İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
وقال القاضي هذه المسألة محمولة على أن القارىء مع جماعة أميين حتى إذا فسدت صلاة القارىء بقي خلف الإمام اثنان فصاعدا فإن كان معه أمي واحد وكانا خلف الإمام أعادا جميعا لأن الأمي صار فذا والظاهر أن الخرقي إنما قصد بيان من تفسد صلاته بالائتمام بالأمي وهذا يخص القارىء دون الأمي ويجوز أن تصح صلاة الأمي لكونه عن يمين الإمام أو كونهما جميعا عن يمينه أو معهم أمي آخر وإن فسدت صلاته لكونه فذا فما فسدت لائتمامه بمثله إنما فسدت لمعنى آخر وبهذا قال مالك والشافعي في الجديد وقيل عنه يصح أن يأتم القارىء بالأمي في صلاة الإسرار دون صلاة الجهر وقيل عنه يجوز أن يأتم به في الحالين لأنه عجز عن ركن فجاز للقادر عليه الائتمام به كالقاعد بالقائم وقال أبو حنيفة تفسد صلاة الإمام أيضا لأنه لما أحرم القارىء لزمته القراءة عنه لكون الإمام يحتمل القراءة عن المأموم فعجز عنها ففسدت صلاته ولنا على الأول أنه ائتم بعاجز عن ركن سوى القيام يقدر عليه المأموم فلم تصح كالمؤتم بالعاجز عن الركوع والسجود ولأن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم وهذا عاجز عن التحمل للقراءة الواجبة على المأموم فلم يصح له الائتمام به لئلا يفضي إلى أن يصلي بغير قراءة وقياسهم يبطل بالأخرس والعاجز عن الركوع والسجود والقيام ولا مدخل للتحمل فيه بخلاف القراءة ولنا على صحة صلاة الإمام أنه أم من لا يصح له الائتمام به فلم تبطل صلاته كما لو أمت رجلا ونساء وقولهم إنه يلزم القراءة لا يصح لأن الله تعالى قال لا يكلف الله نفسا إلا وسعها البقرة 286 ومن لا تجب عليه القراءة عن نفسه فعن غيره أولى وإن أم الأمي قارئا واحدا لم تصح صلاة واحد منهما لأن الأمي نوى الإمامة وقد صار فذا فصل وإن صلى القارىء خلف من لا يعلم حاله في صلاة الإسرار صحت صلاته لأن الظاهر أنه لا يتقدم إلا من يحسن القراءة ولم يتخرم الظاهر فإنه أسر في موضع الإسرار وإن كان يسر في صلاة الجهر ففيه وجهان أحدهما لا تصح صلاة القارىء ذكره القاضي لأن الظاهر أنه لو أحسن القراءة لجهر والثاني تصح لأن الظاهر أنه لا يؤم الناس إلا من يحسن القراءة وإسراره يحتمل أن يكون نسيانا أو لجهله أو لأنه لا يحسن أكثر من الفاتحة فلا تبطل الصلاة بالاحتمال فإن قال قد قرأت في الإسرار صحت الصلاة على الوجهين لأن الظاهر صدقه ويستحب الإعادة احترازا من أن يكون كاذبا ولو أسر في صلاة الإسرار ثم قال ما كنت قرأت الفاتحة لزمه ومن وراء الإعادة وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى بهم المغرب فلما سلم قال أما سمعتموني قرأت قالوا لا قال فما قرأت في نفسي فأعاد بهم الصلاة فصل ومن ترك حرفا من حروف الفاتحة لعجزه عنه أو أبدله بغيره كالألثغ الذي يجعل الراء غينا والأرت الذي يدغم حرفا في حرف أو يلحن لحنا يحيل المعنى كالذي يكسر الكاف من إياك أو يضم التاء من أنعمت ولا يقدر على إصلاحه فهو كالأمي لا يصح أن يأتم به قارىء ويجوز لكل واحد منهم أن يؤم مثله لأنهما أميان فجاز لأحدهما الائتمام بالآخر كالذين لا يحسنان شيئا وإن كان يقدر على إصلاح شيء من ذلك فلم يفعل لم تصح صلاته ولا صلاة من يأتم به فصل إذا كان رجلان لا يحسن واحد منهما الفاتحة وأحدهما يحسن سبع آيات من غيرها والآخر لا يحسن شيئا من ذلك فهما أميان لكل واحد منهما الائتمام بالآخر والمستحب أن لا يؤم الذي يحسن الآيات لأنه أقرأ وعلى هذا كل من لا يحسن الفاتحة يجوز أن يؤم من لا يحسنها سواء استويا في الجهل أو كانا متفاوتين فيه فصل تكره إمامة اللحان الذي لا يحيل المعنى نص عليه أحمد وتصح صلاته بمن لا يلحن لأنه أتى بفرض القراءة فإن أحال المعنى في غير الفاتحة لم يمنع صحة الصلاة ولا الائتمام به إلا أن يتعمده فتبطل صلاتهما
فصل ومن لا يفصح ببعض الحروف كالضاد والقاف فقال القاضي تكره إمامته وتصح أعجميا كان أو عربيا وقيل فيمن قرأ ولا الضالين بالظاء لا تصح صلاته لأنه يحيل المعنى يقال ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا فحكمه حكم الألثغ وتكره إمامة التمتام وهو من يكرر التاء والفأفأة وهو من يكرر الفاء وتصح الصلاة خلفهما لأنهما يأتيان بالحروف على الكمال ويزيدان زيادة هما مغلوبان عليها فعفي عنها ويكره تقديمهما لهذه الزيادة مسألة قال ( وإن صلى خلف مشرك أو امرأة أو خنثى مشكل أعاد الصلاة ) وجملته أن الكافر لا تصح الصلاة خلفه بحال سواء علم بكفره بعد فراغه من الصلاة أو قبل ذلك وعلى من صلى وراءه الإعادة وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور والمزني لا إعادة على من صلى خلفه وهو لا يعلم لأنه ائتم بمن لا يعلم حاله فأشبه ما لو ائتم بمحدث ولنا إنه ائتم بمن ليس من أهل الصلاة فلم تصح صلاته كما لو ائتم بمجنون وأما المحدث فيشترط أن لا يعلم حدث نفسه والكافر يعلم حال نفسه وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء وقالأبو ثور لا إعادة على من صلى خلفها وهو قياس قول المزني وقال بعض أصحابنا يجوز أن تؤم الرجال في التراويح وتكون وراءهم لما روي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل لها مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها رواه أبو داود وهذا عام في الرجال والنساء ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تؤمن امرأة رجلا ولأنها لا تؤذن للرجال فلم يجز أن تؤمهم كالمجنون وحديث أم ورقة إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها كذلك رواه الدارقطني وهذه زيادة يجب قبولها ولو لم يذكر ذلك لتعين حمل الخبر عليه لأنه أذن لها أن تؤم في الفرائض بدليل أنه جعل لها مؤذنا والأذان إنما يشرع في الفرائض ولا خلاف في أنها لا تؤمهم في الفرائض ولأن تخصيص ذلك بالتراويح واشتراط تأخرها تحكم يخالف الأصول بغير دليل فلا يجوز المصير إليه ولو قدر ثبوت ذلك لأم ورقة لكان خاصا لها بدليل أنه لا يشرع لغيرها من النساء أذان ولا إقامة فتختص بالإمامة لاختصاصها بالأذان والإقامة وأما الخنثى فلا يجوز أن يؤم رجلا لأنه يحتمل أن يكون امرأة ولا يؤم خنثى مثله لأنه يجوز أن يكون الإمام امرأة والمأموم رجلا ولا يجوز أن تؤمه امرأة لاحتمال أن يكون رجلا قال القاضي رأيت لأبي حفص البرمكي أن الخنثى لا تصح صلاته في جماعة لأنه إن قام مع الرجال احتمل أن يكون امرأة وإن قام مع النساء أو وحده أو ائتم بامرأة احتمل أن يكون رجلا وإن أم الرجال احتمل أن يكون امرأة وإن أم النساء فقام وسطهن احتمل أنه رجل وإن قام بين أيديهن احتمل أنه امرأة ويحتمل أن تصح صلاته في هذه الصورة وفي صورة أخرى وهو أن يقوم في صف الرجال مأموما فإن المرأة إذا قامت في صف الرجال لم تبطل صلاتها ولا صلاة من يليها فصل يكره أن يؤم الرجل نساء أجانب لا رجل معهن لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية ولا بأس أن يؤم ذوات محارمه وأن يؤم النساء مع الرجال فإن النساء كن يصلين مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وقد أم النبي صلى الله عليه وسلم أنسا وأمه في بيتهم فصل إذا صلى خلف من شك إسلامه أو كونه خنثى فصلاته صحيحة ما لم يبن كفره وكونه خنثى مشكلا لأن الظاهر من المصلين الإسلام سيما إذا كان إماما والظاهر السلامة من كونه خنثى سيما من يؤم الرجال فإن تبين بعد الصلاة أنه كان كافرا أو خنثى مشكلا فعليه الإعادة على ما بينا
وإن كان الإمام ممن يسلم تارة ويرتد أخرى لم يصل خلفه حتى يعلم على أي دين هو فإن صلى خلفه وهو لم يعلم ما هو عليه نظرنا فإن كان قد علم قبل الصلاة إسلامه وشك في ردته فهو مسلم وإن علم ردته في إسلامه لم تصح صلاته فإن كان علم إسلامه فصلى خلفه فقال بعد الصلاة ما كنت أسلمت أو ارتددت لم تبطل الصلاة لأن صلاته كانت صحيحة حكما فلا يقبل قول هذا في إبطالها لأنه ممن لا يقبل قوله وإذا صلى خلف من علم ردته فقال بعد الصلاة قد كنت أسلمت قبل قوله لأنه ممن يقبل قوله فصل قال أصحابنا يحكم بإسلامه بالصلاة سواء كان في دار الحرب أو في دار الإسلام وسواء صلى جماعة أو فرادى فإن أقام بعد ذلك في الإسلام فلا كلام وإن لم يقم عليه فهو مرتد يجري عليه أحكام المرتدين وإن مات قبل ظهور ما ينافي الإسلام فهو مسلم يرثه ورثته المسلمون دون الكافرين وقال أبو حنيفة إن صلى جماعة أو منفردا في المسجد كقولنا وإن صلى فرادى في غير المسجد لم يحكم بإسلامه وقال بعض الشافعية لا يحكم بإسلامه بحال لأن الصلاة من فروع الإسلام فلم يصر مسلما بفعلها كالحج والصيام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وقال بعضهم إن صلى في دار الإسلام فليس بمسلم لأنه قد يقصد الاستتار بالصلاة وإخفاء دينه وإن صلى في دار الحرب فهو مسلم لأنه لا تهمة في حقه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم نهيت عن قتل المصلين وقال بيننا وبينهم الصلاة فجعل الصلاة حدا بين الإسلام والكفر فمن صلى فقد دخل في حد الإسلام وقال في المملوك فإذا صلى فهو أخوك ولأنها عبادة تختص بالمسلمين فالإتيان بها إسلام كالشهادتين وأما الحج فإن الكفار كانوا يفعلونه والصيام إمساك عن المفطرات وقد يفعله من ليس بصائم فصل فأما صلاته في نفسه فأمر بينه وبين الله تعالى فإن علم أنه كان قد أسلم ثم توضأ وصلى بنية صحيحة فصلاته صحيحة وإن لم يكن كذلك فعليه الإعادة لأن الوضوء لا يصح من كافر وإذا لم يسلم قبل الصلاة كان حال شروعه فيها غير مسلم ولا متطهر فلم يصح منه مسألة قال ( وإن صلت امرأة بالنساء قامت معهن في الصف وسطا ) اختلفت الرواية هل يستحب أن تصلي المرأة بالنساء جماعة فروي أن ذلك مستحب وممن روي عنه أن المرأة تؤم النساء عائشة وأم سلمة وعطاء والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور وروي عن أحمد رحمه الله أن ذلك غير مستحب وكرهه أصحاب الرأي وإن فعلت أجزأهن وقال الشعبي والنخعي وقتادة لهن ذلك في التطوع دون المكتوبة وقال الحسن وسليم بن يسار لا تؤم في فريضة ولا نافلة وقال مالك لا ينبغي للمرأة أن تؤم أحدا لأنه يكره لها الأذان وهو دعاء الجماعة فكره لها ما يراد الأذان له ولنا حديث أم ورقة ولأنهن من أهل الفرض فأشبهن الرجال وإنما كره لهن الأذان لما فيه من رفع الصوت ولسن من أهله إذا ثبت هذا فإنها إذا صلت بهن في وسطهن لا نعلم فيه خلافا بين من رأى لها أن تؤمهن ولأن المرأة يستحب لها التستر ولذلك لا يستحب لها التجافي وكونها في وسط الصف أستر لها لأنها تستتر بهن من جانبيها فاستحب لها ذلك كالعريان فإن صلت بين أيديهن احتمل أن يصح لأنه موقف في الجملة ولهذا كان موقفا للرجل واحتمل أن لا يصح لأنها خالفت موقفها أشبه ما لو خالف الرجل موقفه فصل وتجهر في صلاة الجهر وإن كان ثم رجال لا تجهر إلا أن يكونوا من محارمها فلا بأس فصل ويباح لهن حضور الجماعة مع الرجال
لأن النساء كن يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة كان النساء يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينصرفن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس متفق عليه وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات يعني غير متطيبات رواه أبو داود وصلاتها في بيتها خير لها وأفضل لما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن رواه أبو داود وقال صلى الله عليه وسلم صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها رواه أبو داود فصل إذا أمت المرأة امرأة واحدة قامت المرأة عن يمينها كالمأموم مع الرجال وإن صلت خلف رجل قامت خلفه لقول النبي صلى الله عليه وسلم أخروهن من حيث أخرهن الله وإن كان معهما رجل قام عن يمين الإمام والمرأة خلفهما كما روى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى به وبأمه أو خالته فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا رواه مسلم وإن كان مع الإمام رجل وصبي وامرأة وكانوا في تطوع قاما خلف الإمام والمرأة خلفهما كما روى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم قال فصففت أنا واليتيم وراءه والمرأة خلفنا فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم انصرف متفق عليه وإن كانت فرضا جعل الرجل عن يمينه والغلام عن يساره كما فعل عبد الله بن مسعود بعلقمة والأسود ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك رواه أبو داود وإن وقفا جميعا عن يمينه فلا بأس وإن وقفا وراءه فروى الأثرم أن أحمد توقف في هذه المسألة وقال ما أدري فذكر له حديث أنس فقال ذاك في التطوع واختلف أصحابنا فيه فقال بعضهم لا يصح لأن الصبي لا يصلح إماما للرجال في الفرض فلم يصافهم كالمرأة وقال ابن عقيل يصح لأنه يصح أن يصاف الرجل في النفل فصح في الفرض كالمتنفل يقف مع المفترض ولا يشترط في صحة مصافحته صحة إمامته بدليل الفاسق والعبد والمسافر في الجمعة والمفترض مع المتنفل ويفارق المرأة لأنه يصح أن يصاف الرجال في التطوع ويؤمهم فيه في رواية بخلاف المرأة وقال الحسن في ثلاثة أحدهم امرأة يقومون متواترين بعضهم خلف بعض ولنا حديث أنس وهو قول أكثر أهل العلم لا نعلم أحدا خالف فيه إلا الحسن وأتباع السنة أولى وقول الحسن يفضي إلى وقوف الرجل وحده فذا ويرده حديث وابصة وعلي بن شيبان وإن اجتمع رجال وصبيان وخناثى ونساء تقدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فصف الرجال ثم صف خلفهم الغلمان رواه أبو داود فصل وإن وقفت المرأة في صف الرجل كره ولم تبطل صلاتها ولا صلاة من يليها وهذا مذهب الشافعي وقال أبو بكر تبطل صلاة من يليها ومن خلفها دونها وهذا قول أبي حنيفة لأنه منهي عن الوقوف إلى جانبها أشبه ما لو وقف بين يدي الإمام ولنا إنها لو وقفت في غير صلاة لم تبطل صلاته فكذلك في الصلاة وقد ثبت أن عائشة كانت تعترض بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم نائمة وهو يصلي وقولهم إنه منهي قلنا هي المنهية عن الوقوف مع الرجال ولم تفسد صلاتها فصلاة من يليها أولى مسألة قال ( وصاحب البيت أحق بالإمامة إلا أن يكون بعضهم ذا سلطان )
وجملته أن الجماعة إذا أقيمت في بيت فصاحبه أولى بالإمامة من غيره وإن كان فيه من هو أقرأ منه وأفقه إذا كان ممن يمكنه إمامتهم وتصح صلاتهم وراءه فعل ذلك ابن مسعود وأبو ذر وحذيفة وقد ذكرنا حديثهم وبه قال عطاء والشافعي ولا نعلم فيه خلافا والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا يؤمن الرجل في بيته ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه رواه مسلم وغيره وروى مالك بن الحويرث عن النبي صلى الله عليه وسلم من زار قوما فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم رواه أبو داود وإن كان في البيت ذو سلطان فهو أحق من صاحب البيت لأن ولايته على البيت وعلى صاحبه وغيره وقد أم النبي صلى الله عليه وسلم عتبان بن مالك وأنسا في بيوتهما فصل وإمام المسجد الراتب أولى من غيره لأنه في معنى صاحب البيت والسلطان وقد روي عن ابن عمر أنه أتى أرضا وعندها مسجد يصلي فيه مولى لابن عمر فصلى معهم فسألوه أن يصلي بهم فأبى وقال صاحب المسجد أحق ولأنه داخل في قوله من زار قوما فلا يؤمهم فصل وإذا أذن المستحق من هؤلاء لرجل في الإمامة جاز وصار بمنزلة من أذن في استحقاق التقدم لقول النبي صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه ولأن الإمامة حق له فله نقلها إلى من شاء قال أحمد قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤم الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا بإذنه أرجو أن يكون الإذن في الكل ولم ير بأسا إذا أذن له أن يصلي فصل وإن دخل السلطان بلدا له فيه خليفة فهو أحق من خليفته لأن ولايته على خليفته وغيره ولو اجتمع العبد وسيده في بيت العبد فالسيد أولى لأنه المالك على الحقيقة وولايته على العبد وإن لم يكن سيده معهم فالعبد أولى لأنه صاحب البيت ولذلك لما اجتمع مسعود وحذيفة وأبو ذر في بيت أبي سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد تقدم أبو ذر ليصلي بهم فقالوا له وراءك فالتفت إلى أصحابه فقال أكذلك فقالوا نعم فتأخر وقدموا أبا سعيد فصلى بهم وإن اجتمع المؤجر والمستأجر في الدار المؤجرة فالمستأجر أولى لأنه أحق بالسكنى والمنفعة فصل والمقيم أولى من المسافر لأنه إذا كان إماما حصلت له الصلاة كلها في جماعة وإن أمه المسافر احتاج إلى إتمام الصلاة منفردا وإن ائتم بالمسافر جاز ويتم الصلاة بعد سلام إمامه فإن أتم المسافر الصلاة جازت صلاتهم وحكي عن أحمد في صلاة المقيمين رواية أخرى أنها لا تجوز لأن الزيادة نفل أم بها مفترضين والصحيح الأول لأن المسافر إذا نوى إتمام الصلاة أو لم ينو القصر لزمه الإتمام فيصير الجميع فرضا مسألة قال ( ويأتم بالإمام من في أعلى المسجد وغير المسجد إذا اتصلت الصفوف ) وجملته أنه يجوز أن يكون المأموم مساويا للإمام وأعلى منه كالذي على سطح المسجد أو على دكة عالية أو رف فيه روي عن أبي هريرة أنه صلى بصلاة الإمام على سطح المسجد وفعله سالم وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك يعيد الجمعة إذا صلى فوق سطح المسجد بصلاة الإمام ولنا إنهما في المسجد ولم يعل الإمام فصح أن يأتم به كالمتساويين ولا يعتبر اتصال الصفوف إذا كانا جميعا في المسجد
قال الآمدي لا خلاف في المذهب أنه إذا كان في أقصى المسجد وليس بينه وبين الإمام ما يمنع الاستطراق والمشاهدة أنه يصح اقتداؤه به وإن لم تتصل الصفوف وهذا مذهب الشافعي وذلك لأن المسجد بني للجماعة فكل من حصل فيه فقد حصل في محل الجماعة وإن كان المأموم في غير المسجد أو كانا جميعا في غير مسجد صح أن يأتم به سواء كان مساويا للإمام أو أعلى منه كثيرا كان العلو أو قليلا بشرط كون الصفوف متصلة ويشاهد من وراء الإمام وسواء كان المأموم في رحبة الجامع أو دار أو على سطح والإمام على سطح آخر أو كانا في صحراء أو في سفينتين وهذا مذهب الشافعي إلا أنه يشترط أن لا يكون بينهما ما يمنع الاستطراق في أحد القولين ولنا إن هذا لا تأثير له في المنع من الاقتداء بالإمام ولم يرد فيه نهي ولا هو في معنى ذلك فلم يمنع صحة الائتمام به كالفصل اليسير إذا ثبت هذا فإن معنى اتصال الصفوف أن لا يكون بينهما بعد لم تجر العادة به ولا يمنع إمكان الاقتداء وحكي عنالشافعي أنه حد الاتصال بما دون ثلاثمائة ذراع والتحديدات بابها التوقيف والمرجع فيها إلى النصوص والإجماع ولا نعلم في هذا نصا نرجع إليه ولا إجماعا نعتمد عليه فوجب الرجوع فيه إلى العرف كالتفرق والإحراز والله أعلم فصل فإن كان بين الإمام والمأموم حائل يمنع رؤية الإمام أو من وراءه فقال ابن حامد فيه روايتان إحداهما لا يصح الائتمام به اختاره القاضي لأن عائشة قالت لنساء كن يصلين في حجرتها لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن دونه في حجاب ولأنه يمكنه الاقتداء به في الغالب والثانية يصح قال أحمد في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة أرجو أن لا يكون به بأس وسئل عن رجل يصلي يوم الجمعة وبينه وبين الإمام سترة قال إذا لم يقدر على غير ذلك وقال في المنبر إذا قطع الصف لا يضر ولأنه أمكنه الاقتداء بالإمام فيصح اقتداؤه به من غير مشاهدة كالأعمى ولأن المشاهدة تراد للعلم بحال الإمام والعلم يحصل بسماع التكبير فجرى مجرى الرؤية ولا فرق بين أن يكون المأموم في المسجد أو في غيره واختار القاضي أنه يصح إذا كانا في المسجد ولا يصح في غيره لأن المسجد محل الجماعة وفي مظنة القرب ولا يصح في غيره لعدم هذا المعنى ولخبر عائشة ولنا إن المعنى المجوز أو المانع قد استويا فيه فوجب استواؤهما في الحكم ولا بد لمن يشاهد أن يسمع التكبير ليمكنه الاقتداء فإن لم يسمع لم يصح ائتمامه به بحال لأنه لا يمكنه الاقتداء به فصل وكل موضع اعتبرنا المشاهدة فإنه يكفيه مشاهدة من وراء الإمام سواء شاهده من باب أمامه أو عن يمينه أو عن يساره أو شاهده طرف الصف الذي وراءه فإن ذلك يمكنه الاقتداء به وإن كانت المشاهدة تحصل في بعض أحوال الصلاة فالظاهر صحة الصلاة لما روي عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أناس يصلون بصلاته وأصبحوا يتحدثون بذلك فقام الليلة الثانية فقام معه أناس يصلون بصلاته رواه البخاري والظاهر أنهم إنما كانوا يرونه في حال قيامه فصل وإذا كان بينهما طريق أو نهر تجري فيه السفن أو كانا في سفينتين مفترقتين ففيه وجهان أحدهما لا يصح أن يأتم به وهو اختيار أصحابنا ومذهب أبي حنيفة لأن الطريق ليست محلا للصلاة فأشبه ما يمنع الاتصال
والثاني يصح وهو الصحيح عندي ومذهب مالك والشافعي لأنه لا نص في منع ذلك ولا إجماع ولا هو في معنى ذلك لأنه لا يمنع الاقتداء فإن المؤتم في ذلك ما يمنع الرؤية أو سماع الصوت وليس هذا بواحد منهما وقولهم إن بينهما ما ليس بمحل للصلاة فأشبه ما يمنع وإن سلمنا ذلك في طريق فلا يصح في النهر فإنه تصح الصلاة عليه في السفينة وإذا كان جامدا ثم كونه ليس بمحل للصلاة وإنما يمنع الصلاة فيه أما المنع من الاقتداء بالإمام فتحكم محض لا يلزم المصير إليه ولا العمل به ولو كانت صلاة جنازة أو جمعة أو عيد لم يؤثر ذلك فيها لأنها تصح في الطريق وقد صلى أنس في موت حميد بن عبد الرحمن بصلاة الإمام وبينهما طريق مسألة قال ( ولا يكون الإمام أعلى من المأموم ) المشهور في المذهب أنه يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين سواء أراد تعليمهم الصلاة أو لم يرد وهو قول مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يكره فإن علي بن المديني قال سألني أحمد عن حديث سهل بن سعد وقال إنما أردت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أعلى من الناس فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث وقال الشافعي اختار للإمام الذي يعلم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع فيراه من خلفه فيقتدون به لما روى سهل بن سعد قال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليه يعني المنبر فكبر وكبر الناس وراءه ثم ركع وهو على المنبر ثم رفع فنزل الفهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل على الناس فقال أيها الناس إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي متفق عليه ولنا ما روي أن عمار بن ياسر كان بالمدائن فأقيمت الصلاة فتقدم عمار فقام على دكان والناس أسفل منه فتقدم حذيفة فأخذ بيده فأتبعه عمار حتى أنزله حذيفة فلما فرغ من صلاته قال له حذيفة ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم قال عمار فلذلك اتبعتك حين أخذت على يدي وعن همام أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه فلما فرغ من صلاته قال ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك قال بلى فذكرت حين مددتني رواهما أبو داود وعن ابن مسعود أن رجلا تقدم يؤم بقوم على مكان فقام على دكان فنهاه ابن مسعود وقال للإمام استو مع أصحابك ولأنه يحتاج أن يقتدي بإمامه فينظر ركوعه وسجوده فإذا كان أعلى منه احتاج أن يرفع بصره إليه ليشاهده وذلك منهي عنه في الصلاة فأما حديث سهل فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على الدرجة السفلى لئلا يحتاج إلى عمل كبير في الصعود والنزول فيكون ارتفاعا يسيرا فلا بأس لأنه فعل شيئا ونهى عنه فيكون فعله له ونهيه لغيره ولذلك لا يستحب مثله لغير النبي صلى الله عليه وسلم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتم الصلاة على المنبر فإن سجوده وجلوسه إنما كان على الأرض بخلاف ما اختلفنا فيه فصل ولا بأس بالعلو اليسير لحديث سهل ولأن النبي معلل بما يفضي إليه من رفع البصر في الصلاة وهذا يخص الكثير فعلى هذا يكون اليسير مثل درجة المنبر ونحوها لما ذكرنا في حديث سهل والله أعلم فصل فإن صلى الإمام في مكان أعلى من المأمومين فقال ابن حامد لا تصح صلاتهم وهو قول الأوزاعي لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه وقال القاضي لا تبطل وهو قول أصحاب الرأي لأن عمارا أتم صلاته ولو كانت فاسدة لاستأنفها ولأن النهي معلل بما يفضي إليه من رفع البصر في الصلاة وذلك لا يفسدها فسببه أولى
فصل وإن كان مع الإمام من هو مساو له أو أعلى منه ومن هو أسفل منه اختصت الكراهة بمن هو أسفل منه لأن المعنى وجد فيهم دون غيرهم ويحتمل أن يتناول النهي الإمام لكونه منهيا عن القيام في مكان أعلى من مقامهم فعلى هذا الاحتمال تبطل صلاة الجميع عند من أبطل الصلاة بارتكاب النهي مسألة قال ( ومن صلى خلف الصف وحده أو قام بجنب الإمام عن يساره أعاد الصلاة ) وجملته أن من صلى وحده ركعة كاملة لم تصح صلاته وهذا قول النخعي والحكم والحسن بن صالح وإسحاق وابن المنذر وأجازه الحسن ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي لأن أبا بكر ركع دون الصف فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة ولأنه موقف للمرأة فكان موقفا للرجل كما لو كان مع جماعة ولنا ما روى وابصة بن معبد أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد رواه أبو داود وغيره وقال أحمد حديث وابصة حسن وقال ابن المنذر ثبت الحديث أحمد وإسحاق وفي لفظ سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل صلى وراء الصفوف وحده قال يعيد رواه تمام في الفوائد وعن علي بن شبان أنه صلى بهم نبي الله صلى الله عليه وسلم فانصرف ورجل فرد خلف الصف فوقف نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى انصرف الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم استقبل صلاتك ولا صلاة لفرد خلف الصف رواه الأثرم وقال قلت لأبي عبد الله حديث ملازم بن عمرو يعني هذا الحديث في هذا أيضا حسن قال نعم ولأنه خالف الموقف فلم تصح صلاته كما لو وقف أمام الإمام فأما حديث أبي بكرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهاه فقال لا تعد والنهي يقتضي الفساد وعذره فيما فعله لجهله بتحريمه وللجهل تأثير في العفو ولا يلزم من كونه موقفا للمرأة كونه موقفا للرجل بدليل اختلافهما في كراهية الوقوف واستحبابه وأما إذا وقف عن يسار الإمام فإن كان عن يمين الإمام أحد صحت صلاته لأن ابن مسعود صلى بين علقمة والأسود فلما فرغوا قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل رواه أبو داود ولأن وسط الصف موقف للإمام في حق النساء والعراة وإن لم يكن عن يمينه أحد فصلاة من وقف عن يساره فاسدة سواء كان واحدا أو جماعة وأكثر أهل العلم يرون للمأموم الواحد أن يقف عن يمين الإمام وأنه إن وقف عن يساره خالف الينة وحكي عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا لم يكن معه إلا مأموم واحد جعله عن يساره وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي إن وقف عن يسار الإمام صحت صلاته لأن ابن عباس لما أحرم عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم أداره عن يمينه ولم تبطل تحريمته ولو لم يكن موقفا لاستأنف التحريمة كإمام الإمام ولأنه موقف فيما إذا كان عن الجانب الآخر آخر فكان موقفا وإن لم يكن آخر كاليمين ولأنه أحد جانبي الإمام فأشبه اليمين ولنا إن ابن عباس قال قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في الليل فجئت فقمت فوقفت عن يساره فأخذ بذؤابتي فأدارني عن يمينه متفق عليه وروى جابر قال قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فجئت فوقفت عن يساره فأدارني عن يمينه رواه أبو داود وقولهم إنه لم يأمره بابتداء التحريمة قلنا لأن ما فعله قبل الركوع لا يؤثر فإن الإمام يحرم قبل المأمومين ولا يضر انفراده بما قبل إحرامهم وكذلك المأمومون يحرم أحدهم قبل الباقين فلا يضر ولا يلزم من العفو عن ذلك العفو عن ركعة كاملة وقولهم إنه موقف إذا كان عن يمين الإمام آخر قلنا كونه موقفا في صورة لا يلزم فيه كونه موقفا في أخرى كما خلف الصف فإنه موقف لاثنين ولا يكون موقفا لواحد فإن منعوا هذا أثبتناه بالنص
فصل فإن وقف عن يسار إمامه وخلف الإمام صف احتمل أن تصح صلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم جلس عن يسار أبي بكر وقد روي أن أبا بكر كان الإمام ولأن مع الإمام من تنعقد صلاته به فصح الوقوف عن يساره كما لو كان معه عن يمينه آخر واحتمل أن لا تصح لأنه ليس بموقف إذا لم يكن صف فلم يكن موقفا مع الصف كإمام الإمام وفارق ما إذا كان عن يمينه آخر لأنه معه في الصف فكان صفا واحدا كما لو كان وقف معه خلف الصف فصل السنة أن يقف المأمومون خلف الإمام فإن وقفوا قدامه لم تصح وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك وإسحاق تصح لأن ذلك لا يمنع الاقتداء به فأشبه من خلفه ولنا قوله عليه السلام إنما جعل الإمام ليؤتم به ولأنه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه ولأن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا هو في معنى المنقول فلم يصح كما لو صلى في بيته بصلاة الإمام ويفارق من خلف الإمام فإنه لا يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه فصل وإذا كان المأموم واحدا ذكرا فالسنة أن يقف عن يمين الإمام رجلا كان أو غلاما لحديث ابن عباس وأنس وروى جابر بن عبد الله قال سرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فقام يصلي فتوضأت ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه فجاء جبار بن صخر حتى قام عن يساره فأخذنا بيديه جميعا حتى أقامنا خلفه رواه مسلم وأبو داود فإن كانوا ثلاثة تقدم الإمام ووقف المأمومان خلفه وهذا قول عمر وعلي وجابر بن زيد والحسن وعطاء والشافعي وأصحاب الرأي وكان ابن مسعود يرى أن يقفوا جميعا صفا ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج جبارا وجابرا فجعلهما خلفه ولم صلى بأنس واليتيم جعلهما خلفه وحديث ابن مسعود يدل على جواز ذلك وحديث جابر وجبار يدل على الفضل لأنه جعلهما خلفه ولا ينقلهما إلا إلى الأكمل فإن كان أحد المأمومين صبيا وكانت الصلاة تطوعا جعلهما خلفه لخبر أنس وإن كانت فرضا جعل الرجل عن يمينه والغلام عن يساره كما جاء في حديث ابن مسعود وإن جعلهما جميعا عن يمينه جاز وإن وقفهما خلفه فقال بعض أصحابنا لا تصح لأنه لا يؤمه فلم يصادفه كالمرأة ويحتمل أن تصح لأنه بمنزلة المتنفل والمتنفل يصح أن يصاف المفترض كذا ها هنا فصل وإن أم امرأة وقفت خلفه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أخروهن من حيث أخرهن الله ولأن أم أنس وقفت خلفهما وحدها فإن كان معهما رجل وقف عن يمينه ووقفت المرأة خلفهما وإن كان معهما رجلان وقفا خلفه ووقفت المرأة خلفهما وإن كان أحدهما غلاما من تطوع وقف الرجل والغلام وراءه والمرأة خلفهما لحديث أنس وإن كانت فريضة فقد ذكرنا ذلك وتقف المرأة خلفهما وإن وقفت معهم في الصف في هذه المواضع صح ولم تبطل صلاتها ولا صلاتهم على ما ذكرنا فيما تقدم وإن وقف الرجل الواحد والمرأة خلف الإمام فقال ابن حامد لا تصح لأنها لا تؤمه فلا تكون معه صفا وقال ابن عقيل تصح على أصح الوجهين لأنه وقف معه مفترض صلاته صحيحة فأشبه ما لو وقف معه الرجل وليس من الشرط أن يكون ممن تصح إمامته بدليل القارىء مع الأمي والفاسق والمتنفل مع المفترض فصل إذا كان المأموم واحدا فكبر عن يسار الإمام أداره الإمام عن يمينه ولم تبطل تحريمته كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بابن عباس وجابر وإن كبر فذا خلف الإمام ثم تقدم عن يمينه أو جاء آخر فوقف معه أو تقدم إلى صف بين يديه أو كانا اثنين فكبر أحدهما وتوسوس الآخر ثم كبر قبل رفع الإمام رأسه من الركوع
أو كبر واحد عن يمينه فأحس بآخر فتأخر معه قبل أن يحرم الثاني ثم أحرم معه أو أحرم عن يساره فجاء آخر فوقف عن يمينه قبل رفع الإمام رأسه من الركوع صحت صلاتهم وقد نص أحمد في رواية الأثرم في الرجلين يقومان خلف الإمام ليس خلفه غيرهما فإن كبر أحدهما قبل صاحبه خاف أن يدخل في الصلاة خلف الصف فقال ليس هذا من ذاك ذاك في الصلاة بكمالها أو صلى ركعة كاملة وما أشبه هذا فأما هذا فأرجو أن لا يكون به بأس ولو أحرم رجل خلف الصف ثم خرج من الصف رجل فوقف معه صح لما ذكرنا فصل وإن كبر المأموم عن يمين الإمام ثم جاء آخر فكبر عن يساره أخرجهما الإمام إلى ورائه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بجابر وجبار ولا يتقدم الإمام إلا أن يكون وراءه ضيق وإن تقدم جاز وإن كبر الثاني مع الأول عن اليمين وخرجا جاز وإن دخل الثالث وهما في التشهد كبر وجلس عن يمين صاحبه أو عن يساره ولا يتأخران في التشهد فإن في ذلك مشقة فصل فإن أحرم اثنان وراء الإمام فخرج أحدهما لعذر أو لغير عذر دخل الآخر في الصف أو نبه رجلا فخرج معه أو دخل فوقف عن يمين الإمام فإنه لم يمكنه شيء من ذلك نوى الانفراد وأتم منفردا لأنه عذر حدث له فأشبه ما لو سبق إمامه الحدث فصل إذا دخل المأموم فوجد في الصف فرجة دخل فيها فإن لم يجد وقف عن يمين الإمام ولا يستحب أن يجذب رجلا فيقوم معه فإن لم يمكنه ذلك نبه رجلا فخرج فوقف معه وبهذا قالعطاء والنخعي قالا يجذب رجلا فيقوم معه وكره ذلك مالك والأوزاعي واستقبحه أحمد وإسحاق قال ابن عقيل جوز أصحابنا جذب رجل يقوم معه صفا واختار هو أن لا يفعل لما فيه من التصرف بغير إذنه والصحيح جواز ذلك لأن الحالة داعية إليه فجاز كالسجود على ظهره أو قدمه حال الزحام وليس هذا تصرفا فيه إنما هو تنبيه له ليخرج معه فجرى مجرى مسألته أن يصلي معه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لينوا في أيدي إخوانكم يريد ذلك فإن امتنع من الخروج معه لم يكرهه وصلى وحده فصل قال أحمد يصلي الإمام برجل قائم وقاعد ويتقدمهما وقال إذا أم برجلين أحدهما غير طائر ائتم الطاهر معه وهذا يحتمل أنه أراد إذا علم المحدث بحدثه فخرج ائتم الآخر إن كان عن يمين الإمام وإن لم يكن عن يمينه صار عن يمينه كما ذكرنا فأما إن كان خلفه وعلم المحدث فأتما الصلاة لم تصح وإن لم يعلم المحدث بحدثه حتى تمت الصلاة صحت لأنه لو كان إماما صح الائتمام به فلأن تصح مصافحته أولى فصل ومن وقف معه كافر أو من لا تصح صلاته غير ما ذكرنا لم تصح مصافحته لأن وجوده وعدمه واحد وإن وقف معه فاسق أو متنفل صارا صفا لأنهما رجلان صلاتهما صحيحة وكذلك لو وقف قارىء مع أمي أو من به سلس البول مع صحيح أو متيمم مع متوضىء كانا صفا لما ذكرنا فإن وقف معه خنثى مشكل لم يكن صفا معه إلا من أجاز وقوف المرأة مع الرجل لأنه يحتمل أن يكون امرأة فصل ولو كان مع الإمام خنثى مشكل وحده فالصحيح أن يقفه عن يمينه لأنه إن كان رجلا فقد وقف في موقفه وإن كان امرأة لم تبطل صلاتها بوقوفها مع الإمام كما لا تبطل بوقوفها مع الرجال ولا يجوز أن يقف وحده لأنه يحتمل أن يكون رجلا فإن كان معهما رجل وقف الرجل عن يمين الإمام والخنثى عن يساره أو عن يمين الرجل ولا يقف خلفه لأنه يحتمل أن يكون امرأة إلا عند من أجاز مصافحة المرأة فإن كان معهم رجل آخر وقف الثلاثة خلفه صفا لما ذكرنا فإن كان مع الخنثى خنثى آخر فقال أصحابنا يقف الخنثيان صفا خلف الرجلين لأنه يحتمل أن يكونا امرأتين ويحتمل أن يقفا مع الرجلين
لأنه يحتمل أن يكون أحدهما وحده رجلا فلا تصح صلاته وإن كان معهم نساء وقفن خلف الخناثى قال أبو الخطاب إذا اجتمع رجال وصبيان وخناثى ونساء تقدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء وروى أبو مالك الأشعري عن أبيه أنه قال ألا أحدثكم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم قال أقام الصلاة فصف الرجال وصف خلفهم الغلمان ثم صلى بهم ثم قال هكذا صلاته قال أبو عبد الأعلى لا أحسبه إلا قال صلاة أمتي رواه أبو داود فصل السنة أن يتقدم في الصف الأول أولو الفضل والسن ويلي الإمام أكملهم وأفضلهم قالأحمد يلي الإمام الشيوخ وأهل القرآن وتؤخر الصبيان والغلمان ولا يلون الإمام لما روى أبو مسعود الأنصاري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم رواه مسلم وعن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه وقال أبو سعيد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرا فقال تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل رواه مسلم وأبو داود وروى أحمد في مسنده عن قيس بن عباد قال أتيت المدينة للقاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأقيمت الصلاة وخرج عمر مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت في الصف الأول فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري فنحاني وقام في مكاني فما عقلت صلاتي فلما صلى قال أي بني لا يسوءك الله فإن لم آتك الذي أتيت بجهالة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا كونوا في الصف الذي يليني وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك وكان الرجل أبي بن كعب فصل وخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها رواه مسلم وأبو داود وعن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصف الأول على مثل صف الملائكة ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه رواه أحمد في المسند وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتموا الصف المقدم فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف رواهما داود فصل ويستحب أن يقف الإمام في مقابلة وسط الصف لقول النبي صلى الله عليه وسلم وسطوا الإمام وسدوا الخلل رواه أبو داود ويكره أن يدخل في طاق القبلة إلا أن يكون المسجد ضيقا وكرهه ابن مسعود وعلقمة والحسن وإبراهيم وفعله سعيد بن جبير وأبو عبد الرحمن السلمي وقيس بن أبي حازم ولنا أن يستتر به عن بعض المأمومين فكره كما لو جعل بينه وبينهم حجابا فصل ولا يكره للإمام أن يقف بين السواري ويكره للمأمومين لأنها تقطع صفوفهم وكرهه ابن مسعود والنخعي وروي عنحذيفة وابن عباس ورخص فيه ابن سيرين ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر لأنه لا دليل على المنع منه ولنا ما روي عن معاوية بن قرة عن أبيه قال كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونطرد عنها طردا رواه ابن ماجه ولأنها تقطع الصف فإن كان الصف صغيرا قدر ما بين الساريتين لم يكره لأنه لا ينقطع بها مسألة قال ( وإذا صلى إمام الحي جالسا صلى من وراءه جلوسا ) المستحب للإمام إذا مرض وعجز عن القيام أن يستخلف لأن الناس اختلفوا في صحة إمامته فيخرج من الخلاف ولأن صلاة القائم أكمل فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة فإن قيل قد صلى النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا بأصحابه ولم يستخلف
قلنا صلى قاعدا ليبين الجواز واستخلف مرة أخرى ولأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا أفضل من صلاة غيره قائما فإن صلى بهم قاعدا جاز ويصلون من وراءه جلوسا فعل ذلك أربعة من الصحابة أسيد بن حضير وجابر وقيس بن فهد وأبو هريرة وبه قال الأوزاعي وحماد بن زيد وإسحاق وابن المنذر وقالمالك في إحدى روايتيه لا تصح صلاة القادر على القيام خلف القاعد وهو قول محمد بن الحسن لأن الشعبي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يؤمن أحد بعدي جالسا أخرجه الدارقطني ولأن القيام ركن فلا يصح ائتمام القادر عليه بالعاجز عنه كسائر الأركان وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي يصلون خلفه قياما لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه خفة فخرج بين رجلين فأجلساه إلى جنب أبي بكر فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد متفق عليه وهذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه ركن قدر عليه فلم يجز له تركه كسائر الأركان ولنا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون متفق عليه وعن عائشة رضي الله عنها قالت صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاك فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون وروى أنس نحوه أخرجهما البخاري ومسلم وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أخرجه مسلم ورواه أسيد بن حضير وعمل به قال ابن عبد البر روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق متواترة من حديث أنس وجابر وأبي هريرة وابن عمر وعائشة كلها بأسانيد صحاح ولأنها حالة قعود الإمام فكان على المأمومين متابعته كحال التشهد فأما حديث الشعبي فمرسل يرويه جابر الجعفي وهو متروك وقد فعله أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعده فأما حديث الآخرين فقال أحمد ليس في هذا حجة لأن أبا بكر كان ابتدأ الصلاة فإذا ابتدأ الصلاة قائما صلوا قياما فأشار أحمد إلى أنه يمكن الجمع بين الحديثين بحمل الأول على من ابتدأ الصلاة جالسا والثاني على ما إذا ابتدأ الصلاة قائما ثم اعتل فجلس ومتى أمكن الجمع بين الحديثين وجب ولم يحمل على النسخ ثم يحتمل أن أبا بكر كان الإمام قال ابن المنذر في بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس وفي بعضها أن أبا بكر كان الإمام وقالت عائشة صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدا وقالأنس صلى النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه خلف أبي بكر قاعدا في ثوب متوشحا به قال الترمذي كلا الحديثين حسن صحيح ولا يعرف للنبي صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر صلاة إلا في هذا الحديث وروى مالك عنربيعة الحديث قال وكان أبو بكر الإمام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بصلاة أبي بكر وقال ما مات نبي حتى يؤمه رجل من أمته قال مالك العمل عندنا على حديث ربيعة هذا وهو أحب إلي فإن قبل لو كان أبو بكر الإمام لكان عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا يحتمل أنه فعل ذلك لأن وراءه صفا
فصل فإن صلوا وراءه قياما ففيه وجهان أحدهما لا تصح صلاتهم أومأ إليه أحمد فإنه قال إن صلى الإمام جالسا والذين خلفه قياما لم يقتدوا بالإمام إنما اتباعهم له إذا صلى جالسا صلوا جلوسا وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالجلوس ونهاهم عن القيام فقال في حديث جابر إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا وإذا صلى قائما فصلوا قياما ولا تقوموا والإمام جالس كما يفعل أهل فارس بعظمائها فقعدنا والأمر يقتضي الوجوب والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ولأنه ترك اتباع إمامه مع قدرته عليه أشبه تارك القيام في حال قيام إمامه والثاني تصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى وراءه قوم قياما لم يأمرهم بالإعادة فعلى هذا يحتمل الأمر على الاستحباب ولأنه يتكلف القيام في موضع يجوز له القعود أشبه المريض إذا تكلف القيام ويحتمل أن تصح صلاة الجاهل بوجوب القعود دون العالم بذلك كقولنا في الذي ركع دون الصف فأما من وجب القيام فقعد فإن صلاته لا تصح لأنه ترك ركنا على الإتيان به فصل ولا يؤم القاعد من يقدر على القيام إلا بشرطين أحدهما أن يكون إمام الحي نص عليه أحمد فقال ذلك لإمام الحي لأنه لا حاجة بهم إلى تقديم عاجز عن القيام إذا لم يكن الإمام الراتب فلا يتحمل إسقاط ركن في الصلاة لغير حاجة والنبي صلى الله عليه وسلم حيث فعل ذلك كان هو الإمام الراتب الثاني أن يكون مرضه يرجى زواله لأن اتخاذ الزمن ومن لا يرجى قدرته على القيام إماما راتبا يفضي إلى تركهم القيام على الدوام ولا حاجة إليه ولأن الأصل في هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم كان يرجى برؤه مسألة قال ( فإن ابتدأ بهم الصلاة قائما ثم اعتل فجلس ائتموا خلفه قياما ) إنما كان كذلك لأن أبا بكر حيث ابتدأ بهم الصلاة قائما ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأتم الصلاة بهم جالسا أتموا قياما ولم يجلسوا ولأن القيام هو الأصل فمن بدأ به في الصلاة لزمه في جميعها إذا قدر عليه كالتنازع في صلاة المقيم يلزمه إتمامها وإن حدث مبيح القصر في أثنائها فصل فإن استخلف بعض الأئمة في زماننا ثم زال عذره فحضر فهل يجوز أن يفعل كفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر فيه روايتان إحداهما ليس له ذلك قال أحمد في رواية أبي داود ذلك خاص للنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره لأن هذا أمر يخالف القياس فإن انتقل الإمام مأموما وانتقال المأمومين من إمام إلى آخر لا يجوز إلا لعذر يحوج إليه وليس في تقديم الإمام الراتب ما يحوج إلى هذا أما النبي صلى الله عليه وسلم فكانت له من الفضيلة على غيره وعظم التقدم عليه ما ليس لغيره ولهذا قال أبو بكر ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والثانية يجوز ذلك لغيره قال أحمد في رواية أبي الحارث من فعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر ويقعد إلى جنب الإمام يبتدىء القراءة من حيث بلغ الإمام ويصلي للناس قياما وذلك لأن الأصل أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كان جائزا لأمته ما لم يقم دليل على اختصاصه به وفيه رواية ثالثة أن ذلك لا يجوز إلا للخليفة دون بقية الأئمة قال في رواية المروذي ليس هذا لأحد إلا للخليفة وذلك لأن رتبة الخلافة تفضل رتبة سائر الأئمة فلا يلحق بها غيرها وكان ذلك للخليفة لأن خليفة النبي صلى الله عليه وسلم يقوم مقامه فصل ويجوز للعاجز عن القيام أن يؤم مثله لأنه إذا أم القادرين على القيام فمثله أولى ولا يشترط في اقتدائهم به أن يكون إماما راتبا ولا مرجوا زوال مرضه لأنه ليس في إمامته لهم ترك ركن مقدور عليه بخلاف إمامته للقادرين على القيام
فصل ولا يجوز لتارك ركن من الأفعال إمامة أحد كالمضطجع والعجز عن الركوع والسجود وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وقال الشافعي يجوز لأنه فعل أجازه المرض فلم يغير حكم الائتمام كالقاعد بالقيام ولنا إنه أخل بركن لا يسقط في النافلة فلم يجز للقادر عليه الائتمام به كالقارىء بالأمي وحكم القيام حق بدليل سقوطه في النافلة وعن المقتدين بالعاجز ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المصلين خلف الجالس بالجلوس ولا خلاف في أن المصلي خلف المضطجع لا يضطجع فأما إن أم مثله فقاس المذهب صحته لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في المطر بالإيماء والعراة يصلون جماعة بالإيماء وكذلك حال المسايفة فصل ويصح ائتمام المتوضىء بالمتيمم لا أعلم فيه خلافا لأن عمرو بن العاص صلى بأصحابه متيمما وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره وأم ابن عباس أصحابه متيمما وفيهم عمار بن ياسر في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكروه ولأنه متطهر طهارة صحيحة فأشبه المتوضىء ولا يصح ائتمام الصحيح بمن به سلس البول ولا غير المستحاضة بها لأنهما يصليان مع خروج الحدث من غير طهارة له بخلاف المتيمم فأما من كانت عليه نجاسة فإن كانت على بدنه فتيمم لها جاز للطاهر الائتمام به عند القاضي لأنه كالمتيمم للحدث وعلى قياس قول أبي الخطاب لا يجوز الائتمام به لأنه أوجب عليه الإعادة وإن كانت على ثوبه لم يصح الائتمام به لأنه تارك لشرط ولا يجوز ائتمام المتوضىء ولا المتيمم بعادم الماء والتراب ولا اللابس بالعاري ولا القادر على الاستقبال بالعاجز عنه لأنه تارك لشرط يقدر عليه المأموم فأشبه المعافى بمن به سلس البول ويصح ائتمام كل واحد من هؤلاء بمثله لأن العراة يصلون جماعة وقد سبق هذا فصل وفي صلاة المفترض خلف المتنفل روايتان إحداهما لا تصح نص عليه أحمد في رواية أبي الحارث وحنبل واختارها أكثر أصحابنا وهذا قول الزهري ومالك وأصحاب الرأي لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه متفق عليه ولأن صلاة المأموم لا تتأدى بنية الإمام أشبه صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر والثانية يجوز نقلها إسماعيل بن سعيد ونقل أبو داود قال سمعت أحمد سئل عن رجل صلى العصر ثم جاء فنسي فتقدم يصلي بقوم تلك الصلاة ثم ذكر لما أن صلى ركعة فمضى في صلاته قال لا بأس وهذا قول عطاء وطاوس وأبي رجاء والأوزاعي والشافعي وسليمان بن حرب وأبي ثور وابن المنذر وأبي إسحاق الجوزجاني وهي أصح لما روى جابر بن عبد الله أن معاذا كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرجع فيصلي بقومه تلك الصلاة متفق عليه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بطائفة من أصحابه في الخوف ركعتين ثم سلم ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين ثم سلم رواه أبو داود والأثرم والثانية منهما تقع وقد أم بها مفترضين وروي عن أبي خلدة قال أتينا أبا رجاء لنصلي معه الأولى فوجدناه قد صلى فقلنا جئناك لنصلي معك فقال قد صلينا ولكن لا أخيبكم فقام فصلى وصلينا معه رواه الأثرم ولأنهما صلاتان اتفقتا في الأفعال فجاز ائتمام المصلي في إحداهما بالمصلي في الأخرى كالمتنفل خلف المفترض فأما حديثهم فالمراد به لا تختلفوا عليه في الأفعال بدليل قوله فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون ولهذا يصح ائتمام المتنفل بالمفترض مع اختلاف نيتهما وقياسهم ينتقض بالمسبوق في الجمعة يدرك أقل من ركعة ينوي الظهر خلف من يصلي الجمعة فصل ولا يختلف المذهب في صحة المتنفل وراء المفترض ولا نعلم بين أهل العلم فيه اختلافا وقد دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه والأحاديث التي في إعادة الجماعة ولأن صلاة المأموم تتأدى بنية الإمام بدليل ما لو نوى مكتوبة فبان قبل وقتها
فصل فإن صلى الظهر خلف من يصلي العصر ففيه أيضا روايتان نقل إسماعيل بن سعد جوازه ونقل غيره المنع منه ونقل إسماعيل بن سعد قال قلت لأحمد فما ترى إن صلى في رمضان خلف إمام يصلي بهم التراويح قال يجوز ذلك من المكتوبة وقال في رواية المروذي لا يعجبنا أن يصلي مع قوم التراويح ويأتم بها للعتمة وهذا فرع على ائتمام المفترض بالمتنفل وقد مضى الكلام فيها فصل فإن كانت إحدى الصلاتين تخالف الأخرى في الأفعال كصلاة الكسوف أو الجمعة خلف من يصلي غيرهما وصلاة غيرهما وراء من يصليهما لم تصح رواية واحدة لأنه يفضي إلى مخالفة إمامه في الأفعال وهو منهي عنه فصل ومن صلى الفجر ثم شك هل طلع الفجر أو لا أو شك في صلاة صلاها هل فعلها في وقتها أو قبله لزمته إعادتها وله أن يؤم في الإعادة من لم يصل وقال أصحابنا يخرج على الروايتين في إمامة المتنفل مفترضا ولنا إن الأصل بقاء الصلاة في ذمته ووجوب فعلها فيصح أن يؤم فيها مفترضا كما لو شك هل صلى أم لا ولو فاتت المأموم ركعة فصلى الإمام خمسا ساهيا فقال ابن عقيل لا يعتد للمأموم بالخامسة بأنها سهو وغلط وقال القاضي هذه الركعة نافلة له وفرض للمأموم فيخرج فيها الروايتان وقد سئل أحمد عن هذه المسائل فتوقف فيها والأولى أن يحتسب له بها لأنه لو لم يحتسب له بها للزمه أن يصلي خمسا مع علمه بذلك ولأن الخامسة واجبة على الإمام عند من يوجب عليه البناء على اليقين وعند استواء الأمرين عنده ثم إن كانت نفلا فالصحيح صحة الائتمام به وقوله إنه غلط قلنا لا يخرجه الغلط عن أن يكون نفلا مثابا فيه فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كانت الركعة والسجدتان نافلة له وإن صلى بقوم الظهر يظنها العصر فقال أحمد يعيد ويعيدون وهذا على الرواية التي منع فيها ائتمام المفترض بالمتنفل فإن ذكر الإمام وهو في الصلاة فأتمها عصرا كانت له نافلة وإن قلب نيته إلى الظهر بطلت صلاته لما ذكرناه متقدما وقال ابن حامد يتمها والفرض باق في ذمته فصل ولا يصح ائتمام البالغ بالصبي في الفرض نص عليه أحمد وهو قول ابن مسعود وابن عباس وبه قال عطاء ومجاهد والشعبي ومالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأجازه الحسن والشافعي وإسحاق وابن المنذر ويتخرج لنا مثل ذلك بناء على إمامة المتنفل للمفترض ووجه ذلك عموم قوله يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله تعالى وهذا داخل في عمومه وروى عمرو بن سلمة الجرمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقومه يؤمكم أقرؤكم قال فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين رواه أبو داود وغيره ولأنه يؤذن للرجال فجاز أن يؤمهم كالبالغ ولنا قول ابن مسعود وابن عباس ولأن الإمامة حال كمال والصبي ليس من أهل الكمال فلا يؤم الرجال كالمرأة ولأنه لا يؤمن من الصبي الإخلال بشرط من شرائط الصلاة أو القراءة حال الإسرار فأما حديث عمرو بن سلمة الجرمي فقال الخطابي كان أحمد يضعف أمر عمرو بن سلمة وقال مرة دعه ليس بشيء بين وقال أبو داود قيل لأحمد حديث عمرو بن سلمة قال لا أدري أي شيء هذا ولعله إنما توقف عنه لأنه لم يتحقق بلوغ الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان بالبادية في حي من العرب بعيد من المدينة وقوى هذا الاحتمال قوله في الحديث وكنت إذا سجدت خرجت استي وهذا غير سائغ فصل فأما إمامته في النفل ففيها روايتان إحداهما لا تصح لما ذكرنا في الفرض والثاني تصح لأنه متنقل يؤم متنفلين ولأن النافلة يدخلها التخفيف ولذلك تنعقد الجماعة به فيها إذا كان مأموما
فصل يكره أن يؤم قوما ما أكثرهم له كارهون لما روى أبو أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وإمام قوم وهم له كارهون قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا تقبل منهم صلاة من تقدم قوما هم له كارهون ورجل يأتي الصلاة دبارا والدبار أن يأتي بعد أن يفوته الوقت ورجل اعتبد محررا ورواه أبو داود وقالعلي لرجل أم قوما وهم له كارهون إنك لخروط قال أحمد رحمه الله إذا كرهه واحد أو اثنان أو ثلاثة فلا بأس حتى يكرهه أكثر القوم وإن كان ذا دين وسنة فكرهه القوم لذلك لم تكره إمامته قال منصور أما انا سألنا أمر الإمامة فقيل لنا إنما عنى بهذا الظلمة فأما من أقام السنة فإنما الإثم على من كرهه فصل ولا تكره إمامة الأعرابي إذا كان يصلح لها نص عليه وهذا قول عطاء والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وكره أبو مجلز إمامته وقال مالك لا يؤمهم وإن كان أقرأهم لقول الله تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله التوبة 97 ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى ولأنه مكلف من أهل الإمامة أشبه المهاجر والمهاجر أولى منه لأنه يقدم على المسبوق بالهجرة فمن لا هجرة له أولى قال أبو الخطاب والحضري أولى من البدوي لأنه مختلف في إمامته ولأن الغالب جفاؤهم وقلة معرفتهم بحدود الله فصل ولا تكره إمامة ولد الزنا إذا سلم دينه قال عطاء له أن يؤم إذا كان مرضيا وبه قال سليمان بن موسى والحسن والنخعي والزهري وعمرو بن دينار وإسحاق وقال أصحاب الرأي لا نجزىء الصلاة خلفه وكره مالك أن يتخذ إماما راتبا وكره الشافعي إمامته لأن الإمامة موضع فضيلة فكره تقديمه فيها كالعبد ولنا قوله صلى الله عليه وسلم يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى وقالت عائشة ليس عليه من وزر أبويه شيء وقد قال تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى الأنعام 164 وقال إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات والعبد لا تكره إمامته وإنما الحر أولى منه ثم إن العبد ناقص في أحكامه لا يلي النكاح ولا المال ولا تقبل شهادته في بعض الأشياء بخلاف هذا فصل ولا تكره إمامة الجندي والخصي إذا سلم دينهما لما ذكرنا في العبد ولأنه عدل من أهل الإمامة أشبه غيره فصل من شرط صحة الجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهما فينوي الإمام أنه إمام والمأموم أنه مأموم فإن صلى رجلان ينوي كل واحد منهما أنه إمام صاحبه أو مأموم له فصلاتهما فاسدة نص عليهما لأنه ائتم بمن ليس بإمام في الصورة الأولى وأم من لم يأتم به في الثانية ولو رأى رجلين يصليان فنوى الائتمام بالمأموم لم يصح لأنه ائتم بمن لم ينو إمامته وإن نوى الائتمام بأحدهما لا بعينه لم يصح حتى يعين الإمام لأن تعيينه شرط وإن نوى الائتمام بهما معا لم يصح لأنه نوى الائتمام بمن ليس بإمام ولأنه نوى الائتمام باثنين ولا يجوز الائتمام بأكثر من واحد ولو نوى الائتمام بإمامين لم يجز لأنه لا يمكن اتباعهما معا فصل ولو أحرم منفردا ثم جاء آخر فصلى معه فنوى إمامته صح في النفل نص عليه أحمد واحتج بحديث ابن عباس وهو أن ابن عباس قال بت عند خالتي ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وسلم متطوعا من الليل فقام إلى القربة فتوضأ فقام فصلى فقمت لما رأيته صنع ذلك فتوضأت من القربة ثم قمت إلى شقه الأيسر فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشق الأيمن متفق عليه وهذا لفظ رواية مسلم فأما في الفريضة فإن كان ينتظر أحدا كإمام المسجد يحرم وحده وينتظر من يأتي فيصلي معه فيجوز ذلك أيضا
نص عليه أحمد لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم وحده ثم جاء جابر وجبارة فأحرما معه فصلى بهما ولم ينكر فعلهما والظاهر أنها كانت صلاة مفروضة لأنهم كانوا مسافرين وإن لم يكن كذلك فقد روي عن أحمد أنه لا يصح هذا قول الثوري وأصحاب الرأي في الفرض والنفل جميعا لأنه لم ينو الإمامة في ابتداء الصلاة فلم يصح كما لو ائتم بمأموم وروي عن أحمد أنه قال في النفس منها شيء مع أن حديث ابن عباس يقويه وهذا مذهب الشافعي وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لأنه قد ثبت في النفل بحديث ابن عباس وحديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام ناس يصلون بصلاته وقد ذكرناه تبطلوا أعمالكم محمد وإن أتم الصلاة بهم ثم أخبرهم بفساد صلاتهم كان أقبح وأشق ولأن الانفراد أحد حالتي عدم الإمامة في الصلاة فجاز الانتقال منها إلى الإمامة كما لو كان مأموما وقياسهم ينتفض بحالة الاستخلاف فصل وإن أحرم منفردا ثم نوى جعل نفسه مأموما بأن يحضر جماعة فينوي الدخول معهم في صلاتهم ففيه روايتان إحداهما هو جائز سواء سواء كان في أول الصلاة أو قد صلى ركعة فأكثر لأنه نقل نفسه إلى الجماعة فجاز كما لو نوى الإمامة والثانية لا يجوز لأنه نقل نفسه إلى جعله مأموما من غير حاجة فلم يجز كالإمام وفارق نقله إلى الإمامة لأن الحاجة داعية إليه فعلى هذا يقطع صلاته ويستأنف الصلاة معهم قال أحمد في رجل دخل المسجد فصلى ركعتين أو ثلاثا ينوي الظهر ثم جاء المؤذن فأقام الصلاة سلم من هذه وتصير له تطوعا ويدخل معهم قيل له فإن دخل في الصلاة مع القوم واحتسب به قال لا يجزيه حتى ينوي بها الصلاة مع الإمام في ابتداء الفرض فصل وإن أحرم مأموما ثم نوى مفارقة الإمام وإتمامها منفردا لعذر جاز لما روى جابر قال كان معاذ يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم فأخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء فصلى معه ثم رجع إلى قومه فقرأ سورة البقرة فتأخر رجل فصلى وحده فقيل له نافقت يا فلان قال ما نافقت ولكن لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال أفتان أنت يا معاذ أفتان أنت يا معاذ مرتين اقرأ سورة كذا وسورة كذا قال وسورة البروج والليل إذا يغشى والسماء والطارق وهل أتاك حديث الغاشية متفق عليه ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل بالإعادة ولا أنكر عليه فعله والأعذار التي يخرج لأجلها مثل المشقة بتطويل الإمام أو المرض أو خشية غلبة النعاس أو شيء يفسد صلاته أو خوف فوات مال أو تلفه أو فوت رفقته أو من يخرج من الصف لا يجد من يقف معه وأشباه هذا وإن فعل ذلك لغير عذر ففيه روايتان إحداهما تفسد صلاته لأنه ترك متابعة إمامه لغير عذر أشبه ما لو تركها من غير نية المفارقة والثانية تصح لأنه لو نوى المنفرد كونه مأموما لصح في رواية فنية الانفراد أولى فإن المأموم قد يصير منفردا بغير نية وهو المسبوق إذا سلم إمامه وغيره ولا يصير مأموما بغير نية بحال
فصل وإن أحرم مأموما ثم صار إماما أو نقل نفسه إلى الائتمام بإمام آخر جاز في موضع واحد وهو إذا سبق الإمام الحدث فاستخلف من يتم بهم الصلاة وقد ذكرنا هذا ولا يصح في غيره إلا أن يدرك اثنان بعض الصلاة مع الإمام فلما سلم ائتم أحدهما بصاحبه في بقية الصلاة ففيه وجهان وإن نوى كل واحد منهما أنه إمام صاحبه أو مأموم له فسدت صلاتهما لما ذكرنا من قبل وإن نوى الإمام الائتمام بغيره لم يصح إلا في موضع واحد وهو إذا استخلف الإمام من يصلي ثم جاء في أثناء الصلاة فتقدم إماما وبنى على صلاة خليفته فمن ذلك ثلاث روايات قد ذكرناها مسألة قال ( ومن أدرك الإمام راكعا فركع دون الصف ثم مشى حتى دخل في الصف وهو لا يعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة زادك الله حرصا ولا تعد قيل له لا تعد وقد أجزأته صلاته فإن عاد بعد النهي لم تجزئه صلاته ونص أحمد رحمه الله على هذا في رواية أبي طالب ) وجملة ذلك أن من ركع دون الصف ثم دخل فيه لا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يصلي ركعة كاملة فلا تصح صلاته لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا صلاة لفرد خلف الصف والثاني أن يدب راكعا حتى يدخل في الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع أو أن يأتي آخر فيقف معه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع فإن صلاته تصح لأنه أدرك مع الإمام في الصف ما يدرك به الركعة وممن رخص في ركوع الرجل دون الصف زيد بن ثابت وفعله ابن مسعود وزيد بن وهب وأبو بكر بن عبد الرحمن وعروة وسعيد بن جبير وابن جريج وجوزه الزهري والأوزاعي ومالك والشافعي إذا كان قريبا من الصف الحال الثالث إذا رفع رأسه من الركوع ثم دخل في الصف أو جاء آخر فوقفت معه قبل إتمام الركعة فهذه الحال التي يحمل عليها قول الخرقي ونص الإمام أحمد فمتى كان جاهلا بتحريم ذلك صحت صلاته وإن علم لم تصح وروى أبو داود عن أحمد أنه يصح ولم يفرق وهذا مذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي لأن أبا بكرة فعل ذلك وفعله من ذكرنا من الصحابة ولنا ما روي أن أبا بكرة انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال زادك الله حرصا ولا تعد رواه البخاري ورواه أبو داود ولفظه أن أبا بكرة جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف فقال أبو بكرة أنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم زادك الله حرصا ولا تعد فلم يأمره بإعادة الصلاة ونهاه عن العود والنهي يقتضي الفساد فإن قيل إنما نهاه عن التهاون والتخلف عن الصلاة قلنا إنما يعود النهي إلى المذكور والمذكور الركوع دون الصف ولم ينسبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى التهاون وإنما نسبه إلى الحرص ودعا له بالزيادة فيه فكيف ينهاه عن التهاون وهو منسوب إلى ضده وروي عن أحمد رحمه الله رواية أخرى أنها لا تصح صلاته عالما كان أو جاهلا لأنه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة أشبه ما لو صلى ركعة كاملة وعلى هذا يحمل حديث أبي بكرة على أنه دخل في الصف قبل رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه وقد قال أبو هريرة لا يركع أحدكم حتى يأخذ مقامه من الصف ولم يفرق القاضي في هذه المسألة بين من رفع رأسه من الركوع ثم دخل وبين من دخل فيه راكعا وكذلك كلام أحمد والخرقي ولا تفريق فيه والدليل يقتضي التفريق فيحمل كلامهم عليه وقد ذكره أبو الخطاب نحوا مما ذكرنا
فصل وإن فعل هذا لغير عذر ولا خشي الفوات ففيه وجهان أحدهما يجزيه لأنه لو لم يجز مطلقا لم يجز حال العذر كالركعة كلها والثاني لا يجزيه لأن الأصل أن لا يجوز لكونه يفوته في الصف ما تفوته الركعة بفواته وإنما أبيح في المعذور لحديث أبي بكرة ففي غيره يبقى الأصل فصل إذا أحس بداخل وهو في الركوع يريد الصلاة معه وكانت الجماعة كثيرة كره انتظاره لأنه يبعد أن يكون فيهم من لا يشق عليه وإن كانت الجماعة يسيرة وكان انتظاره يشق عليهم كره أيضا لأن الذين معه أعظم حرمة من الداخل فلا يشق عليهم لنفعه وإن لم يشق لكونه يسيرا فقد قال أحمد ينتظره ما لم يشق على من خلفه وهذا مذهب أبي مجلز والشعبي والنخعي وعبد الرحمن بن أبي ليلى وإسحاق وأبي ثور وقال الأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة لا ينتظره لأن انتظاره تشريك في العبادة فلا يشرع كالرياء ولنا إن انتظاره ينفع ولا يشق فشرع كتطويل الركعة وتخفيف الصلاة وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم وأطال السجود حين ركب الحسن على ظهره وقال إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أعجله وقال إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأخففها كراهة أن أشق على أمه وقال من أم الناس فليخفف فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة وشرع الانتظار في صلاة الخوف لتدركه الطائفة الثانية ولأن منتظر الصلاة في صلاة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر الجماعة فقال جابر كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء أحيانا وأحيانا إذا رآهم قد اجتمعوا عجل وإذا رآهم قد أبطؤوا أخر وبهذا كله يبطل ما ذكروه من التشريك قال القاضي والانتظار جائز غير مستحب وإنما ينتظر من كان ذا حرمة كأهل العلم ونظرائهم من أهل الفضل مسألة قال ( وسترة الإمام سترة لمن خلفه ) وجملته أنه يستحب للمصلي أن يصلي إلى سترة فإن كان في مسجد أو بيت صلى إلى الحائط أو سارية وإن كان في فضاء صلى إلى شيء شاخص بين يديه أو نصب بين يديه حربة أو عصى أو عرض البعير فصلى إليه أو جعل رحله بين يديه وسئل أحمد يصلي الراحل إلى سترة في الحضر والسفر قال نعم مثل مؤخرة الرحل ولا نعلم في استحباب ذلك خلافا والأصل فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان تركز له الحربة فيصلي إليها ويعرض البعير فيصلي إليه وروى أبو جحيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم ركزت له العنزة فتقدم وصلى الظهر ركعتين يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع متفق عليه وعن طلحة بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبال من مر وراء ذلك أخرجه مسلم
إذا ثبت هذا فإن سترة الإمام سترة لمن خلفه نص على هذا أحمد وهو قول أكثر أهل العلم كذلك قالابن المنذر وقالالترمذي قال أهل العلم سترة الإمام سترة لمن خلفه قال أبو الزناد كل من أدركت من فقهاء المدينة الذين ينتهي إلى قولهم سعيد بن المسيب عروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار وغيرهم يقولون سترة الإمام سترة لمن خلفه وروي ذلك عن ابن عمر وبه قال النخعي والأوزاعي ومالك والشافعي وغيرهم وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى سترة ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى وفي حديث عن ابن عباس قال أقبلت راكبا على حمار أتان والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار فمررت بين يدي بعض أهل الصف فنزلت فأرسلت الأتان ترتع فدخلت في الصف فلم ينكر علي أحد متفق عليه ومعنى قولهم سترة الإمام سترة لمن خلفه أنه متى لم يحل بين الإمام وسترته شيء يقطع الصلاة فصلاة المأمومين صحيحة لا يضرها مرور شيء بين أيديهم في بعض الصف ولا فيما بينهم وبين الإمام وإن مر ما يقطع الصلاة بين الإمام وسترته قطع صلاته وصلاتهم وقد دل على هذا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال هبطنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من ثنية فحضرت الصلاة إذ خر إلى جدر فاتخذها قبلة ونحن خلفه فجاءت بهمة تمر بين يديه فما زال يدرؤها حتى لصق بطنه بالجدر فمرت من ورائه رواه أبو داود فلولا أن سترته سترة لهم لم يكن بين مرورها بين يديه وخلفه فرق فصل وقدر السترة في طولها ذراع أو نحوه قال الأثرم سئل أبو عبد الله عن آخرة الرحل كم مقدارها قال ذراع كذا قال عطاء ذراع وبهذا قال الثوري وأصحاب الرأي وروي عن أحمد أنها قدر عظم الذراع وهذا قول مالك والشافعي والظاهر أن هذا على سبيل التقريب لا التحديد لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدرها بآخرة الرحل وآخرة الرحل مختلف في الطول والقصر فتارة تكون ذراع وتارة تكون أقل منه فما قارب الذراع أجزأ الاستتار به والله أعلم فأما قدرها في الغلظ والدقة فلا حد له نعلمه فإنه يجوز أن تكون دقيقة كالسهم والحربة وغليظة كالحائط فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستتر بالعنزة وقال أبو سعيد كنا نستتر بالسهم والحجر في الصلاة وروي عن سبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال استتروا في الصلاة ولو بسهم رواه الأثرم وقال الأوزاعي يجزيه السهم والسوط قال أحمد وما كان أعرض فهو أعجب إلي وذلك لأن قوله ولو بسهم يدل على أن غيره أولى منه فصل ويستحب للمصلي أن يدنو من سترته لما روى سهل بن أبي خيثمة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته رواه أبو داود وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها رواه الأثرم وعن سهل بن سعد قال كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين القبلة ممر الشاة رواه البخاري وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارهقوا القبلة رواه الأثرم وذكر الخطابي في معالم السنن أن مالك بن أنس كان يصلي يوما متنائيا عن السترة فمر به رجل لا يعرفه فقال يا أيها المصلي ادن من سترتك فجعل مالك يتقدم وهو يقرأ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما النساء 113 ولأن قربه من السترة أصون لصلاته وأبعد من أن يمر بينه وبينها شيء يحول بينه وبينها إذا ثبت هذا فإنه يجعل بينه وبين سترته ثلاثة أذرع فما دون