Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

قسم V04/P055–V04/P056

ومن أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار رواه أبو داود وغيره فجعله قمارا مع إدخاله الفرس الثالث لكونه لا يمنع معنى القمار وهو كون كل واحد من المتسابقين لا ينفك عن كونه آخذا أو مأخوذا منه وإنما دخل صورة تحيلا على إباحة المحرم وسائر الحيل مثل ذلك ولأن الله تعالى إنما حرم المحرمات لمفسدتها والضرر الحاصل منها ولا تزول مفسدتها مع إبقاء معناها بإظهارها صورة غير صورتها فوجب أن لا يزول التحريم كما لو سمى الخمر بغير اسمها لم يبح ذلك شربها وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لستحلن قوم من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ومن الحيل في غير الربا أنهم يتوصلون إلى بيع الشيء المنهي عنه أن يستأجر بياض أرض البستان بأمثال أجرته ثم يساقيه على ثمر شجره بجزء من ألف جزء للمالك وتسعمائة وتسعة وتسعون للعامل ولا يأخذ منه المالك شيئا ولا يريد ذلك وإنما قصد بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بما سماه أجرة والعامل لا يقصد أيضا سوى ذلك وربما لا ينتفع بالأرض التي سمى الأجرة في مقابلتها ومتى لم يخرج الثمر أو أصابته جائحة جاء المستأجر يطلب الجائحة ويعتقد أنه إنما بذل ماله في مقابلة الثمرة لا غير ورب الأرض يعلم ذلك فصل ولو اشترى شيئا بمكسرة لم يجز أن يعطيه صحيحا أقل منها قال أحمد هذا هو الربا المحض وذلك لأنه يأخذ عوض الفضة أقل منها فيحصل التفاضل بينهما ولو اشتراه بصحيح لم يجز أن يعطيه مكسرة أكثر منها كذلك فإن تفاسخا البيع ثم عقدا بالصحاح أو بالمكسرة جاز ولو اشترى ثوبا بنصف دينار لزمه نصف دينار شق فإن عاد فاشترى شيئا آخر بنصف آخر لزمه نصف شق أيضا فإن وفاه دينارا صحيحا بطل العقد الثاني لأنه تضمن اشتراط زيادة ثمن العقد الأول وإن كان ذلك قبل لزوم العقد الأول بطل أيضا لأنه وجد ما يفسده قبل انبرامه وإن كان بعد تفرقهما فلزومه لم يؤثر ذلك فيه ولا يلزمه أكثر من ثمنه الذي عقد البيع به ومذهب الشافعي في هذا كما ذكرنا فصل إذا كان له عند رجل دينار وديعة فصارفه به وهو معلوم بقاؤه أو مظنون صح الصرف وإن ظن أنه غير موجود لم يصح الصرف لأن حكمه حكم المعدوم وإن شك فيه فقال ابن عقيل يصح وهو قول بعض الشافعية وقال القاضي لا يصح لأنه غير معلوم البقاء وهو منصوص الشافعي ووجه الأول أن الأصل بقاؤه فصح البناء عليه عند الشك فإن الشك لا يزيل اليقين ولذلك صح بيع الحيوان الغائب المشكوك في حياته فإن تبين أنه كان تالفا حين العقد تبينا أن العقد وقع باطلا فصل ولا يجوز بيع تراب الصاغة والمعدن بشيء من جنسه لأنه مال ربا بيع بجنسه على وجه لا تعلم المماثلة بينهما فلم يصح كبيع الصبرة بالصبرة وإن بيع بغير جنسه فحكى ابن المنذر عن أحمد كراهة بيع تراب المعادن وهو قول عطاء والشافعي والشعبي والثوري والأوزاعي وإسحاق لأنه مجهول وقال ابن أبي موسى في الإرشاد يجوز ذلك وهو قول مالك وروي ذلك عن الحسن والنخعي وربيعة والليث قالوا فإن اختلط أو أشكل فليبعه بعرض ولا يبعه بعين ولا ورق لأنه باعه بما لا ربا فيه فجاز كما لو اشترى ثوبا بدينار ودرهم مسألة قال ( والعرايا التي أرخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أن يوهب للإنسان من النخل ما ليس فيه خمسة أوسق فيبيعها بخرصها من التمر لمن يأكلها رطبا ) في هذه المسألة فصول خمسة أولها في إباحة بيع العرايا في الجملة وهو قول أكثر أهل العلم منهم مالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام والشافعي وإسحاق وابن المنذر وقال أبو حنيفة لا يحل بيعها لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المزابنة والمزابنة بيع الثمر بالثمر متفق عليه ولأنه يبيع الرطب بالتمر من غير كيل في أحدهما فلم يجز كما لو كان على وجه الأرض أو فيما زاد على خمسة أوسق

قسم V04/P056–V04/P058

ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق متفق عليه ورواه زيد بن ثابت وسهل بن أبي حثمة وغيرهما وخرجه أئمة الحديث في كتبهم وحديثهم في سياقه إلا العرايا كذلك في المتفق عليه وهذه زيادة يجب الأخذ بها ولو قدر تعارض الحديثين وجب تقديم حديثنا لخصوصه جمعا بين الحديثين وعملا بكلا النصين وقال ابن المنذر الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في العرايا وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى والقياس لا يصار إليه مع النص مع أن في الحديث أنه أرخص في العرايا والرخصة استباحة المحظور مع وجود السبب الحاظر فلو منع وجود السبب من الاستباحة لم يبق لنا رخصة بحال الفصل الثاني أنها لا تجوز في زيادة على خمسة أوسق بغير خلاف نعلمه وتجوز فيما دون خمسة أوسق بغير خلاف بين القائلين بجوازها فأما في خمسة أوسق فلا يجوز عند إمامنا رحمه الله وبه قال ابن المنذر والشافعي في أحد قوليه وقال مالك والشافعي في قول يجوز ورواه إسماعيل بن سعيد عن أحمد لأن في حديث زيد وسهل أنه رخص في العرية مطلقا ثم استثنى ما زاد على الخمسة في حديث أبي هريرة وشك في الخمسة فاستثنى اليقين وبقي المشكوك فيه على مقتضى الإباحة ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة والمزابنة بيع الرطب بالتمر ثم أرخص في العرية فيما دون خمسة أوسق وشك في الخمسة فيبقى على العموم في التحريم ولأن العرية رخصة بنيت على خلاف النص والقياس يقينا فيما دون الخمسة والخمسة مشكوك فيها فلا تثبت إباحتها مع الشك وروى ابن المنذر بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرية في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة والتخصيص بهذا يدل على أنه لا تجوز الزيادة في العدد عليه كما اتفقنا على أنه لا تجوز الزيادة على الخمسة لتخصيصه إياها بالذكر وروى مسلم عن سهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرية النخلة والنخلتين ولأن خمسة الأوسق في حكم ما زاد عليها بدليل وجوب الزكاة فيها دون ما نقص عنها ولأنها قدر تجب الزكاة فيه فلم يجز بيعه عرية كالزائد عليها فأما قولهم أرخص في العرية مطلقا فلم يثبت أن الرخصة المطلقة سابقة على الرخصة المقيدة ولا متأخرة عنها بل الرخصة واحدة رواها بعضهم مطلقة وبعضهم مقيدة فيجب حمل المطلق على المقيد ويصير القيد المذكور في أحد الحديثين كأنه مذكور في الآخر ولذلك يقيد فيما زاد على الخمسة اتفاقا فصل ولا يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق فيما زاد على صفقة سواء اشتراها من واحد أو من جماعة وقال الشافعي يجوز للإنسان بيع جميع ثمر حائطه عرايا من رجل واحد ومن رجال في عقود متكررة لعموم حديث زيد وسهل ولأن كل عقد جاز مرة جاز أن يتكرر كسائر البيوع ولنا عموم النهي عن المزابنة استثنى منه العرية فيما دون خمسة أوسق فما زاد يبقى على العموم في التحريم ولأن ما لا يجوز عليه العقد مرة إذا كان نوعا واحدا لا يجوز في عقدين كالذي على وجه الأرض وكالجمع بين الأختين فأما حديث سهل فإنه مقيد بالنخلة والنخلتين بدليل ما روينا فيدل على تحريم الزيادة عليهما ثم إن المطلق يحمل على المقيد كما في العقد الواحد فأما إن باع رجل عريتين من رجلين فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز وقال أبو بكر والقاضي لا يجوز لما ذكرنا في المشتري ولنا إن المغلب في التجويز حاجة المشتري بدليل ما روى محمود بن لبيد قال قلت لزيد بن ثابت ما عراياكم هذه فسمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه وعندهم فضول من التمر

قسم V04/P058–V04/P059

فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونه رطبا وإذا كان سبب الرخصة حاجة المشتري لم تعتبر حاجة البائع إلى البيع فلا يتقيد في حقه بخمسة أوسق ولأننا لو اعتبرنا الحاجة من المشتري وحاجة البائع إلى البيع أفضى إلى أن لا يحصل الإرفاق إذ لا يكاد يتفق وجود الحاجتين فتسقط الرخصة فإن قلنا لا يجوز ذلك بطل العقد الثاني وإن اشترى عريتين أو باعهما وفيهما أقل من خمسة أوسق جاز وجها واحدا الفصل الثالث أنه لا يشترط في بيع العرية أن تكون موهبة لبائعها هذا ظاهر كلام أصحابنا وبه قال الشافعي وظاهر قول الخرقي أنه شرط وقد روى الأثرم قال سمعت أحمد سئل عن تفسير العرايا فقال العريا أن يعرى الرجل الجار أو القرابة للحاجة أو المسكنة فللمعري أن يبيعها ممن شاء وقال مالك بيع العرايا الجائز هو أن يعرى الرجل الرجل نخلات من حائطه ثم يكره صاحب الحائط دخول الرجل المعرى لأنه ربما كان مع أهله في الحائط فيؤذيه دخول صاحبه عليه فيجوز أن يشتريها منه واحتجوا بأن العرية في اللغة هبة ثمرة النخيل عاما قال أبو عبيد الإعراء أن يجعل الرجل للرجل ثمرة نخله عامها ذلك قال الشاعر الأنصاري يصف النخل ليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السنين الجوائح يقول إنا نعريها الناس فتعين صرف اللفظ إلى موضوعه لغة ومقتضاه في العربية ما لم يوجد ما يصرفه عن ذلك ولنا حديث زيد بن ثابت وهو حجة على مالك في تصريحه بجواز بيعها من غير الواهب ولأنه لو كان لحاجة الواهب لما اختص بخمسة أوسق لعدم اختصاص الحاجة بها ولم يجز بيعها بالتمر لأن الظاهر من حال صاحب الحائط الذي له النخيل الكثير يعريه الناس أنه لا يعجز عن أداء ثمن العرية وفيه حجة على من اشترط كونها موهوبة لبائعها لأن علة الرخصة حاجة المشتري إلى أكل الرطب ولا ثمن معه سوى التمر فمتى وجد ذلك جاز البيع ولأن اشتراط كونها موهبة مع اشتراط حاجة المشتري إلى أكلها رطبا ولا ثمن معه يفضي إلى سقوط الرخصة إذ لا يكاد يتفق ذلك ولأن ما جاز بيعه إذا كان موهبا جاز وإن لم يكن موهوبا كسائر الأموال وما جاز بيعه لواهبه جاز لغيره كسائر الأموال وإنما سمي عرية لتعريه عن غيره وإفراده بالبيع الفصل الرابع أنه إنما يجوز بيعها بخرصها من التمر لا أقل منه ولا أكثر ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلوما بالكيل ولا يجوز جزافا لا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافا لما روى زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا متفق عليه ولمسلم أن تؤخذ بمثل خرصها تمرا يأكلها أهلها رطبا ولأن الأصل اعتبار الكيل من الطرفين سقط في أحدهما للتعذر فيجب في الآخر بقضية الأصل ولأن ترك الكيل من الطرفين يكثر الغرر وفي تركه من أحدهما يقلل الغرر ولا يلزم من صحته مع قلة الغرر صحته مع كثرته ومعنى خرصها بمثلها من التمر أن يطيف الخارص بالعرية فينظر كم يجيء منها تمرا فيشتريها المشتري بمثلها تمرا وبهذا قال الشافعي ونقل حنبل عن أحمد أنه قال يخرصها رطبا ويعطي تمرا رخصة وهذا يحتمل الأول ويحتمل أنه يشتريها بتمر مثل الرطب الذي عليها لأنه بيع اشترطت المماثلة فيه فاعتبرت حال البيع كسائر البيوع ولأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال وأن لا يباع الرطب بالتمر خولف الأصل في بيع الرطب بالتمر فيقى فيما عداه على ققضية الدليل وقال القاضي الأول أصح لأنه يبنى على خرص الثمار في العشر الصحيح ثم خرصه تمرا ولأن المماثلة في بيع التمر بالتمر معتبرة حالة الادخار وبيع الرطب بمثله تمرا يفضي إلى فوات ذلك فأما إن اشتراها بخرصها رطبا لم يجز وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعي والثاني يجوز والثالث لا يجوز مع إتفاق النوع ويجوز مع اختلافه

قسم V04/P059–V04/P060

ووجه جوازه ما روى الجوزجاني عن أبي صالح عن الليث عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر عن زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو التمر ولم يرخص في غير ذلك ولأنه إذا جاز بيع الرطب بالتمر مع اختصاص أحدهما بالنقص في ثاني الحال فلأن يجوز مع عدم ذلك أولى ولنا ما روى مسلم بإسناده عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص في العرايا أن تؤخذ بمثل خرصها تمرا وعن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر بالتمر وقال ذلك الربا تلك المزابنة إلا أنه رخص في العرية النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا ولأنه مبيع يجب فيه مثله تمرا فلم يجز بيعه بمثله رطبا كالتمر الجاف ولأن من له رطب فهو مستغن عن شراء الرطب بأكل ما عنده وبيع العرايا يشترط فيه حاجة المشتري على ما أسلفناه وحديث ابن عمر شك في الرطب والتمر فلا يجوز العمل به مع الشك سيما وهذه الأحاديث تبينه وتزيل الشك فصل ويشترط في بيع العرايا التقابض في المجلس وهذا قول الشافعي ولا نعلم فيه مخالفا لأنه بيع تمر بتمر فاعتبر فيه شروطه إلا ما استثناه الشرع مما لا يمكن اعتباره في بيع العرايا والقبض في كل واحد منهما على حسبه ففي التمر اكتياله أو نقله وفي الثمرة النخلية وليس من شروطه حضور التمر عند النخيل بل لو تبايعا بعد معرفة التمر والثمرة ثم مضيا جميعا إلى النخلة فسلمها إلى مشتريها ثم مشيا إلى التمر فتسلمه من مشتريها أو تسلم التمر ثم مضيا إلى النخلة جميعا فسلمها إلى مشتريها أو سلم النخلة ثم مضيا إلى التمر فتسلمه جاز لأن التفرق لا يحصل قبل القبض إذا ثبت هذا فإن بيع العرية يقع على وجهين أحدهما أن يقول بعتك ثمرة هذه النخلة بكذا وكذا من التمر ويصفه والثاني أن يكيل من التمر بقدر خرصها ثم يقول بعتك هذا بهذا أو يقول بعتك ثمرة هذه النخلة بهذا التمر ونحو هذا وإن باعه بمعين فقبضه بنقله وأخذه وإن باع بموصوف فقبضه باكتياله الفصل الخامس أنه لا يجوز بيعها إلا لمحتاج إلى أكلها رطبا ولا يجوز بيعها لغني وهذا أحد قولي الشافعي وأباحها في القول الآخر مطلقا لكل أحد لأن كل بيع جاز للمحتاج جاز للغني كسائر البياعات ولأن حديث أبي هريرة وسهل مطلقان ولنا حديث زيد بن ثابت حين سأله محمود بن لبيد ما عراياكم هذه فسمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه وعندهم فضول من التمر فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر يأكلونه رطبا ومتى خولف الأصل بشرط لم تجر مخالفته بدون ذلك الشرط ولأن ما أبيح للحاجة لم يبح مع عدمها كالزكاة للمساكين والترخص في السفر فعلى هذا متى كان صاحبها غير محتاج إلى أكل الرطب أو كان محتاجا ومعه ممن الثمن مما يشتري به العرية لم يجز له شراؤها بالتمر وسواء باعها لواهبها تحرزا من دخول صاحب العرية حائطه كمذهب مالك أو لغيره بأنه لا يجوز وقال ابن عقيل يباح ويحتمله كلام أحمد لأن الحاجة وجدت من الجانبين فجاز كما لو كان المشتري محتاجا إلى أكلها ولنا حديث زيد الذي ذكرناه والرخصة لمعنى خاص لا تثبت مع عدمه ولأنه في حديث زيد وسهل يأكلها أهلها رطبا ولو جاز لتخليص المعري لما شرط ذلك فيشترط إذا في بيع العرية شروط خمسة أن يكون فيما دون خمسة أوسق وبيعها بخرصها من التمر وقبض ثمنها قبل التفرق وحاجة المشتري إلى أكل الرطب وأن لا يكون معه ما يشتري به سوى التمر واشترط القاضي وأبو بكر شرطا سادسا وهو حاجة البائع إلى البيع واشترط الخرقي كونها موهوبة لبائعها واشترط أصحابنا لبقاء العقد أن يأكلها أهلها رطبا

قسم V04/P060–V04/P062

فإن تركها حتى تصير تمرا بطل العقد وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى مسألة قال ( فإن تركه المشتري حتى يتمر بطل العقد ) يعني إن لم يأخذها المشتري رطبا بطل العقد خلافا للشافعي في قوله لا يبطل وعن أحمد مثله لأن كل ثمرة جاز بيعها رطبا لا يبطل العقد إذا صارت تمرا كغير العرية ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم يأكلها أهلها رطبا ولأن شراءها إنما جاز للحاجة إلى أكل الرطب فإذا أتمرت تبينا عدم الحاجة فيبطل العقد ثم لا فرق بين تركه لغناه عنها أو ما حاجته إليها أو تركها لعذر أو لغير عذر للخبر ولو أخذها رطبا فتركها عنده فأتمرت أو شمسها حتى صارت تمرا جاز لأنه قد أخذها ونقل عن أحمد رواية أخرى فيمن اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها ثم تركها حتى بدا صلاحها لا يبطل البيع فيخرج هاهنا مثله فإن أخذ بعضها رطبا وترك باقيها حتى أتمر فهل يبطل البيع في الباقي على وجهين فصل ولا يجوز بيع العرية في غير النخل وهو اختيار ابن حامد وقول الليث بن سعد إلا أن يكون مما ثمرته لا يجري فيها الربا فيجوز بيع رطبها بيابسها لعدم جريان الربا فيها ويحتمل أن يجوز في العنب والرطب دون غيرهما وهو قول الشافعي لأن العنب كالرطب في وجوب الزكاة فيهما وجواز خرصهما وتوسيقهما وكثرة تيبيسهما واقتياتهما في بعض البلدان والحاجة إلى أكل رطبهما والتنصيص على الشيء يوجب ثبوت الحكم في مثله ولا يجوز في غيرهما لاختلافهما في أكثر هذه المعاني فإنه لا يمكن خرصها لتفرقها في الأغصان واستتارها بالأوراق ولا يقتات يابسها فلا يحتاج إلى الشراء به وقال القاضي يجوز في سائر الثمار وهو قول مالك والأوزاعي قياسا على ثمرة النخيل ولنا ما روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة الثمر بالتمر إلا أصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم وعن بيع العنب بالزبيب وكل ثمرة بخرصها وهذا حديث حسن وهذا يدل على تخصيص العرية بالتمر وعن زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رخص بعض ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غير ذلك وعن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلا وبيع العنب بالزبيب كيلا وعن كل ثمرة بخرصه ولأن الأصل يقتضي تحريم بيع العرية وإنما جازت في ثمرة النخيل رخصة ولا يصح قياس غيرها عليها لوجهين أحدهما أن غيرها لا يساويها في كثرة الاقتيات بها وسهولة خرصها وكون الرخصة في الأصل لأهل المدينة وإنما كانت حاجتهم إلى الرطب دون غيره الثاني أن القياس لا يعمل به إذا خالف نصا وقياسهم يخالف نصوصا غير مخصوصة وإنما يجوز التخصيص بالقياس على المحل المخصوص ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع العنب بالزبيب لم يدخله تخصيص فيقاس عليه وكذلك سائر الثمار والله أعلم باب بيع الأصول والثمار مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( ومن باع نخلا مؤبرا وهو ما قد تشقق طلعه فالثمرة للبائع متروكة في النخل إلى الجزاز إلا أن يشترطها المبتاع ) أصل الإبار عند أهل العلم التلقيح قال ابن عبد البر إلا أنه لا يكون حتى يتشقق الطلع وتظهر الثمرة فعبر به عن ظهور الثمرة للزومه منه والحكم متعلق بالظهور دون نفس التلقيح بغير اختلاف بين العلماء يقال أبرت النخلة بالتخفيف والتشديد فهي مؤبرة ومأبورة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم خير المال سكة مأبورة والسكة النخل المصفوف وأبرت النخلة آبرها أبرا وإبارا وأبرتها تأبيرا وتأبرت النخلة وائتبرت ومنه قول الشاعر تأبري يا خيرة الفسيل وفسر الخرقي المؤبر بما قد تشقق طلعه لتعلق الحكم بذلك دون نفس التأبير قال القاضي وقد يشقه الصعاد فيظهر وأيهما كان فهو التأبير المراد هاهنا وفي هذه المسألة فصول ثلاثة الأول أن البيع متى وقع على نخل مثمر ولم يشترط الثمرة وكانت الثمرة مؤبرة فهي للبائع وإن كانت غير مؤبرة فهي للمشتري وبهذا قال مالك والليث والشافعي

قسم V04/P062–V04/P063

وقال ابن أبي ليلى هي للمشتري في الحالين لأنها متصلة بالأصل إتصال خلقة فكانت تابعة له كالأغصان وقال أبو حنيفة والأوزاعي هي للبائع في الحالين لأن هذا نماء له حد فلم يتبع أصله في البيع كالزرع في الأرض ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع متفق عليه وهذا صريح في رد قول ابن أبي ليلى وحجة على أبي حنيفة والأوزاعي بمفهومه لأنه جعل التأبير حدا لملك البائع للثمرة فيكون ما قبله للمشتري وإلا لم يكن حدا ولا كان ذكر التأبير مفيدا ولأنه نماء كامن لظهوره غاية فكان تابعا لأصله قبل ظهوره وغير تابع له بعد ظهوره كالحمل في الحيوان فأما الأغصان فإنها تدخل في اسم النخل وليس لانفصالها غاية والزرع ليس من نماء الأرض وإنما هو مودع فيها الفصل الثاني أنه متى اشترطها أحد المتبايعين فهي له مؤبرة كانت أو غير مؤبرة البائع فيه والمشتري سواء وقال مالك إن اشترطها المشتري بعد التأبير جاز لأنه بمنزلة شرائها مع أصلها وإن اشترطها البائع قبل التأبير لم يجز لأن اشتراطه لها بمنزلة شرائه لها قبل بدو صلاحها بشرط تركها ولنا إنه استثنى بعض ما وقع عليه العقد وهو معلوم فصح كما لو باع حائطا واستثنى نخلة بعينها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم ولأنه أحد المتبايعين فصح اشتراطه للثمرة كالمشتري وقد ثبت الأصل بالإتفاق عليه وبقوله عليه السلام إلا أن يشترطها المبتاع ولو اشترط أحدهما جزءا من الثمرة معلوما كان ذلك كاشتراط جميعها في الجواز في قول جمهور الفقهاء وقول أشهب من أصحاب مالك وقال ابن القاسم لا يجوز اشتراط بعضها لأن الخبر إنما ورد باشتراط جميعها ولنا إن ما جاز اشتراط جميعه جاز اشتراط بعضه كمدة الخيار وكذلك القول في مال إذا اشترط بعضه الفصل الثالث إن الثمرة إذا بقيت للبائع فله تركها في الشجر إلى أوان الجزاز سواء استحقها بشرطه أو بظهورها وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يلزمه قطعها وتفريغ النخل منها لأنه مبيع مشغول بملك البائع فلزم نقله وتفريغه كما لو باع دارا فيها طعام أو قماش له ولنا إن النقل والتفريغ للمبيع على حسب العرف والعادة كما ولو باع دارا فيها طعام لم يجب نقله إلا على حسب العادة في ذلك وهو أن ينقله نهارا شيئا بعد شيء ولا يلزمه النقل ليلا ولا جمع دواب البلد لنقله كذلك هاهنا يفرغ النخل من الثمرة في أوان تفريغها وهو أوان جزازها وقياسه حجة لنا لما بيناه إذا تقرر هذا فالمرجع في جزه إلى ما جرت به العادة فإذا كان المبيع نخلا فحين تتناهى حلاوة ثمره إلا أن يكون مما بسره خير من رطبه أو ما جرت العادة بأخذه بسرا فإنه يجزه حين تستحكم حلاوة بسره لأن هذا هو العادة فإذا استحكمت حلاوته فعليه نقله وإن قيل بقاؤه في شجره خير له وأبقى فعليه النقل لأن العادة في النقل قد حصلت وليس له إبقاؤه بعد ذلك وإن كان المبيع عنبا أو فاكهة سواه فأخذه حين يتناهى إدراكه وتستحكم حلاوته ويجز مثله وهذا قول مالك والشافعي فصل فإن أبر بعضه دون بعض فالمنصوص عن أحمد أن ما أبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري وهو قول أبي بكر للخبر الذي عليه مبنى هذه المسألة فإن صريحه أن ما أبر للبائع ومفهومه أن ما لم يؤبر للمشتري وقال ابن حامد الكل للبائع وهو مذهب الشافعي لأنا إذا لم نجعل الكل للبائع أدى إلى الإضرار باشتراك الأيدي في البستان فيجب أن يجعل ما لم يؤبر تبعا لما أبر كثمر النخلة الواحدة فإنه لا خلاف في أن تأبير بعض النخلة يجعل جميعها للبائع وقد يتبع الباطل الظاهر منه كأساسات الحيطان تتبع الظاهر منه ولأن البستان إذا بدا صلاح ثمرة منه جاز بيع جميعها بغير شرط القطع كذا هاهنا وهذا من النوع الواحد لأن الظاهر أن النوع الواحد يتقارب ويتلاحق

قسم V04/P063–V04/P064

فأما إن أبر لم يتبعه النوع الآخر ولم يفرق أبو الخطاب بين النوع والجنس كله وهو ظاهر مذهب الشافعي لأنه يفضي إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي كما في النوع الواحد ولنا إن النوعين يتباعدان ويتميز أحدهما من الآخر ولا يخشى اختلاطهما واشتباههما فأشبها الجنسين وما ذكره يبطل بالجنسين ولا يصح القياس على النوع الواحد لافتراقهما فيما ذكرناه ولو باع حائطين قد أبر أحدهما لم يتبعه الآخر لأنه يفضي إلى سوء المشاركة واختلاف الأيدي لانفراد كل واحد منهما عن صاحبه ولو أبر بعض الحائط فأفرد بالبيع ما لم يؤبر فللمبيع حكم نفسه ولا يتبع غيره وخرج القاضي وجها في أنه يتبع غير المبيع ويكون للبائع لأنه قد ثبت للحائط كله حكم التأبير وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي ولا يصح هذا لأن المبيع لم يؤبر منه شيء فوجب أن يكون للمشتري بمفهوم الخبر وكما لو كان منفردا في بستان وحده ولأنه لا يفضي إلى سوء المشاركة ولا اختلاف الأيدي ولا إلى ضرر فبقي على حكم الأصل فإن بيعت النخلة وقد أبرت كلها أو بعضها فأطلعت بعد ذلك فالطلع للمشتري لأنه حدث في ملكه فكان له كما لو حدث بعد جزاز الثمرة ولأن ما أطلع بعد تأبير غيره لا يكاد يشتبه به لتباعد ما بينهما فصل وطلع الفحال كطلع الإناث وهو ظاهر كلام الشافعي ويحتمل أن يكون طلع الفحال للبائع قبل ظهوره لأنه يؤخذ للأكل قبل ظهوره فهو كثمرة لا تخلق إلا ظاهرة كالتين ويكون ظهور طلعه كظهور غيره ولنا إنها ثمرة نخل إذا تركت ظهرت فهي كالإناث أو يدخل في عموم الخبر وما ذكر للوجه الآخر لا يصلح فإن أكله ليس هو المقصود منه وإنما يراد للتلقيح به وهو يكون بعد ظهوره فأشبه طلع الإناث فإن باع نخلا فيه فحال وإناث لم يشقق منه شيء فالكل للمشتري إلا على الوجه الآخر فإن طلع الفحال يكون للبائع وإن كان قد تشقق طلع أحد النوعين دون الآخر فما تشقق فهو للبائع وما لم يتشقق للمشتري إلا عند من سوى بين الأنواع كلها وإن تشقق طلع بعض الإناث أو بعض الفحال فالذي قد ظهر للبائع وما لم يظهر على ما ذكرنا من الاختلاف فيه فصل وكل عقد معاوضة يجري مجرى البيع في أن الثمرة المؤبرة تكون لمن انتقل عنه الأصل وغير المؤبرة لمن انتقل إليه مثل أن يصدق المرأة نخلا أو يخلعها به أو يجعله عوضا في إجارة أو عقد صلح لأنه عقد معاوضة فجرى مجرى البيع وإن انتقل بغير معاوضة كالهبة والرهن أو فسخ لأجل العيب أو فلس المشتري أو رجوع الأب في هبته لولده أو تقايلا المبيع أو كان صداقا رجع إلى الزوج لفسخ المرأة النكاح أو نصفه لطلاق الزوج فإنه في الفسخ يتبع الأصل سواء أبر أو لم يؤبر لأنه نماء متصل فأشبه السمن وفي الهبة والرهن حكمهما حكم البيع في أنه يتبع قبل التأبير ولا يتبع فيما بعده لأن الملك زال عن الأصل بغير فسخ فكان الحكم فيه ما ذكرناه كالبيع وأما رجوع البائع لفلس المشتري أو الزوج لانفساخ النكاح فيذكران في بابيهما مسألة قال ( وكذلك بيع الشجر إذا كان فيه تمر باد ) وجملة ذلك أن الشجر على خمسة أضرب أحدها ما يكون ثمره في أكمامه ثم تتفتح الأكمام فيظهر كالنخل الذي وردت السنة فيه وبينا حكمه وهو الأصل وما عداه مقيس عليه وملحق به ومن هذا الضرب القطن وما يقصد نوره كالورد والياسمين والنرجس والبنفسج فإنه تظهر أكمامه ثم تتفتح فيظهر فهو كالطلع إن تفتح جنبذه فهو للبائع وإلا فهو للمشتري الثاني ما تظهر ثمرته بارزة لا قشر عليها ولا نور كالتين والتوت والجميز فهن للبائع لأن ظهورها من شجرها بمنزلة ظهور الطلع من قشره الثالث ما يظهر في قشره ثم يبقى فيه إلى حين الأكل كالرمان والموز فهو للبائع أيضا بنفس الظهور لأن قشره من مصلحته ويبقى فيه إلى حين الأكل فهو كالتين ولأن قشره ينزل منزلة أجزائه للزومه إياه وكونه من مصلحته

قسم V04/P064–V04/P066

الضرب الرابع ما يظهر في قشرين كالجوز واللوز فهو للبائع أيضا بنفس الظهور لأن قشره لا يزول عنه غالبا إلا بعد جزازه فأشبه الضرب الذي قبله ولأن قشر اللوز يؤكل معه فأشبه التين وقال القاضي إن تشقق القشر الأعلى فهو للبائع وإن لم يتشقق فهو للمشتري كالطلع ولو اعتبر هذا لم يكن للبائع إلا نادرا ولا يصح قياسه على الطلع لأن الطلع لا بد من تشققه وتشققه من مصلحته وهذا بخلافه فإنه لا يتشقق على شجره وتشققه قبل كماله يفسده الخامس ما يظهر نوره ثم يتناثر فتظهر الثمرة كالتفاح والمشمش والإجاص والخوخ فإذا تفتح نوره وظهرت الثمرة فيه فهي للبائع وإن لم تظهر فهي للمشتري وقيل ما تناثر نوره فهو للبائع وما لا فهو للمشتري لأن الثمرة لا تظهر حتى يتناثر النور وقال القاضي يحتمل أن تكون للبائع بظهور نوره لأن الطلع إذا تشقق كان كنور الشجر فإن العقد التي في جوف الطلع ليست عين الثمرة وإنما هي أوعية لها تكبر الثمرة في جوفها وتظهر فتصير العقدة في طرفها وهي قمع الرطبة وقول الخرقي يقتضي ما قلناه لأنه علق استحقاق البائع لها بكون الثمر باديا لا يبدو نوره ولا يبدو الثمر حتى لا يتفتح نوره وقد يبدو إذا كبر قبل أن ينثر النور فتعلق ذلك بظهوره والعنب بمنزلة ماله نور لأنه يبدو في قطوفه شيء صغار كحب الدخن ثم يتفتح ويتناثر كتناثر النور فيكون من هذا القسم والله أعلم وهذا يفارق الطلع لأن الذي في الطلع عين الثمرة ينمو ويتغير والنور في هذه الثمار يتساقط ويذهب وتظهر الثمرة ومذهب الشافعي في هذا الفصل جميعه كما ذكرنا هاهنا أو قريبا منه وبينهما اختلاف على حسب ما ذكرنا من الخلاف أو قريبا منه فصل فأما الأغصان والورق وسائر أجزاء الشجر فهو للمشتري بكل حال لأنه من أجزائها خلق لمصلحتها فهو كأجزاء سائر المبيع ويحتمل أن يكون ورق التوت الذي يقصد أخذه لتربية دود القز إن تفتح فهو للبائع وإلا فهو للمشتري لأنه بمنزلة الجنبذ الذي يتفتح فيظهر نوره من الورد وغيره وهذا في المواضع التي عادتهم أخذ الورق وإن لم تكن عادتهم ذلك فهو للمشتري كسائر ورق الشجر والله أعلم فصل وإذا كانت الثمرة للبائع مبقاة في شجر المشتري فاحتاجت إلى سقي لم يكن للمشتري منعه منه لأنه يبقى به فلزمه تمكينه منه كتركه على الأصول وإن أراد سقيها من غير حاجة فللمشتري منعه منه لأنه بسقيه يتضمن التصرف في ملك غيره ولأن الأصل منعه من التصرف في ملك غيره وإنما إباحته الحاجة فإن لم توجد الحاجة يبقى على أصل المنع فإن احتاجت إلى السقي وفيه ضرر على الشجر أو احتاج الشجر إلى سقي يضر بالثمرة فقال القاضي أيهما طلب السقي لحاجته أجبر الآخر عليه لأنه دخل في العقد على ذلك فإن المشتري اقتضى عقده تبقية الثمرة والسقي من تبقيتها والعقد اقتضى تمكين المشتري من حفظ الأصول وتسليسها فلزم كل واحد منهما ما أوجبه العقد للآخر وإن أضربه وإنما له أن يسقي بقدر حاجته فإن اختلفا في قدر الحاجة رجع إلى أهل الخبرة وأيهما التمس السقي فالمؤنة عليه لأنه لحاجته فصل فإن خيف على الأصول الضرر بتبقية الثمرة عليها لعطش أو غيره والضرر يسير لم يجبر على قطعها لأنها مستحقة للبقاء فلم يجبر على إزالتها لدفع ضرر يسير عن غيره وإن كان كثيرا فخيف على الأصول الجفاف أو نقص حملها ففيه وجهان أحدهما لا يجبر أيضا لذلك الثاني يجبر على القطع لأن الضرر يلحقها وإن لم تقطع والأصول تسلم بالقطع فكان القطع أولى وللشافعي قولان كالوجهين فصل وإذا باع شجرا فيه ثمر للبائع فحدثت ثمرة أخرى أو اشترى ثمرة في شجرها فحدثت ثمرة أخرى فإن تميزها فلكل واحد ثمرته وإن لم تتميز إحداهما من الأخرى فهما شريكان فيهما كل واحد بقدر ثمرته فإن لم يعلم قدر كل واحد منهما اصطلحا عليها ولا يبطل العقد لأن المبيع لم يتعذر تسليمه وإنما اختلط بغيره

قسم V04/P066–V04/P067

فهو كما لو اشترى طعاما في مكان فانثال عليه طعام للبائع أو انثال هو على طعام للبائع ولم يعرف قدر كل واحد منهما ويفارق هذا ما لو اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها فتركها حتى بدا صلاحها أو اشترى عرية فتركها حتى أثمرت فإن العقد يبطل في إحدى الروايتين لكون اختلاط المبيع بغيره حصل بإرتكاب النهي وكونه يتخذ حيلة على شراء الثمرة قبل بدو صلاحها أو شراء الرطب بالتمر من غير كيل من غير حاجة إلى أكله رطبا وهاهنا ما ارتكب نهيا ولا يجعل هذا طريقا إلى فعل المحرم وجمع أبو الخطاب بينهما فقال في الجميع روايتان إحداهما يبطل العقد والأخرى لا يبطل وقال القاضي إن كانت الثمرة للبائع فحدثت ثمرة أخرى قيل لكل واحد اسمح بنصيبك لصاحبك فإن فعله أحدهما أقررنا العقد وأجبرنا الآخر على القبول لأنه يزول به النزاع وإن امتنعا فسخنا العقد لتعذر وصول كل واحد منهما إلى قدر حقه وإن اشترى ثمرة فحدثت ثمرة أخرى لم نقل للمشتري اسمح بنصيبك لأن الثمرة كل المبيع فلا يؤمر بتخليته كله ونقول للبائع ذلك فإن سمح بنصيبه للمشتري أجبرناه على القبول وإلا فسخ البيع بينهما وهذا مذهب الشافعي قال ابن عقيل لعل هذا قول لبعض أصحابنا فإنني لم أجده معزيا إلى أحمد والظاهر أن هذا اختيار القاضي وليس بمذهب لأحمد ولو اشترى حنطة فانثالت عليها أخرى لم ينفسخ البيع والحكم فيه كالحكم في الثمرة تحدث معها أخرى والله أعلم فصل إذا باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة كالحنطة والشعير والقطاني وما المقصود منه مستتر كالجزر والفجل والبصل والثوم وأشباهها فاشترطه للمشتري فهو له قصيلا كان أو ذا حب مستترا أو ظاهرا معلوما أو مجهولا لكونه دخل في البيع للأرض فلم يضر جهله وعدم كماله كما لو اشترى شجرة فاشترط ثمرتها بعد تأبيرها وإن أطلق البيع فهو للبائع لأنه مودع في الأرض فهو كالكنز والقماش ولأنه يراد للنقل فأشبه الثمرة المؤبرة وهذا قول أبي حنيفة والشافعي ولا أعلم فيه مخالفا ويكون للبائع مبقي في الأرض إلى حين الحصاد بغير أجرة لأن المنفعة حصلت مستثناة له وعليه حصاده في أول وقت حصاده وإن كان بقاؤه أنفع له كقولنا في الثمرة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة عليه نقله عقيب البيع كقوله في الثمرة وقد قضى الكلام فيها وهكذا قال الحكم في القصب الفارسي لأن له وقتا يقطع فيه إلا أن العروق تكون للمشتري لأنها تترك في الأرض للبقاء فيها والقصب نفسه كالثمرة وإن لم يظهر منه شيء فهو للمشتري وأما قصب السكر فإنه يؤخذ مرة واحدة فهو كالزرع فإن حصده قبل الحصاد لينتفع بالأرض في غيره لم يملك الانتفاع بها لأن منفعتها إنما حصلت مستثناة عن مقتضى العقد ضرورة بقاء الزرع فتقدر ببقائه كالثمرة على الشجرة وكما لو كان المبيع طعاما لا ينقل مثله عادة إلا في شهر لم يكلف إلا ذلك فإن تكلف نقله في يوم واحد لينتفع بالدار في غيره لم يجز كذلك هاهنا ومتى حصد الزرع وبقيت له عروق نستضر بها الأرض كعروق القطن والذرة فعلى البائع إزالتها وإن تحفرت الأرض فعليه تسوية حفرها لأنه استصلاح لملكه فصار كما لو باع دارا فيها خابية كبيرة لا تخرج إلا بهدم باب الدار فهدمها كان عليه الضمان وكذلك كل نقص دخل على ملك شخص لاستصلاح ملك الآخر من غير إذن الأول ولا فعل صدر عنه النقص واستند إليه كان الضمان على مدخل النقص فصل وإن باع أرضا وفيها زرع يجز مرة بعد أخرى فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة عند البيع للبائع سواء كان مما يبقى سنة كالهندباء والبقول أو أكثر كالرطبة وعلى البائع قطع ما يستحقه منه في الحال فإنه ليس لذلك حد ينتهي إليه ولأن ذلك يطول ويخرج غير ما كان ظاهرا والزيادة من الأصول التي هي ملك للمشتري وكذلك إن كان الزرع مما تكرر ثمرته كالقثاء والخيار والبطيخ والباذنجان وشبهه فهو للمشتري والثمرة الظاهرة عند البيع للبائع لأن ذلك مما تتكرر الثمرة فيه

قسم V04/P067–V04/P068

فأشبه الشجر ولو كان مما تؤخذ زهرته وتبقى عروقه في الأرض كالبنفسج والنرجس فالأصول للمشتري لأنه جعل في الأرض للبقاء فيها فهو كالرطبة وكذلك أوراقه وغصونه لأنه لا يقصد أخذه فهو كورق الشجر وأغصانه وأما زهرته فإن كانت قد تفتحت فهي للبائع وإلا فهي للمشتري على ما ذكرناه فيما مضى واختار ابن عقيل في هذا كله أن البائع إن قال بعتك هذه الأرض بحقوقها دخل فيها وإن لم يقل بحقوقها فهل يدخل على وجهين كالشجر فصل وإذا اشترى أرضا فيها بذر فاستحق المشتري أصله كالرطبة والنعناع والبقول التي تجز مرة بعد أخرى فهو له لأنه ترك في الأرض للتبقية فهو كأصول الشجر ولأنه لو كان ظاهرا كان له فالمستتر أولى سواء علقت عروقه في الأرض أولا فإن كان بذرا لما يستحقه البائع فهو له إلا أن يشترطه المبتاع فيكون له وقال الشافعي البيع باطل لأن البذر مجهول وهو مقصود ولنا إن البذر يدخل تبعا في البيع يضر جهله كما لو اشترى عبدا فاشترط ماله ويجوز في التابع من الغرر ما لا يجوز في المتبوع كبيع اللبن في الضرع مع الشاة والحمل مع الأم والسقوف في الدار وأساسات الحيطان تدخل تبعا في البيع ولا تضر جهالتها ولا تجوز مفردة وإن لم يعلم المشتري بذلك فله الخيار في فسخ البيع وإمضائه لأنه يفوت عليه منفعة الأرض عاما فإن رضي البائع بتركه للمشتري أو قال أنا أحوله وأمكنه ذلك في زمن يسير لا يضر بمنافع الأرض فلا خيار للمشتري لأنه أزال العيب بالنقل أو زاده خيرا بالترك فلزمه قبوله لأن فيه تصحيحا للعقد وهذا مذهب الشافعي وكذلك لو اشترى نخيلا فيه طلع فبان أنه مؤبر فله الخيار لأنه يفوت المشتري ثمرة عامه ويضر بقاؤها بنخله فإن تركها له البائع لم يكن له خيار فإن قال أنا أقطعها الآن لم يسقط خياره بذلك لأن ثمرة العام تفوت سواء قطعها أو تركها وإن اشترى أرضا فيها زرع للبائع أو شجرا فيه ثمر للبائع والمشتري جاهل بذلك يظن أن الزرع والثمر له فله الخيار أيضا كما لو جهل وجوده لأنه إنما رضي ببذل ماله عوضا عن الأرض والشجر بما فيهما فإذا بان خلاف ذلك ينبغي أن يثبت له الخيار كالمشتري للمعيب يظنه تصحيحا وإن اختلفا في جهله لذلك فالقول قول المشتري إذا كان ممن يجهل ذلك لكونه عاميا فإن هذا مما يجهله كثير من الناس وإن كان ممن يعلم ذلك لم يقبل قوله لأن الظاهر أنه لا يجهله فصل إذا باعه أرضا بحقوقها دخل ما فيها من غراس وبناء في البيع وكذلك إذا قال رهنتك هذه الأرض بحقوقها دخل في الرهن غراسها وبناؤها وإن لم يقل بحقوقها فهل يدخل الغراس والبناء فيهما على وجهين ونص الشافعي على أنهما يدخلان في البيع دون الرهن واختلف أصحابه في ذلك فمنهم من قال فيهما جميعا قولان ومنهم من فرق بينهما بكون البيع أقوى فيستتبع البناء والشجر بخلاف الرهن ومنهم من قال إنهما سواء لأن ما تبع في البيع تبع في الرهن كالطرق والمنافع وفيهما جميعا وجهان أحدهما يدخل البناء والشجر لأنهما من حقوق الأرض ولذلك يدخلان إذا قال بحقوقها وما كان من حقوقها يدخل فيها بالإطلاق كطرقها ومنافعها والثاني لا يدخلان لأنهما ليسا من حقوق الأرض فلا يدخلان في بيعها ورهنها كالثمرة المؤبرة ومن نصر الأول فرق بينهما بكون الثمرة تراد للنقل وليست من حقوقها بخلاف الشجر والبناء فإن قال بعتك هذا البستان دخل فيه الشجر لأن البستان اسم للأرض والشجر والحائط ولذلك لا تسمى الأرض المكشوفة بستانا قال ابن عقيل ويدخل فيه البناء لأن ما دخل فيه الشجر دخل فيه البناء ويحتمل أن لا يدخل فصل وإن باعه شجرا لم تدخل الأرض في البيع ذكره أبو إسحاق بن شاقلا لأن الاسم لا يتناولها ولا هي تبع للمبيع فصل وإن قال بعتك هذه القرية فإن كانت في اللفظ قرينة مثل المساومة على أرضها أو ذكر الزرع والغرس فيها وذكر حدودها أو بذل ثمن لا يصلح إلا فيها وفي أرضها

قسم V04/P068–V04/P069

دخل في البيع لأن الاسم يجوز أن يطلق عليها مع أرضها والقرينة صارفة إليه ودالة عليه فأشبه ما لو صرح به وإن لم يكن قرينة تصرف إلى ذلك فالبيع يتناول البيوت والحصن الدائر عليها فإن القرية اسم لذلك وهو مأخوذ من الجمع لأنه يجمع الناس وسواء قال بحقوقها أو لم يقل وأما الغراس بين بنيانها فحكمه حكم الغراس في الأرض إن قال بحقوقها دخل وإن لم يقل فعلى وجهين فصل وإن باعه دارا بحقوقها تناول البيع أرضها وبناءها وما هو متصل بها مما هو من مصلحتها كالأبواب المنصوبة والخوابي المدفونة والرفوف المسمرة والأوتاد المغروزة والحجر المنصوب من الرحى وأشباه ذلك ولا يدخل في البيع ما ليس من مصالحها كالكنز والأحجار المدفونة لأن ذلك مودع فيها للنقل عنها فأشبه الفرش والستور ولا ما كان منفصلا عنها يختص بمصلحتها كالفرش والستور والطعام والرفوف الموضوعة على الأوتاد بغير تسمير ولا غرز في الحائط والدلو والبكرة والقفل وحجر الرحى إذا لم يكن واحد منهما منصوبا والخوابي الموضوعة من غير أن يطين عليها ونحوه لأنه منفصل عنها لا يختص بمصلحتها فأشبه الثياب وأما ما كان من مصالحها لكنه منفصل عنها كالمفتاح والحجر الفوقاني من الرحى إذا كان السفلاني منصوبا فيحتمل وجهين أحدهما يدخل في البيع لأنه لمصلحتها فأشبه المنصوب فيها والثاني لا يدخل لأنه منفصل عنها فأشبه السفلاني إذا لم يكن منصوبا والقفل والدلو ونحوهما ومذهب الشافعي في هذا كمذهبنا سواء فصل وما كان في الأرض من الحجارة المخلوقة فيها أو مبني فيها كأساسات الحيطان المتهدمة فهي للمشتري بالبيع لأنه من أجزائها فهي كحيطانها وترابها والمعادن الجامدة فيها والآجر كالحجارة في هذا وإذا كان المشتري عالما بذلك فلا خيار له وإن لم يكن عالما به وكان ذلك يضر بالأرض وينقصها كالصخر المضر بعروق الشجر فهو عيب وللمشتري الخيار بين الفسخ وأخذ الثمن أو الإمساك وأخذ أرش العيب كما في سائر المبيع فأما إن كانت الحجارة أو الآجر مودعا فيها للنقل عنها فهي للبائع كالكنز وعليه نقلها وتسوية الأرض إذا نقلها وإصلاح الحفر لأنه ضرر لحق لاستصلاح ملكه فكان عليه إزالته وإن كان قلعها يضر بالأرض أو تتطاول مدته ولم يكن المشتري عالما فله الخيار كما ذكرنا لأنه عيب وإن لم يكن في نقلها ضرر ويمكن نقلها في أيام يسيرة كالثلاثة فما دون فلا خيار له وله مطالبة البائع بنقلها في الحال لأنه لا عرف في تبقيتها بخلاف الزرع وإن كان عالما بالحال فلا خيار له ولا أجرة في الزمان الذي نقلت فيه لأنه علم بذلك ورضي فأشبه ما لو اشترى أرضا فيها زرع وإن لم يعلم واختار إمساك المبيع فهل له أجرة لزمان النقل على وجهين أحدهما له ذلك لأن المنافع مضمونة على المتلف فكان عليه بدلها كالأجزاء والثاني لا يجب لأنه لما رضي بإمساك المبيع بتلف المنفعة في زمان النقل فإن لم يختر الإمساك فقال البائع أنا أدع ذلك لك وكان مما لا ضرر في بقائه لم يكن له خيار لأن الضرر زال عنه فصل فإن كان في الأرض معادن جامدة كمعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص ونحوها دخلت في البيع وملكت بملك الأرض التي هي فيها لأنها من أجزائها فهي كترابها وأحجارها ولكن لا يباع معدن الذهب بذهب ولا معدن الفضة بفضة ويجوز بيعها بغير جنسها وإن ظهر في الأرض معدن لم يعلم البائع به فله الخيار لأنه زيادة لم يعلم بها فأشبه ما لو باعه ثوبا على أنه عشرة فبان أحد عشر هذا إذا كان قد ملك الأرض بإحياء أو إقطاع وقد روي أن ولد بلال بن الحارث باعوا عمر بن عبد العزيز أرضا فظهر فيها معدن فقالوا إنما بعنا الأرض ولم نبع المعدن وأتوا عمر بن عبد العزيز بالكتاب الذي فيه قطعية النبي صلى الله عليه وسلم لأبيهم فأخذه عمر فقبله ورد عليهم المعدن وإن كان البائع ملك الأرض بالبيع احتمل أن لا يكون له خيار

قسم V04/P069–V04/P070

لأن الحق لغيره وهو المالك الأول واحتمل أن يكون له الخيار كما لو اشترى معيبا ثم باعه ولم يعلم عيبه فإنه يستحق الرد عليه وإن كان قد باعه مثل ما اشتراه وقد روى أبو طالب عن أحمد أنه إذا ظهر المعدن في ملكه ملكه وظاهر هذا أنه لم يجعله للبائع ولا جعل له خيارا لأنه من أجزاء الأرض فأشبه ما لو ظهر فيها حجارة لها قيمة كبيرة فصل وإذا كان في الأرض بئر أو عين مستنبطة فنفس البئر وأرض العين مملوكة لمالك الأرض والماء الذي فيها غير مملوك لأنه يجري من تحت الأرض إلى ملكه فأشبه الماء الجاري في النهر إلى ملكه وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي والوجه الآخر يدخل في الملك لأنه نماء الملك وقد روي عن أحمد ما يدل على أنه يملك فإنه قال في رجل له أرض ولآخر ماء فيشترك صاحب الأرض وصاحب الماء في الزرع ويكون بينهما فقال لا بأس اختاره أبو بكر وهذا يدل على أن الماء مملوك لصاحبه وفي معنى الماء المعادن الجارية في الأملاك كالقار والنفط والمومياء والملح وكذلك الحكم في النابت في أرضه من الكلأ والشوك ففي كل ذلك يخرج على الروايتين في الماء والصحيح أن الماء لا يملك فكذلك هذه قال أحمد لا يعجبني بيع الماء البتة قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن قوم بينهم نهر تشرب منه أرضوهم لهذا يوم ولهذا يومان يتفقون عليه بالحصص فجاء يومي ولا احتاج إليه أكربه بدراهم قال ما أدري أما النبي صلى الله عليه وسلم فنهى عن بيع الماء قيل إنه ليس يبيعه إنما يكريه قال إنما احتالوا بهذا ليحسنوه فأي شيء هذا إلا البيع وروى الأثرم بإسناده من جابر وإياس بن عبد الله المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع الماء وروي أيضا عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والنار والكلأ رواه أبو عبيد في كتاب الأموال فإذا قلنا لا يملك فصاحب الأرض أحق به من غيره لكونه في ملكه فإن دخل غيره بغير إذنه فأخذه ملكه لأنه مباح في الأصل فأشبه ما لو عشش في أرضه طائر أو دخل فيها ظبي أو نضبت عن سمك فدخل إليه داخل فأخذه وأما ما يجوزه من الماء في إنائه أو يأخذه من الكلأ في حبله أو يحوزه في رحله أو يأخذه من المعادن فإنه يملكه بذلك وله بيعه بلا خلاف بين أهل العلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأن يأخذ أحدكم حبلا فيأخذ حزمة من حطب فيبيع فيكف الله به وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطى أو منع رواه البخاري وروى أبو عبيد في الأموال عن المشيخة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء إلا ما حمل منه وعلى ذلك مضت العادة في الأمصار ببيع الماء في الروايا والحطب والكلأ من غير نكير وليس لأحد أن يشرب منه ولا يتوضأ ولا يأخذ إلا بإذن مالكه وكذلك لو وقف على بشره أو بئر مباح فاستقى بدلوه أو بدولاب أو نحوه فما يرقيه من الماء فهو ملكه وله بيعه لأنه ملكه يأخذه في إنائه قال أحمد إنما نهى عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره ويجوز بيع البئر نفسها والعين ومشتريها أحق بمائها وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من يشتري بئر رومة يوسع بها على المسلمين وله الجنة أو كما قال فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه من يهودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وسبلها للمسلمين وكان اليهودي يبيع ماءها وروي أن عثمان اشترى منه نصفها باثني عشر ألفا ثم قال اليهودي اختر إما أن تأخذها يوما وآخذها أنا يوما وإما أن ننصب لك عليها دلوا وأنصب عليها دلوا فاختار يوما ويوما فكان الناس يستقون منها في يوم عثمان ليومين فقال اليهودي أفسدت علي بئري فاشتر باقيها فاشتراه بثمانية آلاف وفي هذا دليل على صحة بيعها وتسبيلها

قسم V04/P070–V04/P072

وصحة بيع ما يستقيه منها وجواز قسمة مائها بالمهايأة وكون مالكها أحق بمثلها وجواز قسمة ما فيه حق وليس بمملوك فأما المياه الجارية فما كان نابعا في غير ملك كالأنهار الكبار وغيرها لم تملك بحال ولو دخل إلى أرض رجل لم يملكه بذلك كالطير يدخل إلى أرضه ولكل أحد أخذه ولا يملكه إلا أن يجعل له في أرضه مستقرا كالبركة والقرار أو يحتفر ساقية يأخذ فيها من ماء النهر الكبير فيكون أحق بذلك الماء من غيره كنقع البئر وإن كان ما يستقر في البركة لا يخرج منها فالأولى أنه يملكه بذلك على ما سنذكره في مياه الأمطار وما كان نابعا أو مستنبطا كالقني فهو كنقع البئر وفيه من الخلاف ما فيه فأما المصانع المتخذة لمياه الأمطار تجمع فيها ونحوها من البرك وغيرها فالأولى أنه يملك ماءها ويصح بيعه إذا كان معلوما لأنه مباح حصله بشيء معدله فملكه كالصيد يحصل في شبكته والسمك في بركة معدة له ولا يجوز أخذ شيء منه إلا بإذن مالكه مسألة قال ( وإذا اشترى الثمرة دون الأصل ولم يبد صلاحها على الترك إلى الجزاز لم يجز وإن اشتراها على القطع جاز ) لا يخلو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أقسام أحدها أن يشتريها بشرط التبقية فلا يصح البيع إجماعا لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمبتاع متفق عليه النهي يقتضي فساد المنهي عنه قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث القسم الثاني أن يبيعها بشرط القطع في الحال فيصح بالإجماع لأن المنع إنما كان خوفا من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها بدليل ما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهو قال أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه رواه البخاري وهذا مأمون فيما يقطع فصح بيعه كما لو بدا صلاحه القسم الثالث أن يبيعها مطلقا ولم يشترط قطعا ولا تبقية فالبيع باطل وبه قال مالك والشافعي وأجازه أبو حنيفة لأن إطلاق العقد يقتضي القطع فهو كما لو اشترطه قال ومعنى النهي أن يبيعها مدركة قبل إدراكها بدلالة قوله أرأيت إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه فلفظة المنع تدل على أن العقد يتناول معنى هو مفقود في الحال حتى يتصور المنع ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فيدخل فيه محل النزاع واستدلالهم بسياق الحديث يدل على هدم قاعدتهم التي قرروها في أن إطلاق العقد يقتضي القطع ويقرر ما قلنا من أن إطلاق العقد يقتضي التبقية فيصير العقد المطلق كالذي شرطت فيه التبقية يتناولهما النهي جميعا ويصح تعليلهما بالعلة التي علل بها النبي صلى الله عليه وسلم من منع الثمرة وهلاكها فصل وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع على ثلاثة أضرب أحدهما أن يبيعها مفردة لغير مالك الأصل فهذا الضرب الذي ذكرنا حكمه وبينا بطلانه الثاني أن يبيعها مع الأصل فيجوز بالإجماع لقول النبي صلى الله عليه وسلم من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع ولأنه إذا باعها مع الأصل حصلت تبعا في بيع فلم يضر احتمال الغرر فيها كما احتملت الجهالة في بيع اللبن في الضرع مع بيع الشاة والنوى في التمر مع التمر وأساسات الحيطان في بيع الدار الثالث أن يبيعها مفردة لمالك الأصل نحو أن تكون للبائع ولا يشترطها المبتاع فيبيعها له بعد ذلك أو يوصي لرجل بثمرة نخلة فيبيعها لورثة الموصي ففيه وجهان أحدهما يصح البيع وهو المشهور من قول مالك وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنه يجتمع الأصل والثمرة للمشتري فيصح كما لو اشتراهما معا ولأنه إذا باعها لمالك الأصل حصل التسليم إلى المشتري على الكمال لكونه مالكا لأصولها وقرارها فصح كبيعها مع أصلها والثاني لا يصح وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي

قسم V04/P072–V04/P073

لأن العقد يتناول الثمرة خاصة والغرر فيما يتناوله العقد أصلا بمنع الصحة كما لو كانت الأصول لأجنبي ولأنها تدخل في عموم النهي بخلاف ما إذا باعهما معا فإنه مستثنى بالخبر المروي فيه ولأن الغرر فيما يتناوله العقد أصلا يمنع الصحة وفيما إذا باعهما معا تدخل الثمرة تبعا ويجوز في التابع من الغرر ما لا يجوز في المتبوع كما يجوز بيع اللبن في الضرع والحمل مع الشاة وغيرهما وإن باعه الثمر بشرط القطع في الحال صح وجها واحدا ولا يلزم المشتري الوفاء بالشرط لأن الأصل له فصل ولا يجوز بيع الزرع الأخضر في الأرض إلا بشرط القطع في الحال كما ذكرنا في الثمرة على الأصول لما روى مسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يزهى وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة نهى البائع والمشتري قال ابن المنذر لا أعلم أحدا يعدل عن القول به وهو قول مالك وأهل المدينة وأهل البصرة وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي فإن باعه مع الأرض جاز كبيع الثمرة مع الأصل وإن باعه لمالك الأرض ففيه وجهان على ما ذكرنا في الثمرة تباع من مالك الأصل وقال أبو الخطاب يجوز وإن باعه إياه بشرط القطع جاز وجها واحدا ولم يلزم المشتري الوفاء بالشرط لأن الأصل له فهو كبيع الثمرة من مالك الأصل بشرط القطع وإذا اشتد حب الزرع جاز بيعه مطلقا وبشرط التبقية لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث حتى يبيض فجعل ذلك غاية المنع من بيعه فيدل على الجواز بعده وفي رواية نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد ولأنه إذا اشتد حبه بدا صلاحه فصار كالثمرة إذا بدا صلاحها وإذا اشتد شيء من حبه جاز بيع جميع ما في البستان من نوعه كالشجرة إذا بدا الصلاح في شيء منها فصل ذكره القاضي في الصلح قال وإذا اعترف لرجل بزرع ثم صالحه منه بعوض صح فيما يصح في البيع وبطل فيما يبطل فيه ولو ادعى اثنان زرعا في يد آخر فأقر لهما به فالزرع بينهما نصفان فإن صالح أحدهما عن حقه منه قبل اشتداد حبه لم يجز سواء شرط القطع أو أطلق لأنه إن أطلق بطل للنهي عن بيع المخاضرة وإن شرط القطع لم يمكنه قطع نصيبه إلا بقطع الزرع كله وإن كانت الأرض للمقر احتمل أن يصح واحتمل أن لا يصح بناء على الوجهين فيما إذا اشترى زرعا أخضر في أرض مملوكة له ولو كانت الأرض لرجل والزرع لآخر فقال أحدهما صالحني من نصف أرضي على نصف زرعك فيكون الزرع والأرض بيننا نصفين فإن كان بعد اشتداد حبه جاز لأنه يجوز بيعه وإن كان قبل ذلك فهل يجوز على وجهين بناء على بيع الزرع من مالك الأرض وذلك لأنه يبيع نصف الزرع لمالك الأرض ويشتري منه نصف الأرض التي له فيها الزرع وإن شرطا في البيع أن يقطعا الزرع جميعه ويسلم الأرض فارغة ففيه وجهان أيضاف أحدهما يصح لاشتراطهما قطع كل الزرع وتفريغ الأرض منه واحتمل أن يبطل لأن صاحب الأرض باعه نصف الأرض بشرط قطع زرع غيره ليسلم إليه أرضه وإن قلنا يصح لم يلزم الوفاء بالشرط لأن كل واحد منهما حصل زرعه في أرضه فلم يلزمه قطعه فصل وإذا اشترى رجل نصف الثمرة قبل بدو صلاحها أو نصف الزرع قبل اشتداد حبه مشاعا لم يجز سواء اشتراه من رجل أو من أكثر منه وسواء شرط القطع أو لم يشرطه لأنه لا يمكنه قطعه إلا بقطع ما لا يملكه فلم يصح اشتراطه فصل والقطن ضربان أحدهما ما له أصل يبقى في الأرض أعواما كالشجر تتكرر ثمرته فهذا حكمه حكم الشجر في أنه يصح إفراده بالبيع وإذا بيعت الأرض بحقوقها دخل في البيع وثمره كالطلع إن تفتح فهو للبائع وإلا فهو للمشتري والثاني ما يتكرر زرعه كل عام

قسم V04/P073–V04/P074

فحكمه حكم الزرع ومتى كان جوزه ضعيفا رطبا لم يقوما فيه لم يجز بيعه إلا بشرط القطع كالزرع الأخضر وإن قوي جوزه واشتد جاز بيعه بشرط التبقية كالزرع الذي اشتد حبه وإذا بيعت الأرض لم يدخل في البيع إلا أن يشترطه المبتاع والباذنجان نوعان أحدهما ما له شجر تبقى أصوله وتتكرر ثمرته فهو كالشجر والثاني ما يتكرر زرعه كل عام فهو كالحنطة والشعير مسألة قال ( فإن تركها حتى يبدو صلاحها بطل البيع ) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله فيمن اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها فتركها حتى بدا صلاحها فنقل عنه حنبل وأبو طالب أن البيع يبطل قال القاضي هي أصح فعلى هذا يرد المشتري الثمرة إلى البائع ويأخذ الثمن ونقل أحمد بن سعيد أن البيع لا يبطل وهو قول أكثر الفقهاء لأن أكثر ما فيه أن المبيع اختلط بغيره فأشبه ما لو اشترى ثمرة فحدثت ثمرة أخرى ولم تتميز أو حنطة فانثالت عليها أخرى أو ثوبا فاختلط بغيره ونقل عنه أبو داود فيمن اشترى قصيلا فمرض أو توانى حتى صار شعيرا قال إن أراد به حيلة فسد البيع وإلا لم يفسد والظاهر أن هذه ترجع إلى ما نقله ابن سعد فإنه يتعين حمل ما نقله أحمد بن سعيد في صحة البيع على من يرد حيلة فإن أراد الحيلة وقصد بشرطه القطع الحيلة على إبقائه لم يصح بحال إذ قد ثبت من مذهب أحمد أن الحيل كلها باطلة ووجه الرواية الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فاستثنى منه ما اشتراه شرط القطع فقطعه بالإجماع فيبقى ما عداه على أصل التحريم ولأن التبقية معنى حرم الشرع اشتراطه لحق الله تعالى فأبطل العقد وجوده كالنسيئة فيما يحرم فيه النساء وترك التقابض فيما يشترط فيه القبض أو الفضل فيما يجب التساوي فيه ولأن صحة البيع تجعل ذلك ذريعة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها وتركها حتى يبدو صلاحها ووسائل الحرام حرام كبيع العينة ومتى حكمنا بفساد البيع فالثمرة كلها للبائع وعنه أنهما يتصدقان بالزيادة قال القاضي هذا مستحب لوقوع الخلاف في مستحق الثمرة فإستحبت الصدقة بها وإلا فالحق أنها للبائع تبعا للأصل كسائر نماء المبيع المتصل إذا رد على البائع بفسخ أو بطلان ونقل ابن أبي موسى في الإرشاد أن البائع والمشتري يكونان شريكين في الزيادة وأما إن حكمنا بصحة العقد فقد روي أنهما يشتركان في الزيادة لحصولها في ملكهما فإن ملك المشتري الثمرة وملك البائع الأصل وهو سبب الزيادة قال القاضي الزيادة للمشتري كالعبد إذا سمن وحمل قول أحمد يشتركان على الاستجاب والأول أظهر لما ذكرنا فإن الزيادة حصلت من أصل البائع من غير استحقاق تركها فكان فيها حق له بخلاف العبد إذا سمن فإنه لا يتحقق فيه هذا المعنى ولا يشبهه ولا يصح حمل قول أحمد على الاستحباب فإنه لا يستحب للبائع أن يأخذ من المشتري ما ليس بحق له بل ذلك حرام عليه فكيف يكون مستحبا وعن أحمد أنهما يتصدقان بالزيادة وهو قول الثوري ومحمد بن الحسن لأن عين المبيع زاد بجهة محظورة قال الثوري إذا اشترى قصيلا يأخذ رأس ماله ويتصدق بالباقي ولأن الأمر اشتبه في هذه الزيادة وفي مستحقها فكان الأولى الصدقة بها ويشبه أن يكون هذا استحبابا لأن الصدقة بالشبهات مستحبة وإن أبيا الصدقة بها اشتركا فيها والزيادة هي ما بين قيمتها حين الشراء وقيمتها يوم أخذها قال القاضي ويحتمل أنها ما بين قيمتها قبل بدو صلاحها وقيمتها بعده لأن الثمرة قبل بدو صلاحها كانت للمشتري بتمامها لا حق للبائع فيها وقال الثوري يأخذ المشتري رأس ماله ويتصدق بالباقي وكذلك الحكم في الرطبة إذا طالت والزرع الأخضر إذا أدجن وهذا فيما إذا لم يقصد وقت الشراء تأخيره ولم يجعل شراؤه بشرط القطع حيلة على المنهي عنه من شراء الثمرة قل بدو صلاحها ليتركها حتى يبدو صلاحها فأما إن قصد ذلك فالبيع باطل من أصله لأنه حيلة محرمة وعند أبي حنيفة والشافعي لا حكم لقصده

قسم V04/P074–V04/P075

والبيع صحيح قصد أو لم يقصد وأصل هذا الخلاف في تحريم الحيل وقد سبق الكلام في هذا مسألة قال ( فإن اشتراها بعد أن بدا صلاحها على الترك إلى الجزاز جاز ) وجملة ذلك إنه إذا بدا الصلاح في الثمرة جاز بيعها مطلقا وبشرط التبقية إلى حال الجزاز وبشرط القطع وبذلك قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز بشرط التبقية إلا أن محمدا قال إذا تناهى عظمها جاز واحتجوا بأن هذا شرط الإنتفاع بملك البائع على وجه لا يقتضيه العقد فلم يجز كما لو شرط تبقية الطعام في كندوجه ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها فمفهومه إباحة بيعها بعد بدو صلاحها والمنهي عنه قل بدو الصلاح عندهم البيع بشرط التبقية فيجب أن يكون ذلك جائزا بعد بدو الصلاح وإلا لم يكن بدو الصلاح غاية ولا فائدة في ذكره ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها وتأمن العاهة وتعليله بأمن العاهة يدل على التبقية لأن ما يقطع في الحال لا يخاف العاهة عليه وإذا بدا الصلاح فقد أمنت العاهة فيجب أن يجوز بيعه مبقي لزوال علة المنع ولأن النقل والتحويل يجب في المبيع بحكم العرف فإذا شرطه جاز كما لو شرط نقل الطعام من ملك البائع حسب الإمكان وفي هذا انفصال عما ذكروه فصل ولا يختلف المذهب أن بدو الصلاح في بعض ثمرة النخلة أو الشجرة صلاح لجميعها أعني أنه يباح بيع جميعها بذلك ولا أعلم فيه اختلافا وهل يجوز بيع سائر ما في البستان من ذلك النوع فيه روايتان أظهرهما جوازه وهو قول الشافعي ومحمد بن الحسن وعنه لا يجوز إلا بيع ما بدا صلاحه لأن ما لم يبد صلاحه داخل في عموم النهي ولأنه لم يبد صلاحه فلم يجز بيعه من غير شرط القطع كالجنس الآخر وكالذي في البستان الآخر ووجه الأولى أنه بدا الصلاح في نوعه من البستان الذي هو فيه فجاز بيع جميعه كالشجرة الواحدة ولأن اعتبار بدو الصلاح في الجميع يشق ويؤدي إلى الإشتراك واختلاف الأيدي فوجب أن يتبع ما لم يبد صلاحه من نوعه لما بدا على ما ذكرنا فيما أبر بعضه دون عض فأما نوع آخر من ذلك الجنس فقال القاضي لا يتبعه وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي وقال محمد بن الحسن ما كان متقارب الإدراك فبدو صلاح بعضه يجوز به بيع جميعه وإن كان يتأخر إدراك البعض تأخيرا كثيرا فالبيع جائز فيما أدرك ولا يجوز في الباقي وقال أبو الخطاب يجوز بيع ما في البستان من ذلك الجنس وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي لأن الجنس الواحد يضم بعضه إلى بعض في إكمال النصاب في الزكاة فيتبعه في جواز البيع كالنوع الواحد والأول أولى لأن النوعين قد يتباعد إدراكهما فلم يتبع أحدهما الآخر في بدو الصلاح كالجنسين ويخالف الزكاة فإن القصد هو الغنى من جنس ذلك المال لتقارب منفعته وقيام كل نوع مقام النوع الآخر في المقصود والمعنى هاهنا هو تقارب إدراك أحدهما من الآخر ودفع الضرر الحاصل بالإشتراك واختلاف الأيدي ولا يحصل ذلك في النوعين فصارا في هذا كالجنسين فصل فأما النوع الواحد من بستانين فلا يتبع أحدهما الآخر في جواز البيع حتى يبدو الصلاح في أحدهما متجاورين كانا أو متباعدين وهذا مذهب الشافعي وحكي عن أحمد رواية أخرى أن بدو الصلاح في شجرة في القراح صلاح له ولما قاربه وبهذا قال مالك أنهما يتقاربان في الصلاح فأشبها القراح الواحد ولأن المقصود الأمن من العاهة وقد وجد والمذهب الأول لأنه إنما جعل ما لم يبد صلاحه بمنزلة ما بدا وتابعا له دفعا لضرر الإشتراك واختلاف الأيدي وإلا فالأصل اعتبار كل شيء بنفسه وما في قراح آخر لا يوجد فيه هذا الضرر فوجب أن لا يتبع الآخر كما لو تباعدا وما ذكروه ينتقض بما لم يجاوره من ذلك النوع

قسم V04/P075–V04/P077

ولو بدا صلاح بعض النوع الواحد فأفرد بالبيع ما لم يبد صلاحه من بقية النوع من ذلك البستان لم يجز لدخوله تحت عموم النهي ويقدر قياسه على الصورة المخصوصة من العموم وهي ما إذا باعه مع ما بدا صلاحه لأنه دخل في جواز البيع تبعا دفعا لمضرة الإشتراك واختلاف الأيدي ولا يوجد ذلك هاهنا ولأنه قد يدخل في البيع تبعا ما يجوز إفراده كالثمرة تباع مع الأصل والزرع مع الأرض واللبن في الضرع مع الشاة ويحتمل الجواز لأن الكل في حكم ما بدا صلاحه ولأنه يجوز بيعه مع غيره فجاز بيعه مفردا كالذي بدا صلاحه فصل إذا احتاجت الثمرة إلى سقي لزم البائع ذلك لأنه يجب عليه تسليم الثمرة كاملة وذلك يكون بالسقي فإن قيل فلم قلتم إنه إذا باع الأصل وعليه ثمرة للبائع لا يلزم المشتري سقيها قلنا لأن المشتري لا يجب عليه تسليم الثمرة لأنه لم يملكها من جهته وإنما بقي ملكه عليها بخلاف مسألتنا فإن امتنع البائع من السقي لضرر يلحق بالأصل أجبر عليه لأنه دخل على ذلك فصل ويجوز لمشتري الثمرة بيعها في شجرها روي ذلك عن الزبير بن العوام وزيد بن ثابت والحسن بن البصري وأبي حنيفة والشافعي وابن المنذر وكرهه ابن عباس وعكرمة وأبو سلمة لأنه بيع له قبل قبضه فلم يجز كما لو كان على وجه الأرض فلم يقبضه ولنا إنه يجوز له التصرف فيه فجاز له بيعه كما لو جزه وقولهم لم يقبضه لا يصح فإن قبض كل شيء بحسبه وهذا قبضه التخلية وقد وجدت مسألة قال ( فإن كانت ثمرة نخل فبدو صلاحها أن تظهر فيها الحمرة أو الصفرة وإن كانت ثمرة كرم فصلاحها أن تتموه وصلاح ما سوى النخل والكرم أن يبدو فيها النضج ) وجملة ذلك أن ما كان من الثمرة يتغير لونه عند صلاحه كثمرة النخل والعنب الأسود والإجاص فبدو صلاحه بذلك وإن كان العنب أبيض فصلاحه بتموهه وهو أن يبدو فيه الماء الحلو ويلين ويصفر لونه وإن كان مما لا يتلون كالتفاح ونحوه فبأن يحلو أو يطيب وإن كان بطيخا أو نحوه فبأن يبدو فيه النضج وإن كان مما لا يتغير لونه ويؤكل طيبا صغارا وكبارا كالقثاء والخيار فصلاحه بلوغه أن يؤكل عادة وقال القاضي وأصحاب الشافعي بلوغه أن يتناهى عظمه وما قلناه أشبه بصلاحه مما قالوه فإن بدو صلاح الشيء ابتداؤه وتناهي عظمه آخر صلاحه ولأن بدو الصلاح في الثمر يسبق حال الجزاز فلا يجوز أن يجعل بدو الصلاح فيما يقاس عليه بسبقه قطعه عادة إلا أن يريدوا بتناهي عظمه انتهاءه إلى الحال التي جرت العادة بأخذه فيها فيكون كما ذكرنا وما قلنا في هذا الفصل فهو قول مالك والشافعي وكثير من أهل العلم أو مقارب له وقال عطاء لا يباع حتى يؤكل من التمر قليل أو كثير وروي نحوه عن ابن عمر وابن عباس ولعلهم أرادوا صلاحه للأكل فيرجع معناه إلى ما قلنا فإن ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يأكل منه أو يؤكل متفق عليه وإن أرادوا حقيقة الأكل كان ما ذكرنا أولى لأن ما رووه يحتمل صلاحه للأكل فيحمل على ذلك موافقة لأكثر الأخبار وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب متفق عليه ونهى أن تباع الثمرة حتى تزهو قيل وما تزهو قال تحمار أو تصفار رواه البخاري ونهى عن بيع العنب حتى يسود رواه الترمذي وابن ماجة والأحاديث في هذا كثيرة كلها تدل على هذا المعنى مسألة قال ( ولا يجوز بيع القثاء والخيار والباذنجان وما أشبهه إلا لقطة لقطة ) وجملة ذلك أنه إذا باع ثمرة شيء من هذه البقول لم يجز إلا بيع الموجود منها دون المعدوم وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك يجوز بيع الجميع لأن ذلك يشق تمييزه فجعل ما لم يظهر تبعا لما ظهر كما أن ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا

قسم V04/P077–V04/P078

ولنا إنها ثمرة لم تخلق فلم يحن بيعها كما لو باعها قبل ظهور شيء منها والحاجة تندفع ببيع أصوله ولأن ما لم يبد صلاحه يجوز إفراده بالبيع بخلاف ما لم يخلق ولأن ما لم يخلق من ثمرة النخل لا يجوز بيعه تبعا لما خلق وإن كان ما لم يبد صلاحه تبعا لما بدا إذا تقرر هذا فإن باعها قبل بدو صلاحها لم يجز إلا بشرط القطع فإن كان بعد بدو صلاحها جاز مطلقا وبشرط القطع والتبقية على ما ذكرنا في ثمرة الأشجار وقد بينا بماذا يكون بدو صلاحه فصل قال القاضي ويصح بيع أصول هذه البقول التي تتكرر ثمرتها من غير شرط القطع وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ولا فرق بين كون الأصول صغارا أو كبارا مثمرة أو غير مثمرة لأنه أصل تكرر فيه الثمرة فأشبه الشجر فإن باع المثمر منه فثمرته الظاهرة للبائع متروكة إلى حين بلوغها إلا أن يشترطها المبتاع فإن حدثت ثمرة أخرى فهي للمشتري فإن اختلطت بثمرة البائع ولم تتميز كان الحكم فيها كثمرة الشجرة إذا اختلطت بثمرة أخرى على ما مر حكمه فصل ولا يجوز بيع ما المقصود منه مستور في الأرض كالجزر والفجل والبصل والثوم حتى يقلع ويشاهد وهذا قول الشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي وأباحه مالك والأوزاعي وإسحاق لأن الحاجة داعية إليه فأشبه بيع ما لم يبد صلاحه تبعا لما بدا ولنا إنه مبيع مجهول لم يره ولم يوصف له فأشه بيع الحمل ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر رواه مسلم وهذا غرر وأما بيع ما لم يبد صلاحه فإنما جاز بيعه لأن الظاهر أنه يتلاحق في الصلاح ويتبع بعضه بعضا فإن كان مما تقصد فروعه وأصوله كالبصل المبيع أخضر والكراث والفجل أو كان المقصود فروعه فالأولى جواز بيعه لأن المقصود منه ظاهر فأشبه الشجر والحيطان التي لها أساسات مدفونة ويدخل ما لم يظهر في البيع تبعا فلا تضر جهالته كالحمل في البطن واللبن في الضرع مع الحيوان وإن كان معظم المقصود منه أصوله لم يجز بيعه في الأرض لأن الحكم للأغلب فإن تساويا لم يجز لأن الأصل اعتبار الشرط في الجميع وإنما سقط اعتباره فيما كان معظم المقصود منه ظاهرا تبعا ففيما عداه بقي على الأصل فصل ويجوز بيع الجوز واللوز والباقلا الأخضر في قشرته مقطوعا وفي شجره وبيع الحب المشتد في سنبله وبيع الطلع قبل تشققه مقطوعا على وجه الأرض وفي شجره وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وقال الشافعي لا يجوز حتى ينزع عنه قشره الأعلى إلا في الطلع والسنبل في أحد القولين واحتج بأنه مستور بما لا يدخر عليه ولا مصلحة فيه فلم يجز بيعه كتراب الصاغة والمعادن وبيع الحيوان المذبوح في سلخه ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة فمفهومه إباحة بيعه إذا بدا صلاحه وأبيض سنبله ولأنه مستور بحائل من أصل خلقته فجاز بيعه كالرمان والبيض والقشر الأسفل ولا يصح قولهم ليس من مصلحته فإنه لا قوام له في شجرة إلا به والباقلا يؤكل رطبا وقشره يحفظ رطوبته ولأن الباقلا يباع في أسواق المسلمين من غير نكير فكان ذلك إجماعا وكذلك الجوز واللوز في شجرهما والحيوان المذبوح يجوز في سلخه فإنه إذا جاز بيعه قبل ذبحه وهو يراد للذبح فكذلك إذا ذبح كما أن الرمانة إذا جاز بيعها قبل كسرها فكذلك إذا كسرت وأما تراب الصاغة والمعدن فلنا فيهما منع وإن سلم فليس ذلك من أصل الخلقة في تراب الصاغة ولا بقاؤه فيه من مصلحته بخلاف مسألتنا مسألة قال ( وكذلك الرطبة كل جزة ) وجملة ذلك أن الرطبة وما أشبهها مما تثبت أصوله في الأرض ويؤخذ ما ظهر منه بالقطع دفعة بعد دفعة كالنعناع والهندباء وشبههما لا يجوز بيعه إلا أن يبيع الظاهر منه بشرط القطع في الحال وبذلك قال الشافعي وروي ذلك عن الحسن وعطاء ورخص مالك في أن يشتري جزتين وثلاثا

قسم V04/P078–V04/P079

ولا يصح لأن ما في الأرض منه مستور وما يحدث منه معدوم فلا يجوز بيعه كما لا يجوز بيع ما يحدث من التمرة فإذا ثبت هذا فمتى اشتراها قبل لم يجز له إبقاؤها لأن ما لم يظهر منها أعيان لم يتناولها البيع فيكون ذلك للبائع إذا ظهر فيفضي إلى اختلاط المبيع بغيره والثمرة بخلاف ذلك فإن أخرها حتى طالت فالحكم فيها كالثمرة إذا اشتراها قبل بدو صلاحها ثم تركها حتى بدا صلاحها فصل وإن اشترى قصيلا من شعير ونحوه فقطعه ثم عاد فنبت فهو لصاحب الأرض لأن المشتري ترك الأصل على سبيل الرفض لها فيسقط حقه منها كما يسقط حق صاحب الزرع من السنابل التي يخلفها ولذلك أبيح لكل إلتقاطها ولو سقط من الزرع حب ثم نبت من العام المقبل فهو لصاحب الأرض نص أحمد على هاتين المسألتين مما يؤكد ما قلنا إن البائع لو أراد التصرف في أرضه بعد فصل الزرع بما يفسد الأصول ويقلعها كان له ذلك ولم يملك المشتري منعه منه ولو كان الباقي مستحقا له لملك منعه منه مسألة قال ( والحصاد على المشتري فإن شرطه على البائع بطل البيع ) الكلام في هذه المسألة في فصلين الأول أن من اشترى زرعا أو جزة من الرطبة ونحوها أو ثمرة في أصولها فإن حصاد الزرع وجز الرطبة وجزاز الثمرة وقطعها على المشتري لأن نقل المبيع وتفريغ ملك البائع منه على المشتري كنقل الطعام المبيع من دار البائع ويفارق الكيل والوزن فإنهما على البائع لأنهما من مؤنة التسليم إلى المشتري والتسليم على البائع وهاهنا حصل التسليم بالتخلية بدون القطع بدليل جواز بيعها والتصرف فيها وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي ولا أعلم فيه مخالفا الفصل الثاني إذا شرطه على البائع فاختلف أصحابنا فقال الخرقي يبطل البيع وقال ابن أبي موسى لا يجوز وقيل يجوز فإن قلنا لا يجوز فهل يبطل البيع لبطلان الشرط على روايتين وقال القاضي المذهب جواز الشرط ذكره ابن حامد وأبو بكر ولم أجد هذا الذي ذكره الخرقي رواية في المذهب واختلف أصحاب الشافعي أيضا فقال بعضهم إذا شرط الحصاد على البائع فسد البيع قولا واحدا وقال بعضهم يكون على قولين فمن أفسد قال لا يصح لثلاثة معان أحدها أنه شرط العمل في الزرع قبل أن يملكه والثاني أنه شرط ما لا يقتضيه العقد والثالث أنه شرط تأخير التسليم لأن معنى ذلك تسليمه مقطوعا ومن أجازه قال هذا بيع وإجارة لأنه باعه الزرع وآجره نفسه على حصاده وكل واحد منهما يصح إفراده بالعقد فإذا جمعهما جاز كالعينين وقولهم شرط العمل فيما لا يملكه يبطل بشرط رهن المبيع على الثمن في البيع والثاني يبطل بشرط الرهن والكفيل والخيار والثالث ليس بتأخير لأنه يمكنه تسليمه قائما ولأن الشرط من المتسلم فليس ذلك بتأخير التسليم فإذا فسدت هذه المعاني صح لما ذكرناه فإن قيل فالبيع يخالف حكمه حكم الإجارة لأن الضمان ينتقل في البيع بتسليم العين بخلاف الإجارة فكيف يصح الجمع بينهما قلنا كما يصح بيع الشقص والسيف وحكمهما مختلف فإن الشفعة تثبت في الشقص دون السيف ويجوز الجمع بينهما وقول الخرقي إن العقد هاهنا يبطل يحتمل أن يختص بهذه المسألة وشبهها مما يفضي الشرط فيه إلى التنازع فإن البائع ربما أراد قطعها من أعلاها ليبقى له منها بقية والمشتري يريد الاستقصاء عليها ليزيد له ما يأخذه فيفضي إلى التنازع وهو مفسدة فيبطل البيع من أجله ويحتمل أن يقاس عليه ما أشبهه من اشتراط منفعة البائع في المبيع لما ذكرنا في صدر المسألة والأول أولى لوجهين أحدهما أنه قال في موضع آخر ولا يبطل البيع بشرط واحد والثاني أن المذهب أنه يصح اشتراط منفعة البائع في المبيع مثل أن يشتري ثوبا ويشترط على بائعه خياطته قميصا أو فلعة ويشترط حذوها نعلا أو جرزة حطب ويشترط حملها إلى موضع معلوم نص عليه أحمد في رواية مهنا وغيره حتى قال القاضي لم أجد بما قال الخرقي رواية في أنه لا يصح

قسم V04/P079–V04/P080

واحتج أحمد بأن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جرزة حطب وشارطه على حملها وبه قال إسحاق وأبو عبيد وقال أبو حنيفة يجوز أن يشتري فلعة ويشترط على البائع تشريكها وحكي عن ابن أبي ثور والثوري أنهما أبطلا العقد بهذا الشرط لأنه شرط فاسد فأشبه سائر الشروط الفاسدة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع وشرط ولنا ما تقدم ولم يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط إنما الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شرطين في بيع كذا ذكره الترمذي وهذا دال بمفهومه على جواز الشرط الواحد قال أحمد إنما النهي عن شرطين في بيع أما الشرط الواحد فلا بأس به فصل ولا بد من كون المنفعة معلومة لهما ليصح اشتراطها لأننا نزلنا ذلك منزلة الإجارة فلو اشترط حمل الحطب إلى منزله والبائع لا يعرف منزله لم يصح ولو اشترط حذوها نعلا فلا بد من معرفة صفتها كما لو استأجره على ذلك ابتداء قال أحمد في الرجل يشتري النعل على أن يحذوها جائز إذا أراد الشراك وإن تعذر العمل يتلف المبيع قبله أو يموت البائع انفسخت الإجارة ورجع المشتري عليه بعوض ذلك وإن تعذر بمرض أقيم مقامه من يعمل العمل والأجرة عليه كقولنا في الإجارة فصل ويصح أن يشترط البائع نفع المبيع مدة معلومة مثل أن يبيع دارا ويستثني سكناها شهرا أو جملا ويشترط ظهره إلى مكان معلوم أو عبدا ويستثني خدمته سنة نص على هذا أحمد وهو قول الأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وقال الشافعي وأصحاب الرأي لا يصح الشرط نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط ولأنه ينافي مقتضى البيع فأشبه ما لو شرط أن لا يسلمه وذلك لأنه شرط تأخير تسليم المبيع إلى أن يستوفي البائع منفعته ولأن مقتضى البيع ملك المبيع ومنافعه وهذا شرط ينافيه وقال ابن عقيل فيه رواية ثانية أنه يبطل البيع والشرط نقلها عبد الله بن محمد الفقيه في الرجل يشتري من الرجل جارية ويشترط أن تخدمه فالبيع باطل وهذه الرواية لا تدل على محل النزاع في هذه المسألة فإن اشتراط خدمة الجارية باطل لوجهين أحدهما أنها مجهولة وإطلاقها يقتضي خدمتها أبدا وهذا لا خلاف في بطلانه إنما الخلاف في اشتراط منفعة معلومة الثاني أن يشترط خدمتها بعد زوال ملكه عنها فيفضي إلى الخلوة بها والخطر برؤيتها وصحبتها ولا يوجد هذا في غيرها ولذلك منع إعارة الجارية الشابة لغير محرمها وقال مالك إذا اشترط ركوبا إلى مكان قريب جاز وإن كان إلى مكان بعيد كره لأن اليسيرة تدخله المسامحة ولنا ما روى جابر أنه باع النبي صلى الله عليه وسلم جملا واشترط ظهره إلى المدينة وفي لفظ قال فبعته بأوقية واستثنيت حملانه إلى أهلي متفق عليه وفي لفظ قال فبعته منه بخمس أواق قال قلت على أن لي ظهره إلى المدينة قال ولك ظهره إلى المدينة ورواه مسلم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم وهذه معلومة ولأن المنفعة قد تقع مستثناة بالشرع على المشتري فيما إذا اشترى نخلة مؤبرة أو أرضا مزروعة أو دارا مؤجرة أو أمة مزوجة فجاز أن يستثنيها كما لو اشترط البائع الثمرة قبل التأبير ولم يصح نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط وإنما نهى عن شرطين في بيع مفهومه إباحة الشرط الواحد وقياسهم ينتقض باشتراط الخيار والتأجيل في الثمن فصل وإن باعه أمة واستثنى وطأها مدة معلومة لم يجز لأن الوطء لا يباح في غير ملك أو نكاح لقوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون المؤمنون 5 6 7 وفارق اشتراط وطء المكاتبة حيث نبيحه لأن المكاتبة مملوكة فيستباح وطؤها بالشرط في المحل المملوك واختار ابن عقيل أنه لا يباح وطؤها أيضا وهو قول أكثر الفقهاء فصل وإن باع المشتري العين المستثناة منفعتها صح البيع

الأسئلة

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) · 47 · Qur'an & Sunnah