ولا نعلم أنه مرضي حتى نعرفه أو نخبر عنه فيأمر الحاكم بكتب أسمائهم وكناهم ونسبهم ويرفعون فيها بما يمتيزون به عن غيرهم ويكتب صنائعهم ومعائشهم وموضع مساكنهم وصلاتهم ليسأل عن جيرانهم وأهل سوقهم ومسجدهم ومحلتهم ونحلتهم فيكتب أسود أو أبيض أو أنزع أو أغم أو أشهل أو أكحل أقنى الأنف أو أفطس أو رقيق الشفتين أو غليظهما طويل أو قصير أو ربعة ونحو هذا ليتميز ولا يقع اسم على اسم ويكتب اسم المشهود له والمشهود عليه وقدر الحق ويكتب ذلك كله لأصحاب مسائله لكل واحد رقعة وإنما ذكرنا المشهود له لئلا يكون بينه وبين الشاهد قرابة تمنع الشهادة أو شركة وذكرنا اسم المشهود عليه ليعرف لئلا تكون بينه وبين الشاهد عداوة وذكرنا قدر الحق لأنه ربما كان ممن يرون قبوله في اليسير دون الكثير فتطيب نفس المزكي به إذا كان يسيرا ولا تطيب إذا كان كثيرا وينبغي للقاضي أن يخفي عن كل واحد من أصحاب مسائله ما يعطي الآخر من الرقاع لئلا يتواطؤوا وإن شاء الحكم عين لصاحب مسائله من يسأله ممن يعرفه من جوار الشاهد وأهل الخبرة به وإن شاء أطلق ولم يعين المسؤول ويكون السؤال سرا لئلا يكون فيه هتك المسؤول عنه وربما يخاف المسؤول من الشاهد أو من المشهود له أو المشهود عليه أن يخبر بما عنده أو يستحي وينبغي أن يكون أصحاب مسائله غير معروفين له لئلا يقصدوا بهدية أو رشوة وأن يكونوا أصحاب عفاف في الطعمة والأنفس ذوي عقول وافرة أبرياء من الشحناء والبغض لئلا يطعنوا في الشهود أو يسألوا عن الشاهد عدوه فيطعن فيه فيضيع حق المشهود له ولا يكونون من أهل الأهواء والعصبية يميلون إلى من وافقهم على من خالفهم ويكونون أمناء ثقات لأن هذا موضع أمانة فإذا رجع أصحاب مسائله فأخبر اثنان بالعدالة قبل شهادته وإن أخبر بالجرح رد شهادته وإن أخبر أحدهما بالعدالة والآخر بالجرح بعث آخرين فإن عادا فأخبرا بالتعديل تمت بينة التعديل وسقط الجرح لأن بينته لم تتم وإن أخبرا بالجرح ثبت ورد الشهادة وإن أخبر أحدهما بالجرح والآخر بالتعديل تمت البيتان ويقدم الجرح ولا يقبل الجرح والتعديل إلا من اثنين ويقبل قول أصحاب المسائل وقيل لا يقبل إلا شهادة المسؤولين ويكلف اثنين منهم أن يشهدوا بالتزكية والجرح عنده على شروط الشهادة في اللفظ وغيره ولا تقبل من صاحب المسألة لأن ذلك شهادة على شهادة مع حضور شهود الأصل ووجه القول الأول أن شهادة أصحاب المسائل شهادة استفاضة لا شهادة على شهادة فيكتفي بمن يشهد بها كسائر شهادات الإستفاضة ولأنه موضع حاجة فلا يلزم المزكي الحضور للتزكية وليس للحاكم إجباره عليها فصار كالمرض والغيبة في سائر الشهادات ولأننا لو لم نكتف بشهادة أصحاب المسائل لتعذرت التزكية لأنه قد يتفق ألا يكون في جيران الشاهد من يعرفه الحاكم فلا يقبل قوله فيفوت التعديل والجرح فصل قال القاضي ولا بد من معرفة إسلام الشاهد ويحصل ذلك بأحد أربعة أمور أحدها إخباره عن نفسه أنه مسلم أو إتيانه بكلمة الإسلام وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله لأنه لو لم يكن مسلما صار مسلما بذلك الثاني اعتراف المشهود عليه بإسلامه لأن ذلك حق عليه الثالث خبرة الحاكم لأننا اكتفينا بذلك في عدالته فكذلك في إسلامه الرابع بينة تقوم به ولا بد من معرفة الحرية في موضع تعبر فيه ويكفي في ذلك أحد أمور ثلاثة بينة أو اعتراف المشهود عليه أو خبرة الحاكم ولا يكفي اعتراف الشاهد لأنه لا يملك أن يصير حرا فلا يملك الإقرار به بخلاف الإسلام

حصہ V10/P109–V10/P111

فصل وإذا شهد عند الحاكم مجهول الحال فقال المشهود عليه هو عدل ففيه وجهان أحدهما يلزم الحاكم الحكم بشهادته لأن البحث عن عدالته لحق المشهود عليه وقد اعترف بها ولأنه إذا أقر بعدالته فقد أقر بما يوجب الحكم لخصمه فيؤخذ بإقراره كسائر أقاريره والثاني لا يجوز الحكم بشهادته لأن في الحكم بها تعديلا له فلا يثبت بقول واحد ولأن اعتبار العدالة في الشاهد حق لله تعالى ولهذا لو رضي الخصم بأن يحكم عليه بقول فاسق لم يجز الحكم به ولأنه لا يخلو إما أن يحكم عليه مع تعديله أو مع انتفائه لا يجوز أن يقال مع تعديله لأن التعديل لا يثبت بقول الواحد ولا يجوز مع انتفاء تعديله لأن الحكم بشهادة غير العدل غير جائز بدليل شهادة من ظهر فسقه ومذهب الشافعي مثل هذا فإن قلنا بالأول فلا يثبت تعديله في حق غير المشهود عليه لأنه لم توجد بينة التعديل وإنما حكم عليه لإقراره بوجود شروط الحكم وإقراره يثبت في حقه دون غيره كما لو أقر بحق عليه وعلى غيره في حقه دون غيره مسألة قال ( وإن عدله اثنان وجرحه اثنان فالجراحة أولى ) وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك ينظر أيهما أعدل اللذان جرحاه أو اللذان عدلاه فيؤخذ بقول أعدلهما ولنا أن الجارح معه زيادة علم خفيت على المعدل فوجب تقديمه لأن التعديل يتضمن ترك الريب والمحارم والجارح مثبت لوجود ذلك والإثبات مقدم على النفي ولأن الجارح يقول رأيته يفعل كذا والمعدل مستنده أنه لم يره يفعل ويمكن صدقهما والجمع بين قوليهما بأن يراه الجارح يفعل المعصية ولا يراه المعدل فيكون مجروحا فصل ولا يقبل الجرح والتعديل إلا من اثنين وبهذا قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن وابن المنذر وروي عن أحمد يقبل ذلك من واحد وهو اختيار أبي بكر وقولأبي حنيفة لأنه خبر لا يعتبر فيه لفظ الشهادة فقبل من واحد كالرواية ولنا إنه إثبات صفة من يبني الحاكم حكمه على صفته فاعتبر فيه العدد كالحضانة وفارق الرواية فإنها على المساهلة ولا نسلم أنها لا تفتقر إلى لفظ الشهادة ويعتبر في التعديل والجرح لفظ الشهادة فيقول في التعديل أشهد أنه عدل ويكفي هذا وإن لم يقل علي ولي هذا قول أكثر أهل العلم وبه يقول شريح وأهل العراق ومالك وبعض الشافعية وقال أكثرهم لا يكفيه إلا أن يقول عدل علي ولي واختلفوا في تعليله فقال بعضهم لئلا تكون بينهما عداوة أو قرابة وقال بعضهم لئلا يكون عدلا في شيء دون شيء ولنا قول الله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 فإذا شهدا أنه عدل ثبت ذلك بشهادتهما فيدخل ذلك في عموم الأمر لأنه إذا كان عدلا لزم أن يكون له وعليه وفي حق سائر الناس وفي كل شيء فلا يحتاج إلى ذكره ولا يصح ما ذكروه فإن الإنسان لا يكون عدلا في شيء دون شيء ولا في حق شخص دون شخص فإنها لا توصف بهذا ولا تنتفي أيضا بقوله عدل علي ولي فإن من ثبتت عدالته لم تزل بقرابة ولا عداوة وإنما ترد شهادته للتهمة مع كونه عدلا ثم إن هذا إذا كان معلوما انتفاؤه بينهما لم يحتج إلى ذكره ولا نفيه عن نفسه كما لو شهد بالحق من عرف الحاكم عدالته لم يحتج إى أن ينفي عن نفسه ذلك ولأن العداوة لا تمنع من شهادته له بالتزكية وإنما تمنع الشهادة عليه وهذا شاهد له بالتزكية والعدالة فلا حاجة به إلى نفي العداوة فصل ولا يكفي أن يقول لا أعلم منه إلا الخير وهذا مذهب الشافعي وقال أبو يوسف يكفي لأنه إذا كان من أهل الخبرة به ولا يعلم إلا الخير فهو عدل ولنا أنه لم يصرح بالتعديل فلم يكن تعديلا كما لو قال أعلم منه خيرا وما ذكروه لا يصح لأن الجاهل بحال أهل الفسق لا يعلم منهم إلا الخير لأنه يعلم إسلامهم وهو خير لا يعلم منهم غير ذلك وهم غير عدول

حصہ V10/P111–V10/P112

فصل قال أصحابنا ولا يقبل التعديل إلا من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة وهذا مذهب الشافعي لخبر عمر الذي قدمناه ولأن عادة الناس إظهار الصالحات وإسرار المعاصي فإذا لم يكن ذا خبرة باطنة ربما اغتر بحسن ظاهره وهو فاسق في الباطن وهذا يحتمل أن يريدوا به أن الحاكم إذا علم أن المعدل لا خبرة له لم تقبل شهادته بالتعديل كما فعل عمر رضي الله عنه ويحتمل أنهم أرادوا أنه لا يجوز للمعدل الشهادة بالعدالة إلا أن تكون له خبرة باطنة فأما الحاكم إذا شهد عنده العدل بالتعديل ولم يعرف حقيقة الحال فله أن يقبل الشهادة من غير كشف وإن استكشف الحال كما فعل عمر رضي الله عنه فلا بأس فصل ولا يسمع الجرح إلا مفسرا ويعتبر فيه اللفظ فيقول أشهد أنني رأيته يشرب الخمر أو يعامل بالربا أو يظلم الناس بأخذ أموالهم أو ضربهم أو سمعته يقذف أو يعلم ذلك باستفاضته في الناس ولا بد من ذكر السبب وتعيينه وبهذا قال الشافعي وسوار وقالأبو حنيفة يقبل الجرح المطلق وهو أن يشهد أنه فاسق أو أنه ليس يعدل وعن أحمد مثله لأن التعديل يسمع مطلقا فكذلك الجرح ولأن التصريح بالسبب يجعل الجارح فاسقا ويوجب عليه الحد في بعض الحالات وهو أن يشهد عليه بالزنا فيقضي الجرح إلى جرح الجارح وتبطيل شهادته ولا يتجرح بها المجروح ولنا أن الناس يختلفون في أسباب الجرح كاختلافهم في شارب النبيذ فوجب أن لا يقبل مجرد الجرح لئلا يخرجه بما لا يراه القاضي جرحا ولأن الجرح ينقل عن الأصل فإن الأصل في المسلمين العدالة والجرح ينقل عنها فلا بد أن يعرف الناقل لئلا يعتقد نقله بما لا يراه الحاكم ناقلا وقولهم إنه يفضي إلى جرح الجارح وإيجاب الحد عليه قلنا ليس كذلك لأنه يمكنه التعريض من غير تصريح فإن قيل ففي بيان السبب هتك المجروح قلنا لا بد من هتكه فإن الشهادة عليه بالفسق هتك له ولكن جاز ذلك للحاجة الداعية إليه كما جازت الشهادة عليه به لإقامة الحد عليه بل ها هنا أولى فإن فيه دفع الظلم عن المشهود عليه وهو حق آدمي فكان أولى بالجواز ولأن هتك عرضه بسببه لأنه تعرض للشهادة مع ارتكابه ما يوجب جرحه فكان هو الهاتك لنفسه إذ كان فعله هو المحوج للناس إلى جرحه فإن صرح الجارح بقذفه بالزنا فعليه الحد إن لم يأت بتمام أربعة شهداء وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا حد عليه إذا كان بلفظ الشهادة لأنه لم يقصد إدخال المعرة عليه ولنا قول الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة النور 4 ولأن أبا بكرة ورفيقيه شهدوا على المغيرة بالزنا ولم يكمل زياد شهادته فجلدهم عمر حد القذف بمحضر الصحابة فلم ينكره منكر فكان إجماعا ويبطل ما ذكروه بما إذا شهدوا عليه لإقامة الحد عليه فصل وإذا أقام المدعى عليه بينة أن هذين الشاهدين شهدا بهذا الحق عند حاكم فرد شهادتهما لفسقهما بطلت شهادتهما لأن الشهادة إذا ردت لفسق لم تقبل مرة ثانية فصل ولا يقبل الجرح والتعديل من النساء وقال أبو حنيفة يقبل لأنه لا يعتبر فيه لفظ الشهادة فأشبه الرواية وإخبار الديات ولنا أنها شهادة فيما ليس بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال فأشبه الشهادة في القصاص وما ذكروه غير مسلم فصل ولا يقبل الجرح من الخصم بلا خلاف بين العلماء فلو قال المشهود عليه هذان فاسقان أو عدوان لي أو آباء للمشهود له لم يقبل قوله لأنه متهم في قوله ويشهد بما يجر إليه نفعا فأشبه الشهادة لنفسه ولو قبلنا قوله لم يشأ أحد أن يبطل شهادة من شهد عليه إلا أبطلها فتضيع الحقوق وتذهب حكمة شرع البينة

حصہ V10/P112–V10/P113

فصل ولا تقبل شهادة المتوسمين وذلك إذا حضر مسافران فشهدا عند حاكم لا يعرفهما لم تقبل شهادتهما وقال مالك يقبلهما إذا رأى فيهما سيما الخير لأنه لا سبيل إلى معرفة عدالتهما ففي التوقف عن قبولهما تضييع الحقوق فوجب الرجوع فيهما إلى السيماء الجميلة ولنا أن عدالتهما مجهولة فلم يجز الحكم بشهادتهما كشاهدي الحضر وما ذكروه معارض بأن قبول شهادتهما يفضي إلى أن يقضي بشهادتهما بدفع الحق إلى غير مستحقه فصل قال أحمد ينبغي للقاضي أن يسأل عن شهوده كل قليل لأن الرجل ينتقل من حال إلى حال وهل هذا مستحب أو واجب فيه وجهان أحدهما مستحب لأن الأصل بقاء ما كان فلا يزول حتى يثبت الجرح والثاني يجب البحث كلما مضت مدة يتغير الحال فيها لأن العيب يحدث وذلك على ما يراه الحاكم ولأصحاب الشافعي وجهان مثل هذين فصل وليس للحاكم أن يرتب شهودا لا يقبل غيرهم لأن الله تعالى قال وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 ولأن فيه إضرارا بالناس لأن كثيرا من الوقائع التي يحتاج إلى البينة فيها تقع عند غير المرتبين فمتى ادعى إنسان شهادة غير المرتبين وجب على الحاكم سماع بينته والنظر في عدالة شاهديه ولا يجوز ردهم بكونهم من غير المرتبين لأن ذلك يخالف الكتاب والسنة والإجماع لكن له أن يرتب شهودا يشهدهم الناس فيستغنون بإشهادهم عن تعديلهم ويستغني الحاكم عن الكشف عن أحوالهم فيكون فيه تخفيف من وجه ويكونون أيضا يزكون من عرفوا عدالته من غيرهم إذا شهد فصل ولا بأس أن يعظ الشاهدين كما روي عن شريح أنه كان يقول للشاهدين إذا حضرا يا هذان ألا تريان إني لم أدعكما ولست أمنعكما أن ترجعا وإنما يقضي على هذا أنتما وأنا معتق بكما فاتقيا وفي لفظ إني بكما أقضي اليوم وبكما أتقي يوم القيامة وروى أبو حنيفة قال كنت عند محارب بن دثار وهو قاضي الكوفة فجاء رجل فادعى على رجل حقا فأنكره فأحضر المدعي شاهدين فشهدا له فقال المشهود عليه والذي به تقوم السماء والأرض لقد كذبا علي في الشهادة وكان المحارب بن دثار متكئا فاستوى جالسا وقال سمعت ابن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الطير لتخفق بأجنحتها وترمي ما في حواصلها من هول يوم القيامة وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار فإن صدقتما فاثبتا وإن كذبتما فغطيا رؤوسكما وانصرفا فغطيا رؤوسهما وانصرفا مسألة قال ( ويكون كاتبه عدلا وكذلك قاسمه ) وجملته أنه يستحب للحاكم أن يتخذ كاتبا لأن النبي صلى الله عليه وسلم استكتب زيد بن ثابت وغيره ولأن الحاكم تكثر أشغاله ونظره فلا يمكنه أن يتولى الكتابة بنفسه وإن أمكنه تولي الكتابة بنفسه جاز والاستنابة فيه أولى ولا يجوز أن يستنيب في ذلك إلا عدلا لأن الكتابة موضع أمانة ويستحب أن يكون فقيها ليعرف مواقع الألفاظ التي تتعلق بها الأحكام ويفرق بين الجائز والواجب وينبغي أن يكون وافر العقل ورعا نزها لئلا يستمال بالطمع ويكون مسلما لأن الله تعالى قال يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا آل عمران 118 ويروى أن أبا موسى قدم على عمر رضي الله عنه ومعه كاتب نصراني فأحضر أبو موسى شيئا من مكتوباته عند عمر فاستحسنه وقال قل لكاتبك يجيء فيقرأ كتابه قال إنه لا يدخل المسجد قال ولم قال إنه نصراني فانتهره عمر وقال لا تأتمنوهم وقد خونهم الله تعالى ولا تقربوهم وقد أبعدهم الله تعالى ولا تعزوهم وقد أذلهم الله تعالى ولأن الإسلام من شروط العدالة والعدالة شرط وقال أصحاب الشافعي في اشتراط عدالته وإسلامه وجهان أحدهما تشترط لما ذكرنا

حصہ V10/P113–V10/P115

والثاني لا تشترط لأن ما يكتبه لا بد من وقوف القاضي عليه فتؤمن الخيانة فيه ويستحب أن يكون جيد الخط لأنه أكمل وأن يكون حرا يخرج من الخلاف وإن كان عبدا جاز لأن شهادة العبد جائزة ويكون القاسم على الصفة التي ذكرنا في الكاتب ولا بد من كونه حاسبا لأنه عمله وبه يقسم فهو كالخط للكاتب والفقه للحاكم ويستحب للحاكم أن يجلس كاتبه بين يديه ليشاهد ما يكتبه ويشافهه بما يملي عليه وإن قعد ناحية جاز لأن المقصود يحصل فإن ما يكتبه يعرض على الحاكم فيستبرئه فصل وإذا ترافع إلى الحاكم خصمان فأقر أحدهما لصاحبه فقال المقر له للحاكم أشهد لي على إقراره شاهدين لزمه ذلك لأن الحاكم لا يحكم بعلمه فربما جحد المقر فلا يمكنه الحكم عليه بعلمه ولو كان يحكم بعلمه احتمل أن ينسى فإن الإنسان عرضة النسيان فلا يمكنه الحكم بإقراره وإن ثبت عنده حق بنكول المدعى عليه أو بيمين المدعي بعد النكول فسأله المدعي أن يشهد على نفسه لزمه لأنه لا حجة للمدعي سوى الإشهاد وإن ثبتت عنده بينة فسأله الإشهاد ففيه وجهان أحدهما لا يلزمه لأن بالحق بينة فلا يجب جعل بينة أخرى والثاني يجب لأن في الإشهاد فائدة جديدة وهي إثبات تعديل بينته وإلزام خصمه وإن حلف المنكر وسأل الحاكم الإشهاد على براءته لزمه ليكون حجة له في سقوط المطالبة مرة أخرى وفي جميع ذلك إذا سأله أن يكتب له محضرا بما جرى ففيه وجهان أحدهما يلزمه ذلك لأنه وثيقة له فهو كالإشهاد لأن الشاهدين ربما نسيا الشهادة أو نسيا الخصمين فلا يذكرهما إلا ذوي خطيهما والثاني لا يلزمه لأن الإشهاد يكفيه والأول أصح لأن الشهود تكثر عليهما الشهادات ويطول عليهم الأمد فالظاهر أنهما لا يتحققان الشهادة تحققا يحصل به أداؤها فلا يتقيد إلا بالكتاب فإن اختار أن يكتب له محضرا فصفته حضر القاضي فلان بن فلان الفلاني قاضي عبد الله الإمام فلان على كذا وكذا وإن كان خليفة القاضي قال خليفة القاضي فلان بن فلان الفلاني عبد الله قاضي الإمام بمجلس حكمه وقضائه فإن كان يعرف المدعي والمدعى عليه بأسمائهما وأنسابهما قال فلان بن فلان الفلاني وأحضر معه فلان بن فلان الفلان ويرفع في نسبهما حتى يتميز ويستحب ذكر حليتهما وإن أخل به جاز لأن ذكر نسبهما إذا رفع فيه أغنى عن ذكر الحلية وإن كان الحاكم لا يعرف الخصمين قال مدع ذكر أنه فلان بن فلان الفلاني وأحضر معه مدعى عليه ذكر أنه فلان بن فلان الفلاني ويرفع في نسبهما ويذكر حليتهما لأن الاعتماد عليهما فربما استعارا النسب ويقول أغم أو انزع ويذكر صفة العينين والأنف والفم والحاجبين واللون والطول والقصر ما ادعى عليه كذا وكذا فأقر له ولا يحتاج أن يقول بمجلس حكمه لأن الإقرار يصح في غير مجلس الحكم وإن كتب أنه شهد على إقراره شاهدان كان أوكد ويكتب الحاكم على رأس المحضر الحمد لله رب العالمين أو ما أحب من ذلك فأما إن أنكر المدعى عليه وشهدت عليه بينة قال فادعى عليه كذا وكذا فأنكر فسأل الحاكم المدعي ألك بينة فأحضرها وسأل الحاكم سماعها ففعل وسأله أن يكتب له محضرا بما جرى فأجابه إليه وذلك في وقت كذا ويحتاج ها هنا أن يذكر بمجلس حكمه وقضائه بخلاف الإقرار لأن البينة لا تسمع إلا في مجلس الحكم والإقرار بخلافه ويكتب الحاكم في آخر المحضر شهدا عندي بذلك فإن كان مع المدعي كتاب فيه خط الشاهد كتب خطوطهما أو تحت خط كل واحد منهما شهد عندي بذلك ويكتب علامته في رأس المحضر وإن اقتصر على ذلك دون المحضر جاز

حصہ V10/P115–V10/P116

فأما إن لم تكن للمدعي بينة فاستحلف المنكر ثم سأل المنكر الحاكم محضرا لئلا يحلف في ذلك ثانيا كتب له مثل ما تقدم إلا أنه يقول فأنكر فسأل الحاكم المدعي ألك بينة فلم تكن له بينة فقال لك يمينه فسأله أن يستحلفه فاستحلفه في مجلس حكمه وقضائه في وقت كذا وكذا ولا بد من ذكر تحليفه لأن الاستحلاف لا يكون إلا في مجلس الحكم ويعلم في أوله خاصة وإن نكل المدعى عليه عن اليمين قال فعرض اليمين على المدعى عليه فنكل عنها فسأل خصمه الحاكم أن يقضي عليه بالحق فقضى عليه في وقت كذا ويعلم في آخره ويذكر أن ذلك في مجلس حكمه وقضائه فهذه صفة المحضر فأما إن سأل صاحب الحق الحاكم أن يحكم له بما ثبت في المحضر لزمه أن يحكم له به وينفذه فيقول حكمت به ألزمته الحق أنفذت الحكم به فإن طلبه أن يشهد له على حكمه لزمه ذلك لتحصل له الوثيقة به فإن طالبه أن يسجل له به وهو أن يكتب في المحضر ويشهد على إنفاذه سجل له وفي وجوب ذلك الوجهان المذكوران في المحضر وهذه صورة السجل بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أشهد عليه القاضي فلان بن فلان الفلاني قاضي عبد الله الإمام على كذا وكذا في مجلس حكمه وقضائه في موضع كذا وكذا في وقت كذا وكذا أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان ونسبهما وقد عرفهما بما ساغ له به قبول شهادتهما عنده بما في كتاب نسخه وينسخ الكتاب إن كان معه أو المحضر في أي حكم كان فإذا فرغ منه قال بعد ذلك فحكم به فأنفذه وأمضاه بعد أن سأله فلان بن فلان أن يحكم له به ولا يحتاج أن يذكر أنه بمحضر المدعى عليه لأن القضاء على الغائب جائز فإن أراد أن يذكره احتياطا قال بعد أن حضره من ساغ له الدعوى عليه ويكتب الحاكم بالسجل والمحضر نسختين إحداهما تكون في يد صاحب الحق والأخرى تكون في ديوان الحكم فإن هلكت إحداهما نابت الأخرى عنها ويختم الذي في ديوان الحكم ويكتب على طيه سجل فلان بن فلان أو محضر فلان بن فلان أو وثيقة فلان بن فلان فإن كثر ما عنده جمع ما يجتمع في كل يوم أو أسبوع أو شهر على قدر كثرتها وقلتها وشدها إضبارة ويكتب عليها أسبوع كذا من شهر كذا من سنة كذا ثم يضم ما يجتمع في السنة ويدعها ناحية ويكتب عليها كتب سنة كذا حتى إذا حضر من يطلب شيئا منها سام عن السنة فيخرج كتب تلك السنة ويسهل وينبغي أن يتولى جمعها وشدها بنفسه لئلا يزور عليه فإن تولى ذلك ثقة من ثقاته جاز فصل وينبغي أن يجعل من بيت المال شيء برسم الكاغد الذي يكتب فيه المحاضر والسجلات وأنه من المصالح فإنه يحفظ به الوثائق ويذكر الحاكم حكمه والشاهد شهادته ويرجع بالدرك على من رجع عليه فإن أعوز ذلك لم يلزم الحاكم ذلك ويقول لصاحب الحق إن شئت جئت بكاغد أكتب لك فيه فإنه حجة لك ولست أكرهك عليه فصل وإذا ارتفع إليه خصمان فذكر أحدهما أن حجته في ديوان الحكم فأخرجها الحاكم من ديوانه فوجدها مكتوبة بخطه تحت ختمه وفيها حكمه فإن ذكر ذلك حكم به وإن لم يذكره لم يحكم به نص عليه أحمد في الشهادة قاله بعض أصحابنا وهو قول أبي حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن وعنأحمد رضي الله عنه أنه يحكم به وبه قال ابن أبي ليلى وهذا الذي رأيته عن أحمد في الشهادة لأنه إذا كان في قمطره تحت ختمه لم يحتمل أن يكون إلا صحيحا ووجه الأولى أنه حكم حاكم لم يعلمه فلم يجز إنفاذه إلا ببينة كحكم غيره ولأنه يجوز أن يزور عليه وعلى ختمه والخط يشبه الخط فإن قيل فلو وجد في دفتر أبيه حقا على إنسان جاز له أن يدعيه ويحلف عليه

حصہ V10/P116–V10/P117

قلنا هذا يخالف الحكم والشهادة بدليل الإجماع على أنه لو وجد بخط أبيه شهادة لم يجز له أن يحكم بها ولا يشهد بها ولو وجد حكم أبيه مكتوبا بخطه لم يجز له إنفاذه ولأنه يمكنه الرجوع فيما حكم به عليه إلى نفسه لأنه فعل نفسه فروعى ذلك وأما ما كتبه أبوه فلا يمكنه الرجوع فيما حكم به إلى نفسه فيكفي فيه الظن فصل فإن ادعى رجل على الحاكم أنك حكمت لي بهذا الحق على خصمي فذكر الحاكم حكمه أمضاه وألزم خصمه ما حكم به عليه وليس هذا حكما بالعلم إنما هو إمضاء لحكمه السابق وإن لم يذكره القاضي فشهد عنده شاهدان على حكمه لزمه قبولها وإمضاء القضاء وبه قال ابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن قال القاضي هذا قياس قول أحمد لأنه قال يرجع الإمام إلى قول اثنين فصاعدا من المأمومين وقالأبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي لا يقبل لأنه يمكنه الرجوع إلى الإحاطة والعلم فلا يرجع إلى الظن كالشاهد إذا نسي شهادته فشهد عنده شاهدان أنه شهد لم يكن له أن يشهد ولنا أنهما لو شهدا عنده بحكم غيره قبل فكذلك إذا شهدا عنده بحكم نفسه ولأنهما شهدا بحكم حاكم وما ذكروه لا يصح لأن ذكر ما نسيه ليس إليه ويخالف الشاهد لأن الحاكم يمضي ما حكم به إذا ثبت عنده والشاهد لا يقدر على إمضاء شهادته وإنما يمضيها الحاكم مسألة قال ( ولا يقبل هدية من لم يكن يهدي إليه قبل ولايته ) وذلك لأن الهدية يقصد بها في الغالب استمالة قلبه ليعتني به في الحكم فتشبه الرشوة قال مسروق إذا قبل القاضي الهدية أكل السحت وإذا قبل الرشوة بلغت به الكفر وقد روى أبو حميد الساعدي قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فقال هذا لكم وهذا أهدي إلي فقام النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي ألا جلس في بيت أمه فينظر أيهدي إليه أم لا والذي نفس محمد بيده لا نبعث أحدا منكم فيأخذ شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر فرفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه فقال اللهم هل بلغت ثلاثا متفق عليه ولأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل على أنها من أجلها ليتوسل بها إلى ميل الحاكم معه على خصمه فلم يجز قبولها منه كالرشوة فأما إن كان يهدي إليه قبل ولايته جاز قبولها منه بعد الولاية لأنها لم تكن من أجل الولاية لوجود سببها قبل الولاية بدليل وجودها قبلها قال القاضي ويستحب له التنزه عنها وإن أحس أنه يقدمها بين يدي خصومه أو فعلها حال الحكومة حرم أخذها في هذه الحال لأنها كالرشوة وهذا كله مذهب الشافعي وروي عن أبي حنيفة وأصحابه أن قبول الهدية مكروه غير محرم وفيما ذكرنا دلالة على التحريم فصل فأما الرشوة في الحكم ورشوة العامل فحرام بلا خلاف قال الله تعالى أكالون للسحت المائدة 42 قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره هو الرشوة وقال إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به إلى الكفر

سوالات

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) · 143 · Qur'an & Sunnah