Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)
2736 قوله صلى الله عليه وسلم ( واذا أصحاب الجد محبوسون ) هوبفتح الجيم قيل المراد به أصحاب البخت والحظ فى الدنيا والغنى والوجاهة بها وقيل المراد أصحاب الولايات ومعناه محبوسون للحساب ويسبقهم الفقراء بخمسمائة عام كما جاء فى الحديث قوله صلى الله عليه وسلم ( إلاأصحاب النار فقد أمربهم إلى النار ) معناه من استحق من أهل الغنى النار بكفره أو معاصيه وفى هذا الحديث تفضيل الفقر على الغنى وفيه فضيلة الفقراء والضعفاء 2739 قوله صلى الله عليه وسلم ( اللهم انى أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك ) الفجأة بفتح الفاء واسكان الجيم مقصورة على وزن ضربة والفجاءة بضم الفاء وفتح الجيم والمد لغتان وهى البغتة وهذا الحديث أدخله مسلم بين أحاديث النساء وكان ينبغى أن يقدمه عليها كلها وهذا الحديث رواه مسلم عن أبى زرعة الرازى أحد حفاظ الاسلام وأكثرهم حفظا ولم يرو مسلم فى صحيحه عنه غير هذا الحديث وهو من أقران مسلم توفى بعد مسلم بثلاث سنين سنة أربع وستين ومائتين قوله 2742 صلى الله عليه وسلم ( ان الدنيا خضرة حلوة وان الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ) هكذا هو فى جميع النسخ فاتقوا الدنيا ومعناه تجنبوا الافتتان بها وبالنساء وتدخل فى النساء الزوجات وغيرهن وأكثرهن فتنة الزوجات ودوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن ومعنى الدنيا خضرة حلوة يحتمل أن المراد به شيئان أحدهما حسنها للنفوس ونضارتها ولذتها كالفاكهة الخضراء الحلوة فان النفوس تطلبها طلبا حثيثا فكذا الدنيا والثانى سرعة فنائها كالشىء الأخضر فى هذين الوصفين ومعنى مستخلفكم فيها جاعلكم خلفاء من القرون الذين قبلكم فينظر هل تعملون بطاعته أم بمعصيته وشهواتكم 1 ( باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال) 2743 قوله صلى الله عليه وسلم ( فأووا إلى غار فى جبل ) الغار النقب فى الجبل وأووا بقصر الهمزة ) ويجوز فتحها فى لغة قليلة سبق بيانها قريبا قوله ( انظروا أعمالا عملتموها صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها ) استدل أصحابنا بهذا على أنه يستحب للانسان أن يدعو فى حال كربه وفى دعاء الاستسقاء وغيره بصالح عمله ويتوسل إلى الله تعالى به لأن هؤلاء فعلوه فاستجيب لهم وذكره النبى صلى الله عليه وسلم فى معرض الثناء عليهم وجميل فضائلهم وفى هذا الحديث فضل بر الوالدين وفضل خدمتهما وإيثارهما عمن سواهما من الأولاد والزوجة وغيرهم وفيه فضل العفاف والانكفاف عن المحرمات لاسيما بعد القدرة عليها والهم بفعلها ويترك لله تعالى خالصا وفيه جواز الإجارة وفضل حسن العهد وأداء الأمانة والسماحة فى المعاملة وفيه اثبات كرامات الأولياء وهو مذهب أهل الحق قوله ( فإذا أرحت عليهم حلبت ) معناه اذا رددت الماشية من المرعى اليهم والى موضع مبيتها وهو مراحها بضم الميم يقال أرحت الماشية وروحتها بمعنى قوله ( نأى بى ذات يوم الشجر ) وفى بعض ناءبى فالأول يجعل الهمزة قبل الألف وبه قرأ أكثر القراء السبعة والثانى عكسه وهما لغتان وقراءتان ومعناه بعد والثانى البعد قوله ( فجئت بالحلاب ) هو بكسر الحاء وهو الإناء الذى يحلب فيه يسع حلبة ناقة ويقال له المحلب بكسر الميم قال القاضي وقد يريد بالحلاب هنااللبن المحلوب قوله ( والصبية يتضاغون ) أى يصيحون ويستغيثون من الجوع قوله ( فلم يزل ذلك دأبى ) أى حالى اللازمة والفرجة بضم الفاء وفتحها ويقال لها أيضا فرج سبق بيانها مرات قوله ( وقعت بين رجليها ) أى جلست مجلس الرجل للوقاع قولها ( لاتفتح الخاتم الابحقه ) الخاتم كناية عن بكارتها وقوله بحقه أى بنكاح لابزنا قوله ( بفرق أرز ) الفرق بفتح الراء واسكانها لغتان الفتح أجود وأشهر وهو اناء يسع ثلاثة آصع وسبق شرحه فى كتاب الطهارة قوله ( فرغب عنه ) أى كرهه وسخطه وتركه وقوله ( لاأغبق قبلهما أهلا ولا مالا ) فقوله لاأغبق بفتح الهمزة وضم الباء أى ما كنت أقدم عليهما أحدا فى شرب نصيبهما عشاء من اللبن والغبوق شرب العشاء والصبوح شرب أول النهاريقال منه غبقت الرجل بفتح الباء أغبقه بضمها مع فتح الهمزة غبقا فاغتبق أى سقيته عشاء فشرب وهذا الذى ذكرته من ضبطه متفق عليه في كتب اللغة وكتب غريب الحديث والشروح وقد يصحفه بعض من لا أنس له فيقول أغبق بضم الهمزة وكسر الباء وهذا غلط قوله ( ألمت بها سنة ) أى وقعت فى سنة قحط قوله فثمرت أجره ) أى ثمنه قوله ( حتى كثرت منه الأموال فارتجعت ) هو بالعين المهملة ثم الجيم أى كثرت حتى ظهرت حركتها واضطرابها وموج بعضها فى بعض لكثرتها والارتعاج والإضطراب والحركة واحتج بهذا الحديث أصحاب أبى حنيفة وغيرهم ممن يجيز بيع الانسان مال غيره والتصرف فيه بغير اذن
1 ( كتاب التوبة )
أصل التوبة فى اللغة الرجوع يقال تاب وثاب بالمثلثة وآب بمعنى رجع والمراد بالتوبة هنا الرجوع عن الذنب وقد سبق فى كتاب الايمان أن لها ثلاثة أركان الاقلاع والندم على فعل تلك المعصية والعزم على أن لايعود اليها أبدا فان كانت المعصية لحق آدمى فلها ركن رابع وهو التحلل من صاحب ذلك الحق وأصلها الندم وهو ركنها الاعظم واتفقوا على أن التوبة من جميع المعاصى واجبة وأنها واجبة على الفور لايجوز تأخيرها سواء كانت المعصية صغيرة أوكبيرة والتوبة من مهمات الاسلام وقواعده المتأكدة ووجوبها عند أهل السنة بالشرع وعند المعتزلة بالعقل ولا يجب على الله قبولها اذا وجدت بشروطها عقلا عند أهل السنة لكنه سبحانه وتعالى يقبلها كرما وفضلا وعرفنا قبولها بالشرع والاجماع خلافا لهم واذا تاب من ذنب ثم ذكره هل يجب تجديد الندم فيه خلاف لأصحابنا وغيرهم من أهل السنة قال بن الانبارى يجب وقال امام الحرمين لا يجب وتصح التوبة من ذنب وان كان مصرا على ذنب آخر واذا تاب توبة صحيحة بشروطها ثم عاود ذلك الذنب كتب عليه ذلك الذنب الثانى ولم تبطل توبته هذا مذهب أهل السنة فى المسئلتين وخالفت المعتزلة فيهما قال أصحابنا ولو تكررت التوبة ومعاودة الذنب صحت ثم توبة الكافر من كفره مقطوع بقبولها وما سواها من أنواع التوبة هل قبولها مقطوع به أم مظنون فيه خلاف لاهل السنة واختار امام الحرمين أنه مظنون وهو الأصح والله أعلم 2675 قوله صلى الله عليه وسلم ( قال الله تعالى أنا تعالى عند ظن عبدى بى وأنا معه حيث يذكرنى ومن تقرب إلى شبرا ) الخ هذا القدر من الحديث سبق شرحه واضحا فى أول كتاب الذكر ووقع فى النسخ هنا حيث يذكرنى بالثاء المثلثة ووقع فى الأحاديث السابقة هناك حين بالنون وكلاهما من رواية أبى هريرة وبالنون هو المشهور وكلاهما صحيح ظاهر المعنى قوله صلى الله عليه وسلم ( لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة ) قال العلماء فرح الله تعالى هو رضاه وقال المازرى الفرح ينقسم على وجوه منها السرور والسرور يقاربه الرضا بالمسرور به قال فالمراد هنا أن الله تعالى يرضى توبة عبده أشد مما يرضى واجد ضالته بالفلاة فعبر عن الرضا بالفرح تأكيدا لمعنى الرضا فى نفس السامع ومبالغة فى تقريره 2744 قوله صلى الله عليه وسلم ( فى أرض دوية مهلكة ) أما دوية فاتفق العلماء على أنها بفتح الدال وتشديد الواو والياء جميعا وذكر مسلم فى الرواية التى بعد هذه رواية أبى بكر بن أبى شيبة أرض داوية بزيادة الف وهى بتشديد الياء أيضا وكلاهما صحيح قال أهل اللغة الدوية الأرض القفر والفلاة الخالية قال الخليل هي المفازة قالوا ويقال دوية وداوية فأما الدوية فمنسوب إلى الدو بتشديد الواو وهى البرية التى لانبات بها وأما الداوية فهي على ابدال احدى الواوين الفا كما قيل فى النسب إلى طى طائى وأما المهلكة فهي بفتح الميم وبفتح اللام وكسرها وهى موضع خوف الهلاك ويقال لها مفازة قيل أنه من قولهم فوز الرجل اذا هلك وقيل على سبيل التفاؤل بفوزه ونجاته منها كما يقال للديغ سليم 2744 قوله ( دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض فحدثنا بحديثين حديثا عن نفسه وحديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ثم ذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر حديث عبد الله عن نفسه وقد ذكر البخارى فى صحيحه والترمذى وغيرهما وهو قوله المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه والفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا قوله فى رواية أبى بكر بن أبى شيبة ( من رجل بداوية ) هكذا هو فى النسخ من رجل بالنون وهو الصواب قال القاضي ووقع فى بعضها مر رجل بالراء وهو تصحيف لأن مقصود مسلم أن يبين الخلاف فى دوية وداوية وأما لفظة من فمتفق عليها فى الروايتين ولا معنى للراء هنا 2745 قوله ( حمل زاده ومزاده ) هو بفتح الميم قال القاضي كأنه اسم جنس للمزادة وهى القربة العظيمة سميت بذلك لأنه يزاد فيها من جلدآخر قوله ( وانسل بعيره ) أى ذهب فى خفية قوله ( فسعى شرفا فلم ير شيئا ) قال القاضي يحتمل أنه أراد بالشرف هنا الطلق والغلوة كما في الحديث الآخر فاستنت شرفا أو شرفين قال ويحتمل أن المراد هنا الشرف من الأرض لينظر منه هل يراها قال وهذا أظهر 2746 قوله صلى الله عليه وسلم ( مر بجذل شجرة ) هو بكسر الجيم وفتحها وبالذال المعجمة وهو أصل الشجرة القائم قوله ( قلنا شديدا ) أى نراه فرحا شديدا أو يفرح فرحا شديدا قوله ( حدثنا يحيى بن يحيى وجعفر بن حميد ) هكذا صوابه بن حميد وقد صحف فى بعض النسخ قال الحافظ وليس لمسلم فى صحيحه عن جعفر هذا غير هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم فى حديث أنس من رواية هداب بن خالد ( لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم اذا استيقظ على بعيره قد أضله بأرض فلاة هكذا هو في جميع النسخ إذا استيقظ على بعيره وكذا قال القاضي عياض أنه اتفقت عليه رواة صحيح مسلم قال قال بعضهم وهو وهم وصوابه اذا سقط على بعيره أى وقع عليه وصادفه من غير قصد قال القاضي وقد جاء في الحديث الاخر عن بن مسعود قال فأرجع إلى المكان الذى كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته وفى كتاب البخارى فنام نومة فرفع رأسه فاذا راحلته عنده قال القاضي وهذا يصحح رواية استيقظ قال ولكن وجه الكلام وسياقه يدل على سقط كما رواه البخارى قوله ( أضله بأرض فلاة ) أى فقده
1 ( باب سقوط الذنوب بالا ستغفار توبة) 2748 قوله ( عن محمد بن قيس قاص عمر بن عبد العزيز ) هكذا هو فى جميع نسخ بلادنا قاص بالصاد المهملة المشددة من القصص قال القاضي عياض ورواه بعضهم قاضى بالضاد المعجمة والياء والوجهان مذكوران فيه ممن ذكرهما البخارى فى التاريخ وروى عنه قال كنت قاصا لعمر بن عبد العزيز وهو أمير بالمدينة قوله ( عن أبى أيوب أنه قال حين حضرته الوفاة كنت كتمت عنكم شيئا ) انما كتمه أولا مخافة اتكالهم على سعة رحمة الله تعالى وانهما كهم فى المعاصى وانما ) حدث به عند وفاته لئلا يكون كاتما للعلم وربما لم يكن أحد يحفظه غيره فتعين عليه أداؤه وهو نحو قوله فى الحديث الآ خر فأخبر بها معاذ عند موته تأثما أى خشية الأثم بكتمان العلم وقد سبق شرحه فى كتاب الايمان والله أعلم 1 ( باب فضل دوام الذكر والفكر فى أمور الآخرة والمراقبة وجواز ترك ذلك فى بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا) 2750 قوله ( قطن بن نسير ) بضم النون وفتح السين قوله ( عن حنظلة الأسيدى ) ضبطوه بوجهين أصحهما وأشهرهما ضم الهمزة وفتح السين وكسر الباء المشددة والثانى كذلك الا أنه باسكان الياء ولم يذكر القاضي الا هذا الثانى وهو منسوب إلى بنى أسيد بطن من بنى تميم قوله ( وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) هكذا هو فى جميع نسخ بلادنا وذكره القاضي ) عن بعض شيوخهم كذلك وعن أكثرهم وكان من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وكلاهما صحيح لكن الأول أشهر فى الرواية وأظهر فى المعنى وقد قال فى الرواية التى بعد هذه عن حنظلة الكاتب قوله ( يذكرنا بالنار والجنة كانا رأى عين ) قال القاضي ضبطناه رأى عين بالرفع أى كأنا بحال من يراها بعينه قال ويصح النصب على المصدر أى نراها رأى عين قوله ( عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ) هو بالفاء والسين المهملة قال الهروى وغيره معناه حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به أى عالجنا معايشنا وحظوظنا والضيعات جمع ضيعة بالضاد المعجمة وهى معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة وروى الخطابى هذا الحرف عانسنا بالنون قال ومعناه لاعبنا ورواه بن قتيبة بالشين المعجمة قال ومعناه عانقنا والأول هو المعروف وهو أعم قوله ( نافق حنظلة ) معناه أنه خاف أنه منافق حيث كان يحصل له الخوف فى مجلس النبى صلى الله عليه وسلم ويظهر عليه ذلك مع المراقبة والفكر والاقبال على الآخرة فاذا خرج اشتغل بالزوجة والأولاد ومعاش الدنيا وأصل النفاق إظهار ما يكتم خلافه من الشر فخاف أن يكون ذلك نفاقا فأعلمهم النبى صلى الله عليه وسلم أنه ليس بنفاق وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك ساعة وساعة أى ساعة كذا وساعة كذا قوله ( فقلت يا رسول الله نافق حنظلة فقال مه ) قال القاضي معناه الاستفهام أى ما تقول والهاء هنا هي هاء السكت قال ويحتمل أنها للكف والزجر والتعظيم لذلك 1 ( باب سعة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه ) )
2751 قوله تعالى ( ان رحمتى تغلب غضبى ) وفى رواية سبقت رحمتى غضبى قال العلماء غضب الله تعالى ورضاه يرجعان إلى معنى الارادة فارادته الاثابة للمطيع ومنفعة العبد تسمى رضا ورحمة وارادته عقاب العاصى وخذلانه تسمى غضبا وارادته سبحانه وتعالى صفة له قديمة يريد بها جميع المرادات قالوا والمراد بالسبق والغلبة هنا كثرة الرحمة وشمولها كما يقال غلب على فلان الكرم والشجاعة اذا كثرا منه 2752 قوله صلى الله عليه وسلم ( جعل الله الرحمة مائة جزء إلى آخره ) هذه الأحاديث من أحاديث الرجاء والبشارة للمسلمين قال العلماء لأنه اذا حصل للانسان من رحمة واحدة فى هذه الدار المبنية على الأكدار الاسلام والقرآن والصلاة والرحمة فى قلبه وغير ذلك مما أنعم الله تعالى به فكيف الظن بمائة رحمة فى الدار الآخرة وهى دار القرار ودار الجزاء والله أعلم هكذا وقع فى نسخ بلادنا جميعا جعل الله الرحمة مائة جزء وذكر القاضي جعل الله الرحم بحذف الهاء وبضم الراء قال ورويناه بضم الراء ويجوز فتحها ومعناه الرحمة 2754 قوله ( فاذا امرأة من السبى تبتغى ) هكذا هو فى جميع نسخ صحيح مسلم تبتغى من الابتغاء وهو الطلب قال القاضي عياض وهذا وهم والصواب ما فى رواية البخارى تسعى بالسين من السعى قلت كلاهما صواب لاوهم فيه فهي ساعية وطالبة مبتغية لابنها والله أعلم 2756 قوله صلى الله عليه وسلم ( فى الرجل الذى لم يعمل حسنة أوصى بنيه أن يحرقوه ويذروه فى البحر والبر وقال فوالله لئن قدر على ربى ليعذبنى عذابا ما عذبه أحدا ثم قال فى آخره لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر له ) اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث فقالت طائفة لايصح حمل هذا على أنه أراد نفى قدرة الله فان الشاك فى قدرة الله تعالى كافر وقد قال فى آخر الحديث أنه أنما فعل هذا من خشية الله تعالى والكافر لا يخشى الله تعالى ولا يغفر له قال هؤلاء فيكون له تأويلان أحدهما أن معناه لئن قدر على العذاب أى قضاه يقال منه قدر بالتخفيف وقدر بالتشديد بمعنى واحد والثانى أن قدر هنا بمعنى ضيق على قال الله تعالى فقدر عليه رزقه وهوأحد الاقوال فى قوله تعالى فظن أن لن نقدر عليه وقالت طائفة اللفظ على ظاهره ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولاقاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها بل قاله فى حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله فصار فى معنى الغافل والناسى وهذه الحالة لايؤاخذ فيها وهو نحو قول القائل الآخر الذى غلب عليه الفرح حين وجد راحلته أنت عبدى وأنا ربك فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو وقد جاء فى هذا الحديث فى غير مسلم فلعلى أضل الله أى أغيب عنه وهذا يدل على أن قوله لئن قدر الله على ظاهره وقالت طائفة هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالها يسمونه مزج الشك باليقين كقوله تعالى وانا أواياكم لعلى هدى فصورته صورة شك والمراد به اليقين وقالت طائفة هذا الرجل جهل صفة من صفات الله تعالى وقد اختلف العلماء فى تكفير جاهل الصفة قال القاضي وممن كفره بذلك بن جرير الطبرى وقاله أبوالحسن الأشعرى أولا وقال آخرون لا يكفر بجهل الصفة ولا يخرج به عن اسم الايمان بخلاف حجدها واليه رجع أبو الحسن الأشعرى وعليه استقر قوله لانه لم يعتقد ذلك اعتقادا يقطع بصوابه ويراه دينا وشرعا وانما يكفر من اعتقد أن مقالته حق قال هؤلاء ولو سئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قليلاوقالت طائفة كان هذا الرجل فى زمن فترة حين ينفع مجرد التوحيد ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقالت طائفة يجوز أنه كان فى زمن شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر بخلاف شرعنا وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة وانما منعناه فى شرعنا بالشرع وهو قوله تعالى ( ان الله لا يغفر أن يشرك به ) وغير ذلك من الأدلة والله أعلم وقيل انما وصى بذلك تحقيرا لنفسه وعقوبة لها لعصيانها وإسرافها رجاء أن يرحمه الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم ( أسرف رجل على نفسه ) أى بالغ وعلا فى المعاصى والسرف مجاوزة الحد قوله ان بن شهاب ذكر هذا الحديث ثم ذكر حديث المرأة التى دخلت النار وعذبت بسبب هرة حبستها حتى ماتت جوعا ثم قال بن شهاب لئلا يتكل رجل ولا ييأس رجل معناه أن بن شهاب لما ذكر الحديث الأول خاف أن سامعه يتكل على ما فيه من سعة الرحمة وعظم الرجاء فضم إليه حديث الهرة الذى فيه من التخويف ضد ذلك ليجتمع الخوف والرجاء وهذا معنى قوله لئلا يتكل ولاييأس وهكذا معظم آيات القرآن العزيز يجتمع فيها الخوف والرجاء وكذا قال العلماء يستحب للواعظ أن يجمع فى موعظته بين الخوف والرجاء لئلا يقنط أحد ولايتكل قالوا وليكن التخويف أكثر لأن النفوس إليه أحوج لميلها إلى الرجاء والراحة والاتكال وإهمال بعض الأعمال وأما حديث الهرة فسبق شرحه فى موضعه 2757 قوله صلى الله عليه وسلم ( أن رجلا فيمن كان قبلكم راشه الله مالا وولدا ) هذه اللفظة رويت بوجهين فى صحيح مسلم أحدهما راشه بألف ساكنة غير مهموزة وبشين معجمة والثانى رأسه بهمزة وسين مهملة قال القاضي والأول هو الصواب وهو رواية الجمهور ومعناه أعطاه الله مالا وولدا قال ولا وجه للمهملة هنا وكذا قال غيره ولا وجه له هنا قوله ( فانى لم أبتهر عند الله خيرا ) هكذا هو فى بعض النسخ ولبعض الرواة أبتئر بهمزة بعدالتاء وفى أكثرها لم أبتهر بالهاء وكلاهما صحيح والهاء مبدلة من الهمزة ومعناهما لم أقدم خيرا ولم أدخره وقد فسرها قتادة فى الكتاب وفى رواية لم يبتئر هكذا هو فى جميع النسخ وفى رواية ماامتأر بالميم مهموز أيضا والميم مبدلة من الباء الموحدة قوله ( وان الله يقدر على أن يعذبنى ) هكذا هو فى معظم النسخ ببلادنا ونقل اتفاق الرواة والنسخ عليه هكذا بتكرير ان وسقطت لفظة ان الثانية فى بعض النسخ المعتمدة فعلى هذا تكون ان الأولى شرطية وتقديره ان قدر الله على عذبنى وهو موافق للرواية السابقة وأما على رواية الجمهور وهى اثبات ان الثانية مع الأولى فاختلف فى تقديره فقال القاضي هذا الكلام فيه تلفيق قال فان أخذ على ظاهره ونصب اسم الله وجعل تقدير فى موضع خبر ان استقام اللفظ وصح المعنى لكنه يصير مخالفا لما سبق من كلامه الذى ظاهره الشك فى القدرة قال وقال بعضهم صوابه حذف ان الثانية وتخفيف الأولى ورفع اسم الله تعالى قال وكذا ضبطناه عن بعضهم هذا كلام القاضي وقيل هو على ظاهره باثبات ان فى الموضعين والأولى مشددة ومعناه ان الله قادر على أن يعذبنى ويكون هذا على قول من تأول الرواية الأولى على أنه أراد بقدر ضيق أو غيره مما ليس فيه نفى حقيقة القدره ويجوز ان يكون على ظاهره كما ذكر هذا القائل لكن يكون قوله هنا معناه أن الله قادر على أن يعذبنى أن دفنتمونى بهيئتى فأما أن سحقتمونى وذريتمونى فى البر والبحر فلا يقدر على ويكون جوابه كما سبق وبهذا تجتمع الروايات والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فأخذ منهم ميثاقا ففعلوا ذلك به وربى ) هكذا هو فى جميع نسخ صحيح مسلم وربى على القسم ونقل القاضي عياض الاتفاق عليه أيضا فى كتاب مسلم قال وهو على القسم من المخبر بذلك عنهم لتصحيح خبره وفى صحيح البخارى فأخذ منهم ميثاقا وربى ففعلوا ذلك به قال بعضهم وهو الصواب قال القاضي بل هما متقاربان فى المعنى والقسم قال وجدته فى بعض نسخ صحيح مسلم من غير رواية لأحد من شيوخنا الا للتميمى من طريق بن الحذاء ففعلوا ذلك وذرى قال فإن صحت هذه الرواية فهي وجه الكلام لأنه أمرهم أن يذروه ولعل الذال سقطت لبعض النساخ وتابعه الباقون هذا كلام القاضي والروايات الثلاث المذكورات صحيحات المعنى ظاهرات فلا وجه لتغليط شيء منها والله أعلم قوله ( فما تلافاه غيرها ) أى ما تداركه والتاء فيه زائدة قوله ( ان رجلا من الناس رغسه الله مالاوولدا ) هو بالغين المعجمة المخففة والسين المهملة أى أعطاه ما لا وبارك له فيه
1 ( باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة) هذه المسألة تقدمت في أول كتاب التوبة وهذه الأحاديث ظاهرة في الدلالة لها وأنه لو تكرر الذنب مائة مرة أو ألف مرة أو أكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته وسقطت ذنوبه ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها صحت توبته قوله عز وجل للذي تكرر ذنبه 2758 اعمل ما شئت فقد غفرت لك معناه ما دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك وهذا جار على القاعدة التي ذكرناها قوله صلى الله ) عليه وسلم إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيءالليل حتى تطلع الشمس من مغربها ولا يختص قبولها بوقت وقد سبقت المسألة فبسط اليداستعارة فى قبول التوبة قال المازرى المراد به قبول التوبة وانما ورد لفظ بسط اليد لان العرب اذا رضى أحدهم الشيء بسط يده لقبوله واذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بأمر حسي يفهمونه وهو مجازفان يد الجارحة مستحيلة في حق الله تعالى 1 ( باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش) 2760 قد سبق تفسير غيرة الله تعالى فى حديث سعد بن عبادة وفى غيره وسبق بيان لا شيء أغير من الله ) والغيرة بفتح الغين وهى فى حقنا الانفة وأما فى حق الله تعالى فقد فسرها هنا فى حديث عمرو الناقد بقوله صلى الله عليه وسلم وغيرة الله أن يأتى المؤمن ما حرم عليه أى غيرته منعه وتحريمه قوله صلى الله عليه وسلم ( ولاأحد أحب إليه المدح من الله تعالى ) حقيقة هذا مصلحة للعباد لأنهم يثنون عليه سبحانه وتعالى فيثيبهم فينتفعون وهو سبحانه غنى عن العالمين لا ينفعه مدحهم ولا يضره تركهم ذلك وفيه تنبيه على فضل الثناء عليه سبحانه وتعالى وتسبيحه وتهليله وتحميده وتكبيره وسائر الاذكار قوله صلى الله عليه وسلم ( وليس أحد أحب إليه العذر من الله عز وجل من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل ) قال القاضي يحتمل أن المراد الاعتذار أى اعتذار العباد إليه من تقصيرهم وتوبتهم من معاصيهم فيغفر لهم كما قال تعالى وهو الذى يقبل التوبة عن عباده 2761 قوله صلى الله عليه وسلم ( والله أشد غيرا ) هكذا هو فى النسخ غيرا بفتح الغين واسكان الياء منصوب بالالف هو الغيرة قال أهل اللغة الغيرة والغير والغار بمعنى والله أعلم 1 ( باب قوله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات)
2763 قوله فى الذى أصاب من امرأة قبلة فأنزل الله فيه ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) إلى آخر الحديث هذا تصريح بأن الحسنات تكفر السيئات واختلفوا فى المراد بالحسنات هنا فنقل الثعلبى أن أكثر المفسرين على أنها الصلوات الخمس واختاره بن جرير وغيره من الأئمة وقال مجاهد هي قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ويحتمل أن المراد الحسنات مطلقاوقد سبق فى كتاب الطهارة والصلاة ما يكفر من المعاصى بالصلاة وسبق فى مواضع قوله تعالى وزلفا من الليل هي ساعته ويدخل فى صلاة طرفى النهار الصبح والظهر والعصر وفى زلفا من ) الليل المغرب والعشاء قوله ( أصاب منها دون الفاحشة ) أى دون الزنى فى الفرج قوله ( عالجت امرأة وانى أصبت منها ما دون أن أمسها ) معنى عالجها أى تناولها واستمتع بها والمراد بالمس الجماع ومعناه استمتعت بها بالقبلة والمعانقة وغيرهما من جميع أنواع الاستمتاع إلاالجماع قوله صلى الله عليه وسلم ( بل للناس كافة ) هكذا تستعمل كافة حال أي كلهم ولا يضاف فيقال كافة الناس ولاالكافة بالألف واللام وهو معدود فى تصحيف العوام ومن أشبههم 2764 قوله ( أصبت حدا فأقمه على وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له هل حضرت الصلاة معنا قال نعم قال قد غفرلك ) هذا الحد معناه معصية من المعاصى الموجبة للتعزير وهى هنا من الصغائرلأنها كفرتها الصلاة ولو كانت كبيرة موجبة لحد أو غير موجبة له لم تسقط بالصلاة فقدأجمع العلماء على أن المعاصى الموجبة للحدود لاتسقط حدودها بالصلاة هذا هو الصحيح فى تفسير هذا الحديث وحكى القاضي عن بعضهم أن المراد بالحد المعروف قال وانما لم يحده لأنه لم يفسر موجب الحد ولم يستفسره النبى صلى الله عليه وسلم عنه إيثارا للستر بل استحب تلقين الرجوع عن الاقرار بموجب الحد صريحا 1 ( باب قبول توبة القاتل وان كثر قتله ) 2766 قوله صلى الله عليه وسلم ( إن رجلاقتل تسعا وتسعين نفسا ثم قتل تمام المائة ثم أفتاه العالم بأن له توبة ) هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدا ولم يخالف أحد منهم إلا بن عباس وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة لاأنه يعتقد بطلان توبته وهذا الحديث ظاهر فيه وهو وان كان شرعا لمن قبلنا وفى الاحتجاج به خلاف فليس موضع الخلاف وانما موضعه اذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره فان ورد كان شرعا لنا بلاشك وهذا قد ورد شرعنا به وهو قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون إلى قوله إلا من تاب الآية وأما قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها فالصواب فى معناها أن جزاءه جهنم وقد يجازى به وقد يجازى بغيره وقد لايجازى بل يعفى عنه فان قتل عمدا مستحلا له بغير حق ولاتأويل فهو كافر مرتد يخلد به فى جهنم بالاجماع وأن كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم خالدا فيها لكن بفضل الله تعالى ثم أخبر أنه لايخلد من مات موحدا فيها فلا يخلد هذا ولكن قد يعفى عنه فلايدخل النار أصلا وقد لايعفى عنه بل يعذب كسائر العصاة الموحدين ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد فى النار فهذا هو الصواب فى معنى الآية ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء وليس فى الآية إخبار بأنه يخلد فى جهنم وانما فيها أنها جزاؤه أى يستحق أن يجازى بذلك وقيل ان المراد من قتل مستحلا وقيل وردت الآية فى رجل بعينه وقيل المراد بالخلود طول المدة لاالدوام وقيل معناه هذا جزاؤه أن جازاه وهذه الأقوال كلها ضعيفة أوفاسدة لمخالفتها حقيقة لفظ الآية وأما هذا القول فهو شائع على ألسنة كثير من الناس وهو فاسد لأنه يقتضى أنه اذا عفى عنه خرج عن كونها كانت جزاء وهى جزاء له لكن ترك الله مجازاته عفوا عنه وكرما فالصواب ما قدمناه والله أعلم قوله ( انطلق إلى أرض كذا وكذا فان فيها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولاترجع إلى أرضك فأنها أرض سوء ) قال العلماء فى هذا استحباب مفارقة التائب المواضع التى أصاب بها الذنوب والأخدان المساعدين له على ذلك ومقاطعتهم ما داموا على حالهم وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين ومن يقتدى بهم وينتفع بصحبتهم وتتأكد بذلك توبته قوله ( فانطلق حتى اذا نصف الطريق أتاه الموت ) هو بتخفيف الصاد أى بلغ نصفها قوله ( نأى بصدره ) أى نهض ويجوز تقديم الألف على الهمزة وعكسه وسبق فى حديث أصحاب الغار وأما قياس الملائكة ما بين القريتين وحكم الملك الذى جعلوه بينهم بذلك فهذا محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه أمره عليهم واختلافهم فيه أن يحكموا رجلا ممن يمر بهم فمر الملك فى صورة رجل فحكم بذلك
1 ( باب سعة رحمة الله تعالى على المؤمنين وفداء كل مسلم بكافر من النار ) 2767 قوله صلى الله عليه وسلم ( اذا كان يوم القيامة دفع الله تعالى إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول هذا فكاكك من النار ) وفى رواية لا يموت رجل مسلم الا أدخل الله مكانه النار يهوديا أو نصرانيا وفي رواية يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى الفكاك بفتح الفاء وكسرها الفتح أفصح وأشهر وهو الخلاص والفداء ومعنى هذا الحديث ما جاء فى حديث أبى هريرة لكل أحد منزل فى الجنة ومنزل فى النار فالمؤمن اذا دخل الجنة خلفه الكافر فى النار لاستحقاقه ذلك بكفره ومعنى فكاكك من النار أنك كنت معرضا لدخول النار وهذا فكاكك لأن الله تعالى قدر لها عددا يملؤها فاذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم صاروا فى معنى الفكاك للمسلمين وأما رواية يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب فمعناه أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين ولا بدمن هذا التأويل لقوله تعالى ولا تزر وازرة وزرأخرى وقوله ويضعها مجاز والمراد يضع عليهم مثلها بذنوبهم كما ذكرناه لكن لما أسقط سبحانه وتعالى عن المسلمين سيئاتهم وأبقى على الكفار سيئاتهم صاروا فى معنى من حمل إثم الفريقين لكونهم حملوا الاثم الباقى وهو إثمهم ويحتمل أن يكون المراد آثاما كان للكفار سبب فيها بأن سنوها فتسقط عن المسلمين بعفو الله تعالى ويوضع على الكفار مثلها لكونهم سنوها ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها والله أعلم قوله ( فاستحلفه عمر بن عبد العزيز أن أباه حدثه ) إنما أستحلفه لزيادة الاستيشاق والطمأنينة ولما حصل له من السرور بهذه البشارة العظيمة للمسلمين أجمعين ولأنه ان كان عنده فيه شك وخوف غلط أو نسيان أو اشتباه أو نحو ذلك أمسك عن اليمين فاذا حلف تحقق انتفاء هذه الأمور وعرف صحة الحديث وقد جاء عن عمر بن عبد العزيز والشافعى رحمهما الله أنهما قالا هذا الحديث أرجى حديث للمسلمين وهو كما قالا لما فيه من التصريح بفداء كل مسلم وتعميم الفداء ولله الحمد 2768 قوله صلى الله عليه وسلم ( يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه ) إلى آخره أما كنفه فبنون مفتوحة وهو ستره وعفوه والمراد بالدنو هنا دنو كرامة واحسان لادنو مسافة والله تعالى منزه عن المسافة وقربها 1 ( باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه )
2769 قوله ( ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام ) أى تبايعنا عليه وتعاهدنا وليلة العقبة هي الليلة التى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار فيها على الاسلام وأن يودوه وينصروه وهى العقبة التى فى طرف منى التى يضاف اليها جمرة العقبة وكانت بيعة العقبة مرتين فى سنتين فى السنة الأولى كانوا اثنى عشر وفى الثانية سبعين كلهم من الأنصار رضى الله عنهم قوله ( وان كانت بدر أذكر ) أى أشهر عند الناس بالفضيلة قوله ( واستقبل سفرا بعيدا ومفازا ) أى برية طويلة قليلة الماء يخاف فيها الهلاك وسبق قريبا بيان الخلاف في تسميتها مفازة ومفازا قوله ( فجلا للمسلمين أمرهم ) هو بتخفيف اللام أى كشفه وبينه وأوضحه وعرفهم ذلك على وجهه من غير تورية يقال جلوت الشيء كشفته قوله ( ليتأهبوا أهبة غزوهم ) الأهبة بضم الهمزة وإسكان الهاء أي ليستعدوا بما يحتاجون إليه في سفرهم ذلك قوله فأخبرهم بوجههم أي بمقصدهم قوله يريد بذلك الديوان ) هوبكسر الدال على المشهور وحكى فتحها وهو فارسي معرب وقيل عربى قوله ( فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله تعالى ) قال القاضي هكذا هو فى جميع نسخ مسلم وصوابه ألا يظن أن ذلك سيخفى له بزيادة الا وكذا رواه البخارى ( فأنا اليها أصعر ) أى أميل قوله ( حتى استمر بالناس الجد ) بكسر الجيم قوله ( ولم أقض من جهازى شيئا ) بفتح الجيم وكسرها أى أهبة سفرى قوله ( تفارة الغزو ) أى تقدم الغزاته سبقوا وفاتوا قوله ( رجلا مغموصا عليه فى النفاق ) أى متهمابه وهو بالغين المعجمة والصاد المهملة قوله ( ولم يذكرنى حتى بلغ تبوكا ) هكذا هو فى أكثر النسخ تبوكا بالنصب وكذا هو فى نسخ البخارى وكأنه صرفها لارادة الموضع دون البقعة قوله والنظر فى عطفيه أى جانبيه وهو اشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه قوله ( فقال له معاذ بن جبل بئس ما قلت ) هذا دليل لردغيبة المسلم الذى ليس بمتهتك فى الباطل وهو من مهمات الآداب وحقوق الاسلام قوله ( راى رجلا مبيضا يزول به السراب ) المبيض بكسر الباء هو لابس البياض ويقال هم المبيضة والمسودة بالكسر فيهما أى لا بسوا البياض والسواد ويزول به السراب أى يتحرك وينهض والسراب هو ما يظهر للانسان فى الهواجر فى البرارى كأنه ماء قوله صلى الله عليه وسلم ( كن أبا خيثمة ) قيل معناه أنت أبو خيثمة قال ثعلب العرب تقول كن زيدا أى أنت زيد قال القاضي عياض والأشبه عندى أن كن هنا للتحقق والوجود أى لتوجد يا هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة وهذا الذى قاله القاضي هو الصواب وهو معنى قول صاحب التحرير تقديره اللهم اجعله أبا خيثمة وأبو خيثمة هذا اسمه عبد الله بن خيثمة وقيل مالك بن قيس قال بعض الحفاظ وليس فى الصحابة من يكنى أبا خيثمة ألا أثنان أحدهما هذا والثانى عبد الرحمن بن أبى سبرة الجعفى قوله ( لمزه المنافقون ) أى عابوه واحتقروة قوله ( توجه قافلا ) أى راجعا قوله ( حضرنى بثى ) أى أشد الحزن قوله ( قد أظل قادما زاح عنى الباطل ) فقوله أظل بالظاء المعجمة أى أقبل ودنا قدومه كأنه ألقى على ظله وزاح أى زال قوله ( فأجمعت صدقه ) أى عزمت عليه يقال أجمع أمره وعلى أمره وعزم عليه بمعنى قوله ( لقد أعطيت جدلا ) أى فصاحة وقوة فى الكلام وبراعة بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إلى اذا أردت قوله ( تبسم تبسم المغضب ) هو بفتح الضاد أى الغضبان قوله ( ليوشكن ) هو بكسر الشين أى ليسر عن قوله ( تجد على فيه ) هو بكسر الجيم وتخفيف الدال أى تغضب قوله ( انى لأرجو فيه عقبى الله ) أى أن يعقبني خيرا وأن يثبتنى عليه قوله ( فوالله ما زالوا يؤنبوننى ) هو بهمز بعد الياء ثم نون ثم موحدة أى يلوموننى أشد اللوم قوله ( فى الرجلين صاحبى كعب هما مرارة بن ربيعة العامرى ) هكذا هو فى جميع نسخ مسلم العامرى وأنكره العلماء وقالوا هو غلط انما صوابه العمرى بفتح العين وإسكان الميم من بنى عمرو بن عوف وكذا ذكره البخارى وكذا نسبه محمد بن إسحاق وبن عبدالبر وغيرهما من الأئمة قال القاضي هو الصواب وان كان القابسى قد قال لا أعرفه إلا العامري فالذى غيره الجمهور أصح وأما قوله مرارة بن ربيعة فكذا وقع فى نسخ مسلم وكذا نقله القاضي عن نسخ مسلم ووقع فى البخارى بن الربيع قال بن عبدالبر يقال بالوجهين ومرارة بضم الميم وتخفيف الراء المكررة قوله ( وهلال بن أمية الواقفى ) هو بقاف ثم فاء منسوب إلى واقف بطن من الأنصار وهو هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلى بن عامر بن كعب بن واقف واسم واقف مالك بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس الأنصاري قوله ( ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة ) قال القاضي هو بالرفع وموضعه نصب على الاختصاص قال سيبويه نقلا عن العرب اللهم اغفرلنا أيتها العصابة وهذا مثله وفى هذا هجران أهل البدع والمعاصى قوله ( حتى تنكرت لى فى نفسى الأرض فما هي بالأرض التى أعرف ) معناه تغير على كل شيء حتى الأرض فانها توحشت على وصارت كأنها أرض لم أعرفها لتوحشها على قوله ( فأما صاحباى فاستكانا ) أى خضعا قوله ( أشب القوم وأجلدهم أى أصغرهم سنا وأقواهم قوله ( تسورت جدار حائط أبى قتادة ) معنى تسورته علوته وصعدت سوره وهو أعلاه وفيه دليل لجواز دخول الانسان بستان صديقه وقريبه الذى يدل عليه ويعرف أنه لايكره له ذلك بغير إذنه بشرط أن يعلم أنه ليس له هناك زوجة مكشوفة ونحوذلك قوله ( فسلمت عليه فوالله ما رد على السلام ) لعموم النهى عن كلامهم وفيه أنه لايسلم على المبتدعة ونحوهم وفيه أن السلام كلام وأن من حلف لايكلم إنسانا فسلم عليه أورد عليه السلام حنث قوله ( أنشدك بالله هو بفتح الهمزة وضم الشين أى أسألك الله وأصله من النشيد وهو الصوت قوله ( الله ورسوله أعلم ) قال القاضي لعل أبا قتادة لم يقصد بهذا تكليمه لأنه منهى عن كلامه وانما قال ذلك لنفسه لما ناشده الله فقال أبو قتادة مظهرا لاعتقاده لا ليسمعه ولو حلف رجل لا يكلم رجلا فسأله عن شيء فقال الله أعلم يريد إسماعه وجوابه حنث قوله ( نبطى من نبط أهل الشام ) يقال النبط والأنباط والنبيط وهم فلاحو العجم قوله ( ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك ) المضيعة فيها لغتان إحداهما كسرالضاد وإسكان الياء والثانية باسكان الضاد وفتح الياءأى فى موضع رحال يضاع فيه حقك وقوله نواسك وفى بعض النسخ نواسيك بزيادة ياء وهو صحيح أى ونحن نواسيك وقطعه عن جواب الأمر ومعناه نشاركك فيما عندنا قوله ( فتياممت بها التنور فسجرتها ) هكذا هو فى جميع النسخ ببلادنا وهى لغة فى تيممت ومعناهما قصدت ومعنى سجرتها أى أحرقتها وأنث الضميرلأنه أراد معنى الكتاب وهو الصحيفة قوله ( واستلبث الوحى ) أى أبطأ قوله ( فقلت لامرأتى الحقى بأهلك فكونى عندهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر ) هذا دليل على أن هذا اللفظ ليس صريحا فى الطلاق وانما هو كناية ولم ينو به الطلاق فلم يقع قوله ( وأنا رجل شاب ) يعنى أنى قادر على خدمة نفسى وأخاف أيضا على نفسى من حدة الشباب ان أصبت امرأتى وقد نهيت عنها قوله ( فكمل لنا خمسون ) هو بفتح الميم وضمها وكسرها قوله ( وضاقت على الأرض بما رحبت ) أى بمااتسعت ومعناه ضاقت على الأرض مع أنها متسعة والرحب السعة قوله ( سمعت صارخا أوفى على سلع ) أى صعده وارتفع عليه وسلع بفتح السين المهملة واسكان اللام وهو جبل بالمدينة معروف قوله ( يا كعب بن مالك أبشر ) وقوله ( فذهب الناس يبشروننا ) فيه دليل لا ستحباب التبشير والتهنئة لمن تجددت له نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه كربة شديدة ونحو ذلك وهذا الاستحباب عام فى كل نعمة حصلت وكربة انكشفت سواء كانت من أمور الدين أوالدنيا قوله ( فخررت ساجدا ) دليل للشافعى وموافقيه فى استحباب سجود الشكر بكل نعمة ظاهرة حصلت أو نعمة ظاهرة اندفعت قوله ( فآذن الناس ) أى أعلمهم قوله فنزعت له ثوبى فكسوتهما إياه ببشارته ) فيه استحباب إجازة البشير بخلعة وإلا فبغيرها والخلعة أحسن وهى المعتادة قوله ( واستعرت ثوبين فلبستهما ) فيه جواز العارية وجواز إعارة الثوب للبس قوله ( فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقانى الناس فوجا فوجا ) أتأمم أقصد والفوج الجماعة قوله ( فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحنى وهنأنى ) فيه استحباب مصافحة القادم والقيام له إكراما والهرولة إلى لقائه بشاشة وفرحا قوله صلى الله عليه وسلم ( أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ) معناه سوى يوم إسلامك انما لم يستثنه لأنه معلوم لابد منه قوله ( أن من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة إلى الله والى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك بعض مالك فهو خيرلك ) معنى أنخلع منه أخرج منه وأتصدق به وفيه استحباب الصدقة شكرا للنعم المتجددة لاسيما ما عظم منها وانماأمره صلى الله عليه وسلم بالاقتصار على الصدقة ببعضه خوفا من تضرره بالفقر وخوفا أن لايصبر على الاضاقة ولا يخالف هذا صدقة أبى بكر رضى الله عنه بجميع ماله فانه كان صابرا راضيا فان قيل كيف قال أنخلع من مالى فأثبت له مالا مع قوله أولانزعت ثوبى والله ما أملك غيرهما فالجواب أن المراد بقوله أن أنخلع من مالى الأرض والعقار ولهذا قال فاني أمسك سهمى الذى بخيبر وأما قوله ما أملك غيرهما فالمراد به من الثياب ونحوهما مما يخلع ويليق بالبشير وفيه دليل على تخصيص اليمين بالنية وهو مذهبنا فاذا حلف لا مال له ونوى نوعا لم يحنث بنوع آخر من المال أولا يأكل ونوى تمرا لم يحنث بالخبز قوله فوالله ما علمت أحدا من المسلمين أبلاه الله تعالى فى صدق الحديث أحسن مما أبلانى ) أى أنعم عليه والبلاء والابلاء يكون فى الخير والشر لكن اذا أطلق كان للشر غالبا فاذا أريد الخير قيد كما قيده هنا فقال أحسن مما أبلانى قوله ( والله ما تعمدت كذبة ) هي باسكان الذال وكسرها قوله ( ما أنعم الله على من نعمة قط بعد إذ هدانى للاسلام أعظم فى نفسى من صدقى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك ) هكذا هو فى جميع نسخ مسلم وكثير من روايات البخارى قال العلماء لفضة لافى قوله أن لاأكون زائدة ومعناه أن أكون كذبته كقوله تعالى ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك وقوله فأهلك بكسر اللام على الفصيح المشهور وحكى فتحها وهو شاذ ضعيف قوله ( وارجاؤه أمرنا ) أى تأخيره قوله ( فى رواية بن أخى الزهري عن عمه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن عبيد الله بن كعب ) كذا قاله فى هذه الرواية عبيد الله بضم العين مصغر وكذا قاله فى الرواية التى بعدها رواية معقل بن عبيد الله عن الزهري عن عبد الرحمن عن عبيد الله بن كعب مصغر وقال قبلهما فى رواية يونس المذكور أول الحديث عن الزهري عن عبد الله بن كعب بفتح العين مكبر وكذا قال فى رواية عقيل عن الزهري عن عبد الله بن كعب مكبر قال الدارقطنى الصواب رواية من قال عبد الله بفتح العين مكبر ولم يذكر البخارى فى الصحيح إلا رواية عبد الله مكبر مع تكراره الحديث قوله ( قلما يريد غزوة إلا ورى بغيرها ) أى أوهم غيرها وأصله من وراء كأنه جعل البيان وراء ظهره قوله ( وكان أوعاهم لأحاديث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أى أحفظهم قوله ( لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة غزاها قط غير غزوتين ) المراد بهما غزوة بدر وغزوة تبوك كما صرح به فى الرواية الأولى قوله ( وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بناس كثير يزيدون على عشرة آلاف ) هكذا وقع هنا زيادة على عشرة آلاف ولم يبين قدرها وقد قال أبو زرعة الرازى كانوا سبعين ألفا وقال بن إسحاق كانوا ثلاثين ألفا وهذا أشهر وجمع بينهما بعض الأئمة بأن أبا زرعة عد التابع والمتبوع وبن إسحاق عد المتبوع فقط والله أعلم واعلم أن فى حديث كعب هذا رضى الله عنه فوائد كثيرة إحداها إباحة الغنيمة لهذه الأمة لقوله خرجوا يريدون عير قريش الثانية فضيلة أهل بدر وأهل العقبة الثالثة جواز الحلف من غير استحلاف فى غير الدعوى عند القاضي الرابعة أنه ينبغى لأمير الجيش اذا أراد غزوة أن يورى بغيرها لئلا يسبقه الجواسيس ونحوهم بالتحذير الا اذا كانت سفرة بعيدة فيستحب أن يعرفهم البعد ليتأهبوا الخامسة التأسف على ما فات من الخير وتمنى المتأسف أنه كان فعله لقوله فياليتنى فعلت السادسة رد غيبة المسلم لقول معاذ بئس ما قلت السابعة فضيلة الصدق وملازمته وان كان فيه مشقة فان عاقبته خير وان الصدق يهدى إلى البر والبر يهدى إلى الجنة كما ثبت فى الصحيح الثامنة استحباب صلاة القادم من سفر ركعتين فى مسجد محلته أول قدومه قبل كل شيء التاسعة أنه يستحب للقادم من سفر اذا كان مشهورا يقصده الناس لسلام عليه أن يقعد لهم فى مجلس بارزهين الوصول إليه العاشرة الحكم بالظاهر والله يتولى السرائر وقبول معاذير المنافقين ونحوهم ما لم يترتب على ذلك مفسدة الحادية عشر استحباب هجران أهل البدع والمعاصى الظاهرة وترك السلام عليهم ومقاطعتهم تحقيرا لهم وزجرا الثانية عشر استحباب بكائه على نفسه اذا وقعت منه معصية الثالثة عشر أن مسارقة النظر فى الصلاة والالتفات لا يبطلها الرابعة عشر أن السلام يسمى كلاما وكذلك رد السلام وأن من حلف لا يكلم إنسانا فسلم عليه أو رد عليه السلام يحنث الخامسة عشر وجوب إيثار طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على مودة الصديق والقريب وغيرهما كما فعل أبو قتادة حين سلم عليه كعب فلم يرد عليه حين نهى عن كلامه السادسة عشر أنه اذا حلف لا يكلم إنسانا فتكلم ولم يقصد كلامه بل قصد غيره فسمع المحلوف عليه لم يحنث الحالف لقوله الله أعلم فانه محمول على أنه لم يقصد كلامه كما سبق السابعة عشر جواز إحراق ورقة فيها ذكر الله تعالى لمصلحة كما فعل عثمان والصحابة رضى الله عنهم بالمصاحف التى هي غير مصحفة الذى أجمعت الصحابة عليه وكان ذلك صيانة فهي حاجة وموضع الدلالة من حديث كعب أنه أحرق الورقة وفيها لم يجعلك الله بدار هوان الثامنة عشر إخفاء ما يخاف من إظهاره مفسدة وإتلاف التاسعة عشر أن قوله لامرأته الحقى بأهلك ليس بصريح طلاق ولايقع به شيء اذا لم ينو العشرون جواز خدمة المرأة زوجها برضاها وذلك جائز له بالاجماع فأما الزامها بذلك فلا الحادية والعشرون استحباب الكنايات في ألفاظ الاستمتاع بالنساء ونحوها الثانية والعشرون الورع والاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوع فى منهى عنه لانه لم يستأذن فى خدمة امرأته له وعلل بأنه شاب أى لا يأمن مواقعتها وقد نهى عنها الثالثة والعشرون استحباب سجود الشكر عند تجدد نعمة ظاهرة أواندفاع بلية ظاهرة وهو مذهب الشافعى وطائفة وقال أبو حنيفة وطائفة لا يشرع الرابعة والعشرون استحباب التبشير بالخير الخامسة والعشرون استحباب تهنئة من رزقه الله خيرا ظاهرا أو صرف عنه شرا ظاهرا السادسة والعشرون استحباب اكرام المبشر بخلعه أو نحوها السابعة والعشرون أنه يجوز تخصيص اليمين بالنية فاذا حلف لامال له ونوى نوعا لم يحنث بنوع من المال غيره واذا حلف لا يأكل ونوى خبزا لم يحنث باللحم والتمر وسائر المأكول ولايحنث الا بذلك النوع وكذلك لو حلف لا يكلم زيدا ونوى كلاما مخصوصا لم يحنث بتكليمه إياه غير ذلك الكلام المخصوص وهذا كله متفق عليه عند أصحابنا ودليله من هذا الحديث قوله فى الثوبين والله ماأملك غيرهما ثم قال بعده فى ساعة ان من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة ثم قال فإني أمسك سهمى الذى بخيبر الثامنة والعشرون جواز العارية التاسعة والعشرون جواز استعارة الثياب للبس الثلاثون استحباب اجتماع الناس عند امامهم وكبيرهم فى الأمورالمهمة من بشارة ومشورة وغيرهما الحادية والثلاثون استحباب القيام للوارد إكراما له إذا كان من أهل الفضل بأى نوع كان وقد جاءت به أحاديث جمعتها فى جزء مستقل بالترخيص فيه والجواب عما يظن به مخالفا لذلك الثانية والثلاثون استحباب المصافحة عند التلاقى وهى سنة بلاخلاف الثالثة والثلاثون استحباب سرور الامام وكبير القوم بما يسر أصحابه وأتباعه الرابعة والثلاثون أنه يستحب لمن حصلت له نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه كربة ظاهرة أن يتصدق بشيء صالح من ماله شكرا لله تعالى على إحسانه وقد ذكر أصحابنا أنه يستحب له سجود الشكر والصدقة جميعا وقد اجتمعا فى هذا الحديث الخامسة والثلاثون أنه يستحب لمن خاف أن لايصبر على الاضاقة أن لايتصدق بجميع ماله بل ذلك مكروه له السادسة والثلاثون أنه يستحب لمن رأى من يريد أن يتصدق بكل ماله ويخاف عليه أن لايصير على الإضاقة أن ينهاه عن ذلك ويشير عليه ببعضه السابعة والثلاثون أنه يستحب لمن تاب بسبب من الخير أن يحافظ على ذلك السبب فهو أبلغ فى تعظيم حرمات الله كما فعل كعب فى الصدق والله أعلم
1 ( باب فى حديث الافك وقبول توبة القاذف )
2770 قوله ( حدثنا حبان بن موسى ) هو بكسر الحاء وليس له فى صحيح مسلم ذكر الا فى هذا الموضع وقد أكثر عنه البخارى فى صحيحه قوله ( عن الزهري قال حدثنى سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة إلى قوله وكلهم حدثنى طائفة من الحديث وبعضهم أوعى لحديثها من بعض إلى قوله وبعض حديثهم يصدق بعضا ) هذا الذى ذكره الزهري من جمعه الحديث عنهم جائز لامنع منه ولا كراهة فيه لأنه قد بين أن بعض الحديث عن بعضهم وبعضه عن بعضهم وهؤلاء الاربعة أئمة حفاظ ثقات من أجل التابعين فاذا ترددت اللفظة من هذا الحديث بين كونها عن هذا أو ذاك لم يضر وجاز الاحتجاج بها لأنهما ثقتان وقد اتفق العلماء على أنه لو قال حدثنى زيد أو عمرو وهما ثقتان معروفان بالثقة عند المخاطب جاز الاحتجاج به قوله ( وبعضهم أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصا ) أى أحفظ وأحسن إيرادا وسردا للحديث قولها ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ) هذا دليل لمالك والشافعى وأحمد وجماهير العلماء فى العمل بالقرعة فى القسم بين الزوجات وفى العتق والوصايا والقسمة ونحوذلك وقد جاءت فيها أحاديث كثيرة فى الصحيح مشهورة قال أبو عبيد عمل بها ثلاثة من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يونس وزكريا ومحمد صلى الله عليه وسلم قال بن المنذر استعمالها كالاجماع قال ولا معنى لقول من ردها والمشهور عن أبى حنيفة إبطالها وحكى عنه إجازتها قال بن المنذر وغيره القياس تركها لكن عملنا بها للآثار وفيه القرعة بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن ولا يجوز أخذ بعضهن بغير قرعة هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة وآخرون وهو رواية عن مالك وعنه رواية أن له السفر بمن شاء منهن بلا قرعة لأنها قد تكون أنفع له فى طريقه والأخرى أنفع له فى بيته وماله قولها ( آذن ليلة بالرحيل ) روى بالمد وتخفيف الذال وبالقصر وتشديدها أى أعلم قولها ( وعقدى من جزع ظفار قد انقطع ) أما العقد فمعروف نحو القلادة والجزع بفتح الجيم واسكان الزاى وهو خرز يمانى وأما ظفار فبفتح الظاء المعجمة وكسر الراء وهى مبنية على الكسر تقول هذه ظفار ودخلت ظفار والى ظفار بكسر الراء بلاتنوين فى الأحوال كلها وهى قرية فى اليمن قولها ( وأقبل الرهط الذى كانوا يرحلون لى فحملوا هو دجى فرحلوه على بعيرى ) هكذا وقع فى أكثر النسخ لى باللام وفى بعض النسخ بى بالباء واللام أجود ويرحلون بفتح الياء واسكان الراء وفتح الحاء المخففة أى يجعلون الرحل على البعير وهو معنى قولها فرحلوه بتخفيف الحاء والرهط هم جماعة دون عشرة والهودج بفتح الهاء مركب من مراكب النساء قولها ( وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم انما يأكلن العلقة من الطعام ) فقولها يهبلن ضبطوه على أوجه أشهرها ضم الياء وفتح الهاء والباء المشددة أى يثقلن باللحم والشحم والثانى يهبلن بفتح الياء والباء وإسكان الهاء بينهما والثالث بفتح الياء وضم الباء الموحدة ويجوز بضم أوله وإسكان الهاء وكسر الموحدة قال أهل اللغة يقال هبله اللحم وأهبله اذا أثقله وكثرلحمه وشحمه وفي رواية البخارى لم يثقلن وهو بمعناه وهو أيضا المراد بقولها ولم يغشهن اللحم ويأكلن العلقة بضم العين أى القليل ويقال لها أيضا البلغة قولها ( فتيممت منزلى ) أى قصدته قولها ( وكان صفوان بن المعطل ) هو بفتح الطاء بلا خلاف كذا ضبطه أبو هلال العسكرى والقاضى فى المشارق وآخرون قولها عرس من وراء الجيش فادلج ) التعريس النزول آخر الليل فى السفر لنوم أو استراحة وقال أبو زيد هو النزول أى وقت كان والمشهور الأول قولها ( ادلج ) بتشديد الدال وهو سير آخر الليل قولها ( فرأى سواد إنسان ) أى شخصه قولها ( فاستيقظت باسترجاعه ) أى انتبهت من نومى بقوله إنا لله وإنا إليه راجعون قولها ( خمرت وجهى ) أى غطيته قولها ( نزلوا موغرين فى نحر الظهيرة ) الموغر بالغين المعجمة النازل فى وقت الوغرة بفتح الواو واسكان الغين وهى شدة الحر كما فسرها فى الكتاب فى آخر الحديث وذكر هناك أن منهم من رواه موعرين بالعين المهملة وهو ضعيف ونحر الظهيرة وقت القائلة وشدة الحر قولها ( وكان الذى تولى كبره ) أى معظمه وهو بكسر الكاف على القراءة المشهورة وقرىء فى الشواذ بضمها وهى لغة قولها ( وكان الذى تولى كبره عبد الله بن أبى بن سلول ) هكذاصوابه بن سلول برفع بن وكتابته بالألف صفة لعبد الله وقد سبق بيانه مرات وتقدم إيضاحه فى كتاب الايمان فى حديث المقداد مع نظائره قولها ( والناس يفيضون في قول أهل الافك ) أى يخوضون فيه والإفك بكسر الهمزة واسكان الفاء هذا هو المشهور وحكى القاضي فتحهما جميعا قال هما لغتان كنجس ونجس وهو الكذب قولها ( وهويريبنى أنى لاأعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذى كنت أرى منه ) يريبنى بفتح أوله وضمه يقال رابه وأرابه اذا أوهمه وشككه واللطف بضم اللام واسكان الطاء ويقال بفتحها معا لغتان وهو البر والرفق قولها ( ثم يقول كيف تيكم ) هي اشارة إلى المؤنثة كذلكم فى المذكر قولها ( خرجت بعد ما نقهت ) هو بفتح القاف وكسرها لغتان حكاهما الجوهرى فى الصحاح وغيره والفتح أشهر واقتصر عليه جماعة يقال نقه ينقه نقوها فهو ناقه ككلح يكلح كلوحا فهو كالح ونقه ينقه نقها فهو ناقه كفرح يفرح فرحا والجمع نقه بضم النون وبشديد القاف والناقه هو الذى أفاق من المرض ويبرأ منه وهو قريب عهد به لم يتراجع إليه كمال صحته قولها ( وخرجت مع أم مسطح قبل المناصع ) أما مسطح فبكسر الميم وأما المناصع فبفتحها وهى مواضع خارج المدينة كانوا يتبرزون فيها قولها ( قبل أن نتخذ الكنف ) هي جمع كنيف قال أهل اللغة الكنيف الساتر مطلقا قولها ( وأمرنا أمر العرب الأول فى التنزه ) ضبطوا الأول بوجهين أحدهما ضم الهمزة وتخفيف الواو والثانى الأول بفتح الهمزة وتشديد الواو وكلاهما صحيح والتنزه طلب النزاهة بالخروج إلى الصحراء قولها ( وهى بنت أبى رهم وابنها مسطح بن أثاثه ) أما رهم فبضم الراء واسكان الهاء وأثاثه بهمزة مضمومة وثاء مثلثة مكررة ومسطح لقب واسمه عامر وقيل عوف كنيته أبوعباد وقيل أبو عبد الله توفى سنة سبع وثلاثين وقيل أربع وثلاثين واسم أم مسطح سلمى قولها ( فعثرت أم مسطح فى مرطها فقالت تعس مسطح ) أما عثرت فبفتح الثاء وأما تعس فبفتح العين وكسرها لغتان مشهورتان واقتصر الجوهرى على الفتح والقاضى على الكسر ورجح بعضهم الكسر وبعضهم الفتح ومعناه عثر وقيل هلك وقيل لزمه الشر وقيل بعد وقيل سقط بوجهه خاصة وأما المرط فبكسر الميم وهو كساء من صوف وقد يكون من غيره قولها ( أى هنتاه ) هي باسكان النون وفتحها الاسكان أشهر قال صاحب نهاية الغريب وتضم الهاء الأخيرة وتسكن ويقال فى التثنية هنتان وفى الجمع هنات وهنوات وفى المذكر هن وهنان وهنون ولك أن تلحقها الهاء لبيان الحركة فتقول ياهنه وأن تشبع حركة النون فتصير ألفا فتقول يا هناه ولك ضم الهاء فتقول يا هناه أقبل قالوا وهذه اللفظة تختص بالنداء ومعناه يا هذه وقيل يا امرأة وقيل يا بلهاء كأنها نسبت إلى قلة المعرفة بمكايد الناس وشرورهم ومن المذكور حديث الصبى بن معبد قلت يا هناه أنى حريص على الجهاد والله أعلم قولها ( قلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها ) الوضيئة مهموزة ممدودة هي الجميلة الحسنة والوضاءة الحسن ووقع فى رواية بن ماهان حظية من الحظوة وهى الوجاهة وارتفاع المنزلة والضراير جمع ضرة وزوجات الرجل ضراير لأن كل واحدة تتضرر بالأخرى بالغيرة والقسم وغيره والاسم منه الضر بكسر الضاد وحكى ضمها وقولها ألا كثرن عليها هو بالثاء المثلثة المشددة أى أكثرن القول فى عيبها ونقصها قولها ( لا يرقأ لى دمع ) هو بالهمزة أى لاينقطع قولها ( ولا أكتحل بنوم ) أى لا أنام قولها استلبث الوحي أي أبطأ ولبث ولم ينزل قولها ( وأما على بن أبى طالب فقال لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير ) هذا الذى قاله على رضى الله عنه هو الصواب فى حقه لأنه رآه مصلحة ونصيحة للنبى صلى الله عليه وسلم فى اعتقاده ولم يكن ذلك فى نفس الأمر لأنه رأى انزعاج النبى صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر وتقلقه فأراد راحة خاطره وكان ذلك أهم من غيره قولها ( والذى بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجن فتأكله ) فقولها أغمصه بفتح الهمزة وكسر الميم وبالصاد المهملة أى أعيبها والداجن الشاة التى تألف البيت ولا تخرج للمرعى ومعنى هذا الكلام أنه ليس فيها شيء مما تسألون عنه أصلا ولا فيها شيء من غيره الا نومها عن العجين قولها ( فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبى بن سلول ) أما أبى منون وبن سلول بالالف وسبق بيانه وأما استعذر فمعناه أنه قال من يعذرنى فيمن آذانى فى أهلى كما بينه فى هذا الحديث ومعنى من يعذرنى من يقوم بعذرى ان كافأته على قبيح فعاله ولا يلومنى وقيل معناه من ينصرنى والعذير الناصر قولها ( فقام سعد بن معاذ فقال أنا أعذرك منه ) قال القاضي عياض هذا مشكل لم يتكلم فيه أحد وهو قولها فقام سعد بن معاذ فقال أنا أعذرك منه وكانت هذه القصة فى غزوة المريسيع وهى غزوة بنى المصطلق سنة ست فيما ذكره بن إسحاق ومعلوم أن سعد بن معاذ مات فى اثر غزاة الخندق من الرمية التى أصابته وذلك سنة أربع باجماع أصحاب السير الاشيئا قاله الواقدى وحده قال القاضي قال بعض شيوخنا ذكر سعد بن معاذ فى هذا وهم والأشبه أنه غيره ولهذا لم يذكره بن إسحاق فى السير وانما قال ان المتكلم أولا وآخرا أسيد بن حضير قال القاضي وقد ذكر موسى بن عقبة أن غزوة المريسيع كانت سنة أربع وهى سنة الخندق وقد ذكر البخارى اختلاف بن إسحاق وبن عقبة قال القاضي فيحتمل أن غزاة المريسيع وحديث الافك كانا فى سنة أربع قبل قصة الخندق قال القاضي وقد ذكر الطبرى عن الواقدى أن المريسيع كانت سنة خمس قال وكانت الخندق وقريظة بعدها وذكر القاضي إسماعيل الخلاف فى ذلك وقال الأولى أن يكون المريسيع قبل الخندق قال القاضي وهذا لذكر سعد فى قصة الافك وكانت فى المريسيع فعلى هذا يستقيم فيه ذكر سعد بن معاذ وهو الذى فى الصحيحين وقول غير بن إسحاق فى غير وقت المريسيع أصح هذا كلام القاضي وهو صحيح قولها ( ولكن اجتهلته الحمية ) هكذا هو هنا لمعظم رواة صحيح مسلم اجتهلته بالجيم والهاء أى استخفته وأغضبته وحملته على الجهل وفى رواية بن ماهان هنااحتملته بالحاء والميم وكذا رواه مسلم بعد هذا من رواية يونس وصالح وكذا رواه البخارى ومعناه أغضبته فالروايتان صحيحتان قولها ( فثار الحيان الأوس والخزرج ) أى تناهضوا للنزاع والعصبية كما قالت حتى هموا أن يقتتلوا قوله صلى الله عليه وسلم ( وان كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله ) معناه ان كنت فعلت ذنبا وليس ذلك لك بعادة وهذا أصل اللمم قولها ( قلص دمعى ) هو بفتح القاف واللام أي ارتفع لاستعظام ما يعيينى من الكلام قولها لابويها ( أجيبا عنى ) فيه تفويض الكلام إلى الكبار لأنهم أعرف بمقاصده واللائق بالمواطن منه وأبواها يعرفان حالها وأما قول أبويها لاندرى ما نقول فمعناه أن الأمر الذى سألها عنه لا يقفان منه على زائد على ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحى من حسن الظن بها والسرائر إلى الله تعالى قولها ( ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ) أى ما فارقه قولها ( فأخذه ما كان يأخذه من البر حاء ) هي بضم الموحدة وفتح الراء وبالحاء المهملة والمد وهى الشدة قولها ( حتى انه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق ) معنى ليتحدر لينصب والجمان بضم الجيم وتخفيف الميم وهو الدر شبهت قطرات عرقه صلى الله عليه وسلم بحبات اللؤلؤ فى الصفاء والحسن قولها ( فلما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أى كشف وأزيل قولها ( فقالت لى أمى قومى فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد الا الله هو الذى أنزل براءتى ) معناه قالت لها أمها قومى فاحمديه وقبلى رأسه واشكريه لنعمة الله تعالى التى بشرك فقالت عائشة ما قالت ادلالا عليه وعتبا لكونهم شكوا فى حالها مع علمهم بحسن طرائقها وجميل أحوالها وارتفاعها عن هذا الباطل الذى افتراه قوم ظالمون ولا حجة له ولا شبهة فيه قالت وانما أحمد ربى سبحانه وتعالى الذى أنزل براءتى وأنعم على بما لم أكن أتوقعه كما قالت ولشأنى كان أحقر فى نفسى من أن يتكلم الله تعالى فى بأمر يتلى قوله عز وجل ( ولا يأتل أولوا الفضل منكم ) أى لايحلفوا والالية اليمين وسسبق بيانها قولها ( أحمى سمعى وبصرى ) أى أصون سمعى وبصرى من أن أقول سمعت ولم أسمع وأبصرت ولم أبصر قولها وهي التي كانت تساميني أي تفاخرنى وتضاهينى بجمالها ومكانها عند النبى صلى الله عليه وسلم وهى مفاعلة من السمو وهو الارتفاع قولها ( وطفقت أختها حمنة تحارب لها ) أى جعلت تتعصب لها فتحكى ما يقوله أهل الافك وطفق الرجل بكسرالفاء على المشهور وحكى فتحها وسبق بيانه قوله ( ما كشفت من كنف أنثى قط ) الكنف هنا بفتح الكاف والنون أى ثوبها الذى يسترها وهو كناية عن عدم جماع النساء جميعهن ومخالطتهن قوله ( وفى حديث يعقوب موعرين ) يعنى بالعين المهملة وسبق بيانه وقوله فى تفسير عبد الرزاق الوغرة شدة الحر هي باسكان الغين وسبق بيانه قوله صلى الله عليه وسلم ( أشيروا على فى أناس أبنوا أهلى ) هو بباء موحدة مفتوحة مخففة ومشددة رووه هنا بالوجهين التخفيف أشهر ومعناه اتهموها والأبن بفتح الهمزة يقال أبنه يأبنه ويأبنه بضم الباء وكسرها اذا اتهمه ورماه بخلة سوء فهو مأبون قالواوهو مشتق من الأبن بضم الهمزة وفتح الباء وهي العقد فى القسى تفسدها وتعاب بها قوله ( حتى أسقطوا لهابه فقالت سبحان الله ) هكذا هو فى جميع نسخ بلادنا أسقطوا لهابه بالباء التى هي حرف الجر وبهاء ضمير المذكر وكذا نقله القاضي عن رواية الجلودى قال وفى رواية بن ماهان لهاتها بالتاء المثناة فوق قال الجمهور هذا غلط وتصحيف والصواب الأول ومعناه صرحوا لها بالأمر ولهذا قالت سبحان الله استعظاما لذلك وقيل أتوا بسقط من القول فى سؤالها وانتهارها يقال أسقط وسقط فى كلامه اذا أتى فيه بساقط وقيل اذا أخطأ فيه وعلى رواية بن ماهان إن صحت معناها أسكتوها وهذا ضعيف لأنها لم تسكت بل قالت سبحان الله والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب وهى القطعة الخالصة قولها ( وأماالمنافق عبد الله بن أبى فهو الذى كان يستوشيه ) أى يستخرجه بالبحث والمسئلة ثم يفشيه ويشيعه ويحركه ولا ندعه بحمد والله أعلم واعلم أن فى حديث الافك فوائد كثيرة إحداها جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة عن كل واحد قطعة مبهمة منه وهذا وأن كان فعل الزهري وحده فقد أجمع المسلمون علي قبوله منه والاحتجاج به الثانية صحة القرعة بين النساء وفى العتق وغيره مما ذكرناه فى أول الحديث مع خلاف العلماء الثالثة وجوب الاقراع بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن الرابعة أنه لا يجب قضاء مدة السفر للنسوة المقيمات وهذا مجمع عليه اذا كان السفر طويلا وحكم القصير حكم الطويل على المذهب الصحيح وخالف فيه بعض أصحابنا الخامسة جواز سفر الرجل بزوجته السادسة جواز غزوهن السابعة جواز ركوب النساء في الهوادج الثامنة جواز خدمة الرجال لهن فى تلك الأسفار التاسعة أن ارتحال العسكر يتوقف على أمر الأمير العاشرة جواز خروج المرأة لحاجة الانسان بغير إذن الزوج وهذا من الأمور المستثناة الحادية عشر جواز لبس النساء القلائد فى السفر كالحضر الثانية عشر أن من يركب المرأة على البعير وغيره لا يكلمها إذا لم يكن محرما إلا لحاجة لأنهم حملوا الهودج ولم يكلموا من يظنونها فيه الثالثة عشر فضيلة الاقتصار فى الأكل للنساء وغيرهن وأن لايكثر منه بحيث يهبله اللحم لأن هذا كان حالهن فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم وما كان فى زمانه صلى الله عليه وسلم فهو الكامل الفاضل المختار الرابعة عشر جواز تأخر بعض الجيش ساعة ونحوها لحاجة تعرض له عن الجيش اذا لم يكن ضرورة إلى الاجتماع الخامسة عشر إعانة الملهوف وعون المنقطع وإنقاذ الضائع وإكرام ذوى الأقدار كما فعل صفوان رضى الله عنه فى هذا كله السادسة عشر حسن الأدب مع الأجنبيات لاسيما فى الخلوة بهن عند الضرورة فى برية أو غيرها كما فعل صفوان من إبراكه الجمل من غير كلام ولاسؤال وانه ينبغى أن يمشى قدامها لا بجنبها ولا وراءها السابعة عشر استحباب الإيثار بالركوب ونحوه كما فعل صفوان الثامنة عشر استحباب الإسترجاع عند المصائب سواء كانت فى الدين أو الدنيا وسواء كانت فى نفسه أو من يعز عليه التاسعة عشر تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبى سواء كان صالحا أو غيره العشرون جواز الحلف من غير استحلاف الحادية والعشرون أنه يستحب أن يستر عن الانسان ما يقال فيه اذا لم يكن فى ذكره فائدة كما كتموا عن عائشة رضى الله عنها هذا الأمر شهرا ولم تسمع بعد ذلك إلا بعارض عرض وهو قول أم مسطح تعس مسطح الثانية والعشرون استحباب ملاطفة الرجل زوجته وحسن المعاشرة الثالثة والعشرون أنه اذا عرض عارض بأن سمع عنها شيئا أو نحو ذلك يقلل من اللطف ونحوه لتفطن هي أن ذلك لعارض فتسأل عن سببه فتزيله الرابعة والعشرون استحباب السؤال عن المريض الخامسة والعشرون أنه يستحب للمرأة اذا أرادت الخروج لحاجة أن تكون معها رفيقة تستأنس بها ولا يتعرض لها أحد السادسة والعشرون كراهة الانسان صاحبه وقريبه اذا أذى أهل الفضل أو فعل غير ذلك من القبائح كما فعلت أم مسطح فى دعائها عليه السابعة والعشرون فضيلة أهل بدر والذب عنهم كما فعلت عائشة في ذبها عن مسطح الثامنة والعشرون أن الزوجة لاتذهب إلى بيت أبويها ألا باذن زوجها التاسعة والعشرون جواز التعجب بلفظ التسبيح وقد تكرر فى هذا الحديث وغيره الثلاثون استحباب مشاورة الرجل بطانته وأهله وأصدقاءه فيما ينوبه من الأمور الحادية والثلاثون جواز البحث والسؤال عن الأمور المسموعة عمن له به تعلق أما غيره فهو منهى عنه وهو تجسس وفضول الثانية والثلاثون خطبة الامام الناس عند نزول أمر مهم الثالثة والثلاثون اشتكاءولى الأمر إلى المسلمين من تعرض له بأذى فى نفسه أو أهله أو غيره واعتذاره فيما يريد أن يؤذيه به الرابعة والثلاثون فضائل ظاهرة لصفوان بن المعطل رضى الله عنه بشهادة النبى صلى الله عليه وسلم له بما شهد وبفعله الجميل فى إركاب عائشة رضى الله عنها وحسن أدبه فى جملة القضية الخامسة والثلاثون فضيلة لسعد بن معاذوأسيد بن حضير رضى الله عنهما السادسة والثلاثون المبادرة إلى قطع الفتن والخصومات والمنازعات وتسكين الغضب السابعة والثلاثون قبول التوبة والحث عليها الثامنة والثلاثون تفويض الكلام إلى الكبار دون الصغار لأنهم أعرف التاسعة والثلاثون جواز الاستشهاد بآيات القرآن العزيز ولاخلاف أنه جائز الأربعون استحباب المبادرة بتبشير من تجددت له نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه بلية ظاهرة الحادية والأربعون براءة عائشة رضى الله عنها من الافك وهى براءة قطعية بنص القرآن العزيز فلو تشكك فيها إنسان والعياذ بالله صار كافرا مرتدا باجماع المسلمين قال بن عباس وغيره لم تزن امرأة نبى من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وهذا إكرام من الله تعالى لهم الثانية والأربعون تجديد شكر الله تعالى عند تجدد النعم الثالثة والأربعون فضائل لأبى بكر رضى الله عنه فى قوله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم الآية الرابعة والأربعون استحباب صلة الأرحام وان كانوا مسيئين الخامسة والأربعون العفو والصفح عن المسىء السادسة والأربعون استحباب الصدقة والانفاق فى سبيل الخيرات السابعة والأربعون أنه يستحب لمن حلف على يمين ورأى خيرا منها أن يأتى الذى هو خير ويكفر عن يمينه الثامنة والأربعون فضيلة زينب أم المؤمنين رضى الله عنها التاسعة والأربعون التثبيت فى الشهادة الخمسون إكرام المحبوب بمراعاة أصحابه ومن خدمة أو أطاعة كما فعلت عائشة رضى الله عنها بمراعاة حسان واكرامه إكراما للنبى صلى الله عليه وسلم الحادية والخمسون أن الخطبة تبتدأ بحمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله الثانية والخمسون أنه يستحب فى الخطب أن يقول بعد الحمد والثناء والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم والشهادتين أما بعد وقد كثرت فيه الأحاديث الصحيحة الثالثة والخمسون غضب المسلمين عند انتهاك حرمة أميرهم واهتمامهم بدفع ذلك الرابعة والخمسون جواز سب المتعصب لمبطل كما سب أسيد بن حضير سعد بن عبادة لتعصبه للمنافق وقال انك منافق تجادل عن المنافقين وأراد أنك تفعل فعل المنافقين ولم يرد النفاق الحقيقى
1 ( باب براءة حرم النبى صلى الله عليه وسلم من الريبة) 2771 ذكر فى الباب حديث أنس أن رجلا كان يتهم بأم ولده صلى الله عليه وسلم فأمر عليا رضى الله عنه أن يذهب يضرب عنقه فذهب فوجده يغتسل فى ركي وهو البئر فرآه مجبوبا فتركه قيل لعله كان منافقا ومستحقا للقتل بطريق آخر وجعل هذا محركا لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنى وكف عنه على رضى الله عنه اعتمادا على أن القتل بالزنى وقد علم انتفاء الزنى والله أعلم 1 ( كتاب صفات المنافقين وأحكامهم )
2772 قوله ( حتى ينفضوا ) أى ينفردوا قال زهير وهى قراءة من خفض حوله يعنى قراءة من يقرأ من حوله بكسر ميم من وبجر حوله واحترز به عن القراءة الشاذة من حوله بالفتح قوله ( لووا رؤسهم ) قرئ فى السبع بتشديد الواو وتخفيفها كأنهم خشب بضم الشين وباسكانها الضم للأكثرين وفى حديث زيد بن أرقم هذا أنه ينبغى لمن سمع أمرا يتعلق بالامام أو نحوه من كبار ولاة الأمور ويخاف ضرره على المسلمين أن يبلغه إياه ليحترز منه وفيه منقبة لزيد وأما حديث صلاة النبى صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبى المنافق وإلباسه قميصه واستغفاره له ونفثه عليه من ريقة فسبق شرحه والمختصر منه أنه صلى الله عليه وسلم فعل هذا كله اكراما لابنه وكان صالحا وقد صرح مسلم فى رواياته بأن ابنه سأل ذلك ولأنه أيضا من مكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم وحسن معاشرته لمن انتسب إلى صحبته وكانت هذه الصلاة قبل نزول قوله سبحانه وتعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره صرح به فى هذا الحديث وقيل ألبسه القميص مكافأة بقميص كان ألبسه العباس 2775 قوله ( قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم ) قال القاضي عياض رحمه الله هذا فيه تنبيه على أن الفطنة قلما تكون مع السمن قوله تعالى فما لكم في المنافقين فئتين قال أهل العربية معناه أى شيء لكم فى الاختلاف فى أمرهم وفئتين معناه فرقتين وهو منصوب عند البصريين على الحال قال سيبويه اذا قلت مالك قائما معناه لم قمت ونصبته على تقدير أى شيء يحصل لك فى هذا الحال وقال الفراء هو منصوب على أنه خبر كان محذوفة فقولك مالك قائما تقديره لم كنت قائما 2779 قوله صلى الله عليه وسلم ( فى أصحابى اثنا عشر منافقا فيهم ثمانية لايدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة سراج من النار يظهر فى أكتافهم حتى ينجم من صدورهم ) أما قوله صلى الله عليه وسلم فى أصحابى فمعناه الذين ينسبون إلى صحبتى كما قال فى الرواية الثانية فى أمتى وسم الخياط بفتح السين وضمها وكسرها الفتح أشهر وبه قرأ القراء السبعة وهو ثقب الابرة ومعناه لايدخلون الجنة أبدا كما لايدخل الجمل فى ثقب الابرة أبدا وأما الدبيلة فبدال مهملة ثم الجيم وروى تكفيهم الدبيلة بحذف الكاف الثانية وروى تكفتهم بتاء مثناة فوق بعد الفاء من الكفت وهو الجمع والستر أى تجمعهم فى قبورهم وتسترهم قوله ( كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس فقال أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة فقال له القوم أخبره اذا سألك قال كنا نخبرأنهم أربعة عشر فان كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر وأشهد بالله أن اثنى عشر منهم حرب لله ولرسوله فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) وهذه العقبة ليست العقبة المشهورة بمنى التى كانت بها بيعة الأنصار رضى الله عنهم وانما هذه عقبة على طريق تبوك اجتمع المنافقون فيها للغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك فعصمه الله منهم 2780 قوله صلى الله عليه وسلم ( من يصعد الثنية ثنية المرار ) هكذا هو فى الرواية الأولى المرار بضم الميم وتخفيف الراء وفى الثانية المرار أو المرار بضم الميم أو فتحها على الشك وفى بعض النسخ بضمها أو كسرها والله أعلم والمرار شجر مر وأصل الثنية الطريق بين جبلين وهذه الثنية عند الحديبية قال الحازمى قال بن إسحاق هي مهبط الحديبية قوله ( لأن أجد ضالتى أحب إلى من أن يستغفر لى صاحبكم قال وكان الرجل ينشد ضالة له ) ينشد بفتح الياء وضم الشين أى يسأل عنها قال القاضي قيل هذا الرجل هو الجد بن قيس المنافق قوله ( فنبذته الأرض ) أى طرحته على وجهها عبرة للناظرين 2781 وقوله ( قصم الله عنقه ) أى أهلكه 2782 قوله ( هاجت ريح تكاد أن تدفن الراكب ) هكذا هو فى جميع النسخ تدفن بالفاء والنون أى تغيبه عن الناس وتذهب به لشدتها 2783 قوله صلى الله عليه وسلم ( الراكبين المقفيين ) أى الموليين أقفيتهما منصرفين قوله ( لرجلين حينئذ من أصحابه ) سماهما من أصحابه لا ظهارهما الاسلام والصحبة لاأنهما ممن نالته فضيلة الصحبة 2784 قوله صلى الله عليه وسلم ( مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة والى هذه مرة ) العائرة المترددة الحائرة لا تدرى لأيهما تتبع ومعنى تعير أى تردد وتذهب وقوله فى الرواية الثانية تكر فى هذه مرة وفي هذه مرة أى تعطف على هذه وعلى هذه وهو نحو تعير وهو بكسر الكاف
1 ( كتاب صفة القيامة والجنة والنار )
2785 قوله صلى الله عليه وسلم ( لايزن عند الله جناح بعوضة ) أى لايعدله فى القدر والمنزلة أى لاقدر له وفيه ذم السمن والحبر بفتح الحاء وكسرها والفتح أفصح وهو العالم 2786 قوله ( إن الله يمسك السماوات على أصبع والارضين على أصبع إلى قوله ثم يهزهن ) هذا من أحاديث الصفات وقد سبق فيها المذهبان التأويل والامساك عنه مع الايمان بها مع اعتقاد أن الظاهر منها غير مراد فعلى قول المتأولين يتأولون الأصابع هنا على الاقتدار أى خلقها مع عظمها بلا تعب ولا ملل والناس يذكرون الأصبع فى مثل هذا للمبالغة والاحتقار فيقول أحدهم بأصبعى أقتل زيدا أى لا كلفة على في قتله وقيل يحتمل أن المراد أصابع بعض مخلوقاته وهذا غير ممتنع والمقصود أن يد الجارحة مستحيلة قوله ( فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا مما قال الحبر تصديقا له ثم قرأ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ) ظاهر الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم صدق الحبر فى قوله إن الله تعالى يقبض السماوات والأرضين والمخلوقات بالأصابع ثم قرأ الآية التى فيها الاشارة إلى نحو ما يقول قال القاضي وقال بعض المتكلمين ليس ضحكه صلى الله عليه وسلم وتعجبه وتلاوته للآية تصديقا للحبر بل هو رد لقوله وانكار وتعجب من سوء اعتقاده فان مذهب اليهود التجسيم ففهم منه ذلك وقوله تصديقا له إنما هو من كلام الراوى على ما فهم والأول أظهر 2788 قوله صلى الله عليه وسلم ( يطوى الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يطوى الأرضين بشماله ) وفى رواية أن بن مقسم نظر إلى بن عمر كيف يحكى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يأخذ الله سمواته وارضيه بيديه ويقول أنا الله ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الملك حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه قال العلماء المراد بقوله يقبض أصابعه ويبسطها النبى صلى الله عليه وسلم ولهذا قال ان بن مقسم نظر إلى بن عمر كيف يحكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما إطلاق اليدين لله تعالى فمتأول على القدرة وكنى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع باليدين فخوطبنا بما نفهمه ليكون أوضح وأوكد فى النفوس وذكر اليمين والشمال حتى يتم المثال لأنا نتناول باليمين ما نكرمه وبالشمال ما دونه ولأن اليمين فى حقنا يقوى لما لا يقوى له الشمال ومعلوم أن السماوات أعظم من الأرض فأضافها إلى اليمين والأرضين إلى الشمال ليظهر التقريب فى الاستعارة وان كان الله سبحانه وتعالى لا يوصف بأن شيئا أخف عليه من شيء ولا أثقل من شيء هذا مختصر كلام المازرى فى هذا قال القاضي وفى هذا الحديث ثلاثة ألفاظ يقبض ويطوى ويأخذ كله بمعنى الجمع لأن السماوات مبسوطه والأرضين مدحوة وممدودة ثم يرجع ذلك إلى معنى الرفع والازالة وتبديل الأرض غير الأرض والسموات فعاد كله إلى ضم بعضها إلى بعض ورفعها وتبديلها بغيرها قال وقبض النبى صلى الله عليه وسلم أصابعه وبسطها تمثيل لقبض هذه المخلوقات وجمعها بعد بسطها وحكاية للمبسوط والمقبوض وهو السماوات والارضون لا اشارة إلى القبض والبسط الذى هو صفة القابض والباسط سبحانه وتعالى ولا تمثيل لصفة الله تعالى السمعية المسماة باليد التى ليست بجارحة وقوله فى المنبر ( يتحرك من أسفل شيء منه ) أى من أسفله إلى أعلاه لأن بحركة الأسفل يتحرك الأعلى ويحتمل أن تحركه بحركة النبى صلى الله عليه وسلم بهذه الاشارة قال القاضي ويحتمل أن يكون بنفسه هيبة لسمعه كما حن الجذع ثم قال والله أعلم بمراد نبيه صلى الله عليه وسلم فيما ورد فى هذه الأحاديث من مشكل ونحن نؤمن بالله تعالى وصفاته ولا نشبه شيئا به ولا نشبهه بشيء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت عنه فهو حق وصدق فما أدركنا علمه فبفضل الله تعالى وما خفى علينا آمنا به ووكلنا علمه إليه سبحانه وتعالى وحملنا لفظه على ما احتمل فى لسان العرب الذى خوطبنا به ولم نقطع على أحد معنييه بعد تنزيهه سبحانه عن ظاهره الذى لا يليق به سبحانه وتعالى وبالله التوفيق قوله ( والشجر والثرى على اصبع ) الثرى هو التراب الندى قوله ( بدت نواجذه ) بالذال المعجمة أى أنيابه
1 ( باب ابتداء الخلق وخلق آدم عليه السلام) 2789 قوله صلى الله عليه وسلم ( خلق المكروه يوم الثلاثاء ) كذا رواه ثابت بن قاسم قال وهو ما يقوم به المعاش ويصلح به التدبير كالحديد وغيره من جواهر الأرض وكل شيء يقوم به صلاح شيء فهو تقنه ومنه اتقان الشيء وهو احكامه قلت ولا منافاة بين الروايتين فكلاهما خلق يوم ) الثلاثاء قوله صلى الله عليه وسلم ( وخلق النور يوم الاربعاء ) كذا هو فى صحيح مسلم النور بالراء وروايات ثابت بن قاسم النون بالنون فى آخره قال القاضي وكذا رواه بعض رواة صحيح مسلم وهو الحوت ولا منافاة أيضا فكلاهما خلق يوم الأربعاء بفتح الهمزة وكسر الباء وفتحها وضمها ثلاث لغات حكاهن صاحب المحكم وجمعه أربعاوات وحكى أيضا أرابيع 1 ( باب فى البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة) 2790 قوله صلى الله عليه وسلم ( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقى ليس فيها علم لأحد ) العفراء بالعين المهملة والمد بيضاء إلى حمرة والنقى بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء هو الدقيق الحورى وهو الدرمك وهو الأرض الجيدة قال القاضي كأن النار غيرت بياض وجه الأرض إلى الحمرة قوله صلى الله عليه وسلم ( ليس فيها علم لأحد ) هو بفتح العين واللام أى ليس بها علامة سكنى أو بناء ولا أثر ) 1 ( باب نزل أهل الجنة) 2792 قوله صلى الله عليه وسلم ( تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفأها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته فى السفر نزلا لأهل الجنة ) أما النزل فبضم النون والزاى ويجوز اسكان الزاى وهو ما يعد للضيف عند نزوله وأما الخبزة فبضم الخاء قال أهل اللغة هي الظلمة التى توضع فى الملة ويكفأها بالهمزة وروى في غير مسلم يتكفأها بالهمز أيضا وخبزة المسافر هي التى يجعلها فى الملة ويتكفأها بيديه أى يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوى لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ونحوها وقد سبق الكلام فى اليد فى حق الله تعالى وتأويلها قريبا مع القطع باستحالة الجارحة ليس كمثله شيء ومعنى الحديث أن الله تعالى يجعل الأرض كالظلمة والرغيف العظيم ويكون ذلك طعاما نزلا لأهل الجنة والله على كل شيء قدير قوله ( ادامهم بالام ونون قالوا وما هذا قال ثور ونون يأكل من زائد كبدهما سبعون ألفا ) أما النون فهو الحوت باتفاق العلماء وأما بالام فبباء ) موحدة مفتوحة وبتخفيف اللام وميم مرفوعة غير منونة وفى معناها أقوال مضطربة الصحيح منها الذى اختاره القاضي وغيره من المحققين أنها لفظة عبرانية معناها بالعبرانية ثور وفسره بهذا ولهذاسألوا اليهودى عن تفسيرها ولو كانت عربية لعرفتها الصحابة ولم يحتاجوا إلى سؤاله عنها فهذا هو المختار فى بيان هذه اللفظة وقال الخطابى لعل اليهودى أراد التعمية عليهم فقطع الهجاء وقدم أحد الحرفين على الآخر وهى لام ألف وياء يريد لأى على وزن لعا وهو الثور الوحشى فصحف الراوى الياء المثناة فجعلها موحدة قال الخطابى هذا أقرب ما يقع فيه والله أعلم وأما زائدة الكبد وهى القطعة المنفردة المتعلقة فى الكبد وهى أطيبها وأما قوله يأكل منها سبعون ألفا فقال القاضي يحتمل أنهم السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب فخصوا بأطيب النزل ويحتمل أنه عبر بالسبعين ألفا عن العدد الكثير ولم يرد الحصر فى ذلك القدر وهذا معروف فى كلام العرب والله أعلم 2793 قوله صلى الله عليه وسلم ( لو بايعنى عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودى إلا أسلم ) قال صاحب التحرير المراد عشرة من أحبارهم 1 ( باب سؤال اليهود النبى صلى الله عليه وسلم عن الروح وقوله تعالى ويسألونك عن الروح )
2794 قوله ( كنت أمشى مع النبى صلى الله عليه وسلم فى حرث وهو متكىء على عسيب ) فقوله فى ) حرث بثاء مثلثة وهو موضع الزرع وهو مراده بقوله فى الرواية الأخرى فى نخل واتفقت نسخ صحيح مسلم على أنه حرث بالثاء المثلثة وكذا رواه البخارى فى مواضع ورواه فى أول الكتاب فى باب وما أوتيتم من العلم إلا قليلا خرب بالباء الموحدة والخاء المعجمة جمع خراب قال العلماء الأول أصوب وللآخر وجه ويجوز أن يكون الموضع فيه الوصفان وأما العسيب فهو جريدة النخل وقوله ( متكىء عليه ) أى معتمد قوله ( سلوه عن الروح فقالوا ما رابكم إليه لا يستقبلكم بشيء تكرهونه ) هكذا فى جميع النسخ ما رابكم إليه أى ما دعاكم إلى سؤاله أو ما شككم فيه حتى احتجتم إلى سؤاله أو ما دعاكم إلى سؤال تخشون سوء عقباه قوله ( فأسكت النبى صلى الله عليه وسلم ) أى سكت وقيل أطرق وقيل أعرض عنه قوله ( فلما نزل الوحى قال يسئلونك عن الروح ) وكذا ذكره البخارى فى أكثر أبوابه قال القاضي وهو وهم وصوابه ما سبق فى رواية بن ماهان فلما انجلى عنه وكذا رواه البخارى فى موضع وفى موضع فلما صعد الوحى وقال وهذا وجه الكلام لأنه قد ذكر قبل ذلك نزول الوحى عليه قلت وكل الروايات صحيحة ومعنى رواية مسلم أنه لما نزل الوحى وتم نزل قوله تعالى قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا هكذا هو فى بعض النسخ أوتيتم على وفق القراءة المشهورة وفى أكثر نسخ البخارى ومسلم وما أوتوا من العلم إلا قليلا قال المازرى الكلام فى الروح والنفس مما يغمض ويدق ومع هذا فأكثر الناس فيه الكلام وألفوا فيه التآليف قال أبوالحسن الأشعرى هو النفس الداخل والخارج وقال بن الباقلانى هو متردد بين هذا الذى قاله الأشعرى وبين الحياه وقيل هو جسم لطيف مشارك للأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة وقال بعضهم لا يعلم الروح إلاالله تعالى لقوله تعالى قل الروح من أمر ربى وقال الجمهور هي معلومة واختلفوا فيها على هذه الأقوال وقيل هي الدم وقيل غير ذلك وليس فى الآية دليل على أنها لاتعلم ولا أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلمها وانما أجاب بما فى الآية الكريمة لأنه كان عندهم أنه إن أجاب بتفسير الروح فليس بنبى وفى الروح لغتان التذكير والتانيث والله أعلم قوله ( كنت قينا فى الجاهلية ) أى حدادا 1 ( باب قوله تعالى إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى) 2797 قوله ( هل يعفر محمد وجهه ) أى يسجد ويلصق وجهه بالعفر وهو التراب قوله ( فما ) فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ) أما فجئهم فبكسر الجيم ويقال أيضا فجأهم لغتان وينكص بكسر الكاف رجع على عقبيه يمشى على ورائه قوله ( ان بينى وبينه لخندقا من نار وهو لا وأجنحة كأجنحة الملائكة ) ولهذا الحديث أمثله كثيرة فى عصمته صلى الله عليه وسلم من أبى جهل وغيره ممن أراد به ضررا قال الله تعالى والله يعصمك من الناس وهذه الآية نزلت بعد الهجرة والله أعلم 1 ( باب الدخان)
2798 قوله ( ان قاصا عند أبواب كنودة ) هو باب بالكوفة قوله ( فأخذتهم سنة حصت كل شيء ) السنة القحط والجدب ومنه قوله تعالى ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين وحصت بحاء وصاد مشددة مهملتين أى استأصلته قوله ( أفيكشف عذاب الآخرة ) هذا استفهام انكار على من يقول ان الدخان يكون يوم القيامة كما صرح به فى الرواية الثانية فقال بن مسعود هذا قول باطل لأن الله تعالى قال إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون ومعلوم أن كشف العذاب ثم عودهم لا يكون فى الآخرة انما هو فى الدنيا قوله صلى الله عليه وسلم ( كسنى يوسف ) بتخفيف الياء قوله ( فاصابهم قحط وجهد ) بفتح الجيم أى مشقة شديدة وحكى ضمها قوله ( فقال يا رسول الله استغفر الله لمضر ) هكذا وقع فى جميع نسخ مسلم استغفر الله لمضر وفى البخارى استسق الله لمضر قال القاضي قال بعضهم استسق هو الصواب اللائق بالحال لأنهم كفار لايدعى لهم بالمغفرة قلت كلاهما صحيح فمعنى استسق اطلب لهم المطر والسقيا ومعنى استغفر ادع لهم بالهداية التى يترتب عليها الاستغفار قوله ( مضت آية الدخان والبطشة واللزام وآية الروم ) وفسرها كلها فى الكتاب إلا اللزام والمراد به قوله سبحانه وتعالى فسوف يكون لزاما أى يكون عذابهم لازما قالوا وهو ما جرى عليهم يوم بدر من القتل والأسر وهى البطشة الكبرى 1 ( باب انشقاق القمر) 2800 قال القاضي انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم وقد رواها عدة من الصحابة رضى الله عنهم مع ظاهر الآية الكريمة وسياقها قال الزجاج وقد أنكرها بعض المبتدعة المضاهين المخالفى الملة وذلك لما أعمى الله قلبه ولا إنكار للعقل فيها لأن القمر مخلوق لله تعالى يفعل فيه ما يشاء كما يفنيه ويكوره فى آخر أمره وأما قول بعض الملاحدة لو وقع هذا لنقل متواترا واشترك أهل الأرض كلهم فى معرفته ولم يختص بها أهل مكة فأجاب العلماء بأن هذا ) الانشقاق حصل فى الليل ومعظم الناس نيام غافلون والأبواب مغلقة وهم متغطون بثيابهم فقل من يتفكر فى السماء أو ينظر اليها إلا الشاذ النادر ومما هو مشاهد معتاد أن كسوف القمر وغيره من العجائب والأنوار الطوالع والشهب العظام وغير ذلك مما يحدث فى السماء فى الليل يقع ولا يتحدث بها إلا الآحاد ولا علم عند غيرهم لما ذكرناه وكان هذا الانشقاق آية حصلت فى الليل لقوم سألوها واقترحوا رؤيتها فلم يتنبه غيرهم لها قالوا وقد يكون القمر كان حينئذ فى بعض المجارى والمنازل التى تظهر لبعض الآفاق دون بعض كما يكون ظاهرا لقوم غائبا عن قوم كما يجد الكسوف أهل بلد دون بلد والله أعلم قوله ( وحدثنا محمد بن بشار حدثنا بن أبى عدى كلاهما عن شعبة باسناد بن معاذ ) هكذا هو فى عامة النسخ باسناد بن معاذ وفى بعضها باسنادى معاذ قال القاضي وغير هذا أشبه بالصحة لأنه ذكر لمعاذ إسنادين قبل هذا والأول أيضا صحيح لأن الاسنادين من رواية بن معاذ عن أبيه 1 ( باب فى الكفار) 2804 قال صلى الله عليه وسلم ( لاأحد أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل انه يشرك به ويجعل له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم ) قال العلماء معناه أن الله تعالى واسع الحلم حتى على الكافر الذى يكسب إليه الولد والند قال المازرى حقيقة الصبر منع النفس من الانتقام أو غيره فالصبر نتيجة الامتناع فأطلق اسم الصبر على الامتناع فى حق الله تعالى لذلك قال القاضي والصبور من أسماء الله تعالى وهو الذى لا يعاجل العصاة بالانتقام وهو بمعنى الحليم فى أسمائه سبحانه وتعالى والحليم هو الصفوح مع القدرة على الانتقام ) 1 ( باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبا)
2805 قوله صلى الله عليه وسلم ( يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابا لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديا بها فيقول نعم فيقول قد أردت منكم أهون من هذا وأنت فى صلب آدم أن لا تشرك إلى قوله فأبيت الا الشرك ) وفى رواية فيقال قد سئلت أيسر من ذلك وفى رواية فيقال كذبت قد سئلت أيسر من ذلك المراد أردت فى الرواية الأولى طلبت منك وأمرتك وقد أوضحه فى الروايتين الأخيرتين بقوله قد سئلت أيسر فيتعين تأويل أردت على ذلك جمعا بين الروايات لأنه يستحيل عند أهل الحق أن يريد الله تعالى شيئا فلا يقع ومذهب أهل الحق أن الله تعالى مريد لجميع الكائنات خيرها وشرها ومنها الايمان والكفر فهو سبحانه وتعالى مريد لايمان المؤمن ومريد لكفر الكافر خلافا للمعتزلة فى قولهم انه أراد إيمان الكافر ولم يرد كفره تعالى الله عن قولهم الباطل فانه يلزم من قولهم اثبات العجز فى حقه سبحانه وأنه وقع ) فى ملكه ما لم يرده وأما هذا الحديث فقد بينا تأويله وأما قوله فيقال له كذبت فالظاهر أن معناه أن يقال له لو رددناك إلى الدنيا وكانت لك كلها أكنت تفتدى بها فيقول نعم فيقال له كذبت قد سئلت أيسر من ذلك فأبيت ويكون هذا من معنى قوله تعالى ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولا بد من هذا التأويل ليجمع بينه وبين قوله تعالى ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة أى لو كان لهم يوم القيامة ما فى الأرض جميعا ومثله معه وأمكنهم الافتداء لافتدوا وفى هذا الحديث دليل على أنه يجوز أن يقول الانسان الله يقول وقد أنكره بعض السلف وقال يكره أن يقول الله يقول وانما يقال قال الله وقد قدمنا فساد هذا المذهب وبينا أن الصواب جوازه وبه قال عامة العلماء من السلف والخلف وبه جاء القرآن العزيز فى قوله تعالى والله يقول الحق وفى الصحيحين أحاديث كثيرة مثل هذا والله أعلم 2807 قوله صلى الله عليه وسلم ( فيصبغ فى النار صبغة ) الصبغة بفتح الصاد أى يغمس غمسة والبؤس بالهمز هو الشدة والله أعلم 1 ( باب جزاء المؤمن بحسناته فى الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر فى الدنيا ) 2808 قوله صلى الله عليه وسلم ( ان الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها فى الدنيا ويجزى بها فى الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله فى الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها وفى رواية ان الكافر اذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا وأما المؤمن فان الله تعالى يدخر له حسناته فى الآخرة ويعقبه رزقا فى الدنيا على طاعته أجمع العلماء على أن الكافر الذى مات على كفره لا ثواب له فى الاخرة ولا يجازى فيها بشيء من عمله فى الدنيا متقربا إلى الله تعالى وصرح في هذا الحديث بأن يطعم في الدنيا بما عمله من الحسنات أي بما فعله متقربا به إلى الله تعالى مما لا يفتقر صحته إلى النية كصلة الرحم والصدقة والعتق والضيافة وتسهيل الخيرات ونحوها وأما المؤمن فيدخر له حسناته وثواب أعماله إلى الآخرة ويجزى بها مع ذلك أيضا فى الدنيا ولامانع من جزائه بها فى الدنيا والآخرة وقد ورد الشرع به فيجب اعتقاده قوله ان الله تعالى لا يظلم مؤمنا حسنة معناه لا يترك مجازاته بشيء من حسناته والظلم يطلق بمعنى النقص وحقيقة الظلم مستحيلة من الله تعالى كما سبق بيانه ومعنى أفضى إلى الآخرة صار اليها وأما اذا فعل الكافر مثل هذه الحسنات ثم أسلم فانه يثاب عليها فى الآخرة على المذهب الصحيح وقد سبقت المسألة فى كتاب الايمان 1 ( باب مثل المؤمن كالزرع والمنافق والكافر كالأرزة )
2809 قوله صلى الله عليه وسلم ( مثل المؤمن مثل الزرع لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزلا تهتز حتى تستحصد ) وفى رواية مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح تصرعها مرة وتعدلها أخرى حتى تهيج ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذبة على أصلها لا يفيئها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة أما الخامة فبالخاء المعجمة وتخفيف الميم وهى الطاقة والقصبة اللينة من الزرع وألفها منقلبة عن واو وأما تميلها وتفيئها فمعنى واحد ومعناه تقلبها الريح يمينا وشمالا ومعنى تصرعها تخفضها وتعدلها بفتح التاء وكسر الدال أى ترفعها ومعنى تهيج تيبس وقوله صلى الله عليه وسلم تستحصد بفتح أوله وكسرالصاد كذا ضبطناه وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين وعن بعضهم بضم أوله وفتح الصاد على ما لم يسم فاعله والأول أجود أى لاتتغير حتى تنقلع مرة واحدة كالزرع الذى انتهى يبسه وأما الأرزة فبفتح الهمزة وراء ساكنة ثم زاى هذا هو المشهورفى ضبطها وهو المعروف فى الروايات وكتب الغريب وذكر الجوهرى وصاحب نهاية الغريب أنها تقال أيضا بفتح الراء قال فى النهاية وقال بعضهم هي الآرزة بالمد وكسر الراء على وزن فاعلة وأنكرها أبو عبيد وقد قال أهل اللغة الآرزة بالمد هي الثابتة وهذا المعنى صحيح هنا فانكار أبى عبيد محمول على انكار روايتها كذلك لا انكار لصحة معناها قال أهل اللغة والغريب شجر معروف يقال له الأرزن يشبه شجر الصنوبر بفتح الصاد يكون بالشام وبلاد الارمن وقيل هو الصنوبر وأما المجذبة فبميم مضمومة ثم جيم ساكنة ثم ذال معجمة مكسورة وهى الثابتة المنتصبة يقال منه جذب يجذب وأجذب يجذب والانجعاف الانقلاع قال العلماء معنى الحديث أن المؤمن كثير الآلام فى بدنه أو أهله أو ماله وذلك مكفر لسيئاته ورافع لدرجاته وأما الكافر فقليلها وان وقع به شيء لم يكفر شيئا من سيئاته بل يأتى بها يوم القيامة كاملة 1 ( باب مثل المؤمن مثل النخلة ) 2811 قوله صلى الله عليه وسلم ( ان من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وانها مثل المسلم فحدثونى ما هي فوقع الناس فى شجرة البوادى قال عبد الله بن عمر ووقع فى نفسى أنها النخلة فاستحييت ثم قالوا حدثنا ما هي يا رسول الله فقال هي النخلة قال فذكرت ذلك لعمر فقال لان تكون قلت هي النخلة أحب إلى من كذا وكذا ) أما قوله لأن تكون فهو بفتح اللام ووقع فى بعض النسخ البوادى وفي بعضها البواد بحذف الياء وهى لغة وفى هذا الحديث فوائد منها استحباب القاء العالم المسألة على أصحابه ليختبر أفهامهم ويرغبهم فى الفكر والاعتناء وفيه ضرب الأمثال والأشباه وفيه توقير الكبار كما فعل بن عمر لكن اذا لم يعرف الكبار المسألة فينبغى للصغير الذى يعرفها أن يقولها وفيه سرور الانسان بنجابة ولده وحسن فهمه وقول عمر رضى الله عنه لأن تكون قلت هي النخلة أحب إلى أراد بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو لابنه ويعلم حسن فهمه ونجابته وفيه فضل النخل قال العلماء وشبه النخلة بالمسلم فى كثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمرها ووجوده على الدوام فانه من حين يطلع ثمرها لايزال يؤكل منه حتى ييبس وبعد أن ييبس يتخذ منه منافع كثيرة ومن خشبها وورقها وأغصانها فيستعمل جذوعا وحطبا وعصيا ومخاصر وحصرا وحبالا وأوانى وغير ذلك ثم آخر شيء منها نواها وينتفع به علفا للابل ثم جمال نباتها وحسن هيئة ثمرها فهي منافع كلها وخير وجمال كما أن المؤمن خير كله من كثرة طاعاته ومكارم أخلاقه ويواظب على صلاته وصيامه وقراءته وذكره والصدقة والصلة وسائر الطاعات وغير ذلك فهذا هو الصحيح فى وجه التشبيه قيل وجه الشبه أنه اذا قطع رأسها ماتت بخلاف باقى الشجر وقيل لأنها لاتحمل حتى تلقح والله أعلم قوله ( فوقع الناس فى شجر البوادى ) أى ذهبت أفكارهم إلى أشجار البوادى وكان كل انسان يفسرها بنوع من أنواع شجر البوادى وذهلوا عن النخلة قوله ( قال بن عمر وألقى فى نفسى أو روعى أنها النخلة فجعلت أريد أن أقولها فاذا اسنان القوم فأهاب أن أتكلم ) الروع هنا بضم الراء وهو النفس والقلب والخلد وأسنان القوم يعنى كبارهم وشيوخهم قوله ( فأتى بجمار ) هو بضم الجيم وتشديد الميم وهو الذى يؤكل من قلب النخل يكون لينا قوله ( حدثنا سيف قال سمعت مجاهدا ( هكذا صوابه سيف قال القاضي ووقع فى نسخة سفيان وهو غلط بل هو سيف قال البخارى وكيع يقول هو سيف أبو سليمان وبن المبارك يقول سيف بن أبى سليمان ويحيى بن القطان يقول سيف بن سليمان قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يتحات ورقها ) أى لا يتناثر ويتساقط قوله لا يتحات ورقها قال إبراهيم لعل مسلما قال وتؤتى وكذا وجدت عند غيرى أيضا ولاتؤتى أكلها كل حين معنى هذا أنه وقع فى رواية إبراهيم بن سفيان صاحب مسلم ورواية غيره أيضا من مسلم لايتحات ورقها ولاتؤتى أكلها كل حين واستشكل إبراهيم بن سفيان هذا لقوله ولاتؤتى أكلها خلاف باقى الروايات فقال لعل مسلما رواه وتؤتى باسقاط لاوأكون أنا وغيرى غلطنا فى اثبات لاقال القاضي وغيره من الأئمة وليس هو بغلط كما توهمه إبراهيم بل الذى فى مسلم صحيح باثبات لاوكذا رواه البخارى باثبات لاووجهه أن لفظة لاليست متعلقة بتؤتى بل متعلقة بمحذوف تقديره لايتحات ورقها ولامكرر أى لايصيبها كذا ولاكذا لكن لم يذكر الراوي تلك الاشياء المعطوفة ثم ابتدأ فقال تؤتى أكلها كل حين