İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
إذا ثبت هذا فقد اختلفوا في الضرر المانع من القسمة ففي قول الخرقي وهو ما لا يمكن معه انتفاع أحدهما بنصيبه مفردا فيما كان ينتفع به مع الشركة مثل أن تكون بينهما دار صغيرة إذا قسمت أصاب كل واحد منهما موضعا ضيقا لا ينتفع به ولو أمكن أن ينتفع به في شيء غير الدار ولا يمكن أن ينتفع به دارا لم يجبر على القسمة أيضا لأنه ضرر يجري مجرى الإتلاف وعن أحمد رواية أخرى أن المانع هو أن تنقص قيمة نصيب أحدهما بالقسمة عن حال الشركة سواء انتفعوا به مقسوما أو لم ينتفعوا وقالالقاضي هذا ظاهر كلام أحمد لأنه قال في رواية الميموني إذا قال بعضهم يقسم وبعضهم لا يقسم فإن كان فيه نقصان من ثمنه بيع وأعطوا الثمن فاعتبر نقصان الثمن وهذا ظاهر كلام الشافعي لأن نقص قيمته ضرر والضرر منفي شرعا وقال مالك يجبر الممتنع وإن استضر قياسا على ما لا ضرر فيه ولا يصح لقوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار ولأن في قسمته ضررا فلم يجبر عليه كقسمة الجوهرة بكسرها ولأن في قسمته إضاعته للمال وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعته ولا يصح القياس على ما لا ضرر فيه لما بينهما من الفرق فإن كان أحد الشريكين يستضر بالقسمة دون الآخر كرجلين بينهما دار لأحدهما ثلثاها وللآخر ثلثها فإذا قسماها استضر صاحب الثلث لكونه لا يحصل له ما يكون دارا ولا يستضر الآخر لأنه يبقى له ما يصير دارا مفردة فطلب صاحب الثلثين القسمة لم يجبر الآخر عليها ذكره أبو الخطاب وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل قال كل قسمة فيها ضرر لا أرى قسمتها وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي ثور وقالالقاضي يجبر الآخر عليها وهو قول الشافعي وأهل العراق لأنه طلب إفراد نصيبه الذي لا يستضر بتمييزه فوجبت إجابته إليه كما لو كانا لا يستضران بالقسمة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار ولأنها قسمة يستضر بها صاحبه فلم يجبر عليها كما لو استضرا معا ولأن فيه إضاعة المال وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعته وإذا حرم عليه إضاعته ماله فإضاعته مال غيره أولى وقد روى عمرو بن جميع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تعصبه على أهل الميراث إلا ما حصل القسم قال أبو عبيدة هو أن يخلف شيئا إذا قسم كان فيه ضرر على بعضهم أو عليهم جميعا ولأننا اتفقنا على أن الضرر مانع من القسمة وأن الضرر في حق أحدهما مانع ولا يجوز أن يكون المانع هو ضرر الطالب لأنه مرضي به من جهته فلا يجوز كونه مانعا كما لو تراضيا عليها مع ضررهما أو ضرر أحدهما فتعين الضرر المانع في جهة المطلوب ولأنه ضرر اغير مرضي به من جهة صاحبه فمنع القسمة كما لو استضرا معا وإن طلب القسمة المستضر بها كصاحب الثلث في المسألة المفروضة أجبر الآخر عليها هذا مذهب أبي حنيفة ومالك لأنه سلب دفع ضرر الشركة عنه بأمر لا ضرر على صاحبه فيه فأجبر عليه كما لا ضرر فيه يحققه أن ضرر الطالب مرضي به من جهته فسقط حكمه والآخر لا ضرر عليه فصار كما لا ضرر فيه
وذكر أصحابنا أن المذهب أنه لا يجبر الممتنع على القسم لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال ولأن طلب القسمة من المستضر سفه فلا تجب إجابته إلى السفه قال الشريف متى كان أحدهما يستضر لم تجب القسمة وقال أبو حنيفة متى كان أحدهما ينتفع بها وجبت وقال الشافعي إن انتفع بها الطالب وجبت وإن استضر بها الطالب فعلى وجهين وقال مالك تجب على كل حال ولو كانت دار بين ثلاثة لأحدهم نصفها وللآخرين نصفها لكل واحد منهما ربعها فإذا قسمت استضر كل واحد منهما ولا يستضر صاحب النصف فطلب صاحب النصف القسمة وجبت إجابته لأنه يمكن قسمتها نصفين فيصير حقهما لهما دارا وله النصف فلا يستضر أحد منهما ويحتمل أن لا تجب عليهما الإجابة لأن كل واحد منهما يستضر بإفراز نصيبه وإن طلبا المقاسمة فامتنع صاحب النصف أجبر لأنه لا ضرر على واحد منهم وإن طلبا إفراز نصيب كل واحد منهما أو طلب أحدهما إفراز نصيبه لم تجب القسمة على قياس المذهب لأنه إضرار بالطالب وسفه على الوجه الذي ذكرناه تجب القسمة لأن المطلوب منه لا ضرر عليه الحال الثاني الذي لا يجبر أحدهما على القسمة وهي ما إذا عدم أحد الشروط الثلاثة فلا تجوز القسمة إلا برضاهما وتسمى قسمة التراضي وهي جائزة مع اختلال الشروط كلها لأنها بمنزلة البيع والمناقلة وبيع ذلك جائز فصل إذا كانت دار بين اثنين سفلها وعلوها فإذا طلبا قسمها نظرت فإن طلب أحدهما قسمة السفل والعلو بينهما ولا ضرر في ذلك أجبر الآخر عليه لأن البناء في الأرض يجري مجرى الغرس فيتبعها في البيع والشفعة ثم لو طلب قسمة أرض فيها غراس أجبر شريكه عليه كذلك البناء وإن طلب أحدهما جعل السفل لأحدهما والعلو للآخر ويقرع بينهما لم يجبر عليه الآخر لثلاثة معان أحدها أن العلو يتبع للسفل ولهذا إذا بيعا تثبت الشفعة فيهما وإذا أفرد العلو بالبيع لم تثبت فيه الشفعة وإذا كان تبعا له لم يجعل المتبوع سهما والتبع سهما فيصير التبع أصلا الثاني أن السفل والعلو يجريان مجرى الدارين المتلاصقتين لأن كل واحد منهما يسكن منفردا ولو كان بيينهما داران لم يكن لأحدهما المطالبة بجعل كل دار نصيبا كذا ها هنا الثالث أن صاحب القرار يملك قرارها وهواءها فإذا جعل السفل نصيبا انفرد صاحبه بالهواء وليست هذه قسمة عادلة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يقسمه الحاكم يجعل ذراعا من السفل بذراعين من العلو وقال أبو يوسف ذراع بذراع وقال محمد يقسمها بالقيمة واحتجوا بأنها دار واحدة فإذا قسمها على ما يراه جاز كالتي لا علو لها ولنا ما ذكرناه من المعاني الثلاثة وفيها رد ما ذكروه وما يذكرونه من كيفية القسمة تحكم وبعضه يرد بعضا وإن طلب أحدهما قسمة العلو وحده أو السفل وحده لم يجب إليه لأن القسمة تراد للتمييز ومع بقاء الإشاعة لا يحصل التمييز وإن طلب قسمة السفل منفردا أو العلو منفردا لم يجب إليه لأنه قد يحصل لكل واحد منهما علو سفل الآخر فيستضر كل واحد منهما ولا يتميز الحقان فصل وإذا كان بينهما دار أو خان كبير فطلب أحدهما قسمة ذلك ولا ضرر في قسمته أجبر الممتنع على القسمة وتفرد بعض المساكن عن بعض وإن كثرت المساكن وإن كان بينهما داران أو خانان أو أكثر فطلب أحدهما أن يجمع نصيبه في إحدى الدارين أو أحد الخانين ويجعل الباقي نصيبا لم يجبر الممتنع وبهذا قالالشافعي وقالأبو يوسف ومحمد إذا رأى الحاكم ذلك فله فعله سواء تقاربتا أو فرقتا لأنه أنفع وأعدل وقال مالك إن كانتا متجاورتين أجبر الممتنع من ذلك عليه لأن المتجاورتين تتقارب منفعتهما بخلاف المتباعدتين وقال أبو حنيفة إن كانت إحداهما أحجزة الأخرى أجبر الممتنع وإلا فلا لأنهما يجريان مجرى الدار الواحدة
ولنا أنه نقل حقه من عين إلى عين أخرى فلم يجبر عليه كالمتفرقين على ملك وكما لو لم تكن حجة بها مع أبي حنيفة وكما لو كانتا دارا ودكانا مع أبي يوسف ومحمد والحكم في الدكاكين كالحكم في الدور وكما لو كانت لها عضائد صغار لا يمكن قسمة كل واحدة منهما منفردة لم يجبر الممتنع من قسمها عليها فصل فإن كانت بينهما أرض واحدة يمكن قسمتها ويتحقق فيها الشروط التي ذكرناها أجبر الممتنع على قسمها سواء كانت فارغة أو ذات شجر وبناء فإن كان فيها نخل وكرم وشجر مختلف وبناء فطلب أحدهما قسمة كل عين على حدتها وطلب الآخر قسمة الجميع بالتعديل بالقيمة فقال أبو الخطاب تقسم كل عين على حدتها وكذلك كل مقسوم إذا أمكنت التسوية بين الشريكين في جيده ورديئه كان أولى ونحو هذا قال أصحاب الشافعي فإنهم قالوا إذا أمكنت التسوية بين الشريكين في جيده ورديئه بأن يكون الجيد في مقدمها والرديء في مؤخرها فإذا قسمناها صار لكل واحد في الجيد والرديء مثل ما للآخر وجبت القسمة وأجبر الممتنع عليها وإن لم تمكن القسمة هكذا بأن تكون العمارة أو الشجر والجيد لا تمكن قسمته وحده وأمكن التعديل بالقيمة عدلت بالقيمة وأجبر الممتنع من القسمة عليها وقال الشافعي في أحد القولين لا يجبر الممتنع من القسمة عليها وقالوا إذا كانت الأرض ثلاثين جريبا قيمة عشرة أجربة منها كقيمة عشرين لم يجبر الممتنع من القسمة عليها لتعذر التساوي في الزرع ولأنه لو كان حقلان متجاوران لم يجبر الممتنع من القسمة إذا لم تمكن إلا بأن يجعل كل واحد منهما سهما كذا ها هنا ولنا أنه مكان واحد أمكنت قسمته وتعديله من غير رد عوض ولا ضرر فوجبت قسمته كالدور ولأن ما ذكروه يفضي إلى منع وجوب القسمة في البساتين كلها والدور فإنه لا يمكن تساوي الشجر وبناء الدور ومساكنها إلا بالقيمة ولأنه مكان لو بيع بعضه وجبت فيه الشفعة لشريك البائع فوجبت قسمته كما لو أمكنت التسوية بالزرع وأما إذا كان بستانان لكل واحد منهما طريق أو حقلان أو داران أو دكانان متجاوران أو متباعدان فطلب أحد الشريكين قسمته بجعل كل واحد بينهما لم يجبر الآخر على هذا سواء كانا متساويين أو مختلفين وهذا ظاهر مذهب الشافعي لأنهما شيئان متميزان لو بيع أحدهما لم تجب الشفعة فيه لمالك الآخر بخلاف البستان الواحد والأرض الواحدة وإن عظمت فإنه إذا بيع بعضها وجبت الشفعة لمالك البعض الباقي والشفعة كالقسمة لأن كل واحد منهما يراد لإزالة ضرر الشركة ونقصان التصرف فما لا تجب قسمته لا تجب الشفعة فيه فكذلك ما لا شفعة فيه لا تجب قسمته وعكس هذا ما تجب قسمته تجب فيه الشفعة وما تجب الشفعة فيه تجب قسمته ولأنه لو بدا الصلاح في بعض البستان كان صلاحا لباقيه وإن كان كبيرا ولم يكن صلاحا لما جاوزه وإن كان صغيرا فصل وإن كان في الأرض زرع فطلب أحدهما قسمتها دون الزرع أجبر الممتنع لأن الزرع في الأرض كالقماش في الدار فلم يمنع القسمة كالقماش وسواء خرج الزرع أو كان بذرا لم يخرج فإذا قسماها بقي الزرع بينهما مشتركا كما لو باعا الأرض لغيرهما وإن طلب أحدهما قسمة الزرع منفردا لم يجبر الآخر عليه لأن القسمة لا بد فيها من تعديل المقسوم وتعديل الزرع بالسهام لا يمكن لأنه يشترط بقاؤه في الأرض المشتركة وإن طلب قسمتها مع الزرع وكان قدخرج جاز وأجبر الممتنع عليه سواء كان قصيلا أو اشتد الحب فيه لأن الزرع كالشجر في الأرض والقسمة إفراز حق وليست بيعا وإن قلنا هي بيع لم يجبر إذا اشتد الحب لأنه يتضمن بيع السنبل بعضه ببعض ويحتمل الجواز لأن السنابل ها هنا دخلت تبعا للأرض فليست المقصود فأشبه بيع النخلة المثمرة بمثلها وقال الشافعي لا يجبر الممتنع من قسمتها مع الزرع لأن الزرع مودع في الأرض للنقل عنها فلم تجب قسمته معها كالقماش فيها
ولنا أنه نابت فيها للنماء والنفع فأشبه الغراس وفارق القماش فإنه غير متصل بالدار ولا ضرر عليه في نقله وإن كان الزرع بذرا في الأرض فقال أصحابنا لا تجوز قسمته لجهالته وكونه لا يمكن إفرازه وهذا مذهب الشافعي ويحتمل الجواز لأنه يدخل تبعا للأرض فلا تضر جهالته كأساسات الحيطان وكذلك لو اشترى أرضا فيها زرع فاشترطوا ملكه بالشرط وإن كان بذرا مجهولا فصل إذا كانت بينهما أرض قيمتها مائة في أحد جانبيها بئر قيمتها مائة وفي الآخر شجرة قيمتها مائة عدلت بالقيمة وجعلت البئر مع نصف الأرض نصيبا والشجرة مع النصف الآخر نصيبا فإن كانت بين ثلاثة أو أكثر نظرت في الأرض فإن كانت قيمتها مائة أو أقل لم تجب القسمة لأنها إذا كانت أقل لم يمكن التعديل إلا بقسمة البئر والشجرة وذلك مما لا تجب قسمته وإن كانت قيمتها مائة فجعلناها سهما والبئر سهما والشجرة سهما لم يحصل مع البئر والشجرة شيء من الأرض فيصير هذا كقسمة الشجر وحده وقسمة ذلك وحده ليست قسمة إجبار وإن كانت الأرض كبيرة القيمة بحيث يأخذ بعض الشركاء سهامهم منها ويبقى منها شيء مع البئر والشجرة وجبت القسمة ومثاله أن تكون قيمة الأرض مائتين وخمسين فيجعلها مائة وخمسين سهما ويضم إلى البئر ما قيمته خمسون وإلى الشجرة مثل ذلك فتصير ثلاثة سهام متساوية وفي كل سهم جزء من أجزاء الأرض فتجب القسمة حينئذ وكذلك لو كانوا أربعة وقيمة الأرض أربعمائة وجبت القسمة لأننا نجعل ثلاثمائة منها سهمين ومائة مع البئر والشجرة سهمين فتعدلت السهام ولو كانت الأرض لاثنين فأراد قسمة البئر والشجرة دون الأرض لم تكن قسمة إجبار وهكذا الأرض ذات الشجر إذا اقتسم الشجر دون الأرض لم تكن قسمة إجبار ولو اقتسماها بشجرها كانت قسمة إجبار لأن الشجر يدخل تبعا للأرض فيصير الجميع كالشيء الواحد ولهذا تجب فيه الشفعة إذا بيع شيء من الأرض بشجرة وإذا قسم ذلك دون الأرض صار أصلا في القسمة ليس بتابع لشيء واحد فيصير كأعيان مفردة من الدور والدكاكين المتفرقة ولهذا لا تجب فيه الشفعة إذا بيع مفردا وكل قسمة غير واجبة إذا تراضيا بها فهي بيع حكمها حكم البيع مسألة قال ( وإذا قسم طرحت السهام فيصير لكل واحد ما وقع سهمه عليه إلا أن يتراضيا فيكون لكل واحد ما رضي به ) وجملته أن القسمة على ضربين قسمة إجبار وقسمة تراضي وقد ذكرنا أن قسمة الإجبار ما أمكن التعديل فيها من غير رد ولا تخلو من أربعة أقسام أحدها أن تكون السهام متساوية وقيمة أجزاء المقسوم متساوية الثاني أن تكون السهام متساوية وقيمة الأجزاء مختلفة الثالث أن تكون السهام مختلفة وقيمة الأجزاء متساوية الرابع أن تكون السهام مختلفة والقيمة مختلفة
فأما الأول فمثل أرض بين ستة لكل واحد منهم سدسها وقيمة أجزاء الأرض متساوية فهذه تعدلها بالمساحة ستة أجزاء متساوية لأنه يلزم من تعديلها بالمساحة تعديلها بالقيمة لتساوي أجزائها في القيمة ثم يقرع بينهم وكيفما أقرع بينهم جاز في ظاهر كلام أحمد فإنه قال في رواية أبي داود إن شاء رقاعا وإن شاء خواتيم يطرح ذلك في حجر من لم يحضر ويكون لكل واحد خاتم معين ثم يقال اخرج خاتما على هذا السهم فمن خرج خاتمه فهو له وعلى هذا لو أقرع بالحصا أو غيره جاز واختار أصحابنا في القرعة أن يكتب رقاعا متساوية بعدد السهام وهو ها هنا مخير بين أن يخرج الأسماء على السهام وبين إخراج السهام على الأسماء فإن أخرج الأسماء على السهام كتب في كل رقعة اسم واحد من الشركاء وتترك في بنادق طين أو شمع متساوية القدر والوزن ويترك في حجر من لم يحضر القسمة ويقال له أخرج بندقة على هذا السهم فإذا أخرجها كان ذلك السهم لمن خرج اسمه في البندقة ثم يخرج أخرى على سهم آخر كذلك حتى يبقى الأخير فيتعين لمن بقي وإن اختار إخراج السهام على الأسماء كتب في الرقاع أسماء السهام فيكتب في رقعة الأول مما يلي جهة كذا وفي أخرى الثاني حتى يكتب الستة ثم يخرج الرقعة على واحد بعينه فيكون له السهم الذي في الرقعة ويفعل ذلك حتى يبقى الأخير فيتعين لمن بقي وذكر أبو بكر أن البنادق تجعل طينا وتطرح في ماء ويعين واحد فأي البنادق انحل الطين عنها وخرجت رقعتها على الماء فهي له وكذلك الثاني والثالث وما بعده فإن خرج اثنان أعيد الإقراع والأول أولى وأسهل القسم الثاني أن تكون السهام متفقة والقيمة مختلفة فإن الأرض تعدل بالقيمة وتجعل ستة أسهم متساوية القيمة ويفعل في إخراج السهام مثل الذي قبله سواء لا فرق بينهما إلا أن التعديل تم بالسهام وها هنا بالقيمة القسم الثالث أن تكون القيمة متساوية والسهام مختلفة مثل أرض بين ثلاثة لأحدهم نصفها وللآخر ثلثها وللآخر سدسها وأجزاؤها متساوية القيمة فإنها تجعل سهاما بقدر أقلها وهو السدس فتجعل ستة أسهم وتعدل بالأجزاء ويكتب ثلاث رقاع بأسمائهم ويخرج رقعة على السهم الأول فإن خرجت لصاحب السدس أخذه ثم يخرج أخرى على الثاني فإن لصاحب الثلث أخذ الثاني والثالث وكانت الثلاثة الباقية لصاحب النصف بغيره قرعة وإن خرجت القرعة الثانية لصاحب النصف أخذ الثاني والثالث والرابع وكان الخامس والسادس لصاحب الثلث وإن خرجت القرعة الأولى لصاحب النصف أخذ الثلاثة الأول وتخرج الثانية على الرابع فإن خرجت لصاحب الثلث أخذه والذي يليه وكان السادس لصاحب السدس فإن خرجت الثانية لصاحب السدس أخذه وأخذ الآخر الخامس والسادس وإن خرجت الأولى لصاحب الثلث أخذ الأول والثاني ثم يخرج الثانية على الثالث فإن خرجت لصاحب النصف أخذ الثلث والرابع والخامس وأخذ الآخر السادس وإن خرجت الثانية لصاحب السدس أخذه وأخذ صاحب النصف ما بقي وقيل تكتب ستة رقاع باسم صاحب النصف ثلاث وباسم صاحب الثلث اثنان وباسم صاحب السدس واحدة وهذا لا فائدة فيه فإن المقصود خروج اسم صاحب النصف وإذا كتب ثلاث رقاع حصل المقصود فأغنى ولا يصح أن يكتب رقاعا بأسماء السهام ويخرجها على أسماء الملاك لأنه إذا أخرج واحدة فيها السهم الثاني لصاحب السدس ثم أخرج أخرى لصاحب النصف أو الثلث فيهما السهم الأول احتاج أن يأخذ نصيبه متفرقا فيتضرر بذلك
القسم الرابع إذا اختلفت السهام والقيمة فإن القاسم يعدل السهام بالقيمة ويجعلها ستة أسهم متساوية القيم ثم يخرج الرقاع فيها الأسماء على السهام كما ذكرنا في القسم الثالث سواء لا فصل بينهما إلا أن التعديل ها هنا بالقيم وفي التي قبلها بالمساحة وأما الضرب الثاني وهي قسمة التراضي التي فيها رد ولا يمكن تعديل السهام إلا أن يجعل مع بعضها عوض فهذه لا إجبار فيها لأنها معاوضة ولا يجبر على المعاوضة وكذلك سائر ما لا تجب قسمته كالدارين تجعل كل واحدة منهما سهما وما يدخل الضرر عليهما بقسمته وأشباه هذا وقد ذكرنا منه صورا فيما تقدم إذا ثبت هذا فإن قسمة الإجبار تلزم بإخراج القرعة لأن القرعة قاسم الحاكم بمنزلة حكمه فيلزم بإخراجها كلزوم حكم الحاكم وأما قسمة التراضي ففيها وجهان أحدهما يلزمه أيضا كقسمة الإجبار لأن القاسم كالحاكم وقرعته كحكمه والثاني لا تلزم لأنها بيع والبيع يلزم بالتراضي لا بالقرعة وإنما القرعة ها هنا لنعرف البائع من المشتري فأما إن تراضيا على أن يأخذ كل واحد منهما واحدا من السهمين بغير قرعة فإنه يجوز لأن الحق لهما ولا يخرج عنهما وكذلك لو خير أحدهما صاحبه فاختار ويلزم ها هنا بالتراضي وتفرقهما كما يلزم البيع فصل ويجوز للشريكين أن يقتسما بأنفسهما وأن يأتيا الحاكم لنيصب بينهما قاسما يقسم لهما وأن ينصبا قاسما يقسم لهما فإن نصب الحاكم قاسما لهما فمن شرطه العدالة ومعرفة الحساب والقيمة والقسمة ليوصل إلى كل ذي حق حقه وهذا قول الشافعي إلا أنه يشترط كونه حرا وإن نصبا قاسما بينهما فكان على صفة قاسم الحاكم في العدالة والمعرفة فهو كقاسم الحاكم في لزوم قسمته بالقرعة وإن كان كافرا أو فاسقا أو غير عارف بالقسمة لم تلزم قسمته إلا بتراضيهما بها ويكون وجوده كعدمه فيما يرجع إلى لزوم القسمة ويجزىء قاسم واحد فيما لا يحتاج إلى تقويم فإن احتاج القسم إلى التقويم احتاج إلى قاسمين لأنه يحتاج إلى أن يكون المقوم اثنين ولا يكفي في التقويم واحد فمتى نصبا قاسما أو نصبه الحاكم وكانت الشروط فيه متحققة لزمت القسمة بقرعته وإن اختل فيه بعض الشروط لم تلزم القسمة إلا بتراضيهما لأن وجوده وعدمه واحد وإن قسما بأنفسهما وأقرعا لم تلزم القسمة إلا بتراضيهما بعد القرعة لأنه لا حاكم بينهما ولا من يقوم مقامه فصل وعلى الإمام أن يرزق القاسم من بيت المال لأن هذا من المصالح وقد روي أن عليا رضي الله عنه اتخذ قاسما وجعل له رزقا من بيت المال فإن لم يرزقه الإمام قال الحاكم للمتقاسمين ادفعا إلى القاسم أجرة ليقسم بينكما فإن استأجره كل واحد منهما بأجر معلوم ليقسم نصيبه جاز وإن استأجروه جميعا إجارة واحدة ليقسم بينهم الدار بأجر واحد معلوم لزم كل واحد منهم من الأجر بقدر نصيبه من المقسوم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يكون عليهم على عدد رؤوسهم لأن عمله في نصيب أحدهما كعمله في نصيب الآخر سواء تساوت سهامهم أو اختلفت فكان الأجر بينهم سواء ولنا أن أجر القسمة يتعلق بالملك فكان بينهم على قدر الأملاك كنفقة العبد وما ذكروه لا يصح لأن العمل في أكبر النصيبين أكثر ألا ترى أن المقسوم لو كان مكيلا أو موزونا كان كيل الكثير أكثر عملا من كيل القليل وكذلك الوزن والزرع وعلى أن يبطل بالحافظ فإن حفظ القليل والكثير سواء ويختلف أجره باختلاف المال فصل وأجرة القسمة بينهما وإن كان أحدهما الطالب لها وبهذا قال أبو يوسف ومحمد والشافعي وقال أبو حنيفة هي على الطالب للقسمة لأنها حق له ولنا أن الأجرة تجب بإفراز الأنصباء وهم فيها سواء فكانت الأجرة عليهما كما لو تراضوا عليها
فصل وإذا ادعى أحد المتقاسمين غلطا في القسمة وأنه أعطي دون حقه نظرت فإن كانت قسمته تلزم بالقرعة ولا تقف على تراضيهما فالقول قول المدعى عليه مع يمينه ولا تقبل دعوى المدعي إلا ببينة عادلة فإن أقام شاهدين عدلين نقضت القسمة وأعيدت وإن لم تكن بينة وطلب يمين شريكه أنه لا فضل معه أحلف له وإنما قدمنا قول المدعى عليه لأن الظاهر صحة القسمة وأداء الأمانة فيها وإن كانت مما لا تلزم إلا بالتراضي كالذي قسماه بأنفسهما ونحوه لم تسمع دعوى من ادعى الغلط هكذا قال أصحابنا وهو مذهب الشافعي لأنه قد رضي بذلك ورضاه بالزيادة في نصيب شريكه تلزمه الصحيح عندي أن هذه كالتي قبلها وأنه متى أقام البينة بالغلط نقضت القسمة لأن ما ادعاه محتمل ثبت ببينة عادلة فأشبه ما لو شهد على نفسه بقبض الثمن أو المسلم فيه ثم ادعى غلطا في كيله أو وزنه وقولهم إن حقه من الزيادة سقط برضاه لا يصح فإنه إنما يسقط مع علمه أما إذا ظن أنه أعطي حقه فرضي بناء على هذا ثم بان له الغلط فلا يسقط به حقه كالثمن والمسلم فيه فإنه لو قبض المسلم فيه بناء على أنه عشرة مكاييل راضيا بذلك ثم ثبت أنه ثمانية أو ادعى المسلم إليه أنه غلط فأعطاه اثني عشر وثبت ذلك ببينة لم يسقط حق واحد منهما بالرضى ولا يمنع سماع دعواه وبينته ولأن المدعى عليه في مسألتنا لو أقر بالغلط لنقضت القسمة ولو سقط حق المدعي بالرضا لما نقضت القسمة بإقراره كما لو وهبه الزائد وقد ذكر أصحابنا وغيرهم فيمن باع دارا على أنها عشرة أذرع فبانت تسعة أو أحد عشر أن البيع باطل في أحد الوجهين وفي الآخر تكون الزيادة للبائع والنقض عليه والبيع إنما يلزم بالتراضي فلو كان التراضي يسقط حقه من الزيادة لسقط حق البائع من الزيادة وحق المشتري من النقص والله أعلم ولأن من رضي بشيء بناء على ظن تبين خلافه لم يسقط به حقه كما لو اقتسما شيئا وتراضيا به ثم بان نصيب أحدهما مستحقا فإن قيل فلم لا تعطي المظلوم حقه في هاتان المسألتين ولا تنقض القسمة كما لو تبين الغلط في الثمن أو المسلم فيه قلنا لأن الغلط ها هنا في نفس القسمة بتفويت شرط من شروطها وهو تعديل السهام فتبطل لفوات شرطها وفي المسلم والثمن الغلط في القبض دون العقد فإن العقد قد تم بشروطه فلا يؤثر الغلط في قبض عوضه في صحته بخلاف مسألتنا فصل إذا اقتسم الشريكان شيئا فبان بعضه مستحقا نظرت فإن كان معينا في نصيب أحدهما بطلت القسمة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تبطل بل يخير من ظهر المستحق في نصيبه بين الفسخ والرجوع بما بقي من حقه كما لو وجد عيبا فيما أخذه ولنا أنها قسمة لم تعدل فيها السهام فكانت باطلة كما لو فعلا ذلك مع علمهما بالحال وأما إذا بان نصيب أحدهما معيبا فيحتمل أن تمنع المسألة ونقول ببطلان القسمة لعدم التعديل بالقيمة ويحتمل أن يفرق بينهما فإن العيب لا يمكن التحرز منه فلم يؤثر في البطلان كالبيع وإن كان المستحق في نصيبهما على السواء لم تبطل القسمة لأن ما يبقى لكل واحد منهما بعد المستحق قدر حقه ولأن القسمة إفراز حق أحدهما من الآخر وقد أفرز كل واحد منهما حقه إلا أن يكون ضرر المستحق في نصيب أحدهما أكثر مثل أن يسد طريقه أو مجرى مائه أو ضوئه أو نحو هذا فتبطل القسمة لأن هذا يمنع التعديل وإن كان المستحق في نصيب أحدهما أكثر من الآخر بطلت لما ذكرناه وإن كان المستحق مشاعا في نصيبهما بطلت القسمة لأن الثالث شريكهما وقد اقتسما من غير حضوره ولا إذنه فأشبه ما لو كان لهما شريك يعلمانه فاقتسما دونه وإن كانا يعلمان المستحق حال القسمة أو أحدهما فالحكم فيها كما لو لم يعلما على ما ذكرنا من التفصيل فيه والله أعلم
فصل وإذا ظهر في نصيب أحدهما عيب لم يعلمه قبل القسمة فله فسخ القسمة أو الرجوع بأرش العيب لأنه نقص في نصيبه فملك ذلك كالمشتري ويحتمل أن تبطل القسمة لأن التعديل فيها شرط ولم يوجد بخلاف البيع فصل وإذا اقتسما دارين فأخذ كل واحد منهما دارا وبنى فيها أو اقتسما أرضين فبنى أحدهما في نصيبه أو غرس ثم استحق نصيبه ونقض بناؤه وقلع غرسه فإنه يرجع على شريكه بنصف البناء والغرس ذكره الشريف أبو جعفر وحكاه أبو الخطاب عن القاضي وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن ليس له الرجوع عليه بشيء لأنه بنى وغرس باختيار نفسه فلم يرجع بنقص ذلك على غيره كما لو بنى في ملك نفسه ولنا أن هذه القسمة بمنزلة البيع فإن الدارين لا يقسمان قسمة إجبار على أن تكون كل واحدة منهما نصيبا وإنما يقسمان كذلك بالتراضي فتكون جارية مجرى البيع ولو باعه الدار جميعها ثم بانت مستحقة رجع عليه بالبناء كله فإذا باعه نصفها رجع عليه بنصفه وكذلك يخرج في كل قسمة جارية مجرى البيع وهي قسمة التراضي الذي فيه رد عوض وما لا يجبر على قسمته لضرر فيه ونحو ذلك فأما قسمة الإجبار إذا ظهر نصيب أحدهما مستحقا بعد البناء والغرس فيه فنقض البناء وقلع الغرس فإن قلنا القسمة بيع فالحكم فيها كذلك وإن قلنا ليست بيعا لم يرجع لأن شريكه لم يغره ولم ينقل إليه من جهته بيع وإنما أفرز حقه من حقه فلم يضمن له ما غرم فيه هذا الذي يقتضيه قول أصحابنا فصل وإذا اقتسم الورثة تركة الميت ثم بان عليه دين لا وفاء له إلا مما اقتسموه لم تبطل القسمة لأن تعلق الدين بالتركة لا يمنع صحة التصرف فيها لأنه تعلق بها بغير رضاهم فأشبه تعلق دين الجناية برقبة الجاني ويفارق الرهن لأن الحق يتعلق به برضا مالكه واختياره فعلى هذا يقال للورثة إن شئتم وفيتم الدين والقسمة بحالها وإن شئتم نقضت القسمة وبيعت التركة في الدين فإن أجاب أحدهم وامتنع الآخر بيع نصيب الممتنع وحده وبقي نصيب المجيب بحاله وإن كان ثم وصية بجزء من المقسوم فالحكم فيه كما ظهر مستحقا على ما مر من التفصيل فيه لأنه يستحق أخذه وإن كانت الوصية بمال غير معين مثل أن يوصي بمائة دينار فحكمها حكم الدين على ما بينا فصل وإذا طلب أحد الشريكين من الآخر المهايأة من غير قسمة إما في الأجزاء بأن يجعل لأحدهما بعض الدار يسكنها أو بعض الحقل يزرعه ويسكن الآخر ويزرع في الباقي أو يسكن أحدهما ويزرع سنة ويسكن الآخر ويزرع سنة أخرى لم يجبر الممتنع منهما وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يجبر لأن في الامتناع منه ضررا فينتفي بقوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار ووافقنا أبو حنيفة في العبيد خاصة على أنه لا يجبر على المهايأة ولنا أن المهايأة معاوضة فلا يجبر عليها كالبيع ولأن حق كل واحد في المنفعة عاجل فلا يجوز تأخيره بغير رضاه كالدين وكما في العبيد عند أبي حنيفة ويخالف قسمة الأصل فإنه إفراز النصيبين وتمييز أحد الحقين إذا ثبت هذا فإنهما إذا اتفقا على المهايأة جاز لأن الحق لهما فجاز فيه ما تراضيا عليه كقسمة التراضي ولا يلزم بل متى رجع أحدهما عنها انقضت المهايأة ولو طلب أحدهما القسمة كان له ذلك وانتقضت المهايأة ووافق أبو حنيفة وأصحابه في انتقاضها بطلب القسمة وقال مالك تلزم المهايأة لأنه يجبر عليها عنده فلزمت كقسمة الأصل ولنا أنه بذل منافع ليأخذ منافع من غير إجارة فلم يلزم كما لو أعاره شيئا ليعيره شيئا آخر إذا احتاج إليه وفارق القسمة فإنها إفراز حق على ما ذكرناه
فصل قال أحمد في قوم اقتسموا دارا وحصل لبعضهم فيها زيادة أذرع ولبعضهم نقصان ثم باعوا الدار جملة واحدة قسمت الدار بينهما على قدر الأذرع يعني أن الثمن يقسم بينهم على قدر ملكهم فيها وهذا محمول على أن زيادة أحدهما في الأذرع كزيادة ملكه فيها مثل أن يكون لأحدهما الخمسان فيحصل له أربعون ذراعا وللآخر ثلاثة أخماس فيحصل له ستون فإن الثمن يقسم بينهما أخماسا على قدر ملكهما في الدار فإن كانت زيادة الأذرع لرداءة ما أخذه صاحبها مثل دار بينهما نصفين فأخذ أحدهما بنصيبه من جيدها أربعين ذراعا وأخذ الآخر من رديئها ستين ذراعا فلا ينبغي أن يقسم الثمن على قدر الأذرع بل يقسم بينهما نصفين لأن الستين ها هنا معدولة بالأربعين فكذلك يعدل بها في الثمن والله أعلم وقال أحمد في قوم اقتسموا دارا كانت أربعة سطوح يجري عليها الماء فلما اقتسموا أراد أحدهم منع جريان ماء الآخر عليه وقال هذا شيء قد صار لي قال إن كان بينهما شرط أنه يرد الماء فله ذلك فإن لم يشترط فليس له منعه ووجهه أنهم اقتسموا الدار وأطلقوا فاقتضى ذلك أن يملك كل واحد حصته بحقوقها وكما لو اشتراها بحقوقها ومن حقها جريان مائها في ماء كان يجري إليه معتادا له وهو على سطح المانع فلهذا استحقه حالة الإطلاق فإن تشارطا على رده فالشرط أملك والمؤمنون على شروطهم وقال أبو الخطاب إذا اقتسما دارا فحصل الطريق في نصيب أحدهما وكان لنصيب الآخر منفذ يتطرق منه وإلا بطلت القسمة وذلك لأن القسمة تقتضي التعديل والنصيب الذي لا طريق له لا قيمة له إلا قيمة قليلة فلا يحصل التعديل ولأن من شرط الإجبار على القسمة أن يكون ما يأخذه كل واحد منهما يمكن الانتفاع به وهذا لا ينتفع به آخذه فإن كان قد أخذه راضيا به عالما بأنه لا طريق له جاز لأن قسمة التراضي بيع وشراؤه على هذا الوجه جائز وقياس المسألة التي قبل هذه أن الطريق تبقى بحالها في نصيب الآخر ما لم يشترط صرفها عنه كمجرى الماء والله أعلم فصل قال وللأب والوصي قسمة مال الصغير مع شريكه لأن القسمة إما إفراز حق أو بيع وكلاهما جائز لهما ولأن في القسمة مصلحة للصبي فجازت كالشراء له ويجوز لهما قسمة التراضي من غير زيادة في العوض لأن فيه دفعا لضرر الشركة فأشبه ما لو باعه لضرر الحاجة إلى قضاء الدين أو الحاجة إلى النفقة فصل ولا تصح ولاية القضاء إلا بتولية الإمام أو من فرض الإمام إليه ذلك فإن كان من ولاه ليس بعدل فهل تصح ولايته على وجهين ويلزم الإمام أن يختار للقضاء بين المسلمين أفضل من يقدر عليه لهم والألفاظ التي تنعقد بها الولاية تنقسم إلى صريح وكناية فالصريحة سبعة ألفاظ وهي قد وليتك الحكم وقلدتك واستنبتك واستخلفتك ورددت إليك الحكم وفوضت إليك وجعلت إليك فإذا وجد أحد هذه الألفاظ من المولي وجوابها من المولى بالقبول انعقدت الولاية وأما الكناية فهي أربعة ألفاظ قد اعتمدت عليك وعولت عليك ووكلت إليك واستندت إليك فلا تنعقد الولاية بها حتى تقترن بها قرينة نحو قوله فاحكم فيما وكلت إليك وانظر فيما أسندت إليك وتول ما عولت فيه عليك وإذا صحت الولاية وكانت عامة استفاد بها النظر في عشرة أشياء فصل الخصومات بين المتنازعين واستيفاء الحق ممن ثبت عليه ودفعه إلى مستحقه والنظر في أموال اليتامى والمجانين والحجر على من يرى الحجر عليه لسفه أو فلس والنظر في الوقوف في عمله في حفظ أصولها وإجراء فروعها على ما شرطه الواقف وتزويج الأيامى اللاتي لا أولياء لهن وإقامة الحدود والنظر في مصالح المسلمين في عمله بكف الأذى عن طرقات المسلمين وأفنيتهم وتصفح حال شهوده وأمنائه والاستبدال بمن ثبت جرحه منهم والإمامة في صلاة الجمعة والعيد وفي جباية الخراج وأخذ الصدقة وجهان فصل قال ويوصي الوكلاء والأعيان على بابه بتقوى الله تعالى والرفق بالخصوم وقلة الطمع ويجتهد أن يكونوا شيوخا أو كهولا من أهل الدين والصيانة والعفة
فصل قال ابن المنذر يكره للقاضي أن يفتي في الأحكام كان شريح يقول أنا أقضي ولا أفتي وأما الفتيا في الطهارة وسائر ما لا يحكم في مثله فلا بأس بالفتيا فيه كتاب الشهادات والأصل في الشهادات الكتاب والسنة والإجماع والعبرة أما الكتاب فقول الله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء البقرة 282 وقال تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 وأشهدوا إذا تبايعتم البقرة 282 وأما السنة فما روى وائل بن حجر قال جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي فقال الكندي هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي ألك بينة قال لا قال فلك يمينه قال يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شيء قال ليس لك منه إلا ذلك قال فانطلق الرجل ليحلف له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر لئن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله تعالى وهو عنه معرض قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى محمد بن عبد الله العرزمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال البينة على المدعي واليمين على المدعيى عليه قال الترمذي هذا حديث في إسناده مقال والعرزمي يضعف في الحديث من قبل حفظه ضعفه ابن المبارك وغيره إلا أن أهل العلم أجمعوا على هذا قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ولأن الحاجة داعية إلى الشهادة لحصول التجاحد بين الناس فوجب الرجوع إليها قال شريح القضاء جمر فنحه عنك بعودين يعني الشاهدين وإنما الخصم داء والشهود شفاء فأفرغ الشفاء على الداء فصل وتحمل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية لقول الله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا البقرة 282 وقال تعالى ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه البقرة 283 وإنما خص القلب بالإثم لأنه موضع العلم بها ولأن الشهادة أمانة فلزم أداؤها كسائر الأمانات إذا ثبت هذا فإن دعي إلى تحمل شهادة في نكاح أو دين أو غيره لزمته الإجابة وإن كانت عنده شهادة فدعي إلى أدائها لزمه ذلك فإن قام بالفرض في التحمل أو الأداء اثنان سقط عن الجميع امتنع الكل أثموا وإنما يأثم الممتنع إذا لم يكن عليه ضرر وكانت شهادته تنفع فإن كان عليه ضرر في التحمل أو الأداء أو كان ممن لا تقبل شهادته أو يحتاج إلى التبذل في التزكية ونحوها لم يلزمه لقول الله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد البقرة 282 وقول النبي صلى وإن امتنع الكلت أثموا وإنما يأثم الممتنع لم يكن عليه ضرر وكانت شهادته تنفع فإن كان عليه ضرر في التحمل أو الأداء أو كان ممن لا تقبل شهادته أو يحتاج إلى التبذل في التزكية ونحوها لم يلزمه لقول الله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد ( 1 ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار ولأنه لا يلزمه أن يضر بنفسه لنفع غيره وإذا كان ممن لا تقبل شهادته لم يجب عليه لأن مقصود الشهادة لا يحصل منه وهل يأثم بالامتناع إذا وجد غيره ممن يقوم مقامه فيه وجهان أحدهما يأثم لأنه قد تعين بدعائه ولأنه منهي عن الامتناع بقوله ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا البقرة 282 والثاني لا يأثم لأن غيره يقوم مقامه فلم يتعين في حقه كما لو لم يدع إليها فأما قول الله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد البقرة 282 فقد قرىء بالفتح والرفع فمن رفع فهو خبر معناه النهي ويحتمل معنيين أحدهما أن يكون الكاتب فاعلا أي لا يضر الكاتب والشهيد من يدعوه بأن لا يجيب أو يكتب ما لم يستكتب أو يشهد ما لم يستشهد به
والثاني أن يكون يضار فعل ما لم يسم فاعله فيكون معناه ومعنى الفتح واحدا أي لا يضر الكاتب والشهيد بأن يقطعهما عن شغلهما بالكتابة والشهادة ويمنعا حاجتهما واشتقاق الشهادة من المشاهدة لأن الشاهد يخبر عما يشاهده وقيل لأن الشاهد بخبره جعل الحاكم كالمشاهد للمشهود عليه وتسمى بينة لأنها تبين ما التبس وتكشف الحق فيما اختلف فيه مسألة قال ( ولا يقبل في الزنا إلا أربعة رجال عدول أحرار مسلمين ) أجمع المسلمون على أنه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة شهود وقد نص الله تعالى عليه بقوله سبحانه لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون النور 13 في آي سواها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أربعة وإلا حد في ظهرك في إخبار سوى هذا وأجمعوا على أنه يشترط كونهم مسلمين عدولا ظاهرا وباطنا وسواء كان المشهود عليه مسلما أو ذميا وجمهور العلماء على أنه يشترط أن يكونوا رجالا أحرارا فلا تقبل شهادة النساء ولا العبيد وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وشذ أبو ثور فقال تقبل فيه شهادة العبيد وحكي عن عطاء وحماد أنهما قالا تجوز شهادة ثلاثة رجال وامرأتين لأنه نقص واحد من عدد الرجال فقام مقامه امرأتان كالأموال ولنا ظاهر الآية وأن العبد مختلف في شهادته في المال فكان ذلك شبهة في الحد لأنه بالشبهات يندرىء ولا يصلح قياس هذا على الأموال لخفة حكمها وشدة الحاجة إلى إثباتها لكثرة وقوعها والاحتياط في حفظها ولهذا زيد في عدد شهود الزنا على شهود المال فصل وفي الإقرار بالزنا روايتان ذكرهما أبو بكر وللشافعي فيه قولان أحدهما يثبت بشاهدين قياسا على سائر الأقارير والثاني لا يثبت إلا بأربعة لأنه موجب لحد الزنا أشبه فعله مسألة قال ( ولا يقبل فيما سوى الأموال مما يطلع عليه الرجال أقل من رجلين ) وهذا القسم نوعان أحدهما العقوبات وهي الحدود والقصاص فلا يقبل فيه إلا شهادة رجلين إلا ما روي عن عطاء وحماد أنهما قالا يقبل فيه رجل وامرأتان قياسا على الشهادة في الأموال ولنا إن هذا ما يحتاط لدرئه وإسقاطه ولهذا يندرىء بالشبهات ولا تدعو الحاجة إلى إثباته وفي شهادة النساء شبهة بدليل قوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى البقرة 282 وأنه لا تقبل شهادتهن وإن كثرن ما لم يكن معهن رجل فوجب أن لا تقبل شهادتهن فيه ولا يصح قياس هذا على المال لما ذكرنا من الفرق وبهذا الذي ذكرنا قال سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وحماد والزهري وربيعة ومالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي واتفق هؤلاء وغيرهم على أنها تثبت بشهادة رجلين ما خلا الزنا إلا الحسن فإنه قال الشهادة على القتل كالشهادة على الزنا لأنه يتعلق به إتلاف النفس فأشبه الزنا ولنا إنه أحد نوعي القصاص فأشبه القصاص في الطرف وما ذكره من الوصف لا أثر له فإن الزنا الموجب للحد لا يثبت إلا بأربعة ولأن حد الزنا حق لله تعالى يقبل الرجوع عن الإقرار به ويعتبر في شهداء هذا النوع من الحرية والذكورية والإسلام والعدالة ما يعتبر في شهداء الزنا على ما سنذكره الثاني ما ليس بعقوبة كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والإيلاء والظهار والنسب والتوكيل والوصية إليه والولاء والكتابة وأشباه هذا فقال القاضي المعول عليه في المذهب أن هذا لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال وقد نص أحمد في رواية الجماعة على أنه لا تجوز شهادة النساء في النكاح والطلاق وقد نقل عن أحمد في الوكالة إن كانت بمطالبة دين يعني تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين فأما غير ذلك فلا
ووجه ذلك أن الوكالة في اقتضاء الدين يقصد منها المال فيقبل فيها شهادة رجل وامرأتين كالحوالة قال القاضي فيخرج من هذا أن النكاح وحقوقه من الرجعة وشبهها لا تقبل فيها شهادة النساء رواية واحدة وما عداه يخرج على روايتين وقال أبو الخطاب يخرج في النكاح والعتاق أيضا روايتان إحداهما لا تقبل فيه إلا شهادة رجلين وهو قول النخعي والزهري ومالك وأهل المدينة والشافعي وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وربيعة في الطلاق والثانية تقبل فيه شهادة رجلين وامرأتين روي ذلك عن جابر بن زيد وإياس بن معاوية والشعبي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وروي ذلك في النكاح عن عطاء واحتجوا بأنه لا يسقط بالشبهة فيثبت برجل وامرأتين كالمال ولنا إنه ليس بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال فلم يكن للنساء في شهادته مدخل كالحدود والقصاص وما ذكروه لا يصح فإن الشبهة لا مدخل لها في النكاح وإن تصور بأن تكون المرأة مرتابة بالحمل لم يصح النكاح فصل وقد نقل عن أحمد رضي الله عنه في الإعسار ما يدل على أنه لا يثبت إلا بثلاثة لحديث قبيصة بن المخارق حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة قال أحمد هكذا جاء الحديث فظاهر هذا أنه أخذ به وروي عنه أنه لا يقبل قوله إنه وصي حتى يشهد له رجلان أو رجل عدل فظاهر هذا أنه يقبل في الوصية شهادة رجل واحد وقال في الرجل يوصي ولا يحضره إلا النساء قال أجيز شهادة النساء فظاهر هذا أنه أثبت الوصية بشهادة النساء على الإنفراد إذا لم يحضره الرجال قال القاضي والمذهب أن هذا كله لا يثبت إلا بشاهدين وحديث قبيصة في حل المسألة لا في الإعسار فصل ولا يثبت شيء من هذين النوعين بشاهد ويمين المدعي لأنه إذا لم يثبت بشهادة رجل وامرأتين فلئلا يثبت بشهادة واحد ويمين أولى قال أحمد ومالك في الشاهد واليمين إنما يكون ذلك في الأموال خاصة لا يقع في حد ولا نكاح ولا طلاق ولا عتاقة ولا سرقة ولا قتل وقد قال الخرقي إذا ادعى العبد أن سيده أعتقه وأتى بشاهد حلف مع شاهده وصار حرا ونص عليه أحمد وقال في شريكين في عبد ادعى كل واحد منهما أن شريكه أعتق حقه منه وكانا معسرين عدلين فللعبد أن يحلف مع كل واحد منهما ويصير حرا أو يحلف مع أحدهما ويصير نصفه حرا فيخرج مثل هذا في الكتابة والولاء والوصية والوديعة والوكالة فيكون في الجميع روايتان ما خلا العقوبات البدنية والنكاح وحقوقه فإنها لا تثبت بشاهد ويمين قولا واحدا قال القاضي المعمول عليه في جميع ما ذكرناه أنه لا يثبت إلا بشاهدين وهو قول الشافعي وروى الدارقطني بإسناده عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال استشرت جبريل في القضاء باليمين مع الشاهد فأشار علي في الأموال لا تعد ذلك وقال عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بالشاهد واليمين قال نعم في الأموال وتفسير الراوي أولى من تفسير غيره رواه الإمام أحمد وغيره بإسنادهم مسألة قال ( ولا يقبل في الأموال أقل من رجل وامرأتين ورجل عدل مع يمين الطالب )
وجملة ذلك أن المال كالفرض والغصب والديون كلها وما يقصد به المال كالبيع والوقف والإجارة والهبة والصلح والمساقاة والمضاربة والشركة والوصية له والجناية الموجبة للمال كجناية الخطأ وعمد الخطأ والعمد الموجب للمال دون القصاص كالجائفة وما دون الموضحة من الشجاج تثبت بشهادة رجل وامرأتين وقال أبو بكر لا تثبت الجناية في البدن بشهادة رجل وامرأتين لأنها جناية فأشبهت ما يوجب القصاص والأول أصح لأن موجبها المال فأشبهت البيع وفارق ما يوجب القصاص لأن القصاص لا تقبل فيه شهادة النساء وكذلك ما يوجبه والمال يثبت بشهادة النساء وكذلك ما يوجبه ولا خلاف في أن المال يثبت بشهادة النساء مع الرجال وقد نص الله تعالى على ذلك في كتابه بقوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى قوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء البقرة 282 وأجمع أهل العلم على القول به وقد ذكرنا خبر أبي هريرة وابن عباس فيه فصل وأكثر أهل العلم يرون ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وهو قول الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والحسن وشريح وإياس وعبد الله بن عتبة وأبي سلمة بن عبد الرحمن ويحيى بن يعمر و ربيعة ومالك وابن أبي ليلى وأبي الزناد والشافعي وقال الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي والأوزاعي لا يقضي بشاهد ويمين وقال محمد بن الحسن من قضى بالشاهد واليمين نقضت حكمه لأن الله تعالى قال واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان البقرة 282 فمن زاد في ذلك فقد زاد في النص والزيادة في النص نسخ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال البينة على المدعي واليمين على من أنكر فحصر اليمين في جانب المدعى عليه كما حصر البينة في جانب المدعي ولنا ما روى سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد الواحد رواه سعيد بن منصور في سننه والأئمة من أهل السنن والمسانيد قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وفي الباب عن علي وابن عباس وجابر ومسروق وقال النسائي إسناد حديث ابن عباس في اليمين مع الشاهد إسناد جيد ولأن اليمين تشرع في حق من ظهر صدقه وقوي جانبه ولذلك شرعت في حق صاحب اليد لقوة جنبته بها وفي حق المنكر لقوة جنبته فإن الأصل براءة ذمته والمدعي ها هنا قد ظهر صدقه فوجب أن تشرع اليمين في حقه ولا حجة لهم في الآية لأنها دلت على مشروعية الشاهدين والشاهد والمرأتين ولا نزاع في هذا وقولهم إن الزيادة في النص نسخ غير صحيح لأن النسخ الرفع والإزالة والزيادة في الشيء تقرير له لا رفع والحكم بالشاهد واليمين لا يمنع الحكم بالشاهدين ولا يرفعه ولأن الزيادة لو كانت متصلة بالمزيد عليه لم ترفعه ولم تكن نسخا وكذلك إذا انفصلت عنه ولأن الآية واردة في التحمل دون الأداء ولهذا قال أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى البقرة 282 والنزاع في الأداء وحديثهم ضعيف وليس هو للحصر بدليل أن اليمين تشرع في حق المودع إذا ادعى رد الوديعة وتلفها وفي حق الأمناء لظهور جنايتهم وفي حق الملاعن وفي القسامة وتشرع في حق البائع والمشتري إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة وقول محمد في نقض قضاء من قضى بالشاهد واليمين يتضمن القول بنقض قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الذين قضوا به وقد قال الله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما النساء 65 والقضاء بما قضى به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أولى من قضاء محمد بن الحسن المخالف له
فصل قال القاضي يجوز أن يحلف على ما لا تسوغ الشهادة عليه مثل أن يجد بخطه دينا له على إنسان وهو يعرف أنه لا يكتب إلا حقا ولم يذكره أو يجد في رزمانج أبيه بخطه دينا له على إنسان ويعرف من أبيه الأمانة وأنه لا يكتب إلا حقا فله أن يحلف عليه ولا يجوز أن يشهد به ولو أخبره بحق أبيه ثقة فسكن إليه جاز أن يحلف عليه ولم يجز له أن يشهد به وبهذا قال الشافعي والفرق بين اليمين والشهادة من وجهين أحدهما أن الشهادة لغيره فيحتمل أن من له الشهادة قد زور على خطه ولا يحتمل هذا فيما يحلف عليه لأن الحق إنما هو للحالف فلا يزور أحد عليه الثاني أن ما يكتبه الإنسان من حقوقه يكثر فينسى بعضه بخلاف الشهادة فصل وكل موضع قبل فيه الشاهد واليمين فلا فرق بين كون المدعي مسلما أو كافرا عدلا أو فاسقا رجلا أو امرأة نص عليه أحمد لأن من شرعت في حقه اليمين لا يختلف حكمه باختلاف هذه الأوصاف كالمنكر إذا لم تكن بينة فصل قال أحمد مضت السنة أن يقضي باليمين مع الشاهد الواحد فإن أبى أن يحلف استحلف المطلوب وهذا قول مالك والشافعي ويروى عن أحمد فإن أبى المطلوب أن يحلف ثبت الحق عليه فصل ولا تقبل شهادة امرأتين ويمين المدعي وبه قال الشافعي وقال مالك يقبل ذلك في الأموال لأنهما في الأموال أقيمتا مقام الرجل فحلف معهما كما يحلف مع الرجل ولنا أن البينة على المال إذا حلت من رجل لم تقبل كما لو شهد أربع نسوة وما ذكروه يبطل بهذه الصورة فإنهما لو أقيمتا مقام رجل من كل وجه لكفى أربع نسوة مقام رجلين ولقبل في غير الأموال شهادة رجل وامرأتين ولأن شهادة المرأتين ضعيفة تقوت بالرجل واليمين ضعيفة فيضم ضعيف إلى ضعيف فلا يقبل فصل إذا ادعى رجل على رجل أنه سرق نصابا من حرزه وأقام بذلك شاهدا وحلف معه أو شهد له بذلك رجل وامرأتان وجب له المال المشهود به إن كان باقيا أو قيمته إن كان تالفا ولا يجب القطع لأن هذه حجة في المال دون القطع وإن ادعى على رجل أنه قتل وليه عمدا فأقام شاهدا وامرأتين أو حلف مع شاهده لم يثبت قصاص ولا دية والفرق بين المسألين أن السرقة توجب القطع والغرم معا فإذا لم يثبت أحدهما ثبت الآخر والقتل العمد موجبه القصاص عينا في إحدى الروايتين والدية بدل عنه ولا يجب البدل ما لم يوجد المبدل وفي الرواية الأخرى الواجب أحدهما لا بعينه فلا يجوز أن يتعين أحدهما إلا بالاختيار أو التعذر ولم يوجد واحد منهما وقالابن أبي موسى لا يجب المال في السرقة أيضا إلا بشاهدين لأنها شهادة على فعل يوجب الحد والمال فإذا بطلت في إحداهما بطلت في الأخرى والأول أولى لما ذكرناه وإن ادعى رجل على رجل أنه ضرب أخاه بسهم عمدا فقتله ونفذ إلى إخيه الآخر فقتله خطأ وأقام بذلك شاهدا وامرأتين أو شاهدا وحلف معه ثبت قتل الثاني لأنه خطأ موجبه المال ولم يثبت قتل الأول لأنه عمد موجبه القصاص فهما كالجنايتين المفترقتين وعلى قول أبي بكر لا يثبت شيء منهما لأن الجناية عنده لا تثبت إلا بشاهدين سواء كان موجبها المال أو غيره ولو ادعى رجل على آخر أنه سرق منه وغصبه مالا فحلف بالطلاق والعتاق ما سرق منه ولا غصبه فأقام المدعي شاهدا وامرأتين شهدا بالسرقة والغصب أو أقام شاهدا وحلف معه استحق المسروق والمغصوب لأنه أتى ببينة يثبت ذلك بمثلها ولم يثبت طلاق ولا عتاق لأن هذه البينة حجة في المال دون الطلاق والعتاق وظاهر مذهب الشافعي في هذا الفصل كمذهبنا إلا فيما ذكرناه من الخلاف عن أصحابنا
فصل ولو ادعى جارية في يد رجل أنها أم ولده وأن ابنها ابنه منها ولد في ملكه وأقام بذلك شاهدا وامرأتين أو حلف مع شاهده حكم له بالجارية لأن أم الولد مملوكة له ولهذا يملك وطأها وإجارتها وتزويجها ويثبت لها حكم الاستيلاد بإقراره لأن إقراره ينفذ في ملكه والملك يثبت بالشاهد والمرأتين والشاهد واليمين ولا يحكم له بالولد لأنه يدعي نسبه والنسب لا يثبت بذلك ويدعي حريته أيضا فعلى هذا يقر الولد في يد المنكر مملوكا له وهذا أحد قولي الشافعي وقال في الآخر يأخذها وولدها ويكون ابنه لأن من ثبتت له العين ثبت له نماؤها والولد نماؤها وذكر أبو الخطاب فيها عن أحمد روايتين كقولي الشافعي ولنا أنه لم يدع الولد ملكا وإنما يدعي حريته ونسبه وهذان لا يثبتان بهذه البينة فيبقيان على ما كانا عليه فصل وإن ادعى رجل أنه خالع امرأته فأنكرت ثبت ذلك بشاهد وامرأتين أو يمين المدعي لأنه يدعي المال الذي خالعت به وإن ادعت ذلك المرأة لم يثبت إلا بشهادة رجلين لأنها لا تقصد منه إلا الفسخ وخلاصها من الزوج ولا يثبت ذلك إلا بهذه البينة مسألة قال ( ويقبل فيما لا يطلع عليه الرجال مثل الرضاع والولادة والحيض والعدة وما أشبهها شهادة امرأة عدل ) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في قبول شهادة النساء المفردات في الجملة قال القاضي والذي تقبل فيه شهادتهن منفردات خمسة أشياء الولادة والاستهلال والرضاع والعيوب تحت الثياب كالرتق والقرن والبكارة والثيابة والبرص وانقضاء العدة وعن أبي حنيفة لا تقبل شهادتهن منفردات على الرضاع لأنه يجوز أن يطلع عليه محارم المرأة من الرجال فلم يثبت بالنساء منفردات كالنكاح ولنا ما روى عقبة بن الحارث قال تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فأتت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأعرض عني ثم أتيته فقلت يا رسول الله إنها كاذبة قال كيف وقد زعمت ذلك متفق عليه ولأنها شهادة على عورة للنساء فيها مدخل فقبل فيها شهادة النساء كالولادة وتخالف العقد فإنه ليس بعورة وحكي عن أبي حنيفة أيضا أن شهادة النساء المنفردات لا تقبل في الاستهلال لأنه يكون بعد الولادة وخالفه صاحباه وأكثر أهل العلم لأنه يكون حال الولادة فيتعذر حضور الرجال فأشبه الولادة نفسها وقد روي عنعلي رحمه الله أنه أجاز شهادة القابلة وحدها في الاستهلال رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور إلا أنه من حديث جابر الجعفي وإجازه شريح والحسن والحارث العكلي وحماد فصل إذا ثبت هذا فكل موضع قلنا تقبل فيه شهادة النساء المنفردات فإنه تقبل فيه شهادة المرأة الواحدة وقال طاوس وتجوز شهادة المرأة في الرضاع وإن كانت سوداء وعن أحمد رواية أخرى لا تقبل فيه إلا امرأتان وهو قول الحكم وابن أبي ليلى وابن شبرمة وإليه ذهب مالك والثوري لأن كل جنس يثبت به الحق كفى فيه اثنان كالرجال ولأن الرجال أكمل منهن عقلا ولا يقبل منهم إلا اثنان وقال عثمان البتي يكفي ثلاث لأن كل موضع قبل فيه النساء كان العدد ثلاثة كما لو كان معهن رجل وقال أبو حنيفة تقبل شهادة المرأة الواحدة في ولادة الزوجات دون ولادة المطلقة وقال عطاء والشعبي وقتادة والشافعي وأبو ثور لا يقبل فيه إلا أربع لأنها شهادة من شرطها الحرية فلم يقبل فيها الواحدة كسائر الشهادات ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال شهادة امرأتين بشهادة رجل
ولنا ما روى عقبة بن الحارث أنه قال تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فأعرض عني ثم ذكرت له ذلك فقال وكيف وقد زعمت ذلك متفق عليه وروى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة ذكره الفقهاء في كتبهم وروى أبو الخطاب عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يجزىء في الرضاع شهادة امرأة واحدة ولأنه معنى يثبت بقول النساء المنفردات فلا يشترط فيه العدد كالرواية وأخبار الديانات وما ذكره الشافعي من اشتراط الحرية غير مسلم وقول النبي صلى الله عليه وسلم شهادة امرأتين بشهادة رجل في الموضع الذي تشهد فيه مع الرجل فصل فإن شهد الرجل بذلك فقال أبو الخطاب تقبل شهادته وحده لأنه أكمل من المرأة فإذا اكتفي بها وحدها فلأن يكتفى به أولى ولأن ما قبل فيه قول المرأة الواحدة قبل فيه قول الرجل كالرواية مسألة قال ( ومن لزمته الشهادة فعليه أن يقوم بها على القريب والبعيد لا يسعه التخلف عن إقامتها وهو قادر على ذلك ) وجملته أن أداء الشهادة من فروض الكفايات فإن تعينت عليه بأن لا يتحملها من يكفي فيها سواه لزمه القيام بها وإن قام بها اثنان غيره سقط عنه أداؤها إذا قبلها الحاكم فإن كان تحملها جماعة فأداؤها واجب على الكل إذا امتنعوا أثموا كلهم كسائر فروض الكفايات ودليل وجوبها قول الله تعالى ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه البقرة 283 وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما النساء 135 وفي الآية الأخرى كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى المائدة 8 ولأن الشهادة أمانة فلزمه أداؤها عند طلبه كالوديعة ولقوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها النساء 58 فإن عجز عن إقامتها أو تضرر بها لم تجب عليه لقول الله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم البقرة 282 فصل ومن له كفاية فليس له أخذ الجعل على الشهادة لأنه أداء فرض فإن فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منهم فرضا وإن لم تكن له كفاية ولا تعينت عليه حل له أخذه والنفقة على عياله فرض عين فلا يشتغل عنه بفرض الكفاية فإذا أخذ الرزق جمع بين الأمرين وإن تعينت عليه الشهادة احتمل ذلك أيضا واحتمل أن لا يجوز لئلا يأخذ العوض عن أداء فرض عين وقال أصحاب الشافعي لا يجوز أخذ الأجرة لمن تعينت عليه وهل يجوز لغيره على وجهين مسألة قال ( وما أدركه من الفعل نظرا أو سمعه تيقنا وإن لم ير المشهود عليه شهد به ) وجملة ذلك أن الشهادة لا تجوز إلا بما علمه بدليل قوله تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون الزخرف 86 وقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا الإسراء 36 وتخصيصه لهذه الثلاثة بالسؤال لأن العلم بالفؤاد وهو يستند إلى السمع والبصر ولأن مدرك الشهادة الرؤية والسماع وهما بالبصر والسمع وروي عن ابن عباس أنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة قال هل ترى الشمس قال نعم قال على مثلها فاشهد أو دع رواه الخلال في الجامع بإسناده
إذا ثبت هذا فإن مدرك العلم الذي تقع به الشهادة اثنان الرؤية والسماع وما عداهما من مدارك العلم كالشم والذوق واللمس لا حاجة إليها في الشهادة في الأغلب فأما ما يقع بالرؤية فالأفعال كالغصب والإتلاف والزنا وشرب الخمر وسائر الأفعال وكذلك الصفات المرئية كالعيوب في المبيع ونحوها فهذا لا تتحمل الشهادة فيه إلا بالرؤية لأنه تمكن الشهادة عليه قطعا فلا يرجع إلى غير ذلك وأما السماع فنوعان أحدهما من المشهود عليه مثل العقود كالبيع والإجارة وغيرهما من الأقوال فيحتاج إلى أن يسمع كلام المتعاقدين ولا تعتبر رؤية المتعاقدين إذا عرفهما وتيقن أنه كلامهما وبهذا قال ابن عباس والزهري وربيعة والليث وشريح وعطاء وابن أبي ليلى ومالك وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن الشهادة لا تجوز حتى يشاهد القائل المشهود عليه لأن الأصوات تشتبه فلا يجوز أن يشهد عليها من غير رؤية كالخط ولنا أنه عرف المشهود عليه يقينا فجازت شهادته عليه كما لو رآه وجواز اشتباه الأصوات كجواز اشتباه الصور وإنما تجوز الشهادة لمن عرف المشهود عليه يقينا وقد يحصل العلم بالسماع يقينا وقد اعتبره الشرع بتجويزه الرواية من غير رؤية ولهذا قبلت رواية الأعمى ورواية من روى عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير محارمهن وأما النوع الثاني فسنذكره إن شاء الله تعالى في المسألة التي تلي هذا فصل إذا عرف المشهود عليه باسمه وعينه ونسبه جاز أن يشهد عليه حاضرا كان أو غائبا وإن لم يعرف ذلك لم يجز أن يشهد عليه مع غيبته وجاز أن يشهد عليه حاضرا بمعرفة عينه نص عليه أحمد قال مهنا سألت أحمد عن رجل شهد لرجل بحق له على رجل وهو لا يعرف اسم هذا ولا اسم هذا إلا أنه يشهد له فقال إذا قال أشهد أن لهذا على هذا وهما شاهدان جميعا فلا بأس وإن كان غائبا فلا يشهد حتى يعرف اسمه فصل والمرأة كالرجل في أنه إذا عرفها وعرف اسمها ونسبها جاز أن يشهد عليها مع غيبتها وإن لم يعرفها لم يشهد عليها مع غيبتها قال أحمد في رواية الجماعة لا تشهد إلا لمن تعرف وعلى من تعرف ولا يشهد إلا على امرأة قد عرفها وإن كانت ممن قد عرف اسمها ودعيت وذهبت وجاءت فليشهد وإلا فلا يشهد فأما إن لم يعرفها فلا يجوز أن يشهد مع غيبتها ويجوز أن يشهد على عينها إذا عرف عينها ونظر إلى وجهها قال أحمد ولا يشهد على امرأة حتى ينظر إلى وجهها وهذا محمول على الشهادة على من لم يتيقن معرفتها فأما من تيقن معرفتها وتعرف بصوتها يقينا فيجوز أن يشهد عليها إذا تيقن صوتها على ما قدمناه في المسألة قبلها فإن لم يعرف المشهود عليه فعرفه عنده من يعرفه فقد روي عن أحمد أنه قال لا يشهد على شهادة غيره إلا بمعرفته لها وقال لا يجوز للرجل أن يقول للرجل أنا أشهد أن هذه فلانة ويشهد على شهادته وهذا صريح في المنع من الشهادة على من لا يعرفه بتعريف غيره وقال القاضي يجوز أن يحمل هذا على الاستحباب لتجويزه الشهادة بالاستفاضة وظاهر قوله المنع منه وقال أحمد لا يشهد على امرأة إلا بإذن زوجها وهذا يحتمل أنه لا يدخل عليها بيتها ليشهد عليها إلا بإذن زوجها لما روى عمرو بن العاص قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستأذن على النساء إلا بإذن أزواجهن رواه أحمد في مسنده فأما الشهادة عليها في غير بيتها فجائزة لأن إقرارها صحيح وتصرفها إذا كانت رشيدة صحيح فجاز أن يشهد عليها به فصل وإذا عرف الشاهد خطه ولم يذكر أنه شهد به فهل يجوز له أن يشهد بذلك فيه روايتان إحداهما لا يجوز أن يشهد بها قال أحمد في رواية حرب فيمن يرى خطه وخاتمه ولا يذكر الشهادة قال لا يشهد إلا بما يعلم وقال في روياة غيره
إذا عوف خطه وكيف تكون الشهادة إلا هكذا وقال في موضع آخر إذا عوف خطه ولم يحفظ فلا يشهد إلا أن يكون منسوخا عنده موضوعا تحت ختمه وحرزه فيشهد وإن لم يحفظ وقال أيضا إذا كان رديء الحفظ فيشهد ويكتبها عنده وهذه رواية ثالثة وهو أن يشهد إذا كانت مكتوبة عنده بخطه في حرزه ولا يشهد إذا لم تكن كذلك بمنزلة القاضي في إحدى الروايتين إذا وجد حكمه بخطه تحت ختمه أمضاه ولا يمضيه إذا لم يكن كذلك مسألة قال ( وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه شهد به كالشهادة على النسب والولادة ) هذا النوع الثاني من السماع وهو ما يعلمه بالاستفاضة وأجمع أهل العلم على صحة الشهادة بها في النسب والولادة قال ابن المنذر أما النسب فلا أعلم أحدا من أهل العلم منع منه ولو منع ذلك لاستحالت معرفة الشهادة به إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغيره ولا تمكن المشاهدة فيه ولو اعتبرت المشاهدة لما عرف أحد أباه ولا أمه ولا أحدا من أقاربه وقال قال الله تعالى يعرفونه كما يعرفون أبناءهم البقرة 146 واختلف أهل العلم فيما تجوز الشهادة عليه بالإستفاضة غير النسب والولادة فقال أصحابنا هو تسعة أشياء النكاح والملك المطلق والوقف ومصرفه والموت والعتق والولاء والولاية والعزل وبهذا قال أبو سعيد الاصطخري وبعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم لا تجوز في الوقف والولاء والعتق والزوجية لأن الشهادة ممكنة فيه بالقطع فإنها شهادة بعقد فأشبه سائر العقود وقال أبو حنيفة لا تقبل إلا في النكاح والموت ولا تقبل في الملك المطلق لأنها شهادة بمال أشبه الدين وقال صاحباه يقبل في الولاء مثل عكرمة مولى ابن عباس ولنا أن هذه الأشياء تتعذر الشهادة عليها في الغالب بمشاهدتها أو مشاهدة أسبابها فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة كالنسب قال مالك ليس عندنا من يشهد على أحباس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالسماع وقال مالك السماع في الأحباس والولاء جائز وقال أحمد في رواية المروذي أشهد أن دار بختان لبختان وإن لم يشهدك وقيل له تشهد أن فلانة امرأة فلان ولم تشهد النكاح فقال نعم إذا كان مستفيضا فأشهد أقول إن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن خديجة وعائشة زوجاه وكل أحد يشهد بذلك من غير مشاهدة فإن قيل يمكنه العلم في هذه الأشياء بمشاهدة السبب قلنا وجود السبب لا يفيد العلم بكونه سببا فإنه يجوز أن يشتري ما ليس بملك البائع ويصطاد صيدا صاده غيره ثم انفلت منه وإن تصور ذلك فهو نادر وقول أصحاب الشافعي تمكن الشهادة في الوقف باللفظ لا يصح لأن الشهادة ليست بالعقود ها هنا وإنما يشهد الوقف الحاصل بالعقد فهو بمنزلة الملك وكذلك يشهد بالزوجية دون العقد وكذلك الحرية والولاء وهذه جميعها لا يمكن القطع بها كما لا يمكن القطع بالملك لأنها مترتبة على الملك فوجب أن تجوز الشهادة فيها بالاستفاضة كالملك سواء قال مالك ليس عندنا من شهد على أحباس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على السماع إذا ثبت هذا فكلام أحمد والخرقي يقتضي أن لا يشهد بالاستفاضة حتى تكثر به الأخبار ويسمعه من عدد كثير يحصل به العلم لقول الخرقي فيما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في القلب يعني حصل العلم به وذكر القاضي في المجرد أنه يكفي أن يسمع من اثنين عدلين ويسكن قلبه إلى خبرهما لأن الحقوق تثبت بقول اثنين وهذا قول المتأخرين من أصحاب الشافعي والقول الأول هو الذي يقتضيه لفظ الاستفاضة فإنها مأخوذة من قبض الماء لكثرته ولأنه لو اكتفى فيه بقول اثنين لا يشترط فيه ما يشترط في الشهادة على الشهادة وإنما اكتفى بمجرد السماع
فصل فإن كان في يد الرجل دار أو عقار يتصرف فيها تصرف الملاك بالسكنى والإعارة والإجارة والعمارة والهدم والبناء من غير منازع فقال أبو عبد الله بن حامد يجوز أن يشهد له بملكها وهو قول أبي حنيفة والاصطخري من أصحاب الشافعي قال القاضي ويحتمل أن لا يشهد إلا بما شاهده من الملك واليد والتصرف لأن اليد ليست منحصرة في الملك قد تكون بإجارة وإعارة وغصب وهذا قول بعض أصحاب الشافعي ووجه الأول أن اليد دليل الملك واستمرارها من غير منازع يقويها فجرت مجرى الاستفاضة فجاز أن يشهد بها كما لو شاهد سبب اليد من بيع أو إرث أو هبة واحتمال كونها عن غصب أو إجارة يعارضه استمرار اليد من غير منازع فلا يبقى مانعا كما لو شاهد سبب اليد فإن احتمال كون البائع غير مالك والوارث والواهب لا يمنع الشهادة كذا ها هنا فإن قيل فإذا بقي الاحتمال لم يحصل العلم ولا تجوز الشهادة إلا بما يعلم قلنا الظن يسمى علما قال الله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات الممتحنة 10 ولا سبيل إلى العلم اليقيني ها هنا فجازت بالظن فصل وإذا سمع رجلا يقول لصبي هذا ابني جاز أن يشهد به لأنه مقر بنسبه وإن سمع الصبي يقول هذا أبي والرجل يسمعه فسكت جاز أن يشهد أيضا لأن سكوت الأب إقرار له والإقرار يثبت النسب فجازت الشهادة به وإنما أقيم السكوت ها هنا مقام الإقرار لأن الإقرار على الانتساب الباطل جائز بخلاف سائر الدعاوى ولأن النسب يغلب فيه الإثبات ألا ترى أنه يلحق بالإمكان في النكاح وذكرأبو الخطاب أنه يحتمل أن لا يشهد مع السكوت حتى يتكرر لأن السكوت ليس بإقرار حقيقي وإنما أقيم مقامه فاعتبرت تقويته بالتكرار كما اعتبرت تقوية اليد في العقار بالاستمرار فصل وإذا شهد عدلان أن فلانا مات وخلف من الورثة فلانا وفلانا لا نعلم له وارثا غيرهما قبلت شهادتهما وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي والعنبري وقالابن أبي ليلى حتى يبينا أنه لا وارث له سواهما ولنا أن هذا مما لا يمكن علمه فيكفي فيه الظاهر مع شهادة الأصل بعدم وارث آخر قال أبو الخطاب سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أو لم يكونا ويحتمل أن لا تقبل إلا من أهل الخبرة الباطنة لأن عدم علمهم بوارث آخر ليس بدليل على عدمه بخلاف أهل الخبرة الباطنة فإن الظاهر أنه لو كان له وارث آخر لم يخف عليهم وهذا قول الشافعي فأما إن قالا لا نعلم له وارثا بهذه البلدة أو بأرض كذا وكذا لم تقبل وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يقضي به كما لو قالا لا نعلم له وارثا وذكر ذلك مذهبا لأحمد أيضا ولنا أن هذا ليس بدليل على عدم الوارث لأنهما قد يعلمان أنه لا وارث له في تلك الأرض ويعلمان له وارثا في غيرها فلم تقبل شهادتهما كما لو قالا لا نعلم له وارثا في هذا البيت مسألة قال ( من لم يكن من الرجال والنساء عاقلا مسلما بالغا عدلا لم تجز شهادته ) وجملته أن يعتبر في الشاهد سبعة شروط أحدها أن يكون عاقلا ولا تقبل شهادة من ليس بعاقل إجماعا قاله ابن المنذر وسواء ذهب عقله بجنون أو سكر أو طفولية وذلك لأنه ليس بمحصل ولا تحصل الثقة بقوله ولأنه لا يأثم بكذبه ولا يتحرز منه الثاني أن يكون مسلما ونذكر هذا فيما بعد إن شاء الله تعالى الثالث أن يكون بالغا فلا تقبل شهادة صبي لم يبلغ بحال يروى هذا عن ابن عباس وبه قال القاسم وسالم وعطاء ومكحول وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري والشافعي وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور وأبو حنيفة وأصحابه وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى أن شهادتهم تقبل في الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحالة التي تجارحوا عليها وهذا قول مالك
لأن الظاهر صدقهم وضبطهم فإن تفرقوا لم تقبل شهادتهم لأنه يحتمل أن يلقنوا قال ابن الزبير إن أخذوا عند مصاب ذلك فبالحري أن يعقلوا ويحفظوا وعن الزهري أن شهادتهم جائزة ويستحلف أولياء المشجوج وذكره عن مروان وروي عن أحمد رواية ثالثة أن شهادته تقبل إذا كان ابن عشر قال ابن حامد فعلى هذه الرواية تقبل شهادتهم في غير الحدود والقصاص كالعبيد وروي عنعلي رضي الله عنه أن شهادة بعضهم تقبل على بعض وروي ذلك عن شريح والحسن والنخعي قال إبراهيم كانوا يجيزون شهادة بعضهم على بعض فيما كان بينهم قالالمغيرة وكان أصحابنا لا يجيزون شهادتهم على رجل ولا على عبد وروى الإمام أحمد بإسناده عن مسروق قال كنا عند علي فجاءه خمسة غلمة فقالوا إنا كنا ستة غلمة نتغاط فغرق منا غلام فشهد الثلاثة على الاثنين أنهما غرقاه وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم غرقوه فجعل على الاثنين ثلاثة أخماس الدية وجعل على الثلاثة خمسيها وقضى بنحو هذا مسروق والمذهب أن شهادتهم لا تقبل في شيء لقول الله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم البقرة 282 وقال وأشهدوا ذوى عدل منكم الطلاق وقال ممن ترضون من الشهداء البقرة 282 والصبي ممن لا يرضى وقال ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه البقرة 283 فأخبر أن الشاهد الكاتم لشهادته آثم والصبي لا يأثم فيدل على أنه ليس بشاهد ولأن الصبي لا يخاف من مأثم الكذب فيزعه عنه ويمنعه منه فلا تحصل الثقة بقوله ولأن من لا يقبل قوله على نفسه في الإقرار لا تقبل شهادته على غيره كالمجنون يحقق هذا أن الإقرار أوسع لأنه يقبل من الكافر والفاسق والمرأة ولا تصح الشهادة منهم ولأن من لا تقبل شهادته في المال لا تقبل في الجراح كالفاسق ومن لا تقبل شهادته على من ليس بمثله لا تقبل على مثله كالمجنون الشرط الرابع العدالة لقول الله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 ولا تقبل شهادة الفاسق لذلك ولقول الله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ( الحجرات 6 ) فأمر بالتوقف عن نبأ الفاسق والشهادة نبأ فيجب التوقف عنه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود في الإسلام ولا ذي غمر على أخيه رواه أبو عبيد وكان أبو عبيد لا يراه خص بالخائن والخائنة أمانات الناس بل جميع ما افترض الله تعالى على العباد القيام به أو اجتنابه من صغير ذلك وكبيرة قال الله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال الأحزاب 72 وروي عنعمر رضي الله عنه أنه قال لا يؤسر رجل بغير العدول ولأن دين الفاسق لم يزعه عن ارتكاب محظورات الدين فلا يؤمن أن لا يزعه عن الكذب فلا تحصل الثقة بخبره إذا تقرر هذا فالفسوق نوعان أحدهما من حيث الأفعال فلا نعلم خلافا في رد شهادته والثاني من جهة الإعتقاد وهو اعتقاد البدعة فيوجب رد الشهادة أيضا وبه قال مالك وشريك وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وقالشريك أربعة لا تجوز شهادتهم ( رافضي ) يزعم أن له إماما مفترضة طاعته ( وخارجي ) يزعم أن الدنيا دار حرب ( وقدري ) يزعم أن المشيئة إليه ( ومرجىء ) ورد شهادة يعقوب وقال ألا أرد شهادة من يزعم أن الصلاة ليست من الإيمان وقال أبو حامد من أصحاب الشافعي المختلفون على ثلاثة أضرب ضرب اختلفوا في الفروع فهؤلاء لا يفسقون بذلك ولا ترد شهادتهم وقد اختلف الصحابة في الفروع ومن بعدهم من التابعين الثاني من نفسقه ولا نكفره وهو من سب القرابة كالخوارج أو سب الصحابة كالروافض فلا تقبل لهم شهادة لذلك