Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

قسم V04/P031–V04/P032

ولنا قوله عليه السلام لا تبيعوا التمر بالتمر وفي لفظ نهى عن بيع التمر بالتمر ورخص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا متفق عليه وعن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم فنهى عن ذلك رواه مالك وأبو داود والأثرم وابن ماجة ولفظ رواية الأثرم قال فلا إذن نهى وعلل بأنه ينقص إذا يبس وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة والمزابنة بيع الرطب بالتمر كيلا وبيع العنب بالزبيب كيلا ولأنه جنس فيه الربا بيع بعضه ببعض على وجه ينفرد أحدهما بالنقصان فلم يجز كبيع المقلية بالنيئة ولا يلزم الحديث بالعتيق لأن التفاوت يسير قال الخطابي وقد تكلم بعض الناس في إسناد حديث سعد بن أبي وقاص في بيع الرطب بالتمر وقال زيد أبو عياش راويه ضعيف وليس الأمر على ما توهمه وأبو عياش مولى بني زهرة معروف وقد ذكره مالك في الموطأ وهو لا يروي عن متروك الحديث فصل فأما بيع الرطب بالرطب والعنب بالعنب ونحوه من الرطب بمثله فيجوز مع التماثل في قول أكثر أهل العلم ومنع منه الشافعي فيما ييبس أما ما لا ييبس كالقثاء والخيار ونحوه فعلى قولين لأنه لا يعلم تساويهما حالة الإدخار فأشبه الرطب بالتمر وذهب أبو حفص العكبري من أصحابنا إلى هذا وحمل كلام الخرقي عليه لقوله في اللحم في اللحم لا يجوز بيع بعضه ببعض رطبا ويجوز إذا تناهى جفافه مثلا بمثل ومفهوم كلام الخرقي هاهنا إباحة ذلك لأن مفهوم نهيه عليه السلام عن بيع التمر بالتمر إباحة بيع كل واحد منهما بمثله ولأنهما تساويا في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان فجاز كبيع اللبن باللبن والتمر بالتمر ولأن قوله تعالى وأحل الله البيع البقرة 275 عام خرج منه المنصوص عليه وهو بيع التمر بالتمر وليس هذا في معناه فبقي على العموم وما ذكره لا يصح فإن التفاوت كثير وينفرد أحدهما بالنقصان بخلاف مسألتنا ولا بأس ببيع الحديث بالعتيق لأن التفاوت في ذلك يسير ولا يمكن ضبطه فيعفى عنه مسألة قال ( ولا يباع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزنا ولا ما أصله الوزن كيلا ) لا خلاف بين أهل العلم في وجوب المماثلة في بيع الأموال التي يحرم التفاضل فيها وأن المساواة المرعية هي المساواة في المكيل كيلا وفي الموزون وزنا ومتى تحققت هذه المساواة لم يضر اختلافهما فيما سواها وإن لم يوجد لم يصح البيع وإن تساويا في غيرها وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور أهل العلم لا نعلم أحدا خالفهم إلا مالكا قال يجوز بيع الموزونات بعضها ببعض جزافا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب وزنا بوزن والفضة بالفضة وزنا بوزن والبر بالبر كيلا بكيل والشعير بالشعير كيلا بكيل رواه الأثرم في حديث عبادة ورواه أبو داود ولفظه البر بالبر مدي بمدي والشعير بالشعير مدي بمدي والملح بالملح مدي بمدي فمن زاد أو ازداد فقد أربى فأمر بالمساواة في الموزونات المذكورة في الوزن كما أمر بالمساواة في المكيلات في الكيل وما عدا الذهب والفضة من الموزونات في مقيس عليهما ومشبه بهما ولأنه جنس يجري فيه الربا فلم يجز بيع بعضه ببعض جزافا كالمكيل ولأنه موزون من أموال الربا فأشبه الذهب والفضة ولأن حقيقة الفضل مبطلة للبيع ولا نعلم عدم ذلك إلا بالوزن فوجب ذلك كما في المكيل والأثمان إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز بيع المكيل بالمكيل وزنا ولا بيع الموزون بالموزون كيلا لأن التماثل في الكيل مشترط في المكيل وفي الوزن في الموزون فمتى باع رطلا من المكيل برطل حصل في الرطل من الخفيف أكثر مما يحصل من الثقيل فيختلفان في الكيل وإن لم يعلم الفضل لكن يجهل التساوي فلا يصح كما لو باع بعضه ببعض جزافا وكذلك لو باع الموزون بالموزون بالكيل فلا يتحقق التماثل في الوزن فلم يصح كما ذكرنا في المكيل

قسم V04/P032–V04/P033

فصل ولو باع بعضه ببعض جزافا أو كان جزافا من أحد الطرفين لم يجز قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن ذلك غير جائز إذا كانا من صنف واحد وذلك لما روى مسلم عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب وزنا بوزن إلى تمام الحديث دليل على أنه لا يجوز بيعه إلا كذلك ولأن التماثل شرط والجهل به يبطل البيع كحقيقة التفاضل فصل وما لا يشترط التماثل فيه كالجنسين وما لا ربا فيه يجوز بيع بعضه ببعض كيلا ووزنا وجزافا وهذا ظاهر كلام الخرقي لتخصيصه ما يكال بمنع بيعه بشيء من جنسه وزنا وما يوزن بمنع بيعه من جنسه كيلا وهذا قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن بيع الصبرة من الطعام بالصبرة لا يدري كم كيل هذه ولا كيل هذه من صنف واحد غير جائز ولا بأس به من صنفين إستدلالا بقوله عليه السلام فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم وذهب جماعة من أصحابنا إلى منع بيع المكيل بالمكيل جزافا وبيع الموزون بالموزون جزافا وقال أحمد في رواية محمد بن الحكم أكره ذلك قال ابن أبي موسى لا خير فيما يكال بما يكال جزافا ولا فيما يوزن بما يوزن جزافا اتفقت الأجناس أو اختلفت ولا بأس ببيع المكيل بالموزون جزافا وقال ذلك القاضي والشريف أبو جعفر وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام مجازفة ولأنه بيع مكيل بمكيل أشبه الجنس الواحد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد ولأن قول الله تعالى وأحل الله البيع البقرة 275 عام خصصناه في الجنس الواحد الذي يجب التماثل فيه ففيما عداه يجب البقاء على العموم ولأنه يجوز التفاضل فيه فجاز جزافا من الطرفين كالمكيل بالموزون يحققه أنه إذا كان حقيقة الفضل لا يمنع فإحتماله أولى أن لا يكون مانعا وحديثهم أراد به الجنس الواحد ولهذا جاء في بعض ألفاظه نهى أن تباع الصبرة لا نعلم مكيلها من التمر بالصبرة لا يعلم مكيلها من التمر ثم هو مخصوص بالمكيل والموزون فنقيس عليه محل النزاع وما ذكر من القياس غير صحيح لأن المكيل من جنس واحد يجب التماثل فيه فمنع من بيعه مجازفة لفوات المماثلة المشروطة وفي الجنسين لا يشترط التماثل ولا يمنع حقيقة التفاضل فإحتماله أولى أن لا يكون مانعا فصل ولو قال بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة وهما من جنس واحد ولا يعلمان كيلهما لا يصح لما ذكرنا وإن علما كيلهما وتساويهما صح البيع لوجود التماثل المشترط وإن قال بعتك هذه الصبرة بهذه الصبرة مثلا بمثل فكيلتا فكانتا سواء صح البيع وإلا فلا وإن باع صبرة بصبرة من غير جنسها صح عند من يجوز بيع المكيل بالمكيل جزافا وإن قال بعتك هذه الصبرة بهذه مثلا بمثل فكيلتا فكانتا سواء صح البيع وإن زادت أحدهما فرضي صاحب الناقصة بها من نقصها أو رضي صاحب الزائدة برد الفضل على صاحبه جاز وإن امتنعا فسخ البيع بينهما ذكر هذا الفصل القاضي وهو مذهب الشافعي فصل ويجوز قسم المكيل وزنا وقسم الموزون كيلا وقسم الثمار خرصا وقسم ما لا يجوز بيع بعضه ببعض لأن القسمة إفراز حق وليست بيعا ونقل عن ابن بطة ما يدل على أنها بيع فيثبت فيها أحكام البيع ويمنع فيها ما ذكرناه لأن كل جزء من ذلك مشترك بينهما فإذا تعين لكل واحد منهما حق فقد اشترى نصيب شريكه مما تعين له بنصيبه فيما تعين لشريكه وللشافعي قولان كالمذهبين والظاهر أنها إفراز حق بدليل إعتبار تعديل السهام ودخوله القرعة فيها ولزومها بها والإجبار عليها وأنها لا تفتقر إلى لفظ بيع ولا تمليك ولا يدخلها خيار ولا تجوز إلا بقدر الحقين ولا يثبت فيها شفعة وتختص باسم وتغاير الأحكام والأسماء دليل على اختلافهما

قسم V04/P033–V04/P034

وروي عن ابن عباس أنه قال قسمت الصحابة رضي الله عنهم الغنائم بالحجف وذلك كيل الأثمان بمحضر من جماعة كثيرة منهم وانتشر في بقيتهم فلم ينكر فصار إجماعا على ما قلناه فصل في معرفة المكيل والموزون والمرجع في ذلك إلى العرف بالحجاز في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبهذا قال الشافعي وحكي عن أبي حنيفة أن الإعتبار في كل بلد بعادته ولنا ما روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المكيال المدينة الميزان ميزان مكة والنبي صلى الله عليه وسلم إنما يحمل كلامه على بيان الأحكام لأن ما كان مكيلا بالحجاز في زمن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف التحريم في تفاضل الكيل إليه فلا يجوز أن يتغير بعد ذلك وهكذا الموزون وما لا عرف له بالحجاز يحتمل وجهين أحدهما يرد إلى أقرب الأشياء شبها به بالحجاز كما أن الحوادث ترد إلى أشبه المنصوص عليه بها وهو القياس والثاني يعتبر عرفه في موضعه فإن لم يكن له في الشرع حد كان المرجع فيه إلى العرف كالقبض والإحراز والتفرق وهذا قول أبي حنيفة وعلى هذا إن اختلفت البلاد فالإعتبار بالغالب فإن لم يكن غالب بطل هذا الوجه وتعين الأول ومذهب الشافعي على هذين الوجهين فالبر والشعير مكيلان منصوص عليهما بقول النبي صلى الله عليه وسلم البر بالبر كيلا بكيل والشعير بالشعير كيلا بكيل وكذلك سائر الحبوب والأبازير والأشنان والجص والنورة وما أشبهها والتمر مكيل وهو من المنصوص عليه وكذلك سائر تمر النخل من الرطب والبسر وغيرهما وسائر ما تجب فيه الزكاة من الثمار مثل الزبيب والفستق والبندق والعناب والمشمش والبطم والزيتون واللوز والملح مكيل وهو من المنصوص عليه بقوله عليه السلام الملح بالملح مدي بمدي والذهب بالفضة موزونان ثبت ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب وزنا بوزن والفضة بالفضة وزنا بوزن وكذلك ما أشبههما من جواهر الأرض كالحديد والنحاس والصفر والرصاص والزجاج والزئبق ومنه الإبريسم والقطن والكتان والصوف وغزل ذلك وما أشبهه ومنه الخبز واللحم والشحم والجبن والزبد والشمع وما أشبهه وكذلك الزعفران والعصفر والورس وما أشبه ذلك فصل والدقيق والسويق مكيلان لأن أصلهما مكيل ولم يوجد ما ينقلهما عنه ولأنهما يشبهان ما يكال وذكر القاضي في الدقيق أنه يجوز بيع بعضه ببعض بالوزن ولا يمتنع أن يكون أصله مكيلا وهو موزون كالخبز ولنا ما ذكرناه ولأنه يقدر بالصاع بدليل أنه يخرج في الفطرة صاع من دقيق وقد جاء في الحديث والصاع إنما يقدر به المكيلات وعلى هذا يكون الأقط مكيلا لأن في حديث صدقة الفطر صاع من أقط فصل فأما اللبن وغيره من المائعات كالأدهان من الزيت والشيرج والعسل والخل والدبس ونحو ذلك فالظاهر أنها مكيلة قال القاضي في الأدهان هي مكيلة وفي اللبن يصح السلم فيه كيلا وقال أصحاب الشافعي لا يباع اللبن بعضه ببعض إلا كيلا وقد روي عن أحمد أنه سئل عن السلف في اللبن فقال نعم كيلا أو وزنا وذلك لأن الماء مقدر بالصاع ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع ويغتسل هو وبعض نسائه من الفرق وهذه مكاييل قدر بها الماء وكذلك سائر المائعات وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع ما في ضروع الأنعام إلا بالكيل رواه ابن ماجة وأما غير المكيل والموزون فما لم يكن له أصل بالحجاز في كيل ولا وزن ولا يشبه ما جرى فيه العرف بذلك كالثياب والحيوان والمعدودات من الجوز والبيض والرمان والقثاء والخيار وسائر الخضراوات والبقول والسفرجل والتفاح والكمثري ونحوها فهذه المعدودات إذا اعتبرنا التماثل فيها فإنه يعتبر التماثل في الوزن لأنه أخصر ذكره القاضي في الفواكه الرطبة وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي والآخر قالوا يعتبر ما أمكن كيله بالكيل ولأن الأصل الأعيان الأربعة وهي مكيلة من شأن الفرع أن يرد إلى أصله بحكمه والأصل حكمه تحريم التفاضل بالكيل فكذلك يكون حكم فروعها ولنا إن الوزن أخصر

قسم V04/P034–V04/P036

فوجب إعتباره في غير المكيل والموزون كالذي لا يمكن كيله وإنما اعتبر الكيل في المنصوص عليه لأنه يقدر به العادة وهذا بخلافه مسألة قال ( والتمور كلها جنس وإن اختلفت أنواعها ) الجنس هو الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها والنوع الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها وقد يكون النوع جنسا بالنسبة إلى ما تحته نوعا بالنسبة إلى ما فوقه والمراد هنا الجنس الأخص والنوع الأخص فكل نوعين اجتعما في اسم خاص فهما جنس كأنواع التمر وأنواع الحنطة فالتمور كلها جنس واحد لأن الاسم الخاص يجمعها وهو التمر وإن كثرت أنواعه كالبرني والعقلي والإبراهيمي والخاستوي وغيرها وكل شيئين اتفقا في الجنس ثبت فيهما حكم الشرع بتحريم التفاضل وإن اختلفت الأنواع لقول النبي صلى الله عليه وسلم التمر بالتمر مثلا بمثل والبر بالبر مثلا بمثل الحديث بتمامه فاعتبر المساواة في جنس التمر بالتمر والبر بالبر ثم قال فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم وفي لفظ فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم وفي لفظ إلا ما اختلفت ألوانه ولا خلاف بين أهل العلم علمناه في وجوب المساواة في التمر بالتمر وسائر ما ذكر في الخبر مع اتفاق الأنواع واختلافها فصل فإن كان المشتركان في الاسم الخاص من أصلين مختلفين فهما جنسان كالأدقة والأخباز والخلول والأدهان وعصير الأشياء المختلفة كلها أجناس مختلفة باختلاف أصولها وحكي عن أحمد أن خل التمر وخل العنب جنس وحكي ذلك عن مالك لأن الاسم الخاص يجمعهما والصحيح أنهما جنسان لأنهما من أصلين مختلفين فكانا جنسين كدقيق الحنطة ودقيق الشعير وما ذكر للرواية الأخرى منتقض بسائر فروع الأصول التي ذكرناها وكل نوع مبني على أصله فإذا كان شيئان من أصلين فهما جنسان فزيت الزيتون وزيت البطم وزيت الفجل أجناس ودهن السمك والشيرج ودهن الجوز ودهن اللوز والبزر أجناس وعسل النحل وعسل القصب جنسان وتمر النخل وتمر الهند جنسان وكل شيئين أصلهما واحد فهما جنس واحد وإن اختلفت مقاصدهما فدهن الورد والبنفسج والزئبق ودهن الياسمين إذا كانت من دهن واحد فهي جنس واحد وهذا الصحيح من مذهب الشافعي وله قول آخر لا يجري الربا فيها لأنها لا تقصد للأكل وقال أبو حنيفة هي أجناس لأن مقاصدها مختلفة ولنا إنها كلها شيرج وإنما طيبت بهذه الرياحين فنسبت إليها فلم تصر أجناسا كما لو طيب سائر أنواع الأجناس قولهم لا تقصد الرياحين للأكل قلنا هي صالحة للأكل وإنما تعد لما هو أعلى منه فلا تخرج عن كونها مأكولة بصلاحها لغيره وقولهم إنها أجناس لا يصح لأنها من أصل واحد ويشملها اسم واحد فكانت جنسا كأنواع التمر والحنطة فصل وقد يكون الجنس الواحد مشتملا على جنسين كالتمر يشتمل على النوى وغيره وهما جنسان واللبن يشتمل على المخيض والزبد وهما جنسان فما داما متصلين إتصال الخلقة فهما جنس واحد فإذا ميز أحدهما من الآخر صارا جنسين حكمهما حكم الجنسين الأصليين فصل في بيع التمر بالتمر وفروعه يجوز بيع التمر بالتمر كيلا بكيل بغير خلاف وسواء تساويا في الجودة والرداءة وفي كونهما ينكبسان في المكيال أو اختلفا في ذلك قيل لأحمد صاع تمر بصاع تمر وأحد التمرين يدخل في المكيال منه أكثر فقال إنما هو صاع بصاع وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم التمر بالتمر مدي بمدي ثم قال من زاد أو ازداد فقد أربى فإن كان في كل واحد منهما نواه جاز بيعه متساويا بغير خلاف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أن التمر يكون فيه النوى وإن نزع من كل واحد منهما نواه جاز أيضا وقال أصحاب الشافعي لا يجوز في أحد الوجهين لأنهما لم يتساويا في حال الكمال ولأنه يتجافى في المكيال ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم التمر بالتمر مدي بمدي ولأنهما تساويا في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان فجاز كما لو كان في كل واحد منهما نواه ويجوز بيع النوى بالنوى كيلا لذلك وإذا باع تمرا منزوع النوى بتمر نواه فيه لم يجز لاشتمال أحدهما على ما ليس من جنسه دون الآخر

قسم V04/P036–V04/P037

وإن نزع النوى ثم باع النوى والتمر بنوى وتمر لم يجز لأنه زالت التبعية بنزعه فصار كبيع تمر وحنطة بتمر وحنطة وإن باع النوى بتمر منزوع النوى جاز متفاضلا ومتساويا لأنهما جنسان وإن باع النوى بتمر نواه فيه فعلى روايتين منع منه في رواية مهنا وأحمد بن القاسم لأن التمر نوى فيصير كمد عجوة وكما لو باع تمرا فيه نواه بتمر منزوع النوى وأجاز ذلك في رواية ابن منصور ولأن النوى في التمر غير مقصود ولذلك جاز بيع التمر بالتمر في كل واحد منهما نواه وصار هذاكبيع دار مموه سقفها بالذهب بذهب فعلى هذا يجوز بيعه متفاضلا ومتساويا لأن النوى الذي في التمر لا عبرة به فصار كبيع النوى بمنزوع النوى فصل ويصنع من التمر الدبس والخل والناطف والقطارة ولا يجوز بيع التمر بشيء منها لأن مع بعضها من غير جنسه وبعضها مائع والتمر جامد ولا يجوز بيع الناطف بعضه ببعض ولا بغيره من المصنوع من التمر لأن معها شيئا مقصودا من جنسهما فينزل منزلة مد عجوة ويجوز بيع القطارة والدبس والخل كل نوع بعضه ببعض متساويا قال أحمد في رواية مهنا في خل الدقل يجوز بيع بعضه ببعض متساويا وذلك لأن الماء في كل واحد منهما غير مقصود وهو من مصلحته فلم يمنع جواز البيع كالخبز بالخبز والتمر بالتمر في كل واحد منهما نواة ولا يباع نوع بنوع آخر لأن في كل واحد منهما من غير جنسه يقل ويكثر فيفضي إلى التفاضل فصل والعنب كالتمر فيما ذكرناه إلا أنه لا يباع خل العنب بخل الزبيب لإنفراد كل واحد منهما بما ليس من جنسه ويجوز بيع خل الزبيب بعضه ببعض كما يجوز بيع خل التمر بعضه ببعض مسألة قال ( والبر والشعير جنسان ) هذا هو المذهب وبه يقول الثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وعن أحمد أنهما جنس واحد وحكي ذلك عن سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وابن معيقيب الدوسي والحكم وحماد ومالك والليث لما روي عن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح فقال بعه ثم اشتر به شعيرا فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع فلما جاء معمرا أخبره بذلك فقال له معمر لما فعلت ذلك انطلق فرده ولا تأخذن إلا مثلا بمثل فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير قيل فإنه ليس بمثله قال إني أخاف أن يضارع أخرجه مسلم ولأن أحدهما يغش بالآخر فكانا كنوعي الجنس ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم بيعوا البر بالشعير كيف شئتم يدا بيد وفي لفظ لا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يدا بيد وأما نسيئة فلا وفي لفظ فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم وهذا صريح صحيح لا يجوز تركه بغير معارض مثله ولأنهما لم يشتركا في الاسم الخاص فلم يكونا جنسا واحدا كالتمر والحنطة ولأنهما مسميان في الأصناف الستة فكانا جنسين كسائرها وحديث معمر لا بد فيه من إضمار الجنس بدليل سائر أجناس الطعام ويحتمل أنه أراد الطعام المعهود عندهم وهو الشعير فإنه قال في الخبر وكان طعامنا يومئذ الشعير ثم لو كان عاما لوجب تقديم الخاص الصريح عليه وفعل معمر وقوله لا يعارض به قول النبي صلى الله عليه وسلم وقياسهم ينتقض بالذهب والفضة فصل في الحنطة وفروعها نوعان أحدهما ما ليس فيه غيره كالدقيق والسويق والثاني ما فيه غيره كالخبز والهريسة والفالوذج والنشاء وأشباهها ولا يجوز بيع الحنطة بشيء من فروعها وهي ثلاثة أقسام أحدها السويق فلا يجوز بيعه بالحنطة وبهذا قال الشافعي وحكي عن مالك وأبي ثور جواز ذلك متماثلا ومتفاضلا ولنا إنه بيع الحنطة ببعض أجزائها متفاضلا فلم يجز كبيع مكوك حنطة بمكوكي دقيق ولا سبيل إلى التماثل لأن النار قد أخذت من أحدهما دون الآخر فأشبهت المقلية القسم الثاني ما معه غيره فلا يجوز بيعها به أيضا وقال أصحاب أبي حنيفة يجوز ذلك بناء على مسألة مد عجوة

قسم V04/P037–V04/P038

وسنذكر الدليل على ذلك إن شاء الله تعالى القسم الثالث الدقيق فلا يجوز بيعها به في الصحيح وهو مذهب سعيد بن المسيب والحسن والحكم وحماد والثوري وأبي حنيفة ومكحول وهو المشهور عن الشافعي وعن أحمد رواية أخرى أنه جائز وبهذا قال ربيعة ومالك وحكي عن النخعي وقتادة وابن شبرمة وإسحاق وأبي ثور لأن الدقيق نفس الحنطة وإنما تكسرت أجزاؤها فجاز بيع بعضها ببعض كالحنطة المكسرة بالصحاح فعلى هذا إنما تباع الحنطة بالدقيق وزنا لأنها قد تفرقت أجزاؤها بالطحن وانتشرت فتأخذ من المكيال مكانا كبيرا والحنطة تأخذ مكانا صغيرا والوزن يسوى بينهما وبهذا قال إسحاق ولنا إن بيع الحنطة بالدقيق بيع للحنطة بجنسها متفاضلا فحرم كبيع مكيلة بمكيلتين وذلك لأن الطحن قد فرق أجزاءها فيحصل في مكيالها دون ما يحصل في مكيال الحنطة وإن لم يتحقق التفاضل فقد جهل التماثل والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل فيما يشترط التماثل فيه ولذلك لم يجز بيع بعضها ببعض جزافا وتساويهما في الوزن لا يلزم منه التساوي في الكيل والحنطة والدقيق مكيلان لأن الأصل الكيل ولم يوجد ما ينقل عنه ولأن الدقيق يشبه المكيلات فكان مكيلا كالحنطة ثم لوكان موزونا لم يتحقق التساوي بين المكيل والموزون لأن المكيل لا يقدر بالوزن كما لا يقدر الموزون بالكيل فصل فأما بيع بعض فروعها ببعض فيجوز بيع كل واحد من الدقيق والسويق بنوعه متساويا وبه قال أبو حنيفة والمشهور عن الشافعي المنع من ذلك لأنه يعتبر تساويهما حالة الكمال وهو حال كونها حنطة وقد فات ذلك لأن أحد الدقيقين قد يكون من حنطة رزينة والآخر من حنطة خفيفة فيستويان دقيقا ولا يستويان حنطة ولنا أنهما تساويا حال العقد على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان فجاز كبيع التمر بالتمر إذا ثبت هذا فإنما يباع بعضه ببعض كيلا لأن الحنطة مكيلة ولم يوجد في الدقيق والسويق ما ينقلهما عن ذلك ويشترط أن يتساويا في النعومة ذكره أبو بكر وغيره من أصحابنا وهو مذهب أبي حنيفة لأنهما إذا تفاوتا في النعومة تفاوتا في ثاني الحال فيصير كبيع الحنطة بالدقيق وذكر القاضي أن الدقيق يباع بالدقيق وزنا ولا وجه له وقد سلم في السويق أنه يباع بالكيل والدقيق مثله فأما بيع الدقيق بالسويق فالصحيح أنه لا يجوز وهو مذهب الشافعي وروي عن أحمد أنه يجوز لأن كل واحد منهما أجزاء حنطة ليس معه غيره فأشبه الدقيق بالدقيق والسويق بالسويق ولنا إن النار قد أخذت من أحدهما فلم يجز بيع بعضه ببعض كالمقلية بالنيئة وروي عن مالك وأبي يوسف ومحمد وأبي ثور أنه لا بأس ببيع الدقيق بالسويق متفاضلا لأنهما جنسان ولنا إنهما أجزاء جنس واحد فلم يجز التفاضل بينهما كالدقيق مع الدقيق والسويق مع بالسويق فصل فأما ما فيه غيره كالخبز وغيره فهو نوعان أحدهما أن يكون ما فيه من غيره غير مقصود في نفسه إنما جعل فيه لمصلحته كالخبز والنشاء فيجوز بيع كل واحد منهما بنوعه إذا تساويا في النشافة والرطوبة ويعتبر التساوي في الوزن لأنه يقدر به في العادة ولا يمكن كيله وقال مالك إذا تحرى أن يكون مثلا بمثل فلا بأس به وإن لم يوزن وبه قال الأوزاعي وأبو ثور وحكي عن أبي حنيفة لا بأس به قرصا بقرصين وقال الشافعي لا يجوز بيع بعضه ببعض بحال إلا أن ييبس ويدق دقا ناعما ويباع بالكيل ففيه قولان لأنه مكيل يجب التساوي فيه ولا يمكن كيله فتعذرت المساواة فيه ولأن في كل واحد منهما من غير جنسه فلم يجز بيعه به كالمغشوش من الذهب والفضة وغيرهما ولنا على وجوب التساوي أنه مطعوم موزون فحرم التفاضل فيهما كاللحم واللبن ومتى وجب التساوي وجبت معرفة حقيقة التساوي في المعيار الشرعي كالحنطة بالحنطة والدقيق بالدقيق ولنا على الشافعي إن معظم نفعه في حال رطوبته فجاز بيعه به كاللبن باللبن ولا يمتنع أن يكون موزونا أصله غير موزون كاللحم والأدهان ولا يجوز بيع الرطب باليابس لإنفراد أحدهما بالنقص في ثاني الحال

قسم V04/P038–V04/P040

فأشبه الرطب بالتمر ولا يمنع زيادة أخذ النار في أحدهما أكثر من الآخر حال رطوبتهما إذا لم يكثر لأن ذلك يسير ولا يمكن التحرز منه أشبه بيع الحديثة بالعتيقة ولا يلزم ما فيه من الملح والماء لأن ذلك ليس بمقصود فيه ويراد لمصلحته فهو كالملح في الشيرج وإن يبس الخبز فدق وجعل فتيتا بيع بمثله كيلا لأنه أمكن كيله فرد إلى أصله وقال ابن عقيل فيه وجه آخر أنه يباع بالوزن لأنه انتقل إليه النوع الثاني ما فيه غيره مما هو مقصود كالهريسة والخزيرة والفالوذج وخبز الأبازير والخشكنانج والسنبوسك ونحوه فلا يجوز بيع بعضه ببعض ولا بيع نوع بنوع آخر لأن كل واحد منهما يشتمل على ما ليس من جنسه وهو مقصود كاللحم في الهريسة والعسل في الفالوذج والماء والدهن في الخزيرة ويكثر التفاوت في ذلك فلا يتحقق التماثل فيه وإذا لم يمكن التماثل في النوع الواحد ففي النوعين أولى فصل والحكم في الشعير وسائر الحبوب كالحكم في الحنطة ويجوز بيع الحنطة والمصنوع منها بغيرها من الحبوب والمصنوع منها لعدم اشتراط المماثلة بينهما والله أعلم مسألة قال ( وسائر اللحمان جنس واحد ) أراد جميع اللحم وجمعه وهو اسم جنس لاختلاف أنواعه ظاهر كلام الخرقي أن اللحم كله جنس واحد وذكره أبو الخطاب وابن عقيل رواية عن أحمد وهو قول أبي ثور واحد قولي الشافعي وأنكر القاضي أبو يعلى كون هذا رواية عن أحمد وقال الأنعام والوحوش والطير ودواب الماء أجناس يجوز التفاضل فيها رواية واحدة وإنما في اللحم روايتان إحداهما أنه أربعة أجناس كما ذكرنا وهو مذهب مالك إلا أنه يجعل الأنعام والوحش جنسا واحدا فيكون عنده ثلاثة أصناف والثانية أنه أجناس باختلاف أصوله وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وهي أصح لأنها فروع أصول هي أجناس فكانت أجناسا كالأدقة والأخباز وهذا اختيار ابن عقيل واختيار القاضي أنها أربعة أجناس وحمل كلام الخرقي عليها واحتج بأن لحم هذه الحيوانات تختلف المنفعة بها والقصد إلى أكلها فكانت أجناسا وهذا ضعيف جدا لأن كونها أجناسا لا يوجب حصرها في أربعة أجناس ولا نظير لهذا فيقاس عليه ولا يصح حمل كلام الخرقي عليه لعدم احتمال لفظه له وتصريحه في الأيمان بأنه إذا حلف لا يأكل لحما فأكل من لحم الأنعام أو الطائر أو السمك حنث فيتعين حمل كلامه على عمومه في أن جميع اللحم جنس لأن اشترك في الاسم الواحد حال حدوث الربا فيه فكان جنسا واحدا كالطلع والصحيح أنه أجناس باختلاف أصوله وهذا الدليل ينتقض بالتمر الهندي والتمر البرني وعسل القصب وعسل النحل وغير ذلك فعلى هذا لحم الإبل كله صنف بخاتيها وعرابها والبقر عرابها وجواميسها صنف والغنم ضأنها ومعزها صنف ويحتمل أن يكونا صنفين لأن الله تعالى سماها في الأزواج الثمانية فقال ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين الأنعام 143 ففرق بينهما كما فرق بين الإبل والبقر فقال ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين الأنعام 144 والوحش أصناف بقرها صنف وغنمها صنف وظباؤها صنف وكل ما له اسم يخصه فهو صنف والطيور أصناف كل ما انفرد باسم وصفة فهو صنف فيباع لحم صنف بلحم آخر متفاضلا ومتماثلا ويباع بصفة متماثلا ومن جعلها صنفا واحدا لم يجز عنده بيع لحم بلحم إلا متماثلا مسألة قال ( لا يجوز بيع بعضه ببعض رطبا ويجوز إذا تناهى جفافه مثلا بمثل ) اختار الخرقي أنه لا يباع بعضه ببعض إلا في حال جفافه وذهاب رطوبته كلها وهو مذهب الشافعي وذهب أبو حفص في شرحه إلى هذا قال القاضي والمذهب جواز بيعه ونص عليه وقوله في الرطب بالرطب بجواز البيع ينبه على إباحة بيع اللحم باللحم من حيث كان اللحم حال كماله ومعظم نفعه في حال رطوبته دون حال يبسه فجرى مجرى اللبن بخلاف الرطب فإن حال كماله ومعظم نفعه في حال يبسه فإذا جاز فيه البيع ففي اللحم أولى ولأنه وجد التماثل فيهما في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقص فجاز كبيع اللبن باللبن

قسم V04/P040–V04/P041

فأما بيع رطبه بيابسه أو نيئه بمطبوخه أو مشويه فغير جائز لانفراد أحدهما بالنقص في الثاني فلم يجز كالرطب بالتمر فصل قال القاضي ولا يجوز بيع بعضه ببعض إلا منزوع العظام كما لا يجوز بيع العسل بالعسل إلا بعد التصفية وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وكلام أحمد رحمه الله يقتضي الإباحة من غير نزع عظامه ولا جفافه قال في رواية حنبل إذا صار إلى الوزن مثلا بمثل رطلا برطل فأطلق ولم يشترط شيئا وذلك لأن العظم تابع للحم بأصل الخلقة فلم يشترط نزعه كالنوى في التمر وفارق العسل من حيث إن اختلاط الشمع بالعسل من فعل النحل لا من أصل الخلقة فصل واللحم والشحم جنسان والكبد صنف والطحال صنف والقلب صنف والمخ صنف ويجوز بيع كل صنف بصنف آخر متفاضلا وقال القاضي لا يجوز بيع اللحم بالشحم وكره مالك ذلك إلا أن يتماثلا وظاهر المذهب إباحة البيع فيهما متماثلا ومتفاضلا وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنهما جنسان فجاز التفاضل فيهما كالذهب والفضة وإن منع منه لكون اللحم لا يخلو من شحم لم يصح لأن الشحم لا يظهر وإن كان فيه شيء فهو غير مقصود فلا يمنع البيع ولو منع لذلك لم يجز بيع لحم بلحم لاشتمال كل واحد منهما على ما ليس من جنسه ثم لا يصح هذا عند القاضي لأن السمين الذي يكون مع اللحم لحم عنده فلا يتصور اشتمال اللحم على الشحم وذكر القاضي أن اللحم الأبيض الذي على ظاهر اللحم الأحمر هو والأحمر جنس واحد وأن الألية والشحم جنسان وظاهر كلام الخرقي خلاف هذا لقوله إن اللحم لا يخلو من شحم ولو لم يكن هذا شحما لم يختلط لحم بشحم فعلى قوله كل أبيض في الحيوان ذوب بالإذابة ويصير دهنا فهو جنس واحد وهذا أصح لقوله تعالى حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما الأنعام 146 فاستثنى ما حملت الظهور من الشحم ولأنه يشبه الشحم في ذويه ولونه ومقصده فكان شحما كالذي في البطن فصل وفي اللبن روايتان إحداهما هو جنس واحد لما ذكرنا في اللحم والثانية هو أجناس باختلاف أصوله كاللحم وهذا مذهب الشافعي وبه قال مالك لأن الأنعام كلها جنس واحد وقال ابن عقيل لبن البقر الأهلية والوحشية جنس واحد على الروايات كلها لأن اسم البقر يشملهما وليس بصحيح لأن لحمهما جنسان فكان لبنهما جنسين كالإبل والبقر ويجوز بيع اللبن بغير جنسه متفاضلا وكيف شاء يدا بيد وبجنسه متماثلا كيلا قال القاضي هو مكيل لا يباع إلا بالكيل لأنه العادة فيه ولا فرق بين أن يكونا حليبين أو حامضين أو أحدهما حليب والآخر حامض لأن تغيير الصفة لا يمنع جواز البيع كالجودة والرداءة وإن شيب أحدهما بماء أو غيره لم يجز بيعه بخالص ولا بمشوب من جنسه لأن معه من غير جنسه لغير مصلحته فصل ويتفرع من اللبن قسمان ما ليس فيه غيره كالزبد والسمن والمخيض واللبأ وما فيه غيره وكلاهما لا يجوز بيعه باللبن لأنه مستخرج من اللبن فلم يجز بيعه بأصله الذي فيه منه كالحيوان باللحم والسمسم بالشيرج وهذا مذهب الشافعي وعن أحمد أنه يجوز بيع اللبن بالزبد إذا كان الزبد المنفرد أكثر من الزبد الذي في اللبن وهذا يقتضي جواز بيعه به متفاضلا ومنع جوازه متماثلا قال القاضي وهذه الرواية لا تخرج على المذهب لأن الشيئين إذا دخلهما الربا لم يجز بيع أحدهما بالآخر ومعه من غير جنسه كمد عجوة ودرهم بمدين والصحيح أن هذه الرواية دالة على جواز البيع في مسألة مد عجوة وكونها مخالفة لروايات أخر لا يمنع كونها رواية كسائر الروايات المخالفة لغيرها لكنهامخالفة لظاهر المذهب والحكم في السمن كالحكم في الزبد وأما اللبن بالمخيض الذي فيه زبده فلا يجوز نص عليه أحمد فقال اللبن بالمخيض لا خير فيه ويتخرج الجواز كالتي قبلها وأما اللبن باللبا فإن كان قبل أن تمسه النار جاز متماثلا لأنه لبن بلبن وإن مسته النار لم يجز وذكر القاضي وجها أنه يجوز وليس بصحيح

قسم V04/P041–V04/P042

لأن النار عقدت أجزاء أحدهما وذهبت ببعض رطوبته فلم يجز بيعه بما لم تمسه النار كالخبز بالعجين والمقلية بالنيئة وهذا مذهب الشافعي وأما بيع النوع من فروع اللبن بنوعه فما فيه خلط من غير اللبن كالكشك والكامخ ونحوهما لا يجوز بيعه بنوعه ولا بغيره لأنه مختلط بغيره فهو كمسألة مد عجوة وما ليس فيه غيره أو فيه غيره إلا أن ذلك الغير لمصلحته فيجوز بيع كل نوع منه بعضه ببعض إذا تساويا في النشافة والرطوبة فيبيع المخيض بالمخيض واللبأ باللبأ والجبن بالجبن والمصل بالمصل والأقط بالأقط والزبد بالزبد والسمن بالسمن متساويا ويعتبر التساوي بين ا لأقط بالأقط بالكيل لأنه قدر بالصاع في صدقة الفطر وهو يشبه المكيلات وكذلك المصل والمخيض ويباع الخبز بالخبز بالوزن لأنه موزون ولا يمكن كيله فأشبه الخبز وكذلك الزبد والسمن ويتخرج أن يباع السمن بالكيل ولا يباع ناشف من ذلك برطب كما لا يباع الرطب بالتمر ويحتمل كلام الخرقي أن لا يباع رطب من ذلك برطب كاللحم وأما بيع ما نزع من اللبن بنوع آخر كالزبد والسمن والمخيض فظاهر المذهب أنه يجوز بيع الزبد والسمن بالمخيض متماثلا ومتفاضلا لأنهما جنسان وذلك لأنهما شيئان من أصل واحد أشبها اللحم بالشحم وممن أجاز بيع الزبد بالمخيض الثوري والشافعي وإسحاق ولأن اللبن الذي في الزبد غير مقصود وهو يسير فأشبه الملح في الشيرج وبيع السمن بالمخيض أولى بالجواز لخلو السمن من المخيض ولا يجوز بيع الزبد بالسمن لأن في الزبد لبنا يسيرا ولا شيء في السمن فيختل التماثل لأنه مستخرج من الزبد فلم يجز بيعه به كالزيتون بالزيت وهذا مذهب الشافعي وقال القاضي عندي يجوز لأن اللبن في الزبد غير مقصود فوجوده كعدمه ولذلك جاز بيعه بالمخيض وبزبد مثله وهذا لا يصح لأن التماثل واجب بينهما وانفراد أحدهما بوجود اللبن فيه يخل بالتماثل فلم يجز بيعه به كتمر منزوع النوى بتمر فيه نواه ولأن أحدهما ينفرد برطوبة لا توجد في الآخر فأشبه الرطب بالتمر والعنب بالزبيب وكل رطب بيابس من جنسه ولا يجوز بيع شيء من الزبد والسمن والمخيض بشيء من أنواع اللبن كالجبن واللبأ ونحوهما لأن هذه الأنواع لم ينتزع منها شيء فيكون حكمها حكم اللبن الذي فيه زبده فلم يجز بيعها كبيع اللبن بها وأما بيع الجبن بالأقط فلا يجوز مع رطوبتهما أو رطوبة أحدهما كما لا يجوز بيع الرطب بالتمر وإن كانا يابسين احتمل أن لا يجوز أيضا لأن الجبن موزون والأقط مكيل فلم يجز بيع أحدهما بالآخر كالخبز بالدقيق ويحتمل الجواز إذا تماثلا كبيع الخبز بالخبز مسألة قال ( ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان ) لا يختلف المذهب أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه وهو مذهب مالك والشافعي وقول فقهاء المدينة السبعة وحكي عن مالك أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان معا للحم ويجوز بغيره وقال أبو حنيفة يجوز مطلقا لأنه باع مال الربا بما لا ربا فيه أشبه بيع اللحم بالدراهم أو بلحم من غير جنسه ولنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عبد البر هذا أحسن أسانيده وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يباع حي بميت ذكره الإمام أحمد وروي عن ابن عباس أن جزورا نحرت فجاء رجل بعناق فقال أعطوني جزءا بهاذ العنقا فقال أبو بكر لا يصلح هذا قال الشافعي لا أعلم مخالفا لأبي بكر في ذلك وقال أبو الزناد وكل من أدركت ينهى عن بيع اللحم بالحيوان ولأن اللحم نوع فيه الربا بيع بأصله الذي فيه منه فلم يججز كبيع السمسم بالشيرج وبهذا فارق ما قاسوا عليه وأما بيع اللحم بحيوان من غير جنسه فظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا يجوز فإن أحمد سئل عن بيع الشاة باللحم فقال لا يصح

قسم V04/P042–V04/P043

لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع حي بميت واختار القاضي جوازه وللشافعي فيه قولان واحتج من منعه بعموم الأخبار وبأن اللحم كله جنس واحد ومن أجازه قال مال الربا بيع بغير أصله ولا جنسه فجاز كما لو باعه بالأثمان وإن باعه بحيوان غير مأكول اللحم جاز في ظاهر قول أصحابنا وهو قول عامة الفقهاء فصل ولا يجوز بيع شيء من مال الربا بأصله الذي فيه منه كالسمسم بالشيرج والزيتون بالزيت وسائر الأدهان بأصولها والعصير بأصله كعصير العنب والرمان والتفاح والسفرجل وقصب السكر لا يباع شيء منها بأصله وبه قال الشافعي وابن المنذر وقال أبو ثور يجوز لأن الأصل مختلف والمعنى مختلف وقال أبو حنيفة يجوز إذا علم يقينا أن ما في الأصل من الدهن والعصير أقل من المنفرد وإن لم يعلم لم يجز ولنا إنه مال ربا بيع بأصله الذي فيه منه فلم يجز كبيع اللحم بالحيوان وقد أثبتنا ذلك بالنص فصل فأما بيع شيء من هذه المعتصرات بجنسه فيجوز متماثلا ويجوز بيعه بغير جنسه متفاضلا وكيف شاء لأنهما جنسان ويعتبر التساوي فيهما بالكيل لأنه يقدر به ويباع به عادة وهذا مذهب الشافعي وسواء كانا مطبوخين أو نيئين وقال أصحاب الشافعي لا يجوز بيع المطبوخ بجنسه لأن النار تعقد أجزاءهما فيختلف ويؤدي إلى التفاضل ولنا إنهما متساويان في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقص فأشبه النيء بالنيء فأما بيع النيء بالمطبوخ من جنس واحد فلا يجوز لأن أحدهما ينفرد بالنقص في ثاني الحال فلم يجز بيعه به كالرطب بالتمر وإن باع عصير شيء من ذلك بثفله فإن كانت فيه بقية من المستخرج منه لم يجز بيعه به فلا يجوز بيع الشيرج بالكسب ولا الزيت بثفله الذي فيه بقية من الزيت إلا على الرواية التي فيها مسألة مد عجوة فإن لم يبق فيه شيء من عصيره جاز بيعه به متفاضلا ومتماثلا لأنهما جنسان فصل وإن باع شيئا فيه الربا بعضعه ببعض ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسه كمد ودرهم بمد ودرهم أو بمدين أو بدرهمين أو باع شيئا محلى بجنس حليته فهذه المسألة تسمى مسألة مد عجوة والمذهب أنه لا يجوز ذلك نص على ذلك أحمد في مواضع كثيرة وذكره قدماء الأصحاب قال ابن أبي موسى في السيف المحلى والمنطقة والمراكب المحلاة بجنس ما عليها لا يجوز قولا واحدا وروي هذا عن سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وشريح وابن سيرين وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو ثور وعن أحمد رواية أخرى تدل على أنه يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه فإن مهنا نقل عن أحمد في أن بيع الزبد باللبن يجوز إذا كان الزبد المنفرد أكثر من الزبد الذي في اللبن وروى حرب قال قلت لأحمد دفعت دينارا كوفيا ودرهما وأخذت دينارا شاميا وزنهما سواء لكن الكوفي أوضع قال لا يجوز إلا أن ينقص الدينار فيعطيه بحسابه فضة وكذلك روى عنه محمد بن أبي حرب الجرجرائي وروى الميموني أنه سأله لا يشتري السيف والمنطقة حتى يفصلها فقال لا يشتريها حتى يفصلها إلا أن هذا أهون من ذلك لأنه قد يشتري أحد النوعين بالآخر يفصله وفيه غير النوع الذي يشتري به فإذا كان من فضل الثمن إلا أن من ذهب إلى ظاهر القلادة لا يشتريه حتى يفصله قيل له فما تقول أنت قال هذا موضع نظر وقال أبو داود سمعت أحمد سئل عن الدراهم المسيبية بعضها صفر وبعضها فضة بالدراهم قال لا أقول فيه شيئا قال أبو بكر روى هذه المسألة عن أبي عبد الله خمسة عشرة نفسا كلهم اتفقوا على أنه لا يجوز حتى يفصل إلا الميموني ونقل مهنا كلاما آخر وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة يجوز هذا كله إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره أو كان مع كل واحد منهما من غير جنسه وقال الحسن لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بالدراهم

قسم V04/P043–V04/P044

وبه قال الشعبي والنخعي واحتج من أجاز ذلك بأن العقد إذا أمكن حمله على الصحة لم يحمل على الفساد لأنه لو اشترى لحما من قصاب جاز مع احتمال كونه ميتة ولكن وجب حمله على أنه مذكى تصحيحا للعقد ولو اشترى من إنسان شيئا جاز مع احتمال كونه غير ملكه ولا إذن له في بيعه تصحيحا للعقد أيضا وقد أمكن التصحيح هاهنا بجعل الجنس في مقابلة غير الجنس أو جعل غير الجنس في مقابلة الزائد على المثل ولنا ما روى فضالة بن عبيد قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو سبعة دنانير فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا حتى تميز بينهما قال فرده حتى ميز بينهما رواه أبو داود وفي لفظ رواية مسلم قال فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب وزنا بوزن ولأن العقد إذا جمع عوضين مختلفي الجنس وجب أن ينقسم أحدهما عن الآخر على قدر قيمة الآخر في نفسه فإذا اختلفت القيمة اختلف ما يأخذه من العوض بيانه أنه إذا اشترى عبدين قيمة أحدهما مثل نصف قيمة الآخر بعشرة كان ثمن أحدهما ثلثي العشرة والآخر ثلثها فلو رد أحدهما بعيب رده بقسطه من الثمن ولذلك إذا اشترى شقصا وسيفا بثمن أخذ الشفيع الشقص بقسطه من الثمن فإذا فعلنا هذا فيمن باع درهما ومدا قيمته درهمان بمدين قيمتهما ثلاثة حصل الدرهم في مقابلة ثلثي مد والمد الذي مع الدرهم في مقابلة مد وثلث فهذا إذا تفاوتت القيم ومع التساوي يجهل ذلك لأن التقويم ظن وتخمين والجهل بالتساوي كالعلم بعدمه في باب الربا ولذلك لم يجز بيع صبرة بصبرة بالظن والخرص وقولهم يجب تصحيح العقد ليس كذلك بل يحمل على ما يقتضيه من صحة وفساد ولذلك لو باع بثمن وأطلق وفي البلاد نقود بطل ولم يحمل على نقد أقرب البلاد إليه أما إذا اشترى من إنسان شيئا فإنه يصح لأن الظاهر أنه ملكه لأنه اليد دليل الملك وإذا باع لحما فالظاهر أنه مذكى لأن المسلم في الظاهر لا يبيع الميتة فصل فأما إن باع نوعين من مختلفي القيمة من جنس وبنوع واحد من ذلك الجنس كدينار مغربي ودينار سابوري بدينارين مغربيين أو دينار صحيح ودينار قراضة بدينارين صحيحين أو قراضتين أو حنطة حمراء وسمراء ببيضاء أو تمرا برنيا ومعقليا بإبراهيمي فإنه يصح قال أبو بكر وأومأ إليه أحمد واختار القاضي أبو يعلى أن الحكم فيها كالتي قبلها وهو مذهب مالك والشافعي لأن العقد يقتضي انقسام الثمن على عوضه على حسب اختلافه في قيمته كما ذكرنا وروي عن أحمد منع ذلك في النقد وتجويزه في الثمن نقله أحمد بن القاسم لأن الأنواع في غير الأثمان يكثر اختلاطها ويشق تمييزها فعفي عنها بخلاف الأثمان ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل الحديث وهذا يدل على إباحة البيع عند وجود المماثلة المراعية وهي المماثلة في الموزون وزنا وفي المكيل كيلا ولأن الجودة ساقطة في باب الربويات فيما قوبل بجنسه فيما لو اتحد النوع في كل واحد من الطرفين فكذلك إذا اختلفا واختلاف القيمة ينبني على الجودة والرداءة لأنه باع ذهبا بذهب متساويا في الوزن فصح كما لو اتفق النوع وإنما يقسم العوض على المعوض فيما يشتمل على جنسين أو في غير الربويات بدليل ما لو باع نوعا بنوع يشتمل على جيد ورديء فصل وإن باع ما فيه الربا بغير جنسه ومعه من جنس ما بيع به إلا أنه غير مقصود كدار مموه سقفها بالذهب جاز لا أعلم فيه خلافا وكذلك لو باع دارا بدار مموه سقف كل واحدة منها بذهب أو فضة جاز لأن ما فيه الربا غير مقصود بالبيع فوجوده كعدمه

قسم V04/P044–V04/P046

وكذلك لو اشترى عبدا له مال فاشترط ماله وهو من جنس الثمن جاز إذا كان المال غير مقصود ولو اشترى عبدا بعبد واشترط كل واحد منهما مال العبد الذي اشتراه جاز إذا لم يكن ماله مقصودا لأنه غير مقصود بالبيع فأشبه التمويه في السقف ولذلك لا تشترط رؤيته في صحة البيع ولا لزومه وإن باع شاة ذات لبن بلبن أو عليها صوف بصوف أو باع لبونا بلبون وذات صوف بمثلها ففيه وجهان أحدهما الجواز اختاره ابن حامد وهو قول أبي حنيفة وسواء كانت الشاة حية أو مذكاة لأن ما فيه الربا غير مقصود فلم يمنع كالدار المموه سقفها الثاني المنع وهو مذهب الشافعي لأنه باع مال الربا بأصله الذي فيه منه أشبه الحيوان باللحم والفرق بينهما أن اللحم في الحيوان مقصود بخلاف اللبن ولو كانت الشاة محلوبة اللبن جاز بيعها بمثلها وباللبن وجها واحدا لأن اللبن لا أثر له ولا يقابله شيء من الثمن فأشبه الملح في الشيرج والخبز والجبن وحبات الشعير في الحنطة ولا نعلم فيه أيضا خلافا وكذلك لو كان اللبن المنفرد من غير جنس لبن الشاة جاز بكل حال ولو باع نخلة عليها تمر بتمر أو بنخلة عليها تمر ففيه أيضا وجهان أحدهما الجواز اختاره أبو بكر لأن التمر غير مقصود بالبيع والثاني لا يجوز ووجه الوجهان ما ذكرناه في المسألة قبلها واختار القاضي أنه لا يجوز وفرق بينها وبين الشاة ذات اللبن بكون التمرة يصح إفرادها بالبيع وهي معلومة بخلاف اللبن في الشاة وهذا الفرق غير مؤثر فإن ما يمنع إذا جاز إفراده يمنع وإن لم يجز إفراده كالسيف المحلى يباع بجنس حليته وما لا يمنع لا يمنع وإن جاز إفراده كمال العبد فصل وإن باع جنسا فيه الربا بجنسه ومع كل واحد من غير جنسه غير مقصود فذلك ينقسم أقساما أحدها أن يكون غير المقصود يسيرا لا يؤثر في كيل ولا وزن كالملح فيما يعمل فيه وحبات الشعير في الحنطة فلا يمنع لأنه يسير لا يخل بالتماثل وكذلك لو وجد في أحدهما دون الآخر لم يمنع لذلك ولو باع ذلك بجنس غير المقصود الذي معه مثل أن يبيع الخبز بالملح جاز لأن وجود ذلك كعدمه الثاني أن يكون غير المقصود كثيرا إلا أنه لمصلحة المقصود كالماء في خل التمر والزبيب ودبس التمر فهذا يجوز بيع الشيء منه بمثله وينزل خلطه منزلة رطوبته لكونه من مصلحته فلا يمنع من بيعه بما يماثله كالرطب بالرطب ولا يجوز بيعه بما ليس فيه خلط كبيع خل العنب بخل الزبيب لإفضائه إلى التفاضل فجرى مجرى بيع التمر بالرطب ومنع الشافعي ذلك كله إلا بيع الشيرج بالشيرج لكون الماء لا يظهر في الشيرج الثالث أن يكون غير مقصود كثيرا وليس من مصلحته كاللبن المشوب بالماء والأثمان المغشوشة بغيرها فلا يجوز بيع بعضها ببعض لأن خلطه ليس من مصلحته وهو يخل بالتماثل المقصود فيه وإن باعه بجنس غير المقصود كبيع الدينار المغشوش بالفضة بالدراهم احتمل الجواز لأنه يبيعه بجنس غير مقصود فيه فأشبه بيع اللبن بشاة فيها لبن ويحتمل المنع بناء على الوجه الآخر في الأصل وإن باع دينارا مغشوشا بمثله والغش فيها متفاوت أو غير معلوم المقدار لم يجز لأنه يخل بالتماثل المقصود وإن علم التساوي في الذهب والغش الذي فيهما خرج على الوجهين أولاهما الجواز لأنهما الجواز لأنهما تماثلا في المقصود وفي غيره ولا يفضي إلى التفاضل بالتوزيع بالقيمة لكون الغش غير مقصود فكأنه لا قيمة له فصل ولو دفع إليه درهما فقال أعطني بنصف هذا الدرهم نصف درهم وبنصفه فلوسا أو حاجة أخرى جاز لأنه اشترى نصفا بنصف وهما متساويان فصح كما لو دفع إليه درهمين وقال بعني بهذا الدرهم فلوسا وأعطني بالآخر نصفين وإن قال أعطني بهذا الدرهم نصفا وفلوسا جاز أيضا لأن معناه ذلك ولأن ذلك لا يفضي إلى التفاضل بالتوزيع بالقيمة فإن قيمة النصف الذي في الدرهم كقيمة النصف الذي مع الفلوس يقينا وقيمة الفلوس كقيمة النصف الآخر سواء

قسم V04/P046–V04/P047

فصل وما كان مشتملا على جنسين بأصل الخلقة كالتمر الذي اشتمل على النوى وما عليه والحيوان المشتمل على لحم وشحم وغيره وأشباه ذلك فهذا إذا قوبل بمثله جاز بيعه به ولا نظر إلى ما فيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز بيع التمر بالتمر والحيوان بالحيوان وقد علم اشتمالها على ما فيهما ولو باع ذلك بنوع غير مقصود فيه كبيع التمر الذي فيه النوى بالنوى ففيه عن أحمد روايتان قد ذكرناهما فيما مضى فأما العسل قبل تصفيته فقال أصحابنا لا يجوز بيع بعضه ببعض لاشتماله على عسل وشمع وذلك بفعل النحل فأشبه السيف المحلى فصل ويحرم الربا في دار الحرب كتريحمه في دار الإسلام وبه قال مالك والأوزاعي وأبو يوسف والشافعي وإسحاق وقال أبو حنيفة لا يجري الربا بين مسلم وحربي في دار الحرب وعنه في مسلمين أسلما في دار الحرب لا ربا بينهما لما روى مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب ولأن أموالهم مباحة وإنما حظرها الأمان في دار الإسلام فما لم يكن كذلك كان مباحا ولنا قول الله تعالى وحرم الربا البقرة 275 وقوله الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس البقرة 275 وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا البقرة 278 وعموم الأخبار يقتضي تحريم التفاضل وقوله من زاد أو ازداد فقد أربى عام وكذلك سائر الأحاديث ولأن ما كان محرما في دار الإسلام كان محرما في دار الحرب كالربا بين المسلمين وخبرهم مرسل لا نعرف صحته ويحتمل أنه أراد النهي عن ذلك ولا يجوز ترك ماورد بتحريمه القرآن وتظاهرت به السنة وانعقد الإجماع على تحريمه بخبر مجهول لم يرد في صحيح ولا مسند ولا كتاب موثوق به وهو مع ذلك مرسل محتمل ويحتمل أن المراد بقوله لا ربا كقوله فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج البقرة 197 وما ذكروه من الإباحة منتقض بالحربي إذا دخل دار الإسلام فإن ماله مباح إلا فيما حظره الأمان ويمكن حمله بين المسلمين على هبة التفاضل وهو محرم بالإجماع فكذا ههنا مسألة قال ( وإذا اشترى ذهبا بورق عينا بعين فوجد أحدهما فيما اشتراه عيبا فله الخيار بين أن يرد أو يقبل إذا كان بصرف يومه وكان العيب يدخل عليه من غير جنسه ) معنى قوله عينا بعين هو أن يقول بعتك هذا الدينار بهذه الدراهم ويشير إليهما وهما حاضران وبغير عينه أن يوقع العقد على موصوف غير مشار إليه فيقول بعتك دينارا مصريا بعشرة دراهم ناصرية وإن وقع القبض في المجلس وقد يكون أحد العوضين معينا دون الآخر وكل ذلك جائز والمشهور في المذهب أن النقود تتعين بالتعيين في العقود فيثبت الملك في أعيانها فعلى هذا إذا تبايعا ذهبا بفضة مع التعيين فيهما ثم تقابضا فوجد أحدهما بما قبضه عيبا لم يخل من قسمين أحدهما أن يكون العيب غشا من غير جنس المبيع مثل أن يجد الدراهم رصاصا أو نحاسا أو فيه شيء من ذلك أو الدينار مسحا فالصرف باطل نص عليه أحمد وهو قول الشافعي وذكر أبو بكر فيها ثلاث روايات إحداهن البيع باطل والثانية البيع صحيح لأن البيع وقع على عينه وللمشتري الخيار بين الإمساك أو الرد وأخذ البدل والثالثة يلزمه العقد وليس له رده ولا بدله ولنا إنه باعه غير ما سمى له فلم يصح كما لو قال بعتك هذه البغلة فإذا هو حمار أو هذا الثوب القز فوجده كتانا وأما القول بأنه يلزمه المبيع فغير صحيح فإن اشترى معيبا لم يعلم عيبه فلم يلزمه ذلك بغير أرش كسائر المبيعات ثم إن أبا بكر يقول فيمن دلس العيب لا يصح بيعه مع وجود ذات المسمى في البيع فهاهنا مع اختلاف الذات أولى القسم الثاني أن يكون العيب من جنسه مثل كون الفضة سوداء أو خشنة تتقطر عند الضرب أو سكتها مخالفة لسكة السلطان فالعقد صحيح

قسم V04/P047–V04/P048

والمشتري مخير بين الإمساك وبين فسخ العقد والرد وليس له البدل لأن العقد واقع علة عينه فإذا أخذ غيره أخذ ما لم يشتره وإن قلنا إن النقد لا يتعين بالتعيين في العقد فله أخذ البدل ولا يبطل العقد لأن الذي قبضه ليس هو المعقود عليه فأشبه السلم إذا قبضه فوجد به عيبا وإن كان العيب في بعضه فله رد الكل أو إمساكه وهل له رد المعيب وإمساك الصحيح على وجهين بناء على تفريق الصفقة والحكم فيما إذا كان العوضان من جنس واحد كالحكم في الجنسين على ما ذكرنا لكن يتخرج على قول من منع بيع النوعين بنوع واحد من ذلك الجنس أنه إذا وجد بعض العوض معيبا أن يبطل العقد في الجميع لأن الذي يقابل المعيب أقل من الذي يقابل الصحيح فيصير كمسألة مد عجوة ومذهب الشافعي مثل ما ذكرنا في هذا الفصل سواء فصل ولو أراد أخذ أرش العيب والعوضان في الصرف من جنس واحد لم يجز لحصول الزيادة في أحد العوضين وفوات المماثلة المشترطة في الجنس الواحد وخرج القاضي وجها بجواز أخذ الأرش في المجلس لأن الزيادة طرأت بعد العقد وليس لهذا الوجه وجه فإن أرش العيب من العوض يجبر به في المرابحة ويأخذ به الشفيع ويرد به إذا رد المبيع بفسخ أو إقالة ولو لم يكن من العوض فبأي شيء استحقه المشتري فإنه ليس بهبة على أن الزيادة في المجلس من العوض ولو لم يكن أرشا فالأرش أولى وإن كان الصرف بغير جنسه فله أخذ الأرش في المجلس لأن المماثلة غير معتبرة وتخلف قبض بعض العوض عن بعض ما داما في المجلس لا يضر فجاز كما في سائر البيع وإن كان بعد التفرق لم يجز لأنه يفضي إلى حصول التفرق قبل القبض لأحد العوضين إلا أن يجعلا الأرش من غير جنس الثمن كأنه أخذ أرش عيب الفضة قفيز حنطة فيجوز وكذلك الحكم في سائر أموال الربا فيما بيع بجنسه أو بغير جنسه مما يشترط فيه القبض فإذا كان الأرش مما لا يشترط قبضه كمن باع قفيز حنطة بقفيزي شعير فوجد أحدهما عيبا فأخذ أرشه درهما جاز وإن كان بعد التفرق لأنه لم يحصل التفرق قبل قبض ما شرط فيه القبض فصل قول الخرقي إذا كان بصرف يومه يعني الرد جائز ما لم ينقص قيمة ما أخذه من النقد عن قيمته يوم اصطرفا فإن نقصت قيمته كأن أخذ عشرة بدينار فصارت أحد عشر بدينار فظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا يملك الرد لأن المبيع تعيب في يده لنقص قيمته وإن كانت قيمته قد زادت مثل أن صارت تسعة بدينار لم يمنع الرد لأنه زيادة وليس بعيب والصحيح أن هذا لا يمنع الرد لأن تغير السعر ليس بعيب ولهذا لا يضمن في الغصب ولا يمنع من الرد بالعيب في القرض ولو كان عيبا فإن ظاهر المذهب أنه إذا تعيب المبيع عند المشتري ثم ظهر على عيب قديم فله رده ورد أرش العيب الحادث عنده وأخذ الثمن فصل وإن تلف العوض في الصرف بعد القبض ثم علم عيبه فسخ العقد ورد الموجود وتبقى قيمة العيب في ذمة من تلف في يده فيرد مثلها أو عوضها إن اتفقا على ذلك سواء كان الصرف بجنسه أو بغير جنسه ذكره ابن عقيل وهو قول الشافعي قال ابن عقيل وقد روي عن أحمد جواز أخذ الأرش والأول أولى إلا أن يكونا في المجلس والعوضان من جنسين فصل إذا علم المصطرفان قدر العوضين جاز أن يتبايعا بغير وزن وكذلك لو أخبر أحدهما الآخر بوزن ما معه فصدقه فإذا باع دينارا بدينار كذلك وافترقا فوجد أحدهما ما قبضه ناقصا بطل الصرف لأنهما تبايعا ذهبا بذهب متفاضلا فإن وجد أحدهما فيما قبضه زيادة على الدينار نظرت في العقد فإن كان قال بعتك هذا الدينار بهذا فالعقد باطل لأنه باع ذهبا بذهب متفاضلا وإن قال بعتك دينارا بدينار ثم تقابضا كان الزائد في يد القابض مشاعا مضمونا لمالكه لأنه قبضه على أنه عوض ولم يفسد العقد

قسم V04/P048–V04/P049

لأنه إنما باع دينارا بمثله وإنما وقع القبض للزيادة على المعقود عليه فإن أراد دفع عوض الزائد جاز سواء كان من جنسه أو من غير جنسه لأنه معاوضة مبتدأة وإن أراد أحدهما الفسخ فله ذلك لأن آخذ الزائد وجد المبيع مختلطا بغيره معيبا بعيب الشركة ودافعه لا يلزمه أخذ عوضه إلا أن يكون في المجلس فيرد الزائد ويدفع بدله ولو كان لرجل على رجل عشرة دنانير فوفاه عشرة عددا فوجدها أحد عشر كان هذا الدينار الزائد في يد القابض مشاعا مضمونا لمالكه لأنه قبضه على أنه عوض عن ماله فكان مضمونا بهذا القبض ولمالكه التصرف فيه كيف شاء فصل والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في النقد بمعنى أنه يثبت الملك بالعقد فيما عيناه ويتعين عوضا فيه فلا يجوز إبداله وإن خرج مغصوبا بطل العقد وبهذا قال مالك والشافعي وعن أحمد أنها لا تتعين بالعقد فيجوز إبدالها ولا يبطل العقد بخروجها مغصوبة وهذا مذهب أبي حنيفة لأنه يجوز إطلاقها في العقد فلا تتعين بالتعيين فيه كالمكيال والصنجة ولنا إنه عوض في عقد فيتعين بالتعيين كسائر الأعواض ولأنه أحد العوضين فيتعين بالتعيين كالآخر ويفارق ما ذكروه فإنه ليس بعوض وإنما يراد لتقدير العقود عليه وتعريف قدره ولا يثبت فيها الملك بحال بخلاف مسألتنا مسألة قال ( وإذا تبايعا ذلك بغير عينه فوجد أحدهما فيما اشتراه عيبا فله البدل إذا كان العيب ليس بدخيل عليه من غير جنسه كالوضوح في الذهب والسواد في الفضة ) يعني اصطرفا في الذمة نحو أن يقول بعتك دينارا مصريا بعشرة دراهم فيقول الآخر قبلت فيصح البيع سواء كانت الدراهم والدنانير عندهما أو لم يكونا إذا تقابضا قبل الإفتراق بأن يستقرضا أو غير ذلك وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك لا يجوز الصرف إلا أن تكون العينان حاضرتين وعنه لا يجوز حتى تظهر إحدى العينين وتعين وعن زفر مثله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تبيعو غائبا منها بناجز ولأنه إذا لم يعين أحد العوضين كان بيع دين بدين وهو غير جائز ولنا إنهما تقابضا في المجلس فصح كما لو كانا حاضرين والحديث يراد به أن لا يباع عاجل بآجل أو مقبوض بغير مقبوض بدليل ما لو عين أحدهما فإنه يصح وإن كان الآخر غائبا والقبض في المجلس يجري مجرى القبض حالة العقد ألا ترى إلى قوله عينا بعين يدا بيد والقبض يجري في المجلس كذا التعين فإذا ثبت هذا فلا بد من تعيينهما بالتقابض في المجلس ومتى تقابضا فوجد أحدهما بما قبضه عيبا قبل التفرق فله المطالبة بالبدل سواء كان العيب من جنسه أو من غير جنسه لأن العقد وقع على مطلق عيب فيه فله المطالبة بما وقع عليه العقد كالمسلم فيه وإن رضيه بعيبه والعيب من جنسه جاز كما لو رضي بالمسلم فيه معيبا وإن اختار أخذ الأرش فإن كان العوضان من جنس واحد لم يجز لإفضائه إلى التفاضل فيما يشترط فيه التماثل وإن كانا من جنسين جاز فأما إن تقابضا وافترقا ثم وجد العيب من جنسه فله إبداله في إحدى الروايتين اختارها الخلال والخرقي وروي ذلك عن الحسن وقتادة وبه قال أبو يوسف ومحمد وهو أحد قولي الشافعي لأن ما جاز إبداله قبل التفرق جاز بعده كالمسلم فيه والرواية الثانية ليس له ذلك وهو قول أبي بكر ومذهب أبي حنيفة والقول الثاني للشافعي لأنه يقبضه بعد التفرق ولا يجوز ذلك في الصرف ومن صار إلى الرواية الأولى قال قبض الأول صح به العقد وقبض الثاني يدل على الأول ويشترط أن يأخذ البدل في مجلس الرد فإن تفرقا من غير قبض بطل العقد وإن وجد البعض رديئا فرده فعلى الرواية الأولى له البدل وعلى الثانية يبطل في المردود وهل يصح فيما لم يرد على وجهين بناء على تفريق الصفقة ولا فرق بين كون المبيع من جنس أو من جنسين وقال مالك إن وجد درهما زيفا فرضي به جاز وإن رده انتقض الصرف في دينار

قسم V04/P049–V04/P050

وإن رد أحد عشر درهما انتقض الصرف في دينارين وكلما زاد على دينار انتقض الصرف في دينار آخر ولنا إن ما لا عيب فيه لم يرد فلم ينتقض الصرف فيما يقابله كسائر العوض وإن اختار واجد العيب الفسخ فعلى قولنا له البدل ليس له الفسخ إذا أبدل له لأنه يمكنه أخذ حقه غير معيب وعلى الرواية الأخرى له الفسخ أو الإمساك في الجميع لأنه تعذر عليه الوصول إلى ما عقد عليه مع إبقاء العقد فإن اختار أخذ أرش العيب بعد التفرق لم يكن له ذلك لأنه عوض يقبضه بعد التفرق عن الصرف إلا على الرواية الأخرى فصل ومن شرط المصارفة في الذمة أن يكون العوضان معلومين إما بصفة يتميزان بها وإما أن يكون للبلد نقد معلوم أو غالب فينصرف الإطلاق إليه ولو قال بعتك دينارا مصريا بعشرين درهما من نقد عشرة دينار لم يصح إلا أن لا يكون في البلد نقد عشرة بدينار إلا نوع واحد فتنصرف تلك الصفة إليه وكذلك الحكم في البيع فصل إذا كان لرجل في ذمة رجل ذهب وللآخر عليه دراهم فاصطرفا بما في ذمتهما لم يصح وبهذا قال الليث والشافعي وحكى ابن عبد البر عن مالك وأبي حنيفة جوازه لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة ولذلك جاز أن يشتري الدراهم بدنانير من غير تعيين ولنا إنه بيع دين بدين ولا يجوز ذلك بالإجماع قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز وقال أحمد إنما هو إجماع وقد روى أبو عبيد في الغريب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالىء بالكالىء وفسره بالدين بالدين إلا أن الأثرم روى عن أحمد أنه سئل أيصح في هذا حديث قال لا وإنما صح الصرف بغير تعيين بشرط أن يتقابضا في المجلس فجرى القبض والتعيين في المجلس مجرى وجوده حالة العقد ولو كان لرجل على رجل دنانير فقضاه دراهم شيئا بعد شيء نظرت فإن كان يعطيه كل درهم بحسابه من الدينار صح نص عليه أحمد وإن لم يفعل ذلك ثم تحاسبا بعد ذلك فصارفه بها وقت المحاسبة لم يجز نص عليه أيضا لأن الدنانير دين والدراهم صارت دينا فيصير بيع دين بدين وإن قبض أحدهما من الآخر ماله عليه ثم صارفه بعين وذمة صح وإذا أعطاه الدراهم شيئا بعد شيء ولم يقضه ذلك وقت دفعها إليه ثم أحضرها وقوماها فإنه يحتسب بقيمتها يوم القضاء لا يوم دفعها إليه لأنها قبل ذلك لم تصر في ملكه إنما هي وديعة في يده فإن تلفت أو نقصت فهي من ضمان مالكها ويحتمل أن تكون من ضمان القابض لها إذا قبضها بنية الإستيفاء لأنها مقبوضة على أنها عوض ووفاء والمقبوض في عقد فاسد كالمقبوض في العقد الصحيح فيما يرجع إلى الضمان وعدمه ولو كان لرجل عند صيرفي دنانير فأخذ منه دراهم ادرارا لتكون هذه بهذه لم يكن كذلك بل كان كل واحد منهما في ذمة من قبضه فإذا أراد التصارف أحضرا أحدهما واصطرفا بعين وذمة فصل ويجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر ويكون صرفا بعين وذمة في قول أكثر أهل العلم ومنع منه ابن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة وروي ذلك عن ابن مسعود لأن القبض شرط وقد تخلف

قسم V04/P050–V04/P052

ولنا ما روى أبو داود والأثرم في سننهما عن ابن عمر قال كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة فقلت يا رسول الله رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير أخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء قال أحمد إنما يقضيه إياها بالسعر لم يختلفوا أنه يقضيه إياها بالسعر إلا ما قال أصحاب الرأي إنه يقضيه مكانها ذهبا على التراضي لأنه بيع في الحال فجاز ما تراضيا عليه إذا اختلف الجنس كما لو كان العوض عرضا ووجه الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس أن تأخذها بسعر يومها وروي عن ابن عمر أن بكر بن عبد الله المزني ومسروقا العجلي سألاه عن كري لهما له عليهما دراهم وليس معهما إلا دنانير فقال ابن عمر أعطوه بسعر السوق ولأن هذا جرى مجرى القضاء فقيد بالمثل كما لو قضاه من الجنس والتماثل هاهنا من حيث القيمة لتعذر التماثل من حيث الصورة قيل لأبي عبد الله فإن أهل السوق يتغابنون بينهم بالدانق في الدينار وما أشبهه فقال إذا كان مما يتغابن الناس به فسهل فيه ما لم يكن حيلة ويزاد شيئا كثيرا فصل فإن كان المقضي الذي في الذمة مؤجلا فقد توقف أحمد فيه وقال القاضي يحتمل وجهين أحدهما المنع وهو قول مالك ومشهور قولي الشافعي لأن ما في الذمة لا يستحق قبضه فكان القبض ناجزا في أحدهما والناجز يأخذ قسطا من الثمن والآخر الجواز وهو قول أبي حنيفة لأنه ثابت في الذمة بمنزلة المقبوض فكأنه رضي بتعجيل المؤجل والصحيح الجواز إذا قضاه بسعر يومها ولم يجعل للمقضي فضلا لأجل تأجيل ما في الذمة لأنه إذا لم ينقصه عن سعرها شيئا فقد رضي بتعجيل ما في الذمة بغير عوض فأشبه ما لو قضاه من جنس الدين ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر حين سأله ولو افترق الحال لسأل واستفصل فصل قال أحمد ولو كان لرجل على رجل عشرة دراهم فدفع إليه دينارا فقال استوف حقك منه فاستوفاه بعد يومين جاز ولو كان عليه دنانير فوكل غريمه في بيع داره واستيفاء حقه من ثمنها فباعها بدراهم لم يجز أن يأخذ منها قدر حقه لأنه لم يأذن له في مصارفة نفسه ولأنه متهم ولو باع جارية بدنانير فأخذ بها دراهم فردت الجارية بعيب أو إقالة لم يكن للمشتري إلا الدنانير لأنه الثمن الذي وقع عليه العقد وإنما أخذ الدراهم بعقد صرف مستأنف نص أحمد على هذه المسائل فصل إذا كان عليه دين مؤجل فقال لغريمه ضع عني بعضه وأعجل لك بقيته لم يجز كرهه زيد بن ثابت وابن عمر والمقداد وسعيد بن المسيب وسالم والحسن وحماد والحكم والشافعي ومالك والثوري وهشيم وابن علية وإسحاق وأبو حنيفة وقال المقداد لرجلين فعلا ذلك قد أذن بحرب من الله ورسوله وروي عن ابن عباس أنه لم ير به بأسا وروي ذلك عن النخعي وأبي ثور لأنه آخذ لبعض حقه تارك لبعضه فجاز كما لو كان الدين حالا وقال الخرقي لا بأس أن يعجل المكاتب لسيده ويضع عنه بعض كتابته ولنا إنه بيع الحلول فلم يجز كما لو زاده الذي له الدين فقال له أعطيك عشرة دراهم وتعجل لي لمائة التي عليك فأما المكاتب فإن معاملته مع سيده وهو يبيع بعض ماله ببعض دخلت المسامحة فيه ولأنه سبب للعتق فسومح فيه بخلاف غيره مسألة قال ( فإن كان العيب دخيلا عليه من غير جنسه كان الصرف فيه فاسدا ) يعني إذا وجد أحدهما ما قبضه مغشوشا بغش من غير جنسه فينظر فيه فإن كان الصرف عينا بعين فهو فاسد لما أسلفناه وإن كان بغير عين وعلم ذلك في المجلس فرده وأخذ بدله فالصرف صحيح

قسم V04/P052–V04/P053

لأنه عين المعقود عليه وإن افترقا قبل رده فالصرف فيه فاسد أيضا لأنهما تفرقا قبل قبض المعقود عليه ولم يقبض ما يصلح عوضا عن المعقود عليه وهذا ظاهر كلام الخرقي وقيل عن أحمد إنه إذا أخذ البدل في مجلس الرد لم يبطل كما لو كان العيب من جنسه وهذا فيما إذا لم يكن مشتري المعيب عالما بعيبه فأما إن علم بعيبه فاشتراه على ذلك والعيب من جنسه جاز ولا خيار له ولا بدل وإن كان من غير جنسه وكان الصرف ذهبا بذهب أو فضة بمثلها فالصرف فيه فاسد لأنه يخل بالتماثل إلا أن يبيع ذهبا أو فضة مغشوشا بمثل غشه كبيعه دينارا صوريا بمثله مع علمه بتساوي غشهما وذكرنا أن الظاهر جوازه وإن باع مغشوشا بغير مغشوش لم يجز إلا أن يكون للغش قيمة فيخرج على مسألة مد عجوة وإن كان الصرف في جنسين كذهب بفضة انبنى على اتفاق المغشوشة فصل وفي إنفاق المغشوش من النقود روايتان أظهرهما الجواز نقل صالح عنه في دراهم يقال لها المسيبية عامتها نحاس إلا شيئا فيها فضة فقال إذا كان شيئا اصطلحوا عليه مثل الفلوس واصطلحوا عليها فأرجوا أن لا يكون بها بأس والثانية التحريم نقل حنبل في دراهم يخلط فيها مس ونحاس يشتري بها ويباع فلا يجوز أن يبتاع بها أحد كل ما وقع عليه اسم الغش فالشراء به والبيع حرام وقال أصحاب الشافعي إن كان الغش مما لا قيمة له جاز الشراء بها وإن كان من مما له قيمة ففي جواز إنفاقها وجهان واحتج من منع إنفاق المغشوشة يقول النبي صلى الله عليه وسلم من غشنا فليس منا وبأن عمر رضي الله عنه نهى عن بيع نفاية بيت المال ولأن المقصود فيه مجهول أشبه تراب الصاغة والأولى أن يحمل كلام أحمد في الجواز على الخصوص فيما ظهر غشه واصطلح عليه فإن المعاملة به جائزة إذ ليس فيه أكثر من اشتماله على جنسين لا غرر فيهما فلا يمنع من بيعهما كما لو كانا متميزين ولأن هذا مستفيض في الأعصار جاز بينهم من غير نكير وفي تحريمه مشقة وضرر وليس شراؤه بها غشا للمسلمين ولا تغريرا لهم والمقصود منها ظاهر مرئي معلوم بخلاف تراب الصاغة ورواية المنع محمولة على ما يخفى غشه ويقع اللبس به فإن ذلك يفضي إلى التغرير بالمسلمين وقد أشار أحمد إلى هذا في رجل اجتمعت عنده دراهم زيوف ما يصنع بها قال يسبكها قيل له فيبيعها بدنانير قال لا قيل يبيعها بفلوس قال لا قيل فبسلعة قال لا إني أخاف أن يغر بها مسلما قيل لأبي عبد الله أيتصدق بها قال إني أخاف أن يغر بها مسلما وقال ما ينبغي له لأنه يغر بها المسلمين ولا أقول إنه حرام لأنه على تأويل وذلك إنما كرهته لأنه يغر بها مسلما فقد صرح بأنه إنما كرهه لما فيه من التغرير بالمسلمين وعلى هذا يحمل منع عمر نفاية بيت المال لما فيه من التغرير بالمسلمين فإن مشتريها ربما خلطها بدراهم جيدة واشترى بها ممن لا يعرف حالها ولو كانت مما اصطلح على إنفاقه لم يكن نفاية فإن قيل فقد روي عن عمر أنه قال من زفت عليه دراهمه فليخرج بها إلى البقيع فليشتري بها سحق الثياب وهذا دليل على جواز إنفاق المغشوشة التي لم يصطلح عليها فلنا قد قال أحمد معنى زافت عليه دراهمه أي نفيت ليس أنها زيوف فيتعين حمله على هذا جمعا بين الروايتين عنه ويحتمل أنه أراد ما ظهر غشه وبأن زيفه بحيث لا يخفى على أحد ولا يحصل بها تغرير وإن تعذر تأويلها تعارضت الروايتان عنه ويرجع إلى ما ذكرنا من المعنى ولا فرق بين ما كان غشه ذا بقاء وثبات كالرصاص والنحاس وما لا ثبات له كالزرنيخية والاندرانية وهو زرنيخ ونورة يطلى عليه فضة فإذا دخل النار استهلك الغش وذهب مسألة قال ( ومتى انصرف المتصارفان قبل التقابض فلا بيع بينهما ) الصرف بيع الأثمان بعضها بعض والقبض في المجلس شرط لصحته بغير خلاف

قسم V04/P053–V04/P054

قال ابن المنذر أجمع كل ممن نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء وقوله عليه السلام بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق دينا ونهى أن يباع غائب منها بناجز كلها أحاديث صحاح ويجزىء القبض في المجلس وإن طال ولو تماشيا مصطحبين إلى منزل أحدهما أو إلى الصراف فتقابضا عنده جاز وبهذا قال الشافعي وقال مالك لا خير في ذلك لأنهما فارقا مجلسهما ولنا إنهما لم يفترقا قبل التقابض فأشبه ما لو كانا في سفينة تسير بهما أو راكبين على دابة واحدة تمشي بهما وقد دل على ذلك حديث أبي برزة الأسلمي للذين مشيا إليه من جانب العسكر وما أراكما افترقتما وإن تفرقا قبل التقابض بطل الصرف لفوات شرطه وإن قبض البعض ثم افترقا بطل فيما لم يقبض وفيما يقابله من العوض وهل يصح في المقبوض على وجهين بناء على تفريق الصفقة ولو وكل أحدهما وكيلا في القبض فقبض الوكيل قبل تفرقهما جاز وقام قبض وكيله مقام قبضه سواء فارق الوكيل المجلس قبل القبض أو لم يفارقه وإن افترقا قبل قبض الوكيل بطل لأن القبض في المجلس شرط وقد فات وإن تخايرا قبل القبض في المجلس لم يبطل العقد بذلك لأنهما لم يفترقا قبل القبض ويحتمل أن يبطل إذا قلنا بلزوم العقد وهو مذهب الشافعي لأن العقد لم يبق فيه خيار قبل القبض أشبه ما لو افترقا والصحيح الأول فإن الشرط التقابض في المجلس وقد وجد واشتراط التقابض قبل اللزوم تحكم بغير دليل ثم يبطل بما إذا تخايرا قبل الصرف ثم اصطرفا فإن الصرف يقع لازما صحيحا قبل القبض ثم يشترط القبض في المجلس فصل ولو صارف رجلا دينارا بعشرة دراهم وليس معه إلا خمسة دراهم لم يجز أن يتفرقا قبل قبض العشرة كلها فإن قبض الخمسة وافترقا بطل الصرف في نصف الدينار وهل يبطل فيما يقابل الخمسة المقبوضة على وجهين بناء على تفريق الصفقة وإن أراد التخلص فسخا الصرف في النصف الذي ليس معه عوضه أو يفسخان العقد كله ثم يشتري منه نصف الدينار بخمسة ويدفعها إليه ثم يأخذ الدينار كله فيكون ما اشتراه منه له وما بقي أمانة في يده ثم يفترقان ثم إذا صارفه بعد ذلك بالباقي له من الدينار أو اشترى به منه شيئا أو جعله سلما في شيء أو وهبه له جاز وكذلك إن وكله فيه ولو اشترى فضة بدينار ونصف ودفع إلى البائع دينارين وقال أنت وكيلي في نصف الدينار الزائد صح ولو صارفه عشرة دراهم بدينار فأعطاه أكثر من دينار ليزن له حقه في وقت آخر جاز وإن طال ويكون الزائد أمانة في يده لا شيء عليه في تلفه نص أحمد على أكثر هذه المسائل فإن لم يكن مع أحدهما إلا خمسة دراهم فاشترى بها نصف دينار وقبض دينارا كاملا ودفع إليه الدراهم ثم اقترضها منه فاشترى بها النصف الباقي أو اشترى الدينار منه بعشرة ابتداء ودفع إليه الخمسة ثم اقترضها منه ودفعها إليه عوضا عن النصف الآخر على غير وجه الحيلة فلا بأس فصل وإذا باع مدي تمر رديء بدرهم ثم اشترى بالدرهم تمرا جنيبا أو اتشرى من رجل دينارا صحيحا بدراهم وتقابضاها ثم اشترى منه بالدراهم قراضة من غير مواطأة ولا حيلة فلا بأس به وقال ابن أبي موسى لا يجوز إلا أن يمضي إلى غيره ليبتاع منه فلا يستقيم له فيجوز أن يرجع إلى البائع فيبتاع منه وقال أحمد في رواية الأثرم يبيعها من غيره أحب إلي قلت له قال لم يعلمه أنه يريد أن يبيعها منه فقال يبيعها من غيره فهو أطيب لنفسه وأحرى أن يستوفي الذهب منه فإنه إذا ردها إليه لعله أن لا يوفيه الذهب ولا يحكم الوزن ولا يتقصي يقول هي ترجع إليه

قسم V04/P054–V04/P055

قيل لأبي عبد الله فذهب ليشتري الدراهم الذهب التي أخذها منه من غيره فلم يجدها فرجع إليه فقال إذا كان لا يبالي اشترى منه ومن غيره فنعم فظاهر أن هذا على وجه الاستحباب لا الإيجاب ولعل أحمد إنما أراد اجتناب المواطأة على هذا ولهذا قال إذا كان لا يبالي اشترى منه أو من غيره فنعم وقال مالك إن فعل ذلك مرة جاز وإن فعله أكثر من مرة لم يجز لأنه يضارع الربا ولنا ما روى أبو سعيد قال جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من أين هذا قال بلال كان عندنا تمر رديء فبعت صاعين بصاع ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أوه عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به وروى أيضا أبو سعيد وأبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال أكل تمر خيبر هكذا قال لا والله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعل بع التمر بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا متفق عليهما ولم يأمره أن يبيعه من غير من يشتري منه ولو كان ذلك محرما لبينه له وعرفه إياه ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط ولا مواطأة فجاز كما لو باعه من غيره ولأن ما جاز من البياعات مرة جاز على الإطلاق كسائر البياعات فأما إن تواطأ على ذلك لم يجز وكان حيلة محرمة وبه قال مالك وقال أبو حنيفة والشافعي يجوز ما لم يكن مشروطا في العقد ولنا إنه إذا كان عن مواطأة كان حيلة والحيل محرمة على ما سنذكره فصل والحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين وهو أن يظهر عقدا مباحا يريد به محرما مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرم الله واستباحة محظوراته أو إسقاط واجب أو دفع حق ونحو ذلك قال أيوب السختياني إنهم ليخادعون الله كأنما يخادعون صبيا لو كانوا يأتون الأمر على وجهه كان أسهل علي فمن ذلك ما لو كان مع رجل عشرة صحاح ومع الآخر خمسة عشرة مكسرة فاقترض كل واحد منهما ما مع صاحبه ثم تباريا توصلا إلى بيع الصحاح بالمكسرة متفاضلا أو باعه الصحاح بمثلها من المكسرة ثم وهبه الخمسة الزائدة أو اشترى منه بها أوقية صابون أو نحوها ما يأخذه بأقل من قيمته أو اشترى منه بعشرة إلا حبة من الصحيح مثلها من المكسرة ثم اشترى منه بالحبة الباقية ثوبا قيمته خمسة دنانير وهكذا لو أقرضه شيئا أو باعه سلعة بأكثر من قيمتها أو اشترى من سلعة بأقل من قيمتها توصلا إلى أخذ عوض عن القرض فكل ما كان من هذا على وجه الحيلة فهو خبيث محرم وبهذا قال مالك وقال أبو حنيفة والشافعي ذلك كله وأشباهه جائز إذا لم يكن مشروطا في العقد وقال بعض أصحاب الشافعي يكره أن يدخلا في البيع على ذلك لأن كل ما لا يجوز شرطه في العقد يكره أن يدخلا عليه ولنا إن الله تعالى عذب أمة بحيلة احتالوها فمسخهم قردة وسماهم معتدين وجعل ذلك نكالا وموعظة للمتقين ليتعظوا بهم ويمتنعوا من مثل أفعالهم وقال بعض المفسرين في قوله تعالى وموعظة للمتقين آل عمران 138 أي لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فروي أنهم كانوا ينصبون شباكهم للحيتان يوم الجمعة ويتركونها إلى يوم الأحد ومنهم من كان يحفر حفائر ويجعل إليها مجاري فيفتحها يوم الجمعة فإذا جاء السمك يوم السبت جرى مع الماء في المجاري فيقع في الحفائر فيدعها إلى يوم الأحد ثم يأخذها ويقول ما اصطدت يوم السبت ولا اعتديت فيه فهذه حيلة وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار

الأسئلة