İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
ولنا إن لكل صلاة حكم نفسها وهي منفردة بنيتها فلم يشترط اتحاد الإمام ولا المأموم كغير المجموعتين وقوله إن الإمام والمأموم أحد من يتم به الجمع لا يصح فإنه يجوز للمريض والمسافر الجمع منفردا وفي المطر في أحد الوجهين وإن قلنا إن الجمع في المطر لا يصح إلا في الجماعة فالذي يتم به الجمع الجماعة لا عين الإمام والمأموم ولم تختل الجماعة وعلى ما ذكرناه لو ائتم المؤموم بإمام لا ينوي الجمع فنواه المأموم فلما سلم الإمام صلى المأموم الثانية جاز لأننا أبحنا له مفارقة إمامه في الصلاة الواحدة لعذر ففي الصلاتين أولى ولأن نيتهما لم تختلف في الصلاة الأولى وإنما نوى أن يفعل فعلا في غيرها فأشبه لو نوى المسافر في الصلاة الأولى إتمام الثانية وهكذا لو صلى المسافر بمقيمين فنوى الجمع فلما صلى بهم الأولى قام فصلى الثانية جاز على هذا وكذلك لو صلى أحد صلاتي الجمع منفردا ثم حضرت جماعة يصلون الثانية فأمهم فيها أو صلى معهم مأموما جاز وقول ابن عقيل يقتضي أن لا يجوز شيء من ذلك مسألة قال ( وإذا نسي صلاة حضر فذكرها في السفر أو صلاة سفر فذكرها في الحضر صلى في الحالتين صلاة حضر ) نص أحمد رحمه الله على هاتين المسألتين في رواية أبي داود والأثرم قال في رواية الأثرم أما المقيم إذا ذكرها في السفر فذاك بالإجماع يصلي أربعا وإذا نسيها في السفر فذكرها في الحضر صلى أربعا بالاحتياط فإنما وجبت عليه الساعة فذهب أبو عبد الله إلى ظاهر الحديث فليصليها إذا ذكرها أما إذا نسي صلاة الحضر فذكرها في السفر فعليه الإتمام إجماعا ذكره الإمام أحمد وابن المنذر لأن الصلاة تعين عليه فعلها أربعا فلم يجز له النقصان من عددها كما لو سافر ولأنه إنما يقضي ما فاته أربع وأما إن نسي صلاة السفر فذكرها في الحضر فقال أحمد عليه الإتمام احتياطا وبه قال الأوزاعي وداود والشافعي في أحد قوليه وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي يصليها صلاة سفر لأنه إنما يقضي ما فاته ولم يفته إلا ركعتان ولنا إن القصر رخصة من رخص السفر فيبطل بزواله كالمسح ثلاثا ولأنها وجبت عليه في الحضر بدليل قوله عليه السلام فليصلها إذا ذكرها ولأنها عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب فيها حكمه كما لو دخلت به السفينة البلد في أثناء الصلاة وكالمسح وقياسهم ينتقض الجمعة إذا فاتت وبالمتيمم إذا فاتته الصلاة فقضاها عند وجود الماء فصل وإن نسيها في سفر وذكرها فيه قضاها مقصورة لأنها وجبت في السفر وفعلت به أشبه ما لو صلاها في وقتها وإن ذكرها في سفر آخر فكذلك لما ذكرنا وسواء ذكرها في الحضر أو لم يذكرها ويحتمل أنه إذا ذكرها في الحضر لزمته تامة لأنه وجب عليه فعلها بذكره إياها فبقيت في ذمته والأول أولى لأن وجوبها وفعلها في السفر فكانت صلاة سفر كما لو لم يذكرها في الحضر وذكر بعض أصحابنا أن من شرط القصر كون الصلاة مؤداة لأنها صلاة مقصورة فاشترط لها الوقت كالجمعة وهذا فاسد فإن هذا اشتراط بالرأي والتحكم لم يرد الشرع به والقياس على الجمعة غير صحيح فإن الجمعة لا تقضى ويشترط لها الخطبتان والعدد والاستيطان فجاز اشتراط الوقت لها بخلاف صلاة السفر فصل وإذا سافر بعد دخول وقت الصلاة فقال ابن عقيل فيه روايتان إحداهما قصرها قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن له قصرها وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي لأنه سافر قبل خروج وقتها أشبه ما لو سافر قبل وجوبها والثانية ليس له قصرها لأنها وجبت عليه في الحضر فلزمه إتمامها كما لو سافر بعد خروج وقتها أو بعد إحرامه بها وفارق ما قبل الوقت لأن الصلاة لم تجب عليه مسألة قال ( وإذا دخل مع مقيم وهو مسافر ائتم ) وجملة ذلك أن المسافر متى ائتم بمقيم لزمه الإتمام سواء أدرك جميع الصلاة أو ركعة أو أقل
قال الأثرم سألت أبا عبد الله عن المسافر يدخل في تشهد المقيم قال يصلي أربعا وروي ذلك عنابن عمر وابن عباس وجماعة من التابعين وبه قال الثوري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال إسحاق للمسافر القصر لأنها صلاة يجوز فعلها ركعتين فلم تزد بالائتمام كالفجر وقال طاوس والشعبي وتميم بن حذلم في المسافر يدرك من صلاة المقيم ركعتين يجزيان وقال الحسن والنخعي والزهري وقتادة ومالك إن أدرك ركعة أتم وإن أدرك دونها قصر لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة ولأن من أدرك من الجمعة ركعة أتمها جمعة ومن أدرك أقل من ذلك لا يلزمه فرضها ولنا ما روي عن ابن عباس أنه قيل له ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد وأربعا إذا ائتم بمقيم فقال تلك السنة رواه أحمد في المسند وقوله السنة ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه فعل من سمينا من الصحابة ولا نعرف لهم في عصرهم مخالفا قال نافع كان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلاها أربعا وإذا صلى وحده صلاها ركعتين رواه مسلم ولأن هذه صلاة مردودة من أربع إلى ركعتين فلا يصليها خلف من يصلي الأربع كالجمعة وما ذكره إسحاق لا يصح عندنا فإنه لا تصح له صلاة الفجر خلف من يصلي الرباعية وإدراك الجمعة يخالف ما نحن فيه فإنه لو أدرك ركعة من الجمعة رجع إلى ركعتين وهذا بخلافه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ومفارقة إمامه اختلاف عليه فلم يجز مع إمكان متابعته وإذا أحرم المسافرون خلف مسافر فأحدث واستخلف مسافرا آخر فلهم القصر لأنهم لم يأتموا بمقيم وإن استخلف مقيما لزمهم الإتمام لأنهم ائتموا بمقيم وللإمام الذي أحدث أن يصلي صلاة المسافر لأنه لم يأتم بمقيم ولو صلى المسافرون خلف مقيم فأحدث واستخلف مسافرا أو مقيما لزمهم الإتمام لأنهم ائتموا بمقيم قال استخلف مسافرا لم يكن معهم في الصلاة فله أن يصلي صلاة السفر لأنه لم يأتم بمقيم فصل وإذا أحرم المسافر خلف مقيم أو من يغلب يغلب على ظنه أنه مقيم أو من يشك هل هو مقيم أو مسافر لزم الإتمام وإن قصر إمامه لأن الأصل وجوب الصلاة تامة فليس له نية قصرها مع الشك في وجوب إتمامها ويلزمه إتمامها اعتبارا بالنية وهذا مذهب الشافعي وإن غلب على ظنه أن الإمام مسافر لرؤية حلية المسافرين عليه وآثار السفر فله أن ينوي القصر فإن قصر إمامه قصر معه وإن أتم لزمه متابعته وإن نوى الإتمام لزمه الإتمام سواء قصر إمامه أو أتم اعتبارا بالنية وإن نوى القصر فأحدث إمامه قبل علمه بحاله فله القصر لأن الظاهر أن إمامه مسافر لوجود دليله وقد أبيحت له نية القصر بناء على هذا الظاهر ويحتمل أن يلزمه الإتمام احتياطا فصل إذا صلى المسافر صلاة الخوف بمسافرين ففرقهم فرقتين فأحدث قبل مفارقة الطائفة الأولى واستخلف مقيما لزم الطائفتين الإتمام لوجود الائتمام بمقيم وإن كان ذلك بعد مفارقة الأولى أتمت الثانية وحدها لاختصاصها بالائتمام بالمقيم وإن كان الإمام مقيما فاستخلف مسافرا ممن كان معه في الصلاة فعلى الجميع الإتمام لأن المستخلف قد لزمه الإتمام باقتدائه بالمقيم فصار كالمقيم وإن لم يكن دخل معه في الصلاة وكان استخلافه قبل مفارقة الأولى فعليها الإتمام لائتمامها بمقيم ويقصر الإمام والطائفة الثانية وإن استخلف بعد دخول الثانية معه فعلى الجميع الإتمام وللمستخلف القصر وحده لأنه لم يأتم بمقيم مسألة قال ( وإذا صلى مسافر ومقيم خلف مسافر أتم المقيم إذا سلم إمامه )
أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتم بالمسافر وسلم المسافر من ركعتين أن على المقيم إتمام الصلاة وقد روي عن عمران بن حصين قال شهدت الفتح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ثم يقول لأهل البلد صلوا أربعا فأنا سفر رواه أبو داود ولأن الصلاة واجبة عليه أربعا فلم يكن له ترك شيء من ركعاتها كما لو لم يأتم بمسافر فصل ويستحب للإمام إذا صلى بمقيمين أن يقول لهم عقيب تسليمه أتموا فإنا سفر لما ذكرنا من الحديث ولئلا يشتبه على الجاهل عدد ركعات الصلاة فيظن أن الرباعية ركعتان وقد روى الأثرم عن الزهري أن عثمان إنما أتم الصلاة لأن الأعراب حجوا فأراد أن يعرفهم أن الصلاة أربع فصل وإذا أم المسافر المقيمين فأتم بهم الصلاة فصلاتهم تامة صحيحة وبهذا قال الشافعي وإسحاق وقال أبو حنيفة والثوري تفسد صلاة المقيمين وتصح صلاة الإمام والمسافرين معه وعن أحمد نحو ذلك قال القاضي لأن الركعتين الأخريين نفل من الإمام فلا يؤم بها مفترضين ولنا إن المسافر يلزمه الإتمام بنيته فيكون الجمع واجبا ولو كانت نفلا فائتمام المفترض بالمتنفل جائز على ما مضى فصل وإن أم المسافر مسافرين فنسي فصلاها تامة صحت صلاته وصلاتهم ولا يلزم لذلك سجود سهو لأنها زيادة لا يبطل الصلاة عمدها فلا يجب السجود لسهوها كزيادات الأقوال مثل القراءة في السجود والقعود وهل يشرع السجود لها يخرج على الروايتين في الزيادات المذكورة واختار ابن عقيل أنه لا يحتاج إلى سجود لأنه أتى بالأصل فلم يحتج إلى جبران ووجه مشروعيته أن هذه زيادة نقصت الفضيلة وأخلت بالكمال فأشبهت القراءة في غير محلها وقراءة السورة في الأخريين وإذا ذكر الإمام بعد قيامه إلى الثالثة لم يلزمه الإتمام وله أن يجلس فإن الموجب للإتمام نيته أو الائتمام بمقيم ولم يوجد واحد منها وإن علم المأموم أن قيامه لسهو وسبحوا به لم يلزموا متابعته لأنه سهو فلا يجب اتباعه فيه ولهم مفارقته إن لم يرجع كما لو قام إلى ثالثة في الفجر وإن تابعوه لم تبطل صلاة الإمام فلا تبطل صلاة المأموم بمتابعته فيها كزيادات الأقوال ولأنهم لو فارقوا الإمام وأتموا صحت صلاتهم فمع موافقته أولى وقال القاضي تفسد صلاتهم لأنهم زادوا ركعتين عمدا وإن لم يعلموا هل قام سهوا أو عمدا لزمهم متابعته ولم يكن لهم مفارقته لأن حكم وجوب المتابعة ثابت فلا يزول بالشك مسألة قال ( وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم ) المشهور عن أحمد رحمه الله أن المدة التي تلزم المسافر الإتمام بنية الإقامة فيها هي ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاة رواه الأثرم والمروذي وغيرهما وعنه أنه إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وإن نوى دونها قصر وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور لأن الثلاث حد القلة بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم يقيم المهاجر بعد قضاء منسكه ثلاثا ولما أخلى عمر رضي الله عنه أهل الذمة ضرب لمن قدم منهم تاجرا ثلاثا فدل على أن الثلاث في حكم السفر وما زاد في حكم الإقامة ويروى هذا القول عن عثمان رضي الله عنه وقال الثوري وأصحاب الرأي إن أقام خمسة عشر يوما مع اليوم الذي يخرج فيه أتم وإن نوى ذلك قصر وروي ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير والليث بن سعد لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا إذا قدمت وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة ولا يعرف لهم مخالف
وروي عن سعيد بن المسيب مثل هذا القول وروى عنهقتادة قال إذا أقمت أربعا فصل أربعا وروي عن علي رضي الله عنه قال يتم الصلاة الذي يقيم عشرا ويقصر الصلاة الذي يقول أخرج اليوم أخرج غدا شهرا وهذا قول محمد بن علي وابنه والحسن بن صالح وعن ابن عباس قال إذا قدمت بلدة فلم تدر متى تخرج فأتم الصلاة وإن قلت أخرج اليوم أخرج غدا فأقمت عشرا فأتم الصلاة وعنه أنه قال أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين قال ابن عباس فنحن إذا قمنا تسع عشرة نصلي ركعتين وإذا زدنا على ذلك أتممنا رواه البخاري وقال الحسن صل ركعتين ركعتين إلى أن تقدم مصرا فأتم الصلاة وصم وقالت عائشة إذا وضعت الزاد والمزاد فأتم الصلاة وكان طاوس إذا قدم مكة صلى أربعا ولنا ما روى أنس قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فصلى ركعتين حتى رجع وأقام بمكة عشرا يقصر الصلاة متفق عليه وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم لصبح رابعة فأقام النبي صلى الله عليه وسلم اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام وقد أجمع على إقامتها قال فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم قصر وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم قال الأثرم وسمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر فقال هو كلام ليس يفقهه كل أحد وقوله أقام النبي صلى الله عليه وسلم عشرا يقصر الصلاة فقال قدم النبي صلى الله عليه وسلم لصبح رابعة وخامسة وسادسة وسابعة ثم قال وثامنة يوم التروية وتاسعة وعاشرة فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ومنى وإلا فلا وجه له عندي غير هذا فهذه أربعة أيام وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاة يقصر فهذا يدل على أن من أقام إحدى وعشرين صلاة يقصر وهي تزيد على أربعة أيام وهذا صريح في خلاف من حده أربعة أيام وقول أصحاب الرأي لم نعرف لهم مخالفا في الصحابة غير صحيح فقد ذكرنا الخلاف فيه عنهم وذكرنا عن ابن عباس نفسه خلاف ما حكوه عنه رواه سعيد في سننه ولم أجد ما حكوه عنه فيه وحديث ابن عباس في إقامة تسع عشرة وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع الإقامة قال أحمد أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثماني عشرة زمن الفتح لأنه أراد حنينا ولم يكن تم إجماع المقام وهذه إقامته التي رواها ابن عباس والله أعلم فصل ومن قصد بلدا بعينه فوصله غير عازم على الإقامة به مدة ينقطع فيها حكم سفره فله القصر فيه قال أحمد فيمن دخل مكة لم يجمع على إقامة تزيد على إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بها وهو أن يقدم رابع ذي الحجة فله القصر وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أسفاره يقصر حتى يرجع وحين قدم مكة وأقام بها ما أقام كان يقصر فيها وهذا خلاف قول عائشة والحسن ولا فرق بين أن يقصد الرجوع إلى بلده كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على ما في حديث أنس وبين أن يريد بلدا آخر كما فعل صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح على ما في حديث ابن عباس فصل وإن مر في طريقه على بلد فيه أهل أو مال فقال أحمد في موضع يتم وقال في موضع يتم إلا أن يكون مارا وهذا قول ابن عباس وقال الزهري إذا مر بمزرعة له أتم وقال مالك إذ مر بقرية فيها أهله أو ماله أتم إذا أراد أن يقيم بها يوما وليلة وقال الشافعي وابن المنذر يقصر ما لم يجمع على إقامة أربع لأنه مسافر لم يجمع على أربع
ولنا ما روي عنعثمان أنه صلى بمنى أربع ركعات فأنكر الناس عليه فقال يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم رواه الإمام أحمد في المسند وقال ابن عباس إذا قدمت على أهل لك أو مال فصل صلاة المقيم ولأنه مقيم ببلد فيه أهله فأشبه البلد الذي سافر منه فصل قال أحمد من كان مقيما بمكة ثم خرج إلى الحج وهو يريد أن يرجع إلى مكة فلا يقيم بها حتى ينصرف فهذا يصلي بعرفة ركعتين لأنه حين خرج من مكة أنشأ السفر فهو في سفر من حين خرج من مكة ولو أن رجلا كان مقيما ببغداد فأراد الخروج إلى الكوفة فعرضت له حاجة بالنهروان ثم رجع فمر ببغداد ذاهبا إلى الكوفة صلى ركعتين إذا كان يمر ببغداد مجتازا لا يريد الإقامة بها وإن كان الذي خرج إلى عرفة في نيته الإقامة بمكة إذا رجع فإنه لا يقصر بعرفة ولذلك أهل مكة لا يقصرون وإن صلى رجل مكي يقصر الصلاة بعرفة ركعتين ثم أقام بعد صلاة الإمام فأضاف إليها ركعتين أخريين صحت الصلاة لأن المكي يقصر بتأويل فصحت صلاة من يأتم به فصل وإذا خرج المسافر فذكر حاجة فرجع إليها فله القصر في رجوعه إلا أن يكون نوى أن يقيم إذا رجع مدة تقطع القصر أو يكون أهله أو ماله في البلد الذي رجع إليه لما ذكرنا هكذا حكي عن أحمد وقوله في الرواية الأخرى أتم إلا أن يكون مارا يقتضي أنه إذا قصد أخذ حاجته والرجوع من غير إقامة أنه يقصر والشافعي يرى له القصر ما لم ينو في رجوعه الإقامة في البلد أربعا قال ولو كان أتم أحب إلي وقال مالك يتم حتى يخرج فاصلا للثانية ونحوه قول الثوري ولنا إنه قد ثبت له حكم السفر بخروجه ولم يوجد إقامة تقطع حكمه فأشبه ما لو أتى قرية غير مخرجة مسألة قال ( وإن قال اليوم أخرج غدا أخرج قصر وإن أقام شهرا ) وجملة ذلك أن من لم يجمع الإقامة مدة تزيد على إحدى وعشرين صلاة فله القصر ولو أقام سنين مثل أن يقيم لقضاء حاجة يرجو نجاحها أو لجهاد عدو أو حبس سلطان أو مرض وسواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أو كثيرة بعد أن يحتمل انقضاؤها في المدة التي لا تقطع حكم السفر قال ابن المنذر أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون وقد روى ابن عباس قال أقام النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين رواه البخاري وقال جابر أقام النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك عشرين يوما يقصر الصلاة رواه الإمام أحمد في مسنده وفي حديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ثماني عشرة لا يصلي إلا ركعتين رواه أبو داود وروي عن عبد الرحمن بن المسور عن أبيه قال أقمنا مع سعد بعمان أو سلمان فكان يصلي ركعتين ويصلي أربعا فذكرنا ذلك له فقال نحن أعلم رواه الأثرم وروى سعيد بإسناده عن المسور بن مخرمة قال أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة يقصرها سعد ويتمها وقالنافع أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول وعن حفص بن عبد الله أن أنس بن مالك أقام بالشام سنين يصلي صلاة المسافر وقال أنس أقام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم برامهرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال أقمت معه سنتين بكابل يقصر الصلاة ولا يجمع
وقالإبراهيم كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك وبسجستان السنتين يجمعون ولا يصومون وقد ذكرنا عن علي رضي الله عنه أنه قال ويقصر إذا قال اليوم أخرج غدا أخرج شهرا وهذا مثل قول الخرقي ولعل الخرقي رحمه الله إنما قال ذلك اقتداء به ولم يرد أن نهاية القصر إلى شهر وإنما أراد أنه لا نهاية للقصر والله أعلم فصل وإن عزم على إقامة طويلة في رستاق ينتقل من قرية إلى قرية لا يجمع على الإقامة بواحدة منها مدة تبطل حكم السفر لم يبطل حكم سفره لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام عشرا بمكة وعرفة ومنى فكان يقصر في تلك الأيام كلها وروى الأثرم بإسناده عن مورق قال سألت ابن عمر قلت إني رجل تاجر آتي الأهواز فانتقل في قراها من قرية إلى قرية فأقيم الشهر وأكثر من ذلك قال تنوي الإقامة قلت لا قال لا أراك إلا مسافرا صل صلاة المسافرين ولأنه لم ينو الإقامة في بلد بعينه فأشبه المتنقل في سفره من منزل إلى منزل فصل وإذا دخل بلدا فقال إن لقيت فلانا أقمت وإن لم ألقه لم أقم لم يبطل حكم سفره لأنه لم يجزم بالإقامة ولأن المبطل لحكم السفر هو العزم على الإقامة ولم يوجد وإنما علقه على شرطه وليس ذلك بحرام فصل ولا بأس بالتطوع نازلا وسائرا على الراحلة لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومىء برأسه وكان ابن عمر يفعله وروي نحو ذلك عن جابر وأنس متفق عليهن وروت أم هانىء بنت أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة اغتسل في بيتها فصلى ثماني ركعات متفق عليه وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتطوع في السفر رواه سعيد ويصلي ركعتي الفجر والوتر لأن ابن عمر روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر على بعيره ولما نام النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس صلى ركعتي الفجر قبلها متفق عليهما فأما سائر السنن والتطوعات قبل الفرائض وبعدها فقال أحمد أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس وروي عن الحسن قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وجابر وأنس وابن عباس وأبي ذر وجماعة من التابعين كثير وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وكان ابن عمر لا يتطوع مع الفريضة قبلها ولا بعدها إلا من جوف الليل ونقل ذلك عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين لما روي أن ابن عمر رأى قوما يسبحون بعد الصلاة فقال لو كنت مسبحا لأتممت صلاتي يا ابن أخي صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وذكر عمر وعثمان وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة الأحزاب 21 متفق عليه ووجه الأول ما روي عن ابن عباس قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الحضر فكنا نصلي قبلها وبعدها وكنا نصلي في السفر قبلها وبعدها رواه ابن ماجه وعن أبي بصرة الغفاري عن البراء بن عازب قال صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سفرا فما رأيته ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر رواه أبو داود وحديث الحسن عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرناه فهذا يدل على أنه لا بأس بفعلها وحديث ابن عمر يدل على أنه لا بأس بتركها فيجمع بين الأحاديث والله أعلم كتاب صلاة الجمعة الأصل في فرض الجمعة الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى ^( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع الجمعة
فأمر بالسعي ويقتضي الأمر الوجوب ولا يجب السعي إلا إلى الواجب ونهى عن البيع لئلا يشتغل به عنها فلو لم تكن زاجبة لما نهى عن البيع من أجلها والمراد بالسعي ها هنا الذهاب إليها لا الإسراع فإن السعي في كتاب الله لم يرد به العدو قال الله تعالى وأما من جاءك يسعى البقرة 205 وقال ويسعون في الأرض فسادا المائدة 33 64 وأشباه هذا لم يرد بشيء من العدو وقد روى عن عمر أنه كان يقرؤها / < فامضوا إلى ذكر الله > / وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين متفق عليه وعن أبي الجعد الضمري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه وقال عليه السلام الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض رواهما أبو داود وعن جابر قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال واعلموا أن الله تعالى قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا من عامي هذا فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها وجحودا لها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ألا ولا زكاة له ألا ولا حج له ألا ولا صوم له ألا ولا بر له حتى يتوب فإن تاب تاب الله عليه رواه ابن ماجة وأجمع المسلمون على وجوب الجمعة مسألة قال ( وإذا زالت الشمس يوم الجمعة صعد الإمام على المنبر ) المستحب إقامة الجمعة بعد الزوال لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك قال سلمة بن الأكوع كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتبع الفيء متفق عليه وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس أخرجه البخاري ولأن في ذلك خروجا من الخلاف فإن علماء الأمة اتفقوا على أن ما بعد الزوال وقت للجمعة وإنما الخلاف فيما قبله ولا فرق في استحباب إقامتها عقيب الزوال بين شدة الحر وبين غيره فإن الجمعة يجتمع لها الناس فلو انتظروا الإبراد شق عليهم وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها إذا زالت الشمس في الشتاء والصيف على ميقات واحد فيستحب أن يصعد للخطبة على منبر ليسمع الناس وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على منبره وقال سهل بن سعد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة امرأة سماها سهل أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس متفق عليه وقالت أم هشام بنت حارثة بن النعمان ما أخذت قاف إلا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس وليس ذلك واجبا فلو خطب على الأرض أو على ربوة أو وسادة أو على راحلته أو غير ذلك جاز فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان قبل أن يصنع المنبر يقوم على الأرض ا ه فصل ويستحب أن يكون المنبر على يمين القبلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا صنع مسألة قال ( فإذا استقبل الناس سلم عليهم وردوا عليه وجلس ) يستحب للإمام إذا خرج أن يسلم على الناس ثم إذا صعد المنبر فاستقبل الحاضرين سلم عليهم وجلس إلى أن يفرغ المؤذنون من أذانهم كان ابن الزبير إذا علا على المنبر سلم وفعله عمر بن عبد العزيز وبه قال الأوزاعي والشافعي قال مالك وأبو حنيفة لا يسن السلام عقيب الاستقبال لأنه قد سلم حال خروجه
ولنا ما روى جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلم رواه ابن ماجه وعن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد يوم الجمعة سلم على من عند المنبر جالسا فإذا صعد المنبر توجه الناس سلم عليهم رواه أبو بكر بإسناده عن الشعبي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال السلام عليكم ورحمة الله ويحمد الله تعالى ويثني عليه ويقرأ سورة ثم يجلس ثم يقوم فيخطب وكان أبو بكر وعمر يفعلانه رواه الأثرم ومتى سلم رد عليه الناس لأن رد السلام آكد من ابتدائه ثم يجلس حتى يفرغ المؤذنون ليستريح وقد روى ابن عمر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذنون ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب رواه أبو داود مسألة قال ( وأخذ المؤذنون في الأذان وهذا الأذان الذي يمنع البيع ويلزم السعي إلا لمن منزله في بعد فعليه أن يسعى في الوقت الذي يكون فيه مدركا للجمعة ) أما مشروعية الأذان عقيب صعود الإمام فلا خلاف فيه فقد كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم قال السائب بن يزيد كان النداء إذا صعد الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلما كان عثمان كثر الناس فزاد النداء الثالث على الزوراء رواه البخاري وأما قوله هذا الأذان الذي يمنع البيع ويلزم السعي فلأن السعي الله تعالى أمر بالسعي ونهى عن البيع بعد النداء بقوله سبحانه إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع والنداء الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النداء عقيب جلوس الإمام على المنبر فتعلق الحكم به دون غيره ولا فرق بين أن يكون ذلك قبل الزوال أو بعده وحكى القاضي رواية أحمد أن البيع يحرم بزوال الشمس وإن لم يجلس الإمام على المنبر ولا يصح هذا لأن الله تعالى علقه على النداء لا على الوقت ولأن المقصود بهذا إدراك الجمعة وهو يحصل بما ذكرنا دون ما ذكره ولو كان تحريم البيع معلقا بالوقت لما اختص بالزوال فإن ما قبله وقت أيضا فأما من كان منزله بعيدا لا يدرك الجمعة بالسعي وقت النداء فعليه السعي في الوقت الذي يكون به مدركا للجمعة لأن الجمعة واجبة والسعي قبل النداء من ضرورة إدراكها وما لا يتم الواجب إلا به واجب كاستقاء الماء من البئر للوضوء إذا لم يقدر على غيره وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم ونحوهما فصل وتحريم البيع ووجوب السعي يختص بالمخاطبين بالجمعة فأما غيرهم من النساء والصبيان والمسافرين فلا يثبت في حقه ذلك وذكر ابن أبي موسى في غير المخاطبين روايتين والصحيح ما ذكرنا فإن الله تعالى إنما نهى عن البيع من أمره بالسعي فغير المخاطب بالسعي لا يتناوله النهي ولأن تحريم البيع معلل بما يحصل به من الاشتغال عن الجمعة وهذا معدوم في حقهم فإن كان المسافر في غير المصر أو كان إنسانا مقيما بقرية لا جمعة على أهلها لم يحرم البيع قولا واحدا ولم يكره وإن كان أحد المتابعين مخاطبا والآخر غير مخاطب حرم في حق المخاطب وكره في حق غيره لما فيه من الإعانة على الإثم ويحتمل أن يحرم أيضا لقوله تعالى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان المائدة 2 فصل ولا يحرم غير البيع من العقود كالإجارة والصلح والنكاح وقيل يحرم لأنه عقد معاوضة أشبه البيع ولنا إن النهي مختص بالبيع وغيره لا يساويه في الشغل عن السعي لقلة وجوده فلا يصح قياسه على البيع فصل وللسعي إلى الجمعة وقتان وقت وجوب ووقت فضيلة فأما وقت الوجوب فما ذكرناه وأما وقت الفضيلة فمن أول النهار فكلما كان أبكر كان أولى وأفضل وهذا مذهب الأوزاعي والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي
وقال مالك لا يستحب التكبير قبل الزوال لقول النبي صلى الله عليه وسلم من راح إلى الجمعة والرواح بعد الزوال والغدو قبله قال النبي صلى الله عليه وسلم غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ويقال تروحت عند انتصاف النهار قال امرؤ القيس تروح من الحي أم تبتكر ولنا ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر متفق عليه وفي لفظ إذا كان يوم الجمعة وقف على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول فإذا خرج الإمام طووا الصحف وجاؤوا يستمعون متفق عليه وقال علقمة خرجت مع عبد الله إلى الجمعة فوجدت ثلاثة قد سبقوه فقال رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس يجلسون من الله عز وجل يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة رواه ابن ماجه وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها أخرجه الترمذي وقال حديث حسن رواه ابن ماجه وزاد ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ قوله بكر أي خرج في بكرة النهار وهي أوله وابتكر بالغ في التبكير أي جاء في أول البكرة على ما قال امرؤ القيس تروح من الحي أم تبتكر وقيل معناه ابتكر العبادة من بكورة وقيل ابتكر الخطبة أي حضر الخطبة مأخوذة من باكورة الثمرة وهي أولها وغير هذا أجود لأن من جاء في بكرة النهار لزم أن يحضر أول الخطبة وقوله غسل واغتسل أي جامع امرأته ثم اغتسل ولهذا قال في الحديث الآخر من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة قالأحمد تفسير قوله من غسل واغتسل مشددة يريد يغسل أهله وغير واحد من التابعين عبد الرحمن بن الأسود وهلال بن يساف يستحبون أن يغسل الرجل أهله يوم الجمعة وإنما هو على أن يطأ وإنما استحب ذلك ليكون أسكن لنفسه وأغض لطرفه في طريقه روي ذلك عن وكيع أيضا وقيل المراد به غسل رأسه واغتسل في بدنه حكي هذا عن ابن المبارك وقوله غسل الجنابة على هذا التفسير أي كغسل الجنابة وأما قولمالك فمخالف للآثار لأن الجمعة يستحب فعلها عند الزوال وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبكر بها ومتى خرج الإمام طويت الصحف فلم يكتب من أتى الجمعة بعد ذلك فأي فضيلة لهذا وإن أخر بعد ذلك شيئا دخل في النهي والذم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي جاء يتخطى الناس رأيتك أنيت وآذيت أي أخرت المجيء وقال عمر لعثمان حين جاء وهو يخطب أي ساعة هذه على سبيل الإنكار عليه وإن أخر أكثر من هذا فاتته الجمعة فكيف يكون لهؤلاء بدنة أو بقرة أو أفضل وهم من أهل الذم وقوله راح إلى الجمعة أي ذهب إليها لا يحتمل غير هذا فصل والمستحب أن يمشي ولا يركب في طريقها لقوله ومشى ولم يركب وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يركب في عيد ولا جنازة والجمعة في معناهما وإنما لم يذكرها لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان باب حجرته شارعا في المسجد يخرج منه إليه فلا يحتمل الركوب ولأن الثواب على الخطوات بدليل ما رويناه ويستحب أن يكون عليه السكينة والوقار في حال مشيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا ولأن الماشي إلى الصلاة في صلاة ولا يشبك بين أصابعه ويقارب بين خطاه لتكثر حسناته
وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج مع زيد بن ثابت إلى الصلاة فقارب بين خطاه ثم قال إنما فعلت لتكثر خطانا في طلب الصلاة وروي عن عبد الله بن رواحة أنه كان يبكر إلى الجمعة ويخلع نعليه ويمشي حافيا يختصر في مشيه رواه الأثرم ويكثر ذكر الله في طريقه ويغض بصره ويقول ما ذكرناه في باب صفة الصلاة ويقول أيضا اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك وأقرب من توسل إليك وأفضل من سألك ورغب إليك وروينا عن بعض الصحابة أنه مشى إلى الجمعة حافيا فقيل له في ذلك فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار فصل وتجب الجمعة والسعي إليها سواء كان من يقيمها سنيا أو مبتدعا أو عدلا أو فاسقا نص عليه أحمد وروي عن العباس بن عبد العظيم أنه سأل أبا عبد الله عن الصلاة خلفهم يعني المعتزلة يوم الجمعة قال أما الجمعة فينبغي شهودها فإن كان الذي يصلي منهم أعاد وإن كان لا يدري أنه منهم فلا يعيد قلت فإن كان يقال إنه قد قال بقولهم قال حتى يستيقن ولا أعلم في هذا بين أهل العلم خلافا والأصل في هذا عموم قول الله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع الجمعة 9 وقول النبي صلى الله عليه وسلم فمن تركها في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها أو جحودا بها فلا جمع الله شمله وإجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن عبد الله بن عمر وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يشهدونها مع الحجاج ونظرائه ولم يسمع من أحد منهم التخلف عنها وقال عبد الله بن أبي الهذيل تذاكرنا الجمعة أيام المختار فأجمع رأيهم على أن يأتوه فإنما عليه كذبه ولأن الجمعة من أعلام الدين الظاهرة ويتولاها الأئمة ومن ولوه فتركها خلف من هذه صفته يؤدي إلى سقوطها وجاء رجل إلى محمد بن النضر الحارثي فقال إن لي جيرانا من أهل الأهواء فكنت أعيبهم وأتنقصهم فجاؤوني فقالوا ما تخرج تذكرنا قال وأي شيء يقولون قال أول ما أقول لك إنهم لا يرون الجمعة قال حسبك ما قولك فيمن رد على أبي بكر وعمر رحمهما الله قال قلت رجل سوء قال فما قولك فيمن رد على النبي صلى الله عليه وسلم قال قلت كافر فمكث ساعة ثم قال ما قولك فيمن رد على العلي الأعلى ثم غشي عليه فمكث ساعة ثم قال ردوا عليه والله قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله قالها والله وهو يعلم أن بني العباس يسألونها إذا ثبت هذا فإنها لا تعاد خلف من يعاد خلفه بقية الصلوات وحكي عن أبي عبد الله رواية أخرى أنها لا تعاد وقد ذكرنا ذلك فيما مضى والظاهر من حال الصحابة رحمة الله عليهم أنهم لم يكونوا يعيدونها فإنه لم ينقل عنهم ذلك مسألة قال ( فإذا فرغوا من الأذان خطبهم قائما ) وجملة ذلك أن الخطبة شرط في الجمعة لا تصح بدونها كذلك قال عطاء والنخعي وقتادة والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا إلا الحسن قال تجزئهم جميعهم خطب الأمام أو لم يخطب لأنها صلاة عيد فلم تشترط لها الخطبة كصلاة الأضحى ولنا قول الله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع والذكر هو الخطبة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك الخطبة للجمعة في حال وقد قال صلوا كما رأيتموني أصلي وعن عمر رضي الله عنه أنه قال قصرت الصلاة لأجل الخطبة وقول عائشة نحو هذا وقال سعيد بن جبير كانت الجمعة أربعا فجعلت الخطبة مكان الركعتين وقوله خطبهم قائما يحتمل أنه أراد اشتراط القيام في الخطبة وأنه متى خطب قاعدا لغير عذر لم تصح ويحتمله كلام أحمد رحمه الله قال الأثرم قال الله تعالى وتركوك قائما الجمعة 11
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما فقال له الهيثم بن خارجة كان عمر بن عبد العزيز يجلس في خطبته فظهر منه إنكار وهذا مذهب الشافعي وقالالقاضي يجزيه الخطبة قاعدا وقد نص عليه أحمد وهو مذهب أبي حنيفة لأنه ذكر ليس من شرطه الاستقبال فلم يجب له القيام كالأذان ووجه الأول ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس متفق عليه وقال جابر بن سمرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يقوم فيخطب قائما فمن نبأك بأنه يخطب جالسا فقد كذب فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي فأما إن قعد لعذر من مرض أو عجز عن القيام فلا بأس فإن الصلاة تصح من القاعد العاجز عن القيام فالخطبة أولى ويستحب أن يشرع في الخطبة عند فراغ المؤذن من أذانه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك فصل ويستحب أن يستقبل الناس الخطيب إذا خطب قال الأثرم قلت لأبي عبد الله يكون الإمام متباعدا فإذا أردت أن أنحرف إليه حولت وجهي عن القبلة فقال نعم تنحرف إليه وممن كان يستقبل الإمام ابن عمر وأنس وهو قول شريح وعطاء ومالك والثوري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جابر ويزيد بن أبي مريم والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي قال ابن المنذر هذا كالإجماع وروي عن الحسن أنه استقبل القبلة ولم ينحرف إلى الإمام وعن سعيد بن المسيب أنه كان يستقبل هشام بن إسماعيل إذا خطب فوكل به هشام شرطيا يعطفه إليه والأول أولى لما روى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم رواه ابن ماجة وعن مطيع بن يحيى المدني عن أبيه عن جده قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر أقبلنا بوجوهنا إليه أخرجه الأثرم ولأن ذلك أبلغ في سماعهم فاستحب كاستقبال الإمام إياهم مسألة قال ( فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وجلس وقام فأتى أيضا بالحمد لله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ ووعظ وإن أراد أن يدعو لإنسان دعا ) وجملته أنه يشترط للجمعة خطبتان وهذا مذهب الشافعي وقالمالك والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي يجزيه خطبة واحدة وقد روي عن أحمد ما يدل عليه فإنه قال لا تكون الخطبة إلا كما خطب النبي صلى الله عليه وسلم أي خطبة تامة ووجه الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين كما روينا في حديث ابن عمر وجابر بن سمرة وقد قال صلوا كما رأيتموني أصلي ولأن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين فكل خطبة مكان ركعة فالإخلال بإحداهما كالإخلال بإحدى الركعتين ويشترط لكل واحدة منهما حمد الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر وإذا وجب ذكر الله تعالى وجب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لما روي في تفسير قوله تعالى ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك 1 و 4 قال لا أذكر إلا ذكرت معي ولأنه موضع وجب فيه ذكر الله تعالى فوجب فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كالأذان والتشهد ويحتمل أن لا تجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر في خطبه ذلك فأما القراءة فقال القاضي يحتمل أن يشترط لكل واحدة من الخطبتين وهو ظاهر كلام الخرقي لأن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين فكانت القراءة شرطا فيهما كالركعتين ويحتمل أن يشترط فى إحداهما لما روى الشعبي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال السلام عليكم
ويحمد الله ويثني عليه ويقرأ سورة ثم يجلس ثم يقوم فيخطب ثم ينزل وكان أبو بكر وعمر يفعلانه رواه الأثرم فظاهر هذا أنه إنما قرأ في الخطبة الأولى ووعظ في الخطبة الثانية وظاهر كلام الخرقي أن الموعظة إنما تكون في الخطبة الثانية لهذا الخبر وقال القاضي تجب في الخطبتين لأنها بيان المقصود من الخطبة فلم يجز الإخلال بها وقال أبو حنيفة لو أتى بتسبيحة واحدة أجزأ لأن الله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله الجمعة 9 ولم يعين ذكرا فأجزأ ما يقع عليه اسم الذكر ويقع اسم الخطبة على دون ما ذكرتموه بدليل أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال علمني عملا أدخل به الجنة فقال لأن أقصرت في الخطبة لقد أعرضت في المسألة وعن مالك روايتان كالمذهبين ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الذكر بفعله فيجب الرجوع إلى تفسيره قال جابر بن سمرة كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصدا وخطبته قصدا يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس وقال جابر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس ويحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وقال ابن عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم كما يفعلون اليوم فأما التسبيح والتهليل فلا يسمى خطبة والمراد بالذكر الخطبة وما رووه مجاز فإن السؤال لا يسمى خطبة ولذلك لو ألقى مسألة على الحاضرين لم يكف ذلك اتفاقا قال أصحابنا ولا يكفي في القراءة أقل من آية لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على أقل من ذلك ولأن الحكم لا يتعلق بما دونها بدليل منع الجنب من قراءتها دون ما هو أقل من ذلك وظاهر كلام أحمد أنه لا يشترط ذلك لأنه قال القراءة في الخطبة على المنبر ليس فيها شيء مؤقت ما شاء قرأ وقال إن خطب بهم وهو جنب ثم اغتسل وصلى بهم فإنه يجزيه والجنب ممنوع من قراءة آية والخرقي قال قرأ شيئا من القرآن ولم يعين المقروء ويحتمل أن لا يجب سوى حمد الله والموعظة لأن ذلك يسمى خطبة ويحصل به المقصود فأجزأ وما عدته ليس على اشتراطه دليل ولا يجب أن يخطب على صفة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بالاتفاق لأنه قد روى أنه كان يقرأ آيات ولا يجب قراءة آيات ولكن يستحب أن يقرأ آيات كذلك ولما روت أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت ما أخذت ق والقرآن المجيد ق 50 إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب لها في كل جمعة وعن أخت لعمرة كانت أكبر منها مثل هذا رواهما مسلم وفي حديث الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سورة فصل يستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك كما روينا في حديث ابن عمر وجابر بن سمرة وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم وقال الشافعي هي واجبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلسها ولنا إنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع فلم تكن واجبة كالأولى وقد سرد الخطبة جماعة منهم منهم المغيرة بن شعبة وأبي بن كعب قاله أحمد وروي عن أبي إسحاق قال رأيت عليا يخطب على المنبر فلم يجلس حتى فرغ وجلوس النبي صلى الله عليه وسلم كان للاستراحة فلم تكن واجبة كالأولى ولكن يستحب فإن خطب جالسا لعذر فصل بين الخطبتين بسكنة وكذلك إن خطب قائما فلم يجلس قال ابن عبد البر ذهب مالك والعراقيون وسائر فقهاء الأمصار إلا الشافعي أن الجلوس بين الخطبتين لا شيء على من تركه فصل والسنة أن يخطب متطهرا قال أبو الخطاب وعنه أن ذلك من شرائطها وللشافعي قولان كالروايتين وقد قال أحمد فيمن خطب وهو جنب ثم اغتسل وصلى بهم يجزيه وهذا إنما يكون إذا خطب في غير المسجد
أو خطب في المسجد غير عالم بحال نفسه ثم علم بعد ذلك والأشبه بأصول المذهب اشتراط الطهارة من الجنابة فإن أصحابنا قالوا يشترط قراءة آية فصاعدا وليس ذلك للجنب ولأن الخرقي اشترط للأذان الطهارة من الجنابة فالخطبة أولى فأما الطهارة الصغرى فلا يشترط لأنه ذكر يتقدم الصلاة فلم تكن الطهارة فيه شرطا كالأذان لكن يستحب أن يكون متطهرا من الحدث والنجس لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عقيب الخطبة لا يفصل بينهما بطهارة فيدل على أنه كان متطهرا والاقتداء به إن لم يكن واجبا فهو سنة ولأننا استحببنا ذلك للأذان فالخطبة أولى ولأنه لو لم يكن متطهر احتاج إلى الطهارة بين الصلاة والخطبة فيفصل بينهما وربما طول على الحاضرين فصل والسنة أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتولاهما بنفسه وكذلك خلفاؤه من بعده وإن خطب رجل وصلى آخر لعذر جاز نص عليه أحمد ولو خطب أمير فعزل وولي غيره فصلى بهم فصلاتهم تامة نص عليه لأنه إذا جاز الاستخلاف في الصلاة الواحدة للعذر ففي الخطبة مع الصلاة أولى وإن لم يكن عذر فقال أحمد رحمه الله لا يعجبني من غير عذر فيحتمل المنع لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتولاهما وقد قال صلوا كما رأيتموني أصلي ولأن الخطبة أقيمت مقام ركعتين ويحتمل الجواز لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة فأشبهتا صلاتين وهل يشترط أن يكون المصلي ممن حضر الخطبة فيه روايتان إحداهما يشترط ذلك وهو قول الثوري وأصحاب الرأي وأبي ثور لأنه إمام في الجمعة فاشترط حضوره الخطبة كما لو لم يستخلف والثانية لا يشترط وهو قول الأوزاعي والشافعي لأنه ممن تنعقد به الجمعة فجاز أن يؤم فيها كما لو حضر الخطبة وقد روي عن أحمد رحمه الله أنه لا يجوز الاستخلاف لعذر ولا غيره قال في رواية حنبل في الإمام إذا أحدث بعدما خطب فقدم رجلا يصلي بهم لم يصل بهم إلا أربعا إلا أن يعيد الجمعة ثم يصلي بهم ركعتين وذلك لأن هذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه والأول المذهب فصل ومن سنن الخطبة أن يقصد الخطيب تلقاء وجهه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ولأنه أبلغ في سماع الناس وأعدل بينهم فإنه لو التفت إلى أحد جانبيه لأعرض عن الجانب الآخر ولو خالف هذا واستدبر الناس واستقبل القبلة صحت الخطبة لحصول المقصود بدونه فأشبه ما لو أذن غير مستقبل القبلة ويستحب أن يرفع صوته ليسمع الناس قال جابر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ويقول أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدي هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ويستحب تقصير الخطبة لما روى عمار قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وقال جابر بن سمرة كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم وكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا روى هذه الأحاديث كلها مسلم وعن جابر بن سمرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هي كلمات يسيرات رواه أبو داود
ويستحب أن يعتمد على قوس أو سيف أو عصى لما روى الحكم بن حزن الحلفي قال وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقمنا أياما شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام متوكئا على عصي أو قوس فحمد الله وأثنى عليه كلمات طيبات خفيفات مباركات رواه أبو داود ولأن ذلك أعون له فإن لم يفعل فيستحب أن يسكن أطرافه إما أن يضع يمينه على شماله أو يرسلهما ساكنتين مع جنبيه ويستحب أن يبدأ بالحمد قبل الموعظة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ولأن كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر ثم يثني بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يعظ فإن عكس ذلك صح لحصول المقصود منه ويستحب أن يكون في خطبته مترسلا مبينا معربا لا يعجل فيها ولا يمططها وأن يكون متخشعا متعظا بما يعظ الناس به لأنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عرض علي قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقيل لي هؤلاء خطباء من أمتك يقولون ما لا يفعلون فصل سئل أحمد عن قراءة سورة الحج على المنبر أيجزئه قال لا لم يزل الناس يخطبون بالثناء على الله تعالى والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا تكون الخطبة إلا كما خطب النبي صلى الله عليه وسلم أو خطبة تامة ولأن هذا يسمى خطبة ولا يجمع شروطها وإن قرأ آيات فيها حمد الله تعالى والموعظة وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم صح لاجتماع الشروط فصل وإن قرأ السجدة في أثناء الخطبة فإن شاء نزل فسجد وإن أمكن السجود على المنبر سجد عليه وإن ترك السجود فلا حرج فعله عمر وترك وبهذا قال الشافعي وترك عثمان وأبو موسى وعمار والنعمان بن بشير وعقبة بن عامر وبه قال أصحاب الرأي لأن السجود عندهم واجب وقال مالك لا ينزل لأنه صلاة تطوع فلا يشتغل بها في أثناء الخطبة كصلاة ركعتين ولنا فعل عمر وتركه وفعل من سمينا من الصحابة رحمة الله عليهم ولأنه سنة وجد سببها لا يطول الفصل بها فاستحب فعلها كحمد الله تعالى إذا عطس وتشميت العاطس ولا يجب ذلك لما قدمنا من أن سجود التلاوة غير واجب ويفارق صلاة ركعتين لأن سببها لم يوجد ويطول الفصل بها فصل والموالاة شرط في صحة الخطبة فإن فصل بعضها من بعض بكلام طويل أو سكوت طويل أو شيء غير ذلك يقطع الموالاة استأنفها والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة وكذلك يشترط الموالاة بين الخطبة والصلاة وإن احتاج إلى الطهارة تطهر وبنى على خطبته ما لم يطل الفصل فصل ويستحب أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات ولنفسه والحاضرين وإن دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسن وقد روى ضبة بن محسن أن أبا موسى كان إذا خطب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لعمر وأبي بكر وأنكر عليه ضبة البداية بعمر قبل الدعاء لأبي بكر ورفع ذلك إلى عمر فقال لضبة أنت أوثق منه وأرشد وقال القاضي لا يستحب ذلك لأن عطاء قال هو محدث وقد ذكرنا فعل الصحابة له وهو مقدم على قول عطاء ولأن السلطان المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم ففي الدعاء له دعاء لهم وذلك مستحب غير مكروه مسألة قال ( وينزل فيصلي بهم الجمعة ركعتين يقرأ في كل ركعة الحمد الله وسورة ) وجملة ذلك أن صلاة الجمعة ركعتان عقيب الخطبة يقرأ في كل ركعة الحمد لله وسورة ويجهر بالقراءة فيهما لا خلاف في ذلك كله قال ابن المنذر أجمع المسلمون على أن صلاة الجمعة ركعتان وجاء الحديث عن عمر أنه قال صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم رواه الإمام أحمد وابن ماجة
ويستحب أن يقرأ في الأولى بسورة الجمعة والثانية بسورة المنافقين وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور لما روي عن عبيد الله بن أبي رافع قال صلى بنا أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة الجمعة في الركعة الأولى وفي الركعة الآخرة إذا جاءك المنافقون فلما قضى أبو هريرة الصلاة أدركته فقلت يا أبا هريرة إنك قرأت سورتين كان علي يقرأ بهما بالكوفة قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما في الجمعة أخرجه مسلم وإن قرأ في الثانية بالغاشية فحسن فإن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا كان يقرؤه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة فقال كان يقرأ ب هل أتاك حديث الغاشية الغاشية 1 أخرجه مسلم وإن قرأ في الأولى بسبح وفي الثانية بالغاشية فحسن فإن النعمان بن بشير قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية فإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد قرأ بهما أيضا في الصلاتين أخرجه مسلم وروى سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية معا رواه أبو داود والنسائي وقال مالك أما الذي جاء به الحديث هل أتاك حديث الغاشية مع سورة الجمعة والذي أدركت عليه الناس بسبح اسم ربك الأعلى وحكي عن أبي بكر عبد العزيز أنه كان يستحب أن يقرأ في الثانية سبح ولعله صار إلى ما حكاه مالك أنه أدرك الناس عليه واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ومهما قرأ فهو جائز حسن إلا أن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ولأن سورة الجمعة تليق بالجمعة لما فيها من ذكرها والأمر بها والحث عليها مسألة قال ( ومن أدرك مع الإمام منها ركعة بسجدتيها أضاف إليها أخرى وكانت له جمعة ) أكثر أهل العلم يرون أن من أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام فهو مدرك لها يضيف إليها أخرى ويجزيه وهذا قول ابن مسعود وابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب والحسن وعلقمة والأسود وعروة والزهري والنخعي ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي وقال عطاء وطاوس ومجاهد ومكحول من لم يدرك الخطبة صلى أربعا لأن الخطبة شرط للجمعة فلا تكون جمعة في حق من لم يوجد في حقه شرطها ولنا ما روى الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة رواه الأثرم ورواه ابن ماجة ولفظه فليصل إليها أخرى وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة متفق عليه ولأنه قول من سمينا ولا مخالف لهم في عصرهم مسألة قال ( ومن أدرك معه أقل من ذلك بنى عليها ظهرا إذا كان قد دخل بنية الظهر ) أما من أدرك أقل من ركعة فإنه لا يكون مدركا ويصلي ظهرا أربعا وقول جميع من ذكرنا في المسألة قبل هذه وقال الحكم وحماد وأبو حنيفة يكون مدركا للجمعة بأي قدر أدرك من الصلاة مع الإمام لأن من لزمه أن يبني على صلاة الإمام إذا أدرك ركعة لزمه إذا أدرك أقل منها كالمسافر يدرك المقيم ولأنه أدرك جزءا من الصلاة فكان مدركا لها كالظهر
ولنا قوله عليه السلام من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة فمفهومه أنه إذا أدرك أقل من ذلك لم يكن مدركا لها ولأنه قول من سمينا من الصحابة والتابعين ولا مخالف لهم في عصرهم فيكون إجماعا وقد روى بشر بن معاذ الزيات عن الزهري عن أبي سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أدرك يوم الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى ومن أدرك دونها صلاها أربعا ولأنه لم يدرك ركعة فلم تصح له الجمعة كالإمام إذا انفضوا قبل أن يسجد وأما المسافر فإدراكه إدراك إلزام وهذا إدراك إسقاط للعدد فافترقا وكذلك يتم المسافر خلف المقيم ولا يقصر المقيم خلف المسافر وأما الظهر فليس من شرطها الجماعة بخلاف مسألتنا فصل وأما قوله بسجدتيها فيحتمل أنه للتأكيد كقوله تعالى ولا طائر يطير بجناحيه الأنعام 38 ويحتمل أنه للاحتراز من الذي أدرك الركوع ثم فاتته السجدتان أو إحداهما حتى سلم الإمام لزحام أو نسيان أو نوم أو غفلة وقد اختلفت الرواية عن أحمد فيمن أحرم مع الإمام ثم زحم فلم يقدر على الركوع والسجود حتى سلم الإمام فروى الأثرم والميموني وغيرهما أنه يكون مدركا للجمعة يصلي ركعتين اختارها الخلال وهذا قول الحسن والأوزاعي وأصحاب الرأي لأنه أحرم بالصلاة مع الإمام في أول ركعة أشبه ما لو ركع وسجد معه ونقل صالح وابن منصور وغيرهما أنه يستقبل الصلاة أربعا وهو ظاهر قول الخرقي وابن أبي موسى واختيار أبي بكر وقول قتادة وأيوب السختياني ويونس بن عبيد والشافعي وأبي ثور وابن المنذر لأنه لم يدرك ركعة كاملة فلم يكن مدركا للجمعة كالتي قبلها فصل ومتى قدر المزحوم على السجود على ظهر إنسان أو قدمه لزمه ذلك وأجزأه قال أحمد في رواية أحمد بن هاشم يسجد على ظهر الرجل والقدم ويمكن الجبهة والأنف في العيدين والجمعة وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وقال عطاء والزهري ومالك لا يفعل قال مالك وتبطل الصلاة إن فعل لقول النبي صلى الله عليه وسلم ومكن جبهتك من الأرض ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال إذا اشتد الزحام فليسجد على ظهر أخيه رواه سعيد في سننه وهذا قاله بمحضر من الصحابة وغيرهم في يوم جمعة ولم يظهر له مخالف فكان إجماعا ولأنه أتى بما يمكنه حال العجز فصح كالمريض يسجد على المرفقة والخبر لم يتناول العاجز لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يأمر العاجز عن الشيء بفعله فصل وإذا زحم في إحدى الركعتين لم يخل من أن يزحم في الأولى أو في الثانية فإن زحم في الأولى ولم يتمكن من السجود على ظهر ولا قدم انتظر حتى يزول الزحام ثم يسجد ويتبع إمامه مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف بعسفان سجد معه صف وبقي صف لم يسجد معه فلما قام إلى الثانية سجدوا وجاز ذلك للحاجة كذا ها هنا فإذا قضى ما عليه وأدرك الإمام في القيام أو في الركوع تبعه فيه وصحت له الركعة وكذا إذا تعذر عليه السجود مع إمامه لمرض أو نوم أو نسيان لأنه معذور في ذلك فأشبه المزحوم فإن خاف أنه إذا تشاغل بالسجود فاته الركوع مع الإمام في الثانية لزمه متابعته وتصير الثانية أولاه وهذا قول مالك وقال أبو حنيفة يشتغل بقضاء السجود لأنه قد ركع مع الإمام فيجب عليه السجود بعده كما لو زال الزحام والإمام قائم وللشافعي كالمذهبين ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا فإن قيل فقد قال فإذا سجد فاسجدوا قلنا قد سقط الأمر بالمتابعة في السجود عن هذا لعذره وبقي الأمر بالمتابعة في الركوع متوجها لإمكانه ولأنه خائف فوات الركوع فلزمه متابعة إمامه فيه كالمسبوق فأما إذا كان الإمام قائما فليس هذا اختلافا كثيرا وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم مثله بعسفان
إذا تقرر هذا فإنه إن اشتغل بالسجود معتقدا تحريمه لم تصح صلاته لأنه ترك واجبا عمدا وفعل ما لا يجوز له فعله وإن اعتقد جواز ذلك فسجد لم يعتد بسجوده لأنه سجد في موضع الركوع جهلا فأشبه الساهي ثم إن أدرك الإمام في الركوع ركع معه وصحت له الثانية دون الأولى وتصير الثانية أولاه فإن فاته الركوع سجد معه فإن سجد السجدتين معه فقال القاضي يتم بهما الركعة الأولى وهذا مذهب الشافعي وقياس المذهب أنه متى قام إلى الثانية وشرع في ركوعها أو شيء من أفعالها المقصودة أن ركعة الأولى تبطل على ما ذكر في سجود السهو ولكن إن لم يقم ولكن سجد السجدتين من غير قيام تمت ركعته وقال أبو الخطاب إذا سجد معتقدا جواز ذلك اعتد له به وتصح له الركعة كما لو سجد وإمامه قائم ثم إن أدرك الإمام في ركوع الثانية صحت له الركعتان وإن أدرك بعد رفع رأسه من ركوعه فينبغي أن يركع ويتبعه لأن هذا سبق يسير ويحتمل أن تفوته الثانية بفوات الركوع وإن أدركه في التشهد تابعه وقضى ركعة بعد سلامه كالمسبوق وقال أبو الخطاب ويسجد للسهو ولا وجه للسجود ها هنا لأن المأموم لا سجود عليه لسهو ولأن هذا فعله عمدا ولا يشرع السجود للعمد وإن زحم عن سجدة واحدة أو عن الاعتدال بين السجدتين أو بين الركوع والسجود أو عن جميع ذلك فالحكم فيه كالحكم في الزحام عن السجود فأما إن زحم عن السجود في الثانية فزال الزحام قبل سلام الإمام سجد واتبعه وصحت الركعة وإن لم يزل حتى سلم فلا يخلو من أن يكون أدرك الركعة الأولى أو لم يدركها فإن أدركها فقد أدرك الجمعة بإدراكها ويسجد الثانية بعد سلام الإمام ويتشهد ويسلم وقد تمت جمعته وإن لم يكن أدرك الأولى فإنه يسجد بعد سلام إمامه وتصح له الركعة وهل يكون مدركا للجمعة بذلك على روايتين فصل وإذا ركع مع الإمام ركعة فلما قام ليقضي الأخرى ذكر أنه لم يسجد مع إمامه إلا سجدة واحدة أو شك هل سجد واحدة أو اثنتين فإنه لم يكن شرع في قراءة الثانية رجع فسجد للأولى فأتمها وقضى الثانية وتمت جمعته نص أحمد على هذا في رواية الأثرم وإن كان شرع في قراءة الثانية بطلت الأولى وصارت الثانية أولاه وعلى كلا الحالتين يتمها جمعة على ما نقله الأثرم وقياس الرواية الأخرى في المزحوم أنه يتمها ها هنا ظهرا لأنه لم يدرك ركعة كاملة ولو قضى الركعة الثانية ثم علم أنه ترك سجدة من إحداهما لا يدري من إحداهما لا يدري من أي الركعتين تركها أو شك في تركها فالحكم واحد ويجعلها من الأولى ويأتي بركعة مكانها وفي كونه مدركا للجمعة وجهان بناء على الروايتين فأما إن شك في إدراك الركوع مع الإمام مثل أن كبر والإمام راكع فرفع إمامه رأسه فشك هل أدرك المجزي من الركوع مع الإمام أو لا لم يعتد بتلك الركعة ويصلي ظهرا قولا واحدا لأن الأصل أنه ما أتى بها معه
فصل وكل من أدرك مع الإمام ما لا يتم به جمعة فإنه في قول الخرقي ينوي ظهرا فإن نوى جمعة لم تصح في ظاهر كلامه لأنه اشترط للبناء على ما أدرك أن يكون قد دخل بنية الظهر فمفهومه أنه إذا دخل بنية الجمعة لم يبن عليها وكلام أحمد في رواية صالح وابن منصور يحتمل هذا لقوله فيمن أحرم ثم زحم عن الركوع والسجود حتى سلم إمامه قال تستقبل ظهرا أربعا فيحتمل أنه أراد أنه يستأنف الصلاة وذلك لأن الظهر لا تتأدى بنية الجمعة ابتداء وكذلك دواما كالظهر مع العصر وقال أبو إسحاق بن شاقلا ينوي جمعة لئلا يخالف نية إمامه ثم يبني عليها ظهرا وهذا ظاهر قول قتادة وأيوب ويونس والشافعي لأنهم قالوا في الذي أحرم مع الإمام بالجمعة ثم زحم عن السجود حتى سلم الإمام أتمها أربعا فجوزوا له إتمامها ظهرا مع كونه أحرم بالجمعة وقال الشافعي من أدرك ركعة فلما سلم الإمام علم أن عليه منها سجدة قال يسجد سجدة ويأتي بثلاث ركعات لأنه يجوز أن يأتم بمن يصلي الجمعة فجاز أن يبني صلاته على نيتها كصلاة المقيم مع المسافر وكما ينوي أنه مأموم ويتم بعد سلام إمامه منفردا ولا يصح أن ينوي الظهر خلف من يصلي الجمعة في ابتدائها وكذلك في أثنائها فصل وإذا صلى الإمام الجمعة قبل الزوال فأدرك المأموم معه دون الركعة لم يكن له الدخول معه لأنها في حقه ظهر فلا يجوز قبل الزوال كعذر يوم الجمعة فإن دخل معه كانت نفلا في حقه ولم تجزئه عن الظهر ولو أدرك منها ركعة ثم زحم عن سجودها وقلنا تصير ظهرا فإنها تنقلب نفلا لئلا تكون ظهرا قبل وقتها فصل ولو صلى مع الإمام ركعة ثم زحم في الثانية وأخرج من الصف فصار فذا فنوى الانفراد عن الإمام فقياس المذهب أنه يتمها جمعة لأنه مدرك لركعة منها مع الإمام فيبني عليها جمعة كما لو أدرك الركعة الثانية وإن لم ينو الانفراد وأتمها مع الإمام ففيه روايتان إحداهما لا تصح لأنه فذ في ركعة كاملة أشبه ما لو فعل ذلك عمدا والثانية تصح لأنه قد يعفي في البناء عن تكميل الشروط كما لو خرج الوقت وقد صلوا ركعة وكالمسبوق بركعة يقضي ركعة وحده مسألة قال ( ومتى دخل وقت العصر وقد صلوا ركعة أتموا بركعة أخرى وأجزأتهم جمعة ) ظاهر كلام الخرقي أنه لا يدرك الجمعة إلا بإدراك ركعة في وقتها ومتى دخل وقت العصر قبل ركعة لم تكن جمعة وقال القاضي متى دخل وقت العصر بعد إحرامه بها أتمها جمعة ونحو هذا قال أبو الخطاب لأنه أحرم في وقتها أشبه ما لو أتمها فيه والمنصوص عن أحمد أنه إذا دخل وقت العصر بعد تشهده وقبل سلامه أجزأته وهذا قول أبي يوسف ومحمد وظاهر هذا أنه متى دخل الوقت قبل ذلك بطلت أو انقلبت ظهرا وقالأبو حنيفة إذا خرج وقت الجمعة قبل فراغه منها بطلت ولا يبني عليها ظهرا لأنهما صلاتان مختلفتان فلا يبني أحدهما على الأخرى كالظهر والعصر والظاهر أن مذهب أبي حنيفة في هذا كما ذكرنا عن أحمد لأن السلام عنده ليس من الصلاة وقال الشافعي لا يتمها جمعة ويبني عليها ظهرا لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء إحداهما على الأخرى كصلاة الحضر والسفر واحتجوا على أنه لا يتمها جمعة بأن ما كان شرطا في بعضها كان شرطا في جميعها كالطهارة وسائر الشروط ولنا قوله صلى الله عليه وسلم من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة ولأنه أدرك ركعة من الجمعة فكان مدركا لها كالمسبوق بركعة ولأن الوقت شرط يختص بالجمعة فاكتفى به في ركعة كالجماعة وما ذكروه ينتقض بالجماعة فإنه يكتفي بإدراكها في ركعة فعلى هذا إن دخل وقت العصر قبل ركعة فعلى قياس قول الخرقي تفسد ويستأنفها ظهرا كقول أبي حنيفة وعلى قول أبي إسحاق بن شاقلا يتمها ظهرا كقول الشافعي وقد ذكرنا وجه القولين
فصل إذا أدرك من الوقت ما يمكنه أن يخطب ثم يصلي ركعة فقياس قول الخرقي أن له التلبس بها لأنه أدرك من الوقت ما يدركها فيه فإن شك هل أدرك من الوقت ما يدركها به أو لا صحت لأن الأصل بقاء الوقت وصحتها مسألة قال ( ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما ) وبهذا قال الحسن وابن عيينة ومكحول والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وقال شريح وابن سيرين والنخعي وقتادة والثوري ومالك والليث وأبو حنيفة يجلس ويكره له أن يركع لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي جاء يتخطى رقاب الناس اجلس فقد آذيت وأنيت رواه ابن ماجة ولأن الركوع يشغله عن استماع الخطبة فكره كركوع غير الداخل ولنا ما روى جابر قال جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس فقال أو صليت يا فلان قال لا قال قم فاركع وفي رواية فصل ركعتين متفق عليه ولمسلم قال ثم قال إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما وهذا نص ولأنه دخل المسجد في غير وقت النهي عن الصلاة فسن له الركوع لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين متفق عليه وحديثهم قضية في عين يحتمل أن يكون الموضع يضيق عن الصلاة أو يكون في آخر الخطبة بحيث لو تشاغل بالصلاة فاتته تكبيرة الإحرام والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره بالجلوس ليكف أذاه عن الناس لتخطيه إياهم فإن كان دخوله في آخر الخطبة بحيث إذا تشاغل بالركوع فاته أول الصلاة لم يستحب له التشاغل بالركوع فصل وينقطع التطوع بجلوس الإمام على المنبر فلا يصلي أحد غير الداخل يصلي تحية المسجد ويتجوز فيها لما روى ثعلبة بن أبي مالك أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسوا يتحدثون حتى إذا سكت المؤذن وقام عمر سكتوا فلم يتكلم أحد وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم فصل ويجب الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة فلا يجوز الكلام لأحد من الحاضرين ونهى عن ذلك عثمان وابن عمر وقال ابن مسعود إذا رأيته يتكلم والإمام يخطب فاقرع رأسه بالعصى وكره ذلك عامة أهل العلم منهم مالك وأبو حنيفة والأوزاعي وعن أحمد رواية أخرى لا يحرم الكلام وكان سعيد بن جبير والنخعي والشعبي وإبراهيم بن مهاجر وأبو بردة يتكلمون والحجاج يخطب وقال بعضهم إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا وللشافعي قولان كالروايتين واحتج من أجاز ذلك بما روى أنس قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال يا رسول الله هلك الكراع وهلك الشاه فادع الله أن يسقينا وذكر الحديث إلى أن قال ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هلكت الأموال وانقطع النسل فادع الله يرفعها عنا متفق عليه وروي أن رجلا قام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال يا رسول الله متى الساعة فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم وأومأ الناس بالسكوت فلم يقبل وأعاد الكلام فلما كان في الثالثة قال له النبي صلى الله عليه وسلم ويحك ماذا أعددت لها قال حب الله ورسوله قال إنك مع من أحببت ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم كلامهم ولو حرم عليهم لأنكره عليهم ولنا ما روى أبو هريرة قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت متفق عليه وروي عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يوم الجمعة ( تبارك ) فذكرنا بأيام الله وأبو الدرداء أو أبو ذر يغمزني
فقلت متى أنزلت هذه السورة فإني لم أسمعها إلا الآن فأشار إليه أن اسكت فلما انصرفوا قال سألتك متى أنزلت هذه فلم تخبرني قال أبي ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له وأخبره بما قال أبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق أبي رواه عبد الله بن أحمد في المسند وابن ماجه وروى أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده عن أبي هريرة نحوه وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا رواه ابن أبي خثيمة وما احتجوا به فيحتمل أنه مختص بمن كلم الإمام أو كلمه الإمام لأنه لا يشتغل بذلك عن سماع خطبته ولذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل صلى فأجابه وسأل عمر عثمان حين دخل وهو يخطب فأجابه فتعين حمل أخبارهم على هذا جمعا بين الأخبار وتوفيقا بينها ولا يصح قياس غيره عليه لأن كلام الإمام لا يكون في حال الخطبة خلاف غيره وإن قدر التعارض فالأخذ بحديثنا أولى لأنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ونصه وذلك سكوته والنص أقوى من السكوت فصل ولا فرق بين القريب والبعيد لعموم ما ذكرناه وقد روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال من كان قريبا يسمع وينصت ومن كان بعيدا ينصت فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ ما للسامع وقد روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يحضر الجمعة ثلاثة نفر رجل حضرها يلغو وهو حظه منها ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه ورجل حضرها بإنصات وسكون ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك أن الله تعالى يقول من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها رواه أبو داود فصل وللبعيد أن يذكر الله تعالى ويقرأ القرآن ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يرفع صوته قال أحمد لا بأس أن يصلي على النبي فيما بينه وبين نفسه رخص له في القراءة والذكر عطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشافعي وليس له أن يرفع صوته ولا يذاكر في الفقه ولا يصلي ولا يجلس في حلقة وذكر ابن عقيل أن له المذاكرة في الفقه وصلاة النافلة ولنا عموم ما رويناه وأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة رواه أبو داود ولأنه إذا رفع صوته منع من هو أقرب منه من السماع فيكون مؤذيا له فيكون عليه إثم من آذى المسلمين وصد عن ذكر الله تعالى وإذا ذكر الله فيما بينه وبين نفسه من غير أن يسمع أحدا فلا بأس وهل ذلك أفضل أو الإنصات يحتمل وجهين أحدهما الإنصات أفضل لحديث عبد الله بن عمرو وقول عثمان والثاني الذكر أفضل لأنه يحصل له ثوابه من غير ضرر فكان أفضل كما قبل الخطبة فصل ولا يحرم الكلام على الخطيب ولا على من سأله الخطيب لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل سليكا الداخل وهو يخطب أصليت قال لا وعن ابن عمر أن عمر بينا هو يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداه عمر أية ساعة هذه قال إني شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء فلم أزد على أن توضأت قال عمر الوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل متفق عليه ولأن تحريم الكلام علته الاشتغال به عن الإنصات الواجب وسماع الخطبة ولا يحصل ها هنا وكذلك من كلم الإمام لحاجة أو سأله عن مسألة بدليل الخبر الذي تقدم ذكره