Qur'an&Sunnah

Beğavî — Meâlimü't-Tenzîl (Tefsîrü'l-Beğavî)

حصہ V08/P115–V08/P117

وروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب، أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في بقيع يقال له بقيع الخضمات، قلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون وأول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه على ما ذكر أهل السير: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجرا نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين لثنتي عشرة [ليلة] خلت من شهر ربيع الأول حين امتد الضحى، فأقام بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج من بين أظهرهم يوم الجمعة عامدا المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم، وقد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجدا، فجمع هناك وخطب قوله عز وجل: {فاسعوا إلى ذكر الله} أي: فامضوا إليه واعملوا له، وليس المراد من السعي الإسراع، إنما المراد منها العمل والفعل، كما قال: "وإذا تولى سعى في الأرض" (البقرة -205) وقال: "إن سعيكم لشتى" (الليل -4) . وكان عمر بن الخطاب يقرأ: فامضوا إلى ذكر الله، وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود . وقال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع وقال قتادة في هذه الآية: "فاسعوا إلى ذكر الله" قال: فالسعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها وكان يتأول قوله: "فلما بلغ معه السعي" (الصافات -102) يقول فلما مشى معه. أخبرنا الإمام أبو [علي] الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن معقل الميداني، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها تمشون وعليكم السكينة [والوقار] فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموها" قوله {إلى ذكر الله} أي إلى الصلاة، وقال سعيد بن المسيب: "فاسعوا إلى ذكر الله" قال هو موعظة الإمام {وذروا البيع} يعني البيع والشراء لأن اسم البيع يتناولهما جميعا. وإنما يحرم البيع والشراء عند الأذان الثاني وقال الزهري: عند خروج الإمام. وقال الضحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء {ذلكم} الذي ذكرت من حضور الجمعة وترك البيع، {خير لكم} من المبايعة {إن كنتم تعلمون} مصالح أنفسكم. واعلم أن صلاة الجمعة من فروض الأعيان، فتجب على كل من جمع العقل، والبلوغ، والحرية والذكورة والإقامة إذا لم يكن له عذر. ومن تركها استحق الوعيد. وأما الصبي والمجنون فلا جمعة عليهما، لأنهما ليسا من أهل أن يلزمهما فرض الأبدان لنقصان أبدانهما، ولا جمعة 164/أعلى النساء بالاتفاق: أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني سلمة بن عبد الله الخطمي عن محمد بن كعب أنه سمع رجلا من بني وائل يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تجب الجمعة على كل مسلم إلا امرأة أو صبيا أو مملوكا" وذهب أكثرهم إلى أنه لا جمعة على العبيد. وقال الحسن وقتادة والأوزاعي: تجب على العبد المخارج، ولا تجب على المسافر عند الأكثرين. وقال النخعي والزهري: تجب على المسافر إذا سمع النداء، وكل من له عذر من مرض أو تعهد مريض أو خوف، جاز له ترك الجمعة، وكذلك له تركها بعذر المطر والوحل.

حصہ V08/P117–V08/P119

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل [حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل] أخبرني عبد الحميد صاحب الزيادي، حدثنا عبد الله بن الحارث بن عمر، حدثنا محمد بن سيرين قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن محمدا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة. قل: صلوا في بيوتكم. فكأن الناس استنكروا فقال: فعله من هو خير مني إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض . وكل من لا يجب عليه حضور الجمعة، فإذا حضر وصلى مع الإمام [الجمعة] سقط عنه فرض الظهر، ولكن لا يكمل به عدد الجمعة إلا صاحب العذر، فإنه إذا حضر يكمل به العدد. أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي في سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، أخبرنا عيسى بن عمر بن العباس السمرقندي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي، أخبرنا يحيى بن حسان حدثنا معاوية بن سلام، أخبرني زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول حدثني الحكم بن مينا أن ابن عمر حدثه وأبا هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على أعواد منبره: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا علي بن خشرم، أخبرنا عيسى بن يونس، عن محمد بن عمرو عن عبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد يعني الضميري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه" واختلف أهل العلم في موضع إقامة الجمعة، وفي العدد الذي تنعقد به الجمعة، وفي المسافة التي يجب أن يؤتى منها: أما الموضع: فذهب قوم إلى أن كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلا من أهل الكمال، بأن يكونوا أحرارا عاقلين [بالغين] مقيمين لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا إلا ظعن حاجة، تجب عليهم إقامة الجمعة فيها. وهو قول عبيد الله بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. وقالوا: لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلا على هذه الصفة، وشرط عمر بن عبد العزيز مع عدد الأربعين أن يكون فيهم وال، والوالي غير شرط عند الشافعي. وقال علي: لا جمعة إلا في مصر جامع وهو قول أصحاب الرأي. ثم عند أبي حنيفة، رضي الله عنه تنعقد بأربعة، والوالي شرط وقال الأوزاعي وأبو يوسف: تنعقد بثلاثة إذا كان فيهم وال. وقال الحسن وأبو ثور: تنعقد باثنين كسائر الصلوات. وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلا. والدليل على جواز إقامتها في القرى ما: أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، أخبرنا أبو عامر العقدي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي حمزة الضبعي عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين وإذا كان الرجل مقيما في قرية لا تقام فيها الجمعة، أو كان مقيما في برية، فذهب قوم إلى أنه إن كان يبلغهم النداء من موضع الجمعة يلزمهم حضور الجمعة، وإن كان لا يبلغهم النداء فلا جمعة عليهم. وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. والشرط أن يبلغهم نداء مؤذن جهوري الصوت يؤذن في وقت تكون الأصوات فيه هادئة والرياح ساكنة، وكل قرية تكون في موضع الجمعة في القرب على هذا القدر يجب على أهلها حضور الجمعة. وقال سعيد بن المسيب: تجب على كل من آواه المبيت. وقال الزهري: تجب على من كان على ستة أميال. وقال ربيعة: على أربعة أميال. وقال مالك والليث: على ثلاثة أميال. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا جمعة على أهل السواد قريبة كانت القرية أو بعيدة.

حصہ V08/P119–V08/P121

وكل من تلزمه صلاة الجمعة لا يجوز له أن يسافر يوم الجمعة بعد الزوال قبل أن يصلي الجمعة، وجوز أصحاب الرأي أن يسافر بعد الزوال إذا كان يفارق البلد قبل خروج الوقت. أما إذا سافر قبل الزوال بعد طلوع الفجر فيجوز، غير أنه يكره إلا أن يكون سفره سفر طاعة من حج أو غزو، وذهب بعضهم إلى أنه إذا أصبح يوم الجمعة مقيما فلا يسافر حتى يصلي الجمعة، والدليل على جوازه ما: أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى، حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا أبو معاوية عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة، فغدا أصحابه، وقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ألحقهم، فلما صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رآه فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ قال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال: "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت فضل غدوتهم" وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع رجلا عليه هيئة السفر يقول: لولا أن اليوم يوم الجمعة لخرجت، فقال عمر: اخرج فإن الجمعة لا تحبس عن سفر وقد ورد أخبار في سنن يوم الجمعة وفضله منها: ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك 164/ب عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أنه قال: خرجت إلى [الطور] فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان فيما حدثته أن قلت له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أهبط وفيه تيب عليه، وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حين تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه" قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، فقلت: بل في كل جمعة، قال: فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته في يوم الجمعة، فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أية ساعة هي هي آخر ساعة في يوم الجمعة، قال أبو هريرة: وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي" وتلك ساعة لا يصلى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصليها؟ قال أبو هريرة: بلى، قال: فهو ذاك . أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، أخبرني أبي عن عبد الله بن وديعة عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" .

حصہ V08/P121–V08/P123

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعن أبي أمامة يعني سهل بن حنيف حدثاه عن أبي سعيد وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة واستن ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد، فلم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع، وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة ما بينها وبين الجمعة التي كانت قبلها" قال أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام لأن الله تعالى يقول: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" (الأنعام -160) . أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي، حدثنا ابن المبارك عن الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية، حدثني أبو الأشعث الصنعاني، حدثني أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع، ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها" أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الأول فالأول فإذا خرج الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة والمهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي شاة ثم الذي يليه كالمهدي كبشا حتى ذكر الدجاجة والبيضة" . {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين } قوله عز وجل {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} أي إذا فرغ من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم {وابتغوا من فضل الله} يعني الرزق وهذا أمر إباحة، كقوله: "وإذا حللتم فاصطادوا" (المائدة -2) قال ابن عباس: إن شئت فاخرج وإن شئت فاقعد وإن شئت فصل إلى العصر، وقيل: فانتشروا في الأرض ليس لطلب الدنيا ولكن لعيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله. وقال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول: "وابتغوا من فضل الله" هو طلب العلم. {واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} قوله عز وجل {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما} الآية، أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر، حدثنا خالد بن عبد الله [أخبرنا حصين] عن سالم بن أبي الجعد وعن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: أقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم فثار الناس إلا اثني عشر رجلا فأنزل الله: "وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها" . ويحتج بهذا الحديث من يرى [إقامة] الجمعة باثني عشر رجلا. وليس فيه بيان أنه أقام بهم الجمعة حتى يكون حجة لاشتراط هذا العدد. وقال ابن عباس في رواية الكلبي: لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط.

حصہ V08/P123–V08/P124

وقال الحسن وأبو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بن خليفة الكلبي بتجارة زيت من الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا رهط منهم أبو بكر وعمر فنزلت هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد لسال بكم الوادي نارا" وقال مقاتل: بينا 165/أرسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة، وكان إذا قدم لم تبق بالمدينة عاتق إلا أتته، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق وبر وغيره، فينزل عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج إليه الناس ليبتاعوا منه فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كم بقي في المسجد؟ فقالوا: اثنا عشر رجلا وامرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء" فأنزل الله هذه الآية وأراد باللهو الطبل. وقيل: كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفيق. وقوله: "انفضوا إليها" رد الكناية إلى التجارة لأنها أهم. وقال علقمة: سئل عبد الله بن عمر: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا؟ قال: أما تقرأ "وتركوك قائما". أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرني جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين قائما يفصل بينهما بجلوس . أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا أبو الأحوص، عن سماك عن جابر بن سمرة قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس وبهذا الإسناد عن جابر بن سمرة قال: كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا والخطبة فريضة في صلاة الجمعة، ويجب أن يخطب قائما خطبتين، وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة: أن يحمد الله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويوصي بتقوى الله، هذه الثلاثة فرض في الخطبتين جميعا ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن، ويدعو للمؤمنين في الثانية، فلو ترك واحدة من هذه الخمس لا تصح جمعته عند الشافعي وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أنه لو أتى بتسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة أجزأه. وهذا القدر لا يقع عليه اسم الخطبة، وهو مأمور بالخطبة. أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا عبد الله بن يوسف بن محمد بن مامويه، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة، حدثنا الحسن بن الصباح الزعفراني، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع أن مروان استخلف أبا هريرة على المدينة، فصلى بهم أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة الجمعة في الركعة الأولى وفي الثانية: "إذا جاءك المنافقون" (المنافقون -1) فقال عبيد الله: فلما انصرفنا مشيت إلى جنبه فقلت له: لقد قرأت بسورتين سمعت علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الصلاة؟ فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما

حصہ V08/P124–V08/P126

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن ضمرة بن سعيد المازني عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة؟ فقال: كان يقرأ ب "هل أتاك حديث الغاشية" . أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة ب "سبح اسم ربك الأعلى" و"هل أتاك حديث الغاشية" وربما اجتمع في يوم واحد فيقرأ بهما . ولجواز الجمعة خمس شرائط: الوقت وهو: وقت الظهر ما بين زوال الشمس إلى دخول وقت العصر، والعدد والإمام والخطبة ودار الإقامة فإذا فقد شرط من هذه الخمسة يجب أن يصلوها ظهرا.. ولا يجوز للإمام أن يبتدئ الخطبة قبل اجتماع العدد، وهو عدد الأربعين عند الشافعي فلو اجتمعوا وخطب بهم ثم انفضوا قبل افتتاح الصلاة أو انتقص واحد من العدد لا يجوز أن يصلي بهم الجمعة، بل يصلي الظهر، ولو افتتح بهم الصلاة ثم انفضوا فأصح أقوال الشافعي أن بقاء الأربعين شرط إلى آخر الصلاة، [كما أن بقاء الوقت شرط إلى آخر الصلاة] فلو انتقص واحد منهم قبل أن يسلم الإمام يجب على الباقين أن يصلوها أربعا. وفيه قول آخر: إن بقي معه اثنان أتمها جمعة. وقيل: إن بقي معه واحد أتمها جمعة، وعند المزني إذا نقصوا بعد ما صلى الإمام بهم ركعة أتمها جمعة، وإن بقي وحده فإن كان في الركعة الأولى يتمها أربعا وإن انتقص من العدد واحد، وبه قال أبو حنيفة في العدد الذي شرطه كالمسبوق إذا أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة فإذا سلم الإمام أتمها جمعة وإن أدرك أقل من ركعة أتمها أربعا. . قوله عز وجل: {قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة} أي ما عند الله من الثواب على الصلاة والثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم خير من اللهو ومن التجارة {والله خير الرازقين} لأنه موجد الأرزاق فإياه فاسئلوا ومنه فاطلبوا. سورة المنافقون مدنية بسم الله الرحمن الرحيم {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون } {إذا جاءك المنافقون} يعني عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، {قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروا. {اتخذوا أيمانهم جنة} سترة، {فصدوا عن سبيل الله} منعوا الناس عن الجهاد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. {إنهم ساء ما كانوا يعملون} {ذلك بأنهم آمنوا} أقروا باللسان إذا رأوا المؤمنين، {ثم كفروا} إذا خلوا إلى المشركين، {فطبع على قلوبهم} بالكفر، {فهم لا يفقهون} 165/ب الإيمان. {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} يعني أن لهم أجساما ومناظر، {وإن يقولوا تسمع لقولهم} فتحسب أنه صدق، قال عبد الله بن عباس: كان عبد الله بن أبي جسيما فصيحا ذلق اللسان، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله. {كأنهم خشب مسندة} أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام. قرأ أبو عمرو والكسائي: "خشب" بسكون الشين، وقرأ الباقون بضمها.

حصہ V08/P126–V08/P130

{مسندة} ممالة إلى جدار، من قولهم: أسندت الشيء، إذا أملته، والتثقيل للتكثير، وأراد أنها ليست بأشجار تثمر، ولكنها خشب مسندة إلى حائط، {يحسبون كل صيحة عليهم} أي لا يسمعون صوتا في العسكر بأن نادى مناد أو انفلتت دابة وأنشدت ضالة، إلا ظنوا -من جبنهم وسوء ظنهم -أنهم يرادون بذلك، وظنوا أنهم قد أتوا، لما في قلوبهم من الرعب. وقيل: ذلك لكونهم على وجل من أن ينزل الله فيهم أمرا يهتك أستارهم ويبيح دماءهم ثم قال: {هم العدو} وهذا ابتداء وخبره، {فاحذرهم} ولا تأمنهم، {قاتلهم الله} لعنهم الله {أنى يؤفكون} يصرفون عن الحق. {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين } {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم} أي عطفوا وأعرضوا بوجوههم رغبة عن الاستغفار. قرأ نافع ويعقوب "لووا" بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد، لأنهم فعلوه مرة بعد مرة. {ورأيتهم يصدون} يعرضون عما دعوا إليه، {وهم مستكبرون} متكبرون عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم. {سواء عليهم أستغفرت لهم} يا محمد، {أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} ذكر محمد بن إسحاق وغيره عن جماعة، من أصحاب السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه: أن بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو [جويرة] زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم، ونقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءها [عليهم] فبينما الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار، يقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يقود له فرسه فازدحم جهجاه وسنان بن وبرة الجهني، حليف بني عوف بن الخزرج، على [ذلك] الماء فاقتتلا فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار! وصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين! وأعان جهجاها الغفاري رجل من المهاجرين يقال له جعال، وكان فقيرا، فغضب عبد الله بن أبي ابن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم، غلام حديث السن، فقال ابن أبي: أفعلوها؟ فقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولتحولوا إلى غير بلادكم، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد، فقال زيد بن أرقم: أنت -والله -الذليل القليل المبغض في قومك، محمد صلى الله عليه وسلم في عز من الرحمن ومودة من المسلمين، فقال عبد الله بن أبي: اسكت، فإنما كنت ألعب. قال: فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [وذلك] بعد فراغه من الغدو، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: دعني أضرب عنقه يا رسول الله قال: كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ ولكن أذن بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها فارتحل الناس.

حصہ V08/P130–V08/P132

وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي فأتاه فقال: أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني؟ فقال عبد الله: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب، وكان عبد الله في قومه شريفا عظيما، فقال من حضر من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قاله. فعذره النبي صلى الله عليه وسلم وفشت الملامة في الأنصار لزيد، وكذبوه، وقال له عمه [وكان زيد معه] ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس مقتوك، وكان زيد يساير النبي صلى الله عليه وسلم فاستحيا بعد ذلك أن يدنو من النبي صلى الله عليه وسلم. فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال: يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوما بلغك ما قال صاحبكم عبد الله بن أبي؟ قال: وما قال؟ قال: زعم إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل. فقال أسيد: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله ارفق به فوالله لقد جاء الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي، لما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا. قالوا: وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، [ثم نزل بالناس] فلم يكن إلا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما. وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي. ثم راح بالناس حتى نزل [على ماء ب] الحجاز فويق النقيع، يقال له نقعا فهاجت ريح شديدة 166/أآذتهم وتخوفوها وضلت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ليلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تخافوا فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار توفي بالمدينة، قيل: من هو، قال: رفاعة بن زيد بن التابوت، فقال رجل من المنافقين: كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته؟ ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي! فأتاه جبريل فأخبره بقول المنافق وبمكان الناقة، وأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وقال: ما أزعم أني أعلم الغيب وما أعلمه، ولكن الله أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي، هي في الشعب قد تعلق زمامها بشجرة فخرجوا يسعون قبل الشعب فإذا هي كما قال، فجاءوا بها وآمن ذلك المنافق. فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت قد مات ذلك اليوم، وكان من عظماء اليهود وكهفا للمنافقين، فلما وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال زيد بن أرقم: جلست في البيت لما بي من الهم والحياء، فأنزل الله تعالى سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله. فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد وقال: "يا زيد إن الله صدقك وأوفى بأذنك".

حصہ V08/P132–V08/P135

وكان عبد الله بن أبي بقرب المدينة، فلما أراد أن يدخلها جاءه ابنه عبد الله بن عبد الله حتى أناخ على مجامع طرق المدينة، فلما جاء عبد الله بن أبي قال: [وراءك، قال:] مالك ويلك؟ قال: لا والله لا تدخلها أبدا إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتعلمن اليوم من الأعز من الأذل، فشكا عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع ابنه، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خل عنه حتى يدخل، فقال: أما إذا جاء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعم، فدخل فلم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات. قالوا: فلما نزلت الآية وبان كذب عبد الله بن أبي قيل له: يا أبا حباب إنه قد نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن فآمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فأنزل الله تعالى: "وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم" الآية. ونزل: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون } {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} يتفرقوا، {ولله خزائن السماوات والأرض} فلا يعطي أحد أحدا شيئا إلا بإذنه ولا يمنعه إلا بمشيئته، {ولكن المنافقين لا يفقهون} أن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة} من غزوة بني المصطلق، {ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} فعزة الله: قهره من دونه، وعزة رسوله: إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين: نصر الله إياهم على أعدائهم. {ولكن المنافقين لا يعلمون} ، ذلك ولو علموا ما قالوا هذه المقالة. {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين } قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم} ، لا تشغلكم {أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} ، قال المفسرون يعني الصلوات الخمس، نظيره قوله: "لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله" (النور -37) {ومن يفعل ذلك} ، أي من شغله ماله وولده عن ذكر الله {فأولئك هم الخاسرون} . {وأنفقوا من ما رزقناكم} ، قال ابن عباس: يريد زكاة الأموال، {من قبل أن يأتي أحدكم الموت} ، فيسأل الرجعة، {فيقول رب لولا أخرتني} ، هلا أخرتني أمهلتني. وقيل: "لا" صلة، فيكون الكلام بمعنى التمني، أي: لو أخرتني، {إلى أجل قريب فأصدق} ، فأتصدق وأزكي مالي، {وأكن من الصالحين} ، أي من المؤمنين. نظيره قوله تعالى: "ومن صلح من آبائهم" (الرعد -23) (غافر -8) ، هذا قول مقاتل وجماعة. وقالوا: نزلت الآية في المنافقين. وقيل: [نزلت] الآية في المؤمنين. والمراد بالصلاح هنا: الحج. وروى الضحاك، وعطية عن ابن عباس قال: ما من أحد يموت وكان له مال لم يؤد زكاته وأطاق الحج فلم يحج إلا سأل الرجعة عند الموت. وقرأ هذه الآية وقال: "وأكن من الصالحين" قرأ أبو عمرو "وأكون" بالواو ونصب النون على جواب التمني وعلى لفظ فأصدق، قال: إنما حذفت الواو من المصحف اختصارا. وقرأ الآخرون: "وأكن" بالجزم عطفا على قوله "فأصدق" لو لم يكن فيه الفاء، لأنه لو لم يكن فيه فاء كان جزما. يعني: إن أخرتني أصدق وأكن، ولأنه مكتوب في المصحف بحذف الواو. {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون } {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون} قرأ أبو بكر: "يعملون" بالياء وقرأ الآخرون بالتاء.

حصہ V08/P135–V08/P140

سورة التغابن مدنية بسم الله الرحمن الرحيم {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير } قال عطاء هي مكية إلا ثلاث آيات من قوله: "يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم" إلى آخرهن. {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير} ، قال ابن عباس: [إن] الله خلق بني آدم مؤمنا وكافرا، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا . وروينا عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام طبع كافرا" وقال جل ذكره "ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا" (نوح-27) . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس [عن أنس] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وكل الله بالرحم ملكا فيقول: أي رب نطفة أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: يا رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد؟ فما الرزق فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه" وقال جماعة: معنى الآية: إن الله خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا لأن الله تعالى ذكر الخلق ثم وصفهم بفعلهم، فقال: "فمنكم كافر ومنكم مؤمن" كما قال الله تعالى: "والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي" (النور-45) والله خلقهم والمشي فعلهم. ثم اختلفوا في تأويلها: روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "فمنكم كافر" في حياته "مؤمن" في العاقبة "ومنكم مؤمن" في حياته كافر في العاقبة. وقال عطاء بن أبي رباح: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب . وقيل 165/ب فمنكم كافر بأن الله تعالى خلقه، وهو مذهب الدهرية، ومنكم مؤمن بأن الله خلقه وجملة القول فيه: أن الله خلق الكافر وكفره فعل له وكسب وخلق المؤمن وإيمانه فعل له وكسب فلكل واحد من الفريقين كسب واختيار وكسبه واختياره بتقدير الله ومشيئته فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان لأن الله تعالى أراد ذلك منه وقدره عليه وعلمه منه، والكافر بعد خلق الله تعالى إياه يختار الكفر لأن الله تعالى أراد ذلك منه وقدره عليه وعلمه منه. وهذا طريق أهل السنة والجماعة من سلكه أصاب الحق وسلم من الجبر والقدر. {خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } {يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور}

حصہ V08/P140–V08/P142

{ألم يأتكم} يخاطب كفار مكة {نبأ الذين كفروا من قبل} يعني: الأمم الخالية {فذاقوا وبال أمرهم} يعني ما لحقهم من العذاب في الدنيا {ولهم عذاب أليم} في الآخرة. {ذلك} العذاب {بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا} ولم يقل: يهدينا لأن البشر وإن كان لفظه واحدا فإنه في معنى الجمع، وهو اسم الجنس لا واحد له من لفظه وواحده إنسان، ومعناها: ينكرون ويقولون آدمي مثلنا يهدينا! {فكفروا وتولوا واستغنى الله} عن إيمانهم {والله غني} عن خلقه {حميد} في أفعاله. ثم أخبر عن إنكارهم البعث فقال جل ذكره: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل} {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل} يا محمد {بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا} وهو القرآن {والله بما تعملون خبير} {يوم يجمعكم ليوم الجمع} يعني يوم القيامة يجمع فيه أهل السماوات والأرض {ذلك يوم التغابن} وهو تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ، والمراد بالمغبون من غبن عن أهله ومنازله في الجنة، فيظهر يومئذ غبن كل كافر بتركه الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} قرأ أهل المدينة والشام: "نكفر" "وندخله" وفي سورة الطلاق "ندخله" بالنون فيهن، وقرأ الآخرون بالياء {خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم } {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير} {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله} [بإرادته وقضائه] {ومن يؤمن بالله} فيصدق أنه لا يصيبه مصيبة إلا بإذن الله {يهد قلبه} يوفقه لليقين حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم [لقضائه] {والله بكل شيء عليم} . {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين} {الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون} . قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} قال ابن عباس: هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يهاجروا إلى المدينة، فمنعهم أزواجهم وأولادهم، وقالوا: صبرنا على إسلامكم فلا نصبر على فراقكم فأطاعوهم وتركوا الهجرة [فقال تعالى: {فاحذروهم} أن تطيعوهم وتدعوا الهجرة] . {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} هذا فيمن أقام على الأهل والولد ولم يهاجر، فإذا هاجر رأى الذين سبقوه بالهجرة قد فقهوا في الدين هم أن يعاقب زوجه وولده الذين ثبطوا عن الهجرة، وإن لحقوا به في دار الهجرة لم ينفق عليهم ولم يصبهم بخير، فأمرهم الله تعالى بالعفو عنهم والصفح. وقال عطاء بن يسار: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي: كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق لهم ويقيم فأنزل الله: "إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم" بحملهم إياكم على ترك الطاعة، فاحذروهم أن تقبلوا منهم. {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا} فلا تعاقبوهم على خلافهم إياكم فالله غفور رحيم. {إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم } {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} بلاء واختبار وشغل عن الآخرة يقع بسببها الإنسان في العظائم ومنع الحق وتناول الحرام {والله عنده أجر عظيم} قال بعضهم: لما ذكر الله العداوة أدخل فيه "من" للتبعيض، فقال: "إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم" لأن كلهم ليسوا [بأعداء] ولم يذكر "من" في قوله: "إنما أموالكم وأولادكم فتنة" لأنها لا تخلو عن الفتنة واشتغال القلب.

حصہ V08/P142–V08/P145

وكان عبد الله بن مسعود يقول: لا يقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الفضل الفقيه، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق الفقيه، حدثنا أحمد بن بكر بن يوسف حدثنا علي بن الحسن، أخبرنا الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة قال سمعت أبا بريدة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر، فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: "صدق الله: إنما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما" {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم } {فاتقوا الله ما استطعتم} أطقتم هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: "اتقوا الله حق تقاته" (آل عمران-102) {واسمعوا وأطيعوا} الله ورسوله {وأنفقوا خيرا لأنفسكم} أنفقوا من أموالكم خيرا لأنفسكم. {ومن يوق شح نفسه} حتى يعطي حق الله من ماله {فأولئك هم المفلحون} . سورة الطلاق مدنية بسم الله الرحمن الرحيم {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} نادى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خاطب أمته لأنه السيد المقدم، فخطاب الجميع معه. وقيل: مجازه: يا أيها النبي قل لأمتك "إذا طلقتم النساء" إذا أردتم تطليقهن، كقوله عز وجل: "فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله" (النحل-98) أي: إذا أردت القراءة. {فطلقوهن لعدتهن} أي لطهرهن بالذي يحصينه من عدتهن. وكان ابن عباس وابن عمر يقرآن: "فطلقوهن في قبل عدتهن" نزلت هذه الآية في عبد الله [بن عمر] كان قد طلق امرأته في حال الحيض . أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك [عن نافع] عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض [ثم تطهر] ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء . ورواه سالم عن ابن عمر قال: "مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا" . ورواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن عمر، ولم يقولا ثم تحيض ثم تطهر . أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم وسعيد بن سالم، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل عبد الله بن عمر -وأبو الزبير يسمع -فقال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا؟ فقال ابن عمر: طلق عبد الله بن عمر امرأته حائضا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك" قال ابن عمر: وقال الله عز وجل: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن أو لقبل عدتهن" الشافعي يشك. ورواه حجاج بن محمد عن ابن جريج، وقال: قال ابن عمر: وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن .

حصہ V08/P145–V08/P149

اعلم أن الطلاق في حال الحيض والنفاس بدعة، وكذلك في الطهر الذي جامعها فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وإن شاء طلق قبل أن يمس". والطلاق السني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه. وهذا في حق امرأة تلزمها العدة بالأقراء. فأما إذا طلق غير المدخول بها في حال الحيض أو طلق الصغيرة التي لم تحض قط أو الآيسة بعد ما جامعها أو طلق الحامل بعد ما جامعها أو في حال رؤية الدم لا يكون بدعيا. ولا سنة ولا بدعة في طلاق هؤلاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا". والخلع في حال الحيض أو في طهر جامعها [فيه] لا يكون بدعيا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته من غير أن يعرف حالها ولولا جوازه في جميع الأحوال لأشبه أن يتعرف الحال. ولو طلق امرأته في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه قصدا يعصي الله تعالى ولكن يقع الطلاق لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر بالمراجعة فلولا وقوع الطلاق لكان لا يأمر بالمراجعة، وإذا راجعها في حال الحيض يجوز أن يطلقها في الطهر الذي يعقب تلك الحيضة قبل المسيس كما رواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن عمر. وما رواه نافع عن ابن عمر: "ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر" فاستحباب، استحب تأخير الطلاق إلى الطهر الثاني حتى لا يكون مراجعته إياها للطلاق كما يكره النكاح للطلاق. ولا بدعة في الجمع بين الطلقات الثلاث، عند بعض أهل العلم حتى لو طلق امرأته في حال الطهر ثلاثا لا يكون بدعيا، وهو قول الشافعي وأحمد. وذهب بعضهم إلى أنه بدعة، وهو قول مالك وأصحاب الرأي. قوله عز وجل: {وأحصوا العدة} أي عدد أقرائها احفظوها قيل: أمر بإحصاء العدة لتفريق الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثا. وقيل: للعلم ببقاء زمان الرجعة ومراعاة أمر النفقة والسكنى. {واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن} أراد به إذا كان المسكن الذي طلقها فيه للزوج لا يجوز له أن يخرجها منه {ولا يخرجن} ولا يجوز لها أن تخرج ما لم تنقض عدتها فإن خرجت لغير ضرورة أو حاجة أثمت فإن وقعت ضرورة -وإن خافت هدما أو غرقا -لها أن تخرج إلى منزل آخر، وكذلك إن كان لها حاجة من بيع غزل أو شراء قطن فيجوز لها الخروج نهارا ولا يجوز ليلا فإن رجالا استشهدوا بأحد فقالت نساؤهم: نستوحش في بيوتنا فأذن لهن النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحدثن عند إحداهن، فإذا كان وقت النوم تأوي كل امرأة إلى بيتها وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لخالة جابر طلقها زوجها أن تخرج لجذاذ نخلها . وإذا لزمتها العدة في السفر تعتد ذاهبة وجائية والبدوية [تتبوأ] حيث يتبوأ أهلها في العدة لأن الانتقال في حقهم كالإقامة في حق المقيم. قوله: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال ابن عباس: "الفاحشة المبينة" أن تبذو على أهل زوجها فيحل إخراجها . وقال جماعة: أراد بالفاحشة: أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها ثم ترد إلى منزلها يروى ذلك عن ابن مسعود . وقال قتادة: معناه إلا أن يطلقها على نشوزها فلها أن تتحول من بيت زوجها والفاحشة: النشوز. وقال ابن عمر والسدي: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة . {وتلك حدود الله} يعني: ما ذكر من سنة الطلاق وما بعدها {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} 167/أيوقع في قلب الزوج مراجعتها بعد الطلقة والطلقتين. وهذا يدل على أن المستحب أن يفرق الطلقات، ولا يوقع الثلاث دفعة واحدة، حتى إذا ندم أمكنه المراجعة. {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا }

حصہ V08/P149–V08/P152

{فإذا بلغن أجلهن} أي قربن من انقضاء عدتهن {فأمسكوهن} أي راجعوهن {بمعروف أو فارقوهن بمعروف} أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فتبين منكم {وأشهدوا ذوي عدل منكم} على الرجعة والفراق. أمر بالإشهاد على الرجعة وعلى الطلاق. {وأقيموا الشهادة} أيها الشهود {لله} {ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا} قال عكرمة والشعبي والضحاك: ومن يتق الله فيطلق للسنة يجعل له مخرجا إلى الرجعة . وأكثر المفسرين قالوا: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر المشركون ابنا له يسمى مالكا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أسر العدو ابني، وشكا أيضا إليه الفاقة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اتق الله واصبر وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ففعل الرجل [ذلك] فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو، فأصاب إبلا وجاء بها إلى أبيه . وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتغفل عنه العدو، فاستاق غنمهم، فجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاة. فنزلت: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا" في ابنه. {ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا } {ويرزقه من حيث لا يحتسب} ما ساق من الغنم. وقال مقاتل: أصاب غنما ومتاعا ثم رجع إلى أبيه، فانطلق أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، وسأله: أيحل له أن يأكل ما أتى به ابنه؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، وأنزل الله هذه الآية. قال ابن مسعود: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا" هو أن يعلم أنه من قبل الله وأن الله رازقه. وقال الربيع بن خيثم: "يجعل له مخرجا" من كل شيء ضاق على الناس . وقال أبو العالية: "مخرجا" من كل شدة. وقال الحسن: "مخرجا" عما نهاه عنه. {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} يتق الله فيما نابه كفاه ما أهمه. وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا" . {إن الله بالغ أمره} قرأ طلحة بن مصرف، وحفص عن عاصم: "بالغ أمره" بالإضافة، وقرأ الآخرون "بالغ" [بالتنوين] "أمره" نصب أي منفذ أمره ممض في خلقه قضاءه. {قد جعل الله لكل شيء قدرا} أي جعل لكل شيء من الشدة والرخاء أجلا ينتهي إليه. قال مسروق: في هذه الآية "إن الله بالغ أمره" توكل عليه أو لم يتوكل، غير أن المتوكل عليه يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا. {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا } قوله عز وجل {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم} فلا ترجون أن يحضن {إن ارتبتم} أي شككتم فلم تدروا ما عدتهن {فعدتهن ثلاثة أشهر} قال مقاتل: لما نزلت: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" (البقرة-228) قال خلاد بن النعمان بن قيس الأنصاري: يا رسول الله فما عدة من لا تحيض والتي لم تحض وعدة الحبلى؟ فأنزل الله: "واللائي يئسن من المحيض من نسائكم" يعني القواعد اللائي قعدن عن الحيض "إن ارتبتم" شككتم في حكمها "فعدتهن ثلاثة أشهر". {واللائي لم يحضن} يعني الصغار اللائي لم يحضن فعدتهن أيضا ثلاثة أشهر. أما الشابة التي كانت تحيض فارتفع حيضها قبل بلوغها سن الآيسات: فذهب أكثر أهل العلم إلى أن عدتها لا تنقضي حتى يعاودها الدم فتعتد بثلاثة أقراء أو تبلغ سن الآيسات فتعتد بثلاثة أشهر. وهو قول عثمان وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وبه قال عطاء وإليه ذهب الشافعي وأصحاب الرأي. وحكي عن عمر: أنها تتربص تسعة أشهر فإن لم تحض تعتد بثلاثة أشهر [وهو قول مالك. وقال الحسن: تتربص سنة فإن لم تحض تعتد بثلاثة أشهر] . وهذا كله في عدة الطلاق.

حصہ V08/P152–V08/P154

أما المتوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشرا سواء كانت ممن تحيض أو لا تحيض. أما الحامل فعدتها بوضع الحمل سواء طلقها زوجها أو مات عنها لقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله [بن عبد الله] عن أبيه: أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بليال فمر بها أبو السنابل بن بعكك [فقال] قد تصنعت للأزواج إنها أربعة أشهر وعشر فذكرت ذلك سبيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كذب أبو السنابل -أو: ليس كما قال أبو السنابل -قد حللت فتزوجي" . {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة. {ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا } {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } {ذلك} يعني ما ذكر من الأحكام {أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} {أسكنوهن} يعني مطلقات نسائكم {من حيث سكنتم} "من" صلة، أي: أسكنوهن حيث سكنتم {من وجدكم} يعني: سعتكم وطاقتكم، يعني: إن كان موسرا يوسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيرا فعلى قدر الطاقة {ولا تضاروهن} لا تؤذوهن {لتضيقوا عليهن} مساكنهن فيخرجن {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} فيخرجن من عدتهن. اعلم أن المعتدة الرجعية تستحق على الزوج النفقة والسكنى ما دامت في العدة. ونعني بالسكنى: مؤنة السكنى فإن كانت الدار التي طلقها فيها ملكا للزوج يجب على الزوج أن يخرج ويترك الدار لها مدة عدتها وإن كانت بإجارة فعلى الزوج الأجرة، وإن كانت عارية فرجع المعير فعليه أن يكتري 167/ب لها دارا تسكنها. فأما المعتدة البائنة بالخلع أو الطلقات الثلاث [أو باللعان فلها السكنى حاملا كانت أو حائلا عند أكثر أهل العلم] . روي عن ابن عباس أنه قال: لا سكنى لها إلا أن تكون حاملا وهو قول الحسن وعطاء والشعبي. واختلفوا في نفقتها: فذهب قوم إلى أنه لا نفقة لها إلا أن تكون حاملا. روي ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن وعطاء والشعبي وبه قال الشافعي وأحمد . ومنهم من أوجبها بكل حال روي ذلك عن ابن مسعود، وهو قول إبراهيم النخعي وبه قال الثوري وأصحاب الرأي. وظاهر القرآن يدل على أنها لا تستحق إلا أن تكون حاملا لأن الله تعالى قال: "وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن". والدليل عليه من جهة السنة ما: أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء. فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. فقال لها: ليس لك عليه نفقة، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك. ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي فاعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني. قالت: فلما حللت، ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، قالت: فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة، فنحكته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به . واحتج من لم يجعل لها السكنى بحديث فاطمة بنت قيس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في بيت عمرو بن أم مكتوم.

حصہ V08/P154–V08/P156

ولا حجة فيه، لما روي عن عائشة أنها قالت: كانت فاطمة في مكان وحش، فخيف على ناحيتها . وقال سعيد بن المسيب: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها وكان للسانها ذرابة . أما المعتدة عن وطء الشبهة والمفسوخ نكاحها بعيب أو خيار عتق فلا سكنى لها ولا نفقة وإن كانت حاملا. [والمعتدة عن وفاة الزوج لا نفقة لها حاملا] كانت أو حائلا عند أكثر أهل العلم، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أن لها النفقة إن كانت حاملا من التركة حتى تضع، وهو قول شريح والشعبي والنخعي والثوري. . واختلفوا في سكناها وللشافعي رضي الله عنه فيه قولان: أحدهما لا سكنى لها بل تعتد حيث تشاء، وهو قول علي وابن عباس وعائشة. وبه قال عطاء والحسن، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه. والثاني: لها السكنى وهو قول عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر، وبه قال مالك وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق . واحتج من أوجب لها السكنى بما: أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب: أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري أخبرتها: أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم، فقتلوه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعيت له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، فقال: امكثي [في بيتك] حتى يبلغ الكتاب أجله. قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا. قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به . فمن قال بهذا القول قال: إذنه لفريعة أولا بالرجوع إلى أهلها صار منسوخا بقوله [آخرا] "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله". ومن لم يوجب السكنى قال: أمرها بالمكث في بيتها آخرا استحبابا لا وجوبا. قوله عز وجل {فإن أرضعن لكم} أي أرضعن أولادكم {فآتوهن أجورهن} على إرضاعهن {وأتمروا بينكم بمعروف} [ليقبل بعضكم من بعض إذا أمره بالمعروف] قال الكسائي: شاوروا قال مقاتل: بتراضي الأب والأم على أجر مسمى. والخطاب للزوجين جميعا يأمرهم أن يأتوا بالمعروف وبما هو الأحسن، ولا يقصدوا الضرار. {وإن تعاسرتم} في الرضاع والأجرة فأبى الزوج أن يعطي المرأة رضاها وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها على إرضاعه، ولكنه يستأجر للصبي مرضعا غير أمه وذلك قوله: {فسترضع له أخرى} {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا } {لينفق ذو سعة من سعته} على قدر غناه {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} من المال {لا يكلف الله نفسا} في النفقة {إلا ما آتاها} أعطاها من المال {سيجعل الله بعد عسر يسرا} بعد ضيق وشدة غنى وسعة.

حصہ V08/P156–V08/P159

قوله عز وجل: {وكأين من قرية عتت} عصت وطغت {عن أمر ربها ورسله} أي وأمر رسله {فحاسبناها حسابا شديدا} بالمناقشة والاستقصاء، قال مقاتل: حاسبها بعملها في الدنيا فجازاها بالعذاب، وهو قوله: {وعذبناها عذابا نكرا} منكرا فظيعا، وهو عذاب النار. لفظهما ماض ومعناهما الاستقبال. وقيل: في الآية تقديم وتأخير مجازها: فعذبناها في الدنيا بالجوع والقحط والسيف وسائر البلايا وحاسبناها في الآخرة حسابا شديدا. {فذاقت وبال أمرها} جزاء أمرها وقيل: ثقل عاقبة كفرها {وكان عاقبة أمرها خسرا} خسرانا في الدنيا والآخرة. {أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا} يعني القرآن. {رسولا} بدل من الذكر، وقيل: أنزل إليكم قرآنا وأرسل رسولا. وقيل: مع الرسول، وقيل: "الذكر" هو الرسول. وقيل: "ذكرا" أي شرفا. ثم بين ما هو فقال: {رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا} يعني الجنة التي لا ينقطع نعيمها. {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما } {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} [في العدد] {يتنزل الأمر بينهن} بالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى. قال أهل المعاني: هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره، فينزل المطر ويخرج النبات، ويأتي بالليل والنهار والصيف والشتاء، ويخلق الحيوان على اختلاف هيئاتها وينقلها من حال إلى حال. وقال قتادة: في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه. {لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} فلا يخفى عليه شيء. سورة التحريم مدنية بسم الله الرحمن الرحيم {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم } {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم} وسبب نزولها ما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبيد الله بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء [ويحب] العسل وكان إذا صلى العصر جاز على نسائه فيدنو منهن، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم منها شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له فذكرت ذلك لسودة، وقلت: إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له: يا رسول الله أكلت مغافير؟ فإنه سيقول: لا فقولي له: ما هذه الريح وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح، فإنه سيقول: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحله العرفط، وسأقول ذلك وقوليه أنت يا صفية، فلما دخل على سودة، تقول سودة: والله الذي لا إله إلا هو لقد كدت أن أباديه بالذي قلت لي وإنه لعلى الباب، فرقا منك فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال: لا قلت: فما بال هذه الريح! قال: سقتني حفصة شربة عسل، قالت: جرست نحله العرفط، فلما دخل علي قلت له مثل ذلك، ودخل على صفية فقالت له مثل ذلك، فلما دخل على حفصة قالت له: يا رسول الله ألا أسقيك منه قال: لا حاجة لي به تقول سودة: سبحان الله لقد حرمناه، قالت: قلت لها اسكتي

حصہ V08/P159–V08/P162

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن محمد الصباح، حدثنا الحجاج عن ابن جريج قال: زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول سمعت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: لا بأس شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له، فنزلت: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك" إلى قوله: "إن تتوبا إلى الله" لعائشة وحفصة {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا} لقوله: بل شربت عسلا وبهذا الإسناد قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاء بإسناده وقال: قال: لا ولكن كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا يبتغي بذلك مرضاة أزواجه . وقال المفسرون: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة أبيها فأذن لها، فلما خرجت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جاريته مارية القبطية فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقا فجلست عند الباب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر عرقا، وحفصة تبكي فقال: ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا أدخلت أمتك بيتي، ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقا؟ ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليست هي جاريتي أحلها الله لي؟ اسكتي فهي حرام علي ألتمس بذاك رضاك، فلا تخبري بهذا امرأة منهن. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أبشرك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه أمته مارية، وإن الله قد أراحنا منها وأخبرت عائشة بما رأت، وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فغضبت عائشة فلم تزل بنبي الله صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا يقربها فأنزل الله عز وجل "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" يعني العسل ومارية "تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم" وأمره أن يكفر يمينه ويراجع أمته، فقال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير } {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} أي بين وأوجب أن تكفروها إذا حنثتم وهي ما ذكر في سورة المائدة {والله مولاكم} وليكم وناصركم {وهو العليم الحكيم} واختلف أهل العلم في لفظ التحريم، فقال قوم: ليس هو بيمين، فإن قال لزوجته: أنت علي حرام، أو حرمتك، فإن نوى به طلاقا فهو طلاق، وإن نوى به ظهارا فظهار. وإن نوى تحريم ذاتها أو أطلق فعليه كفارة اليمين بنفس اللفظ. وإن قال ذلك لجاريته فإن نوى عتقا عتقت، وإن نوى تحريم ذاتها أو أطلق فعليه كفارة اليمين، وإن قال لطعام: حرمته على نفسي فلا شيء عليه، وهذا قول ابن مسعود وإليه ذهب الشافعي. وذهب جماعة إلى أنه يمين، فإن قال ذلك لزوجته 168/ب أو جاريته فلا تجب عليه الكفارة ما لم يقربها كما لو حلف أن لا يطأها. وإن حرم طعاما فهو كما لو حلف أن لا يأكله، فلا كفارة عليه ما لم يأكل، يروى ذلك عن أبي بكر وعائشة وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة رضي الله عنه:

حصہ V08/P162–V08/P164

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا معاذ بن فضالة، حدثنا هشام عن يحيى، عن ابن حكيم، وهو يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في الحرام: يكفر. وقال ابن عباس: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" (الأحزاب-21) . {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا} وهو تحريم فتاته على نفسه، وقوله لحفصة: لا تخبري بذلك أحدا. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أسر أمر الخلافة بعده فحدثت به حفصة . قال الكلبي: أسر إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتين على أمتي من بعدي. وقال ميمون بن مهران: أسر أن أبا بكر خليفتي من بعدي . {فلما نبأت به} أخبرت به حفصة عائشة {وأظهره الله عليه} أي أطلع الله تعالى نبيه على أنها أنبأت به {عرف بعضه} قرأ عبد الرحمن السلمي والكسائي: "عرف" بتخفيف الراء، أي: عرف بعض الفعل الذي فعلته من إفشاء سره، أي: غضب من ذلك عليها وجازاها به، من قول القائل لمن أساء إليه: لأعرفن لك ما فعلت، أي: لأجازينك عليه، وجازاها به عليه بأن طلقها فلما بلغ ذلك عمر قال: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء جبريل وأمره بمراجعتها واعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا وقعد في مشربة أم إبراهيم مارية، حتى نزلت آية التخيير . وقال مقاتل بن حيان: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة وإنما هم بطلاقها فأتاه جبريل عليه السلام، وقال: لا تطلقها فإنها صوامة قوامة وإنها من نسائك في الجنة، فلم يطلقها. وقرأ الآخرون "عرف" بالتشديد، أي: عرف حفصة بعد ذلك الحديث، أي أخبرها ببعض القول الذي كان منها. {وأعرض عن بعض} يعني لم يعرفها إياه، ولم يخبرها به. قال الحسن: ما استقصى كريم قط قال الله تعالى: {عرف بعضه وأعرض عن بعض} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الكراهية في وجه حفصة أراد أن يتراضاها فأسر إليها شيئين: تحريم الأمة على نفسه، وتبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وفي أبيها عمر رضي الله عنها فأخبرت به حفصة عائشة وأطلع الله تعالى نبيه عليه، عرف [بعضه] حفصة وأخبرها ببعض ما أخبرت به عائشة وهو تحريم الأمة وأعرض عن بعض، يعني ذكر الخلافة كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينتشر ذلك في الناس {فلما نبأها به} أي أخبر حفصة بما أظهره الله عليه {قالت} حفصة {من أنبأك هذا} أي: من أخبرك بأني أفشيت السر؟ {قال نبأني العليم الخبير} {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير } {إن تتوبا إلى الله} أي من التعاون على النبي صلى الله عليه وسلم بالإيذاء. يخاطب عائشة وحفصة {فقد صغت قلوبكما} أي زاغت ومالت عن الحق واستوجبتما التوبة. قال ابن زيد: مالت قلوبهما بأن سرهما ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من اجتناب جاريته. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن عبد الله بن عباس قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى لهما: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما" حتى حج وحججت معه وعدل وعدلت معه بإداوة، فتبرز ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ فقلت له: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى لهما: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما"؟ فقال: واعجبا لك يا ابن عباس هما عائشة وحفصة.

حصہ V08/P164–V08/P166

ثم استقبل عمر الحديث يسوقه فقال: إني كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم فينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار فصخبت علي امرأتي فراجعتني فأنكرت أن تراجعني فقالت: ولم تنكر أن أراجعك! فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل. فأفزعني وقلت: خاب من فعل ذلك منهن. ثم جمعت علي ثيابي [فنزلت] فدخلت على حفصة، فقلت لها: أي حفصة أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: خبت وخسرت، أفتأمنين أن يغضب الله تعالى لغضب رسوله فتهلكي لا تستكثري للنبي صلى الله عليه وسلم ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت [جارتك] [أوضأ] منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم -يريد عائشة -. قال عمر: وكنا تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لتغزونا فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته فرجع إلينا عشاء فضرب بابي ضربا شديدا وقال: أثم هو؟ ففزعت فخرجت إليه فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم؟ فقلت: ما هو أجاء غسان! قال: لا بل أعظم منه وأهول، طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه. فقلت: قد خابت حفصة وخسرت كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون. فجمعت علي ثيابي وصليت صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مشربة فاعتزل فيها فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت: ما يبكيك ألم أكن حذرتك؟ أطلقكن النبي صلى الله عليه وسلم. قالت: لا أدري ها هو ذا معتزل في المشربة. فجئت إلى المنبر فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلا 169/أثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل فكلم النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فقال: كلمت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرتك له فصمت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت فقلت إلى الغلام فقلت: استأذن فاستأذن ثم رجع إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت [فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فاستأذن ثم رجع إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت] . فلما وليت منصرفا قال إذا الغلام يدعوني فقال: قد أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه متكئا على وسادة من أدم حشوها ليف، فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم: يا رسول الله أطلقت نساءك؟ فرفع إلي بصره فقال: لا فقلت: الله أكبر. ثم قلت وأنا قائم أستأنس: يا رسول الله لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلت: يا رسول الله لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت لها: لا يغرنك أن كانت جارتك [أوضأ] منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم -يريد عائشة -فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسمة أخرى، فجلست حين رأيته يبتسم فرفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فإن فارس والروم قد وسع عليهم وأعطوا من الدنيا وهم لا يعبدون الله. فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكان متكئا فقال: "أو في هذا أنت يا ابن الخطاب؟ إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا". فقلت: يا رسول الله استغفر لي.

سوالات