İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
6532 قوله عبد الوهاب هو بن عبد المجيد الثقفي ويحيى بن سعيد هو الأنصاري ومحمد بن إبراهيم هو التيمي وأبو سلمة هو بن عبد الرحمن بن عوف وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق وهذا السياق كأنه لفظ عطاء بن يسار وأما لفظ أبي سلمة فتقدم منفردا في أواخر فضائل القرآن ورواه الزهري عن أبي سلمة كما في الباب الذي بعده بسياق آخر فلعل اللفظ المذكور هنا على سياق عطاء بن يسار المقرون به وقد قرن الزهري مع أبي سلمة في روايته الماضية في الأدب الضحاك المشرقي لكنه أفرده هنا عن أبي سلمة فامتاز لفظه عن لفظ الضحاك قوله فسألاه عن الحرورية أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم كذا للجميع بحذف المسموع وقد بينه في رواية مسلم عن محمد بن المثنى شيخ البخاري فيه فقال يذكرها وفي رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة قلت لأبي سعيد هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الحرورية أخرجه بن ماجة والطبري وأخرج الطبري من طريق الأسود بن العلاء عن أبي سلمة قال جئنا أبا سعيد فقلنا فذكر مثله ومن طريق أبي إسحاق مولى بني هاشم أنه سأل أبا سعيد عن الحرورية قوله قال لا أدري ما الحرورية هذا يغاير قوله في أول حديث الباب الذي يليه وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه فان مقتضى الأول أنه لا يدري هل ورد الحديث الذي ساقه في الحرورية أو لا ومقتضى الثاني أنه ورد فيهم ويمكن الجمع بأن مراده بالنفي هنا أنه لم يحفظ فيهم نصا بلفظ الحرورية وانما سمع قصتهم التي دل وجود علامتهم في الحرورية بأنهم هم قوله يخرج في هذه الأمة ولم يقل منها لم تختلف الطرق الصحيحة على أبي سعيد في ذلك فعند مسلم من رواية أبي نضرة عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوما يكونون في أمته وله من وجه آخر تمرق عند فرقة مارقة من المسلمين وله من رواية الضحاك المشرقي عن أبي سعيد نحوه وأما ما أخرجه الطبري من وجه آخر عن أبي سعيد بلفظ من أمتي فسنده ضعيف لكن وقع عند مسلم من حديث أبي ذر بلفظ سيكون بعدي من أمتي قوم وله من طريق زيد بن وهب عن علي يخرج قوم من أمتي ويجمع بينه وبين حديث أبي سعيد بأن المراد بالأمة في حديث أبي سعيد أمة الإجابة وفي رواية غيره أمة الدعوة قال النووي وفيه دلالة على فقه الصحابة وتحريرهم الألفاظ وفيه إشارة من أبي سعيد إلى تكفير الخوارج وأنهم من غير هذه الأمة قوله تحقرون بفتح أوله أي تستفلون قوله صلاتكم مع صلاتهم زاد في رواية الزهري عن أبي سلمة كما في الباب بعده وصيامكم مع صيامهم وفي رواية عاصم بن شميخ عن أبي سعيد تحقرون أعمالكم مع أعمالهم ووصف عاصم أصحاب نجدة الحروري بأنهم يصومون النهار ويقومون الليل ويأخذون الصدقات على السنة أخرجه الطبري ومثله عنده من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وفي رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنده يتعبدون يحقر أحدكم صلاته وصيامه مع صلاتهم وصيامهم ومثله من رواية أنس عن أبي سعيد وزاد في رواية الأسود بن العلاء عن أبي سلمة وأعمالكم مع أعمالهم وفي رواية سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب عن علي ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئا ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئا أخرجه مسلم والطبري وعنده من طريق سليمان التيمي عن أنس ذكر لي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن فيكم قوما يدأبون ويعملون حتى يعجبوا الناس وتعجبهم أنفسهم ومن طريق حفص بن أخي أنس عن عمه بلفظ يتعمقون في الدين وفي حديث بن عباس عند الطبراني في قصة مناظرته للخوارج قال فأتيتهم فدخلت على قوم لم أر أشد اجتهادا منهم أيديهم كأنها ثفن الإبل ووجوههم معلمة من آثار السجود وأخرج بن أبي شيبة عن بن عباس أنه ذكر عنده الخوارج واجتهادهم في العبادة فقال ليسوا أشد اجتهادا من الرهبان قوله يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية بكسر الميم وتشديد التحتانية فعيلة بمعنى مفعولة فأدخلت فيها الهاء وإن كان فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث للإشارة لنقلها من الوصفية إلى الاسمية وقيل إن شرط استواء المذكر والمؤنث أن يكون الموصوف مذكورا معه وقيل شرطه سقوط الهاء من المؤنث قبل وقوع الوصف نقول خذ ذبيحتك أي الشاة التي تريد ذبحها فإذا ذبحتها قيل لها حينئذ ذبيح قوله فلينظر الرامي إلى سهمه يأتي بيانه في الباب الذي بعده وقوله إلى نصله هو بدل من قوله سهمه أي ينظر إليه جملة ثم تفصيلا وقد وقع في رواية أبي ضمرة عن يحيى بن سعيد عند الطبري ينظر إلى سهمه فلا يرى شيئا ثم ينظر إلى نصله ثم إلى رصافه وسيأتي بأبسط من هذا في الباب الذي يليه وقوله فيتمارى أي يتشكك هل بقى فيها شيء من الدم والفوقة موضع الوتر من السهم قال بن الأنباري الفوق يذكر ويؤنث وقد يقال فوقة بالهاء الحديث الثالث حديث بن عمر
6533 قوله حدثنا عمر في رواية غير أبي ذر حدثني بالافراد كذا للجميع عمر غير منسوب لكن ذكر أبو علي الجياني عن الأصيلي قال قرأه علينا أبو زيد في عرضه ببغداد عمر بن محمد ونسبة الإسماعيلي في روايته من طريق أحمد بن عيسى عن بن وهب أخبرني عمر بن محمد بن زيد العمري قلت وزيد هو بن عبد الله بن عمر وقد تقدم في التفسير بهذا السند حديث في تفسير لقمان عن يحيى بن سليمان عن بن وهب حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ووقع في حديث الباب منسوبا هكذا إلى عمر بن الخطاب في رواية الطبري عن يونس بن عبد الأعلى عن بن وهب قوله عن عبد الله بن عمر وذكر الحرورية هي جملة حالية والمراد أنه حدث بالحديث عند ذكر الحرورية وفي إيراد البخاري له عقب حديث أبي سعيد إشارة إلى أن توقف أبي سعيد المذكور محمول على ما أشرت إليه من أنه لم ينص في الحديث المرفوع على تسميتهم بخصوص هذا الاسم لا أن الحديث لم يرد فيهم 1 ( قوله باب من ترك قتال الخوارج للتأليف ولئلا ينفر الناس عنه ) أورد فيه حديث أبي سعيد في ذكر الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم
6534 أعدل فقال عمر ائذن لي فاضرب عنقه قال دعه وليس فيه بيان السبب في الأمر بتركه ولكنه ورد في بعض طرقه فأخرج أحمد والطبري من طريق بلال بن بقطر عن أبي بكرة قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمويل فقعد يقسمه فأتاه رجل وهو على تلك الحال فذكر الحديث وفيه فقال أصحابه ألا تضرب عنقه فقال لا أريد أن يسمع المشركون أني أقتل أصحابي ولمسلم من حديث جابر نحو حديث أبي سعيد وفيه فقال عمر دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق فقال معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي أن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه لكن القصة التي في حديث جابر صرح في حديثه بأنها كانت منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة وكان ذلك في ذي القعدة سنة ثمان وكان الذي قسمه النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ فضة كانت في ثوب بلال وكان يعطي كل من جاء منها والقصة التي في حديث أبي سعيد صرح في رواية أبي نعيم عنه أنها كانت بعد بعث علي إلى اليمن وكان ذلك في سنة تسع وكان المقسوم فيها ذهبا وخص به أربعة أنفس فهما قصتان في وقتين اتفق في كل منهما إنكار القائل وصرح في حديث أبي سعيد أنه ذو الخويصرة التميمي ولم يسم القائل في حديث جابر ووهم من سماه ذا الخويصرة ظانا اتحاد القصتين ووجدت لحديث جابر شاهدا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه رجل يوم حنين وهو يقسم شيئا فقال يا محمد أعدل ولم يسم الرجل أيضا وسماه محمد بن إسحاق بسند حسن عن عبد الله بن عمر وأخرجه أحمد والطبري أيضا ولفظه أتى ذو الخويصرة التميمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الغنائم بحنين فقال يا محمد فذكر نحو هذا الحديث المذكور فيمكن أن يكون تكرر ذلك منه في الموضعين عند قسمة غنائم حنين وعند قسمة الذهب الذي بعثه علي قال الإسماعيلي الترجمة في ترك قتال الخوارج والحديث في ترك القتل للمنفرد والجميع إذا أظهروا رأيهم ونصبوا للناس القتال وجب قتالهم وانما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل المذكور لأنه لم يكن أظهر ما يستدل به على ما وراءه فلو قتل من ظاهره الصلاح عند الناس قبل استحكام أمر الإسلام ورسوخه في القلوب لنفرهم عن الدخول في الإسلام وأما بعده صلى الله عليه وسلم فلا يجوز ترك قتالهم إذا هم أظهروا رأيهم وتركوا الجماعة وخالفوا الأئمة مع القدرة على قتالهم قلت وليس في الترجمة ما يخالف ذلك إلا انه أشار إلى أنه لو اتفقت حاله مثل حالة المذكور فاعتقدت فرقة مذهب الخوارج مثلا ولم ينصبوا حربا أنه يجوز للامام الإعراض عنهم إذا رأى المصلحة في ذلك كأن يخشى أنه لو تعرض للفرقة المذكورة لأظهر من يخفي مثل اعتقادهم أمره وناضل عنهم فيكون ذلك سببا لخروجهم ونصبهم القتال للمسلمين مع ما عرف من شدة الخوارج في القتال وثباتهم وإقدامهم على الموت ومن تأمل ما ذكر أهل الأخبار من أمورهم تحقق ذلك وقد ذكر بن بطال عن المهلب قال التألف إنما كان في أول الإسلام إذا كانت الحاجة ماسة لذلك لدفع مضرتهم فأما إذ أعلى الله الإسلام فلا يجب التألف إلا ان تنزل بالناس حاجة لذلك فلإمام الوقت ذلك قلت وأما ترجمة البخاري القتال والخبر في القتل فلأن ترك القتال يؤخذ من ترك القتل من غير عكس وذكر فيه حديثين الأول حديث أبي سعيد قوله حدثنا عبد الله هو الجعفي المسندي بفتح النون ووهم من زعم أنه أبو بكر بن أبي شيبة لأنه وإن كان أيضا عبد الله بن محمد لكنه لا رواية له عن هشام المذكور هنا وهو بن يوسف الصنعاني قوله عن أبي سلمة في رواية شعيب الماضية في علامات النبوة عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وتقدم في الأدب من طريق الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة والضحاك وهو بن شراحبيل أو بن شراحيل المشرقي بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الراء بعدها قاف منسوب إلى مشرق بطن من همدان وتقدم بيان حاله في فضل سورة الإخلاص وأن البزار حكى أنه الضحاك بن مزاحم وأن ذلك غلط ثم وقفت على الرواية التي نسب فيها كذلك أخرجها الطبري من طريق الوليد بن مرثد عن الأوزاعي في هذا الحديث فقال حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن والضحاك بن مزاحم عن أبي سعيد قال الطبري وهذا خطأ وإنما هو الضحاك المشرقي قلت وقد أخرجه أحمد عن محمد بن مصعب وأبو عوانة من طريق بشر بن بكير كلاهما عن الأوزاعي فقال فيه عن أبي سلمة والضحاك المشرقي وفي رواية بشر الهمداني كلاهما عن أبي سعيد واللفظ الذي ساقه البخاري هو لفظ أبي سلمة وقد أفرد مسلم لفظ الضحاك المشرقي من طريق حبيب بن أبي ثابت عنه وزاد فيه شيئا سأذكره بعد وقد شذ أفلح بن عبد الله بن المغيرة عن الزهري فروى هذا الحديث عنه فقال عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي سعيد أخرجه أبو يعلى قوله بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بفتح أوله من القسمة كذا هنا بحذف المفعول ووقع في رواية الأوزاعي يقسم ذات يوم قسما وفي رواية شعيب بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما زاد أفلح بن عبد الله في روايته يوم حنين وتقدم في الأدب من طريق عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد أن المقسوم كان تبرا بعثه علي بن أبي طالب من اليمن فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بين أربعة أنفس وذكرت أسماءهم هناك قوله جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي في رواية عبد الرزاق عن معمر بلفظ بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسما إذ جاءه بن ذي الخويصرة التميمي وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية عبد الرزاق ومحمد بن ثور وأبو سفيان الحميري وعبد الله بن معاذ أربعتهم عن معمر وأخرجه الثعلبي ثم الواحدي في أسباب النزول من طريق محمد بن يحيى الذهلي عن عبد الرزاق فقال بن ذي الخويصرة التميمي وهو حرقوص بن زهير أصل الخوارج وما أدري من الذي قال وهو حرقوص الخ وقد اعتمد على ذلك بن الأثير في الصحابة فترجم لذي الخويصرة التميمي في الصحابة وساق هذا الحديث من طريق أبي إسحاق الثعلبي وقال بعد فراغه فقد جعل في هذه الرواية اسم ذي الخويصرة حرقوصا والله أعلم وقد جاء أن حرقوصا اسم ذي الثدية كما سيأتي قلت وقد ذكر حرقوص بن زهير في الصحابة أبو جعفر الطبري وذكر أنه كان له في فتوح العراق أثر وأنه الذي افتتح سوق الأهواز ثم كان مع علي في حروبه ثم صار مع الخوارج فقتل معهم وزعم بعضهم أنه ذو الثدية الأتي ذكره وليس كذلك وأكثر ما جاء ذكر هذا القائل في الأحاديث مبهما ووصف في رواية عبد الرحمن بن أبي نعم المشار إليها بأنه مشرف الوجنتين غائر العينين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار وتقدم تفسير ذلك في باب بعث علي من المغازي وفي حديث أبي بكرة عند أحمد والطبري فأتاه رجل أسود طويل مشمر محلوق الرأس بين عينيه أثر السجود وفي رواية أبي الوضى عن أبي برزة عند أحمد والطبري والحاكم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنانير فكان يقسمها ورجل أسود مطموم الشعر بين عينيه أثر السجود وفي حديث عبد الله بن عمرو عند البزار والطبري رجل من أهل البادية حديث عهد بأمر الله قوله فقال اعدل يا رسول الله في رواية عبد الرحمن بن أبي نعم فقال اتق الله يا محمد وفي حديث عبد الله بن عمرو فقال اعدل يا محمد وفي لفظ له عند البزار والحاكم فقال يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما أراك تعدل وفي رواية مقسم التي أشرت إليها فقال يا محمد قد رأيت الذي صنعت قال وكيف رأيت قال لم أرك عدلت وفي حديث أبي بكرة فقال يا محمد والله ما تعدل وفي لفظ ما أراك عدلت في القسمة ونحوه في حديث أبي برزة قوله فقال ويحك في رواية الكشميهني ويلك وهي رواية شعيب والأوزاعي كما تقدم الكلام عليها في كتاب الأدب قوله ومن يعدل إذا لم أعدل في رواية عبد الرحمن بن أبي نعم ومن يطع الله إذا لم أطعه ولمسلم من طريقه أو لست أحق أهل الأرض أن أطيع الله وفي حديث عبد الله بن عمرو عند من يلتمس العدل بعدي وفي رواية مقسم عنه فغضب صلى الله عليه وسلم وقال العدل إذا لم يكن عندي فعند من يكون وفي حديث أبي بكرة فغضب حتى احمرت وجنتاه ومن حديث أبي برزة قال فغضب غضبا شديدا وقال والله لا تجدون بعدي رجلا هو أعدل عليكم مني قوله قال عمر بن الخطاب يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه في رواية شعيب ويونس فقال بزيادة فاء وقال ائذن لي فيه فأضرب عنقة وفي رواية الأوزاعي فلأضرب بزيادة لام وفي حديث عبد الله بن عمرو من طريق مقسم عنه فقال عمر يا رسول الله ألا أقوم عليه فأضرب عنقة وقد تقدم في المغازي من رواية عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد في هذا الحديث فسأله رجل أظنه خالد بن الوليد قتله وفي رواية مسلم فقال خالد بن الوليد بالجزم وقد ذكرت وجه الجمع بينهما في أواخر المغازي وأن كلا منهما سأل ثم رأيت عند مسلم من طريق جرير عن عمارة بن القعقاع بسنده فيه فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال لا ثم أدبر فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله فقال يا رسول الله أضرب عنقه قال لا فهذا نص في أن كلا منهما سأل وقد استشكل سؤال خالد في ذلك لأن بعث علي إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد إليها والذهب المقسوم أرسله علي من اليمن كما في صدر حديث بن أبي نعم عن أبي سعيد ويجاب بأن عليا لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة فأرسل على الذهب فحضر خالد قسمته وأما حديث عبد الله بن عمرو فإنه في قصة قسم وقع بالجعرانة من غنائم حنين والسائل في قتله عمر بن الخطاب جزما وقد ظهر أن المعترض في الموضعين واحد كما مضى قريبا قوله قال دعه في رواية شعيب فقال له دعه كذا لأبي ذر وفي رواية الأوزاعي فقال لا وزاد أفلح بن عبد الله في روايته فقال ما أنا بالذي أقتل أصحابي قوله فأن له أصحابا هذا ظاهره أن ترك الأمر بقتله بسبب أن له أصحابا بالصفة المذكورة وهذا لايقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم بما واجهه فيحتمل أن يكون لمصلحة التألف كما فهمه البخاري لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة مع إظهار الإسلام فلو أذن في قتلهم لكان ذلك تنفيرا عن دخول غيرهم في الإسلام ويؤيده رواية أفلح ولها شواهد ووقع في رواية أفلح سيخرج أناس يقولون مثل قوله قوله يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه كذا في هذه الرواية بالإفراد وفي رواية شعيب وغيره مع صلاتهم بصيغة الجمع فيه وفي قوله مع صيامهم وقد تقدم في ثاني أحاديث الباب الذي قبله وزاد في رواية شعيب ويونس يقرؤون القرآن ولا يجاوز تراقيهم بمثناة وقاف جمع ترقوة بفتح أوله وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو وهى العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها وقيل لا يعملون بالقرآن فلا يثابون على قراءته فلا يحصل لهم إلا سرده وقال النووي المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم لا يصل إلى حلوقهم فضلا عن أن يصل إلى قلوبهم لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب قلت وهو مثل قوله فيهم أيضا لا يجاوز إيمانهم حناجرهم أي ينطقون بالشهادتين ولا يعرفونها بقلوبهم ووقع في رواية لمسلم يقرؤون القرآن رطبا قيل المراد الحذق في التلاوة أي يأتون به على أحسن أحواله وقيل المراد أنهم يواظبون على تلاوته فلا تزال ألسنتهم رطبة به وقيل هو كناية عن حسن الصوت به حكاها القرطبي ويرجح الأول ما وقع في رواية أبي الوداك عن أبي سعيد عند مسدد يقرؤون القرآن كأحسن ما يقرؤه الناس ويؤيد الآخر قوله في رواية مسلم عن أبي بكرة عن أبيه قوم أشداء أحداء ذلقه ألسنتهم بالقرآن أخرجه الطبري وزاد في رواية عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون وأرجحها الثالث قوله يمرقون من الدين كما يمرق السهم يأتي تفسيره في الحديث الثاني وفي رواية الأوزاعي كمروق السهم قوله من الرمية في رواية معبد بن سيرين عن أبي سعيد الأتية في آخر كتاب التوحيد لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه والرمية فعيلة من الرمي والمراد الغزالة المرمية مثلا ووقع في حديث عبد الله بن عمرو من رواية مقسم عنه فإنه سيكون لهذا شيعة يتعمقون في الدين يمرقون منه الحديث أي يخرجون من الإسلام بغتة كخروج السهم إذا رماه رام قوي الساعد فأصاب ما رماه فنفذ منه بسرعة بحيث لا يعلق بالسهم ولا بشيء منه من المرمى شيء فإذا التمس الرامي سهمه وجده ولم يجد الذي رماه فينظر في السهم ليعرف هل أصاب أو أخطأ فإذا لم يره علق فيه شيء من الدم ولا غيره ظن أنه لم يصبه والفرض أنه أصابه والى ذلك أشار بقوله سبق الفرث والدم أي جاوزهما ولم يتعلق فيه منهما شيء بل خرجا بعده وقد تقدم شرح القذذ في علامات النبوة ووقع في رواية أبي نضرة عن أبي سعيد عند مسلم فضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم مثلا الرجل يرمي الرمية الحديث وفي رواية أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد عند الطبري مثلهم كمثل رجل رمى رمية فتوخى السهم حيث وقع فأخذه فنظر إلى فوقه فلم ير به دسما ولا دما لم يتعلق به شيء من الدسم والدم كذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشيء من الإسلام وعنده في رواية عاصم بن شمخ بفتح المعجمة وسكون الميم بعدها معجمة بعد قوله من الرمية يذهب السهم فينظر في النصل فلا يرى شيئا من الفرث والدم الحديث وفيه يتركون الإسلام وراء ظهورهم وجعل يديه وراء ظهره وفي رواية أبي إسحاق مولى بني هاشم عن أبي سعيد في آخر الحديث لا يتعلقون من الدين بشيء كما لا يتعلق بذلك السهم أخرجه الطبري وفي حديث أنس عن أبي سعيد عند أحمد وأبي داود والطبري لا يرجعون إلى الإسلام حتى يرتد السهم إلى فوقه وجاء عن بن عباس عند الطبري وأوله في بن ماجة بسياق أوضح من هذا ولفظه سيخرج قوم من الإسلام خروج السهم من الرمية عرضت للرجال فرموها فانمرق سهم أحدهم منها فخرج فأتاه فنظر إليه فإذا هو لم يتعلق بنصله من الدم شيء ثم نظر إلى القذذ فلم يره تعلق من الدم بشيء فقال إن كنت أصبت فان بالريش والفوق شيئا من الدم فنظر فلم ير شيئا تعلق بالريش والفوق قال كذلك يخرجون من الإسلام وفي رواية بلال بن بقطر عن أبي بكرة يأتيهم الشيطان من قبل دينهم وللحميدي وبن أبي عمر في مسنديهما من طريق أبي بكر مولى الأنصار عن علي أن ناسا يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه أبدا قوله آيتهم أي علامتهم ووقع في رواية بن أبي مريم عن علي عند الطبري علامتهم قوله رجل إحدى يديه أو قال ثدييه هكذا للأكثر بالتثنية فيهما مع الشك هل هي تثنية يد أو ثدي بالمثلثة وفي رواية المستملي هنا بالمثلثة فيهما فالشك عنده هل هو الثدي بالإفراد أو بالتثنية ووقع في رواية الأوزاعي إحدى يديه تثنية يد ولم يشك وهذا هو المعتمد فقد وقع في رواية شعيب ويونس إحدى عضديه قوله مثل ثدي المرأة أو قال مثل البضعة بفتح الموحدة وسكون المعجمة أي القطعة من اللحم قوله تدردر بفتح أوله ودالين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة وآخره راء وهو على حذف إحدى التاءين وأصله تتدردر ومعناه تتحرك وتذهب وتجيء وأصله حكاية صوت الماء في بطن الوادي إذا تدافع وفي رواية عبيدة بن عمرو عن علي عند مسلم فيهم رجل مخرج اليد أو مودن اليد أو مثدون اليد والمخرج بخاء معجمة وجيم والمودن بوزنه والمثدون بفتح الميم وسكون المثلثة وكلها بمعنى وهو الناقص وله من رواية زيد بن وهب عن علي وغاية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض وعند الطبري من وجه آخر فيهم رجل مجدع اليد كأنها ثدي حبشية وفي رواية أفلح بن عبد الله فيها شعرات كأنها سخلة سبع وفي رواية أبي بكر مولى الأنصار كثدي المرأة لها حلمة كحلمة المرأة حولها سبع هلبات وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن علي عند مسلم منهم أسود إحدى يديه طبى شاة أو حلمة ثدي فأما الطبي فهو بضم الطاء المهملة وسكون الموحدة وهي الثدي وعند الطبري من طريق طارق بن زياد عن علي في يده شعرات سود والأول أقوى وقد ذكر صلى الله عليه وسلم للخوارج علامة أخرى ففي رواية معبد بن سيرين عن أبي سعيد قيل ما سيماهم قال سيماهم التحليق وفي رواية عاصم بن شمخ عن أبي سعيد فقام رجل فقال يا نبي الله هل في هؤلاء القوم علامة قال يحلقون رؤوسهم فيهم ذو ثدية وفي حديث أنس عن أبي سعيد هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قيل يا رسول الله ما سيماهم قال التحليق هكذا أخرجه الطبري وعند أبي داود بعضه قوله يخرجون على خير فرقة من الناس كذا للأكثر هنا وفي علامات النبوة وفي الأدب حين بكسر المهملة وآخره نون وفرقة بضم الفاء ووقع في رواية عبد الرزاق عند أحمد وغيره حين فترة من الناس بفتح الفاء وسكون المثناة ووقع للكشميهني في هذه المواضع على خير بفتح المعجمة وآخره راء وفرقة بكسر الفاء والأول المعتمد وهو الذي عند مسلم وغيره وان كان الآخر صحيحا ويؤيد الأول أن عند مسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق وفي لفظ له يكون في أمتي فرقتان فيخرج من بينهما طائفة مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق وفي لفظ له يخرجون في فرقة من الناس يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق وفيه فقال أبو سعيد وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق وفي رواية الضحاك المشرقي عن أبي سعيد يخرجون على فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق وفي رواية أنس عن أبي سعيد عند أبي داود من قاتلهم كان أولى بالله منهم قوله قال أبو سعيد هو متصل بالسند المذكور قوله أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم كذا هنا باختصار وفي رواية شعيب ويونس قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وقد مضى في الباب الذي قبله من وجه آخر عن أبي سعيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج في هذه الأمة وفي رواية أفلح بن عبد الله حضرت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله وأشهد أن عليا قتلهم في رواية شعيب ان علي بن أبي طالب قاتلهم وكذا وقع في رواية الأوزاعي ويونس قاتلهم ووقع في رواية أفلح بن عبد الله وحضرت مع علي يوم قتلهم بالنهروان ونسبة قتلهم لعلي لكونه كان القائم في ذلك وقد مضى في الباب قبله من رواية سويد بن غفلة عن علي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم ولفظه فاينما لقيتموهم فأقتلوهم وقد ذكرت شواهده ومنها حديث نصر بن عاصم عن أبي بكرة رفعه أن في أمتي أقواما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإذا لقيتموهم فأنيموهم أي فأقتلوهم أخرجه الطبري وتقدم في أحاديث الأنبياء وغيرها لئن أدركتهم لأقتلنهم وأخرج الطبري من رواية مسروق قال قالت لي عائشة من قتل المخرج قلت علي قالت فأين قتله قلت على نهر يقال لأسفله النهروان قالت ائتني على هذا ببينة فأتيتها بخمسين نفسا شهدوا أن عليا قتله بالنهروان أخرجه أبو يعلى والطبري وأخرج الطبراني في الأوسط من طريق عامر بن سعد قال قال عمار لسعد أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج أقوام من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية يقتلهم علي بن أبي طالب قال أي والله وأما صفة قتالهم وقتلهم فوقعت عند مسلم في رواية زيد بن وهب الجهني أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي حين ساروا إلى الخوارج فقال علي بعد أن حدث بصفتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم والله إني لارجو أن يكونوا هؤلاء القوم فانهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس قال فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها فاني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء قال فشجرهم الناس برماحهم قال فقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان وأخرج يعقوب بن سفيان من طريق عمران بن جرير عن أبي مجلز قال كان أهل النهر أربعة آلاف فقتلهم المسلمون ولم يقتل من المسلمين سوى تسعة فان شئت فأذهب إلى أبي برزة فاسأله فإنه شهد ذلك وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق حبيب بن أبي ثابت قال أتيت أبا وائل فقلت أخبرني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي فيم فارقوه وفيم استحل قتالهم قال لما كنا بصفين استحر القتل في أهل الشام فرفعوا المصاحف فذكر قصة التحكيم فقال الخوارج ما قالوا ونزلوا حروراء فأرسل إليهم علي فرجعوا ثم قالوا نكون في ناحيته فان قبل القضية قاتلناه وإن نقضها قاتلنا معه ثم افترقت منهم فرقة يقتلون الناس فحدث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم بأمرهم وعند أحمد والطبراني والحاكم من طريق عبد الله بن شداد أنه دخل على عائشة مرجعه من العراق ليالي قتل علي فقالت له عائشة تحدثني بأمر هؤلاء القوم الذين قتلهم علي قال إن عليا لما كاتب معاوية وحكما الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة وعتبوا عليه فقالوا انسلخت من قميص ألبسكه الله ومن اسم سماك الله به ثم حكمت الرجال في دين الله ولا حكم الا لله فبلغ ذلك عليا فجمع الناس فدعا بمصحف عظيم فجعل يضربه بيده ويقول أيها المصحف حدث الناس فقالوا ماذا انسان انما هو مداد وورق ونحن نتكلم بما روينا منه فقال كتاب الله بيني وبين هؤلاء يقول الله في امرأة رجل فان خفتم شقاق بينهما الآية وأمة محمد أعظم من امرأة رجل ونقموا على أن كاتبت معاوية وقد كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ثم بعث إليهم بن عباس فناظرهم فرجع منهم أربعة آلاف فيهم عبد الله بن الكواء فبعث علي إلى الآخرين أن يرجعوا فأبوا فأرسل إليهم كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراما ولا تقطعوا سبيلا ولا تظلموا أحدا فان فعلتم نبذت اليكم الحرب قال عبد الله بن شداد فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدم الحرام الحديث وأخرج النسائي في الخصائص صفة مناظرة بن عباس لهم بطولها وفي الأوسط للطبراني من طريق أبي السائغة عن جندب بن عبد الله البجلي قال لما فارقت الخوارج عليا خرج في طلبهم فأنتهينا إلى عسكرهم فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن وإذا فيهم أصحاب البرانس أي الذين كانوا معروفين بالزهد والعبادة قال فدخلني من ذلك شدة فنزلت عن فرسي وقمت أصلي فقلت اللهم ان كان في قتال هؤلاء القوم لك طاعة فائذن لي فيه فمر بي علي فقال لما حاذاني تعوذ بالله من الشك يا جندب فلما جئته أقبل رجل على برذون يقول إن كان لك بالقوم حاجة فانهم قد قطعوا النهر قال ما قطعوه ثم جاء آخر كذلك ثم جاء آخر كذلك قال لا ما قطعوه ولا يقطعونه وليفتلن من دونه عهد من الله ورسوله قلت الله أكبر ثم ركبنا فسايرته فقال لي سأبعث إليهم رجلا يقرأ المصحف يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيهم فلا يقبل علينا بوجهه حتى يرشقوه بالنبل ولا يقتل منا عشرة ولا ينجو منهم عشرة قال فانتهينا إلى القوم فأرسل إليهم رجلا فرماه انسان فأقبل علينا بوجهه فقعد وقال علي دونكم القوم فما قتل منا عشرة ولا نجا منهم عشرة وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عن حميد بن هلال قال حدثنا رجل من عبد القيس قال لحقت بأهل النهر فاني مع طائفة منهم أسير إذ أتينا على قرية بيننا نهر فخرج رجل من القرية مروعا فقالوا له لا روع عليك وقطعوا إليه النهر فقالوا له أنت بن خباب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم قالوا فحدثنا عن أبيك فحدثهم بحديث يكون فتنة فان استطعت أن تكون عبد الله المقتول فكن قال فقدموه فضربوا عنقه ثم دعوا سريته وهي حبلى فبقروا عما في بطنها ولابن أبي شيبة من طريق أبي مجلز لاحق بن حميد قال قال علي لأصحابه لا تبدءوهم بقتال حتى يحدثوا حدثا قال فمر بهم عبد الله بن خباب فذكر قصة قتلهم له وبجاريته وأنهم بقروا بطنها وكانوا مروا على ساقته فأخذ واحد منهم تمرة فوضعها في فيه فقالوا له تمرة معاهد فيم استحللتها فقال لهم عبد الله بن خباب أنا أعظم حرمة من هذه التمرة فأخذوه فذبحوه فبلغ عليا فأرسل إليهم أفيدونا بقاتل عبد الله بن خباب فقالوا كلنا قتله فأذن حينئذ في قتالهم وعند الطبري من طريق أبي مريم قال أخبرني أخي أبو عبد الله أن عليا سار إليهم حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان أرسل يناشدهم فلم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسوله فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ منهم كلهم قوله جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه وسلم في رواية شعيب على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته وفي رواية أفلح فالتمسه علي فلم يجده ثم وجده بعد ذلك تحت جدار على هذا النعت وفي رواية زيد بن وهب فقال علي التمسوا فيهم المخرج فالتمسوه فلم يجدوه فقام علي بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض قال أخروهم فوجده مما يلي الأرض فكبر ثم قال صدق الله وبلغ رسوله وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع فلما فتلهم علي قال انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه أخرجها مسلم وفي رواية للطبري من طريق زيد بن وهب فقال علي اطلبوا ذا الثدية فطلبوه فلم يجدوه فقال ما كذبت ولا كذبت اطلبوه فطلبوه فوجدوه في وهدة من الأرض عليه ناس من القتلى فإذا رجل على يده مثل سبلات السنور فكبر علي والناس وأعجبه ذلك ومن طريق عاصم بن كليب حدثنا أبي قال بينا نحن قعود عند علي فقام رجل عليه أثر السفر فقال إني كنت في العمرة فدخلت على عائشة فقالت ما هؤلاء القوم الذين خرجوا فيكم قلت قوم خرجوا إلى أرض قريبة منا يقال لها حروراء فقالت أما أن بن أبي طالب لو شاء لحدثكم بأمرهم قال فأهل علي وكبر فقال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عنده غير عائشة فقال كيف أنت وقوم يخرجون من قبل المشرق وفيهم رجل كأن يده ثدي حبشية نشدتكم الله هل أخبرتكم بأنه فيهم قالوا نعم فجئتموني فقلتم ليس فيهم فحلفت لكم أنه فيهم ثم أتيتموني به تسحبونه كما نعت لي فقالوا اللهم نعم قال فأهل علي وكبر وفي رواية أبي الوضى بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة الخفيفة والتشديد عن على أطلبوا المخرج فذكر الحديث وفيه فاستخرجوه من تحت القتلى في طين قال أبو الوضى كأني أنظر إليه حبشي عليه طربقط له إحدى يديه مثل ثدي المرأة عليها شعيرات مثل شعيرات تكون على ذنب اليربوع ومن طريق أبي مريم قال إن كان وذلك المخرج لمعنا في المسجد وكان فقيرا قد كسوته برنسا لي ورأيته يشهد طعام علي وكان مسمى نافعا ذا الثدية وكان في يده مثل ثدي المرأة على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي عليه شعيرات مثل سبلات السنور أخرجهما أبو داود وأخرجه الطبري من طريق أبي مريم مطولا وفيه وكان علي يحدثنا قبل ذلك أن قوما يخرجون وعلامتهم رجل مخرج اليد فسمعت ذلك منه مرارا كثيرة وسمعت المخرج حتى رأيته يتكره طعامه من كثرة ما يسمع ذلك منه وفيه ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخرج فالتمسوه فلم يجدوه حتى جاء رجل فيشره فقال وجدناه تحت فتيلين في ساقيه فقال والله ما كذبت ولا كذبت وفي رواية أفلح فقال علي أيكم يعرف هذا فقال رجل من القوم نحن نعرفه هذا حرقوص وأمه ها هنا قال فأرسل علي إلى أمه فقالت كنت أرعى غنما في الجاهلية فغشيني كهيئة الظلة فحملت منه فولدت هذا وفي رواية عاصم بن شمخ عن أبي سعيد قال حدثني عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن عليا قال التمسوا لي العلامة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاني لم أكذب ولا أكذب فجيء به فحمد الله وأثنى عليه حين عرف العلامة ووقع في رواية أبي بكر مولى الأنصار عن علي حولها سبع هلبات وهو بضم الهاء وموحدة جمع هلبة وفيه أن الناس وجدوا في أنفسهم بعد قتل أهل النهر فقال علي اني لا أراه إلا منهم فوجدوه على شفير النهر تحت القتلى فقال علي صدق الله ورسوله وفرح الناس حين رأوه واستبشروا وذهب عنهم ما كانوا يجدونه قوله قال فنزلت فيه في رواية السرخي فيهم قوله ومنهم من يلمزك في الصدقات اللمز العيب وقيل الوقوع في الناس وقيل بقيد أن يكون مواجهة والهمز في الغيبة أي يعيبك في قسم الصدقات ويؤيد القيل المذكور ما وقع في قصة المذكور حيث واجه بقوله هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ولم أقف على الزيادة إلا في رواية معمر وقد أخرجه عبد الرزاق عن معمر لكن وقعت مقدمة على قوله حين فرقة من الناس قال فنزلت فيهم وذكر كلام أبي سعيد بعد ذلك وله شاهد من حديث بن مسعود قال لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين سمعت رجلا يقول إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله قال فنزلت ومنهم من يلمزك في الصدقات أخرجه بن مردويه وقد تقدم في غزوة حنين بدون هذه الزيادة ووقع في رواية عتبة بن وساج عن عبد الله بن عمر ما يؤيد هذه الزيادة فجعل يقسم بين أصحابه ورجل جالس فلم يعطه شيئا فقال يا محمد ما أراك تعدل وفي رواية أبي الوضى عن أبي برزة نحوه فدل على أن الحامل للقائل على ما قال من الكلام الجافي وأقدم عليه من الخطاب السيء كونه لم يعط من تلك العطية وأنه لو أعطى لم يقل شيئا من ذلك وأخرج الطبراني نحو حديث أبي سعيد وزاد في آخره فغفل عن الرجل فذهب فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه فطلب فلم يدرك وسنده جيد تنبيه جاء عن أبي سعيد الخدري قصة أخرى تتعلق بالخوارج فيها ما يخالف هذه الرواية وذلك فيما أخرجه أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال جاء أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني مررت بوادي كذا فإذا رجل حسن الهيئة متخشع يصلي فيه فقال اذهب إليه فأقتله قال فذهب إليه أبو بكر فلما رآه يصلي كره أن يقتله فرجع فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر اذهب فأقتله فذهب فرآه على تلك الحالة فرجع فقال يا علي اذهب إليه فأقتله فذهب علي فلم يره فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه فاقتلوهم هم شر البرية وله شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات ويمكن الجمع بأن يكون هذا الرجل هو الأول وكانت قصته هذه الثانية متراخبة عن الأولى وأذن صلى الله عليه وسلم في قتله بعد أن منع منه لزوال علة المنع وهي التألف فكأنه استغنى عنه بعد انتشار الإسلام كما نهى عن الصلاة على من ينسب إلى النفاق بعد أن كان يجري عليهم أحكام الإسلام قبل ذلك وكأن أبا بكر وعمر تمسكا بالنهي الأول عن قتل المصلين وحملا الأمر هنا على قيد أن لا يكون لا يصلي فلذلك عللا عدم القتل بوجود الصلاة أو غلبا جانب النهي ثم وجدت في مغازي الأموي من مرسل الشعبي في نحو أصل القصة ثم دعا رجالا فأعطاهم فقام رجل فقال انك لتقسم وما نرى عدلا قال إذا لا يعدل أحد بعدي ثم دعا أبا بكر فقال اذهب فأقتله فذهب فلم يجده فقال لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم فهذا يؤيد الجمع الذي ذكرته لما يدل عليه ثم من التراخي والله أعلم وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم منقبة عظيمة لعلي وأنه كان الإمام الحق وأنه كان على الصواب في قتال من قاتله في حروبه في الجمل وصفين وغيرهما وأن المراد بالحصر في الصحيفة في قوله في كتاب الديات ما عندنا إلا القرآن والصحيفة مقيد بالكتابة لا أنه ليس عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء مما أطلعه الله عليه من الأحوال الآتية إلا ما في الصحيفة فقد اشتملت طرق هذا الحديث على أشياء كثيرة كان عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم علم بها مما يتعلق بقتال الخوارج وغير ذلك مما ذكر وقد ثبت عنه أنه كان يخبر بأنه سيقتله أشقى القوم فكان ذلك في أشياء كثيرة ويحتمل أن يكون النفي مقيدا باختصاصه بذلك فلا يرد حديث الباب لأنه شاركه فيه جماعة وان كان عنده هو زيادة عليهم لأنه كان صاحب القصة فكان أشد عناية بها من غيره وفيه الكف عن قتل من يعتقد الخروج على الإمام ما لم ينصب لذلك حربا أو يستعد لذلك لقوله فإذا خرجوا فأقتلوهم وحكى الطبري الإجماع على ذلك في حق من لا يكفر باعتقاده وأسند عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب في الخوارج بالكف عنهم ما لم يسفكوا دما حراما أو يأخذوا مالا فان فعلوا فقاتلوهم ولو كانوا ولدي ومن طريق بن جريج قلت لعطاء ما يحل في قتال الخوارج قال إذا قطعوا السبيل وأخافوا الأمن وأسند الطبري عن الحسن أنه سئل عن رجل كان يرى رأي الخوارج ولم يخرج فقال العمل أملك بالناس من الرأي قال الطبري ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الخوارج بأنهم يقولون الحق بألسنتهم ثم أخبر أن قولهم ذلك وان كان حقا من جهة القول فإنه قول لا يجاوز حلوقهم ومنه قوله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه أخبر أن العمل الصالح الموافق للقول الطيب هو الذي يرفع القول الطيب قال وفيه أنه لا يجوز قتال الخوارج وقتلهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم بدعائهم إلى الرجوع إلى الحق والاعذار إليهم والى ذلك أشار البخاري في الترجمة بالآية المذكورة فيها واستدل به لمن قال بتكفير الخوارج وهو مقتضى صنيع البخاري حيث قرنهم بالملحدين وأفرد عنهم المتأولين بترجمة وبذلك صرح القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي فقال الصحيح أنهم كفار لقوله صلى الله عليه وسلم يمرقون من الإسلام ولقوله لأقتلنهم قتل عاد وفي لفظ ثمود وكل منهما انما هلك بالكفر وبقوله هم شر الخلق ولا يوصف بذلك إلا الكفار ولقوله انهم أبغض الخلق إلى الله تعالى ولحكمهم على كل من خالف معتقدهم بالكفر والتخليد في النار فكانوا هم أحق بالاسم منهم وممن جنح إلى ذلك من أئمة المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي فقال في فتاويه احتج من كفر الخوارج وغلاة الروافض بتكفيرهم أعلام الصحابة لتضمنه تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم في شهادته لهم بالجنة قال وهو عندي احتجاج صحيح قال واحتج من لم يكفرهم بان الحكم بتكفيرهم يستدعي تقدم علمهم بالشهادة المذكورة علما قطعيا وفيه نظر لأنا نعلم تزكية من كفروه علما قطعيا إلى حين موته وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفرهم ويؤيده حديث من قال لأخيه كافر فقد باء به أحدهما وفي لفظ مسلم من رمى مسلما بالكفر أو قال عدو الله إلا حاد عليه قال وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم فيجب أن يحكم بكفرهم بمقتضى خبر الشارع وهو نحو ما قالوه فيمن سجد للصنم ونحوه ممن لا تصريح بالجحود فيه بعد أن فسروا الكفر بالجحود فان احتجوا بقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك قلنا وهذه الأخبار الواردة في حق هؤلاء تقتضي كفرهم ولو لم يعتقدوا تزكية من كفروه علما قطعيا ولا ينجيهم اعتقاد الإسلام إجمالا والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم كما لا ينجي الساجد للصنم ذلك قلت وممن جنح إلى بعض هذا البحث الطبري في تهذيبه فقال بعد ان سرد أحاديث الباب فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالما فإنه مبطل لقوله في الحديث يقولون الحق ويقرءون القرآن ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه ثم أخرج بسند صحيح عن بن عباس وذكر عنده الخوارج وما يلقون عند قراءة القرآن فقال يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه ويؤيد القول المذكور الأمر بقتلهم مع ما تقدم من حديث بن مسعود لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وفيه التارك لدينه المفارق للجماعة قال القرطبي في المفهم يؤيد القول بتكفيرهم التمثيل المذكور في حديث أبي سعيد يعني الأتي في الباب الذي يليه فان ظاهر مقصوده أنهم خرجوا من الإسلام ولم يتعلقوا منه بشيء كما خرج السهم من الرمية لسرعته وقوة راميه بحيث لم يتعلق من الرمية بشيء وقد أشار إلى ذلك بقوله سبق الفرث والدم وقال صاحب الشفاء فيه وكذا نقطع بكفر كل من قال قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تكفير الصحابة وحكاه صاحب الروضة في كتاب الردة عنه وأقره وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فساق وان حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام وانما فسقوا بتكفيرهم المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد وجرهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليهم بالكفر والشرك وقال الخطابي أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام وقال عياض كادت هذه المسألة تكون أشد إشكالا عند المتكلمين من غيرها حتى سأل الفقيه عبد الحق الامام أبا المعالي عنها فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين قال وقد توقف قبله القاضي أبو بكر الباقلاني وقال لم يصرح القوم بالكفر وانما قالوا أقوالا تؤدي إلى الكفر وقال الغزالي في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا فان استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد ومما احتج به من لم يكفرهم قوله في ثالث أحاديث الباب بعد وصفهم بالمروق من الدين كمروق السهم فينظر الرامي إلى سهمه إلى أن قال فيتمارى في الفوقة هل علق بها شيء قال بن بطال ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين لقوله يتمارى في الفوق لأن التماري من الشك وإذ وقع الشك في ذلك لم يقطع عليهم بالخروج من الإسلام لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين قال وقد سئل علي عن أهل النهر هل كفروا فقال من الكفر فروا قلت وهذا إن ثبت عن علي حمل على أنه لم يكن اطلع على معتقدهم الذي أوجب تكفيرهم عند من كفرهم وفي احتجاجه بقوله يتمارى في الفوق نظر فان في بعض طرق الحديث المذكور كما تقدمت الإشارة إليه وكما سيأتي لم يعلق منه بشيء وفي بعضها سيق الفرث والدم وطريق الجمع بينهما أنه تردد هل في الفوق شيء أو لاثم تحقق أنه لم يعلق بالسهم ولا بشيء منه من الرمي بشيء ويمكن أن يحمل الاختلاف فيه على اختلاف أشخاص منهم ويكون في قوله يتمارى إشارة إلى أن بعضهم قد يبقى معه من الإسلام شيء قال القرطبي في المفهم والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث قال فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون ويقتلون وتسبى أموالهم وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج وعلى القول بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغي إذا شقوا العصا ونصبوا الحرب فأما من استسر منهم ببدعة فإذا ظهر عليه هل يقتل بعد الاستتابة أو لا يقتل بل يجتهد في رد بدعته اختلف فيه بحسب الاختلاف في تكفيرهم قال وباب التكفير باب خطر ولا نعدل بالسلامة شيئا قال وفي الحديث علم من أعلام النبوة حيث أخبر بما وقع قبل أن يقع وذلك أن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دمائهم وتركوا أهل الذمة فقالوا نفي لهم بعهدهم وتركوا قتال المشركين واشتغلوا بقتال المسلمين وهذا كله من آثار عبادة الجهال الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم ولم يتمسكوا بحبل وثيق من العلم وكفى أن رأسهم رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ونسبه إلى الجور نسأل الله السلامة قال بن هبيرة وفي الحديث أن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين والحكمة فيه أن في قتالهم حفظ راس مال الإسلام وفي قتال أهل الشرك طلب الربح وحفظ رأس المال أولى وفيه الزجر عن الأخذ بظواهر جميع الآيات القابلة للتأويل التي يفضي القول بظواهرها إلى مخالفة إجماع السلف وفيه التحذير من الغلو في الديانة والتنطع في العبادة بالحمل على النفس فيما لم يأذن فيه الشرع وقد وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة وانما ندب إلى الشدة على الكفار والى الرأفة بالمؤمنين فعكس ذلك الخوارج كما تقدم بيانه وفيه جواز قتال من خرج عن طاعة الامام العادل ومن نصب الحرب فقاتل على اعتقاد فاسد ومن خرج يقطع الطرق ويخيف السبيل ويسعى في الأرض بالفساد وأما من خرج عن طاعة امام جائر أراد الغلبة على ماله أو نفسه أو أهله فهو معذور ولا يحل قتاله وله أن يدفع عن نفسه وماله وأهله بقدر طاقته وسيأتي بيان ذلك في كتاب الفتن وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن عبد الله بن الحارث عن رجل من بني نضر عن علي وذكر الخوارج فقال إن خالفوا إماما عدلا فقاتلوهم وإن خالفوا إماما جائرا فلا تقاتلوهم فإن لهم مقالا قلت وعلى ذلك يحمل ما وقع للحسين بن علي ثم لأهل المدينة في الحرة ثم لعبد الله بن الزبير ثم للقراء الذين خرجوا على الحجاج في قصة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث والله أعلم وفيه ذم استئصال شعر الرأس وفيه نظر لاحتمال أن يكون المراد بيان صفتهم الواقعة لا لإرادة ذمها وترجم أبو عوانة في صحيحه لهذه الأحاديث بيان أن سبب خروج الخوارج كان بسبب الأثرة في القسمة مع كونها كانت صوابا فخفي عنهم ذلك وفيه إباحة قتال الخوارج بالشروط المتقدمة وقتلهم في الحرب وثبوت الأجر لمن قتلهم وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه ومن غير أن يختار دينا على دين الإسلام وان الخوارج شر الفرق المبتدعة من الأمة المحمدية ومن اليهود والنصارى قلت والأخير مبني على القول بتكفيرهم مطلقا وفيه منقبة عظيمة لعمر لشدته في الدين وفيه أنه لا يكتفي في التعديل بظاهر الحال ولو بلغ المشهود بتعديله الغاية في العبادة والتقشف والورع حتى يختبر باطن حاله الحديث الثاني
6535 قوله عبد الواحد هو بن زياد والشيباني هو أبو إسحاق ويسير بن عمرو بتحتانية أوله بعدها مهملة مصغر ويقال له أيضا أسير ووقع كذلك في رواية مسلم كحديث الباب وليس له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد وهو من بني محارب بن ثعلبة نزل الكوفة ويقال إن له صحبة وذكر أبو نعيم في تاريخه حدثنا قيس بن عمرو بن يسير بن عمر وأخبرني أبي عن يسير بن عمرو قال توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بن عشر سنين ويقال له أسير بن جابر كذا وقع عند مسلم في رواية أبي نضرة عن أسير بن جابر عن عمير في فضيلة أويس القرني وقيل هو أسير بن عمرو بن جابر نسب لجده قوله سمعته يقول وأهوى بيده قبل العراق أي من جهته وفي رواية علي بن مسهر عن الشيباني عند مسلم نحو المشرق قوله يمرقون قال بن بطال المروق الخروج عند أهل اللغة يقال مرق السهم من الغرض إذا أصابه ثم نفذ منه فهو يمرق منه مرقا ومروقا وانمرق منه وأمرقه الرامي إذا فعل ذلك به ومنه قيل للممرق ممرق لأنه يخرج منه ومنه قيل مرق البرق لخروجه بسرعه قوله مروق السهم من الرمية زاد أبو عوانة في صحيحه من طريق محمد بن فضيل عن الشيباني قال قال أسير قلت ما لهم علامة قال سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم لا أزيدك عليه وفي هذا ان سهل بن حنيف صرح بأن الحرورية هم المراد بالقوم المذكورين في أحاديث هذين البابين فيقوى ما تقدم أن أبا سعيد توقف في الاسم والنسبة لا في كونهم المراد قال الطبري وروى هذا الحديث في الخوارج عن علي تاما ومختصرا عبيد الله بن أبي رافع وسويد بن غفلة وعبيدة بن عمرو وزيد بن وهب وكليب الجرمي وطارق بن زياد وأبو مريم قلت وأبو وضى وأبو كثير وأبو موسى وأبو وائل في مسند إسحاق بن راهويه والطبراني وأبو جحيفة عند البزار وأبو جعفر الفراء مولى علي أخرجه الطبراني في الأوسط وكثير بن نمير وعاصم بن ضمرة قال الطبري ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مع علي بن أبي طالب أو بعضه عبد الله بن مسعود وأبو ذر وبن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وبن عمر وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وحذيفة وأبو بكرة وعائشة وجابر وأبو برزة وأبو أمامة وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن حنيف وسلمان الفارسي قلت ورافع بن عمرو وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر وجندب بن عبد الله البجلي وعبد الرحمن بن عريس وعقبة بن عامر وطلق بن علي وأبو هريرة أخرجه الطبراني في الأوسط بسند جيد من طريق الفرزدق الشاعر أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد وسألهما فقال إني رجل من أهل المشرق وأن قوما يخرجون علينا يقتلون من قال لا إله إلا الله ويؤمنون من سواهم فقالا لي سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول من قتلهم فله أجر شهيد ومن قتلوه فله أجر شهيد فهؤلاء خمسة وعشرون نفسا من الصحابة والطرق إلى كثرتهم متعددة كعلي وأبي سعيد وعبد الله بن عمر وأبي بكرة وأبي برزة وأبي ذر فيفيد مجموع خبرهما القطع بصحة ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1 ( قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة ) كذا ترجم بلفظ الخبر وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الفتن ان شاء الله تعالى وفي المتن من الزيادة يكون بينهما مقتلة عظيمة والمراد بالفئتين جماعة علي وجماعة معاوية والمراد بالدعوة الإسلام على الراجح وقيل المراد اعتقاد كل منهما أنه على الحق وأورده هنا للإشارة إلى ما وقع في بعض طرقه كما عند الطبري من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد نحو حديث الباب وزاد في آخره فبينما هم كذلك إذ مرقت مارقة يقتلها أولى الطائفتين بالحق فبذلك تظهر مناسبته لما قبله والله أعلم 1 ( قوله باب ما جاء في المتأولين )
تقدم في باب من أكفر أخاه بغير تأويل من كتاب الأدب وفي الباب الذي يليه من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا وبيان المراد بذلك والحاصل أن من أكفر المسلم نظر فان كان بغير تأويل استحق الذم وربما كان هو الكافر وإن كان بتأويل نظر ان كان غير سائغ استحق الذم أيضا ولا يصل إلى الكفر بل يبين له وجه خطئه ويزجر بما يليق به ولا يلتحق بالأول عند الجمهور وان كان بتأويل سائغ لم يستحق الذم بل تقام عليه الحجة حتى يرجع إلى الصواب قال العلماء كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب وكان له وجه في العلم وذكر هنا أربعة أحاديث الحديث الأول حديث عمر في قصته مع هشام بن حكيم بن حزام حين سمعه يقرأ سورة الفرقان في الصلاة بحروف تخالف ما قرأه هو على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب فضائل القرآن ومناسبته للترجمة من جهة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ عمر بتكذيب هشام ولا بكونه لببه بردائه وأراد الايقاع به بل صدق هشاما فيما نقله وعذر عمر في إنكاره ولم يزده على بيان الحجة في جواز القراءتين وقوله في أول السند وقال الليث الخ وصله الإسماعيلي من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه ويونس شيخ الليث فيه هو بن يزيد وقد تقدم في فضائل القرآن وغيره من رواية الليث أيضا موصولا لكن عن عقيل لا عن يونس ووهم مغلطاي ومن تبعه في أن البخاري وصله عن سعيد بن عفير عن الليث عن يونس وقوله كدت أساوره بسين مهملة أي أوائبه وزنه ومعناه وقيل هو من قولهم سار يسور إذا ارتفع ذكره وقد يكون بمعنى البطش لان السورة قد تطلق على البطش لأنه ينشأ عنها الحديث الثاني حديث بن مسعود في نزول قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وقد تقدم شرحه في أول حديث من كتاب استتابة المرتدين وسنده هنا كلهم كوفيون ووجه دخوله في الترجمة من جهة أنه صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ الصحابة بحملهم الظلم في الآية على عمومه حتى يتناول كل معصية بل عذرهم لأنه ظاهر في التأويل ثم بين لهم المراد بما رفع الاشكال الحديث الثالث حديث عتبان بن مالك في قصة مالك بن الدخشم وهو بضم المهملة وسكون المعجمة ثم شين معجمة مضمومة ثم ميم أو نون وهو الذي وقع هنا وقد يصغر وقد تقدم شرحه مستوفى في أبواب المساجد في البيوت من كتاب الصلاة ومناسبته من جهة أنه صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ القائلين في حق مالك بن الدخشم بما قالوا بل بين لهم ان إجراء أحكام الإسلام على الظاهر دون ما في الباطن وقوله هنا ألا تقولونه يقول لا إله إلا الله كذا في رواية الكشميهني وفي رواية المستملي والسرخسي لا تقولوه بصيغة النهي وقال بن التين ألا تقولوه جاءت الرواية والصواب تقولونه أي تظنونه قلت الذي رأيته لا تقولوه بغير الف في أوله وهو موجه وتفسير القول بالظن فيه نظر والذي يظهر أنه بمعنى الرؤية أو السماع وجوز بن التين أنه خطاب للمفرد وأصله ألا تقوله فأشبع ضمة اللام حتى صارت واوا وأنشد لذلك شاهدا الحديث الرابع حديث علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة في مكاتبته قريشا ونزول قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء وقد تقدم في باب الجاسوس من كتاب الجهاد وما يتعلق به وفي باب النظر في شعور أهل الذمة ما يتعلق بذلك والجمع بين قوله حجزتها وعقيصتها وضبط ذلك وتقدم في باب فضل من شهد بدرا من كتاب المغازي الكلام على قوله لعل الله اطلع على أهل بدر وفي تفسير الممتحنة بأبسط منه وفيها الجواب عن اعتراض عمر على حاطب بعد أن قبل النبي صلى الله عليه وسلم عذره وفي غزوة الفتح الجمع بين قوله بعثني أنا والزبير والمقداد وقوله بعثني أنا وأبا مرثد وفيه قصة المرأة وبيان ما قيل في اسمها وما في الكتاب الذي حملته وأذكر هنا بقية شرحه قوله عن حصين بالتصغير هو بن عبد الرحمن الواسطي قوله عن فلان كذا وقع مبهما وسمى في رواية هشيم في الجهاد وعبد الله بن إدريس في الاستئذان سعد بن عبيدة وكذا وقع في رواية خالد بن عبد الله ومحمد بن فضيل عند مسلم وأخرجه أحمد عن عفان عن أبي عوانة قسما ونحوه للإسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شيبة عن عفان قالا
6540 حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن حدثني سعد بن عبيدة هو السلمي الكوفي يكنى أبا حمزة وكان زوج بنت أبي عبد الرحمن السلمي شيخه في هذا الحديث وقد وقع في نسخة الصغاني هنا بعد قوله عن فلان ما نصه هو أبو حمزة سعد بن عبيدة السلمي ختن أبي عبد الرحمن السلمي انتهى ولعل القائل هو الخ من دون البخاري وسعد تابعي روى عن جماعة من الصحابة منهم بن عمر والبراء قوله تنازع أبو عبد الرحمن هو السلمي وصرح به في رواية عفان قوله وحبان بن عطية بكسر المهملة وتشديد الموحدة وحكى أبو علي الجياني وتبعه صاحب المشارق والمطالع أن بعض رواه أبي ذر ضبطه بفتح أوله وهو وهم قلت وحكى المزي أن بن ماكولا ذكره بالكسر وان بن الفرضي ضبطه بالفتح قال وتبعه أبو علي الجياني كذا قال والذي جزم به أبو علي الجياني توهيم من ضبطه بالفتح كما نقلته وذلك في تقييد المهمل وصوب أنه بالكسر حيث ذكره مع حبان بن موسى وهو بالكسر إجماعا وكان حبان بن عطية سلميا أيضا ومؤاخيا لأبي عبد الرحمن السلمي وان كانا مختلفين في تفضيل عثمان وعلي وقد تقدم في أواخر الجهاد من طريق هشيم عن حصين في هذا الحديث وكان أبو عبد الرحمن عثمانيا أي يفضل عثمان على علي وحبان بن عطية علويا أي يفضل عليا على عثمان قوله لقد علمت ما الذي كذا للكشميهني وكذا في أكثر الطرق وللحموي والمستملي هنا من الذي وعلى الرواية الأولى ففاعل التجرئ هو القول المعبر عنه هنا بقوله شيء يقوله وعلى الثانية الفاعل هو القائل قوله جرأ بفتح الجيم وتشديد الراء مع الهمز قوله صاحبك زاد عفان يعني عليا قوله على الدماء أي إراقة دماء المسلمين لأن دماء المشركين مندوب إلى إراقتها اتفاقا قوله لا أبا لك بفتح الهمزة وهي كلمة تقال عند الحث على الشيء والأصل فيه أن الإنسان إذا وقع في شدة عاونه أبوه فإذا قيل لا أبا لك فمعناه ليس لك اب جد في الأمر جد من ليس له معاون ثم أطلق في الاستعمال في موضع استبعاد ما يصدر من المخاطب من قول أو فعل قوله سمعته يقوله في رواية المستملي والكشميهني هنا سمعته يقول بحذف الضمير والأول أوجه لقوله قال ما هو قوله قال بعثني كذا لهم وكأن قال الثانية سقطت على عادتهم في إسقاطها خطأ والأصل قال أي أبو عبد الرحمن قال أي علي قوله والزبير وأبا مرثد تقدم في غزوة الفتح من طريق عبد الله بن أبي رافع عن علي ذكر المقداد بدل أبي مرثد وجمع بأن الثلاثة كانوا مع علي ووقع عند الطبري في تهذيب الآثار من طريق أعشى ثقيف عن أبي عبد الرحمن السلمي في هذا الحديث ومعي الزبير بن العوام ورجل من الأنصار وليس المقداد ولا أبو مرثد من الأنصار إلا إن كان بالمعنى الأعم ووقع في الأسباب للواحدي أن عمر وعمارا وطلحة كانوا معهم ولم يذكر له مستندا وكأنه من تفسير بن الكلبي فأني لم أره في سير الواقدي ووجدت ذكر فيه عمر من وجه آخر أخرجه بن مردويه في تفسيره من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس في قصة المرأة المذكورة فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بخبرها فبعث في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب قوله روضة حاج بمهملة ثم جيم قوله قال أبو سلمة هو موسى بن إسماعيل شيخ البخاري فيه قوله هكذا قال أبو عوانة حاج فيه إشارة إلى أن موسى كان يعرف أن الصواب خاخ بمعجمتين ولكن شيخه قالها بالمهملة والجيم وقد أخرجه أبو عوانة في صحيحة من رواية محمد بن إسماعيل الصائغ عن عفان فذكرها بلفظ حاج بمهملة ثم جيم قال عفان والناس يقولون خاخ أي بمعجمتين قال النووي قال العلماء هو غلط من أبي عوانة وكأنه اشتبه عليه بمكان آخر يقال له ذات حاج بمهملة ثم جيم وهو موضع بين المدينة والشام يسلكه الحاج وأما روضة خاخ فأنها بين مكة والمدينة بقرب المدينة قلت وذكر الواقدي أنها بالقرب من ذي الحليفة على بريد من المدينة وأخرج سمويه في فوائده من طريق عبد الرحمن بن حاطب قال وكان حاطب من أهل اليمن حليفا للزبير فذكر القصة وفيها أن المكان على قريب من اثنى عشر ميلا من المدينة وزعم السهيلي أن هشيما كان يقولها أيضا حاج بمهملة ثم جيم وهو وهم أيضا وسيأتي ذلك في آخر الباب وقد سبق في أواخر الجهاد من طريق هشيم بلفظ حتى تأتوا روضة كذا فلعل البخاري كنى عنها أو شيخه إشارة إلى أن هشيما كان يصحفها وعلى هذا فلم ينفرد أبو عوانة بتصحيفها لكن أكثر الرواة عن حصين قالوها على الصواب بمعجمتين قوله فأن فيها امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فائتوني بها في رواية عبيد الله بن أبي رافع فان بها ظعينة معها كتاب والظعينة بظاء معجمة وزن عظيمة فعيلة بمعنى فاعلة من الظعن وهو الرحيل وقيل سميت ظعينة لأنها تركب الظعين التي تظعن براكبها وقال الخطابي سميت ظعينة لأنها تظعن مع زوجها ولا يقال لها ظعينة إلا إذا كانت في الهودج وقيل أنه اسم الهودج سميت المرأة لركوبها فيه ثم توسعوا فأطلقوه على المرأة ولو لم تكن في هودج وقد تقدم في غزوة الفتح بيان الاختلاف في اسمها وذكر الواقدي أنها من مزينة وأنها من أهل العرج بفتح الراء بعدها جيم يعنى قرية بين مكة والمدينة وذكر الثعلبي ومن تبعه أنها كانت مولاة أبي صيفي بن عمرو بن هاشم بن عبد مناف وقيل عمران بدل عمرو وقيل مولاة بنى أسد بن عبد العزي وقيل كانت من موالي العباس وفي حديث أنس الذي أشرت إليه عند بن مروديه أنها مولاة لقريش وفي تفسير مقاتل بن حبان أن حاطبا أعطاها عشرة دنانير وكساها بردا وعند الواحدي أنها قدمت المدينة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم جئت مسلمة قالت لا ولكن احتجت قال فأين أنت عن شباب قريش وكانت مغنية قالت ما طلب مني بعد وقعة بدر شيء من ذلك فكساها وحملها فأتاها حاطب فكتب معها كتابا إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يغزو فخذوا حذركم وفي حديث عبد الرحمن بن حاطب فكتب حاطب إلى كفار قريش بكتاب ينتصح لهم وعند أبي يعلى والطبري من طريق الحارث بن علي لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغزو مكة أسر إلى ناس من أصحابه ذلك وأفشى في الناس أنه يريد غير مكة فسمعه حاطب بن أبي بلتعة فكتب حاطب إلى أهل مكة بذلك وذكر الواقدي أنه كان في كتابه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس بالغزو ولا أراه الا يريدكم وقد أحببت أن يكون إنذاري لكم بكتابي اليكم وتقدم بقية ما نقل مما وقع في الكتاب في غزوة الفتح قوله تسير على بعير لها في رواية محمد بن فضيل عن حصين تشتد بشين معجمة ومثناة فوقانية قوله فأبتغينا في رحلها أي طلبنا كأنهما فتشا ما معها ظاهرا وفي رواية محمد بن فضيل فأنخنا بعيرها فابتغينا وفي رواية الحارث فوضعنا متاعها وفتشنا فلم نجد قوله لقد علمنا في رواية الكشميهني لقد علمتما وهي رواية عفان أيضا قوله ثم حلف علي والذي يحلف به أي قال والله وصرح به في حديث أنس وفي حديث عبد الرحمن بن حاطب قوله لتخرجن الكتاب أو لأجردنك أي أنزع ثيابك حتى تصيري عريانة وفي رواية بن فضيل أو لأقتلنك وذكر الإسماعيلي أن في رواية خالد بن عبد الله مثله وعنده من رواية بن فضيل لأجزرنك بجيم ثم زاي أي أضيرك مثل الجزور إذا ذبحت ثم قال الإسماعيلي ترجم البخاري النظر في شعور أهل الذمة يعني الترجمة الماضية في كتاب الجهاد وهذه الرواية تخالفه أي رواية أو لأقتلنك قلت رواية لأجردنك أشهر ورواية لأجزرنك كأنها مفسرة منها ورواية لأقتلنك كأنها بالمعنى من لأجردنك ومع ذلك فلا تنافي الترجمة لأنها إذا قتلت سلبت ثيابها في العادة فيستلزم التجرد الذي ترجم به ويؤيد الرواية المشهورة ما وقع في رواية عبيد الله بن أبي رافع بلفظ لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب قال بن التين كذا وقع بكسر القاف وفتح الياء التحتانية وتشديد النون قال والياء زائدة وقال الكرماني هو بكسر الياء وبفتحها كذا جاء في الرواية بإثبات الياء والقواعد التصريفية تقتضي حذفها لكن إذا صحت الرواية فتحمل على أنها وقعت على طريق المشاكلة لتخرجن وهذا توجيه الكسرة وأما الفتحة فتحمل على خطاب المؤنث الغائب على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة قال ويجوز فتح القاف على البناء للمجهول وعلى هذا فترفع الثياب قلت ويظهر لي أن صواب الرواية لتلقين بالنون بلفظ الجمع وهو ظاهر جدا لا إشكال فيه البتة ولا يفتقر إلى تكلف تخريج ووقع في حديث أنس فقالت ليس معي كتاب فقال كذبت فقال قد حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن معك كتابا والله لتعطيني الكتاب الذي معك أو لا أترك عليك ثوبا إلا التمسنا فيه قالت أو لستم بناس من مسلمين حتى إذا ظنت أنهما يلتمسان في كل ثوب معها حلت عفاصها وفيه فرجعا إليها فسلا سيفيهما فقالا والله لنذيقنك الموت أو لتدفعن إلينا الكتاب فأنكرت ويجمع بينهما بأنهما هدداها بالقتل أولا فلما أصرت على الإنكار ولم يكن معهما إذن بقتلها هدداها بتجريد ثيابها فلما تحققت ذلك خشيت أن يقتلاها حقيقة وزاد في حديث أنس أيضا فقالت ادفعه اليكما على أن ترداني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية أعشى ثقيف عن عبد الرحمن عند الطبري فلم يزل علي بها حتى خافته وقد اختلف هل كانت مسلمة أو على دين قومها فالأكثر على الثاني فقد عدت فيمن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمهم يوم الفتح لأنها كانت تغني بهجائه وهجاء أصحابه وقد وقع في أول حديث أنس أمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بقتل أربعة فذكرها فيهم ثم قال وأما أمر سارة فذكر قصتها مع حاطب قوله فأتوا بها أي الصحيفة وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع فأتينا به أي الكتاب ونحوه في رواية بن عباس عن عمر وزاد نقرىء عليه فإذا فيه من حاطب إلى ناس من المشركين من أهل مكة سماهم الواقدي في روايته سهيل بن عمرو العامري وعكرمة بن أبي جهل المخزومي وصفوان بن أمية الجمحي قوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حاطب ما حملك على ما صنعت في رواية عبد الرحمن بن حاطب فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا فقال أنت كتبت هذا الكتاب قال نعم قال فما حملك على ذلك وكأن حاطبا لم يكن حاضرا لما جاء الكتاب فاستدعى به لذلك وقد بين ذلك في حديث بن عباس عن عمر بن الخطاب ولفظه فأرسل إلى حاطب فذكر نحو رواية عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح قوله قال يا رسول الله ما لي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله وفي رواية المستملي ما بي بالموحدة بدل اللام وهو أوضح وفي رواية عبد الرحمن بن حاطب أما والله ما أرتبت منذ أسلمت في الله وفي رواية بن عباس قال والله أني لناصح لله ولرسوله قوله ولكني أردت أن يكون لي عند القوم يد أي منة أدفع بها عن أهلي ومالي زاد في رواية أعشى ثقيف والله ورسوله أحب الي من أهلي ومالي وتقدم في تفسير الممتحنة قوله كنت ملصقا وتفسيره وفي رواية عبد الرحمن بن حاطب ولكني كنت أمرأ غريبا فيكم وكان لي بنون وإخوة بمكة فكتبت لعلي أدفع عنهم قوله وليس من أصحابك أحد إلا له هنالك في رواية المستملي هناك من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله وفي حديث أنس وليس منكم رجل إلا له بمكة من يحفظه في عياله غيري قوله قال صدق ولا تقولوا له إلا خيرا ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم عرف صدقه مما ذكر ويحتمل أن يكون بوحي قوله فعاد عمر أي عاد إلى الكلام الأول في حاطب وفيه تصريح بأنه قال ذلك مرتين فأما المرة الأولى فكان فيها معذورا لأنه لم يتضح له عذره في ذلك وأما الثانية فكان اتضح عذره وصدقه النبي صلى الله عليه وسلم فيه ونهى أن يقولوا له إلا خيرا ففي إعادة عمر ذلك الكلام إشكال وأجيب عنه بأنه ظن أن صدقه في عذره لا يدفع ما وجب عليه من القتل وتقدم إيضاحه في تفسير الممتحنة قوله فلأضرب عنقه قال الكرماني هو بكسر اللام ونصب الباء وهو في تأويل مصدر محذوف وهو خبر مبتدأ محذوف أي اتركني لأضرب عنقه فتركك لي من أجل الضرب ويجوز سكون الباء والفاء زائدة على رأي الأخفش واللام للأمر ويجوز فتحها على لغة وأمر المتكلم نفسه باللام فصيح قليل الاستعمال وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع دعني أضرب عنق هذا المنافق وفي حديث بن عباس قال عمر فاخترطت سيفي وقلت يا رسول الله أمكني منه فإنه قد كفر وقد أنكر القاضي أبو بكر بن الباقلاني هذه الرواية وقال ليست بمعروفة قاله في الرد على الجاحظ لأنه احتج بها على تكفير العاصي وليس لإنكار القاضي معنى لأنها وردت بسند صحيح وذكر البرقاني في مستخرجه أن مسلما أخرجها ورده الحميدي والجمع بينهما أن مسلما خرج سندها ولم يسق لفظها وإذا ثبت فلعله أطلق الكفر وأراد به كفر النعمة كما أطلق النفاق وأراد به نفاق المعصية وفيه نظر لأنه استأذن في ضرب عنقه فأشعر بأنه ظن أنه نافق نفاق كفر ولذلك أطلق أنه كفر ولكن مع ذلك لا يلزم منه أن يكون عمر يرى تكفير من ارتكب معصية ولو كبرت كما يقوله المبتدعة ولكنه غلب على ظنه ذلك في حق حاطب فلما بين له النبي صلى الله عليه وسلم عذر حاطب رجع قوله أو ليس من أهل بدر في رواية الحارث أو ليس قد شهد بدرا وهو استفهام تقرير وجزم في رواية عبيد الله بن أبي رافع أنه قد شهد بدرا وزاد الحارث فقال عمر بلى ولكنه نكث وظاهر أعداءك عليك قوله وما يدريك لعل الله اطلع تقدم في فضل من شهد بدرا رواية من رواه بالجزم والبحث في ذلك وفي معنى قوله اعملوا ما شئتم ومما يؤيد أن المراد أن ذنوبهم تقع مغفورة حتى لو تركوا فرضا مثلا لم يؤاخذوا بذلك ما وقع في حديث سهل بن الحنظلية في قصة الذي حرس ليلة حنين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل نزلت قال لا إلا لقضاء حاجة قال لا عليك أن لا تعمل بعدها وهذا يوافق ما فهمه أبو عبد الرحمن السلمي ويؤيده قول علي فيمن قتل الحرورية لو أخبرتكم بما قضى الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمن قتلهم لنكلتم عن العمل وقد تقدم بيانه فهذا فيه إشعار بأن من باشر بعض الأعمال الصالحة يثاب من جزيل الثواب بما يقاوم الآثام الحاصلة من ترك الفرائض الكثيرة وقد تعقب بن بطال على أبي عبد الرحمن السلمي فقال هذا الذي قاله ظنا منه لأن عليا على مكانته من العلم والفضل والدين لا يقتل إلا من وجب عليه القتل ووجه بن الجوزي والقرطبي في المفهم قول السلمي كما تقدم وقال الكرماني يحتمل أن يكون مراده أن عليا استفاد من هذا الحديث الجزم بأنه من أهل الجنة فعرف أنه لو وقع منه خطأ في اجتهاده لم يؤاخذ به قطعا كذا قال وفيه نظر لأن المجتهد معفو عنه فيما أخطأ فيه إذا بذل فيه وسعه وله مع ذلك أجر فان أصاب فله أجران والحق أن عليا كان مصيبا في حروبه فله في كل ما اجتهد فيه من ذلك أجران فظهر أن الذي فهمه السلمي استند فيه إلى ظنه كما قال بن بطال والله أعلم ولو كان الذي فهمه السلمي صحيحا لكان علي يتجرأ على غير الدماء كالأموال والواقع أنه كان في غاية الورع وهو القائل يا صفراء ويا بيضاء غري غيري ولم ينقل عنه قط في أمر المال إلا التحري بالمهملة لا التجري بالجيم قوله فقد أوجبت لكم الجنة في رواية عبيد الله بن أبي رافع فقد غفرت لكم وكذا في حديث عمر ومثله في مغازي أبي الأسود عن عروة وكذا عند أبي عائد قوله فاغرورقت عيناه بالغين المعجمة الساكنة والراء المكررة بينهما واو ساكنة ثم قاف أي امتلأت من الدموع حتى كأنها غرقت فهو افعوعلت من الغرق ووقع في رواية الحارث عن علي ففاضت عينا عمر ويجمع على انها امتلأت ثم فاضت قوله قال أبو عبد الله هو المصنف قوله خاخ أصح يعني بمعجمتين قوله ولكن كذا قال أبو عوانة حاج أي بمهملة ثم جيم قوله وحاج تصحيف وهو موضع قلت تقدم بيانه قوله وهشيم يقول خاخ وقع للأكثر بالمعجمتين وقيل بل هو كقول أبي عوانة وبه جزم السهيلي ويؤيده أن البخاري لما أخرجه من طريقه في الجهاد عبر بقوله روضة كذا كما تقدم فلو كان بالمعجمتين لما كنى عنه ووقع في السيرة للقطب الحلبي روضة خاخ بمعجمتين وكان هشيم يروي الأخيرة منها بالجيم وكذا ذكره البخاري عن أبي عوانة انتهى وهو يوهم أن المغايرة بينها وبين الرواية المشهورة انما هو في الخاء الآخرة فقط وليس كذلك بل وقع كذلك في الأولى فعند أبي عوانة أنها بالحاء المهملة جزما وأما هشيم فالرواية عنه محتملة وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم أن المؤمن ولو بلغ بالصلاح أن يقطع له بالجنة لا يعصم من الوقوع في الذنب لأن حاطبا دخل فيمن أوجب الله لهم الجنة ووقع منه ما وقع وفيه تعقب على من تأول أن المراد بقوله اعملوا ما شئتم أنهم حفظوا من الوقوع في شيء من الذنوب وفيه الرد على من كفر المسلم بارتكاب الذنب وعلى من جزم بتخليده في النار وعلى من قطع بأنه لا بد وأن يعذب وفيه أن من وقع منه الخطأ لا ينبغي له أن يجحده بل يعترف ويعتذر لئلا يجمع بين ذنبين وفيه جواز التشديد في استخلاص الحق والتهديد بما لا يفعله المهدد تخويفا لمن يستخرج منه الحق وفيه هتك ستر الجاسوس وقد استدل به من يرى قتله من المالكية لأستئذان عمر في قتله ولم يرده النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك الا لكونه من أهل بدر ومنهم من قيده بأن يتكرر ذلك منه والمعروف عن مالك يجتهد فيه الامام وقد نقل الطحاوي الإجماع على أن الجاسوس المسلم لا يباح دمه وقال الشافعية والأكثر يعزر وإن كان من أهل الهيئات يعفى عنه وكذا قال الأوزاعي وأبو حنيفة يوجع عقوبة ويطال حبسه وفيه العفو عن زلة ذوي الهيئة وأجاب الطبري عن قصة حاطب واحتجاج من احتج بأنه انما صفح عنه لما أطلعه الله عليه من صدقه في اعتذاره فلا يكون غيره كذلك قال القرطبي وهو ظن خطأ لأن أحكام الله في عباده إنما تجري على ما ظهر منهم وقد أخبر الله تعالى نبيه عن المنافقين الذين كانوا بحضرته ولم يبح له قتلهم مع ذلك لاظهارهم الإسلام وكذلك الحكم في كل من أظهر الإسلام تجري عليه أحكام الإسلام وفيه من أعلام النبوة اطلاع الله نبيه على قصة حاطب مع المرأة كما تقدم بيانه من الروايات في ذلك وفيه إشارة الكبير على الامام بما يظهر له من الرأي العائد نفعه على المسلمين ويتخير الامام في ذلك وفيه جواز العفو عن العاصي وفيه أن العاصي لا حرمة له وقد أجمعوا على أن الأجنبية يحرم النظر إليها مؤمنة كانت أو كافرة ولولا أنها لعصيانها سقطت حرمتها ما هددها علي بتجريدها قاله بن بطال وفيه جواز غفران جميع الذنوب الجائزة الوقوع عمن شاء الله خلافا لمن أبى ذلك من أهل البدع وقد استشكلت إقامة الحد على مسطح بقذف عائشة رضي الله عنها كما تقدم مع أنه من أهل بدر فلم يسامح بما ارتكبه من الكبيرة وسومح حاطب وعلل بكونه من أهل بدر والجواب ما تقدم في باب فضل من شهد بدرا أن محل العفو عن البدري في الأمور التي لا حد فيها وفيه جواز غفران ما تأخر من الذنوب ويدل على ذلك الدعاء به في عدة أخبار وقد جمعت جزءا في الأحاديث الواردة في بيان الأعمال الموعود لعاملها بغفران ما تقدم وما تأخر سميته الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة وفيها عدة أحاديث بأسانيد جياد وفيه تأدب عمر وأنه لا ينبغي إقامة الحد والتأديب بحضرة الامام الا بعد استئذانه وفيه منقبة لعمر ولأهل بدر كلهم وفيه البكاء عند السرور ويحتمل أن يكون عمر بكى حينئذ لما لحقه من الخشوع والندم على ما قاله في حق حاطب خاتمة اشتمل كتاب استتابة المرتدين من الأحاديث المرفوعة على أحد وعشرين حديثا فيها واحد معلق والبقية موصولة المكرر منها فيه وفيما مضى سبعة عشر حديثا والأربعة خالصة وافقه مسلم على تخريجها جميعها وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم سبعة آثار بعضها موصول والله أعلم بسم الله الرحمن قوله بسم الله الرحمن الرحيم
1 ( كتاب الإكراه )
هو الزام الغير بما لا يريده وشروط الإكراه أربعة الأول أن يكون فاعله قادرا على إيقاع ما يهدد به والمأمور عاجزا عن الدفع ولو بالفرار الثاني أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك الثالث أن يكون ماهدده به فوريا فلو قال ان لم تفعل كذا ضربتك غدا لا يعد مكرها ويستثنى ما إذا ذكر زمنا قريبا جدا أو جرت العادة بأنه لايخلف الرابع أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره كمن أكره على الزنا فأولج وأمكنه أن ينزع ويقول أنزلت فيتمادى حتى ينزل وكمن قيل له طلق ثلاثا فطلق واحدة وكذا عكسه ولا فرق بين الإكراه على القول والفعل عند الجمهور ويستثنى من الفعل ما هو محرم على التأبيد كقتل النفس بغير حق واختلف في المكره هل يكلف بترك فعل ما أكره عليه أو لا فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي انعقد الإجماع على أن المكره على القتل مأمور باجتناب القتل والدفع عن نفسه وأنه يأثم ان قتل من أكره على قتله وذلك يدل انه مكلف حالة الإكراه وكذا وقع في كلام الغزالي وغيره ومقتضى كلامهم تخصيص الخلاف بما إذا وافق داعية الإكراه داعية الشرع كالإكراه على قتل الكافر وإكراهه على الإسلام أما ما خالف فيه داعية الإكراه داعية الشرع كالإكراه على القتل فلا خلاف في جواز التكليف به وانما جرى الخلاف في تكليف الملجأ وهو من لا يجد مندوحة عن الفعل كمن ألقى من شاهق وعقله ثابت فسقط على شخص فقتله فإنه لا مندوحة له عن السقوط ولا اختيار له في عدمه وانما هو آلة محضة ولا نزاع في أنه غير مكلف إلا ما أشار إليه الآمدي من التفريع على تكليف ما لا يطاق وقد جرى الخلاف في تكليف الغافل كالنائم والناسي وهو أبعد من الملجأ لأنه لا شعور له أصلا وانما قال الفقهاء بتكليفه على معنى ثبوت الفعل في ذمته أو من جهة ربط الأحكام بالأسباب وقال القفال انما شرع سجود السهو ووجبت الكفارة على المخطئ لكون الفعل في نفسه منهيا من حيث هو لا أن الغافل نهى عنه حالة الغفلة إذ لا يمكنه التحفظ عنه واختلف فيما يهدد به فاتفقوا على القتل وإتلاف العضو والضرب الشديد والحبس الطويل واختلفوا في يسير الضرب والحبس كيوم أو يومين قوله وقول الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وساق إلى عظيم وهو وعيد شديد لمن ارتد مختارا وأما من أكره على ذلك فهو معذور بالآية لأن الاستثناء من الاثبات نفي فيقتضي أن لا يدخل الذي أكره على الكفر تحت الوعيد والمشهور أن الآية المذكورة نزلت في عمار بن ياسر كما جاء من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال اخذ المشركون عمارا فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكى ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له كيف تجد قلبك قال مطمئنا بالإيمان قال فان عادوا فعد وهو مرسل ورجاله ثقات أخرجه الطبري وقبله عبد الرزاق وعنه عبد بن حميد وأخرجه البيهقي من هذا الوجه فزاد في السند فقال عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه وهو مرسل أيضا وأخرج الطبري من طريق عطية العوفي عن بن عباس نحوه مطولا وفي سنده ضعف وفيه أن المشركين عذبوا عمارا وأباه وأمه وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما مولى أبي حذيفة فمات ياسر وامرأته في العذاب وصبر الآخرون وفي رواية مجاهد عن بن عباس عند بن المنذر أن الصحابة لما هاجروا إلى المدينة أخذ المشركون خبابا وبلالا وعمارا فأطاعهم عمار وأبى الآخران فعذبوهما وأخرجه الفاكهي من مرسل زيد بن أسلم وان ذلك وقع من عمار عند بيعة الأنصار في العقبة وان الكفار أخذوا عمارا فسألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم فجحدهم خبره فأرادوا أن يعذبوه فقال هو يكفر بمحمد وبما جاء به فأعجبهم وأطلقوه فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه وفي سنده ضعف أيضا وأخرج عبد بن حميد من طريق بن سيرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عمار بن ياسر وهو يبكي فجعل يمسح الدموع عنه ويقول أخذك المشركون فغطوك في الماء حتى قلت لهم كذا إن عادوا فعد ورجاله ثقات مع إرساله أيضا وهذه المراسيل تقوي بعضها ببعض وقد أخرج بن أبي حاتم من طريق مسلم الأعور وهو ضعيف عن مجاهد عن بن عباس قال عذب المشركون عمارا حتى قال لهم كلاما تقية فاشتد عليه الحديث وقد أخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان قال أخبر الله أن من كفر بعد ايمانه فعليه غضب من الله وأما من أكره بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه فلا حرج عليه أن الله انما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم قلت وعلى هذا فالاستثناء مقدم من قوله فعليهم غضب كأنه قيل فعليهم غضب من الله إلا من أكره لأن الكفر يكون بالقول والفعل من غير اعتقاد وقد يكون باعتقاد فاستثنى الأول وهو المكره قوله وقال إلا أن تتقوا منهم تقاة وهي تقية أخذه من كلام أبي عبيدة قال تقاة وتقية واحد قلت وقد تقدم ذلك في تفسير آل عمران ومعنى الآية لا يتخذ المؤمن الكافر وليا في الباطن ولا في الظاهر إلا للتقية في الظاهر فيجوز أن يواليه إذا خافه ويعاديه باطنا قيل الحكمة في العدول عن الخطاب أن موالاة الكفار لما كانت مستقبحة لم يواجه الله المؤمنين بالخطاب قلت ويظهر لي أن الحكمة فيه أنه لما تقدم الخطاب في قوله لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم كأنهم أخذوا بعمومه حتى أنكروا على من كان له عذر في ذلك فنزلت هذه الآية رخصة في ذلك وهو كالآيات الصريحة في الزجر عن الكفر بعد الإيمان ثم رخص فيه لمن أكره على ذلك قوله وقال ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض إلى قوله عفوا غفورا وقال والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا هكذا في رواية أبي ذر وهو صواب وانما أوردته بلفظه للتنبيه على ما وقع من الاختلاف عند الشراح ووقع في رواية كريمة والأصيلي والقابسي أن الذين توفاهم فساق إلى قوله في الأرض وقال بعدها إلى قوله واجعل لنا من لدنك نصيرا وفيه تغيير ووقع في رواية النسفي إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم الآيات قال ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله إلى قوله نصيرا وهو صواب وان كانت الآيات الأولى متراخية في السورة عن الآية الأخيرة فليس فيه شيء من التغيير وانما صدر بالآيات المتراخية للأشارة إلى ما روى عن مجاهد أنها نزلت في ناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم من المدينة فانا لا نراكم منا إلا إن هاجرتم فخرجوا فأدركهم أهلهم بالطريق ففتنوهم حتى كفروا مكرهين وأقتصر بن بطال على هذا الأخير وعزاه للمفسرين وقال بن بطال ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم إلى أن يعفو عنهم وقال إلا المستضعفين إلى الظالم أهلها قلت وليس فيه تغيير من التلاوة إلا أن فيه تصرفا فيما ساقه المصنف وقال بن التين بعد ان تكلم على قصة عمار إلى أن قال ولكن من شرح بالكفر صدرا أي من فتح صدره لقبوله وقوله الذين توفاهم الملائكة إلى قوله واجعل لنا من لدنك نصيرا ليس التلاوة كذلك لأن قوله اجعل لنا من لدنك نصيرا قبل هذا قال ووقع في بعض النسخ إلى قوله غفورا رحيما وفي بعضها فاولئك عسى الله أن يعفو عنهم وقال إلا المستضعفين من الرجال إلى قوله من لدنك نصيرا وهذا على نسق التنزيل كذا قال فأخطأ فالآية التي آخرها نصيرا في أولها والمستضعفين بالواو لا بلفظ إلا وما نقله عن بعض النسخ إلى قوله غفورا رحيما محتمل لأن آخر الآية التي أولها ان الذين توفاهم الملائكة قوله وساءت مصيرا وآخر التي بعدها سبيلا وآخر التي بعدها عفوا غفورا وآخر التي بعدها غفورا رحيما فكأنه أراد سياق أربع آيات قوله فعذر الله المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر الله به يعني إلا إذا غلبوا قال والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمره به أي ما يأمره به من له قدره على إيقاع الشر به أي لأنه لا يقدر على الامتناع من الترك كما لا يقدر المكره على الامتناع من الفعل فهو في حكم المكره قوله وقال الحسن أي البصري التقية إلى يوم القيامة وصله عبد بن حميد وبن أبي شيبة من رواية عوف الأعرابي عن الحسن البصري قال التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلا أنه كان لا يجعل في القتل تقية ولفظ عبد بن حميد إلا في قتل النفس التي حرم الله يعني لا يعذر من أكره على قتل غيره لكونه يؤثر نفسه على نفس غيره قلت ومعنى التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير وأصله وقية بوزن حمزة فعلة من الوقاية وأخرج البيهقي من طريق بن جريج عن عطاء عن بن عباس قال التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان ولا يبسط يده للقتل قوله وقال بن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق ليس بشيء وبه قال بن عمر وبن الزبير والشعبي والحسن أما قول بن عباس فوصله بن أبي شيبة من طريق عكرمة أنه سئل عن رجل أكرهه اللصوص حتى طلق امرأته فقال قال بن عباس ليس بشيء أي لا يقع عليه الطلاق وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن عكرمة عن بن عباس أنه كان لا يرى طلاق المكره شيئا وأما قول بن عمر وبن الزبير فأخرجهما الحميدي في جامعه والبيهقي من طريقه قال حدثنا سفيان سمعت عمرا يعني بن دينار حدثني ثابت الأعرج قال تزوجت أم ولد عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فدعاني ابنه ودعا غلامين له فربطوني وضربوني بالسياط وقال لتطلقها أو لأفعلن وأفعلن فطلقتها ثم سألت بن عمر وبن الزبير فلم يرياه شيئا وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن ثابت الأعرج نحوه وأما قول الشعبي فوصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه قال إن أكرهه اللصوص فليس بطلاق وإن أكرهه السلطان وقع ونقل عن بن عيينة توجيهه وهو أن اللص يقدم على قتله والسلطان لا يقتله وأما قول الحسن فقال سعيد بن منصور حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن الحسن أنه كان لا يرى طلاق المكره شيئا وهذا سند صحيح إلى الحسن قال بن بطال تبعا لابن المنذر أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أنه لا يحكم عليه بالكفر ولا تبين منه زوجته إلا محمد بن الحسن فقال إذا أظهر الكفر صار مرتدا وبانت منه امرأته ولو كان في الباطن مسلما قال وهذا قول تغني حكايته عن الرد عليه لمخالفته النصوص وقال قوم محل الرخصة في القول دون الفعل كأن يسجد للصنم أو يقتل مسلما أو يأكل الخنزير أو يزني وهو قول الأوزاعي وسحنون وأخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح عن الحسن أنه لا يجعل التقية في قتل النفس المحرمة وقالت طائفة الإكراه في القول والفعل سواء واختلف في حد الإكراه فأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن عمر قال ليس الرجل بأمين على نفسه إذا سجن أو أوثق أو عذب ومن طريق شريح نحوه وزيادة ولفظه أربع كلهن كره السجن والضرب والوعيد والقيد وعن بن مسعود قال ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلما به وهو قول الجمهور وعند الكوفيين فيه تفصيل واختلفوا في طلاق المكره فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع ونقل فيه بن بطال إجماع الصحابة وعن الكوفيين يقع ونقل مثله عن الزهري وقتادة وأبي قلابة وفيه قول ثالث تقدم عن الشعبي قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنية هذا طرف من حديث وصله المصنف في كتاب الأيمان بفتح الهمزة ولفظه الأعمال بالنية هكذا وقع فيه بدون انما في أوله وافراد النية وقد تقدم شرحه مستوفى في أول حديث في الصحيح ويأتي ما يتعلق بالإكراه في أول ترك الحيل قريبا وكأن البخاري أشار بإيراده هنا إلى الرد على من فرق في الإكراه بين القول والفعل لأن العمل فعل وإذا كان لا يعتبر إلا بالنية كما دل عليه الحديث فالمكره لا نية له بل نيته عدم الفعل الذي أكره عليه واحتج بعض المالكية بأن التفصيل يشبه ما نزل في القرآن لأن الذين أكرهوا إنما هو على الكلام فيما بينهم وبين ربهم فلما لم يكونوا معتقدين له جعل كأنه لم يكن ولم يؤثر في بدن ولا مال بخلاف الفعل فأنه يؤثر في البدن والمال هذا معنى ما حكاه بن بطال عن إسماعيل القاضي وتعقبه بن المنير بأنهم أكرهوا على النطق بالكفر وعلى مخالطة المشركين ومعاونتهم وترك ما يخالف ذلك والتروك أفعال على الصحيح ولم يؤاخذوا بشيء من ذلك واستثنى المعظم قتل النفس فلا يسقط القصاص عن القاتل ولو أكره لأنه آثر نفسه على نفس المقتول ولا يجوز لأحد أن ينجي نفسه من القتل بأن يقتل غيره ثم ذكر حديث أبي هريرة
6541 أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة تقدم في تفسير سورة النساء من وجه آخر عن أبي سلمة بمثل هذا الحديث وزاد أنها صلاة العشاء وفي كتاب الصلاة من طريق شعيب عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة الحديث وفيه قال أبو هريرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد يدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم فذكر مثل حديث الباب وزاد وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له وفي الأدب من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال لما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركوع قال فذكره وقد تقدم بيان المستضعفين في سورة النساء والتعريف بالثلاثة المذكورين هنا في تفسير آل عمران وما يتعلق بمشروعية القنوت في النازلة ومحله في كتاب الوتر ولله الحمد وقوله والمستضعفين هو من ذكر العام بعد الخاص وتعلق الحديث بالاكراه لأنهم كانوا مكرهين على الإقامة مع المشركين لأن المستضعف لا يكون إلا مكرها كما تقدم ويستفاد منه أن الإكراه على الكفر لو كان كفرا لما دعا لهم وسماهم مؤمنين 1 ( قوله باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر ) تقدمت الإشارة إلى ذلك في الباب الذي قبله وان بلالا كان ممن اختار الضرب والهوان على التلفظ بالكفر وكذلك خباب المذكور في هذا الباب ومن ذكر معه وأن والدي عمار ماتا تحت العذاب ولما لم يكن ذلك على شرط الصحة اكتفى المصنف بما يدل عليه وذكر فيه ثلاثة أحاديث الحديث الأول حديث 6542 ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان الحديث وقد تقدم شرحه في كتاب الإيمان في أوائل الصحيح ووجه أخذ الترجمة منه أنه سوى بين كراهية الكفر وكراهية دخول النار والقتل والضرب والهوان أسهل عند المؤمن من دخول النار فيكون أسهل من الكفر إن اختار الأخذ بالشدة ذكره بن بطال وقال أيضا فيه حجة لأصحاب مالك وتعقبه بن التين بأن العلماء متفقون على اختيار القتل على الكفر وانما يكون حجة على من يقول إن التلفظ بالكفر أولى من الصبر على القتل ونقل عن المهلب أن قوما منعوا من ذلك واحتجوا بقوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم الآية ولا حجة فيه لأنه قال تلو الآية المذكورة ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فقيده بذلك وليس من أهلك نفسه في طاعة الله ظالما ولا معتديا وقد أجمعوا على جواز تقحم المهالك في الجهاد انتهى وهذا يقدح في نقل بن التين الاتفاق المذكور وان ثم من قال بأولوية التلفظ على بذل النفس للقتل وإن كان قائل ذلك يعمم فليس بشيء وأن قيده بما لو عرض ما يرجح المفضول كما لو عرض على من إذا تلفظ به نفع متعد ظاهرا فيتجه الحديث الثاني 6543 قوله عباد هو بن أبي العوام فيما جزم به أبو مسعود وإسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم وسعيد بن زيد أي بن عمرو بن نفيل وهو بن بن عم عمر بن الخطاب بن تفيل وقد تقدم حديثه في باب إسلام سعيد بن زيد من السيرة النبوية وهو ظاهر فيما ترجم له لأن سعيدا وزوجته أخت عمر اختارا الهوان على الكفر وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة وقال الكرماني هي مأخوذة من كون عثمان اختار القتل على ما يرضى قاتليه فيكون اختياره القتل على الكفر بطريق الأولى واسم زوجته فاطمة بنت الخطاب وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة فيما يقال وقيل سبقتها أم الفضل زوج العباس الحديث الثالث
6544 قوله يحيى هو القطان وإسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم أيضا وخباب بفتح الخاء المعجمة وموحدتين الأولى مشددة بينهما ألف وقد تقدم شرحه مستوفى في باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين بمكة من السيرة النبوية ودخوله في الترجمة من جهة أن طلب خباب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على الكفار دال على أنهم كانوا قد اعتدوا عليهم بالأذى ظلما وعدوانا قال بن بطال انما لم يجب النبي صلى الله عليه وسلم سؤال خباب ومن معه بالدعاء على الكفار مع قوله تعالى ادعوني استجب لكم وقوله فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا لأنه علم أنه قد سبق القدر بما جرى عليهم من البلوى ليؤجروا عليها كما جرت به عادة الله تعالى في من اتبع الأنبياء فصبروا على الشدة في ذات الله ثم كانت لهم العاقبة بالنصر وجزيل الأجر قال فأما غير الأنبياء فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلة لأنهم لم يطلعوا على ما اطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم انتهى ملخصا وليس في الحديث تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لم يدع لهم بل يحتمل أنه دعا وانما قال قد كان من قبلكم يؤخذ الخ تسلية لهم واشارة إلى الصبر حتى تتقضي المدة المقدورة والى ذلك الإشارة بقوله في آخر الحديث ولكنكم تستعجلون وقوله في الحديث بالمنشار بنون ساكنة ثم شين معجمة معروف وفي نسخة بياء مثناة من تحت بغير همزة بدل النون وهي لغة فيه وقوله من دون لحمه وعظمه وللأكثر ما بدل من وقوله هو الأمر أي الإسلام وتقدم المراد بصنعاء في شرح الحديث قال بن بطال أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة وأما غير الكفر فان أكره على أكل الخنزير وشرب الخمر مثلا فالفعل أولى وقال بعض المالكية بل يأثم ان منع من أكل غيرها فإنه يصير كالمضطر على أكل الميتة إذا خاف على نفسه الموت فلم يأكل 1 ( قوله باب في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره ) قال الخطابي استدل أبو عبد الله يعني البخاري بحديث أبي هريرة يعني المذكور في الباب على جواز بيع المكره والحديث ببيع المضطر أشبه فان المكره على البيع هو الذي يحمل على بيع الشيء شاء أو أبى واليهود لو لم يبيعوا أرضهم لم يلزموا بذلك ولكنهم شحوا على أموالهم فاختاروا بيعها فصاروا كأنهم اضطروا إلى بيعها كمن رهقه دين فاضطر إلى بيع ماله فيكون جائزا ولو أكره عليه لم يجز قلت لم يقتصر البخاري في الترجمة على المكره وانما قال بيع المكره ونحوه في الحق فدخل في ترجمته المضطر وكأنه أشار إلى الرد على من لا يصحح بيع المضطر وقوله في أخر كلامه ولو أكره عليه لم يجز مردود لأنه إكراه بحق كذا تعقبه الكرماني وتوجيه كلام الخطابي أنه فرض كلامه في المضطر من حيث هو ولم يرد خصوص قصة اليهود وقال بن المنير ترجم بالحق وغيره ولم يذكر الا الشق الأول ويجاب بأن مراده بالحق الدين وبغيره ما عداه مما يكون بيعه لازما لأن اليهود أكرهوا على بيع أموالهم لا لدين عليهم وأجاب الكرماني بأن المراد بالحق الجلاء وبقوله وغيره الجنايات والمراد بقوله الحق الماليات وبقوله غيره الجلاء قلت ويحتمل أن يكون المراد بقوله وغيره الدين فيكون من الخاص بعد العام وإذا صح البيع في الصورة المذكورة وهو سبب غير مالي فالبيع في الدين وهو سبب مالي أولى ثم ذكر حديث أبي هريرة في إخراج اليهود من المدينة وقد تقدم في الجزية في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب وبينت فيه أن اليهود المذكورين لم يسموا ولم ينسبوا وقد أورد مسلم حديث بن عمر في إجلاء بني النضير ثم عقبه بحديث أبي هريرة فأوهم أن اليهود المذكورين في حديث أبي هريرة هم بنو النضير وفيه نظر لأن أبا هريرة انما جاء بعد فتح خيبر وكان فتحها بعد إجلاء بني النضير وبني قينقاع وقيل بني قريظة وقد تقدمت قصة بني النضير في المغازي قبل قصة بدر وتقدم قول بن إسحاق انها كانت بعد بئر معونة وعلى الحالين فهي قبل مجيء أبي هريرة وسياق اخراجهم مخالف لسياق هذه القصة فأنهم لم يكونوا داخل المدينة ولا جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا ليستعين بهم في دية رجلين قتلهما عمرو بن أمية من حلفائهم فأرادوا الغدر به فرجع إلى المدينة وأرسل إليهم يخيرهم بين الإسلام وبين الخروج فأبوا فحاصرهم فرضوا بالجلاء وفيهم نزل أول سورة الحشر فيحتمل أن يكون من ذكر في حديث أبي هريرة بقية منهم أو من بني قريظة كانوا سكانا داخل المدينة فاستمروا فيها على حكم أهل الذمة حتى أجلاهم بعد فتح خيبر ويحتمل أن يكونوا من أهل خيبر لأنها لما فتحت أقر أهلها على أن يزرعوا فيها ويعملوا فيها ببعض ما يخرج منها فاستمروا بها حتى أجلاهم عمر من خيبر كما تقدم بيانه في المغازي فيحتمل أن يكون هؤلاء طائفة منهم كانوا يسكنون بالمدينة فأخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم وأوصى عند موته أن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب ففعل ذلك عمر
6545 قوله بيت المدراس بكسر الميم وأخره مهملة مفعال من الدرس والمراد به كبير اليهود ونسب البيت إليه لأنه هو الذي كان صاحب دراسة كتبهم أي قراءتها ووقع في بعض الطرق حتى إذا أتى المدينة المدارس ففسره في المطالع بالبيت الذي تقرأ فيه التوراة ووجهه الكرماني بأن إضافة البيت إليه من إضافة العام إلى الخاص مثل شجر أراك وقال في النهاية مفعال غريب في المكان والمعروف انه من صيغ المبالغة للرجل قلت والصواب أنه على حذف الموصوف والمراد الرجل وقد وقع في الرواية الماضية في الجزية حتى جئنا بيت المدارس بتأخير الراء عن الألف بصيغة المفاعل وهو من يدرس الكتاب ويعلمه غيره وفي حديث الرجم فوضع مدارسها الذي يدرسها يده على آية الرجم وفسر هناك بأنه بن صوريا فيحتمل أن يكون هو المراد هنا قوله فقام النبي صلى الله عليه وسلم فناداهم في رواية الكشميهني فنادى قوله ذلك أريد أي بقولي أسلموا أي إن اعترفتم انني بلغتكم سقط عني الحرج قوله اعلموا أن الأرض في رواية الكشميهني انما الأرض في الموضعين وقوله لله ورسوله قال الداودي لله افتتاح كلام ولرسوله حقيقة لأنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب كذا قال والظاهر ما قال غيره أن المراد أن الحكم لله في ذلك ولرسوله لكونه المبلغ عنه القائم بتنفيذ أوامره قوله أجليكم بضم أوله وسكون الجيم أي أخرجكم وزنه ومعناه قوله فمن وجد كذا هنا بلفظ الفعل الماضي بماله شيئا الباء متعلقة بشيء محذوف أو ضمن وجد معنى نحل فعداه بالباء أو وجد من الوجدان والباء سببية أي فمن وجد بماله شيئا من المحبة وقال الكرماني الباء هنا للمقابلة فجعل وجد من الوجدان 1 ( 1 ( قوله باب لا يجوز نكاح المكره ) المكره بفتح الراء قوله ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إلى قوله غفور رحيم كذا لأبي ذر والإسماعيلي وزاد القابسي لفظ اكراههن وعند النسفي الآية بدل قوله الخ وكذا للجرجاني وساق في رواية كريمة الآية كلها والفتيات بفتح الفاء والتاء جمع فتاة والمراد بها الأمة وكذا الخادم ولو كانت حرة وحكمة التقييد بقوله إن أردن تحصنا أن الإكراه لايتأتى الا مع إرادة التحصن لان المطيعة لا تسمى مكرهة فالتقدير فتياتكم اللاتى جرت عادتهن بالبغاء وخفي هذا على بعض المفسرين فجعل إن أردن تحصنا متعلقا بقوله فيما قبل ذلك وأنكحوا الايامى منكم وسيأتى بقية الكلام على هذه الآية بعد بابين وقد استشكل بعضهم مناسبة الآية للترجمة وجوز أنه أشار إلى أنه يستفاد مطلوب الترجمة بطريق الأولى لأنه إذا نهى عن الإكراه فيما لا يحل فالنهى عن الإكراه فيما يحل أولى قال بن بطال ذهب الجمهور إلى بطلان نكاح المكره وأجازه الكوفيون قالوا فلو أكره رجل على تزويج امرأة بعشرة آلاف وكان صداق مثلها الفا صح النكاح ولزمته الالف وبطل الزائد قال فلما أبطلوا الزائد بالاكراه كان أصل النكاح بالاكراه أيضا باطلا فلو كان راضيا بالنكاح وأكره على المهر كانت المسألة اتفاقية يصح العقد ويلزم المسمى بالدخول ولو أكره على النكاح والوطء لم يحد ولم يلزمه شيء وان وطىء مختارا غير راض بالعقد حد ثم ذكر في الباب حديثين أحدهما حديث خنساء بفتح المعجمة وسكون النون بعدها مهملة ومد بنت خدام بكسر المعجمة وتخفيف المهملة وجارية جد الراويين عنها بجيم وياء مثناة من تحت وقد تقدم شرحه في كتاب النكاح وأنها كانت غير بكر وذكر ما ورد فيه من الاختلاف ثانيهما
6547 قوله حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان الظاهر أنه الفريابي وشيخه الثوري ويحتمل أن يكون البيكندي وشيخه بن عيينة فان كلا من السفيانين معروف بالرواية عن بن جريج لكن هذا الحديث انما هو عن الفريابي كما جزم به أبو نعيم والفريابي إذا اطلق سفيان أراد الثوري وإذا أراد بن عيينة نسبه قوله ذكوان يعني مولى عائشة قوله قلت يا رسول الله يستأمر النساء في أبضاعهن قال نعم في رواية حجاج بن محمد وأبو عاصم عن بن جرير سمعت بن أبي مليكة يقول قال ذكوان سمعت عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجارية ينكحها أهلها هل تستأمر أم لا فقال نعم تستأمر وفيه تقوية لمضمون الحديث الذي قبله وارشاد إلى السلامة من إبطال العقد وقوله سكاتها هو لغة في السكوت ووقع عند الإسماعيلي من رواية الذهلي وأحمد عن يوسف عن الفريابي بلفظ سكوتها وفي رواية حجاج وأبي عاصم ذلك إذنها إذا سكتت وتقدم في النكاح من طريق الليث عن بن أبي مليكة بلفظ صمتها وتقدم شرحه أيضا هناك وبيان الاختلاف في صحة انكاح الولي المجبر البكر الكبيرة وأن الصغيرة لا خلاف في صحة اجباره لها 1 ( قوله باب إذا أكره حتى وهب عبدا أو باعه لم يجز ) أي ذلك البيع والهبة والعبد باق على ملكه قوله وبه قال بعض الناس قال فان نذر المشتري فيه نذرا فهو جائز أي ماض عليه ويصح البيع الصادر مع الإكراه وكذلك الهبة قوله بزعمه أي عنده والزعم يطلق على القول كثيرا قوله وكذلك إن دبره أي ينعقد التدبير نقل بن بطال عن محمد بن سحنون قال وافق الكوفيون الجمهور على أن بيع المكره باطل وهذا يقتضي أن البيع مع الإكراه غير ناقل للملك فان سلموا ذلك بطل قولهم إن نذر المشتري وتدبيره يمنع تصرف الأول فيه وإن قالوا إنه ناقل فلم خصوا ذلك بالعتق والهبة دون غيرهما من التصرفات قال الكرماني ذكر المشايخ أن المراد بقول البخاري في هذه الأبواب بعض الناس الحنفية وغرضه أنهم تناقضوا فان بيع الإكراه ان كان ناقلا للملك إلى المشتري فإنه يصح منه جميع التصرفات فلا يختص بالنذر والتدبير وان قالوا ليس بناقل فلا يصح النذر والتدبير أيضا وحاصله أنهم صححوا النذر والتدبير بدون الملك وفيه تحكم وتخصيص بغير مخصص وقال المهلب أجمع العلماء على أن الإكراه على البيع والهبة لا يجوز معه البيع وذكر عن أبي حنيفة إن أعتقه المشتري أو دبره جاز وكذا الموهوب له وكأنه قاسه على البيع الفاسد لأنهم قالوا إن تصرف المشتري في البيع الفاسد نافذ ثم ذكر البخاري حديث جابر في بيع المدبر وقد تقدم شرحه مستوفى في العتق قال بن بطال ووجه الرد به على القول المذكور أن الذي دبره لما لم يكن له مال غيره كان تدبيره سفها من فعله فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وان كان ملكه للعبد كان صحيحا فكان من اشتراه شراء فاسدا ولم يصح له ملكه إذا دبره أو أعتقه أولى ان يرد فعله من أجل أنه لم يصح له ملكه قوله باب من الإكراه أي من جملة ما ورد في كراهية الإكراه ما تضمنته الآية وهو المذكور فيه عن بن عباس في نزول قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها وقد تقدم شرحه في تفسير سورة النساء فإنه أورده هناك عن محمد بن مقاتل عن أسباط بن محمد وهنا عن حسين بن منصور عن أسباط وحسين نيسابوري ماله في البخاري إلا هذا الموضع كذا جزم به الكلاباذي وقد تقدم شرحه في صفة النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا الحسن بن منصور أبو علي حدثنا حجاج بن محمد فذكر حديثا وذكر الخطيب أن محمد بن مخلد روى عن أبي علي هذا فسماه حسينا بالتصغير فيحتمل أن يكون هو وذكر المزي مع حسين بن منصور النيسابوري ثلاثة كل منهم حسين بن منصور وكلهم من طبقة واحدة وقوله في الترجمة كرها وكرها واحد أي بفتح أوله وبضمه بمعنى واحد وهذا قول الأكثر وقيل بالضم ما أكرهت نفسك عليه وبالفتح ما أكرهك عليه غيرك ووقع لغير أبي ذر كره وكره بالرفع فيهما وسقط للنسفي أصلا وقد تقدم في تفسير سورة النساء وقال بن بطال عن المهلب يستفاد منه أن كل من أمسك امرأته طمعا أن تموت فيرثها لا يحل له ذلك بنص القرآن كذا قال ولا يلزم من النص على أن ذلك لا يحل أن لا يصح ميراثه منها في الحكم الظاهر
1 ( قوله باب إذا استكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها ) لقوله تعالى ومن يكرههن فان الله من بعد إكراههن غفور رحيم أي لهن وقد قرئ في الشاذ فان الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم وهي قراءة بن مسعود وجابر وسعيد بن جبير ونسبت أيضا لابن عباس والمحفوظ عنه تفسيره بذلك وكذا عن جماعة غيره وجوز بعض المعربين أن يكون التقدير لهم أي لمن وقع منه الإكراه لكن إذا تاب وضعف لكون الأصل عدم التقدير وأجيب بأنه لابد من التقدير لأجل الربط واستشكل تعليق المغفرة لهن لأن التي تكره ليست آثمة وأجيب باحتمال أن يكون الإكراه المذكور كان دون ما اعتبر شرعا فربما قصرت عن الحد الذي تعذر به فيأثم فناسب تعليق المغفرة وقال البيضاوي الإكراه لا ينافي المؤاخذة قلت أو ذكر المغفرة والرحمة لا يستلزم تقدم الإثم فهو كقوله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ان الله غفور رحيم وقال الطيبي يستفاد منه الوعيد الشديد للمكرهين لهن وفي ذكر المغفرة والرحمة تعريض وتقديره انتهوا أيها المكرهون فانهن مع كونهن مكرهات قد يؤاخذن لولا رحمة الله ومغفرته فكيف بكم أنتم ومناسبتها للترجمة أن في الآية دلالة على ان لا إثم على المكرهة على الزنا فيلزم أن لا يجب عليها الحد وفي صحيح مسلم عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيلمة وأخرى يقال لها أميمة وكان يكرههما على الزنا فأنزل الله سبحانه وتعالى ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء الآية قوله وقال الليث هو بن سعد حدثني نافع هو مولى بن عمر قوله أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته يعنى الثقفية امرأة عبد الله بن عمر قوله ان عبدا من رقيق الإمارة بكسر الألف أي من مال الخليفة وهو عمر قوله وقع على وليدة من الخمس أي من مال خمس الغنيمة الذي يتعلق التصرف فيه بالإمام والمراد زنى بها قوله فاستكرهها حتى اقتضها بقاف وضاد معجمة مأخوذ من القضة وهي عذرة البكر وهذا يدل على أنها كانت بكرا قوله فجلده عمر الحد ونفاه أي جلده خمسين جلده ونفاه نصف سنة لأن حده نصف حد الحر ويستفاد منه ان عمر كان يرى أن الرقيق ينفى كالحر وقد تقدم البحث فيه في الحدود وقوله لم يجلد الوليدة لأنه استكرهها لم اقف على اسم واحد منهما وهذا الأثر وصله أبو القاسم البغوي عن العلاء بن موسى عن الليث بمثله سواء ووقع لي عاليا جدا بيني وبين صاحب الليث فيه سبعة أنفس بالسماع المتصل في أزيد من ستمائة سنة قرأته على محمد بن الحسن بن عبد الرحيم الدقاق عن أحمد بن نعمة سماعا أنبأنا أبو المنجا بن عمر أنبأنا أبو الوقت أنبأنا محمد بن عبد العزيز أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنبأنا البغوي فذكره وعند بن أبي شيبة فيه حديث مرفوع عن وائل بن حجر قال أستكرهت امرأة في الزنا فدرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها الحد وسنده ضعيف قوله وقال الزهري في الأمة البكر يفترعها بفاء وبعين مهملة أي يقتضها قوله يقيم ذلك أي الافتراع الحكم بفتحتين أي الحاكم قوله بقدر ثمنها أي على الذي اقتضها ويجلد والمعنى أن الحاكم يأخذ من المفترع دية الافتراع بنسبة قيمتها أي أرش النقص وهو التفاوت بين كونها بكرا أو ثيبا وقوله يقيم بمعنى يقوم وفائدة قوله ويجلد لدفع توهم من يظن أن العقر يغني عن الجلد قوله وليس في الأمة الثيب في قضاء الأئمة غرم بضم المعجمة أي غرامة ولكن عليها الحد ثم ذكر طرفا من حديث أبي هريرة في شأن إبراهيم وسارة مع الجبار وقد مضى شرحه مستوفى في أحاديث الأنبياء وقوله
6550 هنا الظالم تقدم هناك بلفظ الكافر وقوله غط بضم الغين المعجمة أي غم وزنه ومعناه وقيل خنق ونقل بن التين أنه روى بالعين المهملة وأخذ من العطمطة وهي حكاية صوت وتقدم الخلاف في تسمية الجبار والمراد بالقرية حران وقيل الأردن وقيل مصر وقولها ان كنت ليس للشك فتقديره إن كنت مقبولة الإيمان عندك وقوله ركض أي حرك قال بن المنير ما كان ينبغي إدخال هذا الحديث في هذه الترجمة أصلا وليس لها مناسبة للترجمة إلا سقوط الملامة عنها في الخلوة لكونها كانت مكرهة على ذلك قال الكرماني تبعا لابن بطال وجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب مع أن سارة عليها السلام كانت معصومة من كل سوء أنها لا ملامة عليها في الخلوة مكرهه فكذا غيرها لو زنى بها مكرهة لا حد عليها تكميل لم يذكروا حكم اكراه الرجل على الزنا وقد ذهب الجمهور أنه لا حد عليه وقال مالك وطائفة عليه الحد لأنه لا ينتشر إلا بلذة وسواء أكرهه سلطان أم غيره وعن أبي حنيفة يحد ان أكرهه غير السلطان وخالفه صاحباه واحتج المالكية بأن الانتشار لا يحصل إلا بالطمأنينة وسكون النفس والمكره بخلافه لأنه خائف وأجيب بالمنع وبأن الوطء يتصور بغير انتشار والله أعلم 1 ( قوله باب يمين الرجل لصاحبه أنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه ) جواب الشرط يأتي بعده قوله وكذلك كل مكره يخاف فإنه أي المسلم يذب بفتح أوله وضم الذال المعجمة أي يدفع عنه الظالم ويقاتل دونه أي عنه ولا يخذله قال بن بطال ذهب مالك والجمهور إلى أن من أكره على يمين إن لم يحلفها قتل أخوه المسلم أنه لا حنث عليه وقال الكوفيون يحنث لأنه كان له أن يوري فلما ترك التورية صار قاصدا لليمين فيحنث وأجاب الجمهور بأنه إذا أكره على اليمين فنيته مخالفة لقوله الأعمال بالنيات قوله فان قاتل دون المظلوم فلا قود عليه ولا قصاص قال الداودي أراد لا قود ولا دية عليه ولا قصاص قال والدية تسمى أرشا قلت والأولى أن قوله ولا قصاص تأكيد أو أطلق القود على الدية وقال بن بطال اختلفوا فيمن قاتل عن رجل خشي عليه أن يقتل فقتل دونه هل يجب على الآخر قصاص أو دية فقالت طائفة لا يجب عليه شيء للحديث المذكور ففيه
6551 ولا يسلمه وفي الحديث الذي بعده أنصر أخاك وبذلك قال عمر وقالت طائفة عليه القود وهو قول الكوفيين وهو يشبه قول بن القاسم وطائفة من المالكية وأجابوا عن الحديث بان فيه الندب إلى النصر وليس فيه الإذن بالقتل والمتجه قول بن بطال أن القادر على تخليص المظلوم توجه عليه دفع الظلم بكل ما يمكنه فإذا دافع عنه لا يقصد قتل الظالم وانما يقصد دفعه فلو أتى الدفع على الظالم كان دمه هدرا وحينئذ لا فرق بين دفعه عن نفسه أو عن غيره قوله وان قيل له لتشربن الخمر أو لتأكلن الميتة أو لتبيعن عبدك أو لتقر بدين أو تهب هبة أو تحل عقدة أو لتقتلن أباك أو أخاك في الإسلام وما أشبه ذلك وسعه ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم المسلم أخو المسلم قال الكرماني المراد بحل العقدة فسخها وقيد الأخ بالإسلام ليكون أعم من القريب وسعه ذلك أي جاز له جميع ذلك ليخلص أباه وأخاه وقال بن بطال ما ملخصه مراد البخاري أن من هدد بقتل والده أو بقتل أخيه في الإسلام أن لم يفعل شيئا من المعاصي أو يقر على نفسه بدين ليس عليه أو يهب شيئا لغيره بغير طيب نفس منه أو يحل عقدا كالطلاق والعتاق بغير اختياره أنه يفعل جميع ما هدد به لينجو أبوه من القتل وكذا أخوه المسلم من الظلم ودليله على ذلك ما ذكره في الباب الذي بعده موصولا ومعلقا ونبه بن التين على وهم وقع للداودي الشارح حاصله أن الداودي وهم في إيراد كلام البخاري فجعل قوله لتقتلن بالتاء وجعل قول البخاري وسعه ذلك لم يسعه ذلك ثم تعقبه بأنه إن أراد لا يسعه في قتل أبيه أو أخيه فصواب وأما الإقرار بالدين والهبة والبيع فلا يلزم واختلف في الشرب والأكل قال بن التين قرأ لتقتلن بتاء المخاطبة وانما هو بالنون قوله وقال بعض الناس لو قيل له لتشربن الخمر أو لتأكلن الميتة أو لتقتلن ابنك أو أباك أو ذا رحم محرم لم يسعه لأن هذا ليس بمضطر ثم ناقض فقال إن قيل له لتقتلن أباك أو لتبيعن هذا العبد أو لتقرن بدين أو بهبة يلزمه في القياس ولكنا نستحسن ونقول البيع والهبة وكل عقدة في ذلك باطل قال بن بطال معناه أن ظالما لو أراد قتل رجل فقال لولد الرجل مثلا ان لم تشرب الخمر أو تأكل الميتة قتلت أباك وكذا لو قال له قتلت ابنك أو ذا رحم لك ففعل لم يأثم عند الجمهور وقال أبو حنيفة يأثم لأنه ليس بمضطر لان الإكراه انما يكون فيما يتوجه إلى الإنسان في خاصة نفسه لا في غيره وليس له أن يعصي الله حتى يدفع عن غيره بل الله سائل الظالم ولا يؤاخذ الابن لأنه لم يقدر على الدفع الا بارتكاب ما لا يحل له ارتكابه قال ونظيره في القياس ما لو قال ان لم تبع عبدك أو تقر بدين أو تهب هبة أن كل ذلك ينعقد كما لا يجوز له أن يرتكب المعصية في الدفع عن غيره ثم ناقض هذا المعنى فقال ولكنا نستحسن ونقول البيع وغيره من العقود كل ذلك باطل فخالف قياس قوله بالاستحسان الذي ذكره فلذلك قال البخاري بعده فرقوا بين كل ذي رحم محرم وغيره بغير كتاب ولا سنة يعني أن مذهب الحنفية في ذي رحم بخلاف مذهبهم في الأجنبي فلو قيل لرجل لتقتلن هذا الرجل الأجنبي أو لتبيعن كذا ففعل لينجيه من القتل لزمه البيع ولو قيل له ذلك في ذي رحمه لم يلزمه ما عقده والحاصل أن أصل أبي حنيفة اللزوم في الجميع قياسا لكن يستثنى من له منه رحم استحسانا ورأى البخاري أن لا فرق بين القريب والاجنبي في ذلك لحديث المسلم أخو المسلم فإن المراد به أخوة الإسلام لا النسب ولذلك استشهد بقول إبراهيم هذه أختي والمراد أخوة الإسلام والا فنكاح الأخت كان حراما في ملة إبراهيم وهذه الأخوة توجب حماية أخيه المسلم والدفع عنه فلا يلزمه ما عقده ولا إثم عليه فيما يأكل ويشرب للدفع عنه فهو كما لو قيل له لتفعلن كذا أو لنقتلنك فإنه يسعه اتيانها ولا يلزمه الحكم ولا يقع عليه الإثم وقال الكرماني يحتمل أن يقرر البحث المذكور بأن يقال إنه ليس بمضطر لأنه مخير في أمور متعددة والتخيير ينافي الإكراه فكما لا اكراه في الصورة الأولى وهي الأكل والشرب والقتل كذلك لا إكراه في الصورة الثانية وهو البيع والهبة والعتق فحيث قالوا ببطلان البيع استحسانا فقد ناقضوا إذ يلزم منه القول بالإكراه وقد قالوا بعدم الإكراه قلت ولقائل أن يقول بعدم الإكراه أصلا وانما أثبتوه بطريق القياس في الجميع لكن استحسنوا في أمر المحرم لمعنى قام به وقوله في أول التقرير في أمور متعددة ليس كذلك بل الذي يظهر أن أو فيه للتنويع لا للتخيير وأنها أمثلة لا مثال واحد ثم قال الكرماني وقوله أي البخاري ان تفريقهم بين المحرم وغيره شيء قالوه لا يدل عليه كتاب ولا سنة أي ليس فيهما ما يدل على الفرق بينهما في باب الإكراه وهو أيضا كلام استحساني قال وأمثال هذه المباحث غير مناسبة لوضع هذا الكتاب إذ هو خارج عن فنه قلت وهو عجب منه لأن كتاب البخاري كما تقدم تقريره لم يقصد به إيراد الأحاديث نقلا صرفا بل ظاهر وضعه أنه يجعل كتابا جامعا للاحكام وغيرها وفقهه في تراجمه فلذلك يورد فيه كثيرا الاختلاف العالي ويرجح أحيانا ويسكت أحيانا توقفا عن الجزم بالحكم ويورد كثيرا من التفاسير ويشير فيه إلى كثير من العلل وترجيح بعض الطرق على بعض فإذا أورد فيه شيئا من المباحث لم تستغرب وأما رمزه إلى أن طريقة البحث ليست من فنه فتلك شكاة ظاهر عنك عارها فللبخاري أسوة بالأئمة الذين سلك طريقهم كالشافعي وأبي ثور والحميدي وأحمد وإسحاق فهذه طريقتهم في البحث وهي محصلة للمقصود وان لم يعرجوا على اصطلاح المتأخرين قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم قال إبراهيم لامرأته في رواية الكشميهني لسارة قوله هذه أختي وذلك في الله هذا طرف من قصة إبراهيم وسارة مع الجبار وقد وصله في أحاديث الأنبياء وليس فيه وذلك في الله بل تقدم هناك اثنتان منهما في ذات الله قوله اني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا ومفهومه أن الثالثة وهي قوله هذه أختي ليست في ذات الله فعلى هذا فقوله وذلك في الله من كلام البخاري ولا مخالفة بينه وبين مفهوم الحديث المذكور لأن المراد أنهما من جهة محض الأمر الإلهي بخلاف الثالثة فان فيها شائبة نفع وحظ له ولا ينفي أن يكون في الله أي من أجل توصله بذلك إلى السلامة مما أراده الجبار منها أو منه قوله وقال النخعي إذا كان المستحلف ظالما فنية الحالف وان كان مظلوما فنية المستحلف وصله محمد بن الحسن في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عنه بلفظ إذا استحلف الرجل وهو مظلوم فاليمين على ما نوى وعلى ما ورى وإذا كان ظالما فاليمين على نية من استحلفه ووصله بن أبي شيبة من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي بلفظ إذا كان الحالف مظلوما فله أن يوري وان كان ظالما فليس له أن يورى قال بن بطال قول النخعي يدل على أن النية عنده نية المظلوم أبدا والى مثله ذهب مالك والجمهور وعند أبي حنيفة النية نية الحالف أبدا قلت ومذهب الشافعي أن الحلف إن كان عند الحاكم فالنية نية الحاكم وهي راجعة إلى نية صاحب الحق وإن كان في غير الحكم فالنية نية الحالف قال بن بطال ويتصور كون المستحلف مظلوما أن يكون له حق في قبل رجل فيجحده ولا بينة له فيستحلفه فتكون النية نيته لا الحالف فلا تنفعه في ذلك التورية ثم ذكر البخاري حديث بن عمر مرفوعا المسلم أخو المسلم وقد تقدم من هذا الوجه بأتم من هذا السياق في كتاب المظالم مشروحا
6552 قوله حدثني محمد بن عبد الرحيم هو البزاز بمعجمتين البغدادي الملقب صاعقة وهو من طبقة البخاري في أكثر شيوخه وسعيد بن سليمان من شيوخ البخاري فقد روى عنه بغير واسطة في مواضع أقربها في باب من اختار الضرب وقد أخرج البخاري حديث الباب في كتاب المظالم عن عثمان بن أبي شيبة عن هشيم فنزل فيه هنا درجتين لأن سياقه هنا أتم ولمغايرة الإسناد قوله فقال رجل لم أقف على اسمه ووقع في رواية عثمان قالوا قوله أنصره مظلوما بالمد على الاستفهام وهو استفهام تقرير ويجوز ترك المد قوله أفرايت أي أخبرني قال الكرماني في هذه الصيغة مجازان إطلاق الرؤية وإرادة الاخبار والخبر وإرادة الأمر قوله إذا كان ظالما أي كيف أنصره على ظلمه قوله تحجزه بمهملة ثم جيم ثم زاي للأكثر ولبعضهم بالراء بدل الزاي وكلاهما بمعنى المنع وفي رواية عثمان تأخذ فوق يده وهو كناية عن المنع وتقدم بيان اختلاف ألفاظه هناك ومنها أن في رواية عائشة قال إن كان مظلوما فخذ له بحقه وان كان ظالما فخذ له من نفسه أخرجه بن أبي عاصم في كتاب أدب الحكماء خاتمة اشتمل كتاب الإكراه من الأحاديث المرفوعة على خمسة عشر حديثا المعلق منها ثلاثة وسائرها موصول وهي مكررة كلها فيما مضى وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم تسعة آثار والله أعلم بسم الله الرحمن الرحيم قوله بسم الله الرحمن الرحيم 1 ( كتاب الحيل ) جمع حيلة وهي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي وهي عند العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها فان توصل بها بطريق مباح إلى ابطال حق أو اثبات باطل فهي حرام أو إلى اثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة وان توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي مستحبة أو مباحة أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة ووقع الخلاف بين الأئمة في القسم الأول هل يصح مطلقا وينفذ ظاهرا وباطنا أو يبطل مطلقا أو يصح مع الإثم ولمن أجازها مطلقا أو أبطلها مطلقا أدلة كثيرة فمن الأول قوله تعالى وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث وقد عمل به النبي صلى الله عليه وسلم في حق الضعيف الذي زنى وهو من حديث أبي أمامة بن سهل في السنن ومنه قوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا وفي الحيل مخارج من المضايق ومنه مشروعية الاستثناء فان فيه تخليصا من الحنث وكذلك الشروط كلها فان فيها سلامة من الوقوع في الحرج ومنه حديث أبي هريرة وأبي سعيد في قصة بلال بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا ومن الثاني قصة أصحاب السبت وحديث حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها وحديث النهي عن النجش وحديث لعن المحلل والمحلل له والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم هل المعتبر في صيغ العقود الفاظها أو معانيها فمن قال بالأول أجاز الحيل ثم اختلفوا فمنهم من جعلها تنفذ ظاهرا وباطنا في جميع الصور أو في بعضها ومنهم من قال تنفذ ظاهرا لا باطنا ومن قال بالثاني أبطلها ولم يجز منها إلا ما وافق فيه اللفظ المعنى الذي تدل عليه القرائن الحالية وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية لكون أبي يوسف صنف فيها كتابا لكن المعروف عنه وعن كثير من أئمتهم تقييد أعمالها بقصد الحق قال صاحب المحيط أصل الحيل قوله تعالى وخذ بيدك ضغثا الآية وضابطها إن كانت للفرار من الحرام والتباعد من الإثم فحسن وان كانت لابطال حق مسلم فلا بل هي إثم وعدوان 1 ( قوله باب ترك الحيل )
قال بن المنير أدخل البخاري الترك في الترجمة لئلا يتوهم أي من الترجمة الأولى إجازة الحيل قال وهو بخلاف ما ذكره في باب بيعة الصغير فإنه أورد فيه أنه لم يبايعه بل دعا له ومسح برأسه فلم يقل باب ترك بيعة الصغير وذلك أن بيعته لو وقعت لم يكن فيها إنكار بخلاف الحيل فان في القول بجوازها عموما إبطال حقوق وجبت واثبات حقوق لا تجب فتحرى فيها لذلك قلت وانما أطلق أولا للأشارة إلى أن من الحيل ما يشرع فلا يترك مطلقا قوله وإن لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيرها في رواية الكشميهني وغيره وجعل الضمير مذكرا على إرادة اليمين المستفاد من صيغة الجمع وقوله في الأيمان وغيرها من تفقه المصنف لا من الحديث قال بن المنير اتسع البخاري في الاستنباط والمشهور عند النظار حمل الحديث على العبادات فحمله البخاري عليها وعلى المعاملات وتبع مالكا في القول بسد الذرائع واعتبار المقاصد فلو فسد اللفظ وصح القصد ألغي اللفظ وأعمل القصد تصحيحا وإبطالا قال والاستدلال بهذا الحديث على سد الذرائع وإبطال التحيل من أقوى الأدلة ووجه التعميم أن المحذوف المقدر الاعتبار فمعنى الاعتبار في العبادات إجزاؤها وبيان مراتبها وفي المعاملات وكذلك الإيمان الرد إلى القصد وقد تقدم في باب ما جاء أن الأعمال بالنية من كتاب الإيمان في أوائل الكتاب تصريح البخاري بدخول الاحكام كلها في هذا الحديث ونقلت هناك كلام بن المنير في ضابط ذلك
6553 قوله حدثنا محمد بن إبراهيم هو التيمي وقد صرح بتحديث علقمة شيخه في هذا الحديث له في أول بدء الوحي سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يا أيها الناس وفيه إشعار بأنه خطب به وقوله يخطب تقدم في بدء الوحي أن عمر قاله على المنبر قوله إنما الأعمال بالنية تقدم في بدء الوحي بلفظ بالنيات وفي كتاب الإيمان بلفظ الأعمال بالنية كما هنا مع حذف انما من أوله قوله وانما لامرئ ما نوى تقدم في بدء الوحي بلفظ وانما لكل امرئ ما نوى وهو الذي علقه في أول الباب وتقدم البحث في أن مفهومه ان من لم ينو شيئا لم يحصل له وقد أورد عليه من نوى الحج عن غيره وكان لم يحج فأنه لم يصح عنه ويسقط عنه الفرض بذلك عند الشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق وقال الباقون يصح عن غيره ولا ينقلب عن نفسه لأنه لم ينوه واحتج للأول بحديث بن عباس في قصة شبرمة فعند أبي داود حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة وعند بن ماجة فأجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة وسنده صحيح وأجابوا أن الحج خرج عن بقية العبادات ولذلك يمضي فاسده دون غيره وقد وافق أبو جعفر الطبري على ذلك ولكن حمله على الجاهل بالحكم وأنه إذا علم بأثناء الحال وجب عليه أن ينويه عن نفسه فحينئذ ينقلب وإلا فلا يصح عنه ويستثنى من عموم الخبر ما يحصل من جهة الفضل الإلهي بالقصد من غير عمل كالأجر الحاصل للمريض بسبب مرضه على الصبر لثبوت الأخبار بذلك خلافا لمن قال إنما يقع الأجر على الصبر وحصول الأجر بالوعد الصادق لمن قصد العبادة فعاقه عنها عائق بغير إرادته وكمن له أوراد فعجز عن فعلها لمرض مثلا فإنه يكتب له أجرها كمن عملها ومما يستثنى على خلف ما إذا نوى صلاة فرض ثم ظهر له ما يقتضي بطلانها فرضا هل تنقلب نفلا وهذا عند العذر فأما لو أحرم بالظهر مثلا قبل الزوال فلا يصح فرضا ولا ينقلب نفلا إذا تعمد ذلك ومما اختلف فيه هل يثاب المسبوق ثواب الجماعة على ما إذا أدرك ركعة أو يعم وهل يثاب من نوى صيام نفل في أثناء النهار على جميعه أو من حين نوى وهل تكمل الجمعة إذا خرج وقتها في أول الركعة الثانية مثلا جمعة أو ظهرا وهل تنقلب بنفسها أو تحتاج إلى تجديد نية والمسبوق إذا أدرك الاعتدال الثاني مثلا هل ينوي الجمعة أو الظهر ومن أحرم بالحج في غير أشهره هل ينقلب عمرة أو لا واستدل به من قال بإبطال الحيل ومن قال بإعمالها لأن مرجع كل من الفريقين إلى نية العامل وسيأتي في أثناء الأبواب التي ذكرها المصنف إشارة إلى بيان ذلك والضابط ما تقدمت الإشارة إليه ان كان فيه خلاص مظلوم مثلا فهو مطلوب وان كان فيه فوات حق فهو مذموم ونص الشافعي على كراهة تعاطي الحيل في تفويت الحقوق فقال بعض أصحابه هي كراهة تنزيه وقال كثير من محققيهم كالغزالي هي كراهة تحريم ويأثم بقصده ويدل عليه قوله وانما لكل امرئ ما نوى فمن نوى بعقد البيع الربا وقع في الربا ولا يخلصه من الإثم صورة البيع ومن نوى بعقد النكاح التحليل كان محللا ودخل في الوعيد على ذلك باللعن ولا يخلصه من ذلك صورة النكاح وكل شيء قصد به تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله كان إثما ولا فرق في حصول الإثم في التحيل على الفعل المحرم بين الفعل الموضوع له والفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له واستدل به على أنه لا تصح العبادة من الكافر ولا المجنون لأنهما ليسا من أهل العبادة وعلى سقوط القود في شبه العمد لأنه لم يقصد القتل وعلى عدم مؤاخذة المخطئ والناسي والمكره في الطلاق والعتاق ونحوهما وقد تقدم ذلك في أبوابه واستدل به لمن قال كالمالكية اليمين على نية المحلوف له ولا تنفعه التورية وعكسه غيرهم وقد تقدم بيانه في الأيمان واستدلوا بما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا اليمين على نية المستحلف وفي لفظ له يمينك على ما يصدقك به صاحبك وحمله الشافعية على ما إذا كان المستحلف الحاكم واستدل به لمالك على القول بسد الذرائع واعتبار المقاصد بالقرائن كما تقدمت الإشارة إليه وضبط بعضهم ذلك بأن الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلم ثلاثة أقسام أحدها أن تظهر المطابقة إما يقينا وإما ظنا غالبا والثاني أن يظهر أن المتكلم لم يرد معناه إما يقينا وإما ظنا والثالث أن يظهر في معناه ويقع التردد في إرادة غيره وعدمها على حد سواء فإذا ظهر قصد المتكلم لمعنى ما تكلم به أو لم يظهر قصد يخالف كلامه وجب حمل كلامه على ظاهره وإذا ظهرت إرادته بخلاف ذلك فهل يستمر الحكم على الظاهر ولا عبرة بخلاف ذلك أو يعمل بما ظهر من إرادته فاستدل للأول بأن البيع لو كان يفسد بأن يقال هذه الصيغة فيها ذريعة إلى الربا ونية المتعاقدين فيها فاسدة لكان إفساد البيع بما يتحقق تحريمه أولى أن يفسد به البيع من هذا الظن كما لو نوى رجل بشراء سيف أن يقتل به رجلا مسلما بغير حق فان العقد صحيح وان كانت نيته فاسدة جزما فلم يستلزم تحريم القتل بطلان البيع وان كان العقد لا يفسد بمثل هذا فلا يفسد بالظن والتوهم بطريق الأولى واستدل للثاني بأن النية تؤثر في الفعل فيصير بها تارة حراما وتارة حلالا كما يصير العقد بها تارة صحيحا وتارة فاسدا كالذبح مثلا فان الحيوان يحل إذا ذبح لأجل الأكل ويحرم إذا ذبح لغير الله والصورة واحدة والرجل يشتري الجارية لوكيله فتحرم عليه ولنفسه فتحل له وصورة العقد واحدة وكذلك صورة القرض في الذمة وبيع النقد بمثله إلى أجل صورتهما واحدة الأول قربة صحيحة والثاني معصية باطلة وفي الجملة فلا يلزم من صحة العقد في الظاهر رفع الحرج عمن يتعاطى الحيلة الباطلة في الباطن والله أعلم وقد نقل النسفي الحنفي في الكافي عن محمد بن الحسن قال ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق
1 ( قوله باب في الصلاة أي دخول الحيلة فيها ) ذكر فيه حديث أبي هريرة لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ وقد تقدم شرحه في كتاب الطهارة قال بن بطال فيه رد على من قال أن من أحدث في القعدة الأخيرة أن صلاته صحيحة لأنه أتى بما يضادها وتعقب بأن الحدث في أثنائها مفسد لها فهو كالجماع في الحج لو طرأ في خلاله لأفسده وكذا في آخره وقال بن حزم في أجوبة له عن مواضع من صحيح البخاري مطابقة الحديث للترجمة أنه لا يخلو أن يكون المرء طاهرا متيقنا للطهارة أو محدثا متيقنا للحدث وعلى الحالين ليس لأحد أن يدخل في الحقيقة حيلة بأن الحقيقة اثبات الشيء صدقا أو نفيه صدقا فما كان ثابتا حقيقة فنافيه بحيلة مبطل وما كان منتفيا فمثبته بالحيلة مبطل وقال بن المنير أشار البخاري بهذه الترجمة إلى الرد على قول من قال بصحة صلاة من أحدث عمدا في أثناء الجلوس الأخير ويكون حدثه كسلامه بأن ذلك من الحيل لتصحيح الصلاة مع الحدث وتقرير ذلك أن البخاري بنى على أن التحلل من الصلاة ركن منها فلا تصح مع الحدث والقائل بأنها تصح يرى أن التحلل من الصلاة ضدها فتصح مع الحدث قال وإذا تقرر ذلك فلا بد من تحقق كون السلام ركنا داخلا في الصلاة لا ضدا لها وقد استدل من قال بركنيته بمقابلته بالتحريم لحديث تحريمها التكبير وتحليلها التسليم فإذا كان أحد الطرفين ركنا كان الطرف الآخر ركنا ويؤيده أن السلام من جنس العبادات لأنه ذكر الله تعالى ودعاء لعباده فلا يقوم الحدث الفاحش مقام الذكر الحسن وانفصل الحنفية بأن السلام واجب لا ركن فان سبقه الحدث بعد التشهد توضأ وسلم وان تعمده فالعمد قاطع وإذا وجد القطع انتهت الصلاة لكون السلام ليس ركنا وقال بن بطال فيه رد على أبي حنيفة في قوله أن المحدث في صلاته يتوضأ ويبني ووافقه بن أبي ليلى وقال مالك والشافعي يستأنف الصلاة واحتجا بهذا الحديث وفي بعض ألفاظه لا صلاة إلا بطهور فلا يخلو حال انصرافه أن يكون مصليا أو غير مصل فان قالوا هو مصل رد لقوله لا صلاة إلا بطهور ومن جهة النظر أن كل حدث منع من ابتداء الصلاة منع من البناء عليها بدليل أنه لو سبقه المني لاستأنف اتفاقا قلت وللشافعي قول وافق فيه أبا حنيفة وقال الكرماني وجه أخذه من الترجمة أنهم حكموا بصحة الصلاة مع الحدث حيث قالوا يتوضأ ويبني وحيث حكموا بصحتها مع عدم النية في الوضوء لعلة أن الوضوء ليس بعبادة ونقل بن التين عن الداودي ما حاصله أن مناسبة الحديث للترجمة أنه أراد أن من أحدث وصلى ولم يتوضأ وهو يعلم أنه يخادع الناس بصلاته فهو مبطل كما خدع مهاجر أم قيس بهجرته وخادع الله وهو يعلم انه مطلع على ضميره قلت وقصة مهاجر أم قيس انما ذكرت في حديث الأعمال بالنيات وهو في الباب الذي قبل هذا لا في هذا الباب وزعم بعض المتأخرين أن البخاري أراد الرد على من زعم أن الجنازة إذا حضرت وخاف فوتها أنه يتيمم وكذا من زعم أنه إذا قام لصلاة الليل فبعد عنه الماء وخشي إذا طلبه أن يفوته قيام الليل أنه تباح له الصلاة بالتيمم ولا يخفى تكلفه 1 ( قوله باب في الزكاة ) أي ترك الحيل في إسقاطها 6555 قوله وأن لايفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة هو لفظ الحديث الأول في الباب وهو طرف من حديث طويل أورده في الزكاة بهذا السند تاما ومفرقا وتقدم شرحه هناك الحديث الثاني حديث طلحة بن عبيد الله
6556 أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس الحديث وقد تقدم شرحه في كتاب الإيمان أول الصحيح قوله وقال بعض الناس في عشرين ومائة بعير حقتان فان أهلكها متعمدا أو وهبها أو احتال فيها فرارا من الزكاة فلا شيء عليه قال بن بطال أجمع العلماء على أن للمرء قبل الحول التصرف في ماله بالبيع والهبة والذبح وإذا لم ينو الفرار من الصدقة وأجمعوا على أنه إذا حال الحول أنه لا يحل التحيل بأن يفرق بين مجتمع أو يجمع بين متفرق ثم اختلفوا فقال مالك من فوت من ماله شيئا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول لقوله صلى الله عليه وسلم خشية الصدقة وقال أبو حنيفة إن نوى بتفويته الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا تضره النية لأن ذلك لا يلزمه إلا بتمام الحول ولا يتوجه إليه معنى قوله خشية الصدقة إلا حينئذ قال وقال المهلب قصد البخاري أن كل حيلة يتحيل بها أحد في إسقاط الزكاة فان اثم ذلك عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع من جمع الغنم أو تفرقتها خشية الصدقة فهم منه هذا المعنى وفهم من حديث طلحة في قوله أفلح إن صدق أن من رام أن ينقص شيئا من فرائض الله بحيلة يحتالها أنه لا يفلح قال وما أجاب به الفقهاء من تصرف ذي المال في ماله قرب حلول الحول ثم يريد بذلك الفرار من الزكاة ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط وهو كمن فر عن صيام رمضان قبل رؤية الهلال بيوم واستعمل سفرا لا يحتاج إليه ليفطر فالوعيد إليه يتوجه وقال بعض الحنفية هذا الذي ذكره البخاري ينسب لأبي يوسف وقال محمد يكره لما فيه من القصد إلى إبطال حق الفقراء بعد وجود سببه وهو النصاب واحتج أبو يوسف بأنه امتناع من الوجوب لا إسقاط للواجب واستدل بأنه لو كان له مائتا درهم فلما كان قبل الحول بيوم تصدق بدرهم منها لم يكره ولو نوى بتصدقه بالدرهم أن يتم الحول وليس في ملكه نصاب فلا يلزمه الزكاة وتعقب بأن من أصل أبي يوسف أن الحرمة تجامع الفرض كطواف المحدث أو العاري فكيف لا يكون القصد مكروها في هذه الحالة وقوله امتناع من الوجوب معترض فان الوجوب قد تقرر من أول الحول ولذلك جاز التعجيل قبل الحول وقد اتفقوا على أن الاحتيال لإسقاط الشفعة بعد وجوبها مكروه وانما الخلاف فيما قبل الوجوب فقياسه أن يكون في الزكاة مكروها أيضا والأشبه أن يكون أبو يوسف رجع عن ذلك فإنه قال في كتاب الخراج بعد إيراد حديث لا يفرق بين مجتمع ولا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الأخر منع الصدقة ولا إخراجها عن ملكه لملك غيره ليفرقها بذلك فتبطل الصدقة عنها بأن يصير لكل واحد منهما ما لا تجب فيه الزكاة ولا يحتال في إبطال الصدقة بوجه انتهى ونقل أبو حفص الكبير راوي كتاب الحيل عن محمد بن الحسن أن محمدا قال ما احتال به المسلم حتى يتخلص به من الحرام أو يتوصل به إلى الحلال فلا بأس به وما احتال به حتى يبطل حقا أو يحق باطلا أو ليدخل به شبهة في حق فهو مكروه والمكروه عنده إلى الحرام أقرب وذكر الشافعي أنه ناظر محمدا في امرأة كرهت زوجها وامتنع من فراقها فمكنت بن زوجها من نفسها فإنها تحرم عندهم على زوجها بناء على قولهم إن حرمة المصاهرة تثبت بالزنى قال فقلت لمحمد الزنا لايحرم الحلال لأنه ضده ولا يقاس شيء على ضده فقال يجمعهما الجماع فقلت الفرق بينهما أن الأول حمدت به وحصنت فرجها والآخر ذمت به ووجب عليها الرجم ويلزم أن المطلقة ثلاثا إذا زنت حلت لزوجها ومن كان عنده أربع نسوة فزنى بخامسة أن تحرم عليه إحدى الأربع إلى آخر المناظرة وقد أشكل قول البخاري في الترجمة فان أهلكها بأن الاهلاك ليس من الحيل بل هو من اضاعة المال فان الحيلة انما هي لدفع ضرر أو جلب منفعة وليس كل واحد منهما موجودا في ذلك ويظهر لي انه يتصور بأن يذبح الحقتين مثلا وينتفع بلحمهما فتسقط الزكاة بالحقتين وينتقل إلى ما دونهما الحديث الثالث