Qur'an&Sunnah

İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)

حصہ V03/P272–V03/P273

1339 قوله وقال أحمد بن شبيب كذا للأكثر وفي رواية أبي ذر حدثنا أحمد وقد وصله أبو داود في كتاب الناسخ والمنسوخ عن محمد بن يحيى وهو الذهلي عن أحمد بن شبيب بإسناده ووقع لنا بعلو في جزء الذهلي وسياقه أتم مما في البخاري وزاد فيه سؤال الأعرابي أترث العمة قال بن عمر لا أدري فلما أدبر قبل بن عمر يديه ثم قال نعم ما قال أبو عبد الرحمن يعني نفسه سئل عما لا يدري فقال لا أدري وزاد في آخره بعد قوله طهرة للأموال ثم ألتفت إلي فقال ما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبا أعلم عدده أزكيه وأعمل فيه بطاعة الله تعالى وهو عند بن ماجة من طريق عقيل عن الزهري قوله من كنزها فلم يؤد زكاتها أفرد الضمير إما على سبيل تأويل الأموال أو عودا إلى الفضة لأن الانتفاع بها أكثر أو كان وجودها في زمنهم أكثر من الذهب أو على الاكتفاء ببيان حالها عن بيان حال الذهب والحامل على ذلك رعاية لفظ القرآن حيث قال ينفقونها قال صاحب الكشاف أفرد ذهابا إلى المعنى دون اللفظ لأن كل واحد منهما جملة وافية وقيل المعنى ولا ينفقونها والذهب كذلك وهو كقول الشاعر وإني وقيار بها لغريب أي وقيار كذلك قوله انما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة هذا مشعر بأن الوعيد على الاكتناز وهو حبس ما فضل عن الحاجة عن المواساة به كان في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة لما فتح الله الفتوح وقدرت نصب الزكاة فعلى هذا المراد بنزول الزكاة بيان نصبها ومقاديرها لا إنزال أصلها والله أعلم وقول بن عمر لا أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبا كأنه يشير إلى قول أبي ذر الآتي آخر الباب والجمع بين كلام بن عمر وحديث أبي ذر أن يحمل حديث أبي ذر على مال تحت يد الشخص لغيره فلا يجب أن يحبسه عنه أو يكون له لكنه ممن يرجى فضله وتطلب عائدته كالإمام الأعظم فلا يجب أن يدخر عن المحتاجين من رعيته شيئا ويحمل حديث بن عمر على مال يملكه قد أدى زكاته فهو يحب أن يكون عنده ليصل به قرابته ويستغني به عن مسألة الناس وكان أبو ذر يحمل الحديث على إطلاقه فلا يرى بادخار شيء أصلا قال بن عبد البر وردت عن أبي ذر آثار كثير تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله وأن آية الوعيد نزلت في ذلك وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي حيث قال هل علي غيرها قال لا إلا أن تطوع انتهى والظاهر أن ذلك كان في أول الأمر كما تقدم عن بن عمر وقد استدل له بن بطال بقوله تعالى ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو أي ما فضل عن الكفاية فكان ذلك واجبا في أول الأمر ثم نسخ والله أعلم وفي المسند من طريق يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه قال كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الشدة ثم يخرج إلى قومه ثم يرخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمع الرخصة ويتعلق بالأمر الأول ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث أبي سعيد في تقدير نصب زكاة الورق وغيره

حصہ V03/P273

1340 قوله أخبرني يحيى بن أبي كثير تعقبه الدارقطني وأبو مسعود بأن عبد الوهاب بن نجدة خالف إسحاق بن يزيد شيخ البخاري فيه فقال عن شعيب عن الأوزاعي حدثني يحيى بن سعيد وحماد ورواه داود بن رشيد وهشام بن خالد جميعا عن شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي عن يحيى غير منسوب وقال الوليد بن مسلم رواه عن الأوزاعي عن عبد الرحمن بن اليمان عن يحيى بن سعيد وقال الإسماعيلي هذا الحديث مشهور عن يحيى بن سعيد رواه عنه الخلق وقد رواه داود بن رشيد عن شعيب فقال عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد انتهى وقد تابع إسحاق بن يزيد سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي عن شعيب بن إسحاق أخرجه أبو عوانة والإسماعيلي من طريقه وذلك دال على أنه عند شعيب عن الأوزاعي على الوجهين لكن دلت رواية الوليد بن مسلم على أن رواية الأوزاعي عن يحيى بن سعيد بغير واسطة موهومة أو مدلسة ولذلك عدل عنها البخاري واقتصر على طريق يحيى بن أبي كثير والله أعلم قوله عن أبيه يحيى بن عمارة في رواية يحيى بن سعيد عن عمرو أنه سمع أباه وسيأتي الكلام عليه مستوفى بعد بضعة وعشرين بابا ثانيها حديث أبي ذر مع معاوية

حصہ V03/P273–V03/P274

1341 قوله حدثنا علي سمع هشيما كذا للأكثر وفي رواية أبي ذر عن مشايخه حدثنا علي بن أبي هاشم وهو المعروف بابن طبراخ بكسر المهملة وسكون الموحدة وآخره معجمة ووقع في أطراف المزي عن علي بن عبد الله المديني وهو خطأ قوله عن زيد بن وهب هو التابعي الكبير الكوفي أحد المخضرمين قوله بالربذة بفتح الراء والموحدة والمعجمة مكان معروف بين مكة والمدينة نزل به أبو ذر في عهد عثمان ومات به وقد ذكر في هذا الحديث سبب نزوله وإنما سأله زيد بن وهب عن ذلك لأن مبغضي عثمان كانوا يشنعون عليه أنه نفى أبا ذر وقد بين أبو ذر أن نزوله في ذلك المكان كان باختياره نعم أمره عثمان بالتنحي عن المدينة لدفع المفسدة التي خافها على غيره من مذهبه المذكور فاختار الربذة وقد كان يغدو إليها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أصحاب السنن من وجه آخر عنه وفيه قصه له في التيمم وروينا في فوائد أبي الحسن بن جذلم بإسناده إلى عبد الله بن الصامت قال دخلت مع أبي ذر على عثمان فحسر عن رأسه فقال والله ما أنا منهم يعني الخوارج فقال إنما أرسلنا إليك لتجاورنا بالمدينة فقال لا حاجة لي في ذلك ائذن لي بالربذة قال نعم ورواه أبو داود الطيالسي من هذا الوجه دون آخره وقال بعد قوله ما أنا منهم ولا أدركهم سيماهم التحليق يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية والله لو أمرتني أن أقوم ما قعدت وفي طبقات بن سعد من وجه آخر إن ناسا من أهل الكوفة قالوا لأبي ذر وهو بالربذة أن هذا الرجل فعل بك وفعل هل أنت ناصب لنا راية يعني فنقاتله فقال لا لو أن عثمان سيرني من المشرق إلى المغرب لسمعت وأطعت قوله كنت بالشام يعني بدمشق ومعاوية إذ ذاك عامل عثمان عليها وقد بين السبب في سكناه الشام ما أخرجه أبو يعلى من طريق أخرى عن زيد بن وهب حدثني أبو ذر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ البناء أي بالمدينة سلعا فارتحل إلى الشام فلما بلغ البناء سلعا قدمت الشام فسكنت بها فذكر الحديث نحوه وعنده أيضا بإسناد فيه ضعف عن بن عباس قال إستأذن أبو ذر على عثمان فقال إنه يؤذينا فلما دخل قال له عثمان أنت الذي تزعم إنك خير من أبي بكر وعمر قال لا ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أحبكم إلي وأقربكم مني من بقي على العهد الذي عاهدته عليه وأنا باق على عهده قال فأمره أن يلحق بالشام وكان يحدثهم ويقول لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم إلا ما ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم فكتب معاوية إلى عثمان إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبي ذر فكتب إليه عثمان أن أقدم علي فقدم قوله في والذين يكنزون الذهب والفضة سيأتي في تفسير براءة من طريق جرير عن حصين بلفظ فقرأت والذين يكنزون الذهب والفضة إلى آخر الآية قوله نزلت في أهل الكتاب في رواية جرير ما هذه فينا قوله فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني في رواية الطبري أنهم كثروا عليه يسألونه عن سبب خروجه من الشام قال فخشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشام قوله إن شئت تنحيت في رواية الطبري فقال له تنح قريبا قال والله لن أدع ما كنت أقوله وكذا لابن مردويه من طريق ورقاء عن حصين بلفظ والله لا أدع ما قلت قوله حبشيا في رواية ورقاء عبدا حبشيا ولأحمد وأبي يعلى من طريق أبي حرب بن أبي الأسود عن عمه عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له كيف تصنع إذا أخرجت منه أي المسجد النبوي قال آتي الشام قال كيف تصنع إذا أخرجت منها قال أعود إليه أي المسجد قال كيف تصنع إذا أخرجت منه قال أضرب بسيفي قال أدلك على ما هو خير لك من ذلك وأقرب رشدا قال تسمع وتطيع وتنساق لهم حيث ساقوك وعند أحمد أيضا من طريق شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد عن أبي ذر نحوه والصحيح أن إنكار أبي ذر كان على السلاطين الذين يأخذون المال لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه وتعقبه النووي بالابطال لأن السلاطين حينئذ كانوا مثل أبي بكر وعمر وعثمان وهؤلاء لم يخونوا قلت لقوله محمل وهو أنه أراد من يفعل ذلك وإن لم يوجد حينئذ من يفعله وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لاتفاق أبي ذر ومعاوية على أن الآية نزلت في أهل الكتاب وفيه ملاطفة الأئمة للعلماء فإن معاوية لم يجسر على الإنكار عليه حتى كاتب من هو أعلى منه في أمره وعثمان لم يحنق على أبي ذر مع كونه كان مخالفا له في تأويله وفيه التحذير من الشقاق والخروج على الأئمة والترغيب في الطاعة لأولي الأمر وأمر الأفضل بطاعة المفضول خشية المفسدة وجواز الاختلاف في الاجتهاد والأخذ بالشده في الأمر بالمعروف وإن أدى ذلك إلى فراق الوطن وتقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة لأن في بقاء أبي ذر بالمدينة مصلحة كبيرة من بث علمه في طالب العلم ومع ذلك فرجح عند عثمان دفع ما يتوقع من المفسدة من الأخذ بمذهبه الشديد في هذه المسألة ولم يأمره بعد ذلك بالرجوع عنه لأن كلا منهما كان مجتهدا الحديث الثالث

حصہ V03/P274–V03/P277

1342 قوله حدثنا عياش هو بن الوليد الرقام وعبد الأعلى هو بن عبد الأعلى والجريري بضم الجيم هو سعيد وأبو العلاء هو يزيد بن عبد الله بن الشخير وأردف المصنف هذا الإسناد بالإسناد الذي بعده وإن كان أنزل منه لتصريح عبد الصمد وهو بن عبد الوارث فيه بتحديث أبي العلاء للجريري والأحنف لأبي العلاء وقد روى الأسود بن شيبان عن أبي العلاء يزيد المذكور عن أخيه مطرف عن أبي ذر طرفا من آخر هذا الحديث أيضا وأخرجه أحمد وليس ذلك بعلة لحديث الأحنف لأن حديث الأحنف أتم سياقا وأكثر فوائد ولا مانع أن يكون ليزيد فيه شيخان قوله جلست إلى ملأ في رواية مسلم والإسماعيلي من طريق إسماعيل بن علية عن الجريري قدمت المدينة فبينما أنا في حلقة من قريش قوله خشن الشعر الخ كذا للأكثر بمعجمتين من الخشونة وللقابسي بمهملتين من الحسن والأول أصح ووقع في رواية مسلم أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه فقام عليهم وليعقوب بن سفيان من طريق حميد بن هلال عن الأحنف قدمت المدينة فدخلت مسجدها إذ دخل رجل آدم طوال أبيض الرأس واللحية يشبه بعضه بعضا فقالوا هذا أبو ذر قوله بشر الكانزين في رواية الإسماعيلي بشر الكنازين قوله برضف بفتح الراء وسكون المعجمة بعدها فاء هي الحجارة المحماة وأحدها رضفة قوله نغض بضم النون وسكون المعجمة بعدها ضاد معجمة العظم الدقيق الذي على طرف الكتف أو على أعلى الكتف قال الخطابي هو الشاخص منه وأصل النغض الحركة فسمي ذلك الموضع نغضا لأنه يتحرك بحركة الإنسان قوله يتزلزل أي يضطرب ويتحرك في رواية الإسماعيلي فيتجلجل بجيمين وزاد إسماعيل في هذه الرواية فوضع القوم رؤوسهم فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا قال فأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية قوله وأنا لا أدري من هو زاد مسلم من طريق خليد العصري عن الأحنف فقلت من هذا قالوا هذا أبو ذر فقمت إليه فقلت ما شيء سمعتك تقوله قال ما قلت الا شيئا سمعته من نبيهم صلى الله عليه وسلم وفي هذه الزيادة رد لقول من قال أنه موقوف على أبي ذر فلا يكون حجة على غيره ولأحمد من طريق يزيد الباهلي عن الأحنف كنت بالمدينة فإذا أنا برجل يفر منه الناس حين يرونه قلت من أنت قال أبو ذر قلت ما نفر الناس عنك قال إني أنهاهم عن الكنوز التي كان ينهاهم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله انهم لا يعقلون شيئا بين وجه ذلك في آخر الحديث حيث قال إنما يجمعون الدنيا وقوله لا أسألهم دنيا في رواية إسماعيل المذكورة فقلت ما لك ولإخوانك من قريش لا تعتريهم ولا تصيب منهم قال وربك لا أسألهم دنيا الخ قوله قلت ومن خليلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فاعل قال هو أبو ذر والنبي صلى الله عليه وسلم خبر المبتدأ كأنه قال خليلي النبي صلى الله عليه وسلم وسقط بعد ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم أو قال فقط وكأن بعض الرواة ظنها مكررة فحذفها ولا بد من إثباتها قوله يا أبا ذر أتبصر أحدا وهو حديث مستقل سيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الرقاق وعلى ما وقع في هذه الرواية من قوله إلا ثلاثة دنانير إن شاء الله تعالى وإنما أورده أبو ذر للأحنف لتقوية ما ذهب إليه من ذم إكتناز المال وهو ظاهر في ذلك إلا أنه ليس على الوجوب ومن ثم عقبة المصنف بالترجمة التي تليه فقال قوله وان هؤلاء لا يعقلون هو من كلام أبي ذر كرره تأكيدا لكلامه ولربط ما بعده عليه باب إنفاق المال في حقه وأورد فيه الحديث الدال على الترغيب في ذلك وهو من أدل دليل على أن أحاديث الوعيد محمولة على من لا يؤدي الزكاة وأما حديث ما أحب أن لي أحدا ذهبا فمحمول على الأولوية لأن جمع المال وإن كان مباحا لكن الجامع مسؤول عنه وفي المحاسبة خطر وإن كان الترك أسلم وما ورد من الترغيب في تحصيله وإنفاقه في حقه فمحمول على من وثق بأنه يجمعه من الحلال الذي يأمن خطر المحاسبة عليه فإنه إذا أنفقه حصل له ثواب ذلك النفع المتعدي ولا يتأتى ذلك لمن لم يحصل شيئا كما تقدم شاهده في حديث ذهب أهل الدثور بالأجور والله أعلم وقد تقدم الكلام على حديث الباب مستوفى في أوائل كتاب العلم قال الزين بن المنير في هذا الحديث حجة على جواز إنفاق جميع المال وبذله في الصحة والخروج عنه بالكلية في وجوه البر ما لم يؤد إلى حرمان الوارث ونحو ذلك مما منع منه الشرع قوله باب الرياء في الصدقة قال الزين بن المنير يحتمل أن يكون مراده إبطال الرياء للصدقة فيحمل على ما تمحض منها لحب المحمدة والثناء من الخلق بحيث لولا ذلك لم يتصدق بها قوله لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى إلى قوله والله لا يهدي القوم الكافرين قال الزين بن المنير وجه الاستدلال من الآية أن الله تعالى شبه مقارنة المن والأذى للصدقة أو إتباعها بذلك بإنفاق الكافر المرائي الذي لا يجد بين يديه شيئا منه ومقارنة الرياء من المسلم لصدقته أقبح من مقارنة الإيذاء وأولى أن يشبه بإنفاق الكافر المرائي في إبطال إنفاقه اه وقال بن رشيد إقتصر البخاري في هذه الترجمة على الآية ومراده أن المشبه بالشيء يكون أخفى من المشبه به لأن الخفي ربما شبه بالظاهر ليخرج من حيز الخفاء إلى الظهور ولما كان الإنفاق رياء من غير المؤمن ظاهرا في إبطال الصدقة شبه به الإبطال بالمن والأذى أي حالة هؤلاء في الإبطال كحالة هؤلاء هذا من حيث الجملة ولا يبعد أن يراعى حال التفصيل أيضا لأن حال المان شبيه بحال المرائي لأنه لما من ظهر أنه لم يقصد وجه الله وحال المؤذي يشبه حال الفاقد للإيمان من المنافقين لأن من يعلم أن للمؤذي ناصرا ينصره لم يؤذه فعلم بهذا أن حالة المرائي أشد من حالة المان والمؤذي انتهى ويتلخص أن يقال لما كان المشبه به أقوى من المشبه وابطال الصدقة بالمن والأذى قد شبه بإبطالها بالرياء فيها كان أمر الرياء أشد قوله وقال بن عباس صلدا ليس عليه شيء وصله بن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس هكذا في قوله فتركه صلدا أي ليس عليه شيء وروى الطبري من طريق سعيد عن قتادة في هذه الآية قال هذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة يقول لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ كما ترك هذا المطر الصفا نقيا ليس عليه شيء ومن طريق أسباط عن السدي نحوه قوله وقال عكرمة وابل مطر شديد والطل الندى وصله عبد بن حميد عن روح بن عبادة عن عثمان بن غياث سمعت عكرمة قال في قوله وابل قال مطر شديد والطل الندى

حصہ V03/P277

1 ( قوله باب لا تقبل صدقة من غلول )

حصہ V03/P277–V03/P281

كذا للأكثر على البناء للمجهول وفي رواية المستملى لا يقبل الله وهذا طرف من حديث أخرجه مسلم باللفظ الأول وقد سبق باقيه في ترجمته في كتاب الطهارة وأخرجه الحسن بن سفيان في مسنده عن أبي كامل أحد مشايخ مسلم فيه بلفظ لا يقبل الله صلاة إلا بطهور ولا صدقة من غلول ولأبي داود من حديث أبي المليح عن أبيه مرفوعا لا يقبل الله صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور وإسناده صحيح قوله ولا يقبل إلا من كسب طيب هذا للمستملي وحده وهو طرف من حديث أبي هريرة الآتي بعده قوله لقوله قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى إلى قوله حليم قال بن المنير جرى المصنف على عادته في إيثار الخفي على الجلي وذلك أن في الآية أن الصدقة لما تبعتها سيئة الأذى بطلت والغلول أذى إن قارن الصدقة أبطلها بطريق الأولى أو لأنه جعل المعصية اللاحقة للطاعة بعد تقررها تبطل الطاعة فكيف إذا كانت الصدقة بعين المعصية لأن الغال في دفعه المال إلى الفقير غاصب متصرف في ملك الغير فكيف تقع المعصية طاعة معتبرة وقد أبطلت المعصية الطاعة المحققة من أول أمرها وتعقبه بن رشيد بأنه ينبني على أن الأذى أعم من أن يكون من جهة المتصدق للمتصدق عليه أو إيذائه لغيره كما في الغلول فيكون من باب الأولى وقد لا يسلم هذا في معنى الآية لبعده فإن الظاهر أن المراد بالأذى في الآية إنما هو ما يكون من جهة المسئول للسائل فإنه عطف على المن وجمع معه بالواو والذي يظهر أن البخاري قصد أن المتصدق عليه إذا علم أن المتصدق به غلول أو غصب أو نحوه تأذى بذلك ولم يرض به كما قاء أبو بكر اللبن لما علم أنه من وجه غير طيب وقد صدق على المتصدق أنه مؤذ له بتعريضه لكل ما لو علمه لم يقبله والله أعلم قوله قول معروف فسره بالرد الجميل وقوله ومغفرة أي عفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسئول وقيل المراد عفو من الله بسبب الرد الجميل وقيل عفو من جهة السائل أي معذرة منه للمسئول لكونه رده ردا جميلا والثاني أظهر وظاهر الآية أن الصدقة تحبط بالمن والأذى بعد أن تقع سالمة لكن يمكن أن يقال لعل قبولها موقوف على سلامتها من المن والأذى فإن وقع ذلك عدم الشرط فعدم المشروط فعبر عن ذلك بالإبطال والله أعلم تنبيهان الأول دل قوله لا تقبل صدقة من غلول أن الغال لا تبرأ ذمته إلا برد الغلول إلى أصحابه بأن يتصدق به إذا جهلهم مثلا والسبب فيه أنه من حق الغانمين فلو جهلت أعيانهم لم يكن له أن يتصرف فيه بالصدقة على غيرهم الثاني وقع هنا للمستملي والكشميهني وبن شبويه باب الصدقة من كسب طيب لقوله تعالى ويربي الصدقات إلى قوله ولا هم يحزنون وعلى هذا فتخلو الترجمة التي قبل هذا من الحديث وتكون كالتي قبلها في الإقتصار على الآية لكن تزيد عليها بالإشارة إلى لفظ الحديث الذي في الترجمة ومناسبة الحديث لهذه الترجمة ظاهرة ومناسبته للتي قبلها من جهة مفهوم المخالفة لأنه دل بمنطوقه على أن الله لا يقبل إلا ما كان من كسب طيب فمفهومه أن ما ليس بطيب لا يقبل والغلول فرد من أفراد غير الطيب فلا يقبل والله أعلم ثم إن هذه الترجمة إن كان باب بغير تنوين فالجملة خبر المبتدأ والتقدير هذا باب فضل الصدقة من كسب طيب وإن كان منونا فما بعده مبتدأ والخبر محذوف تقديره الصدقة من كسب طيب مقبولة أو يكثر الله ثوابها ومعنى الكسب المكسوب والمراد به ما هو أعم من تعاطي التكسب أو حصول المكسوب بغير تعاط كالميراث وكأنه ذكر الكسب لكونه الغالب في تحصيل المال والمراد بالطيب الحلال لأنه صفة الكسب قال القرطبي أصل الطيب المستلذ بالطبع ثم أطلق على المطلق بالشرع وهو الحلال وأما قول المصنف لقوله تعالى ويربي الصدقات بعد قوله الصدقة من كسب طيب فقد إعترضه بن التين وغيره بأن تكثير أجر الصدقة ليس علة لكون الصدقة من كسب طيب بل الأمر على عكس ذلك فإن الصدقة من الكسب الطيب سبب لتكثير الأجر قال بن التين وكان الأبين أن يستدل بقوله تعالى أنفقوا من طيبات ما كسبتم وقال بن بطال لما كانت الآية مشتملة على أن الربا يمحقه الله لأنه حرام دل ذلك على أن الصدقة التي تتقبل لا تكون من جنس الممحوق وقال الكرماني لفظ الصدقات وإن كان أعم من أن يكون من الكسب الطيب ومن غيره لكنه مقيد بالصدقات التي من الكسب الطيب بقرينة السياق نحو ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون قوله بعدل تمرة أي بقيمتها لأنه بالفتح المثل وبالكسر الحمل بكسر المهملة هذا قول الجمهور وقال الفراء بالفتح المثل من غير جنسه وبالكسر من جنسه وقيل بالفتح مثله في القيمة وبالكسر في النظر وأنكر البصريون هذه التفرقة وقال الكسائي هما بمعنى كما أن لفظ المثل لا يختلف وضبط في هذه الرواية للأكثر بالفتح قوله ولا يقبل الله إلا الطيب في رواية سليمان بن بلال الآتي ذكرها ولا يصعد إلى الله إلا الطيب وهذه جملة معترضة بين الشرط والجزاء لتقرير ما قبله زاد سهيل في روايته الآتي ذكرها فيضعها في حقها قال القرطبي وإنما لا يقبل الله الصدقة بالحرام لأنه غير مملوك للمتصدق وهو ممنوع من التصرف فيه والمتصدق به متصرف فيه فلو قبل منه لزم أن يكون الشيء مأمورا منهيا من وجه واحد وهو محال قوله يتقبلها بيمينه في رواية سهيل إلا أخذها بيمينه وفي رواية مسلم بن أبي مريم الآتي ذكرها فيقبضها وفي حديث عائشة عند البزار فيتلقاها الرحمن بيده قوله فلوه بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو وهو المهر لأنه يفلي أي يفطم وقيل هو كل فطيم من ذات حافر والجمع أفلاء كعدو وأعداء وقال أبو زيد إذا فتحت الفاء شددت الواو وإذا كسرتها سكنت اللام كجرو وضرب به المثل لأنه يزيد زيادة بينة ولأن الصدقة نتاج العمل وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيما فإذا أحسن العناية به انتهى إلى حد الكمال وكذلك عمل بن آدم لا سيما الصدقة فإن العبد إذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله إليها يكسبها نعت الكمال حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين التمرة إلى الجبل ووقع في رواية القاسم عن أبي هريرة عند الترمذي فلوه أو مهره ولعبد الرزاق من وجه آخر عن القاسم مهره أو فصيله وفي رواية له عند البزار مهره أو رضيعه أو فصيله ولإبن خزيمة من طريق سعيد بن يسار عن أبي هريرة فلوه أو قال فصيله وهذا يشعر بأن أو للشك قال المازري هذا الحديث وشبهه إنما عبر به على ما إعتادوا في خطابهم ليفهموا عنه فكنى عن قبول الصدقة باليمين وعن تضعيف أجرها بالتربية وقال عياض لما كان الشيء الذي يرتضى يتلقى باليمين ويؤخذ بها استعمل في مثل هذا واستعير للقبول لقول القائل تلقاها عرابة باليمين أي هو مؤهل للمجد والشرف وليس المراد بها الجارحة وقيل عبر باليمين عن جهة القبول إذ الشمال بضده وقيل المراد يمين الذي تدفع إليه الصدقة وأضافها إلى الله تعالى إضافة ملك واختصاص لوضع هذه الصدقة في يمين الآخذ لله تعالى وقيل المراد سرعة القبول وقيل حسنه وقال الزين بن المنير الكناية عن الرضا والقبول بالتلقي باليمين لتثبيت المعاني المعقولة من الأذهان وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات أي لا يتشكك في القبول كما لا يتشكك من عاين التلقي للشيء بيمينه لا أن التناول كالتناول المعهود ولا أن المتناول به جارحة وقال الترمذي في جامعه قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة نؤمن بهذه الأحاديث ولا نتوهم فيها تشبيها ولا نقول كيف هكذا روي عن مالك وبن عيينة وبن المبارك وغيرهم وأنكرت الجهمية هذه الروايات انتهى وسيأتي الرد عليهم مستوفى في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى قوله حتى تكون مثل الجبل ولمسلم من طريق سعيد بن يسار عن أبي هريرة حتى تكون أعظم من الجبل ولإبن جرير من وجه آخر عن القاسم حتى يوافى بها يوم القيامة وهي أعظم من أحد يعني التمرة وهي في رواية القاسم عند الترمذي بلفظ حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد قال وتصديق ذلك في كتاب الله يمحق الله الربى ويربي الصدقات وفي رواية بن جرير التصريح بأن تلاوة الآية من كلام أبي هريرة وزاد عبد الرزاق في روايته من طريق القاسم أيضا فتصدقوا والظاهر أن المراد بعظمها أن عينها تعظم لتثقل في الميزان ويحتمل أن يكون ذلك معبرا به عن ثوابها قوله تابعه سليمان هو بن بلال عن بن دينار أي عن أبي صالح عن أبي هريرة وهذه المتابعة ذكرها المصنف في التوحيد فقال وقال خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال فساق مثله إلا أن فيه مخالفة في اللفظ يسيرة وقد وصله أبو عوانة والجوزقي من طريق محمد بن معاذ بن يوسف عن خالد بن مخلد بهذا الإسناد ووقع في صحيح مسلم حدثنا أحمد بن عثمان حدثنا خالد بن مخلد عن سليمان عن سهيل عن أبي صالح ولم يسق لفظه كله وهذا إن كان أحمد بن عثمان حفظه فلسليمان فيه شيخان عبد الله بن دينار وسهيل عن أبي صالح وقد غفل صاحب الأطراف فسوى بين روايتي الصحيحين في هذا وليس بجيد قوله وقال ورقاء هو بن عمر عن بن دينار عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة يعني أن ورقاء خالف عبد الرحمن وسليمان فجعل شيخ بن دينار فيه سعيد بن يسار بدل أبي صالح ولم أقف على رواية ورقاء هذه موصولة وقد أشار الداودي إلى أنها وهم لتوارد الرواة عن أبي صالح دون سعيد بن يسار وليس ما قال بجيد لأنه محفوظ عن سعيد بن يسار من وجه آخر كما أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما نعم رواية ورقاء شاذة بالنسبة إلى مخالفة سليمان وعبد الرحمن والله أعلم تنبيه وقفت على رواية ورقاء موصولة وقد بينت ذلك في كتاب التوحيد قوله ورواه مسلم بن أبي مريم وزيد بن أسلم وسهيل عن أبي صالح عن أبي هريرة أما رواية مسلم فرويناها موصولة في كتاب الزكاة ليوسف بن يعقوب القاضي قال حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا سعيد بن سلمة هو بن أبي الحسام عنه به وأما رواية زيد بن أسلم وسهيل فوصلهما مسلم وقد قدمت ما في سياق الثلاثة من فائدة وزيادة

حصہ V03/P281–V03/P282

1 ( قوله باب الصدقة قبل الرد ) قال الزين بن المنير ما ملخصه مقصوده بهذه الترجمة الحث على التحذير من التسويف بالصدقة لما في المسارعة إليها من تحصيل النمو المذكور قيل لأن التسويف بها قد يكون ذريعة إلى عدم القابل لها إذ لا يتم مقصود الصدقة إلا بمصادفة المحتاج إليها وقد أخبر الصادق أنه سيقع فقد الفقراء المحتاجين إلى الصدقة بأن يخرج الغني صدقته فلا يجد من يقبلها فإن قيل إن من أخرج صدقته مثاب على نيته ولو لم يجد من يقبلها فالجواب أن الواجد يثاب ثواب المجازاة والفضل والناوي يثاب ثواب الفضل فقط والأول أربح والله أعلم ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث في كل منها الإنذار بوقوع فقدان من يقبل الصدقة أولها حديث حارثة بن وهب وهو الخزاعي 1345 قوله فإنه يأتي عليكم زمان سيأتي بعد سبعة أبواب من وجه آخر بلفظ فسيأتي قوله يقول الرجل أي الذي يريد المتصدق أن يعطيه إياها قوله فأما اليوم فلا حاجة لي بها في رواية الكشميهني فيها والظاهر أن ذلك يقع في زمن كثرة المال وفيضه قرب الساعة كما قال بن بطال ومن ثم أورده المصنف في كتاب الفتن كما سيأتي وهو بين من سياق حديث أبي هريرة ثاني حديثي الباب وقد ساقه في الفتن بالإسناد المذكور هنا مطولا ويأتي الكلام عليه مستوفى هناك إن شاء الله تعالى وقوله 1346 حتى يهم بفتح أوله وضم الهاء ورب المال منصوب على المفعولية وفاعله 1347 قوله من يقبله يقال همه الشيء أحزنه ويروى بضم أوله يقال أهمه الأمر أقلقه وقال النووي في شرح مسلم ضبطوه بوجهين أشهرهما بضم أوله وكسر الهاء ورب المال مفعول والفاعل من يقبل أي يحزنه والثاني بفتح أوله وضم الهاء ورب المال فاعل ومن مفعول أي يقصد والله أعلم قوله لا أرب لي زاد في الفتن به أي لا حاجة لي به لاستغنائي عنه ثالثها حديث عدي بن حاتم وقد أورده المصنف بأتم من هذا السياق ويأتي الكلام عليه مستوفى وشاهده هنا قوله فيه فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه وهو موافق لحديث أبي هريرة الذي قبله ومشعر بأن ذلك يكون في آخر الزمان وحديث أبي موسى الآتي بعده مشعر بذلك أيضا وقد أشار عدي بن حاتم كما سيأتي في علامات النبوة إلى أن ذلك لم يقع في زمانه وكانت وفاته في خلافة معاوية بعد إستقرار أمر الفتوح فانتفى قول من زعم أن ذلك وقع في ذلك الزمان قال بن التين إنما يقع ذلك بعد نزول عيسى حين تخرج الأرض بركاتها حتى تشبع الرمانة أهل البيت ولا يبقى في الأرض كافر ويأتي الكلام على اتقاء النار ولو بشق تمرة في الباب الذي يليه رابعها حديث أبي موسى 1348 قوله من الذهب خصه بالذكر مبالغة في عدم من يقبل الصدقة وكذا قوله يطوف ثم لا يجد من يقبلها وقوله ويرى الرجل الخ تقدم الكلام عليه مستوفى في باب رفع العلم من كتاب العلم 1 ( قوله باب اتقوا النار ولو بشق تمرة ) والقليل من الصدقة ومثل الذين ينفقون أموالهم إلى قوله فيها من كل الثمرات قال الزين بن المنير وغيره جمع المصنف بين لفظ الخبر والآية لإشتمال ذلك كله على الحث على الصدقة قليلها وكثيرها فإن قوله تعالى أموالهم يشمل قليل النفقة وكثيرها ويشهد له قوله لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس فإنه يتناول القليل والكثير إذ لا قائل بحل القليل دون الكثير وقوله اتقوا النار ولو بشق تمرة يتناول الكثير والقليل أيضا والآية أيضا مشتملة على قليل الصدقة وكثيرها من جهة التمثيل المذكور فيها بالطل والوابل فشبهت الصدقة بالقليل بإصابة الطل والصدقة بالكثير بإصابة الوابل وأما ذكر القليل من الصدقة بعد ذكر شق التمرة فهو من عطف العام على الخاص ولهذا أورد في الباب حديث أبي مسعود الذي كان سببا لنزول قوله تعالى

حصہ V03/P282–V03/P284

1349 والذين لا يجدون إلا جهدهم وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام تقدير الآية مثل تضعيف أجور الذين ينفقون كمثل تضعيف ثمار الجنة بالمطر إن قليلا فقليل وإن كثيرا فكثير وكأن البخاري أتبع الآية الأولى التي ضربت مثلا بالربوة بالآية الثانية التي تضمنت ضرب المثل لمن عمل عملا يفقده أحوج ما كان إليه للإشارة إلى إجتناب الرياء في الصدقة ولأن قوله تعالى والله بما تعملون بصير يشعر بالوعيد بعد الوعد فأوضحه بذكر الآية الثانية وكأن هذا هو السر في إقتصاره على بعضها اختصارا ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديت أحدها حديث أبي مسعود من وجهين تاما ومختصرا قوله عن سليمان هو الأعمش وأبو مسعود هو الأنصاري البدري قوله لما نزلت آية الصدقة كأنه يشير إلى قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة الآية قوله كنا نحامل أي نحمل على ظهورنا بالأجرة يقال حاملت بمعنى حملت كسافرت وقال الخطابي يريد نتكلف الحمل بالأجرة لنكتسب ما نتصدق به ويؤيده قوله في الرواية الثانية التي بعد هذه حيث قال انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل أي يطلب الحمل بالأجرة قوله فجاء رجل فتصدق بشيء كثير هو عبد الرحمن بن عوف كما سيأتي في التفسير والشيء المذكور كان ثمانية آلاف أو أربعة آلاف قوله وجاء رجل هو أبو عقيل بفتح العين كما سيأتي في التفسير ونذكر هناك إن شاء الله تعالى الاختلاف في اسمه واسم أبيه ومن وقع له ذلك أيضا من الصحابة كأبي خيثمة وأن الصاع إنما حصل لأبي عقيل لكونه أجر نفسه على النزح من البئر بالحبل قوله فقالوا سمي من اللامزين في مغازي الواقدي معتب بن قشير وعبد الرحمن بن نبتل بنون ومثناة مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة ثم لام قوله يلمزون أي يعيبون وشاهد الترجمة قوله والذين لا يجدون إلا جهدهم قوله سعيد بن يحيى أي بن سعيد الأموي 1350 قوله فيحامل بضم التحتانية واللام مضمومة بلفظ المضارع من المفاعلة ويروي بفتح المثناة وفتح اللام أيضا ويؤيده قوله في رواية زائدة الآتية في التفسير فيحتال أحدنا حتى يجيء بالمد قوله فيصيب المد أي في مقابلة أجرته فيتصدق به قوله وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف زاد في التفسير كأنه يعرض بنفسه وأشار بذلك إلى ما كانوا عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من قلة الشيء وإلى ما صاروا إليه بعده من التوسع لكثرة الفتوح ومع ذلك فكانوا في العهد الأول يتصدقون بما يجدون ولو جهدوا والذين أشار إليهم آخرا بخلاف ذلك تنبيه وقع بخط مغلطاي في شرحه وإن لبعضهم اليوم ثمانية آلاف وهو تصحيف ثانيها حديث عدي بن حاتم وهو بلفظ الترجمة وهو طرف من حديثه المذكور في الباب الذي قبله وبشق بكسر المعجمة نصفها أو جانبها أي ولو كان الإتقاء بالتصدق بشق تمرة واحدة فإنه يفيد وفي الطبراني من حديث فضالة بن عبيد مرفوعا اجعلوا بينكم وبين النار حجابا ولو بشق تمرة ولأحمد من حديث بن مسعود مرفوعا بإسناد صحيح ليتق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة وله من حديث عائشة بإسناد حسن يا عائشة إستتري من النار ولو بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان ولأبي يعلى من حديث أبي بكر الصديق نحوه وأتم منه بلفظ تقع من الجائع موقعها من الشبعان وكأن الجامع بينهما في ذلك حلاوتها وفي الحديث الحث على الصدقة بما قل وما جل وأن لا يحتقر ما يتصدق به وأن اليسير من الصدقة يستر المتصدق من النار ثالثها حديث عائشة وسيأتي في الأدب من وجه آخر عن الزهري بسنده وفيه التقييد بالإحسان ولفظه من إبتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار وسيأتي الكلام عليه مستوفى هناك إن شاء الله تعالى ومناسبته للترجمة من جهة أن الأم المذكورة لما قسمت التمرة بين ابنتيها صار لكل واحدة منهما شق تمرة وقد دخلت في عموم خبر الصادق أنها ممن ستر من النار لأنها ممن إبتلي بشيء من البنات فأحسن ومناسبة فعل عائشة للترجمة من قوله والقليل من الصدقة وللآية من قوله والذين لا يجدون إلا جهدهم لقولها في الحديث فلم تجد عندي غير تمرة وفيه شدة حرص عائشة على الصدقة إمتثالا لوصيته صلى الله عليه وسلم لها حيث قال لا يرجع من عندك سائل ولو بشق تمرة رواه البزار من حديث أبي هريرة

حصہ V03/P284–V03/P285

1 ( قوله باب فضل صدقة الشحيح ) الصحيح كذا لأبي ذر ولغيره أي الصدقة أفضل وصدقة الشحيح الصحيح لقوله تعالى وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت الآية فعلى الأول المراد فضل من كان كذلك على غيره وهو واضح وعلى الثاني كأنه تردد في إطلاق أفضلية من كان كذلك فأورد الترجمة بصيغة الإستفهام قال الزين بن المنير ما ملخصه مناسبة الآية للترجمة أن معنى الآية التحذير من التسويف بالإنفاق استبعادا لحلول الأجل وإشتغالا بطول الأمل والترغيب في المبادرة بالصدقة قبل هجوم المنية وفوات الأمنية والمراد بالصحة في الحديث من لم يدخل في مرض مخوف فيتصدق عند انقطاع أمله من الحياة كما أشار إليه في آخره بقوله ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم ولما كانت مجاهدة النفس على إخراج المال مع قيام مانع الشح دالا على صحة القصد وقوة الرغبة في القربة كان ذلك أفضل من غيره وليس المراد أن نفس الشح هو السبب في هذه الأفضلية والله أعلم تنبيه وقع في رواية غير أبي ذر تقديم آية المنافقين على آية البقرة وفي رواية أبي ذر بالعكس 1353 قوله حدثنا عبد الواحد هو بن زياد قوله جاء رجل لم أقف على تسميته ويحتمل أن يكون أبا ذر ففي مسند أحمد عنه أنه سأل أي الصدقة أفضل لكن في الجواب جهد من مقل أو سر إلى فقير وكذا روى الطبراني من حديث أبي أمامة أن أبا ذر سأل فأجيب قوله أي الصدقة أعظم أجرا في الوصايا من وجه آخر عن عمارة بن القعقاع أي الصدقة أفضل قوله أن تصدق بتشديد الصاد وأصله تتصدق فأدغمت إحدى التاءين قوله وأنت صحيح شحيح في الوصايا وأنت صحيح حريص قال صاحب المنتهى الشح بخل مع حرص وقال صاحب المحكم الشح مثلث الشين والضم أعلى وقال صاحب الجامع كأن الفتح في المصدر والضم في الاسم وقال الخطابي فيه أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه وأن سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه سيمة البخل فلذلك شرط صحة البدن في الشح بالمال لأنه في الحالتين يجد للمال وقعا في قلبه لما يأمله من البقاء فيحذر معه الفقر وأحد الأمرين للموصي والثالث للوارث لأنه إذا شاء أبطله قال الكرماني ويحتمل أن يكون الثالث للموصي أيضا لخروجه عن الإستقلال بالتصرف فيما يشاء فلذلك نقص ثوابه عن حال الصحة قال بن بطال وغيره لما كان الشح غالبا في الصحة فالسماح فيه بالصدقة أصدق في النية وأعظم للأجر بخلاف من يئس من الحياة ورأى مصير المال لغيره قوله وتأمل بضم الميم أي تطمع قوله إذا بلغت أي الروح والمراد قاربت بلوغه إذ لو بلغته حقيقة لم يصح شيء من تصرفاته ولم يجر للروح ذكر إغتناء بدلالة السياق والحلقوم مجرى النفس قاله أبو عبيدة وقد تقدم في أواخر كتاب العلم وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب ) كذا للأكثر وبه جزم الإسماعيلي وسقط لأبي ذر فعلى روايته هو من ترجمة فضل صدقة الصحيح وعلى رواية غيره فهو بمنزلة الفصل منه وأورد فيه المصنف قصة سؤال أزواج النبي صلى الله عليه وسلم منه أيتهن أسرع لحوقا به وفيه قوله لهن أطولكن يدا الحديث ووجه تعلقه بما قبله أن هذا الحديث تضمن أن الإيثار والاستكثار من الصدقة في زمن القدرة على العمل سبب للحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم وذلك الغاية في الفضيلة أشار إلى هذا الزين بن المنير وقال بن رشيد وجه المناسبة أنه تبين في الحديث أن المراد بطول اليد المقتضي للحاق به الطول وذلك إنما يتأتى للصحيح لأنه إنما يحصل بالمداومة في حال الصحة وبذلك يتم المراد والله أعلم

حصہ V03/P285–V03/P289

1354 قوله إن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لم أقف على تعيين السائلة منهن عن ذلك إلا عند بن حبان من طريق يحيى بن حماد عن أبي عوانة بهذا الإسناد قالت فقلت بالمثناة وقد أخرجه النسائي من هذا الوجه بلفظ فقلن بالنون فالله أعلم قوله أسرع بك لحوقا منصوب على التمييز وكذا قوله يدا وأطولكن مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف قوله فأخذوا قصبة يذرعونها أي يقدرونها بذراع كل واحدة منهن وإنما ذكره بلفظ جمع المذكر بالنظر إلى لفظ الجمع لا بلفظ جماعة النساء وقد قيل في قول الشاعر وإن شئت حرمت النساء سواكم أنه ذكره بلفظ جمع المذكر تعظيما وقوله أطولكن يناسب ذلك وإلا لقال طولاكن قوله فكانت سودة زاد بن سعد عن عفان عن أبي عوانة بهذا الإسناد بنت زمعة بن قيس قوله أطولهن يدا في رواية عفان ذراعا وهي تعين أنهن فهمن من لفظ اليد الجارحة قوله فعلمنا بعد أي لما ماتت أول نسائه به لحوقا قوله إنما بالفتح والصدقة بالرفع وطول يدها بالنصب لأنه الخبر قوله وكانت أسرعنا كذا وقع في الصحيح بغير تعيين ووقع في التاريخ الصغير للمصنف عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد فكانت سودة أسرعنا الخ وكذا أخرجه البيهقي في الدلائل وبن حبان في صحيحه من طريق العباس الدوري عن موسى وكذا في رواية عفان عند أحمد وبن سعد عنه قال بن سعد قال لنا محمد بن عمر يعني الواقدي هذا الحديث وهل في سودة وإنما هو في زينب بنت جحش فهي أول نسائه به لحوقا وتوفيت في خلافة عمر وبقيت سودة إلى أن توفيت في خلافة معاوية في شوال سنة أربع وخمسين قال بن بطال هذا الحديث سقط منه ذكر زينب لاتفاق أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يعني أن الصواب وكانت زينب أسرعنا الخ ولكن يعكر على هذا التأويل تلك الروايات المتقدمة المصرح فيها بأن الضمير لسودة وقرأت بخط الحافظ أبي علي الصدفي ظاهر هذا اللفظ أن سودة كانت أسرع وهو خلاف المعروف عند أهل العلم أن زينب أول من مات من الأزواج ثم نقله عن مالك من روايته عن الواقدي قال ويقويه رواية عائشة بنت طلحة وقال بن الجوزي هذا الحديث غلط من بعض الرواة والعجب من البخاري كيف لم ينبه عليه ولا أصحاب التعاليق ولا علم بفساد ذلك الخطابي فإنه فسره وقال لحوق سودة به من أعلام النبوة وكل ذلك وهم وإنما هي زينب فإنها كانت أطولهن يدا بالعطاء كما رواه مسلم من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة بلفظ فكانت أطولنا يدا زينب لأنها كانت تعمل وتتصدق انتهى وتلقى مغلطاي كلام بن الجوزي فجزم به ولم ينسبه له وقد جمع بعضهم بين الروايتين فقال الطيبي يمكن أن يقال فيما رواه البخاري المراد الحاضرات من أزواجه دون زينب وكانت سودة أولهن موتا قلت وقد وقع نحوه في كلام مغلطاي لكن يعكر على هذا أن في رواية يحيى بن حماد عند بن حبان أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم إجتمعن عنده لم تغادر منهن واحدة ثم هو مع ذلك إنما يتأتى على أحد القولين في وفاة سودة فقد روى البخاري في تاريخه بإسناد صحيح إلى سعيد بن هلال أنه قال ماتت سودة في خلافة عمر وجزم الذهبي في التاريخ الكبير بأنها ماتت في آخر خلافة عمر وقال بن سيد الناس إنه المشهور وهذا يخالف ما أطلقه الشيخ محيي الدين حيث قال أجمع أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواجه وسبقه إلى نقل الإتفاق بن بطال كما تقدم ويمكن الجواب بأن النقل مقيد بأهل السير فلا يرد نقل قول من خالفهم من أهل النقل ممن لا يدخل في زمرة أهل السير وأما على قول الواقدي الذي تقدم فلا يصح وقد تقدم عن بن بطال أن الضمير في قوله فكانت لزينب وذكرت ما يعكر عليه لكن يمكن أن يكون تفسيره بسودة من بعض الرواة لكون غيرها لم يتقدم له ذكر فلما لم يطلع على قصة زينب وكونها أول الأزواج لحوقا به جعل الضمائر كلها لسودة وهذا عندي من أبي عوانة فقد خالفه في ذلك بن عيينة عن فراس كما قرأت بخط بن رشيد أنه قرأه بخط أبي القاسم بن الورد ولم أقف إلى الآن على رواية بن عيينة هذه لكن روى يونس بن بكير في زيادات المغازي والبيهقي في الدلائل بإسناده عنه عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي التصريح بأن ذلك لزينب لكن قصر زكريا في إسناده فلم يذكر مسروقا ولا عائشة ولفظه قلن النسوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أينا أسرع بك لحوقا قال أطولكن يدا فأخذن يتذار عن أيتهن أطول يدا فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يدا في الخير والصدقة ويؤيده أيضا ما روى الحاكم في المناقب من مستدركه من طريق يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا قالت عائشة فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقة وكانت زينب امرأة صناعة باليد وكانت تدبغ وتخرز وتصدق في سبيل الله قال الحاكم على شرط مسلم انتهى وهي رواية مفسرة مبينة مرجحة لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب قال بن رشيد والدليل على أن عائشة لا تعني سودة قولها فعلمنا بعد إذ قد أخبرت عن سودة بالطول الحقيقي ولم تذكر سبب الرجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلا الموت فإذا طلب السامع سبب العدول لم يجد إلا الإضمار مع أنه يصلح أن يكون المعنى فعلمنا بعد أن المخبر عنها إنما هي الموصوفة بالصدقة لموتها قبل الباقيات فينظر السامع ويبحث فلا يجد إلا زينب فيتعين الحمل عليه وهو من باب إضمار ما لا يصلح غيره كقوله تعالى حتى توارت بالحجاب قال الزين بن المنير وجه الجمع أن قولها فعلمنا بعد يشعر إشعارا قويا أنهن حملن طول اليد على ظاهره ثم علمن بعد ذلك خلافه وأنه كناية عن كثرة الصدقة والذي علمنه آخرا خلاف ما إعتقدنه أولا وقد انحصر الثاني في زينب للإتفاق على أنها أولهن موتا فتعين أن تكون هي المرادة وكذلك بقية الضمائر بعد قوله فكانت واستغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك انتهى وقال الكرماني يحتمل أن يقال إن في الحديث إختصارا أو إكتفاء بشهرة القصة لزينب ويؤول الكلام بأن الضمير رجع إلى المرأة التي علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها أول من يلحق به وكانت كثيرة الصدقة قلت الأول هو المعتمد وكأن هذا هو السر في كون البخاري حذف لفظ سودة من سياق الحديث لما أخرجه في الصحيح لعلمه بالوهم فيه وإنه لما ساقه في التاريخ بإثبات ذكرها ذكر ما يرد عليه من طريق الشعبي أيضا عن عبد الرحمن بن أبزي قال صليت مع عمر على أم المؤمنين زينب بنت جحش وكانت أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم لحوقا به وقد تقدم الكلام على تاريخ وفاتها في كتاب الجنائز وأنه سنة عشرين وروى بن سعد من طريق برزة بنت رافع قالت لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها فتعجبت وسترته بثوب وأمرت بتفرقته إلى أن كشف الثوب فوجدت تحته خمسة وثمانين درهما ثم قالت اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا فماتت فكانت أول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لحوقا به وروى بن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن قال كانت زينب أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم لحوقا به فهذه روايات يعضد بعضها بعضا ويحصل من مجموعها أن في رواية أبي عوانة وهما وقد ساقه يحيى بن حماد عنه مختصرا ولفظه فأخذن قصبة يتذارعنها فماتت سودة بنت زمعة وكانت كثيرة الصدقة فعلمنا أنه قال أطولكن يدا بالصدقة هذا لفظه عند بن حبان من طريق الحسن بن مدرك عنه ولفظه عند النسائي عن أبي داود وهو الحراني عنه فأخذن قصبة فجعلن يذرعنها فكانت سودة أسرعهن به لحوقا وكانت أطولهن يدا وكأن ذلك من كثرة الصدقة وهذا السياق لا يحتمل التأويل إلا أنه محمول على ما تقدم ذكره من دخول الوهم على الراوي في التسمية خاصة والله أعلم وفي الحديث علم من أعلام النبوة ظاهر وفيه جواز إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة وهو لفظ أطولكن إذا لم يكن محذور قال الزين بن المنير لما كان السؤال عن آجال مقدرة لا تعلم إلا بالوحي أجابهن بلفظ غير صريح وأحالهن على ما لا يتبين إلا بآخر وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التكليفية وفيه أن من حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لم يلم وإن كان مراد المتكلم مجازه لأن نسوة النبي صلى الله عليه وسلم حملن طول اليد على الحقيقة فلم ينكر عليهن وأما ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق يزيد بن الأصم عن ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهن ليس ذلك أعني إنما أعني أصنعكن يدا فهو ضعيف جدا ولو كان ثابتا لم يحتجن بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذرع أيديهن كما تقدم في رواية عمرة عن عائشة وقال المهلب في الحديث دلالة على أن الحكم للمعاني لا للألفاظ لأن النسوة فهمن من طول اليد الجارحة وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة وما قاله لا يمكن إطراده في جميع الأحوال والله أعلم قوله باب صدقة العلانية وقوله عز وجل الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية إلى قوله ولا هم يحزنون سقطت هذه الترجمة للمستملي وثبتت للباقين وبه جزم الإسماعيلي ولم يثبت فيها لمن ثبتها حديث وكأنه أشار إلى أنه لم يصح فيها شيء على شرطه وقد أختلف في سبب نزول الآية المذكورة فعند عبد الرزاق بإسناد فيه ضعف إلى بن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب كان عنده أربعة دراهم فأنفق بالليل واحدا وبالنهار واحدا وفي السر واحدا وفي العلانية واحدا وذكره الكلبي في تفسيره عن أبي صالح عن بن عباس أيضا وزاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أما إن ذلك لك وقيل نزلت في أصحاب الخيل الذين يربطونها في سبيل الله أخرجه بن أبي حاتم من حديث أبي أمامة وعن قتادة وغيره نزلت في قوم أنفقوا في سبيل الله من غير إسراف ولا تقتير ذكره الطبري وغيره وقال الماوردي يحتمل أن يكون في إباحة الارتفاق بالزروع والثمار لأنه يرتفق بها كل مار في ليل أو نهار في سر وعلانية وكانت أعم قوله باب صدقة السر وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه وقوله تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم الآية وإذا تصدق على غني وهو لا يعلم ثم ساق حديث أبي هريرة في قصة الذي خرج بصدقته فوضعها في يد سارق ثم زانية ثم غني كذا وقع في رواية أبي ذر ووقع في رواية غيره باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم وكذا هو عند الإسماعيلي ثم ساق الحديث ومناسبته ظاهرة ويكون قد اقتصر في ترجمة صدقة السر على الحديث المعلق على الآية وعلى ما في رواية أبي ذر فيحتاج إلى مناسبة بين ترجمة صدقة السر وحديث المتصدق ووجهها أن الصدقة المذكورة وقعت بالليل لقوله في الحديث فأصبحوا يتحدثون بل وقع في صحيح مسلم التصريح بذلك لقوله فيه لأتصدقن الليلة كما سيأتي فدل على أن صدقته كانت سرا إذ لو كانت بالجهر نهارا لما خفي عنه حال الغني لأنها في الغالب لا تخفى بخلاف الزانية والسارق ولذلك خص الغني بالترجمة دونهما وحديث أبي هريرة المعلق طرف من حديث سيأتي بعد باب بتمامه وقد تقدم مع الكلام عليه مستوفي في باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وهو أقوى الأدلة على أفضلية إخفاء الصدقة وأما الآية فظاهرة في تفضيل صدقة السر أيضا ولكن ذهب الجمهور إلى أنها نزلت في صدقة التطوع ونقل الطبري وغيره الإجماع على أن الاعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء وصدقة التطوع على العكس من ذلك وخالف يزيد بن أبي حبيب فقال إن الآية نزلت في الصدقة على اليهود والنصارى قال فالمعنى إن تؤتوها أهل الكتابين ظاهرة فلكم فضل وإن تؤتوها فقراءكم سرا فهو خير لكم قال وكان يأمر باخفاء الصدقة مطلقا ونقل أبو إسحاق الزجاج أن إخفاء الزكاة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان أفضل فأما بعده فإن الظن يساء بمن أخفاها فلهذا كان إظهار الزكاة المفروضة أفضل قال بن عطية ويشبه في زماننا أن يكون الإخفاء بصدقة الفرض أفضل فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء انتهى وأيضا فكان السلف يعطون زكاتهم للسعاة وكان من أخفاها أتهم بعدم الإخراج وأما اليوم فصار كل أحد يخرج زكاته بنفسه فصار اخفاؤها أفضل والله أعلم وقال الزين بن المنير لو قيل أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال لما كان بعيدا فإذا كان الإمام مثلا جائزا ومال من وجبت عليه مخفيا فالإسرار أولى وإن كان المتطوع ممن يقتدي به ويتبع وتنبعث الهمم على التطوع بالإنفاق وسلم قصده فالاظهار أولى والله أعلم

حصہ V03/P289–V03/P290

1 ( قوله باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم أي فصدقته مقبولة ) 1355 قوله عن الأعرج عن أبي هريرة في رواية مالك في الغرائب للدارقطني عن أبي الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز أخبره أنه سمع أبا هريرة قوله قال رجل لم أقف على اسمه ووقع عند أحمد من طريق بن لهيعة عن الأعرج في هذا الحديث أنه كان من بني إسرائيل قوله لأتصدقن بصدقة في رواية أبي عوانة عن أبي أمية عن أبي اليمان بهذا الإسناد لأتصدقن الليلة وكرر كذلك في المواضع الثلاثة وكذا أخرجه أحمد من طريق ورقاء ومسلم من طريق موسى بن عقبة والدارقطني في غرائب مالك كلهم عن أبي الزناد وقوله لأتصدقن من باب الالتزام كالنذر مثلا والقسم فيه مقدر كأنه قال والله لأتصدقن قوله فوضعها في يد سارق أي وهو لا يعلم أنه سارق قوله فأصبحوا يتحدثون تصدق على سارق في رواية أبي أمية تصدق الليلة على سارق وفي رواية بن لهيعة تصدق الليلة على فلان السارق ولم أر في شيء من الطرق تسمية أحد من الثلاثة المتصدق عليهم وقوله تصدق بضم أوله على البناء للمفعول قوله فقال اللهم لك الحمد أي لا لي لأن صدقتي وقعت بيد من لا يستحقها فلك الحمد حيث كان ذلك بإرادتك أي لا بإرادتي فإن إرادة الله كلها جميلة قال الطيبي لما عزم على أن يتصدق على مستحق فوضعها بيد زانية حمد الله على أنه لم يقدر أن يتصدق على من هو أسوأ حالا منها أو أجرى الحمد مجرى التسبيح في استعماله عند مشاهدة ما يتعجب منه تعظيما لله فلما تعجبوا من فعله تعجب هو أيضا فقال اللهم لك الحمد على زانية أي التي تصدقت عليها فهو متعلق بمحذوف انتهى ولا يخفى بعد هذا الوجه وأما الذي قبله فأبعد منه والذي يظهر الأول وأنه سلم وفوض ورضي بقضاء الله فحمد الله على تلك الحال لأنه المحمود على جميع الحال لا يحمد على المكروه سواه وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما لا يعجبه قال اللهم لك الحمد على كل حال قوله فأتى فقيل له في رواية الطبراني في مسند الشاميين عن أحمد بن عبد الوهاب عن أبي اليمان بهذا الإسناد فساءه ذلك فأتى في منامه وأخرجه أبو نعيم في المستخرج عنه وكذا الإسماعيلي من طريق علي بن عياش عن شعيب وفيه تعيين أحد الإحتمالات التي ذكرها بن التين وغيره قال الكرماني قوله أتى أي أرى في المنام أو سمع هاتفا ملكا أو غيره أو أخبره نبي أو أفتاه عالم وقال غيره أو أتاه ملك فكلمه فقد كانت الملائكة تكلم بعضهم في بعض الأمور وقد ظهر بالنقل الصحيح أنها كلها لم تقع إلا النقل الأول قوله أما صدقتك على سارق زاد أبو أمية فقد قبلت وفي رواية موسى بن عقبة وبن لهيعة أما صدقتك فقد قبلت وفي رواية الطبراني أن الله قد قبل صدقتك وفي الحديث دلالة على أن الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير ولهذا تعجبوا من الصدقة على الأصناف الثلاثة وفيه أن نية المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع واختلف الفقهاء في الإجزاء إذا كان ذلك في زكاة الفرض ولا دلالة في الحديث على الإجزاء ولا على المنع ومن ثم أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام ولم يجزم بالحكم فإن قيل إن الخبر إنما تضمن قصة خاصة وقع الاطلاع فيها على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفاقية فمن أين يقع تعميم الحكم فالجواب أن التنصيص في هذا الخبر على رجاء الإستعفاف هو الدال على تعدية الحكم فيقتضي إرتباط القبول بهذه الأسباب وفيه فضل صدقة السر وفضل الإخلاص واستحباب إعادة الصدقة إذا لم تقع الموقع وأن الحكم للظاهر حتى يتبين سواه وبركة التسليم والرضا وذم التضجر بالقضاء كما قال بعض السلف لا تقطع الخدمة ولو ظهر لك عدم القبول 1 ( قوله باب إذا تصدق أي الشخص على ابنه وهو لا يشعر )

حصہ V03/P290

قال الزين بن المنير لم يذكر جواب الشرط اختصارا وتقديره جاز لأنه يصير لعدم شعوره كالأجنبي ومناسبة الترجمة للخبر من جهة أن يزيد أعطى من يتصدق عنه ولم يحجر عليه وكان هو السبب في وقوع الصدقة في يد ولده قال وعبر في هذه الترجمة بنفي الشعور وفي التي قبلها بنفي العلم لأن المتصدق في السابقة بذل وسعه في طلب إعطاء الفقير فأخطأ إجتهاده فناسب أن ينفي عنه العلم وأما هذا فباشر التصدق غيره فناسب أن ينفي عن صاحب الصدقة الشعور

حصہ V03/P290–V03/P292

1356 قوله حدثنا محمد بن يوسف هو الفريابي وأبو الجويرية بالجيم مصغرا اسمه حطان بكسر المهملة وكان سماعه من معن ومعن أمير على غزاة بالروم في خلافة معاوية كما رواه أبو داود من طريق أبي الجويرية قوله أنا وأبي وجدي اسم جده الأخنس بن حبيب السلمي كما جزم به بن حبان وغير واحد ووقع في الصحابة لمطين وتبعه البارودي والطبراني وبن منده وأبو نعيم أن اسم جد معن بن يزيد ثور فترجموا في كتبهم بثور وساقوا حديث الباب من طريق الجراح والد وكيع عن أبي الجويرية عن معن بن يزيد بن ثور السلمي أخرجه مطين عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن جده ورواه البارودي والطبراني عن مطين ورواه بن منده عن البارودي وأبو نعيم عن الطبراني وجمهور الرواة عن أبي الجويرية لم يسموا جد معن بل تفرد سفيان بن وكيع بذلك وهو ضعيف وأظنه كان فيه عن معن بن يزيد أبي ثور السلمي فتصحفت أداة الكنية بابن فإن معنا كان يكنى أبا ثور فقد ذكر خليفة بن خياط في تاريخه أن معن بن يزيد وابنه ثورا قتلا يوم مرج راهط مع الضحاك بن قيس وجمع بن حبان بين القولين بوجه آخر فقال في الصحابة ثور السلمي جد معن بن يزيد بن الأخنس السلمي لأمه فإن كان ضبطه فقد زال الإشكال والله أعلم وروي عن يزيد بن أبي حبيب أن معن بن يزيد شهد بدرا هو وأبوه وجده ولم يتابع على ذلك فقد روى أحمد والطبراني من طريق صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن يزيد بن الأخنس السلمي أنه أسلم فأسلم معه جميع أهله إلا امرأة واحدة أبت أن تسلم فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ولا تمسكوا بعصم الكوافر فهذا دال على أن إسلامه كان متأخرا لأن الآية متأخرة الإنزال عن بدر قطعا وقد فرق البغوي وغيره في الصحابة بين يزيد بن الأخنس وبين يزيد والد معن والجمهور على أنه هو قوله وخطب على فأنكحني أي طلب لي النكاح فأجيب يقال خطب المرأة إلى وليها إذا أرادها الخاطب لنفسه وعلى فلان إذا أرادها لغيره والفاعل النبي صلى الله عليه وسلم لأن مقصود الراوي بيان أنواع علاقاته به من المبايعة وغيرها ولم أقف على اسم المخطوبة ولو ورد أنها ولدت منه لضاهى بيت الصديق في الصحبة من جهة كونهم أربعة في نسق وقد وقع ذلك لأسامة بن زيد بن حارثة فروى الحاكم في المستدرك أن حارثة قدم فأسلم وذكر الواقدي في المغازي أن أسامة ولد له على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تتبعت نظائر لذلك أكثرها فيه مقال ذكرتها في النكت على علوم الحديث لابن الصلاح قوله وكان أبى يزيد بالرفع على البدلية قوله فوضعها عند رجل لم أقف على اسمه وفي السياق حذف تقديره وأذن له أن يتصدق بها على محتاج إليها إذنا مطلقا قوله فجئت فأخذتها أي من المأذون له في التصدق بها بإذنه لا بطريق الإعتداء ووقع عند البيهقي من طريق أبي حمزة السكري عن أبي الجويرية في هذا الحديث قلت ما كانت خصومتك قال كان رجل يغشى المسجد فيتصدق على رجال يعرفهم فظن أني بعض من يعرف فذكر الحديث قوله فأتيته الضمير لأبيه أي فأتيت أبي بالدنانير المذكورة قوله والله ما إياك أردت يعني لو أردت انك تأخذها لناولتها لك ولم أوكل فيها أو كأنه كان يرى أن الصدقة على الولد لا تجزئ أو يرى أن الصدقة على الأجنبي أفضل قوله فخاصمته تفسير لقوله أولا وخاصمت إليه قوله لك ما نويت أي إنك نويت أن تتصدق بها على من يحتاج إليها وابنك يحتاج إليها فوقعت الموقع وإن كان لم يخطر ببالك أنه يأخذها قوله ولك ما أخذت يا معن أي لأنك أخذتها محتاجا إليها قال بن رشيد الظاهر أنه لم يرد بقوله والله ما إياك أردت أي أني أخرجتك بنيتي وإنما أطلقت لمن تجزئ عني الصدقة عليه ولم تخطر أنت ببالي فأمضى النبي صلى الله عليه وسلم الإطلاق لأنه فوض للوكيل بلفظ مطلق فنفذ فعله وفيه دليل على العمل بالمطلقات على إطلاقها وإن احتمل أن المطلق لو خطر بباله فرد من الأفراد لقيد اللفظ به والله أعلم واستدل به على جواز دفع الصدقة إلى كل أصل وفرع ولو كان ممن تلزمه نفقته ولا حجة فيه لأنها واقعة حال فإحتمل أن يكون معن كان مستقلا لا يلزم أباه يزيد نفقته وسيأتي الكلام على هذه المسألة مبسوطا في باب الزكاة على الزوج بعد ثلاثين بابا إن شاء الله تعالى وفيه جواز الافتخار بالمواهب الربانية والتحدث بنعم الله وفيه جواز التحاكم بين الأب والإبن وأن ذلك بمجرده لا يكون عقوقا وجواز الاستخلاف في الصدقة ولا سيما صدقة التطوع لأن فيه نوع إسرار وفيه أن للمتصدق أجر ما نواه سواء صادف المستحق أولا وأن الأب لا رجوع له في الصدقة على ولده بخلاف الهبة والله أعلم

حصہ V03/P292–V03/P293

1 ( قوله باب الصدقة باليمين ) أي حكم أو باب بالتنوين والتقدير أي فاضلة أو يرغب فيها ثم أورد فيه حديث أبي هريرة سبعة يظلهم الله في ظله وفي 1357 قوله حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وقد تقدم الكلام عليه مستوفي كما بينته قريبا ثم أورد فيه أيضا حديث حارثة بن وهب الذي تقدم في باب الصدقة قبل الرد وفيه يمشي الرجل بصدقته فيقول الرجل لو جئت بها أمس لقبلتها منك قال بن رشيد مطابقة الحديث للترجمة من جهة أنه اشترك مع الذي قبله في كون كل منهما حاملا لصدقته لأنه إذا كان حاملا لها بنفسه كان أخفى لها فكان في معنى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ويحمل المطلق في هذا على المقيد في هذا أي المناولة باليمين قال ويقوي أن ذلك مقصده اتباعه بالترجمة التي بعدها حيث قال من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه وكأنه قصد في هذا من حملها بنفسه 1 ( قوله باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه ) قال الزين بن المنير فائدة قوله ولم يناول بنفسه التنبيه على أن ذلك مما يغتفر وأن قوله في الباب قبله الصدقة باليمين لا يلزم منه المنع من إعطائها بيد الغير وإن كانت المباشرة أولى قوله وقال أبو موسى هو الأشعري قوله هو أحد المتصدقين ضبط في جميع روايات الصحيحين بفتح القاف على التثنية قال القرطبي ويجوز الكسر على الجمع أي هو متصدق من المتصدقين وهذا التعليق طرف من حديث وصله بعد ستة أبواب بلفظ الخازن والخازن خادم المالك في الخزن وإن لم يكن خادمه حقيقة ثم أورد المصنف هنا حديث عائشة إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها الحديث قال بن رشيد نبه بالترجمة على أن هذا الحديث مفسر بها لأن كلا من الخازن والخادم والمرأة أمين ليس له أن يتصرف إلا بإذن المالك نصا أو عرفا إجمالا أو تفصيلا انتهى وسيأتي البحث في ذلك بعد سبعة أبواب 1 ( قوله باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى )

حصہ V03/P293–V03/P296

أورد في الباب حديث أبي هريرة بلفظ خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وهو مشعر بأن النفي في اللفظ الأول للكمال لا للحقيقة فالمعنى لا صدقة كاملة إلا عن ظهر غنى وقد أورده أحمد من طريق أبي صالح بلفظ إنما الصدقة ما كان عن ظهر غنى وهو أقرب إلى لفظ الترجمة وأخرجه أيضا من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة بلفظ الترجمة قال لا صدقة إلا عن ظهر غنى الحديث وكذا ذكره المصنف تعليقا في الوصايا وساقه مغلطا بإسناد له إلى أبي هريرة بلفظه وليس هو باللفظ المذكور في الكتاب الذي ساقه منه فلا يغتر به ولا بمن تبعه على ذلك قوله ومن تصدق وهو محتاج إلى آخر الترجمة كأنه أراد تفسير الحديث المذكور بأن شرط المتصدق أن لا يكون محتاجا لنفسه أو لمن تلزمه نفقته ويلتحق بالتصدق سائر التبرعات وأما قوله فهو رد عليه فمقتضاه أن ذا الدين المستغرق لا يصح منه التبرع لكن محل هذا عند الفقهاء إذا حجر عليه الحاكم بالفلس وقد نقل فيه صاحب المغني وغيره الإجماع فيحمل إطلاق المصنف عليه واستدل له المصنف بالأحاديث التي علقها وأما قوله إلا أن يكون معروفا بالصبر فهو من كلام المصنف وكلام بن التين يوهم أنه بقية الحديث فلا يغتر به وكأن المصنف أراد أن يخص به عموم الحديث الأول والظاهر أنه يختص بالمحتاج ويحتمل أن يكون عاما ويكون التقدير إلا أن يكون كل من المحتاج أو من تلزمه النفقة أو صاحب الدين معروفا بالصبر ويقوي الأول التمثيل الذي مثل به من فعل أبي بكر والأنصار قال بن بطال أجمعوا على أن المديان لا يجوز له أن يتصدق بماله ويترك قضاء الدين فتعين حمل ذلك على المحتاج وحكى بن رشيد عن بعضهم أنه يتصور في المديان فيما إذا عامله الغرماء على أن يأكل من المال فلو آثر بقوته وكان صبورا جاز له ذلك وإلا كان إيثاره سببا في أن يرجع لاحتياجه فيأكل فيتلف أموالهم فيمنع وإذا تقرر ذلك فقد اشتملت الترجمة على خمسة أحاديث معلقة وفي الباب أربعة أحاديث موصولة فأما المعلقة فأولها قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ أموال الناس وهو طرف من حديث لأبي هريرة موصول عنده في الاستقراض ثانيها قوله كفعل أبي بكر حين تصدق بماله هذا مشهور في السير وورد في حديث مرفوع أخرجه أبو داود وصححه الترمذي والحاكم من طريق زيد بن أسلم عن أبيه سمعت عمر يقول أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك قال أبقيت لهم الله ورسوله الحديث تفرد به هشام بن سعد عن زيد وهشام صدوق فيه مقال من جهة حفظه قال الطبري وغيره قال الجمهور من تصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله حيث لا دين عليه وكان صبورا على الإضاقة ولا عيال له أو له عيال يصبرون أيضا فهو جائز فإن فقد شيء من هذه الشروط كره وقال بعضهم هو مردود وروي عن عمر حيث رد على غيلان الثقفي قسمة ماله ويمكن أن يحتج له بقصة المدبر الآتي ذكره فإنه صلى الله عليه وسلم باعه وأرسل ثمنه إلى الذي دبره لكونه كان محتاجا وقال آخرون يجوز من الثلث ويرد عليه الثلثان وهو قول الأوزاعي ومكحول وعن مكحول أيضا يرد ما زاد على النصف قال الطبري والصواب عندنا الأول من حيث الجواز والمختار من حيث الإستحباب أن يجعل ذلك من الثلث جمعا بين قصة أبي بكر وحديث كعب والله أعلم ثالثها قوله وكذلك آثر الأنصار المهاجرين هو مشهور أيضا في السير وفيه أحاديث مرفوعة منها حديث أنس قدم المهاجرون المدينة وليس بأيديهم شيء فقاسمهم الأنصار وسيأتي موصولا في الهبة وحديث أبي هريرة في قصة الأنصاري الذي آثر ضيفه بعشائه وعشاء أهله وسيأتي موصولا في تفسير سورة الحشر رابعها قوله ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال هو طرف من حديث المغيرة وقد تقدم بتمامه في آخر صفة الصلاة خامسها قوله وقال كعب يعني بن مالك الخ وهو طرف من حديثه الطويل في قصة توبته وسيأتي بتمامه في تفسير سورة التوبة وأما الموصوله فأولها حديث أبي هريرة خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى فعبد الله المذكور في الإسناد هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد ومعنى الحديث أفضل الصدقة ما وقع من غير محتاج إلى ما يتصدق به لنفسه أو لمن تلزمه نفقته قال الخطابي لفظ الظهر يرد في مثل هذا إشباعا للكلام والمعنى أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية ولذلك قال بعده وإبدأ بمن تعول وقال البغوي المراد غنى يستظهر به على النوائب التي تنوبه ونحوه قولهم ركب متن السلامة والتنكير في قوله غنى للتعظيم هذا هو المعتمد في معنى الحديث وقيل المراد خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة وقيل عن للسببية والظهر زائد أي خير الصدقة ما كان سببها غنى في المتصدق وقال النووي مذهبنا أن التصدق بجميع المال مستحب لمن لا دين عليه ولا له عيال لا يصبرون ويكون هو ممن يصبر على الإضاقة والفقر فإن لم يجمع هذه الشروط فهو مكروه وقال القرطبي في المفهم يرد على تأويل الخطابي بالآيات والأحاديث الواردة في فضل المؤثرين على أنفسهم ومنها حديث أبي ذر أفضل الصدقة جهد من مقل والمختار أن معنى الحديث أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال بحيث لا يصير المتصدق محتاجا بعد صدقته إلى أحد فمعنى الغنى في هذا الحديث حصول ما تدفع به الحاجة الضرورية كالأكل عند الجوع المشوش الذي لا صبر عليه وستر العورة والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى وما هذا سبيله فلا يجوز الإيثار به بل يحرم وذلك أنه إذا آثر غيره به أدى إلى إهلاك نفسه أو الاضرار بها أو كشف عورته فمراعاة حقه أولى على كل حال فإذا سقطت هذه الواجبات صح الايثار وكانت صدقته هي الأفضل لأجل ما يتحمل من مضض الفقر وشدة مشقته فبهذا يندفع التعارض بين الأدلة أن شاء الله قوله وإبدأ بمن تعول فيه تقديم نفقة نفسه وعياله لأنها منحصرة فيه بخلاف نفقة غيرهم وسيأتي شرحه في النفقات إن شاء الله تعالى ثانيها حديث حكيم بن حزام اليد العليا خير من اليد السفلى الحديث وشاهد الترجمة منه قوله فيه وخير الصدقة عن ظهر غنى وهشام المذكور في الإسناد هو بن عروة بن الزبير وقوله فيه ومن يستعف يعفه الله يأتي الكلام عليه في حديث أبي سعيد بعد أبواب ثالثها حديث أبي هريرة قال بهذا أي بحديث حكيم أورده معطوفا على إسناد حديث حكيم بلفظ وعن وهيب والظاهر أنه حمله عن موسى بن إسماعيل عنه بالطريقين معا وكأن هشاما حدث به وهيبا تارة عن أبيه عن حكيم وتارة عن أبيه عن أبي هريرة أو حدثه به عنهما مجموعا ففرقه وهيب أو الراوي عنه وقد وصل حديث أبي هريرة من طريق وهيب الإسماعيلي قال أخبرني بن ياسين حدثنا محمد بن سفيان حدثنا حبان هو بن هلال حدثنا وهيب حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة قال مثل حديث حكيم رابعها حديث بن عمر من وجهين في ذكر اليد العليا وإنما أورده ليفسر به ما أجمل في حديث حكيم قال بن رشيد والذي يظهر أن حديث حكيم بن حزام لما اشتمل على شيئين حديث اليد العليا وحديث لا صدقة الا عن ظهر غنى ذكر معه حديث بن عمر المشتمل على الشيء الأول تكثيرا لطرقه ويحتمل أن يكون مناسبة حديث اليد العليا للترجمة من جهة أن إطلاق كون اليد العليا هي المنفقه محله ما إذا كان الإنفاق لا يمنع منه بالشرع كالمديان المحجور عليه فعمومه مخصوص بقوله لا صدقة الا عن ظهر غنى والله أعلم تنبيه لم يسق البخاري متن طريق حماد عن أيوب وعطف عليه طريق مالك فربما أوهم إنهما سواء وليس كذلك لما سنذكره عن أبي داود وقال بن عبد البر في التمهيد لم تختلف الرواة عن مالك أي في سياقه كذا قال وفيه نظر كما سيأتي وقال القرطبي وقع تفسير اليد العليا والسفلى في حديث بن عمر هذا وهو نص يرفع الخلاف ويدفع تعسف من تعسف في تأويله ذلك انتهى لكن ادعى أبو العباس الداني في أطراف الموطأ أن التفسير المذكور مدرج في الحديث ولم يذكر مستندا لذلك ثم وجدت في كتاب العسكري في الصحابة بإسناد له فيه انقطاع عن أبن عمر أنه كتب إلى بشر بن مروان إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول اليد العليا خير من اليد السفلى ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة ولا العليا إلا المعطية فهذا يشعر بأن التفسير من كلام بن عمر ويؤيده ما رواه بن أبي شيبة من طريق عبد الله بن دينار عن بن عمر قال كنا نتحدث أن العليا هي المنفقة

حصہ V03/P296–V03/P297

1362 قوله وذكر الصدقة والتعفف والمسألة كذا للبخاري بالواو قبل المسألة وفي رواية مسلم عن قتيبة عن مالك والتعفف عن المسألة ولأبي داود والتعفف منها أي من أخذ الصدقة والمعنى أنه كان يحض الغني على الصدقة والفقير على التعفف عن المسألة أو يحضه على التعفف ويذم المسألة قوله فاليد العليا هي المنفقة قال أبو داود قال الأكثر عن حماد بن زيد المنفقة وقال واحد عنه المتعففة وكذا قال عبد الوارث عن أيوب انتهى فأما الذي قال عن حماد المتعففة بالعين وفاءين فهو مسدد كذلك رويناه عنه في مسنده رواية معاذ بن المثنى عنه ومن طريقه أخرجه بن عبد البر في التمهيد وقد تابعه على ذلك أبو الربيع الزهراني كما رويناه في كتاب الزكاة ليوسف بن يعقوب القاضي حدثنا أبو الربيع وأما رواية عبد الوارث فلم أقف عليها موصولة وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق سليمان بن حرب عن حماد بلفظ واليد العليا يد المعطي وهذا يدل على أن من رواه عن نافع بلفظ المتعففة فقد صحف قال بن عبد البر ورواه موسى بن عقبة عن نافع فاختلف عليه أيضا فقال حفص بن ميسرة عنه المنفقة كما قال مالك قلت وكذلك قال فضيل بن سليمان عنه أخرجه بن حبان من طريقه قال ورواه إبراهيم بن طهمان عن موسى فقال المنفقة قال بن عبد البر رواية مالك أولى وأشبه بالأصول ويؤيده حديث طارق المحاربي عند النسائي قال قدمنا المدينة فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول يد المعطي العليا انتهى ولابن أبي شيبة والبزار من طريق ثعلبة بن زهدم مثله وللطبراني بإسناد صحيح عن حكيم بن حزام مرفوعا يد الله فوق يد المعطي ويد المعطي فوق يد المعطى ويد المعطى أسفل الأيدي وللطبراني من حديث عدي الجذامي مرفوعا مثله ولأبي داود وبن خزيمة من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك عن أبيه مرفوعا الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى ولأحمد والبزار من حديث عطية السعدي اليد المعطية هي العليا والسائلة هي السفلى فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية وأن السفلى هي السائلة وهذا هو المعتمد وهو قول الجمهور وقيل اليد السفلى الآخذة سواء كان بسؤال أم بغير سؤال وهذا أباه قوم واستندوا إلى أن الصدقة تقع في يد الله قبل يد المتصدق عليه قال بن العربي التحقيق أن السفلى يد السائل وأما يد الآخذ فلا لأن يد الله هي المعطية ويد الله هي الآخذة وكلتاهما عليا وكلتاهما يمين انتهى وفيه نظر لأن البحث إنما هو في أيدي الآدميين وأما يد الله تعالى فباعتبار كونه مالك كل شيء نسبت يده إلى الإعطاء وباعتبار قبوله للصدقة ورضاه بها نسبت يده إلى الأخذ ويده العليا على كل حال وأما يد الآدمي فهي أربعة يد المعطي وقد تضافرت الأخبار بأنها عليا ثانيها يد السائل وقد تضافرت بأنها سفلى سواء أخذت أم لا وهذا موافق لكيفية الإعطاء والأخذ غالبا وللمقابلة بين العلو والسفل المشتق منهما ثالثها يد المتعفف عن الأخذ ولو بعد أن تمد إليه يد المعطي مثلا وهذه توصف بكونها عليا علوا معنويا رابعها يد الآخذ بغير سؤال وهذه قد أختلف فيها فذهب جمع إلى أنها سفلى وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس وأما المعنوي فلا يطرد فقد تكون عليا في بعض الصور وعليه يحمل كلام من أطلق كونها عليا قال بن حبان اليد المتصدقة أفضل من السائلة لا الآخذة بغير سؤال إذ محال أن تكون اليد التي أبيح لها استعمال فعل باستعماله دون من فرض عليه إتيان شيء فأتى به أو تقرب إلى ربه متنفلا فربما كان الآخذ لما أبيح له أفضل وأورع من الذي يعطى انتهى وعن الحسن البصري اليد العليا المعطية والسفلى المانعة ولم يوافق عليه وأطلق آخرون من المتصوفة أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقا وقد حكى بن قتيبة في غريب الحديث ذلك عن قوم ثم قال وما أرى هؤلاء إلا قوما استطابوا السؤال فهم يحتجون للدناءة ولو جاز هذا لكان المولى من فوق هو الذي كان رقيقا فأعتق والمولى من أسفل هو السيد الذي أعتقه انتهى وقرأت في مطلع الفوائد للعلامة جمال الدين بن نباتة في تأويل الحديث المذكور معنى آخر فقال اليد هنا هي النعمة وكأن المعنى أن العطية الجزيلة خير من العطية القليلة قال وهذا حث على المكارم بأوجز لفظ ويشهد له أحد التأويلين في قوله ما أبقت غنى أي ما حصل به للسائل غنى عن سؤاله كمن أراد أن يتصدق بألف فلو أعطاها لمائة إنسان لم يظهر عليهم الغنى بخلاف ما لو أعطاها لرجل واحد قال وهو أولى من حمل اليد على الجارحة لأن ذلك لا يستمر إذ فيمن يأخذ من هو خير عند الله ممن يعطي قلت التفاضل هنا يرجع إلى الإعطاء والأخذ ولا يلزم منه أن يكون المعطي أفضل من الآخذ على الإطلاق وقد روى إسحاق في مسنده من طريق عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير إن حكيم بن حزام قال يا رسول الله ما اليد العليا قال التي تعطي ولا تأخذ فقوله ولا تأخذ صريح في أن الآخذة ليست بعليا والله أعلم وكل هذه التأويلات المتعسفة تضمحل عند الأحاديث المتقدمة المصرحة بالمراد فأولى ما فسر الحديث بالحديث ومحصل ما في الآثار المتقدمة أن أعلى الأيدي المنفقة ثم المتعففة عن الأخذ ثم الآخذة بغير سؤال وأسفل الأيدي السائلة والمانعة والله أعلم قال بن عبد البر وفي الحديث إباحة الكلام للخطيب بكل ما يصلح من موعظة وعلم وقربة وفيه الحث على الإنفاق في وجوه الطاعة وفيه تفضيل الغنى مع القيام بحقوقه على الفقر لأن العطاء إنما يكون مع الغنى وقد تقدم الخلاف في ذلك في حديث ذهب أهل الدثور في أواخر صفة الصلاة وفيه كراهة السؤال والتنفير عنه ومحله إذا لم تدع إليه ضرورة من خوف هلاك ونحوه وقد روى الطبراني من حديث بن عمر بإسناد فيه مقال مرفوعا ما المعطي من سعة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجا وسيأتي حديث حكيم مطولا في باب الإستعفاف عن المسألة وفيه بيان سببه إن شاء الله تعالى

حصہ V03/P297–V03/P299

1 ( قوله باب المنان بما أعطى ) لقوله تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى الآية هذه الترجمة ثبتت في رواية الكشميهني وحده بغير حديث وكأنه أشار إلى ما رواه مسلم من حديث أبي ذر مرفوعا ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة المنان الذي لا يعطي شيئا إلا من به الحديث ولما لم يكن على شرطه اقتصر على الإشاره إليه ومناسبة الآية للترجمة واضحة من جهة أن النفقة في سبيل الله لما كان المان بها مذموما كان ذم المعطي في غيرها من باب الأولى قال القرطبي المن غالبا يقع من البخيل والمعجب فالبخيل تعظم في نفسه العطية وإن كانت حقيرة في نفسها والمعجب يحمله العجب على النظر لنفسه بعين العظمة وأنه منعم بماله على المعطى وإن كان أفضل منه في نفس الأمر وموجب ذلك كله الجهل ونسيان نعمة الله فيما أنعم به عليه ولو نظر مصيره لعلم أن المنة للآخذ لما يترتب له من الفوائد 1 ( قوله باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها ) ذكر فيه حديث عقبة بن الحارث صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم العصر فأسرع ثم دخل البيت الحديث وفيه كنت خلفت في البيت تبرا من الصدقة فكرهت أن أبيته فقسمته قال بن بطال فيه أن الخير ينبغي أن يبادر به فإن الآفات تعرض والموانع تمنع والموت لا يؤمن والتسويف غير محمود زاد غيره وهو أخلص للذمة وأنفى للحاجة وأبعد من المطل المذموم وأرضى للرب وأمحى للذنب وقد تقدمت بقية فوائده في أواخر صفة الصلاة وقال الزين بن المنير ترجم المصنف بالإستحباب وكان يمكن أن يقول كراهة تبييت الصدقة لأن الكراهة صريحة في الخبر واستحباب التعجيل مستنبط من قرائن سياق الخبر حيث أسرع في الدخول والقسمة فجرى على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى قوله 1363 أن أبيته أي أتركه حتى يدخل عليه الليل يقال بات الرجل دخل في الليل وبيته تركه حتى دخل الليل 1 ( قوله باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها ) قال الزين بن المنير يجتمع التحريض والشفاعة في أن كلا منهما إيصال الراحة للمحتاج ويفترقان في أن التحريض معناه الترغيب بذكر ما في الصدقة من الأجر والشفاعة فيها معنى السؤال والتقاضي للإجابة آنتهى ويفترقان بأن الشفاعة لا تكون إلا في خير بخلاف التحريض وبأنها قد تكون بغير تحريض وذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أولها حديث بن عباس في تحريض النساء على الصدقة وقد تقدم مبسوطا في العيدين وقوله

حصہ V03/P299–V03/P301

1364 هنا عن عدي هو بن ثابت وقوله القلب بضم القاف وسكون اللام آخرها موحدة هو السوار وقيل هو مخصوص بما كان من عظم والخرص بضم المعجمة وسكون الراء بعدها مهملة هي الحلقة ثانيها حديث أبي موسى اشفعوا تؤجروا وقد أورد في باب الشفاعة من كتاب الأدب ويأتي الكلام عليه مستوفى هناك إن شاء الله تعالى وعبد الواحد في الإسناد هو بن زياد قال بن بطال المعنى اشفعوا يحصل لكم الأجر مطلقا سواء قضيت الحاجة أو لا ثالثها حديث أسماء وهي بنت أبي بكر الصديق لا توكى فيوكى عليك كذا عنده بفتح الكاف ولم يذكر الفاعل وفي رواية له لا تحصي فيحصى الله عليك فأبرز الفاعل وكلاهما بالنصب لكونه جواب النهي وبالفاء قوله عبدة هو بن سليمان وهشام هو بن عروة وفاطمة هي بنت المنذر بن الزبير وهي زوج هشام وأسماء جدتهما لأبويهما وقوله حدثنا عثمان عن عبدة أي بإسناده المذكور ويحتمل أن يكون الحديث كان عند عبدة عن هشام باللفظين فحدث به تارة هكذا وتارة هكذا وقد رواه النسائي والإسماعيلي من طريق أبي معاوية عن هشام باللفظين معا وسيأتي في الهبة عند المصنف من طريق بن نمير عن هشام باللفظين لكن بعين مهملة بدل الكاف وهو بمعناه يقال أوعيت المتاع في الوعاء أوعيه إذا جعلته فيه ووعيت الشيء حفظته وإسناد الوعي إلى الله مجاز عن الإمساك والإيكاء شد رأس الوعاء بالوكاء وهو الرباط الذي يربط به والإحصاء معرفة قدر الشيء وزنا أو عددا وهو من باب المقابلة والمعنى النهي عن منع الصدقة خشية النفاد فإن ذلك أعظم الأسباب لقطع مادة البركة لأن الله يثيب على العطاء بغير حساب ومن لا يحاسب عند الجزاء لا يحسب عليه عند العطاء ومن علم أن الله يرزقه من حيث لا يحتسب فحقه أن يعطي ولا يحسب وقيل المراد بالإحصاء عد الشيء لأن يدخر ولا ينفق منه وأحصاه الله قطع البركة عنه أو حبس مادة الرزق أو المحاسبة عليه في الآخرة وسيأتي ذكر سبب هذا الحديث في كتاب الهبة مع بقية الكلام عليه إن شاء الله تعالى قال بن رشيد قد تخفي مناسبة حديث أسماء لهذه الترجمة وليس بخاف على الفطن ما فيه من معنى التحريض والشفاعة معا فإنه يصلح أن يقال في كل منهما وهذه هي النكتة في ختم الباب به 1 ( قوله باب الصدقة فيما استطاع ) أورد فيه حديث أسماء المذكور من وجه آخر عنها من وجهين وساقه هنا على لفظ حجاج بن محمد لخلو طريق أبي عاصم من التقييد بالاستطاعة وسيأتي في الهبة بلفظ أبي عاصم وسياقه أتم وقوله 1367 ارضخي بكسر الهمزة من الرضخ بمعجمتين وهو العطاء اليسير فالمعنى أنفقى بغير إجحاف ما دمت قادرة مستطيعة 1 ( قوله باب الصدقة تكفر الخطيئة ) أورد فيه حديث حذيفة فتنة الرجل في أهله وولده تكفرها الصلاة والصدقة الحديث وقد تقدم في باب الصلاة وسيأتي الكلام عليه مبسوطا في علامات النبوة إن شاء الله تعالى قوله باب من تصدق في الشرك ثم أسلم أي هل يعتد له بثواب ذلك أو لا قال الزين بن المنير لم يبت الحكم من أجل قوة الاختلاف فيه قلت وقد تقدم البحث في ذلك مستوفي في كتاب الإيمان في الكلام على حديث إذا أسلم العبد فحسن إسلامه وأنه لا مانع من أن الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه في الكفر تفضلا وإحسانا

حصہ V03/P301–V03/P302

1369 قوله أتحنث بالمثلثة أي أتقرب والحنث في الأصل الإثم وكأنه أراد ألقى عني الإثم ولما أخرج البخاري هذا الحديث في الأدب عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري قال في آخره ويقال أيضا عن أبي اليمان أتحنت يعني بالمثناة ونقل عن أبي إسحاق أن التحنت التبرر قال وتابعه هشام بن عروة عن أبيه وحديث هشام أورده في العتق بلفظ كنت أتحنت بها يعني أتبرر بها قال عياض رواه جماعة من الرواة في البخاري بالمثلثة وبالمثناة وبالمثلثة أصح رواية ومعنى قوله من صدقة أو عتاقة أو صلة كذا هنا بلفظ أو وفي رواية شعيب المذكورة بالواو في الموضعين وسقط لفظ الصدقة من رواية عبد الرزاق عن معمر وفي رواية هشام المذكورة أنه أعتق في الجاهلية مائتي رقبة وحمل على مائتي بعير وزاد في آخره فوالله لا أدع شيئا صنعته في الجاهلية إلا فعلت في الإسلام مثله قوله أسلمت على ما سلف من خير قال المازري ظاهره أن الخير الذي أسلفه كتب له والتقدير أسلمت على قبول ما سلف لك من خير وقال الحربي معناه ما تقدم لك من الخير الذي عملته هو لك كما تقول أسلمت على أن أحوز لنفسي ألف درهم وأما من قال إن الكافر لا يثاب فحمل معنى الحديث على وجوه أخرى منها أن يكون المعنى إنك بفعلك ذلك اكتسبت طباعا جميلة فانتفعت بتلك الطباع في الإسلام وتكون تلك العادة قد مهدت لك معونة على فعل الخير أو أنك اكتسبت بذلك ثناء جميلا فهو باق لك في الإسلام أو أنك ببركة فعل الخير هديت إلى الإسلام لأن المبادئ عنوان الغايات أو أنك بتلك الأفعال رزقت الرزق الواسع قال بن الجوزي قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم وري عن جوابه فأنه سأل هل لي فيها من أجر فقال أسلمت على ما سلف من خير والعتق فعل خير وكأنه أراد إنك فعلت الخير والخير يمدح فاعله ويجازى عليه في الدنيا فقد روى مسلم من حديث أنس مرفوعا أن الكافر يثاب في الدنيا بالرزق على ما يفعله من حسنة 1 ( قوله باب أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد ) قال بن العربي اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها فمنهم من أجازه لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال وهو اختيار البخاري ولذلك قيد الترجمة بالأمر به ويحتمل أن يكون ذلك محمولا على العادة وأما التقييد بغير الإفساد فمتفق عليه ومنهم من قال المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه وليس ذلك بأن يفتئتوا على رب البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن ومنهم من فرق بين المرأة والخادم فقال المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها فجاز لها أن تتصدق بخلاف الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه فيشترط الإذن فيه وهو متعقب بأن المرأة إذا استوفت حقها فتصدقت منه فقد تخصصت به وإن تصدقت من غير حقها رجعت المسألة كما كانت والله أعلم ثم أورد المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث عائشة وسيأتي في الباب الذي بعده ثانيهما حديث أبي موسى وقد قيد الخازن فيه بكونه مسلما فأخرج الكافر لأنه لا نيه له وبكونه أمينا فأخرج الخائن لأنه مأزور ورتب الأجر على إعطائه ما يؤمر به غير ناقص لكونه خائنا أيضا وبكون نفسه بذلك طيبة لئلا يعدم النية فيفقد الأجر وهي قيود لا بد منها 1371 قوله الذي ينفذ بفاء مكسورة مثقلة ومخففة 1 ( قوله باب أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة )

حصہ V03/P302–V03/P304

قد تقدمت مباحثه في الذي قبله ولم يقيده بالأمر كما قيد الذي قبله فقيل إنه فرق بين المرأة والخادم بأن المرأة لها أن تتصرف في بيت زوجها بما ليس فيه إفساد للرضا بذلك في الغالب بخلاف الخادم والخازن ويدل على ذلك ما رواه المصنف من حديث همام عن أبي هريرة بلفظ إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره وسيأتي في البيوع وأورد فيه المصنف حديث عائشة المذكور من ثلاثة طرق تدور على أبي وائل شقيق بن سلمة عن مسروق عنها أولها شعبة عن منصور والأعمش عنه ولم يسق لفظه بتمامه ثانيها حفص بن غياث عن الأعمش وحده ثالثها جرير عن منصور وحده ولفظ الأعمش إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها ولفظ منصور إذا أنفقت من طعام بيتها وقد أورده الإسماعيلي من حديث شعبة ولفظه إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كتب لها أجر ولزوجها مثل ذلك وللخازن مثل ذلك لا ينقص كل واحد منهم من أجر صاحبه شيئا للزوج بما اكتسب ولها بما أنفقت غير مفسدة ولشعبة فيه إسناد آخر أورده الإسماعيلي أيضا من روايته عن عمرو بن مرة عن أبي وائل عن عائشة ليس فيه مسروق وقد أخرجه الترمذي بالإسنادين وقال إن رواية منصور والأعمش بذكر مسروق فيه أصح قوله في هذه الرواية 1372 وله مثله أي مثل أجرها وللخازن مثل ذلك أي بالشروط المذكورة في حديث أبي موسى وظاهره يقتضي تساويهم في الأجر ويحتمل أن يكون المراد بالمثل حصول الأجر في الجملة وإن كان أجر الكاسب أوفر لكن التعبير في حديث أبي هريرة الذي ذكرته بقوله فلها نصف أجره يشعر بالتساوي وقد سبق قبل بستة أبواب من طريق جرير أيضا وزاد في آخره لا ينقص بعضهم أجر بعض والمراد عدم المساهمة والمزاحمة في الأجر ويحتمل أن يراد مساواة بعضهم بعضا والله أعلم وفي الحديث فضل الأمانة وسخاوة النفس وطيب النفس في فعل الخير والإعانة على فعل الخير 1 ( قوله باب قول الله تعالى فأما من أعطى واتقى الآية ) قال الزين بن المنير أدخل هذه الترجمة بين أبواب الترغيب في الصدقة ليفهم أن المقصود الخاص بها الترغيب في الإنفاق في وجوه البر وأن ذلك موعود عليه بالخلف في العاجل زيادة على الثواب الآجل قوله اللهم أعط منفق مال خلفا قال الكرماني هو معطوف على الآية وحذف أداة العطف كثير وهو مذكور على سبيل البيان للحسنى أي تيسير الحسني له إعطاء الخلف قلت قد أخرج الطبري من طرق متعددة عن بن عباس في هذه الآية قال أعطى مما عنده واتقى ربه وصدق بالخلف من الله تعالى ثم حكى عن غيره أقوالا أخرى قال وأشبهها بالصواب قول بن عباس والذي يظهر لي أن البخاري أشار بذلك إلى سبب نزول الآية المذكورة وهو بين فيما أخرجه بن أبي حاتم من طريق قتادة حدثني خالد العصري عن أبي الدرداء مرفوعا نحو حديث أبي هريرة المذكور في الباب وزاد في آخره فأنزل الله في ذلك فأما من أعطى واتقى إلى قوله للعسرى وهو عند أحمد من هذا الوجه لكن ليس فيه آخره وقوله منفق مال بالإضافة ولبعضهم منفقا مالا خلفا ومالا مفعول منفق بدليل رواية الإضافة ولولاها إحتمل أن يكون مفعول أعطى والأول أولى من جهة أخرى وهي أن سياق الحديث للحض على إنفاق المال فناسب أن يكون مفعول منفق وأما الخلف فإبهامه أولى ليتناول المال والثواب وغيرهما وكم من متق مات قبل أن يقع له الخلف المالي فيكون خلفه الثواب المعد له في الآخرة أو يدفع عنه من السوء ما يقابل ذلك

سوالات