İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
قال عبد الملك بن حبيب مهزور ومذينيب واديان من أودية المدينة يسيلان بالمطر وتتنافس أهل الحوائط في سيلهما وروى أبو داود بإسناده عن ثعلبه بن أبي مالك أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلا من قريش كان له سهم في بني قريظة فخاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في والسيل الذي يقتسمون ماءه فقضى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الماء إلى الكعبين لا يحبس الأعلى على الأسفل ولأن من أرضه قريبة من فوهة النهر أسبق إلى الماء فكان أولى به كمن سبق إلى المشرعة فإن كانت أرض صاحب الأعلى مختلفة منها مستعلية ومنها مستغلة سقى كل واحدة منهما على حدتها وإن استوى اثنان في القرب من أول النهر اقتسما الماء بينهما إن أمكن وإن لم يمكن أقرع بينهما فقدم من تقع له القرعة فإن كان الماء لا يفضل عن أحدهما سقى من تقع له القرعة بقدر حقه من الماء ثم تركه للآخر وليس له أن يسقي بجميع الماء لأن الآخر يساويه في استحقاق الماء وإنما القرعة للتقديم في استيفاء الحق لا في أصل الحق بخلاف الأعلى مع الأسفل فإنه ليس للأسفل حق إلا فيما فضل عن الأعلى فإن كانت أرض أحدهما أكثر من أرض الآخر قسم الماء بينهما على قدر الأرض لأن الزائد من أرض أحدهما مساو في القرب فاستحق جزءا من الماء كما لو كان لشخص ثالث وإن كان لجماعة رسم شرب من نهى غير مملوك أو سيل وجاء إنسان ليحيي مواتا أقرب إلى رأس النهر من أرضهم لم يكن له أن يسقي قبلهم لأنهم أسبق إلى النهر منه ولأن من ملك أرضا ملكها بحقوقها ومرافقها ولا يملك غيره إبطال حقوقها وهذا من حقوقها وهل لهم منعه من إحياء ذلك الموات فيه وجهان أحدهما ليس لهم منعه لأن حقهم في النهر لا في الموات والثاني لهم منعه لئلا يصير ذلك ذريعة إلى منعهم حقهم من السقي لتقديمه عليهم بالقرب إذا طال الزمان وجهل الحال فإذا قلنا ليس لهم منعه فسبق إنسان إلى مسيل ماء أو نهر غير مملوك فأحيا في أسفله مواتا ثم أحيا آخر فوقه ثم أحيا ثالث فوق الثاني كان للأسفل السقي أولا ثم الثاني ثم الثالث ويقدم السبق إلى الإحياء على السبق إلى أول النهر لما ذكرنا فصل الضرب الثاني الماء الجاري في نهر مملوك وهو أيضا قسمان أحدهما أن يكون الماء مباح الأصل مثل أن يحفر إنسان نهرا صغيرا يتصل بنهر كبير مباح فما لم يتصل الحفر لا يملكه وإنما هو تحجر وشروع في الإحياء فإذا اتصل الحفر كمل الإحياء وملكه لأن الملك بالإحياء أن تنتهي العمارة إلى قصدها بحيث يتكرر الانتفاع بها على صورتها وهذا كذلك وسواء أجرى فيه الماء أو لم يجر لأن الإحياء يحصل بأن يهيئه للانتفاع به دون حصول المنفعة فيصير مالكا لقرار النهر وحافتيه وهواؤه حق له وكذلك حريمه وهو ملقى الطين من كل جانب وعند القاضي أن ذلك غير مملوك لصاحب النهر وإنما هو حق من حقوق الملك وكذلك حريم البئر وهذا مذهب الشافعي وظاهر قول الخرقي أنه مملوك لصاحبه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحيا أرضا لم تملك فيه له وإحياؤها أن يحوط عليها حائطا أو يحفر فيهابئرا فيكون له خمس وعشرون ذراعا حواليها وحريم النهر يجب أن يكون كذلك
فإذا تقرر هذا فكان النهر لجماعة فهو بينهم على حسب العمل والنفقة لأنه إنما ملك بالعمارة والعمارة بالنفقة فإن كفى جميعهم فلا كلام وإن لم يكفهم وتراضوا على قسمته بالمهايأة أو غيرها جاز لأنه حقهم لا يخرج عنهم وإن تشاحوا في قسمته قسمه الحاكم بينهم على قدر أملاكهم لأن كل واحد منهم يملك من النهر بقدر ذلك فتؤخذ خشبة صلبه أو حجر واحد مستوي الطرفين والوسط فيوضع على موضع مستو من الأرض في مقدم الماء فيه حزوز أو ثقوب متساوية في السعة على قدر حقوقهم يخرج من كل جزء أو ثقب إلى ساقية مفردة لكل واحد منهم فإذا حصل الماء في ساقيته انفرد به فإن كانت أملاكهم مختلفة قسم على قدر ذلك فإذا كان لأحدهم نصفه وللآخر ثلثه وللآخر سدسه جعل فيه ستة ثقوب لصاحب النصف ثلاثة نصب في ساقيته ولصاحب الثلث اثنان ولصاحب السدس واحد وإن كان لواحد الخمسان والباقي لاثنين يتساويان فيه جعل عشرة ثقوب لصاحب الخمسين أربعة نصب في ساقيته ولكل واحد من الآخرين ثلاثة نصب في ساقية له فإن كان النهر لعشرة لخمسة منهم أراض قريبة من أول النهر ولخمسة أراض بعيدة جعل لأصحاب القريبة ثقوب لكل واحد ثقب وجعل للباقين خمسة تجري في النهر حتى تصل إلى أرضهم ثم تقسم بينهم قسمة أخرى وإن أراد أحدهم أن يجري ماءه في ساقية غيره ليقاسمه في موضع آخر لم يجز إلا برضاه لأنه يتصرف في ساقيته ويخرب حافتها بغير إذنه ويخلط حقه بحق غيره على وجه لا يتميز فلم يجز ذلك ويجيء على قولنا إن الماء لا يملك أن حكم الماء في هذا النهر حكمه في نهر غير مملوك وأن الأسبق أحق بالسقي منه ثم الذي يليه على ما ذكرنا لأنه غير مملوك فكان الأسبق إليه أحق به كمالو كان في نهر غير مملوك ومذهب الشافعي في هذا الفصل كله على نحو ما ذكرنا والله أعلم فصل وإذا حصل نصيب إنسان في ساقية فله أن يسقي به ما شاء من الأرض سواء كان لها رسم شرب من هذا النهر أو لم يكن وله أن يعطيه من يسقي به وقال القاضي وأصحاب الشافعي ليس له سقي أرض ليس لها رسم شرب في هذا الماء لأن ذلك دال على أن لها قسمان من هذا الماء فربما جعل سقيها منه دليلا على استحقاقها لذلك فيستضر الشركاء ويصير هذا كما لو كان له دار بابها في درب لا ينفذ ودار بابها في درب آخر ظهرها ملاصق لظهر داره الأولى فأراد تنفيذ إحداهما إلى الأخرى لم يجز لأنه يجعل لنفسه استطراقا من كل واحدة من الدارين ولنا أن هذا ماء انفرد باستحقاقه فكان له أن يسقي منه ما شاء كما لو انفرد به من أصله ولا نسلم ما ذكروه في الدارين وإن سلمنا فالفرق بينهما أن كل دار يخرج منها درب آخر مشترك لأن الظاهر أن لكل دار سكانا فيجعل لسكان كل واحدة منهما استطراقا إلى درب غير نافذ لم يكن لهم حق في استطراقه وها هنا إنما يسقي من ساقيته المفردة التي لا يشاركه غيره فيها فلو صار لتلك الأرض رسم من الشرب من ساقيته لم يتضرر بذلك أحد ولو كان يسقي من هذا النهر بدولاب فأحب أن يسقي بذلك الماء أرضا لا رسم لها في الشرب من ذلك النهر فالحكم في ذلك على ما ذكرنا من الخلاف في التي قبلها وإن كان الدولاب يغرف من نهر غير مملوك جاز أن يسقي بنصيبه من الماء أرضا لا رسم لها في الشرب منه بغير خلاف نعلمه فإن ضاق الماء قدم الأسبق فالأسبق على ما مضى فصل ولكل واحد منهم أن يتصرف في ساقيته المختصة به بما أحب من إجراء غير هذا الماء فيها أو عمل رحى عليها أو دولاب أو عبارة وهي خشبة تمد على طرفي النهر أو قنطرة يعبر الماء فيها وغير ذلك من التصرفات لأنها ملكه لا حق لغيره فيها
فأما النهر المشترك فليس لواحد منهم أن يتصرف فيه بشيء من ذلك لأنه يتصرف في النهر المشترك وفي حريمه بغير إذن شركائه وقال القاضي في العبارة هذا ينبني على الروايتين فيمن أراد أن يجري ماءه في أرض غيره والصحيح أنه لا يجوز ها هنا ولا يصح قياس هذا على إجراء الماء في أرض غيره لأن إجراء الماء في أرض ينفع صاحبها لأنه يسقي عروق شجره ويشربه أولا وآخرا وهذا لا ينفع النهر بل ربما أفسد حافته ولم يسق له شيئا ولو أراد أحد الشركاء أن يأخذ من النهر قبل قسمه شيئا يسقي به أرضا في أول النهر أو غيره أو أراد إنسان غيرهم ذلك لم يجز لأنهم صاروا أحق بالماء الجاري في نهرهم من غيرهم ولأن الأخذ من الماء ربما احتاج إلى تصرف في حافة النهر المملوك لغيره أو المشترك بينه وبين غيره ولو فاض ماء هذا النهر إلى ملك إنسان فهو مباح كالطائر يعشش في ملك إنسان وهذا كله مذهب الشافعي فيه نحو مما ذكرنا فصل وإن قسموا ماء النهر المشترك بالمهايأة إذا تراضوا به وكان حق كل واحد منهم معلوما مثل أن يجعلوا لكل حصه يوما وليلة أو أكثر من ذلك أو أقل وإن قسموا النهار فجعلوا لواحد من طلوع الشمس إلى وقت الزوال وللآخر من الزوال إلى الغروب ونحو ذلك جاز وإن قسموه ساعات وأمكن ضبط ذلك بشيء معلوم كطاسة مثقوبة تترك في الماء وفيها علامات إذا انتهى الماء إلى علامة كانت ساعة وإذا انتهى إلى الأخرى كانت ساعتين أو زجاجة فيها رمل ينزل من أعلاها إلى أسفلها في ساعة أو ساعتين ثم يقلبها فيعود الرمل إلى الموضع الذي كان فيه في مثل ذلك المقدار أو بميزان الشمس الذي تعرف به ساعات النهار أو بمنازل القمر في الليل ونحو ذلك جاز فإذا حصل الماء لأحدهم في نوبته فأراد أن يسقي به أرضا ليس لها رسم شرب من هذا أو يؤثر به إنسانا أو يقرضه إياه على وجه لا يتصرف في حافة النهر جاز وعلى قول القاضي وأصحاب الشافعي ينبغي أن لا يجوز لما تقدم في مثل ذلك وإن أراد صاحب النوبة أن يجري مع ماء له آخر يسقي به أرضه التي لها رسم شرب من هذا النهر أو أرضا له أخرى أو سأله إنسان أن يجري ماء له مع مائه في هذا النهر ليقاسمه إياه في موضع آخر على وجه لا يضر بالنهر ولا بأحد جاز ذلك في قياس قول أصحابنا فإنهم قالوا فيمن استأجر أرضا جاز أن يجري فيها ماء في نهر محفور إذا كان فيها ولأنه مستحق لنفع النهر في نوبته بإجراء الماء فأشبه ما لو استأجرها لذلك
فصل القسم الثاني أن يكون منبع الماء مملوكا مثل أن يشترك جماعة في استنباط عين وإجرائها فإنهم يملكونها أيضا لأن ذلك إحياء لها ويشتركون فيها وفي ساقيتها على حسب ما انفقوا عليها وعملوا فيها كما ذكرنا في القسم الذي قبل هذا إلا أن الماء غير مملوك ثم لأنه مباح دخل ملكه فأشبه ما لو دخل صيد بستانه وها هنا يخرج على روايتين أصحهما أنه غيرمملوك أيضا وقد ذكرنا ذلك وعلى كل حال فلكل أحد أن يستقي من الماء الجاري لشربه ووضوئه وغسله وغسل ثيابه وينتفع به في أشباه ذلك مما لا يؤثر فيه من غير إذنه إذا لم يدخل إليه في مكان محوط عليه ولايحل لصاحبه المنع من ذلك لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل كان بفضل ماء بالطريق فمنعه ابن السبيل رواه البخاري وعن بهية عن أبيها أنه قال يانبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الماء قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الملح قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال أن تفعل الخير خير لك رواه أبو داود ولأن ذلك لا يؤثر في العادة وهو فاضل عن حاجة صاحب النهر فأما ما يؤثر في كسقي الماشية الكثيرة ونحو ذلك فإن فضل الماء عن حاجة صاحبه لزمه بذله لذلك وإن لم يفضل لم يلزمه وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع فصل إذا كان النهر أو الساقية مشتركا بين جماعة فإن أرادوا إكراءه أو سد بثق فيه إصلاح حائطه أو شيء منه كان ذلك عليهم على حسب ملكهم فيه فإن كان بعضهم أدنى إلى أوله من بعض اشترك الكل في إكرائه وإصلاحه إلى أن يصلوا إلى الأول ثم لا شيء على الأول ويشترك الباقون حتى يصلوا إلى الثاني ثم يشترك من بعده كذلك كلما انتهى العمل إلى موضع واحد منهم لم يكن عليه فيما بعده شيء وبهذا قال الشافعي وحكي ذلك عن أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يشترك جميعهم في إكرائه كله لأنهم ينتفون بجميعه فإن ما جاوز الأول مصب لمائه وإن لم يسق أرضه ولنا أن الأول إنما ينتفع بالماء الذي في موضع شربه وما بعده إنما يختص بالانتفاع به من دونه فلا يشاركهم في مؤنته كما لا يشاركهم في نفعه فإن كان يفضل عن جميعهم منه ما يحتاج إلى مصرف فمؤنة ذلك المصرف على جميعهم لأنهم يشتركون في الحاجة إليه والانتفاع به فكانت مؤنته عليهم كلهم كأوله مسألة قال ( وإحياء الأرض أن يحوط عليها حائطا ) ظاهر كلام الخرقي أن تحويط الأرض إحياء لها سواء أرادها للبناء أو للزرع أو حظيرة للغنم أو الخشب أو غير ذلك ونص عليه أحمد في رواية علي بن سعيد فقال الإحياء أن يحوط عليها حائطا ويحفر فيها بئرا أو نهرا ولايعتبر في ذلك تسقيف وذلك لما روى الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أحاط حائطا على أرض فهي له رواه أبو داود والإمام أحمد في مسنده ويروى عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ولأن الحائط حاجز منيع فكان إحياء أشبه ما لو جعلها حظيرة للغنم ويبين هذا أن القصد لا اعتباربه بدليل ما لو أرادها حظيرة للغنم فبناها بجص وآجر وقسمها بيوتا فإنه يملكها وهذا لا يصنع للغنم مثله ولا بد أن يكون الحائط منيعا يمنع ما وراءه ويكون مما جرت العادة بمثله ويختلف باختلاف البلدان فلو كان مما جرت عادتهم بالحجارة وحدها كأهل حوران وفلسطين أو بالطين كالفطائر لأهل غوطة دمشق أو بالخشب أو بالقصب كأهل الغور كان ذلك إحياء وإن بناه بأرفع مما جرت به عادته كان أولى وقال القاضي في صفة الإحياء روايتان إحداهما ما ذكرنا
والثاني الإحياء ما تعارفه الناس إحياء لأن الشرع ورد بتعليق الملك على الإحياء ولم يبينه ولا ذكر كيفيته فيجب الرجوع فيه إلى ما كان إحياء في العرف كما أنه لما ورد باعتبار القبض والحرز ولم يبين كيفيته كان المرجع فيه إلى العرف ولأن الشارع لو علق الحكم على مسمى باسم لتعلق بمسماه عند أهل اللسان فكذلك يتعلق الحكم بالمسمى إحياء عند أهل العرف ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلق حكما على ما ليس إلى معرفته طريق فلما لم يبينه تعين العرف طريقا لمعرفته إذ ليس له طريق سواه إذا ثبت هذا فإن الأرض تحيي دارا للسكنى وحظيرة ومزرعة فإحياء كل واحدة من ذلك بتهيئتها للانتفاع الذي أريدت له فأما الدار فبأن يبني حيطانها بما جرت به العادة وتسقيفها لأنها لا تكون للسكنى إلا بذلك وأما الحظيرة فإحياؤها بحائط جرت به عادة مثلها وليس من شرطها التسقيف لأن العادة ذلك من غير تسقيف وسواء أرادها حظيرة للماشية أو للخشب أو للحطب أو نحو ذلك ولو خندق عليها خندقا لم يكن إحياء لأنه ليس بحائط ولا عمارة إنما هو حفر وتخريب وإن حاطها بشوك وشبهه لم يكن إحياء وكان تحجرا لأن المسافر قد ينزل منزلا ويحوط على رحله بنحو من ذلك ولو نزل منزلا فنصب له بيت شعر أو خيمة لم يكن إحياء وإن أرادها للزراعة فبأن يهيئها لإمكان الزرع فيها فإن كانت لا تزرع إلا بالماء فبأن يسوق إليها ماء من نهر أو بئر وإن كانت مما لا يمكن زرعها لكثرة أحجارها كأرض الحجاز فبأن يقلع أحجارها وينقيها حتى تصلح للزرع وإن كانت غياضا وأشجارا كأرض الشعرى فبأن يقلع أشجارها ويزيل عروقها التي تمنع الزرع وإن كانت مما لا يمكن زرعه إلا بحبس الماء عنها كأرض البطائح التي يفسدها غرقها بالماء لكثرته فإحياؤها بسد الماء عنها وجعلها بحال يمكن زرعها لأن بذلك يمكن الانتفاع بها فيما أرادها من غير حاجة إلى تكرار ذلك في كل عام كان إحياء كسوق الماء إلى الأرض التي لا ماء لها ولا يعتبر في إحياء الأرض حرثها ولا زرعها لأن ذلك مما يتكرر كلما أراد الانتفاع بها فلم يعتبر في الإحياء كسقيها وكالسكنى في البيوت بذلك إذا فعله لمجرده لما ذكرنا ولايعتبر في إحياء الأرض للسكنى نصب الأبواب على البيوت وبهذا قال الشافعي فيما ذكرنا في الرواية الثانية إلا أن له وجها في أن حرثها وزرعها إحياء لها وإن ذلك معتبر في إحيائها ولا يتم بدونه وكذلك نصب الأبواب على البيوت لأنه مما جرت العادة به فأشبه التسقيف ولا يصح هذا لما ذكرنا ولأن السكنى ممكنة بدون نصب الأبواب فأشبه تطيين سطوحها وتبييضها مسألة قال ( أو يحفر فيها بئرا فيكون له خمس وعشرون ذراعا حواليها وإن سبق إلى بئر عادية فحريمها خمسون ذراعا ) البئر العادية بتشديد الياء القديمة منسوبة إلى عاد ولم يرد عادا بعينها لكن لما كانت عاد في الزمن الأول وكانت لها آثار في الأرض نسب إليها كل قديم فكل من حفر بئرا في موات للتمليك فله حريمها خمس وعشرون ذراعا من كل جانب ومن سبق إلى بئر عادية كان أحق بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له وله حريمها خمسون ذراعا من كل جانب نص أحمد على هذا في رواية حرب وعبد الله واختاره أكثر أصحابنا وقال القاضي أبو الخطاب ليس هذا على طريق التحديد بل حريمها على الحقيقة ما تحتاج إليه في ترقية مائها منها فإن كان بدولاب فقدر مد الثور أو غيره وإن كان بساقية فبقدر طول البئر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حريم البئر مد رشائها أخرجه ابن ماجة
ولأن المكان الذي تمشي إليه البهيمة وإن كان يستقي منها بيده فبقدر ما يحتاج إليه الوافق عندها وإن كان المستخرج عينا فحريمها القدر الذي يحتاج إليه صاحبها للانتفاع بها ولا يستضر بأخذه منها ولو على ألف ذراع وحريم البئر من جانبيه يحتاج إليه لطرح كرايته بحكم العرف في ذلك لأن هذا إنما ثبت للحاجة فينبغي أن تراعى فيه الحاجة دون غيرها وقال أبو حنيفة حريم البئر أربعون ذراعا وحريم العين خمسمائة ذراع لأن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حريم البئر أربعون ذراعا لأعطان الإبل والغنم وعن الشعبي مثله رواه أبو عبيد ولنا ما روى الدارقطني والخلال بإسنادهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حريم البئر البدي خمس وعشرون ذراعا وحريم البئر العادي خمسون ذراعا وهذا نص وروى أبو عبيد بإسناده عن يحي بن سعيد الأنصاري أنه قال السنة في حريم القليب العادي خمسون دراعا والبدي خمس وعشرون ذراعا وبإسناده عن سعيد بن المسيب قال حريم البئر البدي خمس وعشرون ذراعا من نواحيها كلها وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها وحريم البئر العادية خمسون ذراعا من نواحيها كلها ولأنه معنى يملك به الموات فلا يقف على قدر الحاجة كالحائط ولأن الحاجة إلى البئر لا تنحصر في ترقية الماء فإنه يحتاج إلى ما حولها عطنا لإبله وموقفا لدوابه وغنمه وموضعا يجعل فيه أحواضا يسقى منها ماشيته وموقفا لدابته التي يستقي عليها وأشباه ذلك فلا يختص الحريم بما يحتاج إليه لترقية الماء وأما حديث أبي حنيفة فحديثنا أصح منه ورواهما أبو هريرة فيدل على ضعفه إذا ثبت هذا فظاهر كلام الخرقي أن هذا الحريم مملوك لصاحب البئر وعند الشافعي والقاضي ليس بمملوك وقد سبق ذكر هذا فصل ولا بد أن يكون البئر فيها ماء وإن لم يصل إلى الماء فهو كالمتحجر الشارع في الإحياء على ماقدمناه ويجب أن يحمل قوله في البئر العادية التي انطمت وذهب ماؤها فجدد حفرها وعمارتها أو انقطع ماؤها فاستخرجه ليكون ذلك إحياء لها وأما البئر التي لها ماء ينتفع به المسلمون فليس لأحد احتجاره ومنعه لأنه يكون بمنزلة المعادن الظاهرة التي يرتفق بها الناس وهكذا العيون النابعة ليس لأحد أن يختص بها ولو حفر رجل بئرا للمسلمين ينتفعون بها أو لينتفع هو بها مدة إقامته عندها ثم يتركها لم يملكها وكان له الانتفاع بها فإذا تركها صارت للمسلمين كلهم كالمعادن الظاهرة وما دام مقيما عندها فهو أحق بها لأنه سابق إليها فهو كالمتحجر الشارع في الإحياء فصل ومن كانت له بئر فيها ماء فحفر آخر قريبا منها بئرا ينسرق إليها ماء البئر الأولى فليس له ذلك سواء كان محتفر الثانية في ملكه مثل رجلين متجاورين في دارين حفر أحدهما في داره بئرا ثم حفر الآخر بئرا أعمق منها فسرى إليها ماء الأولى أو كانتا في موات فسبق أحدهما فحفر بئرا ثم جاء آخر فحفر قريبا منها بئرا تجتذب ماء الأولى ووافق الشافعي في هذه الصورة الثانية لأنه ليس له أن يبتدىء ملكه على وجه يضر بالمالك قبله وقال في الأولى له ذلك لأنه تصرف مباح في ملكه فجاز له فعله كتعلية داره الخلاف في كل ما يحدثه الجار مما يضر بجاره مثل أن يجعل داره مدبغة أو حماما يضر بعقار جاره بنحي ناره ورماده ودخانه أو يحفر في أصل حائطه حشا يتأذى جاره برائحته وغيرها أو يجعل داره مخبزا في وسط العطارين ونحوه مما يؤذي جيرانه فلا يحل له ذلك وقال الشافعي له ذلك كله لأنه تصرف مباح في ملكه أشبه بناءه ونقضه
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار ولأنه إحداث ضرر بجاره فلم يجز كالدق الذي يهز الحيطان ويخربها وكإلقاء السماد والتراب ونحوه في أصل حائطه على وجه يضر به ولو كان لرجل مصنع ماء فأراد جاره غرس شجرة تين أو نحوها مما تسري عروقه فتشق حائطه مصنع جاره ويتلفه لم يملك ذلك وكان لجاره منعه وقلعها إن غرسها ولو كان هذا الذي يحصل منه الضرر سابقا مثل من له في ملكه مدبغة أو مقصرة فأحيا إنسان إلى جانبه مواتا وبناه دارا يتضرر بذلك لم يلزم إزالة الضرر بغير خلاف نعلمه لأنه لم يحدث ضررا والله تعالى أعلم مسألة قال ( وسواء في ذلك ما أحياه أو سبق إليه بإذن الإمام أو غير إذنه ) وجملة ذلك أن إحياء الموات لم يفتقر إلى إذن الإمام وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يفتقر إلى إذنه لأن للإمام مدخلا في النظر في ذلك بدليل أن من تحجر مواتا فلم يحيه فإنه يطالبه بالإحياء أو الترك فافتقر إلى إذنه كمال بيت المال ولنا عموم قوله عليه السلام من أحيا أرضا فهي له ولأن هذه عين مباحة فلا يفتقر تملكها إلى إذن الإمام كأخذ الحشيش والحطب ونظر الإمام في ذلك لا يدل على اعتبار إذنه ألا ترى أن من وقف في مشرعة طالبه الإمام أن يأخذ حاجته وينصرف ولا يفتقر ذلك إلى إذنه وأما مال بيت المال فإنما هو مملوك للمسلمين وللإمام ترتيب مصارفة فافتقر إلى إذنه بخلاف مسألتنا فإن هذا مباح فمن سبق إليه كان أحق الناس به كالحشيس والحطب والصيود والثمار المباحة في الجبال فصل فأما ما سبق إليه فهو الموات إذا سبق إليه فتحجره كان أحق وإن سبق إلى بئر عادية فشرع فيها يعمرها كان أحق بها ومن سبق إلى مقاعد الأسواق والطرقات أو مشارع المياه والمعادن الظاهرة والباطنة وكل مباح مثل الحشيش والحطب والثمار المأخوذة من الجبال وما ينبذه الناس رغبة عنه أو يضيع منهم مما لا تتبعه النفس اللقطة واللقيط وما يسقط من الثلج وسائر المباحات من سبق إلى شيء من هذا فهو أحق به ولا يحتاج إلى إذن الإمام ولا إذن غيره لقول النبي صلى الله عليه وسلم من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به والله الموفق كتاب الوقوف والعطايا والوقوف جمع وقف يقال منه وقفت وقفا ولايقال أوقفت إلا في شاذ اللغة ويقال حبست وأحبست وبه جاء الحديث إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها والعطايا جمع عطية مثل خلية وخلايا وبلية وبلايا والوقف مستحب ومعناه تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة والأصل فيه ما روى عبد الله بن عمر قال أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أصبت أرضا بخيبرلم لم أصب قط مالا أنفس عندي منه فما تأمرني فيها فقال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث قال فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقا بالمعروف غير متأثل فيه أو غير متمول فيه متفق عليه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعو له قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف قال جابر لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف
ولم ير شريح الوقف وقال لا حبس عن فرائض الله قال أحمد وهذا مذهب أهل الكوفة وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف لا يلزم بمجرده وللواقف الرجوع فيه إلا أن يوصي به بعد موته فيلزم أو يحكم بلزومه حاكم وحكاه بعضهم عن علي وابن مسعود وابن عباس وخالفه صاحباه فقالا كقول سائر أهل العلم واحتج بعضهم بما روي أن عبد الله بن زيد صاحب الأذان جعل حائطه صدقة وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أبواه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ماتا فورثهما رواه المحاملي في أماليه ولأنه أخرج ماله على وجه القربة من ملكه فلم يلزم بمجرد القول كالصدقة وهذا القول يخالف السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر في وقفه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث قال الترمذي رحمه الله العمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم في ذلك اختلافا قال الحميدي تصدق أبو بكر رضي الله عنه بداره على ولده وعمر بربعه عند المروة على ولده وعثمان برومة وتصدق علي بأرضه بينبع وتصدق الزبير بداره بمكة وداره بمصر وأمواله بالمدينة على ولده وتصدق سعد بداره بالمدينة وداره بمصر على ولده وعمرو بن العاص بالوهط وداره بمكة على ولده وحكيم بن حزام بداره بمكة والمدينة على ولده فذلك كله إلى اليوم وقال جابر لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف وهذا إجماع منهم فإن الذي قدر منهم على الوقف وقف واشتهر ذلك فلم ينكره أحد فكان إجماعا ولأنه إزالة ملك يلزم بالوصية فإذا نجزه حال الحياة لزم من غير حكم كالعتق وحديث عبد الله بن زيد إن ثبت فليس فيه ذكر الوقف والظاهر أنه جعله صدقة غير موقوف استناب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى والدية أحق الناس بصرفها إليهما ولهذا لم يردها عليه إنما دفعها إليهما ويحتمل أن الحائط كان لهما وكان هو يتصرف فيه بحكم النيابة عنهما فتصرف بهذا التصرف بغير إذنهما فلم ينفذاه وأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فرده إليهما والقياس على الصدقة لايصح لأنها تلزم في الحياة بغير حكم حاكم وإنما تفتقر إلى القبض والوقف لا يفتقر إليه فافترقا مسألة قال أبو القاسم رحمة الله عليه ( ومن وقف في صحة من عقله وبدنه على قوم وأولادهم وعقبهم ثم آخره للمساكين فقد زال ملكه عنه ) في هذه المسألة فصول ثلاثة أحدها أن الوقف إذا صح زال به ملك الواقف عنه في الصحيح من المذهب وهو المشهور من مذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة وعن أحمد لا يزول ملكه وهو قول مالك وحكى قولا للشافعي رضي الله عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم حبس الأصل وسبل الثمرة ولنا أنه سبب يزيل التصرف في الرقبة والمنفعة فأزال الملك كالعتق ولأنه لو كان ملكه لرجعت إليه قيمته كالملك المطلق وأما الخبر فمراد به أن يكون محبوسا لا يباع ولا يوهب ولا يورث وفائدة الخلاف أنا إذا حكمنا ببقاء ملكه لزمته مراعاته والخصوملا فيهويحتمل أن يلزمه أرش جنايته كما يفدي أم الولد سيدها لما تعذر تسليمه بخلاف غير المالك الفصل الثاني أن ظاهر هذا الكلام أنه يزول الملك ويلزم الوقف بمجرد اللفظ به لأن الوقف يحصل به وعن أحمد رحمه الله رواية أخرى لا يلزم إلا بالقبض وإخراج الواقف له عن يده وقال الوقف المعروف أن يخرجه من يده إلى غيره ويوكل فيه من يقوم به اختاره ابن أبي موسى وهو قول محمد بن الحسن لأنه تبرع بمال لم يخرجه عن المالية فلم يلزم بمجرده كالهبة والوصية
ولنا ما رويناه من حديث عمر ولأنه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث فلزم بمجرده كالعتق ويفارق الهبة فإنها تمليك مطلق والوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة فهو بالعتق أشبه فإلحاقه به أولى فصل الثالث أنه لا يفتقر إلى القبول من الموقوف عليه ذكره القاضي وقال أبو الخطاب إن كان الوقف على غير معين كالمساكين أو من لا يتصور منه القبول كالمساجد والقناطر لم يفتقر إلى قبول وإن كان على آدمي معين ففي اشتراط القبول وجهان أحدهما اشتراطه لأنه تبرع لآدمي معين فكان من شرطه القبول كالهبة والوصية يحققه أن الوصية إن كانت لآدمي معين وقفت على قبوله وإذا كانت لغير معين أو لمسجد أو نحوه لم تفتقر إلى القبول كذا ها هنا والوجه الثاني لا يشترط القبول لأنه أحد نوعي الوقف فلم يشترط له القبول كالنوع الآخر ولأنه إزالة ملك يمنع البيع والهبة والميراث فلم يعتبر وبهذا فارق الهبة والوصية والفرق بينه وبين الهبة والوصية أن الوقف لا يختص المعين بل يتعلق به حق من يأتي من البطون في المستقبل فيكون الوقف على جميعهم إلا أنه مرتب فصار بمنزلة الوقف على الفقراء الذي لا يبطل برد واحد منهم ولا يقف على قبوله والوصية للمعين بخلافه وهذا مذهب الشافعي فإذا قلنا لا يفتقر إلى القبول لم يبطل برده وكان رده وقبوله وعدمهما واحدا كالعتق وإن قلنا يفتقر إلى القبول فرده من وقف عليه بطل في حقه وصار كالوقف المنقطع الابتداء يخرج من صحته فيحق من سواه وبطلانه وجهان بناء على تفريق الصفقة فإن قلنا بصحته فهل ينتقل من الحال إلى من بعده أو يصرف في الحال إلى مصرف في الوقف المنقطع إلى أن يموت الذي رده ثم ينتقل إلى من بعده على وجهين وسنذكر ذلك في الوقف المنقطع الابتداء إن شاء الله تعالى فصل وينتقل الملك في الموقوف إلى الموقوف عليهم في ظاهر المذهب وقال أحمد إذا وقد داره على ولد أخيه صارت لهم وهذا يدل على أنهم ملكوه وروي عن أحمد أنه لا يملك فإن جماعة نقلوا عنه فيمن وقف على ورثته في مرضه يجوز لأنه لا يباع ولا يورث ولا يصير ملكا للورثة وإنما ينتفعون بغلتها وهذا يدل بظاهره على أنهم لا يملكون ويحتمل أن يريد بقوله لا يملكون أي أنهم لا يملكون التصرف في الرقبة فإن فائدة الملك وآثاره ثابتة في الوقف وعن الشافعي من الاختلاف نحو ما حكيناه وقال أبو حنيفة لا ينتقل الملك في الوقف اللازم بل يكون حقا لله تعالى لأنه إزالة ملك عن العين والمنفعة على وجه القربة بتمليك المنفعة فانتقل الملك إلى الله تعالى كالعتق ولنا إنه سبب يزيل ملك الواقف وجد إلى من يصح تمليكه على وجه لم يخرج المال عن ماليته فوجب أن ينقل الملك إليه كالهبة والبيع ولأنه لو كان تمليك المنفعة المجردة لم يلزم كالعارية والسكنى ولم يزل ملك الواقف عنه كالعارية ويفارق العتق فإنه أخرجه عن المالية وامتناع التصرف في الرقبة لايمنع الملك كأم ولد فصل وألفاظ الوقف ستة ثلاثة صريحة وثلاثة كناية فالصريحة وقفت وحبست وسبلت متى أتى بواحدة من هذه الثلاث صار وقفا من غير انضمام أمر زائد لأن هذه الألفاظ ثبت لهاعرف الاستعمال بين الناس وانضم إلى ذلك عرف الشرع بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر إن شئت حبست أصلها وسبلت ثمرتها فصارت هذه الألفاظ في الوقف كلفظ التطليق في الطلاق وأما الكناية فهي تصدقت وحرمت وأبدت فليست صريحة لأن لفظة الصدقة والتحريم مشتركة فإن الصدقة تستعمل في الزكوات والهبات والتحريم يستعمل في الظهار والإيمان ويكون تحريما على نفسه وعلى غيره والتأبيد يحتمل تأبيد التحريم وتأبيد الوقف ولم يثبت لهذه الألفاظ عرف الاستعمال فلا يحصل الوقف بمجردها ككنايات الطلاق فيه فإن انضم إليهاأحد ثلاثة أشياء حصل الوقف بها أحدها أن ينضم إليها لفظة أخرى تخلصها من الألفاظ الخمسة فيقول صدقة موقوفة أو محبسة أو مسبلة أو محرمة أو مؤبدة أو يقول هذه محرمة موقوفة أو محبسة أو مسبلة أو مؤبدة
والثاني أن يصفها بصفات الوقف فيقول صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث لأن هذه القرينة تزيل الاشتراك الثالث أن ينوي الوقف فيكون على ما نوى إلا أن النية تجعله وقفا في الباطن دون الظاهر لعدم الاطلاع على ما في الضمائر فإن اعترف بما نواه لزم في الحكم لظهروه وإن قال ما أردت الوقف فالقول قوله لأنه أعلم بما نوى فصل وظاهر مذهب أحمد أن الوقف يحصل بالفعل مع القرائن الدالة عليه مثل أن يبني مسجدا ويأذن للناس في الصلاة فيه أو مقبرة ويأذن في الدفن فيها أو سقاية ويأذن دخولها فإنه قال في رواية أبي داود وأبي طالب فيمن دخل بيتا في المسجد وأذن فيه لم يرجع فيه وكذلك إذا اتخذ المقابر وأذن للناس والسقاية فليس له الرجوع وهذا قول أبي حنيفة وذكر القاضي فيه رواية أخرى أنه لا يصير وقفا إلا بالقول وهذا مذهب الشافعي وأخذه القاضي من قول أحمد إذ سأله الأثرم عن رجل أحاط حائطا على أرض ليجعلها مقبرة ونوى بقلبه ثم بدا له العود فقال إن كان جعلها لله فلا يرجع وهذا لا ينافي الرواية الأولى فإنه أراد بقوله إن كان جعلها لله أي نوى بتحويطها جعلها لله فهذا تأكيد للرواية الأولى وزيادة عليها إذ منعه من الرجوع بمجرد التحويط مع النية وإن أراد بقوله جعلها لله أي اقترنت بفعله قرائن دالة على إرادة ذلك من إذنه للناس في الدفن فيها فهي الرواية الأولى بعينها وإن أراد وقفا بلسانه فيدل بمفهومه على أن الوقف لا يحصل بمجرد التحويط والنية وهذا لا ينافي الرواية الأولى لأنه في الأولى انضم إلى فعله إذنه للناس في الدفن ولم يوجد ها هنا فلا تنافي بينهما ثم لم يعلم مراده من هذه الاحتمالات فانتفت هذه الرواية وصار المذهب رواية واحدة والله أعلم واحتجوا بأن هذا تحبيس أصل على وجه القربة فوجب أن لا يصح بدون اللفظ كالوقف على الفقراء ولنا إن العرف جار بذلك وفيه دلالة على الوقف فجاز أن يثبت به كالقول وجرى مجرى من قدم إلى ضيفه طعاما كان إذنا في أكله ومن ملأ خابية ماء على الطريق كان تسبيلا له ومن نثر على الناس نثارا كان إذنا في التقاطه وأبيح أخذه وكذلك دخول الحمام واستعمال مائه من غير إذن مباح بدلالة الحال وقد قدمنا في البيع أنه يصح بالمعاطاة من غير لفظ وكذلك الهبة والهدية لدلالة الحال فكذلك ههنا وأما الوقف على المساكين فلم تجر به عادة بغير لفظ ولو كان شيء جرت به العادة أو دلت الحال عليه كان كمسألتنا والله أعلم مسألة قال ( ولا يجوز أن يرجع إليه شيء من منافعه ) وجملة ذلك أن من وقف شيئا وقفا صحيحا فقد صارت منافعه جميعها للموقوف عليه وزال عن الواقف ملكه وملك منافعه فلم يجز أن ينتفع بشيء منها إلا أيكون قد وقف شيئا للمسلمين فيدخل في جملتهم مثل أن يقف مسجدا فله أن يصلي فيه أو مقبرة فله الدفن فيها أو بئرا للمسلمين فله أن يستقي منها أو سقاية أو شيئا يعم المسلمين فيكون كأحدهم لا نعلم في هذا كله خلافا وقد روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه سبل بئر رومة وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين مسألة قال ( إلا أن يشترط أن يأكل منه فيكون له مقدر ما يشترط ) وجملته أن الواقف إذا اشترط في الوقف أن ينفق منه على نفسه صح الوقف والشرط نص عليه أحمد قال الأثرم قيل لأبي عبد الله يشترط في الوقف أني أنفق على نفسي وأهلي منه قال نعم واحتج قال سمعت ابن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه عن حجر المدري أن في صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل منها أهله بالمعروف غير المنكر وقال القاضي يصح الوقف رواية واحدة لأن أحمد نص عليها في رواية جماعة وبذلك قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو يوسف والزبيروابن شريح وقال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن لا يصح الوقف
لأنه إزالة الملك فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه كالبيع والهبة وكما لو أعتق عبدا بشرط أن يخدمه ولأن ما ينفقه على نفسه مجهول فلم يصح اشتراطه كما لو باع شيئا واشترط أن ينتفع به ولنا الخبر الذي ذكره الإمام أحمد ولأن عمر رضي الله عنه لما وقف قال ولا بأس على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقا غير متمول فيه وكان الوقف في يده إلى أن مات ولأنه إذا وقف وقفا عاما كالمساجد والسقايات والرباطات والمقابر كان له الانتفاع به فكذلك ها هنا ولا فرق بين أن يشترط لنفسه الانتفاع به مدة حياته أو مدة معلومة معينة وسواء قدر ما يأكل منه أو أطلقه فإن عمر رضي الله عنه لم يقدر ما الوالي ويطعم إلا بقوله بالمعروف وفي حديث صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شرط أن يأكل أهله منها بالمعروف غير المنكر إلا أنه إذا شرط أن ينتفع به مدة معينة فمات فيها فينبغي أن يكون ذلك لورثته كما لو باع دارا واشترط أن يسكنها سنة فمات في أثنائها والله أعلم فصل وإن شرط أن يأكل أهله منه صح الوقف والشرط لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرط ذلك في صدقته وإن اشترط أن يأكل من وليه منه ويطعم صديقا جاز لأنه عمر رضي الله عنه شرط ذلك في صدقته التي استشار فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن وليها الواقف كان له أن يأكل ويطعم صديقا لأن عمر ولي صدقته وإن وليها أحد من أهله وكان له ذلك لأن حفصة بنت عمر كانت تلي صدقته بعد موته ثم وليها بعدها عبد الله بن عمر فصل وإن شرط أن يبيعه متى شاء أو يهبه أو يرجع فيه لم يصح الشرط ولا الوقف لا نعلم فيه خلافا لأنه ينافي مقتضى الوقف ويحتمل أن يفسد الشرط ويصح الوقف بناء على الشروط الفاسدة في البيع وإن شرط الخيار في الوقف فسد ونص عليه أحمد وبه قال الشافعي وقال أبو يوسف في رواية عنه يصح لأن الوقف تمليك المنافع فجاز بشرط الخيار فيه كالإجارة ولنا إنه شرط ينافي مقتضى العقد فلم يصح كما لو شرط أن له بيعه متى شاء لأنه إزاله ملك الله تعالى فلم يصح اشتراط الخيار فيها كالعتق ولأنه ليس بعقد معاوضة فلم يصح اشتراط الخيار فيه كالهبة ويفارق الإجارة فإنها عقد معاوضة وهي نوع من البيع ولأن الخيار إذا دخل في العقد منع ثبوت حكمه قبل انقضاء الخيار أو التصرف وها هنا لو ثبت الخيار لثبت مع ثبوت حكم الوقف ولم يمنع التصرف فاقترقا فصل وإن شرط في الوقف أن يخرج من شاء من أهل الوقف ويدخل من شاء من غيرهم لم يصح لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف فأفسده كما لو شرط أن لا ينتفع وإن شرط للناظر أن يعطي من يشاء من أهل الوقف ويحرم من يشاء جاز لأن ذلك ليس بإخراج للموقوف عليه من الوقف وإنما علق استحقاق الوقف بصفة فكأنه جعل له حقا في الوقف إذا اتصف بإرادة الوالي لعطيته ولم يجعل له حقا إذا انتفت تلك الصفة فيه فأشبه ما لو وقف على المشتغلين من ولده فإنه يستحق منهم من اشتغل به دون من لم يشتغل فلو ترك المشتغل والاشتغال زال الاستحقاق وإذا عاد إليه عاد استحقاقه والله أعلم فصل إذا جعل علو داره مسجدا دون سفلها أو سفلها دون علوها صح وقال أبو حنيفة لا يصح لأن المسجد يتبعه هواؤه ولنا إنه يصح بيعها كذلك يصح وقفه كالدار جميعها ولأنه تصرف يزيل الملك إلى من يثبت له حق الاستقرار والتصرف فجاز فيما ذكرنا كالبيع فصل وإن جعل وسط داره مسجدا ولم يذكر الاستطراق صح وقال أبو حنيفة لا يصح حتى يذكر الاستطراق ولنا إنه عقد يبيح الانتفاع من ضرورته الاستطراق فصح وإن لم يذكر الاستطراق كما لو أجر بيتا من داره
فصل إذا وقف على نفسه ثم على المساكين أو على ولده ففيه روايتان إحداهما لا يصح فإنه قال في رواية أبي طالب وقد سئل عن هذا فقال لا أعرف الوقف إلا ما أخرجه الله وفي سبيل الله فإذا وقفه عليه حتى يموت فلا أعرف فعلى هذه الرواية يكون الواقف عليه باطلا وهل يبطل الوقف على من بعده على وجهين بناء على الوقف المنقطع الابتداء وهذا مذهب الشافعي لأن الوقف تمليك للرقبة والمنفعة ولا يجوز أن يملك الأنسان نفسه من نفسه كما لا يجوز أن يبيع نفسع مال نفسه ولأن الموقف على نفسه إنما حاصله منع نفسه التصرف في رقبة الملك فلم يصح ذلك كما لو أفرده بأن يقول لا أبيع هذا ولا أهبه ولا أورثه ونقل جماعة إن الوقف صحيح اختاره ابن أبي موسى قال ابن عقيل وهي أصح وهو قول ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبي يوسف وابن شريح لما ذكرنا فيما إذا اشترط أن يرجع إليه شيء من منافعه ولأنه يصح أن يقف وقفا عاما فينتفع به كذلك إذا خص نفسه بانتفاعه والأول أقيس مسألة قال ( والباقي على من وقف عليه وأولاده الذكور والإناث من أولاد البنين بينهم بالسوية إلا أن يكون الواقف فضل بعضهم ) في هذه المسألة فصول أربعة الأول أنه إذا وقف على قوم وأولادهم وعقبهم ونسلهم كان الوقف بين القوم وأولادهم ومن حدث من نسلهم على سبيل الاشتراك إن لم تقترن به قرينة تقتضي ترتيبا لأن الواو تقتضي الاشتراك فإذا اجتمعوا اشتركوا ولم يقدم بعضهم على بعض ويشارك الآخر الأول وإن كان من البطن العاشر وإذا حدث حمل لم يشارك حتى ينفصل لأنه يحتمل أن لا يكون حملا فلا يثبت له حكم الدار قبل انفصاله فصل فإن قال وقفت على أولادي ثم على المساكين أو قال على ولدي ثم على المساكين أو على ولد فلان ثم على المساكين فقد روي عن أحمد ما يدل على أنه يكون وقفا على أولاده وأولاد أولاده من الأولاد البنين ما لم تكن قرينة تصرف عن ذلك قال المروذي قلت لأبي عبد الله ما تقول في رجل وقف ضيعة على ولده فمات الأولاد وتركوا النسوة حوامل فقال كل ما كان من أولاد الذكور بنات كن أو بنين فالضيعة موقوفة عليهم وما كان من أولاد البنات فليس لهم فيه شيء لأنهم من رجل آخر وقال أيضا فيمن وقف على ولد علي بن إسماعيل ولم يقل إن مات ولد علي بن إسماعيل دفع إلى ولد ولده فمات ولد علي بن إسماعيل دفع إلى ولده أيضا لأن هذا من ولد على بن إسماعيل ووجه ذلك أن الله تعالى قال يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين النساء 11 فدخل فيه ولد البنين وإن سفلوا ولما قال ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد النساء 11 فتناول ولد البنين وكذلك كل موضع ذكر الله تعالى الولد دخل فيه ولد البنين فالمطلق من كلام الآدمي إذا خلا عن قرينة ينبغي أن يحمل على المطلق من كلام الله تعالى ويفسر بما يفسر به لأن ولد ولده ولد له بدليل قول الله تعالى يا بني آدم و يا بني إسرائيل وقال النبي صلى الله عليه وسلم ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا وقال نحن بنو النضر بن كنانة والقبائل كلها تنسب إلى جدودها ولأنه لو وقف على ولد فلان وهم قبيلة دخل فيه ولد البنين فكذلك إذا لم يكونوا قبيلة
وقال القاضي وأصحابه لا يدخل فيه ولد الولد سواء في ذلك ولد البنين وولد البنات لأن الولد حقيقة وعرفا إنما هو ولده لصلبه وإنما يسمى ولد الولد ولدا مجازا ولهذا يصح نفيه فيقال ما هذا ولدي إنما هو ولد ولدي وإن قال على ولدي لصلبي فهو آكد وإن قال على ولدي وولد ولدي ثم على المساكين دخل فيه البطن الأول والثاني ولم يدخل فيه البطن الثالث وإن قال لعى ولدي وولد ولدي وولد ولد ولدي دخل فيه ثلاث بطون دون من بعدهم وموضع الخلاف المطلق فأما مع وجود دلالة تصرف إلى أحد المحملين فإنه يصرف إليه بغير خلاف مثل أن يقول على ولد فلان وهم قبيلة ليس فيهم ولد من صلبه فإنه يصرف إلى أولاد الأولاد بغير خلاف وكذلك إن قال على أولادي أو ولدي وليس له ولد من صلبه أو قال ويفضل ولد الأكبر أوالأعلم على غيرهم أو قال فإذا خلت الأرض من عقبي عاد إلى المساكين أو قال على ولدي غير ولد البنات أو غير ولد فلان أو قال يفضل البطن الأعلى على الثاني أو قال الأعلى فالأعلى وأشباه ذلك فهذا يصرف لفظه إلى جميع نسله وعاقبته وإن اقترنت به قرينة تقتضي تخصيص أولاده لصلبه بالموقف مثل أن يقول على ولدي لصلبي أو اللذين يلونني ونحو هذا فإنه يختص بالبطن الأول دون غيرهم وإذا قلنا بالتعميم فيهم إما للقرينة وإما لقولنا بأن المطلق يقتضي التعميم ولم يكن في لفظه ما يقتضي تشريكا ولا ترتيبا احتمل أن يكون بينهم كلهم على التشريك لأنهم دخلوا في اللفظ دخولا واحدا فوجب أن يكون بينهم مشتركا كمالو أقر لهم بدين ويحتمل أن يكون على الترتيب على حسب الترتيب في الميراث وهذا ظاهر كلام أحمد لقوله فيمن وقف على ولد علي بن إسماعيل ولم يقل إن مات ولد علي بن إسماعيل دفع إلى ولد ولده فمات ولد علي بن إسماعيل وترك ولدا فقال إن مات بعض ولد علي بن إسماعيل دفع إلى ولده أيضا لأن هذا من ولد علي بن إسماعيل فجعله لولد من مات من ولد علي بن إسماعيل عند موت أبيه وذلك أن ولد البنين لما دخلوا في قول الله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين النساء 11 لم يستحق ولد البنين شيئا مع وجود ربائهم واستحقوا عند فقدهم كذا ها هنا فأما إن وصى لولد فلان وهم قبيلة فلا ترتيب فيه ويستحق الأعلى والأسفل على كل حال فصل وإن رتب فقال وقفت هذا على ولدي وولد ولدي ما تناسلوا وتعاقبوا الأعلى فالأعلى أو الأقرب فالأقرب أو الأول فالأول أو البطن الأول ثم البطن الثاني أو على أولادي ثم على أولاد أولادي أو على أولادي فإن انقرضوا فعلى أولاد أولادي فكل هذا على الترتيب فيكون على ما شرط ولا يستحق البطن الثاني شيئا حتى ينقرض البطن كله ولو بقي واحد من البطن الأول كان الجميع له لأن الوقف ثبت بقوله فيتبع فيه مقتضى كلامه وإن قال على أولادي وأولادهم ما تعاقبوا وتناسلوا على أنه من مات منهم عن ولد كان ما كان جاريا عليه جاريا على ولده كان ذلك دليلا على الترتيب لأنه لو اقتضى التشريك لاقتضى لتسوية ولو جعلنا لولد الولد سهما مثل سهم أبيه ثم دفعنا إليه سهم أبيه صار له سهمان ولغيره سهم وهذا ينافي التسوية ولأنه يفضي إلى تفضيل ولد الابن على الابن والظاهر من إرادة الواقف خلاف هذا فإذا ثبت الترتيب فإنه يترتب بين كل والد وولده فإذا مات عن ولد انتقل إلى ولده سهمه سواء بقي من البطن الأول أحد أو لم يبق
فصل وإن رتب بعضهم دون بعض فقال وقفت على ولدي وولد ولدي ثم على أولادهم أو على أولادي ثم على أولادي وأولادهم ما تناسلوا وتعاقبوا أو قال على أولادي وأولاد أولادي ثم على أولادهم وأولاد أولادهم ما تناسلوا فهو على ما قال يشترك من شرك بينهم بالواو المقتضية للجمع والتشريك وترتيب من رتبه بحرف الترتيب ففي المسألة الأولى يشترك الولد وولد الولد ثم إذا انقرضوا صار لمن بعدهم وفي الثانية يختص به الولد فإذا انقرضوا صار مشتركا بين من بعدهم وفي الثالثة يشترك فيه البطنان الأولان دون غيرهم فإذا انقرضوا اشترك فيه من بعدهم فصل وإن قال وقفت على أولادي ثم على أولاد أولادي على أنه من مات من أولادي عن ولد فنصيبه لولده أو فنصيبه لإخوته أو لولد ولده أو لولد أخيه أو لأخواته أو لولد أخواته فهو على ما شرطه وإن قال من من مات منهم عن ولد فنصيبه لولده ومن مات منهم عن غير ولد فنصيبه لأهل الوقف وكان له ثلاثة بنين فمات أحدهم عن ابنين انتقل نصيبه إليهما ثم مات الثاني عن غير ولد فنصيبه لأخيه وابني أخيه بالسوية لأنهم أهل الوقف ثم إن مات أحد ابني الابن عن غير ولد انتقل نصيبه إلى أخيه وعمه لأنهما أهل الوقف ولو مات أحد البنين الثلاثة عن غير ولد وخلف أخويه وابني أخ له فنصيبه لأخويه دون ابني أخيه لأنهما ليسا من أهل الوقف ما دام أبوهما حيا فإذا مات أبوهما صار نصيبه لهما فإذا مات الثالث كان نصيبه لابني أخيه بالسوية إن لم يخلف ولدا وإن خلف ابنا واحدا فله نصيب أبيه وهو النصف ولابني عمه النصف لكل واحد الربع وإن قال من مات منهم عن غير ولد كان ما كان جاريا على من هو في درجته فإن كان الواقف مرتبا بطنا بعد بطن كان نصيب الميت عن غير ولد لأهل البطن الذي هو منه وإن كان مشتركا بين البطون كلها احتمل أن يكون نصيبه بين أهل الوقف كلهم لأنهم في استحقاق الوقف سواء فكانوا في درجته من هذه الجهة ولأننا لو صرفنا نصيبه إلى بعضهم أفضى إلى تفضيل بعضهم والتشريك يقتضي التسوية فعلى هذا يكون وجود هذا الشرط كعدمه لأنه لو سكت عنه كان الحكم فيه كذلك ويحتمل أن يعود نصيبه إلى سائر أهل البطن الذي هو منه لأنهم في درجته في القرب إلى الجد الذي يجمعهم ويستوي في ذلك إخوته وبنو عمه وبنو بني عم أبيه لأنهم سواء في القرب ولأننا لو شركنا بين أهل الوقف كلهم في نصيبه لم يكن في هذا الشرط فائدة والظاهر أنه قصد شيئا يفيد فعلى هذا إن لم يكن في درجته أحد بطل هذا الشرط وكان الحكم فيه كما لو لم يذكره وإن كان الوقف على البطن الأول على أنه من مات منهم عن ولد انتقل نصيبه إلى ولده ومن مات عن غير ولد انتقل نصيبه إلى من في درجته ففيه ثلاثة أوجه أحدها أن يكون نصيبه بين أهل الوقف كلهم يتساوون فيه سواء كان من بطن واحد أو من بطون وسواء تساوت أنصباؤهم في الوقف أو اختلفت لما ذكرنا من قبل والثاني أن يكون لأهل بطنه سواء كانوا من أهل الوقف أو لم يكونوا مثل أن يكون البطن الأول ثلاثة فمات أحدهم عن ابن ثم مات الثاني عن ابنين فمات أحد الابنين وترك أخاه وعمه وابن عمه وابنا لعمه الحي فيكون نصيبه بين أخيه وابني عمه والثالث أن يكون لأهل بطنه من أهل الوقف فيكون نصيبه على هذا لأخيه وابن عمه الذي مات أبوه فإن كان في درجته في النسب من ليس من أهل الاستحقاق بحال كرجل له أربعة بنين وقف على ثلاثة منهم على هذا الوجه المذكور وترك الرابع فمات أحد الثلاثة عن غير ولد لم يكن للرابع فيه شيء لأنه ليس من أهل الاستحقاق فأشبه ابن عمهم
فصل وإن وقف على بنيه وهم ثلاثة على أن من مات من فلان وفلان وأولادهم عن ولد فنصيبه لولده وإن مات فلان فنصيبه لأهل الوقف فهو على ما شرط وكذلك إن كان له بنون وبنات فقال من مات من الذكور فنصيبه لولده ومن مات من البنات فنصيبها لأهل الوقف فهو على ما قال وإن قال على أولادي على أن يصرف إلى البنات منه ألف والباقي للبنين لم يستحق البنون شيئا حتى تستوفي البنات الألف لأنه جعل للبنات مسمى وجعل للبنين الفاضل عنه فكان الحكم فيه على ما قال فجعل البنات كذوي الفروض الذين سمى الله لهم فرضا وجعل البنين كالعصبات الذين لا يستحقون إلا ما فضل عن ذوي الفروض فصل فإن كان له ثلاثة بنين فقال وقفت على ولدي فلان وفلان وعلى ولد ولدي كان الوقف على الابنين المسميين وعلى أولادهما وأولاد الثالث وليس للثالث شيء وقال القاضي يدخل الثالث في الوقف وذكر أن أحمد قال في رجل وقفت هذه الضيعة على ولدي فلان وفلان وعلى ولد ولدي وله ولد غير هؤلاء قال يشتركون في الوقف واحتج القاضي بأن قوله ولدي يستغرق الجنس فيعم الجميع وقوله فلان وفلان تأكيد لبعضهم فلا يوجب إخراج بقيتهم كالعطف في قوله تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال البقرة 98 ولنا إنه أبدل بعض الولد من اللفظ المتناول للجميع فاختص بالبعض المبدل كما لو قال على ولدي فلان وذلك لأن بدل البعض يوجب اختصاص الحكم به كقول الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا آل عمران 97 لما خص المستطيع بالذكر اختص الوجوب به ولو قال ضربت زيدا رأسه ورأيت زيدا وجهه اختص الضرب بالرأس والرؤية بالوجه ومنه قول الله تعالى ويجعل الخبيث بعضه على بعض الأنفال 37 وقول القائل طرحت الثياب بعضها فوق بعضه فإن الفوقية تختص بالبعض مع عموم اللفظ الأول كذا ها هنا وفارق العطف فإن عطف الخاص على العام يقتضي تأكيده لا تخصيصه وقول أحمد هم شركاء يحتمل أن يعود إلى أولاد أولاده أي يشترك أولاد الموقوف عليهما وأولاد غيرهم لعموم لفظ الواقف فيهم ويتعين حمل كلامه عليه لقيام الدليل عليه ولو قال على ولدي فلان وفلان ثم على المساكين خرج فيه من الخلاف مثل ما ذكرنا ويحتمل أن يدخل في الموقف ولد ولده لأننا قد ذكرنا من قبل أن ظاهر كلام أحمد أن قوله وقفت على ولدي يتناول نسله وعاقبته كلها فصل ومن وقف على أولاده أو أولاد غيره وفيهم حمل لم يستحق شيئا قبل انفصاله لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا قبل انفصاله قال أحمد في رواية جعفر بن محمد فيمن وقف نخلا على قوم وما توالدوا ثم ولد مولود فإن كانت النخل قد أبرت فليس له فيه شيء وهو للأول وإن لم تكن قد أبرت فهو معهم وإنما قال ذلك لأنها قبل التأبير تتبع الأصل في البيع وهذا الموجود يستحق نصيبه من الأصل فيتبعه حصته من الثمرة كما لو اشترى ذلك النصيب من الأصل وبعد التأبير لا تتبع الأصل ويستحقها من كان الأصل فكانت للأول لأن الأصل كان له كله له فاستحق ثمرته كما لو باع هذا النصيب منها ولم يستحق المولود منهاشيئا كالمشتري وهكذا الحكم في سائر ثمر الشجر الظاهر فإن المولود لا يستحق منه شيئا ويستحق مما ظهر بعد ولادته وإن كان الوقف أرضا فيها زرع يستحقه البائع فهو للأول وإن كان مما يستحقه المشتري فللمولود حصته منه لأن المولود يتجدد استحقاقه للأصل كتجدد ملك المشتري فيه
الفصل الثاني إذا وقف على قوم وأولادهم وعاقبتهم ونسلهم دخل في الوقف ولد البنين بغير خلاف نعلمه فأما ولد البنات فقال الخرقي لا يدخلون فيه وقد قال أحمد فيمن وقف على ولده ما كان من ولد البنات فليس لهم فيه شيء فهذا النص يحتمل أن يعدى إلى هذه المسألة ويحتمل أن يكون مقصورا على من وقف على ولده ولم يذكر ولد ولده وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم وممن قال لا يدخل ولد البنات في الوقف الذي على أولاده وأولاد أولاده مالك ومحمد بن الحسن وهكذا إذا قال على ذريتهم ونسلهم وقال أبو بكر وعبد الله بن حامد يدخل فيه ولد البنات وهو مذهب الشافعي وأبي يوسف لأن البنات أولاده فأولادهن أولاد حقيقة فيجب أن يدخلوا في الوقف لتناول اللفظ لهم وقد دل على صحة هذا قول الله تعالى ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله وعيسى الأنعام 84 وهو من ولد بنته فجعله من ذريته وكذلك ذكر الله تعالى قصة عيسى وإبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس ثم قال أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل مريم 58 وعيسى معهم وقال النبي صلى الله عليه وسلم للحسن إن ابني هذا سيد وهو ولد بنته ولما قال الله تعالى وحلائل أبنائكم دخل في التحريم حلائل أبناء البنات ولما حرم الله تعالى البنات دخل في التحريم بناتهن ووجه قول الخرقي أن الله تعالى قال يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين النساء 11 فدخل فيه ولد البنين دون ولد البنات وهكذا كل موضع ذكر فيه الولد في الإرث والحجب دخل فيه ولد البنين دون ولد البنات ولأنه لو وقف على ولد رجل وقد صاروا قبيلة دخل فيه ولد البنين دون ولد البنات بالاتفاق وكذلك قبل أن يصيروا قبيلة ولأنه لو وقف على ولد العباس في عصرنا لم يدخل فيه ولد بناته فكذلك إذا وقف عليهم في حياته ولأن ولد البنات منسوبون إلى آبائهم دون أمهاتهم قال الشاعر بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد وقولهم إنهم أولاد أولاد حقيقة قلنا إلا أنهم لا ينسبون إلى الواقف عرفا ولذلك لو قال أولاد أولادي المنتسبين إلي لم يدخل هؤلاء في الوقف ولأن ولد الهاشمية من غير الهاشمي ليس بهاشمي ولا ينسب إلى أبيها وأما عيسى عليه السلام فلم يكن له أب ينسب إليه فنسب إلى أمه لعدم أبيه ولذلك يقال عيسى ابن مريم وغيره إنما ينسب إلى أبيه كيحيى بن زكرياوقول النبي صلى الله عليه وسلم إن ابني هذا سيد تجوز بغير خلاف بدليل قول الله تعالى ما كان محمد أبا أحد من رجالكم الأحزاب 40 وهذا الخلاف فيما إذا لم يوجد ما دل على تعيين أحد الأمرين فأما إن وجد ما يصرف اللفظ إلى أحدهما انصرف إليه ولو قال على أولادي وأولاد أولادي على أن لولد البنات سهما ولولد البنين سهمين أو فإذا خلت الأرض ممن يرجع نسبه إلي من قبل أب أو أم كان للمساكين أو كان البطن الأول من أولاده الموقوف عليهم كلهم بنات وأشباه هذا مما يدل على إرادة ولد البنات بالوقف دخلوا في الوقف وإن قال على أولادي وأولاد أولادي المنتسبين إلي أو غير ذوي الأرحام أو نحو ذلك لم يدخل فيه ولد البنات وإن قال على ولدي فلان وفلانة وفلانة وأولادهم دخل فيه ولد البنات وكذلك لو قال على أنه من مات منهم عن ولده فنصيبه لولده وإن قال الهاشمي وقفت على أولادي وأولاد أولادي الهاشميين لم يدخل في الوقف من أولاد بناته من كان غير هاشمي فأما من كان هاشميا من غير أولاد بنيه فهل يدخلون على وجهين أحدهما أنهم يدخلون لأنهم اجتمع فيهم الصفتان جميعا كونهم من أولاد أولاده وكونهم هاشميين والثاني لا يدخلون لأنهم لم يدخلوا في مطلق أولاد أولاده فأشبه ما لو لم يقل الهاشميين وإن قال على أولادي وأولاد أولادي ممن ينسب إلى قبيلتي فكذلك
الفصل الثالث أنه إذا وقف على أولاد رجل وأولاد أولاده استوى فيه الذكر والأنثى لأنه تشريك بينهم وإطلاق التشريك يقتضي التسوية كما لو أقر لهم بشيء وكولد الأم في الميراث حين شرك الله تعالى بينهم فيه فقال فهم شركاء في الثلث النساء 12 تساووا فيه ولم يفضل بعضهم على بعض وليس كذلك في ميراث ولد الأبوين وولد الأب فإن الله تعالى قال وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين النساء 176 ولا أعلم في هذا خلافا الفصل الرابع أنه إذا فضل بعضهم على بعض فهو على ما قال فلو قال وقفت على أولادي وأولاد أولادي على أن للذكر سهمين وللأنثى سهما أو للذكر مثل حظ الأنثيين أو على حسب ميراثهم أو على حسب فرائضهم أو بالعكس من هذا أو على أن للكبير ضعف ما للصغير أو للعامل ضعف ما للجاهل أو للعائل ضعف ما للغني أو عكس ذلك أو عين بالتفضيل واحدا معينا أو ولده أو ما أشبه هذا فهو على ما قال لأن ابتداء الوقف مفوض إليه فكذلك تفضيله وترتييه وكذلك إن شرط إخراج بعضهم بصفة ورده بصفة مثل أن يقول من تزوج منهم فله ومن فارق فلا شيء له أو عكس ذلك أو من حفظ القرآن فله ومن نسيه فلا شيء له ومن اشتغل بالعلم فله ومن ترك فلا شيء له أو من كان على مذهب كذا فله ومن خرج منه فلا شيء له فكل هذا صحيح على ما شرط وقد روى هشام بن عروة أن الزبير جعل دوره صدقة على بنيه لا تباع ولا توهب وأن للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها فإن استغنت بزوج فلا حق لها في الوقف وليس هذا تعليقا للوقف بصفة بل الوقف مطلق والاستحقاق له بصفة وكل هذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا فصل والمستحب أن يقسم الوقف على أولاده على حسب قسمة الله تعالى الميراث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين وقال القاضي المستحب التسوية بين الذكر والانثى لأن القصد القربة على وجه الدوام وقد استووا في القرابة ولنا إنه إيصال للمال إليهم فينبغي أن يكون بينهم على حسب الميراث كالعطية ولأن الذكر في مظنة الحاجة أكثر من الأنثى لأن كل واحد منهما في العادة يتزوج ويكون له الولد فالذكر تجب عليه نفقة امرأته وأولاده والمرأة ينفق عليها زوجها ولا يلزمها نفقة أولادها وقد فضل الله الذكر على الأنثى في الميراث على وفق هذا المعنى فيصح تعليله به ويتعدى إلى الوقف وإلى غيره من العطايا والصلات وما ذكره القاضي لا أصل له وهو ملغي بالميراث والعطية فإن خالف فسوى بين الذكر والأنثى أو فضلها عليه أو فضل بعض البنين أو بعض البنات على بعض أو خص بعضهم بالوقف دون بعض فقال أحمد في رواية محمد بن الحكم إن كان على طريق الأثرة فأكرهه وإن كان على أن بعضهم له عيال وبه حاجة يعني فلا بأس به ووجه ذلك أن الزبير خص المردودة من بناته دون المستغنية منهن بصدقته وعلى قياس قول أحمد لو خص المشتغلين بالعلم من أولاده بوقفه تحريضا لهم على طلب العلم أو ذا الدين دون الفساق أو المريض أو من له فضل من أجل فضيلته فلا بأس وقد دل على صحة هذا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه نحل عائشة جذاذ عشرين وسقا دون سائر ولده وحديث عمر أنه كتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوضى به عبد الله أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغا وصرمة بن الأكوع والعبد الذي فيه والمائة سهم التي بخيبر ورقيقه الذي فيه الذي أطعمه محمد صلى الله عليه وسلم بالواد تليه حفصة ما عاشت ثم يليه ذو الرأي من أهلها أن لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذوي القربى لا حرج على من وليه إن أكل أو اشترى رقيقا منه رواه أبو داود وفيه دليل على تخصيص حفصة دون إخوتها وأخواتها
مسألة قال ( فإذا لم يبق منهم أحد رجع إلى المساكين ) يعني إذا وقف على قوم ونسلهم ثم على المساكين فانقرض القوم ونسلهم فلم يبق منهم أحد رجع إلى المساكين ولم ينتقل إليهم ما دام أحد من القوم أو من نسلهم باقيا لأنه رتبه للمساكين بعدهم والمساكين الذين يستحقون السهم من الزكاة والفقراء يدخلون فيهم وكذلك لفظ الفقراء يدخل فيه المساكين لأن كل واحد من اللفظين يطلق عليهما والمعنى الذي يسميان به شامل لهما وهو الحاجة والفاقة ولهذا لما سمى الله عز وجل المساكين في مصرف كفارة اليمين وكفارة الظهار وفدية الأذى تناولهما جميعا وجاز الصرف إلى كل واحد منهما ولما ذكر الفقراء في قوله للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله البقرة 273 وفي قوله وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم البقرة 271 تناول القسمين وكل موضع ذكر فيه أحد اللفظين تناول القسمين إلا في الصدقات لأن الله تعالى جمع بين الاسمين وميز بين المسميين فاحتجنا إلى التمييز بينهما وفي غير الصدقات يستحق الكل بكل واحد من الاسمين فإن جمع بين الاسمين بالوقف أيضا فقال وقفت هذا على الفقراء والمساكين نصفين أو ثلاثا وجب التمييز بينهما أيضا فنزلناهما منزلتهما من سهام الصدقات وإن قال على الفقراء والمساكين فقياس المذهب جواز الاقتصار على أحد الصنفين وإباحة الدفع إلى واحد كما قلنا في الزكاة ويتخرج أن لا يجوز الدفع إلى أقل من ثلاثة من كل صنف بناء على القول في الزكاة أيضا ولا خلاف في أنه لا يجب تعميمهم بالعطية كما لايجب استيعابهم بالزكاة ولا في أنه يجوز التفضيل بين من يعطيه منهم سواء كانوا ذكورا أو إناثا أو كان الوقف ابتداء أو انتقل إليهم عن غيرهم وضابط هذا أنه متى كان الوقف على من يمكن حصرهم واستيعابهم والتسوية بينهم وجب استيعابهم والتسوية بينهم إذا لم يفضل الواقف بعضهم على بعض فإن وقف على من لا يمكن حصرهم كالمساكين أو قبيلة كبيرة كبني تميم وبني هاشم جاز الدفع إلى واحد وإلى أكثر منه وجاز التفضيل والتسوية لأن وقفه عليهم مع علمه بتعذر استيعابهم دليل على أنه لم يرده ومن جاز حرمانه جاز تفضيل غيره عليه فإن كان الوقف في ابتدائه على من يمكن استيعابه فصار ممن لا يمكن استيعابه كرجل وقف على ولده وولد ولده فصاروا قبيلة كبيرة تخرج عن الحصر مثل أن يقف علي رضي الله عنه على ولده ونسله فإنه يجب تعميم من أمكن منهم والتسوية بينهم لأن التعميم كان واجبا وكذلك التسوية فإذا تعذر وجب منه ما أمكن كالواجب الذي يعجز عن بعضه ولأن الواقف أراد التعميم والتسوية لإمكانه وصلاح لفظه لذلك فيجب العمل بما أمكن منه بخلاف ما إذا كانوا حال الوقف مما لا يمكن ذلك فيهم فصل وإن وقف على سبيل الله أو ابن السبيل أو الرقاب أو الغارمين فهم الذين يستحقون السهم من الصدقات لا يعدوهم إلى غيرهم لأن المطلق من كلام الآدميين محمول على المعهود في الشرع فينظر من كان يستحق السهم من الصدقات فالوقف مصروف إليه وشرحهم يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وإن وقف على الأصناف الثمانية الذين يأخذون الصدقات صرف إليهم ويعطى كل واحد منهم من الوقف مثل القدر الذي يعطى من الزكاة لا يزاد على ذلك فيعطى الفقير والمسكين ما يتم به غناؤه والغارم قدر ما يقضي غرمه والمكاتب قدر ما يؤدي به كتابته وابن السبيل مايبلغه والغازي قدر ما يحتاج إليه لغزوه وإن كان غنيا واختلف في قدر ما يحصل به الغنى فقال أحمد في رواية علي بن سعيد في الرجل يعطى من الوقف خمسين درهما فقال إن كان الواقف ذكر في كتابه المساكين فهو مثل الزكاة وإن كان متطوعا أعطى ما شاء وكيف شاء فقد نص أحمد على إلحاقه بالزكاة فيكون الخلاف فيه كالخلاف في الزكاة والله أعلم وإن وقف على جميع الأصناف أو على صنفين أو أكثر فهل يجوز الاقتصار على صنف واحد أو يجب إعطاء بعض كل صنف من الموقوف عليه على وجهين بناء على الزكاة
فصل وإذا وقف على سبيل الله وسبيل الثواب وسبيل الخير فسبيل الله هو الغزو والجهاد في سبيل الله فيصرف ثلث الوقف إلى من يصرف إليهم السهم من الزكاة وهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديون وإن كانوا أغنياء وسائر الوقف يصرف إلى كل ما فيه أجر ومثوبة وخير لأن اللفظ عام في ذلك وقال أصحابنا يجزأ الوقف ثلاثة أجزاء فجزء يصرف إلى الغزاة وجزء يصرف إلى أقرب الناس إليه من الفقراء لأنهم أكثر الجهات ثوابا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة والثالث يصرف إلى من يأخذ الزكاة لحاجته وهم خمسة أصناف الفقراء والمساكين والرقاب والغارمون لمصلحتهم وابن السبيل لأن هؤلاء أهل حاجة منصوص عليهم في القرآن فكان ما نص الله تعالى عليه في كتابه أولى من غيره وإن ساواه في الحاجة وهذا مذهب الشافعي ولنا إن لفظه عام فلا يجب التخصيص بالبعض لكونه أولى كالفقراء والمساكين في الزكاة لا يجب تخصيص أقاربه منهم بها وإن كانوا أولى وكذلك سائر الألفاظ العامة وإن أوصى في أبواب البر صرف في كل ما فيه بر وقربة وقال أصحابنا يصرف في أربع جهات أقاربه غير الوارثين والمساكين والجهاد والحج قال أبو الخطاب وعنه فداء الأسرى مكان الحج ووجه القولين ما تقدم في التي قبلها مسألة قال ( فإن لم يجعل آخره للمساكين ولم يبق ممن وقف عليه أحد رجع إلى ورثة الواقف في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله رحمه الله والرواية الأخرى يكون وقفا على أقرب عصبة الواقف ) وجملة ذلك أن الواقف الذي لا اختلاف في صحته ما كان معلوم الابتداء والانتهاء غير منقطع مثل أن يجعل على المساكين أو طائفة لا يجوز بحكم العادة انقراضهم وإن كان غير معلوم الانتهاء مثل أن يقف على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة ولم يجعل آخره للمساكين ولا لجهة غير منقطعة فإن الوقف يصح وبه قال مالك وأبو يوسف والشافعي في أحد قوليه وقالمحمد بن الحسن لا يصح وهو القول الثاني للشافعي لأن الوقف مقتضاه التأبيد فإذا كان منقطعا صار وقفا على مجهول فلم يصح كما لو وقف على مجهول في الابتداء ولنا إنه تصرف معلوم المصرف فصح كما لو صح بمصرفه المتصل ولأن الإطلاق إذا كان له عرف حمل عليه كنقد البلد وعرف المصرف وها هنا هم أولى الجهات به فكأنه عينهم إذا ثبت هذا فإنه ينصرف عند انقراض الموقوف عليهم إلى أقارب الواقف وبه قال الشافعي وعن أحمد رواية أخرى أنه ينصرف إلى المساكين واختاره القاضي والشريف أبو جعفر لأنه مصرف الصدقات وحقوق الله تعالى من الكفارات ونحوها فإذا وجدت صدقة غير معينة المصرف انصرفت إليهم كما لو نذر صدقة مطلقة وعن أحمد رواية ثالثة أنه يجعل في بيت مال المسلمين لأنه مال لا مستحق له فأشبه مال من لا وارث له وقال أبو يوسف يرجع إلى الواقف وإلى ورثته إلا أن يقول صدقة موقوفة ينفق منها على فلان وعلى فلان فإذا انقرض المسمى كانت للفقراء والمساكين لأنه جعلها صدقة على مسمى فلا تكون على غيره ويفارق ما إذا قال ينفق على فلان وفلان فإنه جعل الصدقة مطلقة ولنا إنه أزال ملكه لله تعالى فلم يجز أن يرجع إليه كما لو أعتق عبدا والدليل على صرفه إلى أقارب الواقف أنهم أولى الناس بصدقته بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم صدقتك على غير رحمك صدقة وصدقتك على رحمك صدقة وصلة وقال إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ولأن فيه إغناءهم وصلة أرحامهم لأنهم أولى الناس بصدقاته النوافل والمفروضات كذلك صدقته المنقولة
إذا ثبت هذا فإنه في ظاهر كلام الخرقي وظاهر كلام أحمد يكون للفقراء منهم والأغنياء لأن الوقف لا يختص الفقراء ولو وقف على أولاده تناول الفقراء والأغنياء كذا ها هنا وفيه وجه آخر أنه يختص الفقراء منهم لأنهم أهل الصدقات دون الأغنياء ولأنا خصصناهم بالوقف لكونهم أولى الناس بالصدقة وأولى الناس بالصدقة الفقراء دون الأغنياء واختلفت الرواية فيمن يستحق الوقف من أقرباء الواقف ففي إحدى الروايتين يرجع إلى الورثة منهم لأنهم الذين صرف الله تعالى إليهم ماله بعد موته واستغنائه عنه فكذلك يصرف إليهم من صدقته ما لم يذكر له مصرفا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس فعلى هذا يكون بينهم على حسب ميراثهم ويكون وقفا عليهم نص عليه أحمد وذكره القاضي لأن الوقف يقتضي التأبيد وإنما صرفناه إلى هؤلاء لأنهم أحق الناس بصدقته فصرف إليهم مع بقائه صدقة ويحتمل كلام الخرقي أن يصرف إليهم على سبيل الإرث ويبطل الوقف فيه فعلى هذا يكون كقول أبي يوسف ( والرواية الثانية ) يكون وقفا على أقرب عصبة الواقف دون بقية الورثة من أصحاب الفروض ودون البعيد من العصابات فيقدم الأقرب فالأقرب على حسب استحقاقهم لولاء الموالى لأنهم خصوا بالعقل عنه وبميراث موليه فخصوا بهذا أيضا وهذا لا يقوى عندي فإن استحقاقهم لهذا دون غيرهم من الناس لا يكون من بدليل من نص أو إجماع أو قياس ولا نعلم فيه نصا ولا إجماعا ولا يصح قياسه على ميراث ولاء الموالى لأن علته لا تتحقق ههنا وأقرب الأقوال فيه صرفه إلى المساكين لأنهم مصارف مال الله تعالى وحقوقه فإن كان في أقارب الواقف مساكين كانوا أولى به لا على سبيل الوجوب كما أنهم أولى بزكاته وصلاته مع جواز الصرف إلى غيرهم ولأننا إذا صرفناه إلى أقاربه على سبيل التعيين فهي أيضا جهة منقطعة فلا يتحقق اتصاله إلا بصرفه إلى المساكين وقال الشافعي يكون وقفا على أقرب الناس إلى الواقف الذكر والأنثى فيه سواء فصل فإن لم يكن للواقف أقارب أو كان له أقارب فانقرضوا صرفه إلى الفقراء والمساكين وقفا عليهم لأن القصد به الثواب الجاري عليه على وجه الدوام وإنما قدمنا الأقارب على المساكين لكونهم أولى فإذا لم يكونوا فالمساكين أهل لذلك فصرف إليهم إلا على قول من قال إنه يصرف إلى ورثة الواقف ملكا لهم فإنه يصرف عند عدمهم إلى بيت المال لأنه بطل الوقف فيه بانقطاعه وصار ميراثا لا وارث له فكان بيت المال به أولى فصل فإن قال وقفت هذا وسكت أو قال صدقة موقوفة ولم يذكر سبيله فلا نص فيه وقال ابن حامد يصح الوقف قال القاضي هو قياس قول أحمد فإنه قال في النذر المطلق ينعقد موجبا لكفارة يمين وهذا قول مالك والشافعي في أحد قوليه لأنه إزالة ملك على وجه القربة فوجب أن يصح مطلقه كالأضحية والوصية ولو قال وصيت بثلث مالي صح وإذا صح صرف إلى مصارف الوقف المنقطع بعد انقراض الموقوف عليه