İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
قال مهنا سألت أبا عبد الله عن الرجل يصلي كم ينبغي أن يكون بينه وبين القبلة قال يدنو من القبلة ما استطاع ثم قال بعد أن ابن عمر قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة فكان بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع قال الميموني قد رأيتك على نحو من أربعة قال بالسهو وكان عبد الله بن مغفل يجعل بينه وبين سترته ستة أذرع قال عطاء أقل ما يكفيك ثلاثة أذرع وبه قال الشافعي لخبر ابن عمر عن بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مقدم البيت وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع وكلما دنا فهو أفضل لما ذكرنا من الأخبار والمعنى فصل ولا بأس أن يستتر ببعير أو حيوان وفعله ابن عمر وأنس وحكي عن الشافعي أنه لا يستتر بدابة ولنا ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بعير رواه البخاري ومسلم وفي لفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض راحلته ويصلي إليها قال قلت فإذا ذهب الركاب قال يعرض الرحل ويصلي إلى آخرته فإن استتر بإنسان فلا بأس فإنه يقوم مقام غيره من السترة وقد روي عن حميد بن هلال قال رأى عمر بن الخطاب رجلا يصلي والناس يمرون بين يديه فولاه ظهره وقال بثوبه هكذا وبسط يديه هكذا وقال صل ولا تعجل وعن نافع قال كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلا إلى سارية من سواري المسجد قال ولني ظهرك رواهما البخاري بإسناده فصل فإن لم يجد سترة خط خطا وصلى إليه وقام ذلك مقام السترة نص عليه أحمد وبه قال سعيد بن جبير والأوزاعي وأنكر مالك الخط والليث بن سعد وأبو حنيفة وقال الشافعي بالخط بالعراق وقال بمصر لا يخط المصلي خطا إلا أن يكون فيه سنة تتبع ولنا ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فإن لم يجد فلينصب عصا فإن لم تكن معه عصا فليخط خطا ثم لا يضره من مر أمامه رواه أبو داود وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أولى أن تتبع فصل وصفة الخط مثل الهلال قال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل يقول غير مرة سئل عن الخط فقال هكذا عرضا مثل الهلال قال وسمعت مسددا قال قالأبو داود الخط بالطول وقال في رواية الأثرم قالوا طولا وقالوا عرضا وقال أما أنا فأختار هذا ودور بإصبعه مثل القنطرة وكيف ما خطه أجزأه فقد نقل حنبل أنه قال إن شاء معترضا وإن شاء طولا وذلك لأن الحديث مطلق في الخط فكيف ما أتى به فقد أتى بالخط فيجزيه ذلك والله أعلم فصل وإن كان معه عصا فلم يمكنه نصبها فقال الأثرم قلت لأحمد الرجل يكون معه عصا لم يقدر على غرزها فألقاها بين يديه أيلقيها طولا أم عرضا قال لا بل عرضا وكذلك قال سعيد بن جبير الأوزاعي وكرهه النخعي ولنا إن هذا في معنى الخط فيقوم مقامه وقد ثبت استحباب الخط بالحديث الذي رويناه فصل وإذا صلى إلى عود أو عمود أو شيء في معناهما استحب له أن ينحرف عنه ولا يصمد له صمدا لما روى أبو داود عن المقداد بن الأسود قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى عود أو إلى عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ولا يصمد له صمدا أي لا يستقبله فيجعله وسطا ومعنى الصمد القصد فصل تكره الصلاة إلى المتحدثين لئلا يشتغل بحديثهم واختلف في الصلاة إلى النائم فروي أنه يكره وروي ذلك عن ابن مسعود وسعيد بن جبير وعن أحمد ما يدل على أنه يكره في الفريضة خاصة ولا يكره في التطوع لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل وعائشة معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة متفق عليه
قالأحمد هذا في التطوع والفريضة أشد وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عت الصلاة إلى النائم والمتحدث رواه أبو داود فخرج التطوع من عمومه لحديث عائشة بقي الفرض على مقتضى العموم وقيل لا يكره فيهما لأن حديث عائشة صحيح وحديث النهي ضعيف قال الخطابي وقد قال أحمد لا فرق بين الفريضة والنافلة إلا في صلاة الراكب وتقديم قياس الخبر الصحيح أولى من الخبر الضعيف فصل ويكره أن يصلي مستقبلا وجه إنسان لأن عمر أدب على ذلك وفي حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي حذاء وسط السرير وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة تكون لي الحاجة فأكره أن أقوم فأستقبله فأنسل انسلالا متفق عليه ولأنه شبه السجود لذلك الشخص ويكره أن يصلي إلى نار قال أحمد إذا كان التنور في قبلته لا يصلي إليه وكره ابن سيرين ذلك وقال أحمد في السراج والقنديل يكون في القبلة أكرهه وأكره كل شيء حتى كانوا يكرهون أن يجعلوا شيئا في القبلة حتى المصحف وإنما كره ذلك لأن النار تعبد من دون الله فالصلاة إليها تشبه الصلاة لها وقال أحمد لا تصل إلى صورة منصوبة في وجهك وذلك لأن الصورة تعبد من دون الله وقد روي عن عائشة قالت كان لنا ثوب فيه تصاوير فجعلته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فنهاني أو قالت كره ذلك رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده ولأن التصاوير تشغل المصلي بالنظر إليها وتذهله عن صلاته وقال أحمد يكره أن يكون في القبلة شيء معلق مصحف أو غيره ولا بأس أن يكون موضوعا بالأرض وقد روى مجاهد قال لم يكن عبد الله بن عمر يدع شيئا بينه وبين القبلة إلا نزعه لا سيفا ولا مصحفا رواه الخلال بإسناده قال أحمد ولا يكتب في القبلة شيء وذلك لأنه يشغل قلب المصلي وربما اشتغل بقراءته عن صلاته وكذلك يكره تزويقها وكل ما يشغل المصلي عن صلاته فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام فلما قضى صلاته قال اذهبوا بهذه إلى أبي جهم بن حذيفة فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي وائتوني بأنبجانيته متفق عليه وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة أميطي عنا قرامك فإنه لا يزال تصاويره تعرض لي في صلاتي رواه البخاري وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم مع ما أيده الله تعالى به من العصمة والخشوع شغله ذلك فغيره من الناس أولى فصل ويكره أن يصلي وأمامه امرأة تصلي لقول النبي صلى الله عليه وسلم أخروهن من حيث أخرهن الله فأما في غير الصلاة فلا يكره لخبر عائشة وروى أبو حفص بإسناده عن أم سلمة قالت كان فراشي حيال مصلى النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت عن يمينه أو يساره لم يكره وإن كانت في صلاة وكره أحمد أن يصلي وبين يديه كافر وروي ذلك عن إسحاق لأن المشركين نجس فصل ولا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة وروي ذلك عن ابن الزبير وعطاء ومجاهد قال الأثرم قيل لأحمد الرجل يصلي بمكة ولا يستتر بشيء فقال قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى وثم ليس بينه وبين الطواف سترة قال أحمد لأن مكة ليست كغيرها كأن مكة مخصوصة وذلك لما روى كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده المطلب قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حيال الحجر والناس يمرون بين يديه رواه الخلال بإسناده وروى الأثرم بإسناده عن المطلب قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من سعيه جاء حتى يحاذي الركن بينه وبين السقيفة فصلى ركعتيه في حاشية المطاف وليس بينه وبين الطواف أحد وقال ابن أبي عمار رأيت ابن الزبير جاء يصلي والطواف بينه وبين القبلة تمر المرأة بين يديه فينظرها حتى تمر ثم يضع جبهته في موضع قدمها
رواه حنبل في كتاب المناسك وقال المعتمر قلت لطاوس الرجل يصلي يعني بمكة فيمر بين يديه الرجل والمرأة فقال أو لا يرى الناس بعضهم بعضا وإذا هو يرى أن لهذا البلد حالا ليس لغيره من البلدان وذلك لأن الناس يكثرون بمكة لأجل قضاء نسكهم ويزدحمون فيها ولذلك سميت ( بكة ) لأن الناس يتباكون فيها أي يزدحمون ويدفع بعضهم بعضا فلو منع المصلي من يجتاز بين يديه لضاق على الناس وحكم الحرم كله حكم مكة في هذا بدليل ما روى ابن عباس قال أقبلت راكبا على حمار أتان والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار متفق عليه ولأن الحرم كله محل المشاعر والمناسك فجرى مجرى مكة في ما ذكرناه فصل ولو صلى في غير مكة إلى غير سترة لم يكن به بأس لما روى ابن عباس قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم في فضاء ليس بين يديه شيء رواه البخاري وروي عن الفضل بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في باديتهم فصلى إلى غير سترة ولأن السترة ليست شرطا في الصلاة وإنما هي مستحبة قال أحمد في الرجل يصلي في فضاء ليس بين يديه سترة ولا خط صلاته جائزة وقال أحب أن يفعل فإن لم يفعل يجزيه مسألة قال ( ومن مر بين يدي المصلي فليردده ) وجملته أنه ليس لأحد أن يمر بين يدي المصلي إذا لم يكن بين يديه سترة فإن كانت بين يديه سترة لم يمر أحد بينه وبينها لما روى أبو جهم الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه متفق عليه ولمسلم لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الذي يمر بين يدي المصلي شيطانا وأمر برده ومقاتلته وروي عن يزيد بن نمر أنه قال رأيت رجلا بتبوك مقعدا فقال مررت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على حمار وهو يصلي فقال اللهم اقطع أثره فما مشيت عليها بعد رواه أبو داود وفي لفظ قال قطع الله أثره وإن أراد أحمد المرور بين يدي المصلي فله منعه في قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وسالم وهو قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ولا أعلم فيه خلافا والأصل فيه ما روى أبو سعيد قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا كان أحدكم يصلي إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان متفق عليه ورواه أبو داود ولفظ روايته إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان ومعناه أي ليدفعه وهذا في أول الأمر لا يزيد على دفعه فإن أبى ولج فليقاتله أي يعنفه في دفعه من المرور فإنما هو شيطان أي فعله فعل الشيطان أو الشيطان يحمله على ذلك وقيل معناه أن معه شيطانا وأكثر الروايات عن أبي عبد الله أن المار بين يدي المصلي إذا لج في المرور وأبى الرجوع أن المصلي يشتد عليه في الدفع ويجتهد في رده ما لم يخرجه ذلك إلى إفساد صلاته بكثرة العمل فيها وروي عنه أنه قال يدرأ ما استطاع وأكره القتال في الصلاة وذلك لما يفضي إليه من الفتنة وفساد الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر برده ودفعه حفظا للصلاة عما ينقصها فيعلم أنه لم يرد ما يفسدها ويقطعها بالكلية فيحمل لفظ المقاتلة على دفع أبلغ من الدفع الأول والله أعلم
وقد روت أم سلمة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجرة أم سلمة فمر بين يديه عبد الله أو عمر بن أبي سلمة فقال بيده فرجع فمرت زينب بنت أم سلمة فقال بيده هكذا فمضت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هن أغلب رواه ابن ماجه وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجتهد في الدفع فصل ويستحب أن يرد ما مر بين يديه من كبير وصغير وإنسان وبهيمة لما رويناه من رد النبي صلى الله عليه وسلم عمر وزينب وهما صغيران وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى جدار فاتخذه قبلة ونحن خلفه فجاءت بهيمة تمر بين يديه فما زال يدرأ بها حتى لصق بطنه بالجدار فمرت من ورائه فصل فإن مر بين يديه إنسان فعبر لم يستحب رده من حيث جاء وهذا قول الشعبي والثوري وإسحاق وابن المنذر وروي عن ابن مسعود أنه يرده من حيث جاء وفعله سالم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برده فتناول العابر ولنا إن هذا مرور ثان فينبغي أن لا ينسب إليه كالأول ولأن المار لو أراد أن يعود من حيث جاء لكان مأمورا بمنعه ولم يحل للعابر العود والحديث لم يتناول العابر إنما هو في الخبر فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه وبعد العبور فليس هذا مريدا للاجتياز فصل والمرور بين يدي المصلي ينقص الصلاة ولا يقطعها قال أحمد يضع من صلاته ولكن لا يقطعها وروي عن ابن مسعود أن ممر الرجل يضع نصف الصلاة وكان عبد الله إذا مر بين يديه رجل التزمه حتى يرده رواه البخاري بإسناده قال القاضي ينبغي أن يحمل نقص الصلاة على من أمكنه الرد فلم يفعله أما إذا رد فلم يمكنه الرد فصلاته تامة لأنه لم يوجد منه ما ينقص الصلاة فلا يؤثر فيها ذنب غيره فصل ولا بأس بالعمل اليسير في الصلاة للحاجة قال أحمد لا بأس أن يحمل الرجل ولده في الصلاة الفريضة لحديث أبي قتادة وحديث عائشة أنها استفتحت الباب فمشى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة حتى فتح لها وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الأسودين في الصلاة فإذا رأى العقرب خطا إليها وأخذ النعل وقتلها ورد النعل إلى موضعها لأن ابن عمر نظر إلى ريشة فحسبها عقربا فضربها بنعله وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه التحف بإزاره وهو في الصلاة فلا بأس إن سقط رداء الرجل أن يرفعه فإن انحل إزاره أن يشده وإذا عتقت الأمة وهي تصلي اختمرت وبنت على صلاتها
وقال من فعل كفعل أبي برزة حين مشى إلى الدابة وقد أفلتت منه فصلاته جائزة وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو المشرع فما فعله أو أمر به فلا بأس به ومثل هذا ما روى سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على منبره فإذا أراد أن يسجد نزل عن المنبر فسجد بالأرض ثم رجع إلى المنبر كذلك حتى قضى صلاته وحديث جابر في صلاة الكسوف قال ثم تأخر وتأخرت الصفوف خلفه حتى انتهينا إلى النساء ثم تقدم وتقدم الناس معه حتى قام في مقامه متفق عليه وعن أبي بكرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فكان الحسن بن علي يجيء وهو صغير فكان كلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وثب على ظهره ويرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه رافعا رفيقا حتى يضعه بالأرض رواه الأثرم وحديث عمرو بن شعيب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يدارىء البهيمة حتى لصق بالجدر وحديث أبي سعيد بالأمر يدفع المار بين يدي المصلي ومقاتلته إذا أبى الرجوع فكل هذا وأشباهه لا بأس به في الصلاة ولا يبطلها ولو فعل هذا لغير حاجة كره ولا يبطلها أيضا ولا يتقدر الجائز من هذا بثلاث ولا بغيرها من العدد لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر منه بزيادته على ثلاث كتأخره حتى تأخر الرجال فانتهوا إلى النساء وفي حمله أمامة ووضعها في كل ركعة وهذا في الغالب يزيد على ثلاثة أفعال وكذلك مشي أبي برزة مع دابته ولأن التقدير بابه التوقيف وهذا لا توقيف فيه ولكن يرجع في الكثير واليسير إلى العرف فيما بعد يعد كثيرا أو يسيرا وكل ما شابه فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو معدود يسيرا وإن فعل أفعالا متفرقة لو جمعت كانت كثيرة وكل واحد منها بمفرده يسير فهي في حد اليسير بدليل حمل النبي صلى الله عليه وسلم لأمامة في كل ركعة ووضعها وما كثر وزاد على فعل النبي صلى الله عليه وسلم أبطل الصلاة سواء كان لحاجة أو غيرها إلا أن يكون لضرورة فيكون حكمه حكم الخائف فلا تبطل صلاته به وإن احتاج إلى الفعل الكثير في الصلاة لغير ضرورة قطع الصلاة وفعله قال أحمد إذا رأى صبيين يقتتلان يتخوف أن يلقي أحدهما صاحبه في البئر فإنه يذهب إليهما فيخلصهما ويعود في صلاته وقال إذا لزم رجل رجلا فدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فلما سجد الإمام خرج الملزوم فإن الذي كان يلزم يخرج في طلبه يعني ويبتدىء الصلاة وهكذا لو رأى حريقا يريد إطفاءه أو غريقا يريد إنقاذه خرج إليه وابتدأ الصلاة ولو انتهى الحريق إليه أو السيل وهو في الصلاة ففر منه بنى على صلاته وأتمها صلاة خائف لما ذكرنا منه قبل والله أعلم مسألة قال ( ولا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم ) يعني إذا مر بين يديه هذا المشهور عن أحمد رحمه الله نقله الجماعة عنه قال الأثرم سئل أبو عبد الله ما يقطع الصلاة قال لا يقطعها عندي شيء إلا الكلب الأسود البهيم وهذا قول عائشة وحكي عن طاوس وروي عن معاذ ومجاهد أنهما قالا الكلب الأسود البهيم شيطان وهو يقطع الصلاة ومعنى البهيم الذي ليس في لونه شيء سوى السواد وعن أحمد رواية أخرى أنه يقطها الكلب الأسود والمرأة إذا مرت والحمار قال وحديث عائشة من الناس من قال ليس بحجة على هذا لأن المار غير اللابث وهو في التطوع وهو أسهل والفرض آكد وحديثابن عباس مررت بين يدي بعض الصف ليس بحجة لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه
وروي هذا القول عن أنس وعكرمة والحسن وأبي الأحوص ووجه هذا القول ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ويقي مثل مؤخرة الرحل وعن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره مثل آخرة الرحل فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود قال عبد الله بن الصامت يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر قال يا ابن أخي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال الكلب الأسود شيطان رواهما مسلم وأبو داود وغيرهما وقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي مر بين يديه على حمار قطع صلاتنا وقد ذكرنا هذا الحديث وكان ابن عباس وعطاء يقولان يقطع الصلاة الكلب والمرأة الحائض ورواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود وابن ماجه قال أبو داود رفعه شعبة ووقفه سعيد وهشام وهمام على ابن عباس قال عروة والشعبي الثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي لا يقطع الصلاة شيء لما روى أبو سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقطع الصلاة شيء رواه أبو داود وعن الفضل بن عباس قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في بادية فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة وحمارة لنا وكلبة يعبثان بين يديه فما بالى ذلك رواه أبو داود وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاته من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة وحديث ابن عباس أقبلت راكبا على حمار أتان والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي فمررت على بعض الصف ونزلت فأرسلت الأتان ترتع فدخلت في الصف فلم ينكر علي أحد متفق عليهما وحديث زينب بنت أم سلمة حين مرت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقطع صلاته وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي فجاءت جاريتان من بني عبد المطلب حتى أخذتا بركبتيه فقرع بينهما فما بالى ذلك ولنا حديث أبي هريرة وأبي ذر وحديث أبي سعيد لا يقطع الصلاة شيء يرويه مجاهد بن سعيد وهو ضعيف فلا يعارض به الحديث الصحيح ثم حديثنا أخص فيجب تقديمه لصحته وخصوصه وحديث الفضل بن عباس في إسناده مقاتل ثم يحتمل أن الكلب لم يكن أسود ولا بهيما ويجوز أن يكونا بعيدين ثم هذه الأحاديث كلها في المرأة والحمار يعارض حديث أبي هريرة وأبي ذر فيهما فيبقى الكلب الأسود خاليا عن معارض فيجب القول به لثبوته وخلوه عن معارض فصل ولا يقطع الصلاة شيء سوى ما ذكرنا لا من الكلاب ولا من غيرها لأن النبي صلى الله عليه وسلم خصها بالذكر وقيل له ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر قال الكلب الأسود شيطان الكلب الأسود إذا لم يكن بهيما لم يقطع الصلاة لتخصيصه البهيم بالذكر ولقوله عليه السلام لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم فإنه شيطان فبين أن الشيطان هو الأسود البهيم قال ثعلب البهيم كل لون لم يخالطه لون آخر فهو بهيم فمتى كان فيه لون آخر فليس ببهيم وإن كان بين عينيه نكتتان يخالفان لونه لم يخرج بهذا عن كونه بهيما يتعلق به أحكام الأسود البهيم من قطع الصلاة وتحريم صيده وإباحة قتله فإنه قد روي في حديث عليكم بالأسود البهيم ذي الغرتين فإنه شيطان فصل ولا فرق في بطلان الصلاة بين الفرض والتطوع لعموم الحديث في كل صلاة ولأن مبطلات الصلاة يتساوى فيها الفرض والتطوع في غير هذا فكذلك هذه وقد روي عن أحمد كلام يدل على التسهيل في التطوع فالصحيح التسوية وقد قال أحمد يحتجون في حديث عائشة فإنه في التطوع وما أعلم بين التطوع والفريضة فرقا إلا أن التطوع يصلى على الدابة
فصل فإن كان الكلب الأسود البهيم واقفا بين يدي المصلي أو نائما ولم يمر بين يديه فعنه روايتان إحداهما تبطل لأنه بين يديه أشبه المار قد قالت عائشة عدلتمونا بالكلاب والحمر وذكرت في معارضة ذلك أنها كانت تكون معترضة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي كاعتراض الجنازة فيدل ذلك على التسوية بينهما ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ولم يذكر مرورا والثانية لا تبطل الصلاة به لأن الوقوف والنوم مخالف لحكم المرور بدليل أن عائشة كانت تنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكرهه ولا ينكره وقد قال في المار لأن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه وكان يصلي إلى البعير ولو مر بين يديه ولهذا منع البهيمة من المرور وكان ابن عمر يقول لنافع ولني ظهرك ليستتر به ممن يمر بين يديه وقعد عمر بين يدي المصلي يستره من المرور فدل على أن الوقوف ليس في حكم المرور فلا تقاس عليه وقول النبي صلى الله عليه وسلم يقطع الصلاة لا بد فيه من إضمار المرور أو غيره فيتعين حمله عليه فصل ومن صلى إلى سترة فمر من ورائها ما يقطع الصلاة لم تنقطع وإن مر من ورائها غير ما يقطعها لم يكره لما مر من الأحاديث وإن مر بينه وبينها قطعها إن كان مما يقطعها وإن لم يكن بين يديه سترة فمر بين يديه قريبا منه ما يقطعها قطعها وإن كانت مما لا يقطعها كره وإن كان بعيدا لم يتعلق به حكم ولا أعلم أحدا من أهل العلم حد البعبد من ذلك ولا القريب إلا أن عكرمة قال إذا كان بينك وبين الذي يقطع الصلاة قذفة بحجر لم يقطع الصلاة وقد روى عبد بن حميد في مسنده وأبو داود في سننه عن عكرمة عن ابن عباس قال أحسبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الكلب والحمار والخنزير والمجوسي واليهودي والمرأة ويجزىء عنه إذا مروا بين يديه قذفة بحجر هذا لفظ رواية أبي داود وفي مسند عبد بن حميد والنصراني والمرأة الحائض وهذا الحديث لو ثبت لتعين المصير إليه غير أنه لم يجزم برفعه وفيه ما هو متروك بالإجماع وهو ما عدا الثلاثة المذكورة ولا يمكن تقيد ذلك بموضع السجود فإن قوله صلى الله عليه وسلم إذا لم تكن بين يديه مثل آخرة الرحل قطع صلاته الكلب الأسود يدل على أن ما هو أبعد من السترة تنقطع صلاته بمرور الكلب فيه والسترة تكون أبعد من موضع السجود والصحيح تحديد ذلك بما إذا مشى إليه ودفع المار بين يديه لا تبطل صلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفع المار بين يديه فتقيد لدلالة الإجماع بما يقرب منه بحيث إذا مشى إليه لم تبطل صلاته واللفظ في الحديثين واحد وقد تعذر حملهما على إطلاقهما وقد تقيد إحداهما بدلالة الإجماع بقيد فتقيد الآخر به والله أعلم فصل إذا صلى إلى سترة مغصوبة فاجتاز وراءها كلب أسود فهل تنقطع صلاته فيه وجهان ذكرهما ابن حامد أحدهما تبطل صلاته لأنه ممنوع من نصبها والصلاة إليها فوجودها كعدمها والثاني لا تبطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم بقي ذلك مثل آخرة الرحل وهذا قد وجد وأصل الوجهين إذا صلى في ثوب مغصوب هل تصح صلاته على روايتين باب صلاة المسافر الأصل في قصر الصلاة الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا النساء 101 قال يعني ابن أمية قلت لعمر بن الخطاب فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وقد أمن الناس فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقتهأخرجه مسلم
وأما السنة فقد تواترت الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر في أسفاره حاجا ومعتمرا وغازيا وقال ابن عمر صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض يعني في السفر وكان لا يزيد على ركعتين وأبا بكر حتى قبض وكان لا يزيد على ركعتين وعمر وعثمان كذلك وقال ابن مسعود صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين ثم تفرقت بكم الطرق وودت أن لي من أربع ركعتين متقبلتين وقال أنس خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فصلى ركعتين حتى رجع وأقمنا بمكة عشرا نقصر الصلاة حتى رجع متفق عليهن وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرا تقصر في مثله الصلاة في حج أو عمرة أو جهاد أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين مسألة قال ( وإذا كانت مسافة سفره ستة عشر فرسخا أو ثمانية وأربعين ميلا بالهاشمي فله أن يقصر ) قال الأثرم قيل لأبي عبد الله في كم تقصر الصلاة قال في أربعة برد قيل له مسيرة يوم تام قال لا أربعة برد ستة عشر فرسخا ومسيرة يومين فمذهب أبي عبد الله أن القصر لا يجوز في أقل من ستة عشر فرسخا والفرسخ ثلاثة أميال فيكون ثمانية وأربعين ميلا قال القاضي والميل اثنا عشر ألف قدم وذلك مسيرة يومين قاصدين وقد قدره ابن عباس فقال من عسفان إلى مكة ومن الطائف إلى مكة ومن جدة إلى مكة وذكر صاحب المسالك أن من دمشق إلى القطيفة أربعة وعشرين ميلا ومن دمشق إلى الكسوة اثنا عشر ميلا ومن الكسوة إلى حاسم أربعة وعشرين ميلا فعلى هذا تكون مسافة القصر يومين قاصدين وهذا قول ابن عباس وابن عمر وإليه ذهب مالك والليث والشافعي وإسحاق وروي عنابن عمر أنه كان يقصر في مسيرة عشرة فراسخ قال ابن المنذر ثبت أن ابن عمر كان يقصر إلى أرض له وهي ثلاثون ميلا وروي نحو ذلك عن ابن عباس فإنه قال يقصر في اليوم ولا يقصر فيما دونه وإليه ذهب الأوزاعي وقال عامة العلماء يقولون مسيرة يوم تام وبه نأخذ ويروى عن ابن مسعود أنه يقصر في مسيرة ثلاثة أيام وبه قال الثوري وأبو حنيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن وهذا يقتضي أن كل مسافر له ذلك ولأن الثلاثة متفق عليها وليس في أقل من توقيف ولا اتفاق وروي عن جماعة من السلف رحمة الله عليهم ما يدل على أن جواز القصر في أقل من يوم فقال الأوزاعي كان أنس يقصر فيما بينه وبين خمسة فراسخ وكان قبيصة بن ذؤيب وهانىء بن كلثوم وابن محيريز يقصرون فيما بين الرملة وبيت المقدس وروي عن علي رضي الله عنه أنه خرج من قصره بالكوفة حتى أتى النخيلة فصلى بها الظهر والعصر ركعتين ثم رجع من يومه فقال أردت أن أعلمكم سنتكم وعن جبير بن نفير قال خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر ميلا أو ثمانية عشر ميلا فصلى ركعتين فقلت له فقال رأيت عمر بن الخطاب يصلي بالخليفة ركعتين وقال إنما فعلت كما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل رواه مسلم وروي أندحية الكلبي خرج من قرية في دمشق مرة إلى قدر ثلاثة أميال في رمضان ثم إنه أفطر وأفطر معه أناس وكره آخرون أن يفطروا فلما رجع إلى قريته قال والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أني أراه إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك للذين صاموا قبل رواه أبو داود
وروى سعيد حدثنا هاشم عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فرسخا قصر الصلاة وقال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين شعبة الشاك رواه مسلم وأبو داود واحتج أصحابنا بقول ابن عباس وابن عمر قال ابن عباس يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من عسفان إلى مكة قال الخطابي وهو أصح الروايتين عن ابن عمر ولأنها مسافة تجمع مشقة السفر من الحل والشد فجاز القصر فيهما كمسافة الثلاث ولم يجز فيما دونها لأنه لم يثبت دليل يوجب القصر فيه وقول أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين يحتمل أنه أراد به إذا سافر سفرا طويلا قصر إذا بلغ ثلاثة أميال كما قال في لفظه لآخر إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين قال المصنف ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة ولا حجة فيها مع الاختلاف وقد روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما احتج به أصحابنا ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه لوجهين أحدهما أنه مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي رويناها ولظاهر القرآن لأن ظاهره إباحة القصر لمن ضرب في الأرض لقوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة النساء 101 وقد سقط شرط الخوف بالخبر المذكور عن يعلى بن أمية فبقي ظاهر الآية متناولا كل ضرب في الأرض وقول النبي صلى الله عليه وسلم يمسح المسافر ثلاثة أيام جاء لبيان أكثر مدة المسح فلا يصح الاحتجاج به ها هنا وعلى أنه يمكنه قطع المسافة القصيرة في ثلاثة أيام وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم سفرا فقال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم والثاني أن التقدير بابه التوقيف فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد سيما وليس له أصل يرد إليه ولا نظير يقاس عليه والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه فصل وإذا كان في سفينة في البحر فهو كالبر إن كانت مسافة سفره تبلغ مسافة القصر أبيح له وإلا فلا سواء قطعها في زمن طويل أو قصير اعتبارا بالمسافة وإن شك هل السفر مبيح للقصر أو لا لم يبح له لأن الأصل وجوب الإتمام فلا يزول الشك وإن قصر لم تصح صلاته وإن تبين له بعدها أنه طويل لأنه صلى شاكا في صحة صلاته فأشبه ما لو صلى شاكا في دخول الوقت فصل والاعتبار بالنية لا بالفعل فيعتبر أن ينوي مسافة تبيح القصر فلو خرج يقصد سفرا بعيدا فقصر الصلاة ثم بدا له فرجع كان ما صلاه ماضيا صحيحا ولا يقصر في رجوعه إلا أن تكون مسافة الرجوع مبيحة بنفسها نص أحمد على هذا ولو خرج طالبا لعبد آبق لا يعلم أين هو أو منتجعا غيثا أو كلأ متى وجده أقام أو رجع أو سائحا في الأرض لا يقصد مكانا لم يبح له القصر وإن سار أياما وقال ابن عقيل يباح له القصر إذا بلغ مسافة مبيحة له لأنه مسافر سفرا طويلا ولنا إنه لم يقصد مسافة القصر فلم يبح له كابتداء سفره ولأنه لم يبح القصر في ابتدائه فلم يبحه في أثنائه إذا لم يغير نيته كالسفر القصير وسفر المعصية ومتى رجع هذه يقصد بلده أو نوى مسافة القصر فله القصر لوجود نيته المبيحة ولو قصد بلدا بعيدا أو في عزمه أنه متى وجد طلبته دون رجع أو أقام لم يبح له القصر لأنه لم يجزم بسفر طويل وإن كان يرجع ولا يقيم بوجوده فله القصر
فصل ومتى كان لمقصده طريقان يباح القصر في أحدهما دون الآخر فسلك البعيد ليقصر الصلاة فيه أبيح له لأنه مسافر سفرا بعيدا مباحا فأبيح له القصر كما لو لم يجد سواه أو كان الآخر مخوفا أو شاقا فصل وإن خرج الإنسان إلى السفر مكرها كالأسير فله القصر إذا كان سفره بعيدا نص عليه أحمد وقال الشافعي لا يقصر لأنه غير ناو للسفر ولا جازم به فإن نيته أنه متى أفلت رجع ولنا إنه مسافر سفرا بعيدا غير محرم فأبيح له القصر كالمرأة مع زوجها والعبد مع سيده إذا كان عزمهما أنه لو مات أو زال ملكهما رجع وقيامهم منتقض بهذا إذا ثبت هذا فإنه إذا صار في حصونهم نص عليه أيضا لأنه قد انقضى سفره ويحتمل أنه لا يلزمه الإتمام لأن في عزمه أنه متى أفلت رجع فأشبه المحبوس ظلما مسألة قال ( إذا جاوز بيوت قريته ) وجملته أنه ليس لمن نوى السفر القصر حتى يخرج من بيوت قريته ويجعلها وراء ظهره وبهذا قال مالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وحكي ذلك عن جماعة من التابعين وحكي عنعطاء وسليمان بن موسى أنهما أباحا القصر في البلد لمن نوى السفر وعن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا فصلى بهم في منزله ركعتين وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد الله وروى عبيد بن جبير قال كنت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع ثم قرب غذاؤه فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة ثم قال اقترب قلت ألست ترى البيوت قال أبو بصرة أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل رواه أبو داود ولنا قول الله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ولا يكون ضاربا في الأرض حتى يخرج وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبتدىء القصر إذا خرج من المدينة قال أنس صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين متفق عليه فأما أبو بصرة فإنه لم يأكل حتى دفع وقوله لم يجاوز البيوت معناه والله أعلم لم يبعد منها بدليل قول عبيد له ألست ترى البيوت إذا ثبت هذا فإنه يجوز له القصر وإن كان قريبا من البيوت قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج من بيوت القرية التي يخرج منها وروي عن مجاهد أنه قال إذا خرجت مسافرا فلا تقصر الصلاة يومك ذلك إلى الليل وإذا رجعت ليلا فلا تقصر ليلتك حتى تصبح ولنا قول الله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من المدينة لم يزد على ركعتين حتى يرجع إليها وحديث أبي بصرة وقال عبد الرحمن الهمذاني خرجنا مع علي رضي الله عنه مخرجه إلى صفين فرأيته صلى ركعتين بين الجسر وقنطرة الكوفة وقال البخاري خرج علي فقصر وهو يرى البيوت فلما رجع قيل له هذه الكوفة قال لا حتى ندخلها ولأنه مسافر فأبيح له القصر كما لو بعد فصل وإن خرج من البلد وصار بين حيطان بساتينه فله القصر لأنه قد ترك البيوت وراء ظهره وإن كان حول البلد خراب قد تهدم وصار فضاء أبيح له القصر فيه لذلك وإن كانت حيطانه قائمة فكذلك قاله الآمدي وقال القاضي لا يباح وهو مذهب الشافعي لأن السكنى فيه ممكنة أشبه العامر ولنا إنها غير معدة للسكنى أشبهت حيطان البساتين وإن كان في وسط البلد نهر فاجتازه فليس له القصر لأنه لم يخرج من البلد ولم يفارق البنيان فأشبه الرحبة والميدان في وسط البلد وإن كان للبلد محال كل محلة منفردة عن الأخرى كبغداد فمتى خرج من محلته أبيح له القصر إذا فارق محلته وإن كان بعضها متصلا ببعض لم يقصر حتى يفارق جميعها
ولو كانت قريتان متدانيتين فاتصل بناء إحداهما بالأخرى فهما كالواحدة وإن لم يتصل فلكل قرية حكم نفسها فصل وإذا كان البدوي في حلة لم يقصر حتى يفارق حلته وإن كانت حللا فلكل حلة حكم نفسها كالقرى وإن كان بيته منفردا فحتى يفارق منزله ورحله ويجعله وراء ظهره كالحضري مسألة قال ( إذا كان سفره واجبا أو مباحا ) وجملته أن الرخص المختصة بالسفر من القصر والجمع والفطر والمسح ثلاثا والصلاة على الراحلة تطوعا يباح في السفر الواجب والمندوب والمباح كسفر التجارة ونحوه وهذا قول أكثر أهل العلم وروي ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر وبه قال الأوزاعي والشافعي وإسحاق وأهل المدينة وأصحاب الرأي وعن ابن مسعود لا يقصر إلا في حج أو جهاد لأن الواجب لا يترك إلا لواجب وعن عطاء كقول الجماعة وعنه لا يقصر إلا في سبيل من سبل الخير لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصر في سفر واجب أو مندوب ولنا قول الله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة وقوله تعالى وإن كنتم مرضى أو على سفر النساء 43 وقالت عائشة إن الصلاة أول ما فرضت ركعتان فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر متفق عليه وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة رواه مسلم وقال عمر رضي الله عنه صلاة السفر ركعتان والجمعة ركعتان والعيد ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى رواه سعيد وابن ماجة وروي عن إبراهيم أنه قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله إني أريد البحرين في تجارة فكيف تأمرني في الصلاة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم صل ركعتين رواه سعيد عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم وقال صفوان بن عسال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن وهذه النصوص تدل على إباحة الرخص في كل سفر وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يترخص في عوده من سفره وهو مباح فصل ولا تباح هذه الرخص في سفر المعصية كالإباق وقطع الطريق والتجارة في الخمر والمحرمات نص عليه أحمد وهو مفهوم كلام الخرقي لتخصيصه الواجب والمباح وهذا قول الشافعي وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة له ذلك احتجاجا بما ذكرنا من النصوص ولأنه مسافر فأبيح له الترخص كالمطيع ولنا قول الله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه البقرة 173 أباح الأكل لمن لم يكن عاديا ولا باغيا فلا يباح لباغ ولا عاد قال ابن عباس غير باغ على المسلمين مفارق لجماعتهم يخيف السبيل ولا عاد عليهم ولأن الترخص شرع للإعانة على تحصيل المقصد المباح توصلا إلى المصلحة فلو شرع ها هنا لشرع إعانة على المحرم تحصيلا للمفسدة والشرع منزه عن هذا والنصوص وردت في حق الصحابة وكانت أسفارهم مباحة فلا يثبت الحكم فيمن سفره مخالف لسفرهم ويتعين حمله على ذلك جمعا بين النصين وقياس المعصية على الطاعة بعيد لتضادهما فصل فإن عدم العاصي بسفره الماء أن يتيمم لأن الصلاة واجبة لا تسقط والطهارة لها واجبة أيضا فيكون ذلك عزيمة وهل تلزمه الإعادة على وجهين أحدهما لا تلزمه لأن التيمم عزيمة بدليل وجوبه والرخص لا تجب والثاني عليه الإعادة لأنه حكم يتعلق بالسفر أشبه بقية الرخص والأول أولى لأنه أتى بما أمر به من التيمم والصلاة فلم يلزمه إعادتها ويفارق بقية الرخص فإنه يمنع منها وهذا يجب فعله
ولأن حكم بقية الرخص المنع من فعلها ولا يمكن تعدية هذا الحكم إلى التيمم ولا إلى الصلاة لوجوب فعلهما ووجوب الإعادة ليس بحكم في بقية الرخص فكيف يمكن أخذه منها أو تعديته عنها ويباح له المسح يوما وليلة لأن ذلك لا يختص بالسفر فأشبه الاستجمار والتيمم وغيرهما من رخص الحضر وقيل لا يجوز لأنه رخصة فلم تبح له كرخص السفر الأول أولى وهذا ينتقض بسائر رخص الحضر فصل إذا كان السفر مباحا فغير نيته إلى المعصية انقطع الترخص لزوال سببه ولو سافر لمعصية فغير نيته إلى مباح صار سفرا مباحا وأبيح له ما يباح في السفر المباح وتعتبر مسافة السفر من حين غير النية ولو كان سفره مباحا فنوى المعصية بسفره ثم رجع إلى نية المباح اعتبرت مسافة القصر من حين رجوعه إلى نية المباح لأن حكم سفره انقطع بنية المعصية فأشبه ما لو نوى الإقامة ثم عاد فنوى السفر فأما إن كان السفر مباحا لكنه يعصي فيه لم يمنع ذلك الترخص لأن السبب هو السفر المباح وقد وجد فثبت حكمه ولم يمنعه وجود معصية كما أن معصية في الحضر لا تمنع الترخص فيه فصل وفي سفر التنزه والتفرج روايتان إحداهما تبيح الترخص وهذا ظاهر كلام الخرقي لأنه سفر مباح فدخل في عموم النصوص المذكورة وقياسا على سفر التجارة والثانية لا يترخصن فيه قال أحمد إذا خرج الرجل إلى بعض البلدان تنزها وتلذذا وليس في ظلب حديث ولا حج ولا عمرة ولا تجارة فإنه لا يقصر الصلاة لأنه إنما شرع إعانة على تحصيل المصلحة ولا مصلحة في هذا والأول أولى فصل فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد فقال ابن عقيل لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد متفق عليه والصحيح إباحته وجواز القصر فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء راكبا وماشيا وكان يزور القبور وقال زوروها تذكركم الآخرة وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فيحمل على نفي التفصيل لا على التحريم وليست الفضيلة شرطا في إباحة القصر فلا يضر انتفاؤها فصل والملاح الذي يسير في سفينة وليس له بيت سوى سفينته فيها أهله وتنوره وحاجته لا يباح له الترخص قالالأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الملاح أيقصر ويفطر في السفينة قال أما إذا كانت السفينة بيته فإنه يتم ويصوم قيل له وكيف تكون بيته قال لا يكون له بيت غيرها معه فيها أهله وهو فيها مقيم وهذا قول عطاء وقال الشافعي يقصر ويفطر لعموم النصوص وقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة رواه أبو داود ولأن كون أهله معه لا يمنع الترخص كالجمال ولنا إنه غير ظاعن عن منزله فلم يبح له الترخص كالمقيم في المدن فأما النصوص فإن المراد بها الظاعن عن منزله وليس هذه كذلك وأما الجمال والمكاري فلهم الترخص وإن سافروا بأهلهم قال أبو داود سمعت أحمد يقول في المكاري الذي هو دهره في السفر لا بد من أن يقدم فيقيم اليوم قيل فيقيم اليوم واليومين والثلاثة في تهيئه للسفر قال هذا يقصر وذكر القاضي وأبو الخطاب أنه ليس له القصر كالملاح وهذا غير صحيح لأنه مسافر مشفوق عليه فكان له القصر كغيره ولا يصح قياسه على الملاح فإن الملاح في منزله سفرا أو حضرا ومعه مصالحه وتنوره وأهله وهذا لا يوجد في غيره وإن سافر هذا بأهله كان أشق عليه وأبلغ في استحقاق الترخص وقد ذكرنا نص أحمد في الفرق بينهما والنصوص متناولة لهذا بعمومها وليس هو في معنى المخصوص فوجب القول بثبوت حكم النص فيه والله أعلم مسألة قال ( ومن لم ينو القصر في وقت دخوله إلى الصلاة لم يقصر )
وجملته أن نية القصر شرط في جوازه ويعتبر وجودها عند أول الصلاة كنية الصلاة وهذا قول الخرقي واختاره القاضي وقال أبو بكر لا تشترط نيته لأن من خير في العبادة قبل الدخول فيها خير بعد الدخول فيها كالصوم ولأن القصر هو الأصل بدليل خبر عائشة وعمر وابن عباس فلا يحتاج إلى نية كالإتمام في الحضر ووجه الأول أن الإتمام هو الأصل على ما سنذكره في مسألة ( وللمسافر أن يقصر وله أن يتم ) وإطلاق النية ينصرف إلى الأصل ولا ينصرف عنه إلا بتعيين ما يصرفه إليه كما لو نوى الصلاة مطلقا ولم ينو إماما ولا مأموما فإنه ينصرف إلى الانفراد إذ هو الأصل والتفريع يقع على هذا القول فلو شك في أثناء صلاته هل نوى القصر في ابتدائها أو لا لزمه إتمامها احتياطا لأن الأصل عدمها فإن ذكر بعد ذلك أنه كان قد نوى القصر لم يجز له القصر لأنه قد لزمه الإتمام فلم يزل ولو نوى الإتمام أو ائتم بمقيم ففسدت الصلاة وأراد إعادتها لزمه الإتمام أيضا لأنها وجبت عليه تامة بتلبسه بها خلف المقيم ونية الإتمام وهذا قول الشافعي وقال الثوري وأبو حنيفة إذا فسدت صلاة الإمام عاد إلى حاله ولنا إنها وجبت بالشروع فيها تامة فلم يجز له قصرها كما لو لم تفسد فصل ومن نوى القصر ثم نوى الإتمام أو نوى ما يلزمه به الإتمام من الإقامة أو قلب نيته إلى سفر معصية أو نوى الرجوع عن سفره ومسافة رجوعه لا بياح فيه القصر ونحو هذا الإتمام ولزم من خلفه متابعته وبهذا قال الشافعي وقال مالك لا يجوز له الإتمام لأنه نوى عددا فإذا زاد عليه حصلت الزيادة بغير نية ولنا إن نية صلاة الوقت قد وجدت وهي أربع وإنما أبيح ترك ركعتين رخصة فإذا أسقط نية الترخص صحت الصلاة بنيتهما ولزمه الإتمام ولأن الإتمام الأصل وإنما أبيح تركه بشرط فإذا زال الشرط عاد الأصل إلى حاله فصل وإذا قصر المسافر معتقدا لتحريم القصر لم تصح صلاته لأنه فعل ما يعتقد تحريمه فلم تقع مجزئا كمن صلى يعتقد أنه محدث ولأن نية التقرب بالصلاة شرط وهذا يعتقد أنه عاص فلم تحصل نية التقرب مسألة قال ( والصبح والمغرب لا يقصران وهذا خلاف فيه ) قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن لا يقصر في صلاة المغرب والصبح وأن القصر إنما هو في الرباعية ولأن الصبح ركعتان فلو قصرت صارت ركعة وليس في الصلاة ركعة إلا الوتر والمغرب وتر النهار فلو قصر منها ركعة لم تبق وترا وإن قصرت اثنتان صارت ركعة فيكون إجحافا بها وإسقاطا لأكثرها وقد روى علي بن عاصم عن داود بن أبي هند عن عامر عن عائشة أم المؤمنين قالت افترض الله الصلاة على نبيكم صلى الله عليه وسلم بمكة ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب فلما هاجر إلى المدينة فأقام بها واتخذها دار هجرة زاد إلى كل ركعتين ركعتين إلا صلاة الغداة لطول القراءة فيها وإلا صلاة الجمعة للخطبة وإلا صلاة المغرب فإنها وتر النهار فافترضها الله تعالى على عباده إلا هذه الصلاة فإذا سافر صلى الصلاة التي كان افترضها الله عليهم مسألة قال ( وللمسافر أن يتم ويقصر كما له أن يصوم ويفطر ) المشهور عن أحمد أن المسافر إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أتم وروي عنه أنه توقف وقال أنا أحب العافية من هذه المسألة وممن روي عنه الإتمام في السفر عثمان وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم وبه قال الأوزاعي والشافعي وهو المشهور عن مالك وقال حماد بن أبي سليمان ليس له الإتمام في السفر وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأوجب حماد الإعادة على من أتم وقال أصحاب الرأي إن كان جلس بعد الركعتين قدر التشهد فصلاته صحيحة وإلا لم تصح
وقال عمر بن عبد العزيز الصلاة في السفر ركعتان حتم لا يصلح غيرهما وروي عن ابن عباس أنه قال من صلى في السفر أربعا فهو كمن صلى في الحضر ركعتين واحتجوا بأن صلاة السفر ركعتان بدليل قول عمر وعائشة وابن عباس على ما ذكرناه وروي عن صفوان بن محرز أنه سأل ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال ركعتان فمن خالف السنة كفر ولأن الركعتين الأخريين يجوز تركهما إلى غير بدل فلم تجز زيادتهما على الركعتين المفروضتين كما لو زادهما على صلاة الفجر ولنا قول الله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وهذا يدل على أن القصر رخصة مخير بين فعله وتركه كسائر الرخص وقال يعلى بن أمية قلت لعمر بن الخطاب فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ( النساء 101 ) فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته رواه مسلم وهذا يدل على أنه رخصة وليس بعزيمة وأنها مقصورة وروى الأسود عن عائشة أنها قالت خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت فقال أحسنت رواه أبو داود الطيالسي في مسنده وهذا صريح في الحكم ولأنه لو ائتم بمقيم صلى أربعا وصحت الصلاة والصلاة لا تزيد بالائتمام قال ابن عبد البر وفي إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة أن يلزمه أربع دليل واضح على أن القصر رخصة إذ لو كان فرضه ركعتين لم يلزمه أربع بحال وروي بإسناده عن عطاء عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتم في السفر ويقصر وعن أنس قال كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نسافر فيتم بعضنا ويقصر بعضنا ويصوم بعضنا ويفطر بعضنا فلا يعيب أحد على أحد ولأن إجماع الصحابة رحمة الله عليهم بدليل أن فيهم من كان يتم الصلاة ولم ينكر الباقون عليه بدليل حديث أنس وكانت عائشة تتم الصلاة رواهما مسلم والبخاري وأتمها عثمان وابن مسعود وسعد قالعطاء كانت عائشة وسعد يوفيان الصلاة في السفر ويصومان وروى الأثرم بإسناده عن سعد أنه أقام بمعان شهرين فكان يصلي ركعتين ويصلي أربعا وعن المسور بن مخرمة قال أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة يقصرها سعد ويتمها وسأل ابن عباس رجل فقال كنت أتم الصلاة في السفر فلم يأمره بالإعادة فأما قول عائشة فرضت الصلاة ركعتين فإنما أرادت أن ابتداء فرضها كان ركعتين ثم أتمت بعد الهجرة فصارت أربعا وقد صرحت بذلك حين شرحت ولذلك كانت تتم الصلاة ولو اعتقدت ما أراد هؤلاء لم تتم وقول ابن عباس مثل قولها ولا يبعد أن يكون أخذه منها فإنه لم يكن في زمن فرض الصلاة في سن من يعقل الأحكام ويعرف حقائقها ولعله لم يكن موجودا أو كان فرضها في السنة التي ولد فيها فإنها فرضت بمكة ليلة الإسراء قبل الهجرة بثلاث سنين وكان ابن عباس حين مات النبي صلى الله عليه وسلم ابن ثلاث عشرة سنة وفي حديثه ما اتفق على تركه وهو قوله والخوف ركعة والظاهر أنه أراد ما أرادت عائشة من ابتداء الفرض فلذلك لم يأمر من أتم بالإعادة وقول عمر تمام غير قصر أراد بها تمام في فضلها غير ناقصة الفضيلة ولم يرد أنها غير مقصورة الركعات لأنه خلاف ما دلت عليه الآية والإجماع إذ الخلاف إنما هو في القصر والإتمام
وقد ثبت بروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث يعلى بن أمية أنها مقصورة ويشبه هذا ما رواه مجاهد قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال إني وصاحب لي كنا في سفر وكان صاحبي يقصر وأنا أتم فقال له ابن عباس أنت كنت تقصر وصاحبك يتم رواه الأثرم أراد أن افعله أفضل من فعلك ثم لو ثبت أن أصل الفرض ركعتان لم يمتنع جواز الزيادة عليها كما لو ائتم بمقيم ويخالف زيادة ركعتين على صلاة الفجر فإنه لا يجوز زيادتهما بحال مسألة قال ( والقصر والفطر أعجب إلى أبي عبد الله رحمه الله ) أما القصر فهو أفضل من الإتمام في قول جمهور العلماء وقد كره جماعة منهم الإتمام قال أحمد ما يعجبني وقال ابن عباس للذي قال له كنت أتم الصلاة وصاحبي يقصر أنت الذي كنت تقصر وصاحبك يتم وشدد ابن عمر على من أتم الصلاة فروى أن رجلا سأله عن صلاة السفر فقال ركعتان فمن خالف السنة كفر وقال بشر بن حرب سألت ابن عمر كيف صلاة السفر يا أبا عبد الرحمن قال أما أنتم تتبعون سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم أخبرتكم وأما لا تتبعون سنة نبيكم فلا أخبركم قلنا فخير ما اتبع سنة نبينا يا أبا عبد الرحمن قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من المدينة لم يزد على ركعتين حتى يرجع إليها رواه سعيد قال حدثنا حماد بن زيد عن بشر ولما بلغ ابن مسعود أن عثمان صلى أربعا استرجع وقال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين ثم تفرقت بكم الطرق ووددت أن حظي من أربع ركعتان متقبلتان وهذا قول مالك ولا أعلم فيه مخالفا من الأئمة إلا الشافعي في أحد قوليه قال الإتمام أفضل لأنه أكثر عملا وعددا وهو الأصل فكان أفضل كغسل الرجلين ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يداوم على القصر بدليل ما ذكرنا من الأخبار وقالابن عمر صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى متفق عليه وعن ابن مسعود وعمران بن حصين مثل ذلك وروى سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خياركم من قصر في السفر وأفطر رواه الأثرم مع ما ذكرنا من أقوال الصحابة فيما مضى ولأنه إذا قصر أدى الفرض بالإجماع وإذا أتم اختلف فيه وأما الغسل فلا نسلم له أنه أفضل من المسح والفطر نذكره في بابه فصل واختلفت الرواية في الجمع فروي أنه أفضل من التفريق لأنه أكثر تخفيفا وسهولة فكان أفضل كالقصر وعنه التفريق أفضل لأنه خروج من الخلاف فكان أفضل كالقصر ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم المداومة عليه ولو كان أفضل لأدامه كالقصر مسألة قال ( وإذا دخل وقت الظهر على مسافر وهو يريد أن يرتحل صلاها وارتحل فإذا دخل وقت العصر صلاها وكذلك المغرب والعشاء الآخرة وإن كان سائرا فأحب أن يؤخر الأولى إلى وقت الثانية فجائز ) جملة ذلك أن الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما جائز في قول أكثر أهل العلم وممن روي عنه ذلك سعيد بن زيد وسعد وأسامة ومعاذ بن جبل وأبي موسى وابن عباس وابن عمر وبه قال طاوس ومجاهد وعكرمة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر
وروي عن سليمان ابن أخي زريق بن حكيم قال قال مر بنا نائلة ربيعة وأبو الزناد ومحمد بن المنكدر وصفوان بن سليم وأشياخ من أهل المدينة فأتيناهم في منزلهم وقد أخذوا في الرحيل فصلوا الظهر والعصر جميعا حين زالت الشمس ثم أتينا المسجد فإذا زريق بن حكيم يصلي للناس الظهر وقال الحسن وابن سيرين وأصحاب الرأي لا يجوز الجمع إلا في يوم عرفة بعرفة وليلة مزدلفة بها وهذا رواية ابن القاسم عن مالك واختياره واحتجوا بأن المواقيت تثبت بالتواتر فلا يجوز تركها بخبر واحد ولنا ما روى نافع عن ابن عمر أنه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ويقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بينهما وعن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما وإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب متفق عليهما ولمسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا عجل عليه السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى يغيب الشفق وروى الجمع معاذ بن جبل وابن عباس وسنذكر أحاديثهما فيما بعد وقولهم لا نترك الأخبار المتواترة قلنا لا نتركها وإنما نخصصها وتخصيص المتواتر بالخبر الصحيح جائز بالإجماع وقد جاز تخصيص الكتاب بخبر الواحد بالإجماع فتخصص السنة بالسنة أولى وهذا ظاهر جدا فإن قيل معنى الجمع في الأخبار أن يصلي الأولى في آخر وقتها والأخرى في أول وقتها قلنا هذا فاسد لوجهين أحدهما أنه قد جاء الخبر صريحا في أنه كان يجمعهما في وقت إحداهما على ما سنذكره ولقول أنس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينهما وبين العشاء حتى يغيب الشفق فيبطل التأويل الثاني أن الجمع رخصة فلو كان على ما ذكروه لكان أشد ضيقا وأعظم حرجا من الإتيان بكل صلاة في وقتها لأن الإتيان بكل صلاة في وقتها أوسع من مراعاة طرفي الوقتين بحيث لا يبقى من وقت الأولى إلا قدر فعلها ومن تدبر هذا وجده كما وصفنا ولو كان الجمع هكذا لجاز الجمع بين العصر والمغرب والعشاء والصبح ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك والعمل بالخير على الوجه السابق إلى الفهم منه أولى من هذا التكليف الذي يصان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم من حمله عليه إذا ثبت هذا فمفهوم كلام الخرقي أن الجمع إنما يجوز إذا كان سائرا في وقت الأولى فيؤخر إلى وقت الثانية ثم يجمع بينهما ورواه الأثرم عن أحمد وروي نحو هذا القول عن سعد وابن عمر وعكرمة أخذ بالخبر اللذين ذكرناهما وروي عن أحمد جواز تقديم الصلاة الثانية إلى الأولى وهذا هو الصحيح وعليه أكثر الأصحاب قال القاضي الأولى هو الفضيلة والاستحباب وإن أحب أن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما جاز نازلا كان أو سائرا أو مقيما في بلد إقامة لا تمنع القصر وهذا قول عطاء وجمهور علماء المدينة والشافعي وإسحاق وابن المنذر لما روى معاذ بن جبل قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فكان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا وإذا ارتحل قبل زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار وإذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب رواه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن
وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر مثل ذلك وقيل إنه متفق عليه وهذا صريح في محل النزاع وروى مالك في الموطأ عن أبي الزبير عن أبي الطفيل أن معاذا أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء قال فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا قال ابن عبد البر هذا حديث صحيح ثابت الإسناد وقال أهل السير إن غزوة تبوك كانت في سنة تسع وفي هذا الحديث أوضح الدلائل وأقوى الحجج في الرد على من قال لا يجمع بين الصلاتين إلا إذا جد به السير لأنه كان يجمع وهو نازل غير سائر ماكث في خبائه يخرج فيصلي الصلاتين جميعا ثم ينصرف إلى خبائه وروى هذا الحديث مسلم في صحيحه قال فكان يصلي الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا والأخذ بهذا الحديث متعين لثبوته وكونه صريحا في الحكم ولا معارض له ولأن الجمع رخصة من رخص السفر فلم يختص بحالة السير كالقصر والمسح ولكن الأفضل التأخير لأنه أخذ بالاحتياط وخروج من خلاف القائلين بالجمع وعمل بالأحاديث كلها فصل ولا يجوز الجمع إلا في سفر يبيح القصر وقال مالك والشافعي في أحد قوليه يجوز في السفر القصير لأن أهل مكة يجمعون بعرفة ومزدلفة وهو سفر قصير ولنا إنه رخصة تثبت لدفع المشقة في السفر فاختصت بالطويل كالقصر والمسح ثلاثا ولأنه تأخير للعبادة عن وقتها فأشبه الفطر ولأن دليل الجمع فعل النبي صلى الله عليه وسلم والفعل لا صيغة له وإنما هو قضية في عين فلا يثبت حكمها إلا في مثلها ولم ينقل أنه جمع إلا في سفر طويل فصل ويجوز الجمع لأجل المطر بين المغرب والعشاء ويروى ذلك عن ابن عمر وفعله أبان بن عثمان في أهل المدينة وهو قول الفقهاء السبعة ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وروي عن مروان وعمر بن عبد العزيز ولم يجوزه أصحاب الرأي فصل ولنا أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال إن من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء رواه الأثرم وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال نافع إن عبد الله بن عمر كان يجمع إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء وقال هشام بن عروة رأيت أبان بن عثمان بين الصلاتين في الليلة المطيرة المغرب والعشاء فيصليهما معه عروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحم وأبو بكر بن عبد الرحمن لا ينكرونه ولا يعرف لهم في عصرهم مخالف فكان إجماعا رواه الأثرم فصل فأما الجمع بين الظهر والعصر فغير جائز قال الأثرم قيل لأبي عبد الله الجمع بين الظهر والعصر في المطر قال لا ما سمعت وهذا اختيار أبي بكر وابن حامد وقول مالك وقال أبو الحسن التميمي فيه قولان أحدهما أنه لا بأس به وهو قول أبي الخطاب ومذهب الشافعي لما روى يحيى بن واضح عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة بين الظهر والعصر في المطر ولأنه معنى أباح الجمع فأباحه بين الظهر والعصر كالسفر ولنا إن مستند الجمع ما ذكرناه من قول أبي سلمة والإجماع ولم يرد إلا في المغرب والعشاء وحديثهم غير صحيح فإنه غير مذكور في الصحاح والسنن وقول أحمد ما سمعت يدل على أنه ليس بشيء ولا يصح القياس على المغرب والعشاء لما فيهما من المشقة لأجل الظلمة والمضرة ولا القياس على السفر لأن مشقته لأجل السير وفوات الرفقة وهو غير موجود ها هنا فصل والمطر المبيح للجمع هو ما يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه وأما الطل والمطر الخفيف الذي لا يبل الثياب فلا يبيح والثلج كالمطر في ذلك لأنه في معناه وكذلك البرد فصل فأما الوحل بمجرده
فقال القاضي قال أصحابنا هو عذر لأن المشقة تلحق بذلك في النعال والثياب كما تلحق بالمطر وهو قول مالك وذكر أبو الخطاب فيه وجها ثانيا أنه لا يبيح وهو مذهب الشافعي وأبو ثور لأن مشقته دون مشقة المطر فإن المطر يبل النعال والثياب والوحل لا يبلها فلم يصح قياسه عليه والأول أصح لأن الوحل يلوث الثياب والنعال ويتعرض الإنسان للزلق فيتأذى نفسه وثيابه وذلك أعظم من البلل وقد ساوى المطر في العذر في ترك الجمعة والجماعة فدل على تساويهما في المشقة المرعية في الحكم فصل فأما الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة ففيها وجهان أحدهما يبيح الجمع قالالآمدي وهو أصح وهو قول عمر بن عبد العزيز لأن ذلك عذر في الجمعة والجماعة بدليل ما روى محمد بن الصباح حدثنا سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة المطيرة أو الليلة الباردة ذات الريح صلوا في رحالكم رواه ابن ماجه عن محمد بن الصباح والثاني لا يبيحه لأن المشقة فيه دون المشقة في المطر فلا يصح قياسه عليه ولأن مشقتها من غير جنس مشقة المطر ولا ضابط لذلك يجتمعان فيه فلم يصح إلحاقة به فصل هل يجوز الجمع لمنفرد أو من كان طريقه إلى المسجد في ظلال يمنع وصول المطر إليه أو من كان مقامه في المسجد على وجهين أحدهما الجواز لأن العذر إذا وجد استوى فيه حال وجود المشقة وعدمها كالسفر ولأن الحاجة العامة إذا وجدت أثبتت الحكم في حق من ليست له حاجة كالسلم وإباحة اقتناء الكلاب للصيد والماشية في حق من لا يحتاج إليهما ولأنه قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المطر وليس بين حجرته والمسجد شيء والثاني المنع لأن الجمع لأجل المشقة فيختص بمن تلحقه المشقة دون من لا تلحقه كالرخصة في التخلف عن الجمعة والجماعة يختص بمن تلحقه المشقة دون من لا تلحقه كمن في الجامع والقريب منه فصل ويجوز الجمع لأجل المرض وهو قول عطاء ومالك وقال أصحاب الرأي والشافعي لا يجوز فإن أخبار التوقيت ثابتة فلا تترك بأمر محتمل ولنا ما روى ابن عباس قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر وفي رواية من غير خوف ولا سفر رواهما مسلم وقد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذر ثبت أنه كان لمرض وقد روي عن أبي عبد الله أنه قال في حديث ابن عباس هذا عندي رخصة للمريض والمرضع وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سهلة بنت سهيل وحمنة بنت جحش لما كانتا مستحاضتين بتأخير الظهر وتعجيل العصر والجمع بينهما بغسل واحد فأباح لهما الجمع لأجل الاستحاضة وأخبار المواقيت مخصوصة بالصور التي أجمعنا على جواز الجمع فيها فيخص منها محل النزاع بما ذكرنا فصل والمرض المبيح للجمع هو ما يلحقه بتأدية كل صلاة في وقتها مشقة وضعيف قال الأثرم قيل لأبي عبد الله المريض يجمع بين الصلاتين فقال إني لأرجو له ذلك إذا ضعف وكان لا يقدر إلا على ذلك وكذلك يجوز الجمع للمستحاضة ولمن به سلس البول ومن في معناهما لما روينا من الحديث والله أعلم
فصل والمريض مخير في التقديم والتأخير كالمسافر فإن استوى عنده الأمران فالتأخير أولى لما ذكرنا في المسافر فأما الجمع للمطر فإنما يجمع في وقت الأولى لأن السلف إنما كانوا يجمعون في وقت الأولى ولأن تأخير الأولى إلى وقت الثانية يفضي إلى لزوم المشقة والخروج في الظلمة أو طول الانتظار في المسجد إلى دخول وقت العشاء ولأن العادة اجتماع الناس للمغرب فإذا حبسهم المسجد ليجمع بين الصلاتين كان أشق من أن يصلي كل صلاة في وقتها وربما يزول العذر قبل خروج وقت الأولى فيبطل الجمع ويمتنع وإن اختاروا تأخير الجمع جاز والمستحب أن يؤخر الأولى عن أول وقتها شيئا قال الأثرم سألت أبا عبد الله عن الجمع بين الصلاتين في المطر قال نعم يجمع بينهما إذا اختلط الظلام قبل أن يغيب الشفق كذا صنع ابن عمر قال الأثرم وحدثنا أبو أسامة حدثنا عبيد الله عن نافع قال كان أمراؤنا إذا كانت الليلة المطيرة أبطؤوا بالمغرب وعجلوا بالعشاء قبل أن يغيب الشفق فكان ابن عمر يصلي معهم ولا يرى بذلك بأسا قال عبيد الله ورأيت القاسم وسالما يصليان معهم في مثل تلك الليلة قيل لأبي عبد الله فكان سنة الجمع بين الصلاتين في المطر عندك أن يجمع قبل أن يغيب الشفق وفي السفر يؤخر حتى يغيب الشفق قال نعم فصل ولا يجوز الجمع لغير ما ذكرنا وقال ابن شبرمة يجوز إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتخذه عادة لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر فقيل لابن عباس لم فعل ذلك قال أراد أن لا يحرج أمته ولنا عموم أخبار التوقيت وحديث ابن عباس حملناه على حالة المرض ويجوز أن يتناول من عليه مشقة كالمرضع والشيخ الضعيف وأشباههما ممن عليه مشقة في ترك الجمع ويحتمل أنه صلى الأولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها فإن عمرو بن دينار روى هذا الحديث عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال عمر وقلت لجابر أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء قال وأنا أظن ذلك فصل قال ومن شرط جواز الجمع في أحد الوجهين والآخر لا يشترط ذلك وهو قول أبي بكر والتفريع على اشتراطه وموضع النية يختلف باختلاف الجمع فإن جمع في وقت الأولى فموضعه عند الإحرام بالأولى في أحد الوجهين لأنها نية يفتقر إليها فاعتبرت عند الإحرام كنية القصر والثاني موضعها من أول الصلاة الأولى إلى سلامها أي ذلك نوى فيه أجزأه لأن موضع الجمع حين الفراغ من آخر الأولى إلى الشروع في الثانية فموضع النية في وقت الأولى من أوله إلى أن يبقى منه قدر ما يصليها لأنه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاء لا جمعا ويحتمل أن يكون وقت النية إلى أن يبقى منه قدر ما يدركها به وهو ركعة أو تكبيرة الإحرام على ما قدمنا والذي ذكره أصحابنا أولى فإن تأخيرها من القدر الذي يضيق عن فعلها حرام
فصل فإن جمع في وقت الأولى اعتبرت المواصلة بينهما وهو أن لا يفرق بينهما إلا تفريقا يسيرا فإن أطال الفصل بينهما بطل الجمع لأن معنى الجمع المتابعة أو المقاربة ولم تكن المتابعة فلم يبق إلا المقاربة فإن فرق بينهما تفريقا كثيرا بطل الجمع سواء فرق بينهما لنوم أو سهو أو شغل أو قصد أو غير ذلك لأن الشرط لا يثبت المشروط بدونه وإن كان يسيرا لم يمنع لأنه لا يمكن التحرز منه والمرجع في اليسير والكثير إلى العرف والعادة لا حد له سوى ذلك وقدره بعض أصحابنا بقدر الإقامة والوضوء والصحيح أنه لا حد له لأن ما لم يرد الشرع بتقديره لا سبيل إلى تقديره والمرجع فيه إلى العرف كالإحراز والقبض ومتى احتاج إلى الوضوء والتيمم فعله إذا لم يطل الفصل وإن تكلم بكلام يسير لم يبطل الجمع وإن صلى بينهما السنة بطل الجمع لأنه فرق بينهما بصلاة فبطل الجمع كما لو صلى بينهما غيرهما وعنه لا يبطل لأنه تفريق يسير أشبه ما لو توضأ وإن جمع في وقت الثانية جاز التفريق لأنه متى صلى الأولى فالثانية في وقتها لا تخرج بتأخيرها عن كونها مؤداة وفيه وجه آخر أن المتابعة مشترطة لأن الجمع حقيقته ضم الشيء إلى الشيء ولا يحصل مع التفريق والأول أصح لأن الأولى بعد وقوعها صحيحة لا تبطل بشيء يوجد بعدها والثانية لا تقع إلا في وقتها فصل ومتى جمع في وقت الأولى اعتبر وجود المبيح حال افتتاح الأولى والفراغ منها وافتتاح الثانية فمتى زال العذر في أحد هذه الثلاثة لم يبح الجمع وإن زال المطر في أثناء الأولى ثم عاد قبل الفراغ منها أو انقطع بعد الإحرام بالثانية جاز الجمع ولم يؤثر انقطاعه لأن العذر وجد في وقت النية وهو عند الإحرام بالأولى وفي وقت الجمع وهو آخر الأولى وأول الثانية فلم يضر بعدمه في غير ذلك فأما المسافر إذا نوى الإقامة في أثناء الصلاة الأولى انقطع الجمع والقصر ولزمه الإتمام ولو عاد فنوى السفر لم يبح له الترخص حتى يفارق البلد الذي هو فيه وإن نوى الإقامة بعد الإحرام بالثانية أو دخلت به السفينة بلده في أثنائها احتمل أن يتمها ويصح قياسا على انقطاع المطر قال بعض أصحاب الشافعي هذا الذي يقتضيه مذهب الشافعي ويحتمل أن ينقلب نفلا ويبطل الجمع لأنه أحد رخص السفر فبطل ذلك كالقصر والمسح ولأنه زال شرطها في أثنائها أشبه سائر شروطها ويفارق انقطاع المطر من وجهين أحدهما أنه لا يتحقق انقطاعه لاحتمال عوده في أثناء الصلاة والثاني أن يخلفه عذر مبيح وهو الوحل بخلاف مسألتنا وكذلك الحكم في المريض يبرأ ويزول عذره في أثناء الصلاة الثانية فأما إن جمع بينهما في وقت الثانية اعتبر بقاء العذر إلى حين دخول وقتها فإن زال في وقت الأولى كالمريض يبرأ والمسافر يقدم والمطر ينقطع لم يبح الجمع لزوال سببه وإن استمر إلى حين دخول وقت الثانية جمع وإن زال العذر لأنهما صارتا واجبتين في ذمته ولا بد له من فعلهما فصل وإن أتم الصلاتين في وقت الأولى ثم زال العذر بعد فراغه منهما قبل دخول وقت الثانية أجزأته ولم تلزمه الثانية في وقتها لأن الصلاة وقعت صحيحة مجزية عن ما في ذمته وبرئت ذمته منها فلم تشتغل الذمة بها بعد ذلك ولأنه أدى فرضه حال العذر فلم يبطل بزواله بعد ذلك كالمتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة فصل وإذا جمع في وقت الأولى فله أن يصلي سنة ثانية منهما ويوتر قبل دخول وقت الثانية لأن سنتها تابعة لها فيتبعها في فعلها ووقتها والوتر وقته ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح وقد صلى العشاء فدخل وقته فصل وإذا صلى إحدى صلاتي الجمع مع إمام وصلى الثانية مع إمام آخر وصلى معه مأموم في إحدء الصلاتين وصلى معه في الثانية مأموم ثان صح وقالابن عقيل لا يصح لأن كل واحد من الإمام والمأموم أحد من يتم به الجمع فلم يجز اختلافه وإذا اشترط دوامه كالعذر اشترط دوامه في الصلاتين