Qur'an&Sunnah

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

قسم V05/P315–V05/P316

ولنا إنه مؤتمن على حفظها فلم يضمن من غيره تعد كالمودع ولأنها عين قبضها بحكم الإجارة فلم يضمنها من غير تعد كالعين المستأجرة فأما ما تلف بتعديه فيضمنه بغير خلاف مثل أن ينام عن السائمة أو يغفل عنها أو يتركها تتباعد منه أو تغيب عن نظره وحفظه أو ضربها ضربا يسرف فيه أو في غير موضع الضرب أو من غير حاجة إليه أو سلك بها موضعا تتعرض فيه للتلف وأشباه هذا مما يعد تفريطا وتعديا فتتلف به فعليه ضمانها لأنها تلفت بعدوانه فضمنها كالمودع إذا تعدى وإن اختلفا في التعدي وعدمه فالقول قول الراعي لأنه أمين وإن فعل فعلا اختلفا في كونه تعديا رجع إلى أهل الخبرة ولو جاء بجلد شاة وقال ماتت قبل قوله ولم يضمن وعن أحمد أنه يضمن ولا يقبل قوله والصحيح الأول لأن الأمناء تقبل أقوالهم كالمودع ولأنه يتعذر عليه إقامة البينة فأشبه المودع كذلك لو ادعى موتها من غير أن يأتي بجلدها فصل ولا يصح العقد في الراعي إلا على مدة معلومة لأن العمل لا ينحصر ويجوز العقد على رعي ماشية معينة وعلى جنس في الذمة فإن عقد على ماشية معينة فذكر أصحابنا أنه يتعلق بأعيانها كما لو استأجره لخياطة ثوب بعينه فلا يجوز إبداله ويبطل العقد بتلفها وإن تلف بعضها بطل عقد الإجارة فيه وله أجر ما بقي منها بالحصة وإن ولدت سخالا لم يكن عليه رعيها لأنها زيادة لم يتناولها العقد ويحتمل أن لا يتعلق بأعيانها لأنها ليست المعقود عليها وإنما يستوفي المنفعة بها فأشبه ما لو استأجر ظهرا ليركبه جاز أن يركب غيره مكانه ولو استأجر دارا ليسكنها جاز أن يسكنها مثله ولو استأجر أرضا ليزرعها حنطة جاز أن يزرعها ما هو مثلها في الضرر أو أدنى منها وإنما المعقود عليه منفعة الراعي ولهذا يجب له الأجر إذا سلم نفسه وإن لم يرع ويفارق الثوب في الخياطة لأن الثياب في مظنة الاختلاف في سهولة خياطتها ومشقتها بخلاف الرعي فعلى هذا إبدالها بمثلها وإن تلف بعضها لم ينفسخ العقد فيه وكان له إبداله وإن وقع العقد على موصوف في الذمة فلا بد من ذكر جنس الحيوان ونوعه إبلا أو بقرا أو غنما أو ضأنا أو معزا وإن أطلق ذكر البقر والإبل لم يتناول الجواميس والبخاتي لأن إطلاق الاسم لا يتناولها عرفا وإن وقع العقد في مكان يتناولها إطلاق الاسم احتاج إلى ذكر نوع ما يراه منها كالغنم لأن كل نوع له أثر في إتعاب الراعي ويذكر الكبر والصغر فيقول كبارا أو سخالا أو عجاجيل أو فصلانا إلا أن يكون ثم قرينة أو عرف صارف إلى بعضها فيغني عن الذكر وإذا عقد على عدد موصوف كالمائة لم يجب عليه رعي زيادة عليها لا من سخالها ولا من غيرها وإن أطلق العقد ولم يذكر عددا لم يجز وهذا ظاهر مذهب الشافعي وقال القاضي يصح ويحمل على ما جرت به العادة كالمائة في الغنم ونحوها وهو قول بعض أصحاب الشافعي والأول أصح لأن العادة في ذلك تختلف وتتباين إذ العمل يختلف باختلافه فصل فيما تجوز إجارته تجوز إجارة كل عين يمكن أن ينتفع بها مباحة مع بقائها بحكم الأصل كالأرض والدار والعبد والبهيمة والثياب والفسطاط والحبال والخيام والمحامل والسرج واللجام والسيف والرمح وأشباه ذلك وقد ذكرنا كثيرا مما تجوز إجارته في مواضعه وتجوز إجارة الحلي نص عليه أحمد في رواية ابنه عبد الله وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وروي عن أحمد أنه قال في إجارة الحلي ما أدري ما هو قال القاضي هو محمول على إجارته بأجرة من جنسه فأما بغير جنسه فلا بأس به لتصريح أحمد بجوازه وقال مالك في إجارة الحلي والثياب ما هو من المشتبهات ولعله يذهب إلى أن المقصود بذلك الزينة وليس ذلك من المقاصد الأصلية ومن منع ذلك بأجر من جنسه فقد احتج له بأنها تحتك بالاستعمال فيذهب منها أجزاء وإن كانت يسيرة فيحصل الأجر في مقابلتها ومقابلة الانتفاع بها فيفضي إلى بيع ذهب بذهب وشيء آخر

قسم V05/P316–V05/P318

ولنا إنها عين ينتفع بها منفعة مباحة مقصودة مع بقاء عينها فأشبهت سائر ما تجوز إجارته والزينة من المقاصد الأصلية فإن الله تعالى بها علينا بقوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده الأعراف 32 وأباح الله تعالى من التحلي واللباس للنساء ما حرمه على الرجال لحاجتهن إلى التزين للأزواج وأسقط الزكاة على حليهن معونة لهن على اقتنائه وما ذكروه من نقصها بالاحتكاك لا يصح لأن ذلك يسير لا يقابل بعوض ولا يكاد يظهر في وزن ولو ظهر فالأجر في مقابلة الانتفاع لا في مقابلة الجزء الذاهب لما جاز إجارة أحد النقدين بالآخر لإفضائه إلى الفرق في معارضة أحدهما بالآخر قبل القبض والله أعلم فصل وتجوز إجارة الدراهم والدنانير للوزن والتحلي في مدة معلومة وبه قال أبو حنيفة وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي والوجه الآخر أنها لا تجوز إجارتها لأن هذه المنفعة ليست المقصود منها ولذلك لا تضمن منفعتها بغصبها فأشبهت الشمع ولنا إنها عين أمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها منفعة مباحة فأشبهت الحلي وفارق الشمع فإنه لا ينتفع به إلا بما أتلف عينه إذا ثبت هذا فإنه إن ذكر ما يستأجره له وعينه فحسن وإن أطلق الإجارة فقال أبو الخطاب تصح الإجارة وينتفع بها فيما شاء منهما لأن منفعتهما في الإجارة متعينة في التحلي والوزن وهما متقاربان فوجب أن تحمل الإجارة عند الإطلاق عليها كاستئجار الدار مطلقا فإنه يتناول السكنى ووضع المتاع فيها وقال القاضي لا تصح الإجارة وتكون قرضا وهذا مذهب أبي حنيفة لأن الإجارة تقتضي الانتفاع والانتفاع المعتاد بالدراهم والدنانير إنما هو بأعيانها فإذا أطلق الانتفاع حمل على الانتفاع المعتاد وقال أصحاب الشافعي لا تصح الإجارة فلا تكون قرضا لأن التحلي ينقصها والوزن لا ينقصها فقد اختلفت جهة الانتفاع فلم يجز إطلاقها ولا يجوز أن يعبر بها عن القرض لأن القرض تمليك للغير والإجارة تقتضي الانتفاع مع بقاء العين فلم يجز التعبير بأحدهما عن الآخر ولأن التسمية والألفاظ تؤخذ نقلا ولم يعهد في اللسان التعبير بالإجارة عن القرض وقول أبي الخطاب أصح إن شاء الله لأن العقد متى أمكن حمله على الصحة كان أولى من إفساده وقد أمكن حمله على إجارتها للجهة التي تجوز إجارتها فيها وقول القاضي لا يصح لأن الإجارة إنما تقتضي انتفاعا مع بقاء العين فلا تحمل على غير ذلك وما ذكر الآخرون من نقص العين بالاستعمال في التحلي فبعيد فإن ذلك يسير لا أثر له فوجوده كعدمه فصل ويجوز أن يستأجر شجرا ونخيلا ليجفف عليها الثياب أو يبسطها عليها ليستظل بظلها ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان لما ذكروه في الأثمان ولنا إنها لو كانت مقطوعة لجاز استئجارها لذلك فكذلك إذا كانت ثابتة وذلك لأن الانتفاع يحصل بهما على السواء في الحالتين فما جاز في إحداهما يجوز في الأخرى ولأنها شجرة فجاز استئجارها لذلك كالمقطوعة ولأنها منفعة مقصودة يمكن استيفاؤها مع بقاء العين فجاز العقد عليها كما لو كانت مقطوعة ولأنها عين يمكن استيفاء هذه المنفعة منها فجاز استئجارها لها كالحبال والخشب والشجر المقطوع فصل ويجوز استئجار غنم لتدوس له طينا أو زرعا ولأصحاب الشافعي فيه وجهان لأنها منفعة غير مقصودة من هذا الحيوان فأشبهت النخيل ولنا إنها منفعة مباحة يمكن استيفاؤها من العين مع بقائها فأشبهت استئجار البقر لدياس الزرع فصل ويجوز استئجار ما يبقى من الطيب والصندل وأقطاع الكافور والند لتشمه المرضى وغيرهم مدة ثم يردها لأنها منفعة مباحة فأشبهت الوزن والتحلي مع أنه لا ينفك من إخلاق وبلى فصل وتجوز إجارة الحائط ليضع عليها خشبا معلوما مدة معلومة وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز ولنا إن هذه منفعة مقصودة مقدور على تسليمها واستيفائها فجاز عقد الإجارة عليها كاستئجار السطح للنوم عليه فصل ويجوز استئجار دار يتخذها مسجدا يصلي فيه وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة لا يصح لأن فعل الصلاة لا يجوز استحقاقه بعقد إجارة بحال فلا تجوز الإجارة لذلك

قسم V05/P318–V05/P319

ولنا إن هذه منفعة مباحة استيفاؤها من العين مع بقائها فجاز استئجار العين لها كالسكنى ويفارق الصلاة فإنها لا تدخلها النيابة بخلاف بناء المساجد فصل وذكر ابن عقيل أنه يجوز استئجار البئر ليستقي منها أياما معلومة لأن هواء البئر وعمقها فيه نوع انتفاع بمرور الدلو فيه وأما نفس الماء فيؤخذ على أصل الإباحة والله الموفق فصل ويجوز استئجار الفهد والبازي والصقر للصيد في مدة معلومة لأن فيه نفعا مباحا تجوز إعارته له فجازت إجارته له كالدابة وتجوز إجارة كتب العلم التي يجوز بيعها للانتفاع بها في القراءة فيها والنسخ منها لما ذكرناه وتجوز إجارة درج فيه خط حسن يكتب عليه ويتمثل منه لذلك فصل وما لا تجوز إجارته أقسام أحدها ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالمطعوم والمشروب والشمع ليشعله لأن الإجارة عقد على المنافع وهذه لا ينتفع بها إلا بإتلاف عينها فإن استأجر شمعة يسرجها ويرد بقيتها وثمن ما ذهب وأجر الباقي كان فاسدا لأنه يشمل بيعا وإجارة وما وقع عليه البيع مجهول وإذا جهل المبيع جهل المستأجر أيضا فيفسد العقدان ولو استأجر شمعا ليتجمل به ويرده من غير أن يشعل منه شيئا لم يجز لأن ذلك ليس بمنفعة مرعية في الشرع فبذل المال فيه سفه وأخذه أكل ما بالباطل فلم يجز كما لو استأجر خبزا لينظر إليه وكذلك لو استأجر طعاما ليتحمل به على مائدته ثم يرده لم يجز لما ذكرنا وهكذا سائر الأشياء ولا يصح استئجار ما لا يبقى من الرياحين كالورد والبنفسج والريحان الفارسي وأشباهه لشمها لأنها تتلف عن قرب فأشبهت المطعومات ولا يجوز استئجار الغنم ولا الإبل والبقر ليأخذ ابنها ولا ليسترضعها السخلة ونحوها ولا استئجارها ليأخذ صوفها ولا شعرها ولا وبرها ولا استئجار شجرة ليأخذ ثمرتها أو شيئا من عينها فصل ولا تجوز إجارة الفحل للضراب وهذا ظاهر مذهب الشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثور وابن المنذر وخرج أبو الخطاب وجها في جوازه لأنه انتفاع مباح والحاجة تدعو إليه فجاز كإجارة الظئر والبئر ليستقي منها الماء ولأنها منفعة تستباح بالإعارة فتستباح بالإجارة كسائر المنافع وهذا مذهب الحسن وابن سيرين ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل متفق عليه وفي لفظ نهى عن ضراب الجمل ولأن المقصود الماء الذي يخلق منه الولد فيكون عقد الإجارة لاستيفاء عين غائبة فلم يجز كإجارة الغنم لأخذ لبنها وهذا أولى فإن هذا الماء محرم لا قيمة له فلم يجز أخذ العوض عنه كالميتة والدم وهو مجهول فأشبه اللبن في الضرع فأما من أجازه فينبغي أن يوقع العقد على العمل ويقدره بمرة أو مرتين أو أكثر وقيل يقع العقد على مدة وهذا بعيد لأن من أراد إطراق فرسه مرة فقدره بمدة تزيد على قدر الفعل لم يمكن استيعابها به وإن اقتصر على مقداره فربما لا يحصل الفعل فيه ويتعذر أيضا ضبط مقدار الفعل فيتعين التقدير بالفعل إلا أن يكتري فحلا لإطراق ماشية كثيرة كفحل يتركه في إبله أو تيس في غنمه فإن هذا إنما يكتري مدة معلومة والمذهب أنه لا يجوز إجارته فإن احتاج إنسان إلى ذلك ولم يجد من يطرق له جاز له أن يبذل الكراء وليس للمطرق أخذه قال عطاء لا يأخذ عليه شيئا ولا بأس أن يعطيه إذا لم يجد من يطرق له ولأن ذلك بذل مال لتحصيل منفعة مباحة تدعو الحاجة إليها فجاز كشراء الأسير ورشوة الظالم ليدفع ظلمه وإن أطرق إنسان فحله بغير إجارة ولا شرط فأهديت له هدية أو أكرم بكرامة لذلك فلا بأس به لأنه فعل معروفا فجازت مجازاته عليه كما لو أهدى هدية فصل القسم الثاني ما منفعته محرمة كالزنا والزمر والنوح والغناء فلا يجوز الاستئجار لفعله وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وصاحباه وأبو ثور وكره ذلك الشعبي والنخعي لأنه محرم فلم يجز الاستئجار عليه كإجارة أمته للزنا ولا يجوز استئجار كاتب ليكتب له غناء ونوحا وقال أبو حنيفة يجوز

قسم V05/P319–V05/P320

ولنا إنه انتفاع بمحرم فأشبه ما ذكرنا ولا يجوز الاستئجار على كتابة شعر محرم ولا بدعة ولا شيء محرم لذلك ولا يجوز الاستئجار على حمل الخمر لمن يشربها ولا على حمل خنزير ولا ميتة لذلك وبهذا قال أبو يوسف ومحمد والشافعي وقال أبو حنيفة يجوز لأن العمل لا يتعين لعيه بدليل أنه لو حمله جاز ولأنه لو قصد إراقته أو طرح الميتة جاز وقد روي عن أحمد فيمن حمل خنزيرا أو ميتة أو خمرا لنصراني أكره أكل كرائه ولكن يقضي للجمال بالكراء فإذا كان لمسلم فهو أشد قال القاضي هذا محمول على أنه استأجره ليريقها فأما للشرب فمحذور ولا يحل أخذ الأجرة عليه وهذا التأويل بعيد لقوله أكره أكل كرائه وإذا كان لمسلم فهو أشد ولكن المذهب خلاف هذه الرواية لأنه استئجار لفعل محرم فلم يصح كالزنا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن حاملها والمحمولة إليه وقوله لا يتعين يبطل باستئجار أرض ليتخذها مسجدا وأما حمل هذه لإراقتها والميتة لطرحها والاستئجار للكنف فجائز لأن ذلك كله مباح وقد استأجر النبي صلى الله عليه وسلم أبا ظبية لحجمه وقال أحمد في رواية ابن منصور في الرجل يؤجر نفسه لنظارة كرم النصراني يكره ذلك لأن الأصل في ذلك راجع إلى الخمر فصل ويكره أن يؤجر الرجل نفسه لكسح الكنف ويكره له أكل أجره لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كسب الحجام خبيث ونهى الحر عن أكله فهذا أولى وقد روي عن ابن عباس أن رجلا حج ثم أتاه فقال إني رجل أكنس فما ترى في مكسبي قال أي شيء تكنس قال العذرة قال ومنه حججت ومنه تزوجت قال نعم قال أنت خبيث وحجك خبيث وما تزوجت خبيث أو نحو هذا ذكره سعيد بن منصور في سننه بمعناه ولأن فيه دناءة فكرة كالحجامة فأما الإجارة في الجملة فجائزة لأن الحاجة داعية إليها فلا تندفع بدون إباحة الإجارة فوجب إباحتها كالحجامة فصل ولا يجوز للرجل إجارة داره لمن يتخذها كنيسة أو بيعة أو يتخذها لبيع الخمر أو القمار وبه قال الجماعة وقال أبو حنيفة إن كان بيتك في السواد فلا بأس أن تؤجره لذلك وخالفه صاحباه واختلف أصحابه في تأويل قوله ولنا إنه فعل محرم فلم تجز الإجارة عليه كإجارة عبده للفجور ولو اكترى ذمي من مسلم داره فأراد بيع الخمر فيها فلصاحب الدار منعه وبذلك قال الثوري وقال أصحاب الرأي إن كان بيته في السواد والجبل فله أن يفعل ما شاء ولنا إنه فعل محرم جاز المنع منه في المضر فجاز في السواد كقتل النفس المحرمة فصل القسم الثالث ما يحرم بيعه إلا الحر والوقف وأم الولد والمدبر فإنه يجوز إجارتها وإن حرم بيعها وما عدا ذلك فلا تجوز إجارته سواء كان ممن لا يقدر على تسليمه كالعبد الآبق والجمل الناد والبهيمة الشاردة والمغصوب من غير غاصبه أو ممن لا يقدر على انتزاعه منه فإنه لا تجوز إجارته

قسم V05/P320–V05/P321

لأنه لا يمكن تسليم العقود عليه وإن كان مما تجهل صفته فإنه لا تجوز إجارته في ظاهر المذهب أو كان ممن لا نفع فيه كسباع البهائم أو الطير التي لا تصلح للاصطياد ولا تجوز إجارة الكلب ولا الخنزير بحال ويتخرج جواز إجارة الكلب الذي يباح اقتناؤه لأن فيه نفعا مباحا تجوز له إجارته فجازت إجارته له كغيره ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين ولا تجوز إجارة ما لا يقدر على تسليم منفعته سواء جاز بيعه أو لم يجز مثل أن يغصب منفعته بأن يدعي إنسان أن هذه الدار في إجارته عاما ويغلب صاحبها عليها فإنه لا تجوز إجارتها في هذا العام إلا من غاصبها أو ممن يقدر على أخذها منه قال أصحابنا ولا تجوز إجارة المشاع لغير الشريك إلا أن يؤجر الشريكان معا وهذا قول أبي حنيفة وزفر لأنه لا يقدر على تسليمه فلم تصح إجارته كالمغصوب وذلك لأنه لا يقدر على تسليمه إلا بتسليم نصيب شريكه ولا ولاية له على مال شريكه واختار أبو حفص العكبري جواز ذلك وقد أومأ إليه أحمد وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد لأنه معلوم يجوز بيعه فجازت إجارته كالمفروز ولأنه عقد في ملكه يجوز مع شريكه فجاز مع غيره كالبيع ولأنه يجوز إذا فعله الشريكان معا فجاز لأحدهما فعله في نصيبه مفردا كالبيع ومن نصر الأول فرق بين محل النزاع وبين ما إذا أجره الشريكان أو أجره لشريكه بأنه يمكن التسليم إلى المستأجر فأشبه إجارة المغصوب من غاصبه دون غيره وإن كانت الدار لواحد فأجر نصفها صح لأنه يمكنه تسليمه ثم إن أجر نصفها الآخر للمستأجر الأول صح فإنه يمكنه تسليمه إليه وإن أجره لغيره ففيه وجهان بناء على المسألة التي قبلها لأنه لا يمكنه تسليم ما أجره إليه وإن أجر الدار لاثنين لكل واحد منهما نصفها فكذلك لأنه لا يمكنه تسليم نصيب كل واحد منهما إليه فصل وفي إجارة المصحف وجهان أحدهما لا تصح إجارته مبنيا على أنه لا يصح بيعه وعلة ذلك إجلال كلام الله وكتابه عن المعاوضة به وابتذاله بالثمن في البيع والأجر في الإجارة والثاني تجوز إجارته وهو مذهب الشافعي لأنه انتفاع مباح تجوز الإعارة من أجله فجازت فيه الإجارة كسائر الكتب فأما سائر الكتب الجائز بيعها فتجوز إجارتها ومقتضى مذهب أبي حنيفة أنها لا تجوز إجارتها لأنه علل منع إجارة المصحف بأنه ليس في ذلك أكثر من النظر إليه ولا تجوز الإجارة لمثل ذلك بدليل أنه لا يجوز أن يستأجر سقفا لينظر إلى عمله وتصاويره أو شمعا ليتجمل به ولنا إنه انتفاع مباح يحتاج إليه وتجوز الإعارة له فجازت إجارته كسائر المنافع وفارق النظر إلى السقف فإنه لا حاجة إليه ولا جرت العادة بالإعارة من أجله وفي مسألتنا يحتاج إلى القراءة في الكتب والتحفظ منها والنسخ والسماع منها والرواية وغير ذلك من الانتفاع المقصود المحتاج إليه فصل ولا تجوز إجارة المسلم للذمي لخدمته نص عليه أحمد في رواية الأثرم فقال إن أجر نفسه من الذمي في خدمته لم يجز وإن كان في عمل شيء جاز وهذا أحد قولي الشافعي وقال في الآخر تجوز لأنه تجوز له إجارة نفسه في غير الخدمة فجاز فيها كإجارته من المسلم

قسم V05/P321–V05/P322

ولنا إنه عقد يتضمن حبس المسلم عند الكافر وإذلاله له واستخدامه أشبه البيع يحققه أن عقد الإجارة للخدمة يتعين فيه حبسه مدة الإجارة واستخدامه والبيع لا يتعين فيه ذلك فإذا منع منه فلأن يمنع من الإجارة أولى فأما إن أجر نفسه منه في عمل معين في الذمة كخياطة ثوب وقصارته جاز بغير خلاف نعلمه لأن عليا رضي الله عنه أجر نفسه من يهودي يسقي له كل دلو بتمرة وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلم ينكره وكذلك الأنصاري ولأنه عقد معاوضة لا يتضمن إذلال المسلم ولا استخدامه أشبه مبايعته وإن أجر نفسه منه لعمل غير الخدمة مدة معلومة جاز أيضا في ظاهر كلام أحمد لقوله في رواية الأثرم وإن كان في عمل شيء جاز ونقل عنه أحمد بن سعيد لا بأس أن يؤجر نفسه من الذمي وهذا مطلق في نوعي الإجارة وذكر بعض أصحابنا أن ظاهر كلام أحمد منع ذلك وأشار إلى ما رواه الأثرم واحتج بأنه عقد يتضمن حبس المسلم أشبه البيع والصحيح ما ذكرنا وكلام أحمد إنما يدل على خلاف ما قاله فإنه خص المنع بالإجارة للخدمة وأجاز إجارته للعمل وهذا إجارة للعمل ويفارق البيع فإن فيه إثبات الملك على المسلم ويفارق إجارته للخدمة لتضمنها الإذلال فصل نقل إبراهيم الحربي عن أحمد أنه سئل عن الرجل يكتري الديك يوقظه لوقت الصلاة لا يجوز وذلك لأن ذلك يقف على فعل الديك ولا يمكن استخراج ذلك منه بضرب ولا غيره وقد يصيح وقد لا يصيح وربما صاح بعد الوقت فصل القسم الرابع القرب التي يختص فاعلها بكونه من أهل القربة يعني أنه يشترط كونه مسلما كالإمامة والأذان والحج وتعليم القرآن نص عليه أحمد وبه قال عطاء والضحاك بن قيس وأبو حنيفة والزهري وكره الزهري وإسحاق تعليم القرآن بأجر وقال عبد الله بن شقيق هذه الرغف التي يأخذها المعلمون من السحت وممن كره أجره التعليم مع الشرط الحسن وابن سيرين وطاوس والشعبي والنخعي وعن أحمد رواية أخرى يجوز ذلك حكاها أبو الخطاب ونقل أبو طالب عن أحمد أنه قال التعليم أحب إلى من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين ومن أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة ومن أن يستدين ويتجر لعله لا يقدر على الوفاء فيلقى الله تعالى بإمانات الناس التعليم أحب إلي وهذا يدل على أن منعه منه في موضع منعه للكراهة لا للتحريم وممن أجاز ذلك مالك والشافعي ورخص في أجور المعلمين أبو قلابة وأبو ثور وابن المنذر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج رجلا بما معه من القرآن متفق عليه وإذا جاز تعليم القرآن عوضا في باب النكاح وقام مقام المهر جاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله حديث صحيح وثبت أن أبا سعيد رقي رجلا بفاتحة الكتاب على جعل فبرأ وأخذ أصحابه الجعل فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه وسألوه فقال لعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق كلوا واضربوا لي معكم بسهم وإذا جاز الأجر لأنه في معناه ولأنه يجوز أخذ الرزق عليه من بيت المال فجاز أخذ الأجر عليه كبناء المساجد والقناطر ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك فإنه يحتاج إلى الاستنابة في الحج عمن وجب عليه الحج وعجز عن فعله ولايكاد يوجد متبرع بذلك فيحتاج إلى بذل الأجر فيه

قسم V05/P322–V05/P323

ووجه الرواية الأولى ما روى عثمان بن أبي العاص قال إن آخر ما عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا قال الترمذي هذا حديث حسن وروى عبادة بن الصامت قال علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إلي رجل منهم قوسا قال قلت قوس وليست بمال قال قلت أتقلدها في سبيل الله فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وقص عليه القصة قال إن سرك أن يقلدك الله قوسا من نار فاقبلها وعن أبي بن كعب أنه علم رجلا سورة من القرآن فأهدى إليه خميصة أو ثوبا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لو أنك لبستها أو أخذتها ألبسك الله مكانها ثوبا من نار وعن أبي قال كنت أختلف إلى رجل مسن قد أصابته علة قد احتبس في بيته اقرئه القرآن فكان عند فراغه مما أقرئه يقول للجارية له هلمي بطعام أخي فيؤتي بطعام لا آكل مثله بالمدينة فحاك في نفسي منه شيء فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إن كان ذلك الطعام طعامه وطعام أهله فكل منه وإن كان يتحفك به فلا تأكله وعن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا نستكثروا به روى هذه الأحاديث كلها الأثرم في سننه ولأن من شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى فلم يجز أخذ الأجر عليها كما لو استأجر قوما يصلون خلفه الجمعة أو التراويح فأما الأخذ على الرقية فإن أحمد اختار جوازه وقال لا بأس وذكر حديث أبي سعد والفرق بينه وبين ما اختلف فيه أن الرقية نوع مداواة والمأخوذ عليها جعل والمداواة يباح أخذ الأجر عليها والجعالة أوسع من الإجارة ولهذا تجوز مع جهالة العمل والمدة وقوله عليه السلام أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله يعني به الجعل أيضا في الرقية لأنه ذكر ذلك أيضا في سياق خبر الرقية وأما جعل التعليم صداقا ففيه اختلاف وليس في الخبر تصريح بأن التعليم صداق إنما قال زوجتكها على ما معك من القرآن فيحتمل أنه زوجه إياها بغير صداق إكراما له كما زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه ونقل عنه جوازه والفرق بين المهر والأجر أن المهر ليس بعوض محض وإنما وجب نحلة ووصلة ولهذا جاز خلو العقد عن تسميته وصح مع فساده بخلاف الأجر في غيره فأما الرزق من بيت المال فيجوز على ما يتعدى نفعه من هذه الأمور لأن بيت المال لمصالح المسلمين فإذا كان بذله لمن يتعدى نفعه إلى المسلمين محتاجا إليه كان من المصالح وكان للآخذ له أخذه لأنه من أهله وجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح بخلاف الأجر

قسم V05/P323–V05/P325

فصل فإن أعطى المعلم شيئا من غير شرط فظاهر كلام أحمد جوازه وقال فيما نقل عنه أيوب بن سافري لا يطلب ولا يشارط فإن أعطى شيئا أخذه وقال في رواية أحمد بن سعيد أكره أجر المعلم إذا شرط وقال إذا كان المعلم لا يشارط ولا يطلب من أحد شيئا إن أتاه شيء قبله كأنه يراه أهون وكره طائفة من أهل العلم لما تقدم من حديث القوس والخميصة اللتين أعطيهما أبي وعبادة من غير شرط ولأن ذلك قربة فلم يجز أخذ العوض عنها لا بشرط ولا بغيره كالصلاة والصيام ووجه الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم ما أتاك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه وتموله فإنه رزق ساقه الله إليك وقد أرخص النبي صلى الله عليه وسلم لأبي في أكل طعام الذي كان يعلمه إذا كان طعامه وطعام أهله ولأنه إذا كان بغير شرط كان هبة مجردة فجاز كما لو لم يعلمه شيئا فأما حديث القوس والخميصة فقضيتان في عين فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنهمافعلا ذلك لله خالصا فكره أخذ العوض عنه من غير الله تعالى ويحتمل غير ذلك وإن أعطى المعلم أجرا على تعليم الصبي الخط وحفظه جاز عليه أحمد فقال إن المعطي ينوي أن يعطيه لحفظ الصبي وتعليمه فأرجو إذا كان كذا ولأن هذا مما يجوز أخذ الأجر عليه مفردا فجاز مع غيره كسائر ما يجوز الاستئجار عليه وهكذا لو كان إمام المسجد قيما له يسرج قناديله ويكنسه ويغلق بابه ويفتحه فأخذ أجرا على خدمته أو كان النائب في الحج يخدم المستنيب له في طريق الحج ويشد له ويرفع حمله ويحج عن أبيه فدفع له أجرا لخدمته لم يمتنع ذلك إن شاء الله تعالى فصل وما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة كتعليم الخط والحساب والشعر المباح وأشباهه وبناء المساجد والقناطر جاز أخذ الأجر عليه لأنه يقع تارة قربة وتارة غير قربة فلم يمنع من الاستئجار لفعله كغرس الأشجار وبناء البيوت وكذلك في تعليم الفقه والحديث وأما ما لا يتعدى نفعه فاعله من العبادات المحضة كالصيام وصلاة الإنسان لنفسه وحجه عن نفسه وأداء زكاة نفسه فلا يجوز أخذ الأجر عليها بغير خلاف لأن الأجر عوض الانتفاع ولم يحصل لغيره ها هنا انتفاع فأشبه إجارة الأعيان التي لا نفع فيها فصل إذا اختلفا في قدر الأجر فقال أجرتنيها سنة بدينار قال بل بدينارين تحالفا ويبدأ بيمين الآجر نص عليه أحمد وهو قول الشافعي لأن الإجارة نوع من البيع فإذا تحالفا قبل مضي شيء من المدة فسخا العقد ورجع كل واحد منهما في ماله وإن رضي أحدهما بما حلف عليه الآخر قر العقد وإن فسخا العقد بعد المدة أو شيء منها سقط المسمى ووجب أجر المثل كما لو اختلفا في المبيع بعد تلفه وهذا قول الشافعي وبه قال أبو حنيفة إن لم يكن عمل العمل وإن كان عمله فالقول قول المستأجر فيما بينه وبين أجر مثله وقال أبو ثور القول قول المستأجر لأنه منكر للزيادة في الأجر والقول قول المنكر ولنا إن الإجارة نوع من البيع فيتحالفان عند اختلافهما في عوضها كالبيع وكما قبل أن يعمل العمل عند أبي حنيفة وقال ابن أبي موسى القول قول المالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع وهذا يحتمل أن يريد إذا اختلفا في المدة وأما إذا اختلفا في العوض فالصحيح أنهما يتحالفان لما ذكرناه فصل وإن اختلفا في المدة فقال أجرتكها سنة بدينار قال بل سنتين بدينارين فالقول قول المالك لأنه منكر للزيادة فكان القول قوله فيما أنكره كما لو قال بعتك هذا العبد بمائة قال بل هذين العبدين وإن قال أجرتكها سنة بدينار قال بل سنتين بدينار فها هنا قد اختلفا في قدر العوض والمدة جميعا فيتحالفان لأنه لم يوجد الاتفاق منهما على مدة بعوض فصار كما لو اختلفا في العوض مع اتفاق المدة

قسم V05/P325–V05/P327

وإن قال المالك أجرتكها سنة بدينار فقال الساكن بل استأجرتني على حفظها بدينار فقال أحمد القول قول رب الدار إلا أن تكون للساكن بينة وذلك لأن سكنى الدار قد وجد من الساكن واستيفاء منفعتها وهي ملك صاحبها والقول قوله في ملكه والأصل عدم استئجار الساكن في الحفظ فكان القول قول من ينفيه فصل وإن اختلفا في التعدي في العين المستأجرة فالقول قول المستأجر لأنه مؤتمن عليها فأشبه المودع ولأن الأصل عدم العدوان والبراءة من الضمان وإن ادعى أن العبد أبق من يده وأن الدابة شردت أو نفقت وأنكر المؤجر فعن أحمد روايتان إحداهما أن القول قول المستأجر لما ذكرنا ولا أجر عليه إذا حلف أنه ما انتفع بها لأن الأصل عدم الانتفاع والثانية القول قول المؤجر لأن الأصل السلامة فأما إن ادعى أن العبد مرض في يده نظرنا فإن جاء به صحيحا فالقول قول المالك سواء وافقه العبد أو خالفه نص عليه أحمد وإن جاء به مريضا فالقول قول المستأجر وهذا قول أبي حنيفة لأنه إذا جاء به صحيحا فقد ادعى ما يخالف الأصل وليس معه دليل عليه وإن جاء به مريضا فقد وجد ما يخالف الأصل يقينا فكان القول قوله في مدة المرض لأنه أعلم بذلك لكونه في يده وكذلك إن ادعى إباقه في حال إباقه أو جاء به غير آبق ونقل إسحاق بن منصور عن أحمد أنه يقبل قوله في إباق العبد دون مرضه وبه قال الثوري وإسحاق قالأبو بكر وبالأول أقول لأنهما سواء في تفويت منفعته فكانا سواء في دعوى ذلك وإن هلكت العين فاختلفا في وقت هلاكها أو أبق العبد أو مرض فاختلفا في وقت ذلك فالقول قول المستأجر لأن الأصل عدم العمل ولأن ذلك حصل في يده وهو أعلم به فصل إذا دفع ثوبه إلى خياط أو قصار ليخيطه أو يقصره من غير عقد ولا شرط ولا تعريض بأجر مثل أن يقول خذ هذا فاعمله وأنا أعلم أنك إنما تعمل بأجر وكان الخياط والقصار منتصبين لذلك ففعلا ذلك فلهما الأجر وقال أصحاب الشافعي لا أجر لهما لأنهما فعلا ذلك من غير عوض جعل لهما فأشبه ما لو تبرعا بعمله ولنا إن العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول كنقد البلد وكما لو دخل حماما أو جلس في سفينة مع ملاح ولأن شاهد الحال يقتضيه فصار كالتعريض فأما إن لم يكونا منتصبين لذلك لم يستحقا أجرا إلا بعقد أو شرط العوض أو تعريض به لأنه لم يجر عرف يقوم مقام العقد فصار كما لو تبرع به أو عمله بغير إذن مالكه ولو دفع ثوبا إلى رجل ليبيعه فالحكم فيه كالحكم في القصار والخياط إن كان منتصب يبيع للناس بأجر فله أجر مثله نص عليه أحمد وإن لم يكن كذلك فلا شيء لما تقدم ومتى دفع ثوبه إلى أحد هؤلاء ولم يقاطعه على أجر فله أجر المثل لأن الثياب تختلف أجرتها ولم يعين فجرى مجرى الإجارة الفاسدة فإن تلف الثوب من حرزه أو بغير فعله فلا ضمان عليه لأن ما لا يضمن في العقد الصحيح لا يضمن في فاسده وإن تلف من فعله بتخريقه أو دقه ضمنه لأنه إذا ضمنه بذلك في العقد الصحيح ففي الفاسد أولى وقال أحمد فيمن دفع ثوبا إلى قصار ليقصره ولم يقطع له أجرا بل قال أنا أعطيك كما تعطى وهلك الثوب فإن كان بخرق أو نحوه مما لا تجنيه يده فلا ضمان عليه بين الكراء أو لم يبين والعلة في ذلك ما ذكرناه فصل إذا استأجر رجلا ليحمل له كتابا إلى مكة أو غيرها إلى صاحب له فحمله فوجد صاحبه غائبا فرده استحق الأجر بحمله في الذهاب والرد لأنه حمله في الذهاب بإذن صاحبه صريحا وفي الرد تضمينا لأن تقدير كلامه وإن لم تجد صاحبه فرده إذ ليس سوى رده إلا تضييعه فقد علم أنه لا يرضى تضييعه فتعين رده والله أعلم كتاب احياء الموات

قسم V05/P327–V05/P328

الموات هو الأرض الخراب الدارسة تسمى ميتة ومواتا وموتانا بفتح الميم والواو والموتان بضم الميم وسكون الواو الموت الذريع ورجل موتان بفتح الميم وسكون الميم يعني أعمى القلب لا يفهم والأصل في إحياء الأرض ما روى جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحيا أرضا ميتة فهي له قال الترمذي هذا حديث صحيح وروى سعيد بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق قال الترمذي هذا حديث حسن وروى مالك في موطئه وأبو داود في سننه عن عائشة مثله قال ابن عبد البر وهو مسند صحيح متلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم وروى أبو عبيد في الأموال عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحيا أرضا ليست لأحد فهو أحق بها قال عروة قضى بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء وإن اختلفوا في شروطه مسألة قال أبو القاسم ( ومن أحيا أرضا لم تملك فهي له ) وجملته أن الموات قسمان أحدهما ما لم يجر عليه ملك لأحد ولم يوجد فيه أثر عمارة فهذا يملك بالإحياء بغير خلاف بين القائلين بالإحياء والأخبار التي رويناها متناوله له القسم الثاني ما جرى عليه ملك مالك وهو ثلاثة أنواع أحدها ماله مالك معين وهو ضربان أحدهما ما ملك بشراء أو عطية فهذا لا يملك بالإحياء بغير خلاف وقال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن ما عرف بملك مالك غير منقطع أنه لا يجوز إحياؤه لأحد غير أربابه الثاني ما ملك بالإحياء ثم ترك حتى دثر وعاد مواتا فهو كالذي قبله سواء وقال مالك يملك هذا لعموم قوله من أحيا أرضا ميتة فهي له ولأن أصل هذه الأرض مباح فإذا تركت حتى تصير مواتا عادت إلى الإباحة كمن أخذ ماء نهر ثم رده فيه ولنا أن هذه الأرض يعرف مالكها فلم تملك بالإحياء كالتي ملكت بشراء أو عطية والخبر مقيد بغير المملوك بقوله في الرواية الأخرى من أحيا أرضا ميتة ليست لأحد وقوله في غير حق مسلم وهذا يوجب تقييد مطلق حديثه وقال هشام بن عروة في تفسير قوله عليه السلام وليس لعرق ضالم حق الظالم أن يأتي الرجل الأرض الميتة لغيره فيغرس فيها ذكره سعيد بن منصور في سننه ثم الحديث مخصوص بما ملك بشراء أو عطية فنقيس عليه محل النزاع ولأن سائر الأموال لا يزول الملك عنها بالترك بدليل سائر الأملاك إذا تركت حتى تشعثت وما ذكروه يبطل بالموات إذا أحياه إنسان ثم باعه فتركه المشتري حتى عاد مواتا وباللقطة إذا ملكها ثم ضاعت منه ويخالف ماء النهر فإنه استهلك النوع الثاني ما يوجد فيه آثار ملك قديم جاهلي كآثار الروم ومساكن ثمود ونحوها فهذا يملك بالإحياء لأن ذلك الملك لا حرمة له وقد روي عن طاوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عادي الأرض لله ولرسوله ثم هو بعد لكم رواه سعيد بن منصور في سننه وأبو عبيد في الأموال وقال عادي الأرض التي كان بها ساكن في آباد الدهر فانقرضوا فلم يبق منهم أنيس وإنما نسبها إلى عاد لأنهم كانوا مع تقدمهم ذوي قوة وبطش وآثار كثيرة فنسب كل أثر قديم إليهم ويحتمل أن كل ما فيه أثر الملك ولم يعلم زواله قبل الإسلام أنه لا يملك لأنه يحتمل أن المسلمين أخذوه عامرا فاستحقوه فصار موقوفا بوقف عمر له فلم يملك كما لو علم مالكه

قسم V05/P328–V05/P329

النوع الثالث ما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم أو ذمي غير معين فظاهر كلام الخرقي أنها لا تملك بالإحياء وهو إحدى الروايتين عن أحمد نقلها عنه أبو داود وأبو الحارث ويوسف بن موسى لما روى كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أحيا أرضا مواتا في غير حق مسلم فهي له فقيده بكونه في غير حق مسلم ولأن هذه الأرض لها مالك فلم يجز إحياؤها كما لو كان معينا فإن مالكها إن كان له ورثة فهي لهم وإن لم يكن له ورثة ورثها المسلمون والرواية الثانية أنها تملك بالإحياء نقلها صالح وغيره وهو مذهب أبي حنيفة ومالك لعموم الأخبار ولأنها أرض موات لا حق فيها لقوم بأعيانهم أشبهت ما لم يجر عليه ملك مالك ولأنها إن كانت في دار الإسلام فهي كلقطة دار الإسلام وإن كانت في دار الكفر فهي كالركاز فصل ولا فرق فيما ذكرنا بين دار الحرب ودار الإسلام لعموم الأخبار ولأن عامر دار الحرب إنما يملك بالقهر والغلبة كسائر أموالهم فأما ما عرف أنه كان مملوكا ولم يعلم له مالك معين فهو على الروايتين فإن قيل فهذا ملك كافر غير محترم فأشبه ديار عاد وقد دل عليه قوله عليه السلام عادي الأرض لله ولرسوله ولأن الركاز من أموالهم ويملكه واجده فهذا أولى قلنا قوله عادي الأرض يعني ما يقدم ملكه ومضت عليه الأزمان وما كان كذلك فلا حكم لمالكه فأما ما قرب ملكه فيحتمل أن له مالكا باقيا إن لم يتعين فلهذا قلنا لا يملك على إحدى الروايتين وأما الركاز فإنه ينقل ويحول وهذا بخلاف الأرض بدليل أن لقطة دار الإسلام تملك بعد التعريف بخلاف الأرض فصل ولا فرق بين المسلم والذمي في الإحياء نص عليه أحمد وبه قال مالك وأبو حنيفة وقال مالك لا يملك الذمي بالإحياء في الإسلام قال القاضي وهو مذهب جماعة من أصحابنا لقول النبي صلى الله عليه وسلم موتان الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني فجمع الموتان وجعله للمسلمين ولأن موتان الدار من حقوقها والدار للمسلمين فكان مواتها لهم كمرافق المملوك ولنا عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم من أحيا أرضا ميتة فهي له ولأن هذه جهة من جهات التمليك فاشترك فيها المسلم والذمي كسائر جهاته وحديثهم لا نعرفه إنما نعرف قوله عادي الأرض لله ولرسوله ثم هو لكم بعد ومن أحيا مواتا من الأرض فله رقبتها هكذا رواه سعيد بن منصور وهو مرسل رواه طاوس عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم لا يمتنع أن يريد بقوله هي لكم أي لأهل دار الإسلام والذمي من أهل الدار تجري عليه أحكامها وقولهم إنها من حقوق الإسلام قلنا وهو من أهل الدار فيمتلكها كما يملكها بالشراء ويملك مباحاتها من الحشيش والحطب والصيود والركاز والمعدن واللقطة وهي من مرافق دار الإسلام

قسم V05/P329–V05/P330

فصل وما قرب من العامر وتعلق بمصالحة من طرقه ومسيل مائه ومطرح قمامته وملقى ترابه وآلاته فلا يجوز إحياؤه بغير خلاف في المذهب وكذلك ما تعلق بمصالح القرية كفنائها ومرعى ماشيتها ومحتطبها وطرقها ومسيل مائها لا يملك بالإحياء ولا نعلم فيه أيضا خلافا بين أهل العلم وكذلك حريم البئر والنهر والعين وكل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحة لقوله عليه السلام من أحيا أرضا ميتة في غير حق مسلم فهي له مفهومه أن ما تعلق به حق مسلم لا يملك بالإحياء ولأنه تابع للمملوك ولو جوزنا إحياءه لبطل الملك في العامر على أهله وذكر القاضي أن هذه المرافق لا يملكها المحيي بالإحياء لكن هو أحق بها من غيره لأن الإحياء الذي هو سبب الملك لم يوجد فيها وقال الشافعي يملك بذلك وهو ظاهر قول الخرقي في حريم البئر لأنه مكان استحقه بالإحياء فملكه كالمحيي ولأن معنى الملك موجود فيه لأنه يدخل مع الدار في البيع ويختص به صاحبها فأما ما قرب من العامر ولم يتعلق بمصالحه ففيه روايتان إحداهما يجوز إحياؤه قال أحمد في رواية أبي الصقر في رجلين أحييا قطعتين من موات وبقيت بينهما رقعة فجاء رجل ليحييها فليس لهما منعه وقال في جبانة بين قريتين من أحياها فهي له وهذا مذهب الشافعي لعموم قوله عليه السلام من أحيا أرضا ميتة فهي له ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني العقيق وهو يعلم أنه بين عمارة المدينة ولأنه موات لم يتعلق به مصلحة العامر فجاز إحياؤه كالبعيد والرواية الثانية لا يجوز إحياؤه وبه قال أبو حنيفة والليث لأنه في مظنة تعلق المصلحة به فإنه يحتمل أن يحتاج إلى فتح باب في حائطه إلى فنائه ويجعله طريقا أو يخرب حائطه فيضع آلات البناء في فنائه وغير ذلك ولم يجز تفويت ذلك عليه بخلاف البعيد إذا ثبت هذا فإنه لا يحد يفصل بين القريب والبعيد سوى العرف وقال الليث حده غلوة وهي خمس الفرسخ وقال أبو حنيفة حد البعيد هو الذي إذا وقف الرجل في أدناه فصاح بأعلى صوته لم يسمع أدنى أهل المصر إليه ولنا أن التحديد لا يعرف إلا بالتوقيف ولا يعرف بالرأي والتحكم ولم يرد من الشرع لذلك تحديد فوجب أن يرجع في ذلك إلى العرف كالقبض والإحراز وقول من حدد هذا تحكم بغير دليل وليس ذلك أولى من تحديده بشيء آخر كميل ونصف ميل ونحو ذلك وهذا التحديد الذي ذكراه والله أعلم مختص بما قرب من المصر أو القرية ولا يجوز أن يكون حدا لكل ما قرب من عامر لأنه يفضي إلى أن من أحيا أرضا في موات حرم إحياء شيء من ذلك الموات على غيره ما لم يخرج عن ذلك الحد

قسم V05/P330–V05/P331

فصل وجميع البلاد فيما ذكرناه سواء المفتوح عنوة كأرض الشام والعراق وما أسلم عليه كالمدينة وما صولح أهله على أن الأرض للمسلمين كأرض خيبر إلا الذي صولح أهله على أن الأرض لهم ولنا الخراج عنها فإن أصحابنا قالوا لو دخل فيها مسلم فأحيا فيها مواتا لم يملكه لأنهم صولحوا في بلادهم فلا يجوز التعرض لشيء منها عامرا كان أو مواتا لأن الموات تابع للبلد فإذا لم يملك عليهم البلد لم يملك مواته ويفارق دار الحرب حيث يملك مواتها لأن دار الحرب على أصل الإباحة وهذه صالحناهم على تركها لهم فحرمت علينا ويحتمل أن يملكها من أحياها لعموم الخبر ولأنها من مباحات دارهم فجاز أن يملكها من وجد منه سبب تملكها كالحشيش والحطب وقد روي عن أحمد أنه ليس في السواد م ات بعنب سواد العراق قالالقاضي هذا محمول على العامر ويحتمل أن أحمد قال ذلك لكون السواد كان معمورا كله في زمن عمر بن الخطاب وحين أخذه المسلمون من الكفار حتى بلغنا أن رجلا منهم سأل أن يعطي خربة فلم يجدوا له خربة فقال إنما أردت أن أعلمكم كيف أخذتموها منا وإذا لم يكن فيها موات حين ملكها المسلمون لم يصر فيها موات بعده لأن ما دثر من أملاك المسلمين لم يصر مواتا على إحدى الروايتين فصل وإن تحجر مواتا وهو أن يشرع في إحيائه مثل أن أدار حول الأرض ترابا وأحجارا أو حاطها بحائط لم يملكها بذلك لأن الملك بالإحياء وليس هذا إحياء لكن يصير أحق الناس به لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به رواه أبو داود فإن نقله إلى غيره صار الثاني بمنزلته لأن صاحبه أقامه مقامه وإن مات فوارثه أحق به لقول النبي صلى الله عليه وسلم من ترك حقا أو مالا فهو لورثته فإن باعه لم يصح بيعه لأنه لم يملكه فلم يملك بيعه كحق الشفعة قبل الأخذ به وكمن سبق إلى معدن أو مباح قبل أخذه قال أبو الخطاب ويحتمل جواز بيعة لأنه له فإن سبق غيره فأحياه ففيه وجهان أحدهما أنه يملكه لأن الإحياء يملك به والحجر لا يملك به فثبت الملك بما يملك به دون ما لم يملك به كمن سبق إلى معدن أو مشرعة ماء فجاء غيره فأزاله وأخذه والثاني لا يملكه لأن مفهوم قوله عليه السلام من أحيا أرضا ميتة ليست لأحد وقوله في حق غير مسلم فهي له أنها لا تكون له إذا كان لمسلم فيها حق وكذلك قوله من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به وروى سعيد في سننه أن عمر رضي الله عنه قال من كانت له أرض يعني من تحجر أرضا فعطلها ثلاث سنين فجاء قوم فعمروها فهم أحق بها وهذا يدل على أن من عمرها قبل ثلاث سنين لا يملكها لأن الثاني أحيا في حق غيره فلم يملكه كما لو أحيا ما يتعلق به مصالح ملك غيره ولأن حق المتحجر أسبق فكان أولى كحق الشفيع يقدم على شراء المشتري فإن طالت المدة عليه فينبغي أن يقول له السلطان إما أن تحييه أو تتركه ليحييه غيرك لأنه ضيق على الناس في حق مشترك بينهم فلم يمكن من ذلك كما لو وقف في طريق ضيق أو مشرعة ماء أو معدن لا ينتفع ولا يدع غيره ينتفع فإن سأل الإمهال لعذر له أمهل الشهر والشهرين ونحو ذلك

قسم V05/P331–V05/P332

فإن أحياه غيره في مدة المهلة ففيه الوجهان اللذان ذكرناهما وإن نقصت المدة ولم يعمر فلغيره أن يعمره ويملكه لأن المدة ضربت له لينقطع حقه بمضيها وسواء أذن له السلطان في عمارتها أو لم يأذن له وإن لم يكن للمتحجر عذر في ترك العمارة قيل له إما أن تعمر وإما أن ترفع يدك فإن لم يعمرها كان لغيره عمارتها فإن لم يقل له شيئا واستمر تعطيلها فقد ذكرنا عن عمر رضي الله عنه أن من تحجر أرضا فعطلها ثلاث سنين فجاء قوم فعمروها فهم أحق بها ومذهب الشافعي في هذا كله نحو ما ذكرنا فصل وللإمام إقطاع الموات لمن يحييه فيكون بمنزلة المتحجر الشارع في الإحياء لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث العقيق أجمع فلما كان عمر قال لبلال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطعك لتحيزه عن الناس إنما أقطعك لتعمر فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي رواه أبو عبيد في الأموال وذكر سعيد في سننه حدثنا عبد العزيز بن محمد عن ربيعة قال سمعت الحارث بن بلال بن الحارث يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث العقيق فلما ولى عمر بن الخطاب قال ما أقطعك لتحتجنه فأقطعه الناس وروى علقمة بن وائل عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطعه أرصا بحضر موت قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقال سعيد حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن عمرو بن شعيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع ناسا من جهينة أو مزينة أءضا فعطلوها فجاء قوم فأحيوها فخاصمهم الذين أقطعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر بن الخطاب فقال عمر لو كانت قطيعة مني أو من أبي بكر لم أردها ولكنها قطيعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا أردها ثم قال عمر رضي الله عنه من كانت له أرض يعني من تحجر أرضا فعطلها ثلاث سنين فجاء قوم فعمروها فهم أحق بها مسألة قال ( إلا أن تكون أرض ملح أو ماء للمسلمين فيه المنفعة فلا يجوز أن ينفرد بها الأنسان ) وجملة ذلك أن المعادن الظاهرة وهي التي يوصل إلى ما فيها من غير مؤنة ينتابها الناس وينتفعون بها كالملح والماء والكبريت والقير والمومياء والنفط والكحل والبرام والياقوت ومقاطع الطين وأشباه ذلك لا تملك بالإحياء ولا يجوز إقطاعها لأحد من الناس ولا احتجازها دون المسلمين لأن فيه ضررا بالمسلمين وتضييقا عليهم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع أبيض بن حمال معدن الملح فلما قيل له إنه بمنزلة الماء العد رده كذا قال أحمد وروى أبو عبيد وأبو داود والترمذي بإسنادهم عن أبيض بن حمال أنه استقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الملح بمأرب فلما ولى قيل يارسول الله صلى الله عليه وسلم أتدري ما أقطعت له إنما أقطعت له الماء العد فرجعه منه قال قلت يا رسول الله ما يحمي من الأراك قال ما لم تنله أخفاف الإبل وهو حديث غريب وروي في لفظ عنه أنه قال لا حمى في الأراك ورواه سعيد فقال حدثني اسماعيل بن عياش عن عمرو بن قيس المأربي عن أبيه عن أبيض بن حمال المأربي قال استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم معدن الملح بمأرب فأقطعنيه فقيل يارسول الله إنه بمنزلة الماء العد يعني أنه لا ينقطع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا إذن ولأن هذا تتعلق به مصالح المسلمين العامة فلم يجز إحياؤه ولا إقطاعه كمشارع الماء وطرقات المسلمين وقال ابن عقيل هذا من مواد الله الكريم وفيض جوده الذي لا غناء عنه فلو ملكه أحد بالاحتجاز ملك منعه فضاق على الناس فإن أخذ العوض عنه أغلاه فخرج عن الموضع الذي وضعه الله من تعميم ذوي الحوائج من غير كلفة وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه مخالفا

قسم V05/P332–V05/P333

فصل فأما المعادن الباطنة وهي التي لا يوصل إليها إلا بالعمل والمؤنة كمعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والبللور والفيروزج فإذا كانت ظاهرة لم تملك أيضا بالإحياء لما ذكرنا في التي قبلها وإن لم تكن ظاهرة فحفرها إنسان وأظهرها لم تملك بذلك في ظاهر المذهب وظاهر مذهب الشافعي ويحتمل أن يملكها بذلك وهو قول للشافعي لأنه موات لا ينتفع به إلا بالعمل والمؤنة فملك بالإحياء كالأرض ولأنه بإظهارة تهيأ للانتفاع به من غير حاجة إلى تكرار ذلك العمل فأشبه الأرض إذا جاءها بماء أو حاطها ووجه الأول أن الإحياء الذي يملك به هو العمارة التي تهيأ بها المحيي للانتفاع من غير تكرار عمل وهذا حفر وتخريبه يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع فإن قيل فلو احتفر بئرا ملكها وملك حريمها قلنا البئر تهيأت للانتفاع بها من غير تجديد حفر ولا عمارة وهذه المعادن تحتاج عند كل انتفاع إلى عمل وعمارة فافترقا قال أصحابنا وليس للإمام إقطاعها لأنها لا تملك بالإحياء والصحيح جواز ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع لبلال بن الحارث معادن القبلية جلسيها وغوريها فصل ومن أحيا أرضا فملكها بذلك فظهر فيها معدن ملكه ظاهرا كان أو باطنا إذا كان من المعادن الجامدة لأنه ملك الأرض بجميع أجزائها وطبقاتها وهذا منها ويفارق الكنز فإنه مودع فيها وليس من أجزائها ويفارق ما إذا كان ظاهرا قبل إحيائها لأنه قطع عن المسلمين نفعا كان واصلا إليهم ومنعهم انتفاعا كان لهم وها هنا لم يقطع عنهم شيئا لأنه ظهر بإظهاره له ولو تحجر الأرض أو أقطعها فظهر فيها المعدن قبل إحيائها لكان له إحياؤها ويملكها بما فيها لأنه صار أحق به بتحجره وإقطاعه فلم يمنع من إتمام حقه وأما المعادن الجارية كالقار والنفط والماء فهل يملكها من ظهرت في ملكه فيه روايتان أظهرهما لا يملكها لقول النبي صلى الله عليه وسلم الناس شركاء في ثلاث في الماء والكلأ والنار رواه الخلال ولأنها ليست من أجزاء الأرض فلم يملكها بملك الأرض كالكنز والثانية يملكها لأنها خارجة من أرضه المملوكة له فأشبهت الزرع والمعادن الجامدة فصل ولو شرع إنسان في حفر معدن ولم يصل إلى النيل صار أحق به كالمتحجر الشارع في الإحياء فإذا وصل إلى النيل صار أحق بالأخذ منه ما دام مقيما على الأخذ منه وهل يملكه بذلك فيه ما قد ذكرنا من قبل وإن حفر آخر من ناحية أخرى لم يكن له منعه وإذا وصل إلى ذلك العرق لم يكن له منعه سواء قلنا إن المعدن يملك بحفره أو لم نقل لأنه إن ملكه فإنما يملك المكان الذي حفره وأما العرق الذي في الأرض فلا يملكه بذلك ومن وصل إليه من جهة أخرى فله أخذه ولو ظهر في ملكه معدن بحيث يخرج النيل عن أرضه فحفر إنسان من خارج أرضه كان له أن يأخذ ما خرج عن أرضه منه لأنه لم يملكه إنما ملك ما هو من أجزاء أرضه وليس لأحد أن يأخذ ما كان داخلا في أرضه من أجزاء الأرض الباطنة كما لا يملك أخذ أجزائها الظاهرة ولو حفر كافر في دار الحرب معدنا فوصل إلى النيل ثم فتحها المسلمون عنوة لم تصر غنيمة وكان وجود عمله وعدمه واحدا لأن عامره لم يملكه بذلك ولو ملكه فإن الأرض كلها تصير وقفا للمسلمين وهذا ينصرف إلى مصلحة من مصالحهم فتعين لها كما لو ظهر بفعل الله تعالى فصل ولو كان في الموات موضع يمكن أن يحدث فيه معدنا ظاهرا كموضع على شاطىء البحر إذا صار فيه ماء البحر صار ملحا بالإحياء وجاز للإمام إقطاعه لأنه لا يضيق على المسلمين بإحداثه بل يحدث نفعه بفعله فلم يمنع كبقية الموات وإحياء هذا بتهيئته لما يصلح له من حفر ترابه وتمهيده وفتح قناة إليه تصب الماء فيه لأنه يتهيأ بهذا الانتفاع به

قسم V05/P333–V05/P334

فصل ومن ملك معدنا فعمل فيه غيره بغير إذنه فما حصل منه فهو لمالكه ولا أجر للغاصب على عمله لأنه عمل في ملك غيره بغير إذنه أشبه ما لو حصد زرع غيره وإن قال مالكه اعمل فيه ولك ما يخرج منه فله ذلك ولا شيء لصاحب المعدن فيه لأنه إباحة من مالكه فملك ما أخذه كما لو أباحه الأخذ من داره أو بستانه وإن قال اعمل فيه على أن ما رزق الله من نيل كان بيننا نصفين فعمل ففيه وجهان أحدهما يجوز وما يأخذه يكون بينهما كما لو قال له احصد هذا الزرع بنصفه أو ثلثه ولأنها عين تنمى بالعمل عليها فصح العمل فيها ببعضه كالمضاربة في الأثمان والثاني لا يصح لأن ما يحصل منه مجهول ولأنه لا يصح أن يكون إجارة لأن العوض مجهول والعمل مجهول ولا جعالة لأن العوض مجهول ولا مضاربة لأن المضاربة إنما تصح بالأثمان على أن يرد رأس المال وتكون له حصة من الربح وليس ذلك ها هنا وفارق حصاد الزرع بنصفه أو جزء منه لأن الزرع معلوم بالمشاهدة وما علم جميعه علم جزؤه بخلاف هذا وإن قال اعمل فيه كذا ولك ما يحصل منه بشرط أن تعطيني ألفا أو شيئا معلوما لم يصح لأنه بيع لمجهول ولا يصح أن يكون معاملة كالمضاربة لما ذكرنا ولأن المضاربة تكون بجزء من النماء لا دراهم معلومة قال أحمد إذا أخذ معدنا من قوم على أن يعمره ويعمل فيه ويعطيهم ألفي منا وألف منا صفرا فذلك الكروه ولم يرخص فيه والله الموفق فصل إذا استأجر رجلا ليحفر له عشرة أذرع في دور كذا بدينار صح لأنها إجارة معلومة وإن ظهر عرق ذهب فقال استأجرتك لتخرجه بدينار لم يصح لأن العمل مجهول وإن قال إن استخرجته فلك دينار صح ويكون جعالة لأن الجعالة تصح على عمل مجهول إذا كان العوض معلوما فصل ومن سبق في الموات إلى معدن ظاهر أو باطن فهو أحق بما ينال منه لقول النبي صلى الله عليه وسلم من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له فإن أخذ قدر حاجته وأراد الإقامة فيه بحيث يمنع غيره منه لأنه يضيق على الناس ما لا نفع فيه فأشبه ما لو وقف في مشرعة الماء لغير حاجة وإن أطال المقام والأخذ احتمل أن يمنع لأنه يصير كالتملك له واحتمل أن لا يمنع لإطلاق الحديث وإن استبق إليه اثنان وضاق المكان عنهما أقرع بينهما لأنه لا مزية لأحدهما على صاحبه ويحتمل أن يقسم بينهما لأنه يمكن قسمته وقد تساويا فيه فيقسم بينهما كما لو تداعيا عينا في أيديهما ولا بينة لأحدهما بها ويحتمل أن يقدم الإمام من يرى منهما لأنه له نظرا وذكر القاضي وجها رابعا وهو أن الإمام ينصب من يأخذ لهما ويقسم بينهما وهذا التفصيل مذهب الشافعي فصل وما نضب عنه الماء من الجزائر لم يملك بالإحياء قال أحمد في رواية العباس بن موسى إذا نضب الماء عن جزيرة إلى فناء رجل لم يبن فيها لأن فيه ضررا وهو أن الماء يرجع يعني أنه يرجع إلى ذلك المكان فإذا وجده مبنيا رجع إلى الجانب الآخر فأضر بأهله ولأن الجزائر منبت الكلأ والحطب فجرت مجرى المعادن الظاهرة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا حمى في الأرك وقال أحمد في رواية حرب يروى عن عمر أنه أباح الجزائر يعني أباح ما ينبت في الجزائر من النبات وقال إذا نضب الفرات عن شيء ثم نبت عن نبات فجاء رجل يمنع الناس منه فليس له ذلك فأما إن غلب الماء على ملك إنسان ثم عاد فنضب عنه فله أخذه فلا يزول ملكه بغلبة الماء عليه وإن كان ما نضب عنه الماء لا ينتفع به أحد فعمره رجل عمارة لا ترد الماء مثل أن يجعله مزرعة فهو أحق به من غيره لأنه متحجر لما ليس لمسلم فيه حق فأشبه التحجر في الموات

قسم V05/P334–V05/P335

فصل وما كان من الشوارع والطرقات والرحاب بين العمران فليس لأحد إحياؤه سواء كان واسعا أو ضيقا وسواء ضيق على الناس أو لم يضيق لأن ذلك يشترك فيه المسلمون وتتعلق به مصلحتهم فأشبه مساجدهم ويجوز الارتفاق بالقعود في الواسع من ذلك للبيع والشراء على وجه لا يضيق على أحد ولا يضر بالمارة لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على إقرار الناس على ذلك من غير إنكار ولأنه ارتفاق مباح من غير إضرار فلم يمنع منه كالاجتياز قال أحمد في السابق إلى دكاكين السوق غدوة فهو له إلى الليل وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم منى مناخ من سبق وله أن يظلل على نفسه بما لا ضرر فيه من باريه وتابوت وكساء ونحوه لأن الحاجة تدعو إليه من غير مضرة فيه وليس له البناء لا دكة ولا غيرها لأنه يضيق على الناس ويعثر به المارة بالليل والضرير في الليل والنهار ويبقى على الدوام فربما ادعى ملكه بسبب ذلك والسابق أحق به مادام فيه فإن قام وترك متاعه فيه لم يجز لغيره إزالته لأن يد الأول عليه وإن نقل متاعه كان لغيره أن يقعد فيه لأن يده قد زالت وإن قعد وأطال منع من ذلك لأنه يصير كالمتملك ويختص بنفع يساويه غيره في استحقاقه ويحتمل أن لا يزال لأنه سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم وإن استبق اثنان إليه احتمل أن يقرع بينهما واحتمل أن يقدم الإمام من يرى منهما وإن كان الجالس يضيق على المارة لم يحل له الجلوس فيه ولا يحل للإمام تمكينه بعوض ولا غيره قال أحمد ما كان ينبغي لنا أن نشتري من هؤلاء الذين يبيعون على الطريق قال القاضي هذا محمول على أن الطريق ضيق أو يكون يؤذي المارة لما تقدم ذكرنا له وقال لا يعجبني الطحن في العروب إذا كانت في طريق الناس وهي السفن التي يطحن فيها في الماء الجاري إنما كره ذلك لتضييقها طريق السفن المارة في الماء قال أحمد ربما غرقت السفن فأرى للرجل أن يتوقى الشراء مما يطحن بها فصل في القطائع وهي ضربان أحدهما إقطاع إرفاق وذلك إقطاع مقاعد السوق والطرق الواسعة ورحاب المساجد التي ذكرنا أن للسابق إليها الجلوس فللإمام إقطاعها لمن يجلس فيها لأن له في ذلك اجتهادا من حيث إنه لا يجوز الجلوس إلا فيما لا يضر بالمارة فكان للإمام أن يجلس فيها من لا يرى أنه يتضرر بجلوسه ولا يملكها المقطع بذلك بل يكون أحق بالجلوس فيها من غيره بمنزلة السابق إليها من غير إقطاع سواء إلا في شيء واحد وهو أن السابق إذا نقل متاعه عنها فلغيره الجلوس فيها لأن استحقاقه لها بسبقه إليها ومقامه فيها فإذا انتقل عنها زال استحقاقه لزوال المعنى الذي استحق به وهذا استحق بإقطاع الإمام فلا يزول حقه بنقل متاعه ولا يضره الجلوس فيه وحكمه في التظليل على نفسه بما ليس بناء ومنعه من البناء ومنعه إذا طال مقامه حكم السابق على ما أسلفناه

قسم V05/P335–V05/P337

الثاني إقطاع موات من الأرض لمن يحييها فيجوز ذلك لما روى وائل بن حجر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا فأرسل معاوية أن أعطه إياه أو أعلمه إياه حديث صحيح وأقطع بلال بن الحارث المزني وأبيض بن حمال المأربي وأقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه حتى قام ورمى بسوطه فقال اعطوه من حيث وقع السوط رواه سعيد وأبو داود وذكر البخاري عن أنس قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليقطع لهم بالبحرين فقالوا يا رسول الله إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها وروي أن أبا بكر أقطع طلحة بن عبيد الله أرضا وأن عثمان أقطع خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الزبير وسعدا وابن مسعود وأسامة بن زيد وخباب بن الأرت ويروى عن نافع أبي عبد الله أنه قال لعمر إن قبلنا أرضا بالبصرة ليست من أرض الخراج ولا تضر بأحد من المسلمين فإن رأيت أن تقطعنيها أتخذ فيها قصيلا لخيلي فافعل قال فكتب عمر إلى أبي موسى إن كانت كما يقول فأقطعها إياه روى هذه الآثار كلها أبو عبيد في الأموال وروى سعيد عن سفيان عن أبي نجيح عن عمرو بن شعيب أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع ناسا من جهينة أو مزينة أرضا إذا ثبت هذا فإن من أقطعه الإمام شيئا من الموات لم يملكه بذلك لكن يصير أحق به كالمتحجر الشارع في الإحياء بدليل ما ذكرنا من حديث بلال بن الحارث حيث استرجع عمر منه ما عجز عن إحيائه من العقيق الذي أقطعه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو ملكه لم يجز استرجاعه ورد عمر أيضا قطيعة أبي بكر لعيينة بن حصن فسأل عيينة أبا بكر أن يجدد له كتابا فقال والله لا أجدد شيئا رده عمر رواه أبو عبيد لكن المقطع يصير أحق به من سائر الناس وأولى بإحيائه فإن أحياه وإلا قال له السلطان إن أحييته وإلا فارفع يدك عنه كما قال عمر لبلال بن الحارث المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطعك لتحجبه دون الناس وإنما أقطعك لتعمر فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي وإن طلب المهلة لعذر أمهل بقدر ذلك وإن طلبها لغير عذر لم يمهل على ما ذكرنا في المتحجر وإن سبق غيره فأحياه قبل أن يقال له شيء أو في مدة المهلة فهل يملكه على وجهين وقد روي عن عمرو بن شعيب أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع ناسا من جهينة أو مزينة أرضا فعطلوها فجاء قوم فأحيوها فخاصمهم الذين أقطعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر رضي الله عنه فقال عمر لو كانت قطيعة مني أو من أبي بكر لم أردها ولكنها قطيعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا أردها فدل هذا على أنها إذا كانت قطيعة من غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي لمن أحياهاه والثاني لا يملكه لأنه تعلق به حق المقطع ومفهوم قوله عليه السلام من أحيا أرضا ميتة في غير حق مسلم فهي له أنه إذا تعلق بها حق مسلم لم يجز إحياؤها وقد ذكرنا الوجهين في المتحجر وهذا مثله ومذهب الشافعي في هذا الفصل كنحو ما ذكرنا فصل وليس للإمام إقطاع ما لا يجوز إحياؤه من المعادن الظاهرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استقطعه أبيض بن حمال الملح الذي بمأرب فقيل يا رسول الله إنما أقطعته الماء العد فأرجعه منه ولأن في ذلك تضييقا على المسلمين وفي إقطاع المعادن الباطنة وجهان ذكرناهما فيما مضى فصل ولا ينبغي أن يقطع الإمام أحدا من الموات إلا ما يمكنه إحياؤه لأن في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقا على الناس في حق مشترك بينهم بما لا فائدة فيه فإن فعل ثم تبين عجزه عن إحيائه استرجعه منه كما استرجع عمر من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته العقيق الذي أقطعه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم

قسم V05/P337–V05/P338

فصل في الحمى ومعناه أن يحمي أرضا من الموات يمنع الناس رعي ما فيها من الكلأ ليختص بها دونهم وكانت العرب في الجاهلية تعرف ذلك فكان منهم من إذا انتجع بلدا أوفى بكلب على نشز ثم استعواه ووقف له من كل ناحية من يسمع صوته بالعواء فحيثما انتهى صوته حماه من كل ناحية لنفسه ويرعى مع العامة فيما سواه فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه لما فيه من التضييق على الناس ومنعهم من الانتفاع بشيء لهم فيه حق وروى الصعب بن جثامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا حمى إلا لله ولرسوله رواه أبو داود وقال الناس شركاء في ثلاث الماء والنار والكلأ رواه الخلال وليس لأحد من الناس سوء الأئمة أن يحمي لما ذكرنا من الخبر والمعنى فأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان له أن يحمي لنفسه وللمسلمين لقوله في الخبر لا حمى إلا لله ولرسوله لكنه لم يحم لنفسه شيئا وإنما حمى للمسلمين فقد روى ابن عمر قال حمى النبي صلى الله عليه وسلم النقيع لخيل المسلمين رواه أبو عبيد والنقيع بالنون موضع ينتقع فيه الماء فيكثر فيه الخصب لمكان ما يصير فيه من الماء وأما سائر أئمة المسلمين فليس لهم أن يحموا لأنفسهم شيئا ولكن لهم أن يحموا مواضع لترعى فيها خيل المجاهدين ونعم الجزية وإبل الصدقة وضوال الناس التي يقوم الإمام بحفظها وماشية الضعيف من الناس على وجه لا يستضر به من سواه من الناس وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في صحيح قوليه وقال في الآخر ليس لغير النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمي لقوله لا حمى إلا لله ولرسوله ولنا أن عمر وعثمان حميا واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر عليهما فكان إجماعا وروى أبو عبيد بإسناده عن عامر بن عبد الله بن الزبير أحسبه عن أبيه قال أتى أعرابي عمر فقال يا أمير المؤمنين بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام علام تحميها فأطرق عمر وجعل ينفخ ويفتل شاربه وكان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ فلما رأى الأعرابي ما به جعل يردد ذلك فقال عمر المال مال الله والعباد عباد الله والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت شبرا من الأرض في شبر وقال مالك بلغني أنه كان يحمل في كل عام على أربعين ألفا من الظهر وعن أسلم قال سمعت عمر يقول لهني حين استعمله على حمى الربذة يا هني اضمم جناحك عن الناس واتق دعوة المظلوم فإنها مجابة وأدخل رب الصريمة والغنيمة ودعني من نعم ابن عوف ونعم ابن عفان فإنهما إن هلكت ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع وإن هذا المسكين إن هلكت ماشيته جاء يصرخ يا أمير المؤمنين فالكلأ أهون علي أم غرم الذهب والورق إنها أرضهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام وإنهم ليرون أنا نظلمهم ولولا النعم التي يحمل عليها في سبيل الله ما حميت على الناس من بلادهم شيئا أبدا وهذا إجماع منهم ولأن ما كان لمصالح المسلمين قامت الأئمة فيه مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أطعم الله لنبي طعمة إلا جعلها طعمة لمن بعده وأما الخبر فمخصوص وأما حماه لنفسه فيفارق حمى النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه لأن صلاحه يعود إلى صلاح المسلمين وماله كان يرده في المسلمين ففارق الأئمة في ذلك وساووه فيما كان صلاح المسلمين وليس لهم أن يحموا إلا قدرا لا يضيق به على المسلمين ويضربهم لأنه إنما جاز لما فيه من المصلحة لما يحمى وليس من المصلحة إدخال الضرر على أكثر الناس فصل وما حماه النبي صلى الله عليه وسلم فليس لأحد نقضه ولا تغييره مع بقاء الحاجة إليه ومن أحيا منه شيئا لم يملكه وإن زالت الحاجة ففيه وجهان

قسم V05/P338–V05/P339

وما حماه غيره من الأئمة فغيره هو أو غيره من الأئمة جاز وإن أحياه إنسان ملكه في أحد الوجهين لأن حمى الأئمة اجتهاد وملك الأرض بالإحياء نص والنص يقدم على الاجتهاد ( والوجه الآخر ) لا يملكه لأن اجتهاد الإمام لا يجوز نقضه كما لا يجوز نقض حكمه ومذهب الشافعي في هذا على نحو ما قلنا والله أعلم فصل في أحكام المياه قد ذكرنا في البيع حكم ملكها وبيعها ونذكر ها هنا حكم السقي بها فنقول لا يخلو الماء من حالين إما أن يكون جاريا أو واقفا فإن كان جاريا فهو ضربان أحدهما أن يكون في نهر غير مملوك وهو قسمان أحدهما أن يكون نهرا عظيما كالنيل والفرات ودجلة وما أشبهها من الأنهار العظيمة التي لا يستضر أحد بسقيه منها فهذا لا تزاحم فيه ولكل أحد أن يسقي منها ما شاء متى شاء وكيف شاء القسم الثاني أن يكون نهرا صغيرا يزدحم الناس فيه ويتشاحون في مائة أو سيل يتشاح فيه أهل الأرض الشاربة منه فإنه يبدأ بمن في أول النهر فيسقي ويحبس الماء حتى يبلغ إلى الكعب ثم يرسل إلى الذي يليه فيصنع كذلك وعلى هذا إلى أن تنتهي الأراضي كلها فإن لم يفضل عن الأول شيء أو عن الثاني أو عمن يليهم فلا شيء للباقين لأنه ليس لهم إلا ما فضل فهم كالعصبة في الميراث وهذا قول فقهاء المدينة ومالك والشافعي ولا نعلم فيه مخالفا والأصل في هذا ما روى عبد الله بن الزبير أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم اسق يا زبير ثم ارسل الماء إلى جارك فغضب الأنصاري وقال يا رسول الله إن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله ثم قال يازبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر قال الزبير فوالله إني لأحسب هذه الآية نزلت فيه فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم النساء 65 متفق عليه ورواه مالك في موطئه عن الزهري عن عروة عن عبد الله بن الزبير وذكر عنه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال نظرنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم ثم احبس الماء حتى يبلغ إلى الجدر فكان ذلك إلى الكعبين قال أبو عبيد الشراج جمع شرج والشرج نهر صغير والحرة أرض ملتبسة بحجارة سود والجدر الجدار وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الزبير أن يسقي ثم يرسل الماء تسهيلا على غيره فلما قال الأنصاري ما قال استوعى النبي صلى الله عليه وسلم الزبير حقه وروى مالك في الموطأ أيضا عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سيل مهزور ومذينيب يمسك حتى الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل قال ابن عبد البر هذا حديث مدني مشهور عند أهل المدينة معمول به عندهم

الأسئلة

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) · 72 · Qur'an & Sunnah