İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
الثالث من نكفره وهو من قال بخلق القرآن ونفي الرؤية وأضاف المشيئة إلى نفسه فلا تقبل له شهادة وذكر القاضي أبو يعلى مثل هذا سواء قال وقالأحمد ما تعجبني شهادة الجهمية والرافضة والقدرية المعلنة وظاهر قول الشافعي وابن أبي ليلى والثوري وأبي حنيفة وأصحابه قبول شهادة أهل الأهواء وأجازسوار شهادة ناس من بني العنبر ممن يرى الاعتزال قال الشافعي إلا أن يكونوا ممن يرى الشهادة بالكذب بعضهم لبعض كالخطابية وهم أصحاب أبي الخطاب يشهد بعضهم لبعض بتصديقه ووجه قول من أجاز شهادتهم أنه اختلاف لم يخرجهم عن الإسلام أشبه الاختلاف في الفروع ولأن فسقهم لا يدل على كذبهم لكونهم ذهبوا إلى ذلك تدينا واعتقادا أنه الحق ولم يرتكبوه عالمين بتحريمه بخلاف فسق الأفعال قال أبو الخطاب ويتخرج على قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض أن الفسق الذي يتدين به من جهة الإعتقاد لا ترد الشهادة به وقد روي عن أحمد جواز الرواية عن القدري إذا لم يكن داعية فكذلك الشهادة ولنا أنه أحد نوعي الفسق فترد به الشهادة كالنوع الآخر ولأن المبتدع فاسق فترد شهادته للآية والمعنى الشرط الخامس أن يكون متيقظا حافظا لما يشهد به فإن كان مغفلا أو معروفا بكثرة الغلط لم تقبل شهادته الشرط السادس أن يكون ذا مروءة الشرط السابع انتفاء الموانع وسنشرح هذه الشروط في مواضعها إن شاء الله تعالى فصل ظاهر كلام الخرقي أن شهادة البدوي على من هو من أهل القرية وشهادة أهل القرية على البدوي صحيحة إذا اجتمعت هذه الشروط وهو قول ابن سيرين وأبي حنيفة والشافعي وأبي ثور واختاره أبو الخطاب وقال الإمام أحمد أخشى أن لا تقبل شهادة البدوي على صاحب القرية فيحتمل هذا أن لا تقبل شهادته وهو قول جماعة من أصحابنا ومذهب أبي عبيد وقال مالك كقول أصحابنا فيما عدا الجراح وكقول الباقين في الجراح احتياطا للدماء واحتج أصحابنا بما روى أبو داود في سننه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ولأنه متهم حيث عدل عن أن يشهد قرويا وأشهد بدويا قال أبو عبيد ولا أرى شهادتهم ردت إلا لما فيهم من الجفاء بحقوق الله تعالى والجفاء في الدين ولنا أن من قبلت شهادته على أهل البدو قبلت شهادته على أهل القرية كأهل القرى ويحمل الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البدو ونخصه بهذا لأن الغالب أنه لا يكون له من يسأله الحاكم فيعرف عدالته مسألة قال ( والعدل من لم تظهر منه ريبة وهذا قول إبراهيم النخعي وإسحاق ) وجملته أن العدل هو الذي تعتدل أحواله في دينه وأفعاله قال القاضي يكون ذلك في الدين والمروءة والأحكام أما الدين فلا يرتكب كبيرة ولا يداوم على صغيرة فإن الله تعالى أمر أن لا تقبل شهادة القاذف فيقاس عليه كل مرتكب كبيرة ولا يخرجه عن العدالة فعل صغيرة لقول الله تعالى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم النجم 32 قيل اللمم صغار الذنوب ولأن التحرز منها غير ممكن جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما أي لم يلم فإن لا مع الماضي بمنزلة لم مع المستقبل وقيل اللمم أن يلم بالذنب ثم لا يعود فيه والكبائر كل معصية فيها حد والإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله وشهادة الزور وعقوق الوالدين وروى أبو بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وقتل النفس التي حرم الله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور وقول الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت متفق عليه
قال أحمد ولا تجوز شهادة آكل الربا والعاق وقاطع الرحم ولا تقبل شهادة من لا يؤدي زكاة ماله وإذا أخرج في طريق المسلمين الأسطوانة والكنيف لا يكون عدلا ولا يكون ابنه عدلا إذا ورث أباه حتى يرد ما أخذه من طريق المسلمين ولا يكون عدلا إذا كذب الكذب الشديد لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد شهادة رجل في كذبه وقال عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود في حد ولا ذي غمر على أخيه في عداوة ولا القاطع لأهل البيت ولا مجرب عليه شهادة زور ولا ضنين في ولاء ولا قرابة وقد رواه أبو داود فيه لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه فأما الصغائر فإن كان مصرا عليها ردت شهادته وإن كان الغالب من أمره الطاعات لم يرد لما ذكرنا من عدم إمكان التحرز منه وأما المروءة فاجتناب الأمور الدنيئة المزرية به وذلك نوعان أحدهما من الأفعال كالأكل في السوق يعني به الذي ينصب مائدة في السوق ثم يأكل والناس ينظرون ولا يعني به أكل الشيء اليسير كالكسرة ونحوها وإن كان يكشف ما جرت العادة بتغطيته من بدنه أو يمد رجليه في مجمع الناس أو يتمسخر بما يضحك الناس به أو يخاطب امرأته أو جاريته أو غيرهما بحضرة الناس بالخطاب الفاحش أو يحدث الناس بمباضعته أهله ونحو هذا من الأفعال الدنيئة ففاعل هذا لا تقبل شهادته لأن هذا سخف ودناءة فمن رضيه لنفسه واستحسنه فليست له مروءة فلا تحصل الثقة بقوله قال أحمد في رجل شتم بهيمة قال الصالحون لا تقبل شهادته حتى يتوب وقد روى أبو مسعود البدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت يعني من لم يستح صنع ما شاء ولأن المروءة تمنع الكذب وتزجر عنه ولهذا يمتنع منه ذو المروءة وإن لم يكن ذا دين وقد روي عن أبي سفيان أنه حين سأله قيصر عن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه فقال والله لولا أني كرهت أن يؤثر عني الكذب لكذبته ولم يكن يومئذ ذا دين ولأن الكذب دناءه والمروءة تمنع من الدناءة وإذا كانت المروءة مانعة من الكذب اعتبرت في العدالة كالدين ومن فعل شيئا من هذا مختفيا به لم يمنع من قبول شهادته لأن مروءته لا تسقط به وكذلك إن فعله مرة أو شيئا قليلا لم ترد شهادته لأن صغير المعاصي لا يمنع الشهادة إذا قل فهذا أولى ولأن المروءة لا تختل بقليل هذا ما لم يكن عادته النوع الثاني في الصناعات الدنيئة كالكساح والكناس لا تقبل شهادتهما لما روى سعيد في سننه أن رجلا أتى ابن عمر فقال له إني رجل كناس قال أي شيء تكنس الزبل قال لا قال فالعذرة قال نعم قال منه كسبت المال ومنه تزوجت ومنه حججت قال نعم قال الأجر خبيث وما تزوجت خبيث حتى تخرج منه كما دخلت فيه وعن ابن عباس مثله في الكساح ولأن هذا دناءة يجتنبه أهل المروءات فأشبه الذي قبله فأما الزبال والقراد والحجام ونحوهم ففيه وجهان أحدهما لا تقبل شهادتهم لأنه دناءة يجتنبه أهل المروءات فهو كالذي قبله والثاني تقبل لأن بالناس إليه حاجة فعلى هذا الوجه إنما تقبل شهادته إذا كان يتنظف للصلاة في وقتها ويصليها فإن صلى بالنجاسة لم تقبل شهادته وجها واحدا وأما الحائك أو الحارس والدباغ فهي أعلى من هذه الصنائع فلا ترد بها الشهادة وذكرها أبو الخطاب في جملة ما فيه وجهان
وأما سائر الصناعات التي لا دناءة فيها فلا ترد الشهادة بها إلا من كان منهم يحلف كاذبا أو يعد ويخلف وغلب هذا عليه فإن شهادته ترد وكذلك من كان منهم يخر الصلاة عن أوقاتها أو لا يتنزه عن النجاسات فلا شهادة له ومن كانت صناعته محرمة كصانع المزامير والطنابير فلا شهادة له ومن كانت صناعته يكثر فيها الربا كالصائغ والصيرفي ولم يتوق ذلك ردت شهادته فصل في اللعب كل لعب فيه قمار فهو محرم أي لعب كان وهو من الميسر الذي أمر الله تعالى باجتنابه ومن تكرر منه ذلك ردت شهادته وما خلا من القمار وهو اللعب الذي لا عوض فيه من الجانبين ولا من أحدهما فمنه ما هو محرم ومنه ما هو مباح فأما المحرم فاللعب بالنرد وهذا قولأبي حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي وقال بعضهم هو مكروه غير محرم ولنا ما روى أبو موسى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من لعب بالنردشير فقد عصى الله ورسوله وروى بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه رواهما أبو داود وكان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النردشير لم يسلم عليهم إذا ثبت هذا فمن تكرر منه اللعب به لم تقبل شهادته سواء لعب به قمارا أو غير قمار وهذا قول أبي حنيفة ومالك وظاهر مذهب الشافعي قال مالك من لعب بالنرد والشطرنج فلا أرى شهادته طائلة لأن الله تعالى قال فماذا بعد الحق إلا الضلال يونس 32 وهذا ليس من الحق فيكون من الضلال فصل فأما الشطرنج فهو كالنرد في التحريم إلا أن النرد آكد منه في التحريم لورود النص في تحريمه لكن هذا في معناه فيثبت فيه حكمه قياسا عليه وذكر القاضي أبو حسين ممن ذهب إلى تحريمه علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والقاسم وسالما وعروة ومحمد بن علي بن الحسين ومطرا الوراق ومالكا وهو قول أبي حنيفة وذهب الشافعي إلى إباحته وحكى ذلك أصحابه عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير واحتجوا بأن الأصل الإباحة ولم يرد بتحريمها نص ولا هي في معنى المنصوص عليه فتبقى على الإباحة ويفارق الشطرنج النرد من وجهين أحدها أن في الشطرنج تدبير الحرب فأشبه اللعب بالحراب والرمي بالنشاب والمسابقة بالخيل والثاني أن المعول في النرد ما يخرجه الكعبتان فأشبه الأزلام والمعول في الشطرنج على حذقه وتدبيره فأشبه المسابقة بالسهام ولنا قول الله تعالى إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه المائدة 90 قال علي رضي الله عنه الشطرنج من الميسر ومر علي رضي الله عنه على قوم يغلبون بالشطرنج فقال ما هذه الماثيل التي أنتم لها عاكفون أحمد أصح ما في الشطرنج قول علي رضي الله عنه وروى واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل ينظر في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة ليس لصاحب الشاه فيها نصيب رواه أبو بكر بإسناده ولأنه لعب يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة فأشبه اللعب بالنرد وقولهم لا نص فيها قد ذكرنا فيها نصا وهي أيضا في معنى النرد المنصوص على تحريمه وقولهم إن فيها تدبير الحرب قلنا لا يقصد هذا منها وأكثر اللاعبين بها إنما يقصدون منها اللعب أو القمار وقولهم إن المعول فيها على تدبيره فهو أبلغ في اشتغاله بها وصدها عن ذكر الله والصلاة إذا ثبت هذا فقال أحمد النرد أشد من الشطرنج وإنما قال ذلك لورود النص في النرد والإجماع على تحريمها بخلاف الشطرنج وإذا ثبت تحريما فقال القاضي هو كالنرد في رد الشهادة به وهذا قول مالك وأبي حنيفة لأنه محرم مثله
وقال أبو بكر إن فعله من يعتقد تحريمه فهو كالنرد في حقه وإن فعله من يعتقد إباحته لم ترد شهادته إلا أن يشغله عن الصلاة في أوقاتها أو يخرجه إلى الحلف الكاذب ونحوه من المحرمات أو يلعب بها على الطريق أو يفعل في لعبه ما يستخف به من أجله ونحو هذا مما يخرجه عن المروءة وهذا مذهب الشافعي وذلك لأنه مختلف فيه فأشبه سائر المختلف فيه فصل واللاعب بالحمام يطيرها لا شهادة له وهذا قول أصحاب الرأي وكان شريح لا يجيز شهادة صاحب حمام ولا حمام وذلك لأنه سفه ودناءة وقلة مروءة ويتضمن أذى الجيران بطيره وإشرافه على دورهم ورميه إياها بالحجارة وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يتبع حماما فقالشيطان يتبع شيطانة وإن اتخذ الحمام لطلب فراخها أو لحمل الكتب أو للأنس بها من غير أذى يتعدى إلى الناس لم ترد شهادته وقد روى عبادة بن الصامت أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه الوحشة فقال اتخذ زوجا من حمام فصل فأما المسابقة المشروعة بالخيل وغيرها من الحيوانات أو على الأقدام فمباحة لا دناءة فيها ولا ترد به الشهادة وقد ذكرنا مشروعية ذلك في باب المسابقة وكذلك ما في معناه من الثقاف واللعب بالحراب وقد لعب الحبشة بالحراب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقامت عائشة خلفه تنظر إليهم وتستتر به حتى ملت ولأن في هذا تعلما للحرب فإنه من آلاته فأشبه المسابقة بالخيل والمناضلة وسائر اللعب إذا لم يتضمن ضررا ولا شغلا عن فرض فالأصل إباحته فما كان منه فيه دناءة يترفع عنه ذوو المروءات منع الشهادات إذا فعله ظاهرا وتكرر منه وما كان منه لا دناءة فيه لم ترد بها الشهادة بحال فصل في الملاهي وهي على ثلاثة أضرب ( محرم ) وهو ضرب الأوتار والنايات والمزامير كلها والعود والطنبور والمعزفة والرباب ونحوها فمن أدام استماعها ردت شهادته لأنه يروى عن علي رضي الله عنه عن االنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا ظهرت في أمتي خمس عشرة خصلة حل بهم البلاء فذكر فيها إظهار المعازف والملاهي وقال سعيد ثنا فرج بن فضالة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله بعثني رحمة للعالمين وأمرني بمحق المعازف والمزامير لا يحل بيعهن ولا شراؤهن ولا تعليمهن ولا التجارة فيهن وثمنهن حرام يعني الضاربات وروى نافع قال سمع ابن عمر مزمارا قال فوضع أصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق وقال لي يا نافع هل تسمع شيئا قال فقلت لا قال فرفع أصبعيه من أذنيه وقال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا رواه الخلال في جامعه من طريقين ورواه أبو داود في سننه وقال حديث منكر وقد احتج قوم بهذا الخبر على إباحة المزمار وقالوا لو كان حراما لمنع النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر من سماعه ومنع ابن عمر نافعا من استماعه ولأنكر على الزامر بها قلنا أما الأول فلا يصح لأن المحرم استماعها دون سماعها والاستماع غير السماع ولهذا فرق الفقهاء في سجود التلاوة بين السامع والمستمع ولم يوجبوا على من سمع شيئا محرما سد أذنيه وقال الله تعالى وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه القصص 55 ولم يقل سدوا آذانهم والمستمع هو الذي يقصد السماع ولم يوجد هذا من ابن عمر وإنما وجد منه السماع ولأن بالنبي صلى الله عليه وسلم حاجة إلى معرفة انقطاع الصوت عنه لأنه عدل عن الطريق وسد أذنيه فلم يكن ليرجع إلى الطريق ولا يرفع أصبعيه عن أذنيه حتى ينقطع الصوت عنه فأبيح للحاجة وأما الإنكار فلعله كان في أول الهجرة حين لم يكن الإنكار واجبا أو قبل إمكان الإنكار لكثرة الكفار وقلة أهل الإسلام فإن قيل فهذا الخبر ضعيف فإن أبا داود رواه وقال هو حديث منكر
قلنا قد رواه الخلال بإسناده من طريقين فلعل أبا داود ضعفه لأنه لم يقع له إلا من إحدى الطريقين وضرب مباح وهو الدف فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف أخرجه مسلم وذكر أصحابنا وأصحاب الشافعي أنه مكروه في غير النكاح لأنه يروى عن عمر أنه كان إذا سمع صوت الدف بعث فنظر فإن كان في وليمة سكت وإن كان في غيرها عمد بالدرة ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة جاءته فقالت إني نذرت إن رجعت من سفرك سالما أن أضرب على رأسك بالدف فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو في بنذرك رواه أبو داود ولو كان مكروها لم يأمرها به وإن كان منذورا وروت الربيع بنت معوذ قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة بني بي فجعلت جويريات يضربن بدف لهن ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر إلى أن قالت إحداهن وفينا نبي يعلم ما في غد فقال دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين متفق عليه وأما الضرب به للرجال فمكروه على كل حال لأنه إنما كان يضرب به النساء والمخنثون المتشبهون بهن ففي ضرب الرجال به تشبه بالنساء وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء فأما الضرب بالقضيب فمكروه إذا انضم إليه محرم أو مكروه كالتصفيق والغناء والرقص وإن خلا عن ذلك كله لم يكره لأنه ليس بآلة ولا يطرب ولا يسمع منفردا بخلاف الملاهي ومذهب الشافعي في هذا الفصل كما قلنا فصل واختلف أصحابنا في الغناء فذهب أبو بكر الخلال وصاحبه أبو بكر عبد العزيز إلى إباحته وقال أبو بكر عبد العزيز والغناء والنوح معنى واحد مباح ما لم يكن معه منكر ولا فيه طعن وكانالخلال يحمل الكراهة من أحمد على الأفعال المذمومة لا على القول بعينه وروي عنأحمد أنه سمع عند ابنة صالح قوالا فلم ينكر عليه وقال له صالح يا أبه أليس كنت تكره هذا فقال إنه قيل لي إنهم يستعملون المنكر وممن ذهب إلى إباحته من غير كراهة سعد بن إبراهيم وكثير من أهل المدينة والعنبري لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت كانت عندي جاريتان تغنيان فدخل أبو بكر فقال مزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهما فإنها أيام عيد متفق عليه وعن عمر رضي الله عنه أنه قال الغناء زاد الراكب واختار القاضي أنه مكروه غير محرم وهو قول الشافعي قال هو من اللهو المكروه وقال أحمد الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني وذهب آخرون من أصحابنا إلى تحريمه قال أحمد فيمن مات وخلف ولدا يتيما وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها تباع ساذجة قيل له إنها تساوي مغنية ثلاثين ألفا وتساوي ساذجة عشرين دينارا قال لا تباع إلا على أنها ساذجة واحتجوا على تحريمه بما روي عن ابن الحنفية في قوله تعالى واجتنبوا قول الزور الحج 30 قال الغناء وقال ابن عباس وابن مسعود في قوله ومن الناس من يشتري لهو الحديث قال هو الغناء
وعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء المغنيات وبيعهن والتجارة فيهن وأكل أثمانهن حرام أخرجه الترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث علي بن يزيد وقال تكلم فيه أهل العلم وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الغناء ينبت النفاق في القلب والصحيح أنه من قول ابن مسعود وعلى كل حال من اتخذ الغناء صناعة يؤتى له ويأتي له أو اتخذ غلاما أو جارية مغنيين يجمع عليهما الناس فلا شهادة له لأن هذا عند من لم يحرم سفه ودناءة وسقوط مروءة ومن حرمه فهو مع سفهه عاص مصر متظاهر بفسوقه وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وإن كان لا ينسب نفسه إلى الغناء وإنما يترنم لنفسه ولا يغني الناس أو كان غلامه وجاريته إنما يغنيان له انبنى هذا على الخلاف فيه فمن أباحه أو كرهه لم ترد شهادته ومن حرمه قال إن داوم عليه ردت شهادته كسائر الصغائر وإن لم يداوم عليه لم ترد شهادته وإن فعله من يعتقد حله فقياس المذهب أنه لا ترد شهادته بما لا يشتهر به منه كسائر المختلف فيه من الفروع ومن كان يغشى بيوت الغناء أو يغشاه المغنون للسماع متظاهرا بذلك وكثر منه ردت شهادته في قولهم جميعا لأنه سفه ودناءة وإن كان معتبرا به فهو كالمغني لنفسه على ما ذكر من التفصيل فيه فصل وأما الحداء وهو الإنشاد الذي تساق به الإبل فمباح لا بأس به في فعله واستماعه لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء وكان مع الرجال وكان أنجشة مع النساء فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن رواحة حرك بالقوم فاندفع يرتجز فتبعه أنجشة فأعنقت الإبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأنجشة رويدك رفقا بالقوارير يعني النساء وكذلك نشيد الأعراب وهو النصب لا بأس به وسائر أنواع الإنشاد ما لم يخرج إلى حد الغناء وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع إنشاد الشعر فلا ينكره والغناء من الصوت ممدود مكسور والغنى من المال مقصور والحداء مضموم ممدود كالدعاء والرعاء ويجوز الكسر كالنداء والهجاء والغذاء فصل والشعر كالكلام حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن من الشعر لحكما وكان يضع لحسان منبرا يقوم عليه فيهجو من هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وأنشده كعب بن زهير قصيدة بانت سعاد فقلبي اليوم متبول في المسجد وقال له عمه العباس يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك فقال قل لا يفضض الله فاك فأنشده من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق وقال عمرو بن الشريد أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أمعك من شعر أمية قلت نعم فأنشدته بيتا فقال هيه فأنشدته بيتا فقال هيه حتى أنشدته مائة قافية وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وقد اختلف في هذا فقيل ليس بشعر وإنما هو كلام موزون وقيل بل هو شعر ولكنه بيت واحد قصير فهو كالنثر ويروى أن أبا الدرداء قيل له ما من أهل بيت في الأنصار إلا وقد قال الشعر قال وأنا قد قلت يريد المرء أن يعطي مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا وليس في إباحة الشعر خلاف وقد قاله الصحابة والعلماء والحاجة تدعو إليه لمعرفة اللغة العربية والاستشهاد به في التفسير وتعرف معاني كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ويستدل به أيضا على النسب والتاريخ وأيام العرب ويقال الشعر ديوان العرب فإن قيل فقد قال الله تعالى والشعراء يتبعهم الغاوون الشعراء 224 وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلىء شعرا رواه أبو داود وأبو عبيد وقال معنى يريه يأكل جوفه يقال وراه يريه قال الشاعر وراهن ربي مثل ما قد ورينني وأحمى علي أكبادهن المكاويا قلنا أما الآية فالمراد بها من أسرف وكذب بدليل وصفه لهم بقوله ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون الشعراء 226 ثم استثنى المؤمنين فقال إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا الشعراء 227 ولأن الغالب على الشعراء قلة الدين والكذب وقذف المحصنات وهجاء الأبرياء سيما من كان في ابتداء الإسلام ممن يهجو المسلمين ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويعيب الإسلام ويمدح الكفار فوقع الذم على الأغلب واستثنى منهم من لا يفعل الخصال المذمومة فالآية دليل على إباحته ومدح أهله المتصفين بالصفات الجميلة
وأما الخبر فقال أبو عبيد معناه أن يغلب عليه الشعر حتى يشغله عن القرآن والفقه وقيل المراد به ما كان هجاء وفحشا فما كان من الشعر يتضمن هجو المسلمين والقدح في أعراضهم أو التشبيب بامرأة بعينها والإفراط في وصفها فذكر أصحابنا أنه محرم وهذا إن أريد به أنه محرم على قائله فهو صحيح وأما على راويه فلا يصح فإن المغازي تروى فيها قصائد الكفار الذين هاجوا بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينكر ذلك أحد وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في الشعر الذي تقاولت به الشعراء في يوم بدر وأحد وغيرهما إلا قصيدة أمية بن أبي الصلت الحائية وكذلك يروى شعر قيس بن الحطيم في التشبيب بعمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة وأم النعمان بن بشير وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم قصيدة كعب بن زهير وفيها التشبيب بسعاد ولم يزل الناس يروون أمثال هذا ولا ينكر وروينا أن النعمان بن بشير دخل مجلسا فيه رجل يغنيهم بقصيدة قيس بن الخطيم فلما دخل النعمان سكتوه من قبل أن فيها ذكر أمه فقال النعمان دعوه فإنه لم يقل بأسا إنما قال وعمرة من سروات النساء تنفح بالمسك أردانها وكان عمران بن طلحة في مجلس فغناهم رجل بشعر فيه ذكر أمه فسكتوه من أجله فقال دعوه فإن قائل هذا الشعر كان زوجها فأما الشاعر فمتى كان يهجو المسلمين أو يمدح بالكذب أو يقذف مسلما أو مسلمة فإن شهادته ترد وسواء قذف المسلمة بنفسه أو بغيره وقد قيل أعظم الناس ذنبا رجل يهاجي رجلا فيهجو القبيلة بأسرها وقد روينا أن أبا دلامة شهد عند قاض أظنه ابن أبي ليلى فخاف أن يرد شهادته فقال إن الناس غطوني تغطيت عنهم وإن بحثوا عني ففيهم مباحث فقال القاضي ومن يبحثك يا أبا دلامة وغرم المال من عنده ولم يظهر أنه رد شهادته فصل في قراءة القرآن بالألحان أما قراءته من اغير تلحين فلا بأس به وإن حسن صوته فهو أفضل فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال زينوا أصواتكم بالقرآن وروي زينوا القرآن بأصواتكم وقال لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ ولقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود فقال أبو موسى لو أعلم أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا وروي أن عائشة رضي الله عنها أبطأت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال أين كنت يا عائشة فقالت يا رسول الله كنت أستمع قراءة رجل في المسجد لم أسمع أحدا يقرأ أحسن من قراءته فقام النبي صلى الله عليه وسلم فاستمع قراءته ثم قال هذا سالم مولى أبي حذيفة الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا وقال صالح قلت لأبي زينوا القرآن بأصواتكم ما معناه قال أن يحسنه وقيل له ما معنى من لم يتغن بالقرآن قال يرفع صوته به وهكذا قال الشافعي وقال الليث يتحزن به ويتخشع به ويتباكى به وقال ابن عيينة وعمرو بن الحارث ووكيع يستغني به فأما القراءة بالتلحين فينظر فيه فإن لم يفرط في التمطيط والمد وإشباع الحركات فلا بأس به فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ ورجع ورفع صوته قال الراوي لولا أن يجتمع الناس علي لحكيت لكم قراءته وقال عليه السلام ليس منا من لم يتغن بالقرآن وقال ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به ومعنى أذن استمع قال الشاعر في سماع يأذن الشيخ له وقال القاضي هو مكروه على كل حال ونحوه قول أبي عبيد وقال معنى قوله ليس منا من لم يتغن بالقرآن أي يستغنى به قال الشاعر وكنت مرأ زمنا بالعراق عفيف المناخ كثير التغني قال ولو كان من الغناء بالصوت لكان من لم يغن بالقرآن ليس من النبي صلى الله عليه وسلم وروي نحو هذا التفيسر عن ابن عيينة
وقال القاضي أحمد بن محمد البرني هذا قول من أدركنا من أهل العلم وقال الوليد بن مسلم يتغنى بالقرآن يجهر به وقيل يحسن صوته به والصحيح أن هذا القدر من التلحين لا بأس به لأنه لو كان مكروها لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح حمله على التغني في حديث ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن على الاستغناء لأن معنى أذن استمع وإنما تستمع القراءة ثم قال يجهر به والجهر صفة القراءة لا صفة الاستغناء فأما إن أفرط في المد والتمطيط وإشباع الحركات بحيث يجعل الضمة واوا والفتحة ألفا والكسرة ياء كره ذلك ومن أصحابنا من يحرمه لأن يغير القرآن ويخرج الكلمات عن وضعها ويجعل الحركات حروفا وقد روينا عن أبي عبد الله أن رجلا سأله عن ذلك فقال له ما اسمك قال محمد قال أيسرك أن يقال لك يا مو حامد قال لا فقال لا يعجبني أن يتعلم الرجل الألحان إلا أن يكون حرمه مثل حرم أبي موسى فقال له رجل فيكلمون فقال لا كل ذا واتفق العلماء على أنه تستحب قراءة القرآن بالتحزين والترتيل والتحسين وروى بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرؤوا القرآن بالحزن فإنه نزل بالحزن وقال المروذي سمعت أبا عبد الله قال لرجل لو قرأت وجعل أبو عبد الله ربما تغرغرت عينه وقال زهير بن حرب كنا عند يحيى القطان فجاء محمد بن سعيد الترمذي فقال له يحيى اقرأ فقرأ فغشي على يحيى حتى حمل فأدخل وقال محمد بن صالح العدوي قرأت عند يحيى بن سعيد فغشي عليه حتى فاته خمس صلوات فصل ولا تقبل شهادة الطفيلي وهو الذي يأتي طعام الناس من غير دعوة وبهذا قالالشافعي ولا نعلم فيه مخالفا وذلك لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أتى إلى طعام لم يدع إليه دخل سارقا وخرج معيرا ولأنه يأكل محرما ويفعل ما فيه سفه ودناءة وذهاب مروءة فإن لم يتكرر هذا منه لم ترد شهادته لأنه من الصغائر فصل ومن سأل من غير أن تحل له المسألة فأكثر ردت شهادته لأنه فعل محرما وأكل سحتا وأتى دناءة وقد روى قبيصة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ورجل تحمل حمالة فحلت له حتى يصيبها ثم يمسك فما سوى ذلك من المسألة فهو سحت يأكله صاحبه سحتا يوم القيامة رواه مسلم وأما السائل ممن تباح له المسألة فلا ترد شهادته بذلك إلا أن يكون أكثر عمره سائلا أو يكثر ذلك منه فينبغي أن ترد شهادته لأن ذلك دناءة وسقوط مروءة ومن أخذ من الصدقة ممن يجوز له الأخذ من غير مسألة لم ترد شهادته لأنه فعل جائز لا دناءة فيه وإن أخذ منها ما لا يجوز له وتكرر ذلك منه ردت شهادته لأنه مصر على الحرام فصل ومن فعل شيئا من الفروع مختلفا فيه معتقدا إباحته لم ترد شهادته كالمتزوج بغير ولي أو بغير شهود وآكل متروك التسمية وشارب يسير النبيذ نص عليه أحمد في شارب النبيذ يحد ولا ترد شهادته وبهذا قال الشافعي قال مالك ترد شهادته لأنه فعل ما يعتقد الحاكم تحريمه فأشبه المتفق على تحريمه ولنا إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يختلفون في الفروع فلم يكن بعضهم يعيب من خالفه ولا يفسقه ولأنه نوع مختلف فلم ترد شهادة فاعله كالذي يوافقه عليه الحاكم وإن فعل ذلك معتقدا تحريمه ردت شهادة به إذا تكرر وقال أصحاب الشافعي لا ترد شهادته به لأنه فعل لا ترد به شهادته بعض الناس فلا ترد به شهادة البعض الآخر كالمتفق على حله
ولنا إنه فعل يحرم على فاعله ويأثم به فأشبه المجمع على تحريمه وبهذا فارق معتقد حله وقد روي عن أحمد فيمن يجب عليه الحج فلا يحج ترد شهادته وهذا يحمل على من اعتقد وجوبه على الفور فأما من يعتقد أنه على التراخي ويتركه بنية فعله فلا ترد شهادته كسائر ما ذكرنا ويحتمل أن ترد شهادته مطلقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم من قدر على الحج فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا وقال عمر لقد هممت أن أنظر في الناس فمن وجدته يقدر على الحج ولا يحج ضربت عليه الجزية ثم قال ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين مسألة قال ( وتجوز شهادة الكفار من أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم ) وجملته أنه إذا شهد بوصية المسافر الذي مات في سفره شاهدان من أهل الذمة قبلت شهادتهما إذا لم يوجد غيرهما ويستحلفان بعد العصر ما خانا ولا كتما ولا اشتريا به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين قالابن المنذر وبهذا قال أكابر الماضين يعني الآية التي في سورة المائدة وممن قال شريح والنخعي والأوزاعي ويحيى بن حمزة وقضى بذلك ابن مسعود وأبو موسى رضي الله عنهما وقالأبو حنيفة ومالك والشافعي لا تقبل لأن من لا تقبل شهادته على غير الوصية لا تقبل في الوصية كالفاسق لا تقبل شهادته فالكافر أولى واختلفوا في تأويل الآية فمنهم من حملها على التحمل دون الأداء ومنهم من قال المراد بقوله من غيركم أي من غير عشيرتكم ومنهم من قال الشهادة في الآية اليمين ولنا قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت المائدة 106 وهذا نص الكتاب وقد قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فروي ابن عباس قال خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن زيد فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جام فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وجدوا الجام بمكة فقالوا اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم فنزلت فيهم يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم المائدة 106 وعن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا الأشعري فأخبراه وقدما بتركته ووصيته فقال الأشعري هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحلفهما بعد العصر ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا أنها لوصية الرجل وتركته فأمضى شهادتهما رواهما أبو داود في سننه وروى الخلال حديث أبي موسى بإسناده وحمل الآية على أنه أراد من غير عشيرتكم لا يصح لأن الآية نزلت في قضية عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين وقد فسرها بما قلنا سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وعبيدة وسعيد بن جبير والشعبي وسلمان التيمي وغيرهم ودلت عليه الأحاديث التي رويناها ولأنه لو صح ما ذكروه لم تجب الأيمان لأن الشاهدين من المسلمين لا قسامة عليهم وحملها على التحمل لا يصح لأنه أمر بإحلافهم ولا أيمان في التحمل وحملها على اليمين لا يصح لقوله فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله المائدة 106 ولأنه عطفها على ذوي العدل من المؤمنين وهما شاهدان وروى أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ أن ابن مسعود قضى بذلك في زمن عثمان قال أحمد أهل المدينة ليس عندهم حديث أبي موسى من أين يعرفونه فقد ثبت هذا الحكم بكتاب الله وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاء الصحابة به وعملهم بما ثبت في الكتاب والسنة فتعين المصير إليه والعمل به سواء وافق القياس أو خالفه
مسألة قال ( ولا تجوز شهادتهم في غير ذلك ) مذهب أبي عبد الله أن شهادة أهل الكتاب لا تقبل في شيء على مسلم ولا كافر غير ما ذكرنا عنه نحو من عشرين نفسا ومن قال لا تقبل شهادتهم الحسن وابن أبي ليلى والأوزاعي ومالك والشافعي وأبو ثور ونقل حنبل عن أحمد أن شهادة بعضهم على بعض لم تقبل وخطأه الخلال في نقله هذا وكذلك صاحبهأبو بكر قال هذا غلط لا شك فيه وقال ابن حامد بل المسألة على الروايتين وقال أبو حفص البرمكي تقبل شهادة السبي بعضهم لبعض في النسب إذا ادعى أحدهم أن الآخر أخوه والمذهب الأول والظاهر غلط من روى خلاف ذلك وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن شهادة بعضهم على بعض تقبل ثم اختلفوا فمنهم من قال الكفر كله ملة واحدة فتقبل شهادة اليهودي على النصراني والنصراني على اليهودي هذا قول حماد وسوار والثوري والبتي وأبي حنيفة وأصحابه وعن قتادة والحكم وأبي عبيد وإسحاق تقبل شهادة كل ملة بعضها على بعض ولا تقبل شهادة يهودي على نصراني ولا نصراني على يهودي وروي عن الزهري والشعبي كقولنا وكقولهم واحتجوا بما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض رواه ابن ماجه ولأن بعضهم يلي على بعض فتقبل شهادة بعضهم على بعض كالمسلمين ولنا قول الله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق 2 وقال تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء البقرة 282 والكافر ليس بذي عدل ولا هو منا ولا من رجالنا ولا ممن نرضاه ولأنه لا تقبل شهادته على غير أهل دينه فلا تقبل على أهل دينه كالحربي والخبر يرويه مجالد وهو ضعيف وإن ثبت فيحتمل أنه أراد اليمين فإنها تسمى شهادة قال الله تعالى في اللعان فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين النور 6 وأما الولاية فمتعلقها القرابة والشفقة وقرابتهم ثابتة وشفقتهم كشفقة المسلمين وجازت لموضع الحاجة فإن غير أهل دينهم لا يلي عليهم والحاكم يتعذر عليه ذلك لكثرتهم بخلاف الشهادة فإنها ممكنة من المسلمين وقد روي عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقبل شهادة أهل دين إلا المسلمين فإنهم عدول على أنفهسم وعلى غيرهم مسألة قال ( ولا تقبل شهادة خصم ولا جار إلى نفسه ولا دافع عنها ) أما الخصم فهو نوعان أحدهما كل من خاصم في حق لا تقبل شهادته فيه كالوكيل لا تقبل شهادته فيما هو وكيل فيه ولا الوصي فيما هو وصي فيه ولا الشريك فيما هو شريك فيه ولا المضارب بمال أو حق للمضاربة ولو غصب الوديعة من المودع وطالب بها لم تقبل شهادته فيها وكذلك ما أشبه هذا لأنه خصم فيه فلم تقبل شهادته به كالمالك والثاني العدو فشهادته غير مقبولة على عدوه في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن ربيعة والثوري وإسحاق ومالك والشافعي ويريد بالعداوة ها هنا العداوة الدنيوية مثل أن يشهد المقذوف على القاذف والمقطوع عليه الطريق على القاطع والمقتول وليه على القاتل والمجروح على الجارح والزوج يشهد على امرأته بالزنا فلا تقبل شهادته لأنه يقر على نفسه بعداوته لها لإفسادها فراشه فأما العداوة في الدين كالمسلم يشهد على الكافر أو المحق من أهل السنة يشهد على مبتدع فلا ترد شهادته لأن العدالة بالدين والدين يمنعه من ارتكاب محظور دينه وقال أبو حنيفة لا تمنع العداوة الشهادة لأنها لا تخل بالعدالة فلا تمنع الشهادة كالصداقة ولنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه رواه أبو داود الغمر الحقد ولأن العداوة تورث التهمة فتمنع الشهادة كالقرابة القريبة وتخالف الصداقة فإن في شهادة الصديق لصديقه بالزور نفع غيره بمضرة نفسه وبيع آخرته بدنيا غيره وشهادة العدو على عدوه يقصد بها نفع نفسه بالتشفي من عدوه فافترقا
فإن قيل فلم قبلتم شهادة المسلمين على الكفار مع العداوة قلنا العداوة ها هنا دينية والدين لا يقتضي شهادة الزور ولا أن يترك دينه بموجب دينه فصل فإن شهد على رجل بحق فقذفه المشهود عليه لم ترد شهادته بذلك لأننا لو أبطلنا شهادته بهذا لتمكن كل مشهود عليه من إبطال شهادة الشاهد بأن يقذفه ويفارق ما لو طرأ الفسق بعد أداء الشهادة وقبل الحكم فإن رد الشهادة فيه لا يفضي إلى ذلك بل إلى عكسه ولأن طريان الفسق يورث تهمة في حال أداء الشهادة لأن العادة إسراره فظهوره بعد أداء الشهادة يدل على أنه كان يسره حالة أدائها وها هنا حصلت العداوة بأمر لا تهمة على الشاهد فيه وأما المحاكمة في الأموال فليست بعداوة تمنع الشهادة في غير ما حاكم فيه وأما قوله ولا جار إلى نفسه فإن الجار إلى نفسه هو الذي ينتفع بشهادته ويجر إليه بها نفعا كشهادة الغرماء للمفلس بدين أو عين وشهادتهم للميت بدين أو مال فإنه لو ثبت للمفلس أو الميت دين أو مال تعلقت حقوقهم به ويفارق ما لو شهد الغرماء لحي لا حجر عليه بمال فإن شهادتهم تقبل لأن حقهم لا يتعلق بماله وإنما يتعلق بذمته فإن قيل إذا كان معسرا سقطت عنه المطالبة فإذا شهدا له بمال ملكا مطالبته فجروا إلى أنفسهم نفعا قلنا لم تثبت المطالبة بشهادتهم إنما تثبت بيساره وإقراره لدعواه الحق الذي شهدوا به ولا تقبل شهادة الوارث للموروث بالجرح قبل الاندمال لأنه قد يسري الجرح إلى نفسه فتجب الدية لهم بشهادتهم ولا شهادة الشفيع ببيع شقص له فيه الشفعة ولا شهادة السيد لعبده المأذون له في التجارة ولا لمكاتبه قال القاضي ولا تقبل شهادة الأجير لمن استأجره وقال نص عليه أحمد فإن قيل فلم قبلتم شهادة الوارث لموروثه مع أنه إذا مات ورثه فقد جر إلى نفسه بشهادته نفعا قلنا لا حق له في ماله حين الشهادة وإنما يحتمل أن يتجدد له حق وهذا لا يمنع قبول الشهادة كما لو شهد لامرأة يحتمل أن يتزوجها أو لغريم له بمال يحتمل أن يوفيه منه أو يفلس فيتعلق حقه به وإنما المانع ما يحصل للشاهد به نفع حال الشهادة فإن قيل فقد منعتم قبول شهادته لموروثه بالجرح قبل الإندمال لجواز أن يتجدد له حق وإن لم يكن له حق في الحال فإن قلتم قد انعقد سبب حقه قلنا يبطل بالشاهد لموروثه المريض بحق فإن شهادته تقبل مع انعقاد سبب استحقاقه بدليل أن عطيته له لا تنفذ وعطيته لغيره تقف على الخروج من الثلث قلنا إنما منعنا الشهادة لموروثه بالجرح لأنه ربما أفضى إلى الموت فتجب الدية للوارث الشاهد به ابتداء فيكون شاهدا لنفسه موجبا له بها حقا ابتداء بخلاف الشاهد للمريض أو المجروح بمال فإنه إنما يجب للشمهود له ثم يجوز أن ينتقل ويجوز أن لا ينتقل فلم يمنع الشهادة له كالشهادة لغريمه فإن قيل فقد أجزتم شهادة الغريم لغريمه بالجرح قبل الاندمال كما أجزتم شهادته له بماله قلنا إنما أجزناها لأن الدية لا تجب للشاهد ابتداء إنما تجب للقتيل أو لورثته ثم يستوفي الغريم منها فأشبهت الشهادة بالمال
وأما الدافع عن نفسه فمثل أن يشهد المشهود عليه بجرح الشهود أو تشهد عاقلة القاتل خطأ بجرح الشهود الذين شهودا به لما فيه من دفع الدية عن أنفسهم فإن كان الشاهدان بالجرح فقيرين احتمل قبول شهادتهما لأنهما لا يحملان شيئا من الدية واحتمل أن لا تقبل لأنه يخاف أن يوسرا قبل الحول فيحملا كذلك الخلاف في البعيد الذي لا يحمل لبعده فإنه لا يأمن أن يموت من هو أقرب منه قبل الحول فيحمل ولا تقبل شهادة الضامن للمضمون بقضاء الحق أو الإبراء منه ولا شهادة أحد الشفيعين على الآخر بإسقاط شفعته لأنه يوفر الحق على نفسه ولا شهادة بعض غرماء المفلس على بعضهم بإسقاط دينه أو استيفائه ولا بعض من أوصي له بمال على آخر بما يبطل وصيته إذا كانت وصيته تحصل بها مزاحمته إما لضيق الثلث عنهما أو لكون الوصيتين بمعين فهذا وأشباهه لا تقبل الشاهد به متهم لما يحصل بشهادته من نفع نفسه ودفع الضرر عنها فيكون شاهدا لنفسه وقد قال الزهري مضت السنة في الإسلام أن لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين والظنين المتهم وروى طلحة بن عبد الله بن عوف قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا شهادة لخصم ولا ظنين وممن رد شهادة الشريك لشريكه شريح والنمعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا فصل وإن شهد الشريك لشريكه في غير ما هو شريك فيه أو الوكيل لموكله في غير ما هو وكيل فيه أو العدو لعدوه أو الوارث لموروثه بمال أو بالجرح بعد الاندمال أو شهد أحد الشفيعين بعد أن أسقط شفعته على الآخر بإسقاط شفعته أو أحد الوصيين بعد سقوط وصيته على الآخر بما يسقط وصيته أو كانت إحدى الوصيتين لا تزاحم الأخرى ونحو ذلك مما لا تهمة فيه قبلت لأن المقتضي لقبول الشهادة متحقق والمانع منتف فوجب قبولها عملا بالمقتضي مسألة قال ( ولا تقبل شهادة من يعرف بكثرة الغلط والغفلة ) وجملته أنه يعتبر في الشاهد أن يكون موثوقا بقوله لتحصل غلبة الظن بصدقه ولذلك اعتبرنا العدالة ومن يكثر غلطه وتغفله لا يوثق بقوله لاحتمال أن يكون من غلطاته فربما شهد على غير من استشهد عليه أو لغير من شهد له أو بغير ما استشهد به وإذا كان مغفلا فربما استنزله الخصم بغير شهادته فلا تحصل الثقة بقوله ولا يمنع من الشهادة وجود غلط نادر أو غفلة نادرة لأن أحدا لا يسلم من ذلك فلو منع ذلك الشهادة لآنسد بابها فاعتبرنا الكثرة في المنع كما اعتبرنا كثرة المعاصي في الإخلال بالعدالة مسألة قال ( وتجوز شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت ) روى هذا عن علي وابن عباس وبه قال ابن سيرين وعطاء والشعبي والزهري ومالك وابن أبي ليلى وإسحاق وابن المنذر وقال أبو حنيفة والشافعي لا تقبل شهادته وروي ذلك عن النخعي وأبي هاشم واختلف عن الحسن وإياسوابن أبي ليلى وأجاز الشافعي شهادته بالاستفاضة والترجمة وإذا أقر عند أذنه ويد الأعمى على رأسه ثم ضبطه حتى حضر عند الحاكم فشهد عليه ولم يجزها في غيرها ذلك لأن من لا تجوز شهادته على الأفعال لا تجوز على الأقوال كالصبي ولأن الأصوات تشتبه فلا يحصل اليقين فلم يجز أن يشهد بها كالخط ولنا قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم البقرة 282 وسائر الآيات في الشهادة ولأنه رجل عدل مقبول الرواية فقبلت شهادته كالبصير وفارق الصبي فإنه ليس برجل ولا عدل ولا مقبول الرواية ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين وقد يكون المشهود عليه من ألفه الأعمى وكثرت صحبته له وعرف صوته يقينا فيجب أن تقبل شهادته فيما تيقنه كالبصير ولا سبيل إلى إنكار حصول اليقين في بعض الأحوال
قال قتادة للسمع قيافة كقيافة البصر ولهذا قال أصحاب الشافعي تقبل شهادته فيما يثبت بالاستفاضة ولا يثبت عندهم حتى يسمعها من عدلين ولا بد أن يعرفهما حتى يعرف عدالتهما فإذا صح أن يعرف الشاهدين صح أن يعرف المقر ولا خلاف في قبول روايته وجواز استماعه من زوجته إذا عرف صوتها وصحة قبوله النكاح وجواز اشتباه الأصوات كجواز اشتباه الصور وفارق الأفعال فإن مدركها الرؤية وهي غير ممكنة من الأعمى والأقوال مدركها السمع وهو يشارك البصير فيه وربما زاد عليه ويفارق الخط فإنه لو تيقن من كتب الخط أو رآه وهو يكتبه لم يجز أن يشهد بما كتب فيه إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز أن يشهد إلا إذا تيقن الصوت وعلم المشهود عليه يقينا فإن جوز أن يكون صوت غيره لم يجز أن يشهد به كما لو اشتبه على البصير المشهود عليه فلم يعرفه فصل فإن تحمل الشهادة على فعل ثم عمي جاز أن يشهد به إذا عرف المشهود عليه باسمه ونسبه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تجوز شهادته أصلا لأنه لا يجوز أن يكون حاكما ولنا ما تقدم ولأن العمى فقد حاسة لا تخل بالتكليف فلم يمنع قبول الشهادة كالصمم ويفارق الحكم فإنه يعتبر له من شروط الكمال ما لا يعتبر للشهادة ولذلك يعتبر له السمع والاجتهاد وغيرهما فإن لم يعرف المشهود عليه باسمه ونسبه لكن تيقن صوته لكثرة إلفه له صح أن يشهد به أيضا لما ذكرنا في أول المسألة وإن شهد عند الحاكم ثم عمي قبل الحاكم بشهادته جاز الحكم بها وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يجوز الحكم بها لأنه معنى يمنع قبول الشهادة مع صحة النطق فمنع الحكم بها كالفسق ولنا إنه معنى طرأ بعد أداء الشهادة لا يورث تهمة في حال الشهادة فلم يمنع قبولها كالموت وفارق الفسق فإنه يورث تهمة حال الشهادة فصل ولا تجوز شهادة الأخرس بحال نص عليه أحمد رضي الله عنه فقال لا تجوز شهادة الأخرس قيل له وإن كتبها قال لا أدري وهذا قول أصحاب الرأي وقال مالك والشافعي وابن المنذر تقبل إذا فهمت إشارته لأنها تقوم مقام نطقه في أحكامه من طلاقه ونكاحه وظهاره وإيلائه فكذلك في شهادته واستدل ابن المنذر بأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار وهو جالس في الصلاة إلى الناس وهم قيام أن اجلسوا فجلسوا ولنا إنها شهادة بالإشارة فلم تجز كإشارة الناطق يحققه أن الشهادة يعتبر فيها اليقين ولذلك لا يكتفى بإيماء الناطق ولا يحصل اليقين بالإشارة وإنما اكتفى بإشارته في أحكامه المختصة به للضرورة ولا ضرورة ها هنا ولهذا لم يجز أن يكون حاكما ولأن الحاكم لا يمضي حكمه إذا وجد حكمه بخطه تحت ختمه ولم يذكر حكمه والشاهد لا يشهد برؤية خطه فلأن لا يحكم بخط غيره أولى وما استدل به ابن المنذر لا يصح فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قادرا على الكلام وعمل بإشارته في الصلاة ولو شهد الناطق بالإيماء والإشارة لم يصح إجماعا فعلم أن ال شهادة مفارقة لغيرها من الأحكام مسألة قال ( ولا تجوز شهادة الوالدين وإن علوا للولد وإن سفل ولا شهادة الولد وإن سفل لهما وإن علو ) ظاهر المذهب أن شهادة الوالد لولده لا تقبل ولا لولد ولده وإن سفل وسواء في ذلك ولد البنين وولد البنات ولا تقبل شهادة الولد لوالده ولا لوالدته ولا جده ولا جدته من قبل أبيه الله تبارك وتعالى رضي الله عنهن الرب عز وجل وأمه وإن علوا وسواء في ذلك الآباء والأمهات وآباؤهما وأمهاتهما وبه قال شريح والحسن والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي
وروي عن أحمد رحمه الله رواية ثانية تقبل شهادة الابن لأبيه ولا تقبل شهادة الأب له لأن مال الابن في حكم مال الأب له أن يتملكه إذا شاء فشهادته له شهادة لنفسه أو يجر بها لنفسه نفعا قال النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك وقال إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم ولا يوجد هذا في شهادة الابن لأبيه وعنه رواية ثالثة تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه في ما لاتهمة فيه كالنكاح والطلاق والقصاص والمال إذا كان مستغنى عنه لأن كل واحد منهما لا ينتفع بما يثبت للآخر من ذلك فلا تهمة في حقه وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن شهادة كل واحد منهما للآخر مقبولة وروي ذلك عن شريح وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو ثور والمزني وداود وإسحاق وابن المنذر لعموم الآيات ولأنه عدل تقبل شهادته في غير هذا الموضع فتقبل شهادته فيه كالأجنبي ولنا ما روى الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا ظنين في قرابة ولا ولاء والظنين المتهم والأب يتهم لولده لأن ماله كماله بما ذكرنا ولأن بينهما بعضية فكأنه يشهد لنفسه ولهذا قال عليه السلام فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ولأنه متهم في الشهادة لولده كتهمة العدو في الشهادة على عدوه والخبر أخص من الآيات فتخص به فصل فأما شهادة أحدهما على صاحبه فتقبل نص عليه أحمد وهذا قول عامة أهل العلم ولم أجد عن أحمد في الجامع فيه خلافا وذلك لقول الله تعالى كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين النساء 135 فأمر بالشهادة عليهم ولو لم تقبل لما أمر بها ولأنها إنما ردت للتهمة في إيصال النفع ولا تهمة في شهادته عليه فوجب أن تقبل كشهادة الأجنبي بل أولى فإن شهادته لنفسه لما ردت للتهمة في إيصال النفع إلى نفسه كان إقراره عليه مقبولا وحكى القاضي في المجرد رواية أخرى أن شهادة أحدهما لا تقبل على صاحبه لأن شهادته له غير مقبولة فلا تقبل عليه كالفاسق وقال بعض الشافعية لا تقبل شهادة الابن على أبيه في قصاص ولا حد قذف لأنه لا يقتل بقتله ولا يحد بقذفه فلا يلزمه ذلك والمذهب الأول لما ذكرنا ولأنه يتهم ولا يتهم عليه فشهادته عليه أبلغ في الصدق كإقراره على نفسه فصل وإن شهد اثنان بطلاق ضرة أمهما وقذف زوجها لها قبلت شهادتهما لأن حق أمهما لا يزداد به وسواء كان المشهود عليه أباهما أو أجنبيا وتوفير الميراث لا يمنع قبول الشهادة بدليل قبول شهادة الوارث لموروثه فصل وتجوز شهادة الرجل لابنه من الرضاعة وأبيه منها وسائر أقاربه منها لأنه لا نسب بينهما يوجب الإنفاق والصلة وعتق أحدهما على صاحبه وتبسطه في ماله بخلاف قرابة النسب مسألة قال ( ولا السيد لعبده ولا العبد لسيده ) أما شهادة السيد لعبده فغير مقبولة لأن مال العبد لسيده فشهادته له شهادة لنفسه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ولا نعلم في هذا خلافا ولا تقبل شهادته له أيضا بنكاح ولا لأمته بطلاق لأن في طلاق أمته تخليصها له وإباحة بعضها له وفي نكاح العبد نفع له ونفع مال الإنسان نفع له ولا تقبل شهادة العبد لسيده لأنه يتبسط في مال سيده وينتفع به ويتصرف فيه وتجب نفقته منه ولا يقطع بسرقته فلا تقبل شهادته له كالابن مع أبيه مسألة قال ( ولا الزوج لامرأته ولا المرأة لزوجها )
وبهذا قال الشافعي والنخعي ومالك وإسحاق وأبو حنيفة وأجاز شهادة كل واحد منهما لصاحبه شريح والحسن والشافعي وأبو ثور لأنه عقد على منفعة فلا يمنع قبول الشهادة كالإجارة وعن أحمد رواية أخرى كقولهم وقال الثوري وابن أبي ليلى تقبل شهادة الرجل لامرأته لأنه لا تهمة في حقه ولا تقبل شهادتها له لأن يساره وزيادة حقها من النفقة تحصل بشهادتها له بالمال فهي متهمة لذلك ولنا إن كل واحد منهما يرث الآخر من غير حجب وينبسط في ماله عادة فلم تقبل شهادته كالابن مع أبيه ولأن يسار الرجل يزيد نفقة امرأته ويسار المرأة تزيد به قيمة بعضها المملوك لزوجها فكان كل واحد منهما ينتفع بشهادته لصاحبه فلم تقبل كشهادته لنفسه ويحقق هذا أن مال كل واحد منهما يضاف إلى الآخر قال الله تعالى وقرن في بيوتكن الأحزاب 33 وقال لا تدخلوا كالابن بيوت النبي الأحزاب فأضاف البيوت إليهن تارة وإلى النبي صلى الله عليه وسلم أخرى وقال لا تخرجوهن من بيوتهن الطلاق 1 وقال عمر للذي قال له إن غلامي سرق مرآة امرأتي لا قطع عليه عبدكم سرق مالكم ويفارق عقد الإجارة من هذه الوجوه كلها مسألة قال ( وشهادة الأخ لأخيه جائزة ) وقالابن المنذر وأجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة روي هذا عن ابن الزبير وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز والشعبي والنخعي والثوري ومالك والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وحكي عن ابن المنذر عن الثوري أنه لا تقبل شهادة كل ذي رحم محرم وعن مالك أنه لا تقبل شهادته لأخيه إذا كان منقطعا إليه في صلته وبره لأنه متهم في حقه وقال ابن المنذر قال مالك لا تجوز شهادة الأخ لأخيه في النسب وتجوز في الحقوق ولنا عموم الآيات ولأنه عدل غير متهم فتقبل شهادته له كالأجنبي ولا يصح القياس على الوالد والولد لأن بينهما بعضية وقرابة قوية بخلاف الأخ فصل وشهادة العم وابنه والخال وابنه وسائر الأقارب أولى بالجواز فإن شهادة الأخ إذا أجيزت مع قربه كان تنبيها على شهادة من هو أبعد منه بطريق أولى فصل وتقبل شهادة أحد الصديقين لصاحبه في قول عامة العلماء إلا مالكا قال لا تقبل شهادة الصديق الملاطف لأنه يجر إلى نفسه نفعا بها فهو منهم فلم تقبل شهادته كشهادة العدو على عدوه ولنا عموم أدلة الشهادة وما قاله يبطل شهادة الغريم للمدين قبل الحجر وإن كان ربما قضاه دينه منه فجر إلى نفسه نفعا أعظم مما يرجى ها هنا بين الصديقين فأما العداوة فسببها محظور وفي الشهادة عليه شفاء غيظه منه فخالفت الصداقة مسألة قال ( وتجوز شهادة العبد في كل شيء إلا في الحدود وتجوز شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء ) الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة أحدهما في قبول شهادة العبد فيما عدا الحدود والقصاص فالمذهب أنها مقبولة روي ذلك عن علي وأنس رضي الله عنهما قال أنس ما علمت أن أحدا رد شهادة العبد وبه قال عروة وشريح وإياس وابن سيرين والبتي وأبو ثور وداود وابن المنذر وقال عطاء ومجاهد والحسن ومالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو عبيد لا تقبل شهادته لأنه غير ذي مروءة ولأنها مبنية على الكمال لا تتبعض فلم يدخل فيها العبد كالميراث وقال الشعبي والنخعي والحكم تقبل في الشيء اليسير ولنا عموم آيات الشهادة وهو داخل فيها فإنه من رجالنا وهو عدل تقبل روايته وفتياه وأخباره الدينية وروى عقبة بن الحارث قال تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال وكيف وقد زعمت ذلك متفق عليه وفي رواية أبي داود فقلت يا رسول الله إنها لكاذبة قال وما يدريك وقد قالت ما قالت دعها عنك ولأنه عدل غير متهم فتقبل شهادته كالحر ولا نسلم أنه غير ذي مروءة فإنه كالحر ينقسم إلى من له مروءة ومن لا مروءة له وقد يكون منهم الأمراء والعلماء والصالحون والأتقياء
سئلإياس بن معاوية عن شهادة العبيد فقال أنا أرد شهادة عبد العزيز بن صهيب وكان منهم زياد بن أبي زياد مولى ابن عباس من العلماء الزهاد وكان عمر بن عبد العزيز يرفع قدره ويكرمه ومنهم عكرمة مولى ابن عباس أحد العلماء الثقات وكثير من العلماء الموالي كانوا عبيدا أو أبناء عبيد لم يحدث فيهم بالإعتاق إلا الحرية والحرية لا تغير طبعا ولا تحدث علما ولا مروءة ولا يقبل منهم إلا من كان ذا مروءة ولا يصح قياس الشهادة على الميراث فإن الميراث خلافة للموروث في ماله وحقوقه والعبد لا تمكنه الخلافة لأن ما يصير إليه يملكه سيده فلا يمكن أن يخلف فيه الميراث ولأن الميراث يقتضي التمليك والعبد لا يملك ومبنى الشهادة على العدالة التي هي مظنة الصدق وحصول الثقة من القول والعبد أهل لذلك فوجب أن تقبل شهادته الفصل الثاني أن شهادته لا تقبل في الحد وفي القصاص احتمالان أحدهما تقبل شهادته فيه لأنه حق آدمي لا يصح الرجوع عن ا لإقرار به فأشبه الأموال والثاني لا تقبل لأنه عقوبة بدنية تدرأ بالشبهات فأشبه الحد وذكر الشريف وأبو الخطاب في العقوبات كلها من الحدود والقصاص روايتين إحداهما تقبل لما ذكرنا ولأنه رجل عدل فتقبل شهادته فيها كالحر والثانية لا تقبل وهو ظاهر المذهب لأن الاختلاف في قبول شهادته في الأموال نقص وشبهة فلم تقبل شهادته فيما يدرأ بالشبهات ولأنه ناقص الحال فلم تقبل شهادته في الحد والقصاص كالمرأة الفصل الثالث شهادة الأمة جائزة فيما تجوز فيه شهادة النساء ولأن النساء لا تقبل شهادتهن في الحدود والقصاص وإنما تقبل في المال أو سببه والأمة كالحرة فيما عداهما فساوتهن في الشهادة وقد دل عليه حديث عقبة بن الحارث فصل وحكم المكاتب والمدبر وأم الولد والمعتق بعضه حكم القن فيما ذكرنا لأن الرق فيهم وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لا تجوز شهادة المكاتب وبه قال عطاء والشعبي والنخعي ولنا ما ذكرناه في العبد وإذا ثبت الحكم في القن ففي هؤلاء أولى لأنهم أكمل منه لوجود أسباب الحرية فيهم مسألة قال ( وشهادة ولد الزنا جائزة في الزنا وغيره ) هذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والحسن والشعبي والزهري والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو حنيفة وأصحابه وقال مالك والليث لا تجوز شهادته في الزنا وحده لأنه متهم فإن العادة فيمن فعل قبيحا أنه يجب أن يكون له نظراء وحكي عن عثمان أنه قال ودت الزانية أن النساء كلهن زنين ولنا عموم الآيات وأنه عدل مقبول الشهادة في غير الزنا فقبل في الزنا كغيره ومن قبلت شهادته في القتل قبلت في الزنا كولد الرشيدة قال ابن المنذر وما احتجوا به غلط من وجوه أحدها أن ولد الزنا لم يفعل فعلا قبيحا يجب أن يكون له نظراء فيه والثاني أنني لا أعلم ما ذكر عن عثمان ثابتا عنه وأشبه ذلك أن لا يكون ثابتا عنه وغير جائز أن يطلق عثمان كلاما بالظن عن ضمير امرأة لم يسمعها تذكره الثالث أن الزاني لو تاب لقبلت شهادته وهو الذي فعل الفعل القبيح فإذا قبلت شهادته مع ما ذكروه فغيره أولى فإنه لا يجوز أن يلزم ولده من وزره أكثر مما لزمه وما يتعدى الحكم إلى غيره من غير أن يثبت فيه مع أن ولده لا يلزمه شيء من وزره لقول الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى الأنعام 164 وولد الزنا لم يفعل شيئا يستوجب به حكما مسألة قال ( وإذا تاب القاذف قبلت شهادته )
وجملته أن القاذف إن كان زوجا فحقق قذفه ببينة أو لعان أو كان أجنبيا فحققه بالبينة أو بإقرار المقذوف لم يتعلق بقذفه فسق ولا حد ولا رد شهادة وإن لم يحقق قذفه بشيء من ذلك تعلق به وجوب الحد عليه والحكم بفسقه ورد شهادته لقول الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون النور 4 فإن تاب لم يسقط عنه الحد وزال الفسق بلا خلاف وتقبل شهادته عندنا وروي ذلك عن عمر وأبي الدرداء وابن عباس وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد والشعبي والزهري وعبد الله بن عتبة وجعفر بن أبي ثابت وأبو الزناد ومالك والشافعي والبتي وإسحاق وأبو عبيد وابن المنذر وذكره ابن عبد البر عن يحيى بن سعيد وربيعة وقال شريح والحسن والنخعي وسعيد بن جبير والثوري وأصحاب الرأي لا تقبل شهادته إذا جلد وإن تاب وعند أبي حنيفة لا ترد شهادته قبل الجلد وإن لم يتب فالخلاف معه في فصلين أحدهما أنه عندنا تسقط شهادته بالقذف إذا لم يحققه وعند أبي حنيفة ومالك لا تسقط إلا بالجلد والثاني أنه إذا تاب قبلت شهادته وإن جلد وعند أبي حنيفة لا تقبل وتعلق بقول الله تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا النور 4 وروى لا ابن ماجه بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجوز شهادة خائن ولا محدود في الإسلام واحتج في الفصل الآخر بأن القذف قبل حصول الجلد يجوز أن تقوم به البينة فلا يجب به التفسيق ولنا في الفصل الأول إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه يروى عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول لأبي بكرة حين شهد على المغيرة بن شعبة تب أقبل شهادتك ولم ينكر ذلك منكر فكان إجماعا قال سعيد بن المسيب شهد على المغيرة ثلاثة رجال أبو بكرة ونافع بن الحارث وشبل بن معيد ونكل زياد فجلد عمر الثلاثة وقال لهم توبوا تقبل شهادتكم فتاب رجلان وقبل عمر شهادتهما وأبى أبو بكرة فلم يقبل شهادته وكان قد عاد مثل النصل في العبادة ولأنه تائب من ذنبه فقبلت شهادته كالتائب من الزنا يحققه أن الزنا أعظم من القذف به وكذلك قتل النفس التي حرم الله وسائر الذنوب إذا تاب فاعلها قبلت شهادته فهذا أولى وأما الآية فهي حجة لنا فإنه استثنى التائبين بقوله تعالى إلا الذين تابوا آل عمران 89 من النفي إثبات فيكون تقديره إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم وليسوا بفاسقين فإن قالوا إنما يعود الاستثناء إلى جملة التي تليه بدليل أنه لا يعود إلى الجلد قلنا بل يعود إليه أيضا لأن هذه الجمل معطوف بعضها على بعض بالواو وهي للجمع تجعل الجمل كلها كالجملة الواحدة فيعود الاستثناء إلى جميعها إلا ما منع منه مانع ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه عاد الاستثناء إلى الجملتين جميعا ولأن الاستثناء يغاير ما قبله فعاد إلى الجمل المعطوف بعضها على بعض بالواو كالشرط فإنه لو قال امرأته طالق وعبده حر إن لم يقم عاد الشرط إليهما كذا الاستثناء بل عود الاستثناء إلى رد الشهادة أولى لأن رد الشهادة هو المأمور به فيكون هو الحكم والتفسيق خرج مخرج الخبر والتعليل لرد الشهادة فعود الاستثناء إلى الحكم المقصود أولى من رده إلى التعليل وحديثهم ضعيف قال ابن عبد البر لم يرفع من روايته حجة وقد روي من غير طريقه ولم تذكر فيه هذه الزيادة فدل ذلك على أنها من غلطه ويدل على خطئه قبول شهادة كل محدود في غير القذف بعد توبته لو قدر صحته فالمراد به من لم يتب بدليل كل محدود تائب سوى هذا
وأما الفصل الثاني فدليلنا فيه الآية فإنه رتب على رمي المحصنات ثلاثة أشياء إيجاب الجلد ورد الشهادة والفسق فيجب أن يثبت رد الشهادة بوجود الرمي الذي لم يمكنه تحقيقه كالجلد ولأن الرمي هو المعصية والذنب الذي يستحق به العقوبة وتثبت به المعصية الموجبة لرد الشهادة والحد كفارة وتطهير فلا يجوز تعليق رد الشهادة به وإنما الجلد ورد الشهادة حكمان للقذف فيثبتان جميعا به وتخلف استيفاء أحدهما لا يمنع ثبوت الآخر وقولهم إنما يتحقق بالجلد لا يصح لأن الجلد حكم القذف الذي تعذر تحقيقه فلا يستوفى قبل تحقق القذف وكيف يجوز أن يستوفى حد قبل تحقق سببه ويصير متحققا بعده هذا باطل فصل والقاذف في الشتم ترد شهادته وروايته حتى يتوب والشاهد بالزنا إذا لم تكمل البينة تقبل روايته دون شهادته وحكي عن الشافعي أن شهادته لا ترد ولنا إن عمر لم يقبل شهادة أبي بكرة وقال له تب أقبل شهادتك وروايته مقبولة ولا نعلم خلافا في قبول رواية أبي بكرة مع رد عمر شهادته مسألة قال ( وتوبته أن يكذب نفسه ) ظاهر كلام أحمد والخرقي أن توبة القاذف إكذاب نفسه فيقول كذبت فيما قلت وهذا منصوص الشافعي واختيار الاصطخري من أصحابه قال ابن عبد البر ومن قال هذا سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والشعبي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور لما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم آل عمران 89 قال توبته إكذاب نفسه ولأن عرض المقذوف تلوث بقذفه فإكذابه نفسه يزيل ذلك التلويث فتكون التوبة به وذكر القاضي أن القذف إن كان سبا فالتوبة منه إكذاب نفسه وإن كان شهادة فالتوبة منه أن يقول القذف حرام باطل ولن أعود إلى ما قلت وهذا قول بعض أصحاب الشافعي قال وهو المذهب لأنه قد يكون صادقا فلا يؤمر بالكذب والخبر محمول على الإقرار بالبطلان لأنه نوع إكذاب والأولى أنه متى علم من نفسه الصدق فيما قذف به فتوبته الاستغفار والإقرار ببطلان ما قاله وتحريمه وأنه لا يعود إلى مثله وإن لم يعلم صدق نفسه فتوبته إكذاب نفسه سواء كان القذف بشهادة أو سب لأنه قد يكون كاذبا في الشهادة صادقا في السب ووجه الأول أن الله تعالى سمى القاذف كاذبا إذا لم يأت بأربعة شهداء على الإطلاق بقوله سبحانه لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون النور 13 فتكذيب الصادق نفسه يرجع إلى أنه كاذب في حكم الله وإن كان في نفس الأمر صادقا فصل وكل ذنب تلزم فاعله التوبة منه متى تاب منه قبل الله توبته بدليل قوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم آل عمران 135 136 وقال ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما النساء ولأن أو النبي صلى الله عليه وسلم قال التائب من الذنب كمن لا ذنب له وقال عمر رضي الله عنه بقية عمر المؤمن لا قيمة له يدرك فيه ما فات ويحيي فيه ما أمات ويبدل الله سيئاته حسنات
والتوبة على ضربين باطنة وحكمية فأما الباطنة فهي ما بينه وبين ربه تعالى فإن كانت المعصية لا توجب حقا عليه في الحكم كقبلة أجنبية أو الخلوة بها وشرب مسكر أو كذب فالتوبة منه الندم والعزم على أن لا يعود وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الندم توبة وقيل التوبة النصوح تجمع أربعة أشياء الندم بالقلب والاستغفار باللسان وإضمار أن لا يعود ومجانبة خلطاء السوء وإن كانت توجب عليه حقا لله تعالى أو لآدمي كمنع الزكاة والغصب فالتوبة منه بما ذكرنا وترك المظلمة حسب إمكانه بأن يؤدي الزكاة ويرد المغصوب أو مثله إن كان مثليا وإلا قيمة وإن عجز عن ذلك نوى رده متى قدر عليه فإن كان عليه فيها حق في البدن فإن كان حقا لآدمي كالقصاص وحد القذف اشترط في التوبة التمكين من نفسه وبذلها للمستحق وإن كان حقا لله تعالى كحد الزنا وشرب الخمر فتوبته أيضا بالندم والعزم على ترك العود ولا يشترط الإقرار به فإن كان ذلك لم يشتهر عنه فالأولى له ستر نفسه والتوبة فيها بينه وبين الله تعالى لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله تعالى فإنه من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد فإن الغامدية حين أقرت بالزنا لم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وإن كانت معصية مشهورة فذكر القاضي أن الأولى الإقرار به ليقام عليه الحد لأنه إذا كان مشهورا فلا فائدة في ترك إقامة الحد عليه والصحيح أن ترك الإقرار أولى لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرض للمقر عنده بالرجوع عن الإقرار فعرض لماعز وللمقر عنده بالسرقة بالرجوع مع اشتهاره عنه بإقراره وكره الإقرار حتى أنه قيل لما قطع السارق كأنما أسف وجهه رمادا ولم يرد الأمر بالإقرار ولا الحث عليه في كتاب ولا سنة ولا يصح له قياس إنما ورد الشرع بالستر والاستتار والتعريض للمقر بالرجوع عن الإقرار وقال لهزال وكان هو الذي أمر ماعزا بالإقرار يا هزال لو سترته بثوبك كان خيرا لك وقال أصحاب الشافعي توبة هذا إقراره ليقام عليه الحد وليس بصحيح لما ذكرنا ولأن التوبة توجد حقيقتها بدون الإقرار وهي تجب ما قبلها كما ورد في الأخبار مع ما دلت عليه الآيات في مغفرة الذنوب بالاستغفار وترك الإصرار وأما البدعة فالتوبة منها بالاعتراف بها والرجوع عنها واعتقاد ضد ما كان يعتقد منها فصل ظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا يعتبر في ثبوت أحكام التوبة من قبول الشهادة وصحة ولايته في النكاح إصلاح العمل وهو أحد القولين للشافعي وفي القول الآخر يعتبر إصلاح العمل إلا أن يكون ذنبه الشهادة بالزنا ولم يكمل عدد الشهود فإنه يكفي مجرد التوبة من غير اعتبار إصلاح وما عداه فلا تكفي التوبة حتى تمضي عليه سنة تظهر فيها توبته ويتبين فيها صلاحه وذكر أبو الخطاب هذا رواية لأحمد لأن الله تعالى قال إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا آل عمران 89 وهذا نص فإنه نهى عن قبول شهادتهم ثم استثنى التائب المصلح ولأن عمر رضي الله عنه لما ضرب صبيغا أمر بهجرانه حتى بلغته توبته فأمر أن لا يكلم إلا بعد سنة ولنا قوله عليه السلام التوبة تجب ما قبلها وقوله التائب من الذنب كمن لا ذنب له ولأن المغفرة تحصل بمجرد التوبة فكذلك الأحكام ولأن التوبة من الشرك بالإسلام لا تحتاج إلى اعتبار ما بعده وهو أعظم الذنوب كلها فما دونه أولى
فأما الآية فيحتمل أن يكون الإصلاح هو التوبة وعطفه عليها لاختلاف اللفظين ودليل ذلك قول عمر لأبي بكرة تب أقبل شهادتك ولم يعتبر أمرا آخر ولأن من كان غاصبا فرد ما في يديه أو مانعا للزكاة فأداها وتاب إلى الله تعالى قد حصل منه الإصلاح وعلم نزوعه عن معصيته بأداء ما عليه ولو لم يرد التوبة ما أدى ما في يديه ولأن تقييده بالسنة تحكم لم يرد الشرع به والتقدير إنما يثبت بالتوقيف وما ورد عن عمر في حق صبيغ إنما كان لأنه تائب من بدعة وكانت توبته بسبب الضرب والهجران فيحتمل أنه أظهر التوبة تسترا بخلاف مسألتنا وقد ذكر القاضي أن التائب من البدعة يعتبر له مضي سنة لحديث صبيغ رواه أحمد في الورع قال ومن علامة توبته أن يجتنب من كان يواليه من أهل البدع ويوالي من كان يعاديه من أهل السنة والصحيح أن التوبة من البدعة كغيرها إلا أن تكون التوبة بفعل يشبه الإكراه كتوبة صبيغ فيعتبر له مدة تظهر أن توبته على إخلاص لا عن إكراه وللحاكم أن يقول للمتظاهر بالمعصية تب أقبل شهادتك وقال مالك لا أعرف هذا قال الشافعي وكيف لا يعرفه وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوبة وقاله عمر لأبي بكرة مسألة قال ( ومن شهد بشهادة قد كان شهد بها وهو غير عدل وردت عليه لم تقبل منه في حال عدالته ) وجملته أن الحاكم إذا شهد عنده فاسق فرد شهادته لفسقه ثم تاب وأصلح وأعاد تلك الشهادة لم يكن له أن يقبلها وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور والمزني وداود تقبل قال ابن المنذر والنظر يدل على هذا لأنها شهادة عدل فتقبل كما لو شهد وهو كافر فردت شهادته ثم شهد بها بعد إسلامه ولنا إنه متهم في أدائها لأنه يعير بردها ولحقته غضاضة لكونها ردت بسبب نقص يتغير به وصلاح حاله بعد ذلك من فعله يزول به العار فتلحقه التهمة في أنه قصد إظهار العدالة وإعادة الشهادة لتقبل فيزول ما حصل بردها ولأن الفسق يخفى فيحتاج في معرفته إلى بحث واجتهاد فعند ذلك نقول شهادة مردودة بالاجتهاد فلا تقبل بالاجتهاد لأن ذلك يؤدي إلى نقض الاجتهاد وفارق ما إذا ردت شهادة كافر لكفره أو صبي لصغره أو عبد لرقه ثم أسلم الكافر وبلغ الصبي وعتق العبد وأعادوا تلك الشهادة فإنها لا ترد لأنها لم ترد أولا بالاجتهاد وإنما ردت باليقين ولأن البلوغ والحرية ليسا من فعل الشاهد فيتهم في أنه فعلهما لتقبل شهادته والكافر لا يرى كفره عارا ولا يترك دينه من أجل شهادة ردت عليه وقد روي عن النخعي والزهري وقتادة أبي الزناد ومالك أنها ترد أيضا في حق من أسلم وبلغ وعن أحمد رواية أخرى كذلك لأنها شهادة مردودة فلم تقبل كشهادة من كان فاسقا وقد ذكرنا ما يقتضي فرقا بينهما فيفرقان وروي عن أحمد في العبد إذا ردت شهادته لرقه ثم عتق وادعى تلك الشهادة روايتان وقد ذكرنا أن الأولى أن شهادته تقبل لأن العتق من غير فعله وهو أمر يظهر بخلاف الفسق فصل وإن شهد السيد لمكاتبه فردت شهادته أو شهد وارث لموروثه بالجرح قبل الاندمال فردت شهادته ثم عتق المكاتب وبرأ الجرح وأعادوا تلك الشهادة ففي قبولها وجهان أحدهما تقبل لأن زوال المانع ليس من فعلهم فأشبه زوال الصبي بالبلوغ ولأن ردها بسبب لا عار بإعادتها بخلاف الفسق والثاني لا تقبل لأنه ردها باجتهاده فلا ينقضها باجتهاده والأول أشبه بالصحة فإن الأصل قبول شهادة العدل ما لم يمنع منه مانع ولا يصح القياس على الشهادة المردودة للفسق لما ذكرنا بينهما من الفرق ويخرج على هذا كل شهادة مردودة إما للتهمة أو لعدم الأهلية إذا أعادها بعد زوال التهمة ووجود الأهلية فهل تقبل على وجهين مسألة قال ( وإن كان لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلا قبلت منه )