Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)
1 ( باب الاعتدال في السجود ووضع الكفين على الأرض ورفع المرفقين عن الجنبين ورفع البطن عن الفخذين في السجود ) مقصود احاديث الباب أنه ينبغي للساجد أن يضع كفيه على الأرض ويرفع مرفقيه عن الأرض وعن جنبيه رفعا بليغا بحيث يظهر باطن إبطيه إذا لم يكن مستورا وهذا أدب متفق على استحبابه فلو تركه كان مسيئا مرتكبا والنهي للتنزيه وصلاته صحيحة والله أعلم قال العلماء والحكمة في هذا أنه أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض وأبعد من هيئات الكسالى فإن المتبسط كشبه الكلب ويشعر حاله بالتهاون بالصلاة وقلة الاعتناء بها والاقبال عليها والله أعلم وأما ألفاظ الباب ففيه قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب ) وفي الرواية الأخرى ولا يتبسط بزيادة التاء المثناة من فوق انبساط الكلب هذان اللفظان صحيحان وتقديره ولا يبسط ذراعيه فينبسط انبساط الكلب وكذا اللفظ الآخر ولا يتبسط ذراعيه فينبسط إنبساط الكلب ومثله قول الله تعالى والله أنبتكم من الأرض نباتا وقوله فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وفي هذه الآية الثانية شاهدان ومعنى يتبسط بالتاء المثناة فوق أي يتخذهما بساطا والله أعلم قوله ( عن إياد ) هو بكسر الهمزة وبالياء المثناة من تحت قوله ( عن عبد الله بن مالك بن بحينة ) الصواب فيه أن ينون مالك ويكتب بن بالألف لأن بن بحينة ليس صفة لمالك بل صفة لعبد الله لأن عبد الله اسم أبيه مالك واسم أم عبد الله بحينة فبحينة امرأة مالك وأم عبد الله بن مالك قوله ( فرج بين يديه ) يعني بين يديه وجنبيه قوله ( يجنح في سجوده ) هو بضم الياء وفتح الجيم وكسر النون المشددة وهو معنى فرج بين يديه وهو معنى قوله في الرواية الأخرى خوى بيديه بالخاء المعجمة وتشديد الواو وفرج وجنح وخوى بمعنى واحد ومعناه كله باعد مرفقيه وعضديه عن جنبيه قوله ( يجنح في سجوده حتى نرى بياض أبطيه ) هو بالنون في نرى وروى بالياء المثناة من تحت المضمومة وكلاهما صحيح ويؤيد الياء الرواية الأخرى عن ميمونة إذا سجد خوى بيديه حتى يرى وضح إبطيه ضبطناه وضبطوه هنا بضم الياء ويؤيد النون رواية الليث في هذا الطريق حتى أني لأرى بياض إبطيه قوله ( لو شاءت بهمة أن تمر ) قال أبو عبيد وغيره من اهل اللغة البهمة واحدة البهم وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث وجمع البهم بهام بكسر الباء وقال الجوهري البهمة من أولاد الضأن خاصة ويطلق على الذكر والأنثى قال والسخال أولاد المعزى قوله ( أخبرنا بن عيينة عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم عن عمه يزيد بن الأصم ) وفي الرواية الأخرى ( أخبرنا مروان بن معاوية الفزاري قال حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم عن يزيد بن الأصم ) هكذا وقع في بعض الأصول عبيد الله بن عبد الله بتصغير الأول في الروايتين وفي بعضها عبد الله مكبرا في الموضعين وفي أكثرها بالتكبير في الرواية الأولى والتصغير في الثانية وكله صحيح فعبد الله وعبيد الله أخوان وهما ابنا عبد الله بن الأصم وعبد الله بالتكبير اكبر من عبيد الله وكلاهما رويا عن عمه يزيد بن الأصم وهذا مشهور في كتب أسماء الرجال والذي ذكره خلف الواسطي في كتابه أطراف الصحيحين في هذا الحديث عبد الله بالتكبير في الروايتين وكذا ذكره أبو داود وبن ماجة في سننيهما من رواية بن عيينة بالتكبير ولم يذكروا رواية الفزاري ووقع في سنن النسائي اختلاف في الرواية عن النسائي بعضهم رواه بالتكبير وبعضهم بالتصغير ورواه البيهقي في السنن الكبير من رواية بن عيينة بالتصغير ومن رواية الفزاري بالتكبير والله أعلم قوله ( حتى يرى وضح إبطيه ) هو بفتح الضاد أي بياضهما قوله ( وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى ) يعني إذا قعد بين السجدتين أو في التشهد الأول وأما القعود في التشهد الأخير فالسنة فيه التورك كما رواه البخاري في صحيحه من رواية أبي حميد الساعدي وكذلك رواه أبو داود والترمذي وغيرهما قوله ( جعفر بن برقان ) بضم الباء الموحدة والله أعلم
1 ( باب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختم به وصفة الركوع والاعتدال منه والسجود والاعتدال منه والتشهد بعد كل ركعتين من الرباعية وصفة الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأول)
فيه أبو الجوزاء عن عائشة رضي الله عنها قوله ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا وكان يقول في كل ركعتين التحية وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى وكان ينهى عن عقبة الشيطان وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع وكان يختم الصلاة بالتسليم ) وفي رواية ينهى عن عقب الشيطان أبو الجوزاء بالجيم والزاي واسمه أوس بن عبد الله بصرى قولها والقراءة بالحمد لله هو برفع الدال على الحكاية قولها ( ولم يصوبه ) هو بضم الياء وفتح الصاد المهملة وكسر الواو المشددة أي لم يخفضه خفضا بليغا بل يعدل فيه بين الأشخاص والتصويب قولها ( وكان يفرش ) هو بضم الراء وكسرها والضم أشهر قولها ( عقبة الشيطان بضم العين وفي الرواية الأخرى عقب الشيطان بفتح العين وكسر القاف هذا هو الصحيح المشهور فيه وحكى القاضي عياض عن بعضهم بضم العين وضعفه وفسره أبو عبيدة وغيره بالإقعاء المنهي عنه وهو أن يلصق ألييه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كما يفرش الكلب وغيره من السباع أما أحكام الباب فقولها كان يفتتح الصلاة بالتكبير فيه إثبات التكبير في أول الصلاة وأنه يتعين لفظ التكبير لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله وأنه صلى الله عليه وسلم قال صلوا كما رأيتموني أصلي وهذا الذي ذكرناه من تعيين التكبير هو قول مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى وجمهور العلماء من السلف والخلف وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يقوم غيره من ألفاظ التعظيم مقامه وقولها ( والقراءة بالحمد لله رب العالمين ) استدل به مالك وغيره ممن يقول أن البسملة ليست من الفاتحة وجواب الشافعي رحمه الله تعالى والأكثرين القائلين بأنها من الفاتحة أن معنى الحديث أنه يبتدئ القرآن بسورة الحمد لله رب العالمين لا بسورة أخرى فالمراد بيان السورة التي يبتدأ بها وقد قامت الأدلة على أن البسملة منها وفيه أن السنة للراكع أن يسوي ظهره بحيث يستوي رأسه ومؤخره وفيه وجوب الإعتدال إذا رفع من الركوع وأنه يجب أن يستوي قائما لقوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي وفيه وجوب الجلوس بين السجدتين قولها ( وكان يقول في كل ركعتين التحية ) فيه حجة لاحمد بن حنبل ومن وافقه من فقهاء أصحاب الحديث أن التشهد الأول والأخير واجبان وقال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما والأكثرون هما سنتان ليسا واجبين وقال الشافعي رضي الله عنه الأول سنة والثاني واجب واحتج أحمد رحمه الله تعالى بهذا الحديث مع قوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي وبقوله كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن وبقوله صلى الله عليه وسلم إذا صلى أحدكم فليقل التحيات والأمر للوجوب واحتج الأكثرون بأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك التشهد الأول وجبره بسجود السهو ولو وجب لم يصح جبره كالركوع وغيره من الأركان قالوا وإذا ثبت هذا في الأول فالأخير بمعناه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه الإعرابي حين علمه فروض الصلاة والله أعلم قولها وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى معناه يجلس مفترشا فيه حجة لأبي حنيفة رضي الله عنه ومن وافقه أن الجلوس في الصلاة يكون مفترشا سواء فيه جميع الجلسات وعند مالك رحمه الله تعالى يسن متوركا بأن يخرج رجله اليسرى من تحته ويفضي بوركه إلى الأرض وقال الشافعي رحمه الله تعالى السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشا إلا التي يعقبها السلام والجلسات عند الشافعي رحمه الله تعالى أربع الجلوس بين السجدتين وجلسة الاستراحة عقب كل ركعة يعقبها قيام والجلسة للتشهد الأول والجلسة للتشهد الأخير فالجميع يسن مفترشا إلا الأخيرة فلو كان مسبوقا وجلس أمامه في آخر صلاته متوركا جلس المسبوق مفترشا لأن جلوسه لا يعقبه سلام ولو كان على المصلى سجود سهو فالأصح أنه يجلس مفترشا في التشهد فإذا سجد سجدتي السهو تورك ثم سلم هذا تفصيل مذهب الشافعي رحمه الله تعالى واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بإطلاق حديث عائشة رضي الله عنها هذا واحتج الشافعي رحمه الله تعالى بحديث أبي حميد الساعدي في صحيح البخاري وفيه تصريح بالافتراش في الجلوس الأول والتورك في آخر الصلاة وحمل حديث عائشة هذا على الجلوس في غير التشهد الأخير للجمع بين الأحاديث وجلوس المرأة كجلوس الرجل وصلاة النفل كصلاة الفرض في الجلوس هذا مذهب الشافعي ومالك رحمهما الله تعالى والجمهور وحكى القاضي عياض عن بعض السلف أن سنة المرأة التربع وعن بعضهم التربع في النافلة والصواب الأول ثم هذه الهيئة مستوية فلو جلس في الجميع مفترشا أو متوركا أو متربعا أو مقعيا أو مادا رجليه صحت صلاته وإن كان مخالفا قولها ( وكان ينهى عن عقبة الشيطان ) هو الإقعاء الذي فسرناه وهو مكروه باتفاق العلماء بهذا التفسير الذي ذكرناه وأما الإقعاء الذي ذكره مسلم بعد هذا في حديث بن عباس أنه سنة فهو غير هذا كما سنفسره في موضعه ان شاء الله تعالى قولها ( وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع ) سبق الكلام عليه في الباب قبله قولها ( وكان يختم الصلاة بالتسليم ) فيه دليل على وجوب التسليم فإنه ثبت هذا مع قوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي واختلف العلماء فيه فقال مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى وجمهور العلماء من السلف والخلف السلام فرض ولا تصح الصلاة إلا به قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي رضي الله عنهم هو سنة لو تركه صحت صلاته قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لو فعل منافيا للصلاة من حدث أو غيره في آخرها صحت صلاته واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه الإعرابي في واجبات الصلاة حين علمه واجبات الصلاة واحتج الجمهور بما ذكرناه وبالحديث الآخر في سنن أبي داود والترمذي مفتاح الصلاة الطهور وتحليلها التسليم ومذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد رضي الله عنهم والجمهور أن المشروع تسليمتان ومذهب مالك رحمه الله تعالى في طائفة المشروع تسليمة وهو قول ضعيف عن الشافعي رحمه الله تعالى ومن قال بالتسليمة الثانية فهي عنده سنة وشذ بعض الظاهرية والمالكية فأوجبها وهو ضعيف مخالف لإجماع من قبله والله أعلم
1 ( باب سترة المصلى والندب إلى الصلاة إلى سترة والنهي عن المرور ( بين يدي المصلي وحكم المرور ودفع المار وجواز الاعتراض بين يدي المصلي ) ( والصلاة إلى الراحلة والأمر بالدنو من السترة وبيان قدر السترة وما يتعلق بذلك ) )
قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبال من مر وراء ذلك ) المؤخرة بضم الميم وكسر الخاء وهمزة ساكنة ويقال بفتح الخاء مع فتح الهمزة وتشديد الخاء ومع إسكان الهمزة وتخفيف الخاء ويقال آخرة الرحل بهمزة ممدودة وكسر الخاء فهذه أربع لغات وهي العود الذي في آخر الرحل وفي هذا الحديث الندب إلى السترة بين يدي المصلى وبيان أن أقل السترة مؤخرة الرحل وهي قدر عظم الذراع هو نحو ثلثي ذراع ويحصل بأى شئ أقامه بين يديه هكذا وشرط مالك رحمه الله تعالى أن يكون في غلظ الرمح قال العلماء والحكمة في السترة كف البصر عما وراءه ومنع من يجتاز بقربه واستدل القاضي عياض رحمه الله تعالى بهذا الحديث على أن الخط بين يدي المصلى لا يكفي قال وان كان قد جاء به حديث وأخذ به أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى فهو ضعيف واختلف فيه فقيل يكون مقوسا كهيئة المحراب وقيل قائما بين يدى المصلى إلى القبلة وقيل من جهة يمينه إلى شماله قال ولم ير مالك رحمه الله تعالى ولا عامة الفقهاء الخط هذا كلام القاضي وحديث الخط رواه أبو داود وفيه ضعف واضطراب واختلف قول الشافعي رحمه الله تعالى فيه فاستحبه في سنن حرملة وفي القديم ونفاه في البويطي وقال جمهور أصحابه باستحبابه وليس في حديث مؤخره الرحل دليل على بطلان الخط والله أعلم قال أصحابنا ينبغي له أن يدنو من السترة ولا يزيد ما بينهما على ثلاث أذرع فان لم يجد عصا ونحوها جمع أحجارا أو ترابا أو متاعه والا فليبسط مصلى والا فليخط الخط واذا صلى إلى سترة منع غيره من المرور بينه وبينها وكذا يمنع من المرور بينه وبين الخط ويحرم المرور بينه وبينها فلو لم يكن سترة أو تباعد عنها فقيل له منعه والأصح أنه ليس له لتقصيره ولا يحرم حينئذ المرور بين يديه لكن يكره ولو وجد الداخل فرجة في الصف الأول فله أن يمر بين يدي الصف الثاني ويقف فيها لتقصير أهل الصف الثاني بتركها والمستحب أن يجعل السترة عن يمينه أو شماله ولا يضم لها والله أعلم قوله ( حدثنا الطنافسي ) هو بفتح الطاء وكسر الفاء قوله ( يركز العنزة ) هو بفتح الياء وضم الكاف وهو بمعنى يغرز المذكور في الرواية الأخرى قوله ( كان يعرض راحلته ويصلى اليها ) هو بفتح الياء وكسر الراء وروى بضم الياء وتشديد الراء ومعناه يجعلها معترضة بينه وبين القبلة ففيه دليل على جواز الصلاة إلى الحيوان وجواز الصلاة بقرب البعير بخلاف الصلاة في عطان الابل فانها مكروهة للاحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك لأنه يخاف هناك نفورها فيذهب الخشوع بخلاف هذا قوله ( وهو بالابطح ) هو الموضع المعروف على باب مكة ويقال لها البطحاء أيضا قوله ( فمن نائل وناضح ) معناه فمنهم من ينال منه شيئا ومنهم من ينضح عليه غيره شيئا مما ناله ويرش عليه بللا مما حصل له وهو معنى ما جاء في الحديث الآخر فمن لم يصب أخذ من يد صاحب قوله ( فخرج بلال بوضوء فمن نائل وناضح فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ ) فيه تقديم وتأخير تقديره فتوضأ فمن نائل بعد ذلك وناضح تبركا بآثاره صلى الله عليه وسلم وقد جاء مبينا في الحديث الآخر فرأيت الناس يأخذون من فضل وضوئه ففيه التبرك بآثار الصالحين واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم قوله ( عليه حلة حمراء ) قال أهل اللغة الحلة ثوبان لا يكون واحدا وهما ازار ورداء ونحوهما وفيه جواز لباس الأحمر قوله ( كأني أنظر إلى بياض ساقيه ) فيه أن الساق ليست بعورة وهذا مجمع عليه قوله ( فأذن بلال ) فيه الأذان في السفر قال الشافعي رضي الله عنه ولا أكره من تركه في السفر ما أكره من تركه في الحضر لأن أمر المسافر مبني على التخفيف قوله ( فأذن بلال فجعلت أتتبع فاه ها هنا وههنا يقول يمينا وشمالا حي على الصلاة حي على الفلاح فيه أنه يسن للمؤذن الإلتفات في الحيعلتين يمينا وشمالا برأسه وعنقه قال أصحابنا ولا يحول قدميه وصدره عن القبلة وإنما يلوي رأسه وعنقه واختلفوا في كيفية التفاته على مذاهب وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا أصحها وهو قول الجمهور أنه يقول حي على الصلاة مرتين عن يمينه ثم يقول عن يساره مرتين حي على الفلاح والثاني يقول عن يمينه حي على الصلاة مرة ثم مرة عن يساره ثم يقول حي على الفلاح مرة عن يمينه ثم مرة عن يساره والثالث يقول عن يمينه حي على الصلاة ثم يعود إلى القبلة ثم يعود إلى الألتفات عن يمينه فيقول حي على الصلاة ثم يلتفت عن يساره فيقول حي على الفلاح ثم يعود إلى القبلة ويلتفت عن يساره فيقول حي على الفلاح قوله ( ثم ركزت له عنزة ) هي عصا في أسفلها حديدة وفيه دليل على جواز استعانة الإمام بمن يركز له عنزة ونحو ذلك قوله ( فصلى الظهر ركعتين ) فيه أن الأفضل قصر الصلاة في السفر وإن كان بقرب بلد ما لم ينو الإقامة أربعة أيام فصاعدا قوله ( يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع ) معناه يمر الحمار والكلب وراء السترة وقدامها إلى القبلة كما قال في الحديث الآخر ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة وفي الحديث الآخر فيمر من ورائها المرأة والحمار وفي الحديث السابق ولا يضره من مر وراء ذلك قوله ( وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء مشمرا ) يعني رافعها إلى أنصاف ساقيه ونحو ذلك كما قال في الرواية السابقة كأني انظر إلى بياض ساقيه وفيه رفع الثوب عن الكعبين قوله ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة ) فيه دليل على القصر والجمع في السفر وفيه أن الأفضل لمن أراد الجمع وهو نازل في وقت الأولى أن يقدم الثانية إلى الأولى واما من كان في وقت الأولى سائرا فالأفضل تأخير الأولى إلى وقت الثانية كذا جاءت الأحاديث ولأنه أرفق به قوله ( أقبلت راكبا على أتان ) وفي الرواية الأخرى على حمار وفي رواية للبخاري على حمار أتان قال أهل اللغة الأتان هي الأنثى من جنس الحمير ورواية من روى حمار محمولة على إرادة الجنس ورواية البخاري مبينة للجميع قوله ( وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ) معناه قاربته واختلف العلماء في سن بن عباس رضي الله عنهما عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل عشر سنين وقيل ثلاث عشرة وقيل خمس عشرة وهو رواية سعيد بن جبير عنه قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه وهو الصواب قوله ( فأرسلت الأتان ترتع ) أي ترعى قوله ( يصلى بمنى ) فيها لغتان الصرف وعدمه ولهذا يكتب بالألف والياء والأجود صرفها وكتابتها بالألف سميت منى لما يمنى بها من الدماء أي يراق ومنه قول الله تعالى من مني يمنى وفي هذا الحديث أن صلاة الصبي صحيحة وأن سترة الأمام سترة لمن خلفه قال القاضي عياض رحمه الله تعالى واختلفوا هل ستره الإمام بنفسها سترة لمن خلفه أم هي سترة له خاصة وهو سترة لمن خلفه مع الاتفاق على أنهم مصلون إلى سترة قال ولا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يأمن المرور بين يديه واختلفوا إذا كان في موضع يأمن المرور بين يديه وهما قولان في مذهب مالك ومذهبنا أنها مشروعة مطلقا لعموم الأحاديث ولأنها تصون بصره وتمنع الشيطان المرور والتعرض لإفساد صلاته كما جاءت الأحاديث قوله وهو يصلي بمنى وفي رواية بعرفة وهو محمول على أنهما قضيتان قوله ( في حجة الوداع ) وفي رواية حجة الوداع أو يوم الفتح الصواب في حجة الوداع وهذا الشك محمول عليه قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأ ما استطاع فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان ) معنى يدرأ يدفع وهذا الأمر بالدفع أمر ندب وهو ندب متأكد ولا أعلم أحدا من العلماء أوجبه بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير واجب قال القاضي عياض واجمعوا على أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح ولا ما يؤدي إلى هلاكه فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق العلماء وهل يجب ديته أم يكون هدرا فيه مذهبان للعلماء وهما قولان في مذهب مالك رضي الله عنه قال واتفقوا على أن هذا كله لمن لم يفرط في صلاته بل احتاط وصلى إلى ستره أو في مكان يأمن المرور بين يديه ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد في الرواية التي بعد هذه إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره فأراد أحد ان يجتاز بين يديه فليدفع في نحره فإن أبى فليقاتله قال وكذا اتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليرده وإنما يدفعه ويرده من موقفه لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من موقفه ولهذا أمر بالقرب من سترته وإنما يرده إذا كان بعيدا منه بالإشارة والتسبيح قال وكذلك اتفقوا على أنه إذا مر لا يرده لئلا يصير مرورا ثانيا إلا شيئا روى عن بعض السلف أنه يرده وتأوله بعضهم هذا آخر كلام القاضي رحمه الله تعالى وهو كلام نفيس والذي قاله أصحابنا أنه يرده إذا أراد المرور بينه وبين سترته بأسهل الوجوه فإن أبى فبأشدها وإن ادى إلى قتله فلا شيء عليه كالصائل عليه لأخذ نفسه أو ماله وقد أباح له الشرع مقاتلته والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها قوله صلى الله عليه وسلم فإنما هو شيطان قال القاضي قيل معناه إنما حمله على مروره وامتناعه من الرجوع الشيطان وقيل معناه يفعل فعل الشيطان لأن الشيطان بعيد من الخير وقبول السنة وقيل المراد بالشيطان القرين كما جاء في الحديث الآخر فإن معه القرين والله أعلم قوله ( فمثل ) هو بفتح الميم وبفتح الثاء وضمها لغتان حكاهما صاحب المطالع وغيره الفتح أشهر ولم يذكر الجوهري وآخرون غيره ومعناه انتصب والمضارع يمثل بضم الثاء لا غير منه الحديث من احب أن يمثل الناس له قياما قوله ( أرسله إلى أبي جهيم ) هو بضم الجيم وفتح الهاء مصغر واسمه عبد الله بن الحارث بن الصمة الأنصاري النجاري وهو المذكور في التيمم وهو غير أبي جهم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم فإن صاحب الخميصة أبو جهم بفتح الجيم وبغير ياء واسمه عامر بن حذيفة العدوي قوله صلى الله عليه وسلم ( لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه ) معناه لو يعلم ما عليه من الإثم لاختار الوقوف أربعين على ارتكاب ذلك الإثم ومعنى الحديث النهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك قوله ( كان بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ممر الشاة ) يعني بالمصلى موضع السجود وفيه أن السنة قرب المصلى من سترته قوله ( كان يتحرى موضع مكان المصحف يسبح ) المراد بالتسبيح صلاة النافلة والسجود صلاة النافلة في المصحف ثلاث لغات ضم الميم وفتحها وكسرها وفي هذا أنه لا بأس بإدامة الصلاة في موضع واحد إذا كان فيه فضل وأما النهي عن ايطان الرجل موضعا من المسجد يلازمه فهو فيما لا فضل فيه ولا حاجة إليه فأما ما فيه فضل فقد ذكرناه وأما من يحتاج إليه لتدريس علم أو للإفتاء أو سماع الحديث ونحو ذلك فلا كراهة فيه بل هو مستحب لأنه من تسهيل طرق الخير وقد نقل القاضي رضي الله عنه خلاف السلف في كراهة الايطان لغير حاجة والاتفاق عليه لحاجة نحو ما ذكرناه قوله ( كان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة ) المراد بالقبلة الجدار وإنما آخر المنبر عن الجدار لئلا ينقطع نظر أهل الصف الأول بعضهم عن بعض قوله ( كان يتحرى الصلاة عند الأسطوانة ) فيه ما سبق أنه لا بأس بإدامة الصلاة في مكان واحد إذا كان فيه فضل وفيه جواز الصلاة بحضرة الأساطين فأما الصلاة إليها فمستحبة لكن الأفضل أن لا يصمد إليها بل يجعلها عن يمينه أو شماله كما سبق وأما الصلاة بين الأساطين فلا كراهة فيها عندنا واختلف قول مالك في كراهتها إذا لم يكن عذر وسبب الكراهة عنده انه يقطع الصف ولأنه يصلي إلى غير جدار قريب قوله صلى الله عليه وسلم ( يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود اختلف العلماء في هذا فقال بعضهم يقطع هؤلاء الصلاة وقال أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقطعها الكلب الأسود وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء ووجه قوله أن الكلب لم يجيء في الترخيص فيه شيء يعارض هذا الحديث وأما المرأة ففيها حديث عائشة رضي الله عنها المذكور بعد هذا وفي الحمار حديث بن عباس السابق وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهم وجمهور العلماء من السلف والخلف لا تبطل الصلاة بمرور شيء من هؤلاء ولا من غيرهم وتأول هؤلاء هذا الحديث على أن المراد بالقطع نقص الصلاة لشغل القلب بهذه الأشياء وليس المراد إبطالها ومنهم من يدعى نسخه بالحديث الآخر لا يقطع صلاة المرء شيء وادرءوا ما استطعتم وهذا غير مرضي لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث وتأويلها وعلمنا التاريخ وليس هنا تاريخ ولا تعذر الجمع والتأويل بل يتأول على ما ذكرناه مع ان حديث لا يقطع صلاة المرء شيء ضعيف والله أعلم قوله ( سمعت سلم بن أبي الذيال ) سلم بفتح السين وإسكان اللام والذيال بفتح الذال المعجمة وتشديد الياء قوله ( يوسف بن حماد المعني هو بإسكان العين وكسر النون وتشديد الياء منسوب إلى معن قوله ( عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة ) استدلت به عائشة رضي الله عنها والعلماء بعدها على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل وفيه جواز صلاته إليها وكره العلماء أو جماعة منهم الصلاة إليها لغير النبي صلى الله عليه وسلم لخوف الفتنة بها وتذكرها وإشغال القلب بها بالنظر إليها وأما النبي صلى الله عليه وسلم فمنزه عن هذا كله وصلاته مع انه كان في الليل والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح قولها ( فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت ) فيه استحباب تأخير الوتر إلى آخر الليل وفيه أنه يستحب لمن وثق باستيقاظه من آخر الليل إما بنفسه وإما بإيقاظ غيره أن يؤخر الوتر وإن لم يكن له تهجد فإن عائشة رضي الله عنها كانت بهذه الصفة وأما من لا يثق باستيقاظه ولا له من يوقظه فيوتر قبل أن ينام وفيه استحباب إيقاظ النائم للصلاة في وقتها وقد جاءت فيه أحاديث أيضا غير هذا قولها ( إن المرأة لدابة سوء ) تريد به الإنكار عليهم في قولهم إن المرأة تقطع الصلاة قولها ( فأكره أن اسنحه ) هو بقطع الهمزة المفتوحة وإسكان السين المهملة وفتح النون أي اظهر له وأعترض يقال سنح لي كذا أي عرض ومنه السانح من الطير قولها ( فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي ) استدل به من يقول لمس النساء لا ينقض الوضوء والجمهور على أنه ينقض وحملوا الحديث على أنه غمزها فوق حائل وهذا هو الظاهر من حال النائم فلا دلالة فيه على عدم النقض قولها ( والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح ) أرادت به الاعتذار تقول لو كان فيها مصابيح لقبضت رجلي عند ارادته السجود ولما أحوجته إلى غمزي قولها ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلى مرط وعليه بعضه إلى جنبه ) المرط كساء وفي هذا دليل على أن وقوف المرأة بجنب المصلي لا يبطل صلاته وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وأبطلها أبو حنيفة رضي الله عنه وفيه أن ثياب الحائض طاهرة إلا موضعا ترى عليه دما أو نجاسة أخرى وفيه جواز الصلاة بحضرة الحائض وجواز الصلاة في ثوب بعضه على المصلى وبعضه على حائض أو غيرها واما استقبال المصلي وجه غيره فمذهبنا ومذهب الجمهور كراهته ونقله القاضي عياض عن عامة العلماء رحمهم الله تعالى
1 ( باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه ) قوله ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد فقال أولكلكم ثوبان ) فيه جواز الصلاة في ثوب واحد ولا خلاف في هذا إلا ما حكى عن بن مسعود رضي الله عنه فيه ولا اعلم صحته وأجمعوا أن الصلاة في ثوبين أفضل ومعنى الحديث ان الثوبين لا يقدر عليهما كل أحد فلو وجبا لعجز من لا يقدر عليهما عن الصلاة وفي ذلك حرج وقد قال الله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم في ثوب واحد ففي وقت كان لعدم ثوب آخر وفي وقت كان مع وجوده لبيان الجواز كما قال جابر رضي الله عنه ليراني الجهال والا فالثوبان أفضل كما سبق قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ) قال العلماء حكمته أنه إذا ائتزر به ولم يكن على عاتقه منه شيء لم يؤمن أن تنكشف عورته بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده أو يديه فيشغل بذلك وتفوته سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت صدره ورفعهما حيث شرع الرفع وغير ذلك لأن فيه ترك ستر أعلى البدن وموضع الزينة وقد قال الله تعالى خذوا زينتكم ثم قال مالك وأبو حنيفة والشافعي رحمهم الله تعالى والجمهور هذا النهي للتنزيه لا للتحريم فلو صلى في ثوب واحد ساتر لعورته ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا وقال أحمد وبعض السلف رحمهم الله تعالى لا تصح صلاته إذا قدر على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه لظاهر الحديث وعن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رواية أنه تصح صلاته ولكن يأثم بتركه وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر رضي الله عنه فإن كان واسعا فألتحف به وإن كان ضيقا فأتزر به رواه البخاري ورواه مسلم في آخر الكتاب في حديثه الطويل قوله ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد مشتملا به واضعا طرفيه على عاتقيه ) وفي الرواية الأخرى ( مخالفا بين طرفيه وفي حديث جابر ( متوشحا به ) المشتمل والمتوشح والمخالف بين طرفيه معناها واحد هنا قال بن السكيت التوشح أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى ثم يعقدهما على صدره وفيه جواز الصلاة في ثوب واحد قوله ( فرأيته يصلي على حصير يسجد ) فيه دليل على جواز الصلاة على شيء يحول بينه وبين الأرض من ثوب وحصير وصوف وشعر وغير ذلك وسواء نبت من الأرض أم لا وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال القاضي رحمه الله تعالى أما ما نبت من الأرض فلا كراهة فيه واما البسط واللبود وغيرها مما ليس من نبات الأرض فتصح الصلاة فيه بالإجماع لكن الأرض أفضل منه إلا لحاجة حر أو برد أو نحوهما لأن الصلاة سرها التواضع والخضوع والله عز وجل أعلم 1 ( كتاب المساجد ومواضع الصلاة)
520 قوله صلى الله عليه وسلم وأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد فيه جواز الصلاة في جميع المواضع إلا ما استثناه الشرع من الصلاة في المقابر وغيرها من المواضع التي فيها النجاسة كالمزبلة والمجزرة وكذا ما نهى عنه لمعنى آخر فمن ذلك أعطان الابل وسيأتي بيانها قريبا ان شاء الله تعالى ومنه قارعة الطريق والحمام وغيرها لحديث ورد فيها قوله كنت أقرأ القرآن على أبي في السدة فإذا قرأت السجدة سجد فقلت له يا أبت أتسجد في الطريق فذكر الحديث قوله السدة هي بضم السين وتشديد الدال هكذا هو في صحيح مسلم ووقع في كتاب النسائي في السكة وفي رواية غيره في بعض السكك وهذا مطابق لقوله يا أبت أتسجد في الطريق وهو مقارب لرواية مسلم لأن السدة واحدة السدد وهي المواضع التي تطل حول المسجد وليست منه ومنه قيل لاسمعيل السدى لأنه كان يبيع في سدة الجامع وليس للسدة حكم المسجد إذا كانت خارجة عنه وأما سجوده في السدة وقوله أتسجد في الطريق فمحمول على سجوده على طاهر قال القاضي واختلف العلماء في المعلم والمتعلم اذا قرآ السجدة فقيل عليهما السجود لأول مرة وقيل لا سجود 521 قوله صلى الله عليه وسلم وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي قال العلماء كانت غنائم من قبلنا يجمعونها ثم تأتي نار من السماء فتأكلها كما جاء مبينا في الصحيحين من رواية أبي هريرة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي غزا وحبس الله تعالى له الشمس قوله صلى الله عليه وسلم وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا وفي الرواية الأخرى وجعلت تربتها لنا طهورا احتج بالرواية الأولى مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى وغيرهما ممن يجوز التيمم بجميع أجزاء الأرض واحتج بالثانية الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى وغيرهما ممن لا يجوز الا بالتراب خاصة وحملوا ذلك المطلق على هذا المقيد وقوله صلى الله عليه وسلم مسجدا معناه أن من كان قبلنا انما أبيح لهم الصلوات في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس قال القاضي رحمه الله تعالى وقيل إن من كان قبلنا كانوا لا يصلون الا فيما تيقنوا طهارته من الأرض وخصصنا نحن بجواز الصلاة في جميع الأرض الا ما تيقنا نجاسته قوله صلى الله عليه وسلم وأعطيت الشفاعة هي الشفاعة العامة التي تكون في المحشر بفزع الخلائق إليه صلى الله عليه وسلم لأن الشفاعة في الخاصة جعلت لغيره أيضا قال القاضي وقيل المراد شفاعة لا ترد قال وقد تكون شفاعته لخروج من في قلبه مثقال ذرة من ايمان من النار لان الشفاعة التي جاءت لغيره إنما جاءت قبل هذا وهذه مختصة به كشفاعة المحشر وقد سبق في كتاب الايمان بيان أنواع شفاعته صلى الله عليه وسلم 522 قوله صلى الله عليه وسلم فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا وذكر خصلة أخرى قال العلماء المذكور هنا خصلتان لأن قضية الأرض في كونها مسجدا وطهورا خصلة واحدة وأما الثالثة فمحذوفة هنا ذكرها النسائي من رواية أبي مالك الراوي هنا في مسلم قال وأوتيت هذه الآيات من خواتم البقرة من كنز تحت العرش ولم يعطهن أحد قبلي ولا يعطاهن أحد بعدي 523 قوله صلى الله عليه وسلم أعطيت جوامع الكلم وفي الرواية الأخرى بعثت بجوامع الكلم قال الهروي يعني به القرآن جمع الله تعالى في الألفاظ اليسيرة منه المعاني الكثيرة وكلامه صلى الله عليه وسلم كان بالجوامع قليل اللفظ كثير المعاني قوله صلى الله عليه وسلم وبعثت إلى كل أحمر وأسود وفي الرواية الأخرى إلى الناس كافة قيل المراد بالأحمر البيض من العجم وغيرهم وبالاسود العرب لغلبة السمرة فيهم وغيرهم من السودان وقيل المراد بالاسود السودان وبالاحمر من عداهم من العرب وغيرهم وقيل الاحمر الانس والاسود الجن والجميع صحيح فقد بعث إلى جميعهم قوله صلى الله عليه وسلم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض هذا من أعلام النبوة فانه اخبار بفتح هذه البلاد لأمته ووقع كما أخبر صلى الله عليه وسلم ولله الحمد والمنة قوله وأنتم تنتثلونها يعني تستخرجون ما فيها يعني خزائن الأرض وما فتح على المسلمين من الدنيا قوله عن الزبيدي هو بضم الزاي نسبة إلى بني زبيد 524 قوله فنزل في علو المدينة هو بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان قوله ثم انه أمر بالمسجد ضبطناه أمر بفتح الهمزة والميم وأمر بضم الهمزة وكسر الميم وكلاهما صحيح قوله أرسل إلى ملأ بني النجار يعني أشرافهم قوله صلى الله عليه وسلم يا بني النجار ثامنوني بحائطكم أي بايعوني قوله قالوا لا والله ما نطلب ثمنه الا إلى الله هذا الحديث كذا هو مشهور في الصحيحين وغيرهما وذكر محمد بن سعد في الطبقات عن الواقدي أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراه منهم بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه قوله كان فيه نخل وقبور المشركين وخرب هكذا ضبطناه بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء قال القاضي رويناه هكذا ورويناه بكسر الخاء وفتح الراء وكلاهما صحيح وهو ما تخرب من البناء قال الخطابي لعل صوابه خرب بضم الخاء جمع خربة بالضم وهي الخروق في الأرض أو لعله حرف قال القاضي لا أدري ما اضطره إلى هذا يعني أن هذا تكلف لا حاجة إليه فان الذي ثبت في الرواية صحيح المعاني لا حاجة إلى تغييره لأنه كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخرب فرفعت رسومها وسويت مواضعها لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين وكذلك فعل بالقبور قوله فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل فقطع فيه جواز قطع الأشجار المثمرة للحاجة والمصلحة لاستعمال خشبها أو ليغرس موضعها غيرها أو لخوف سقوطها على شيء تتلفه أو لاتخاذ موضعها مسجدا أو قطعها في بلاد الكفار اذا لم يرج فتحها لان فيه نكاية وغيظا لهم واضعافا وارغاما قوله وبقبور المشركين فنبشت فيه جواز نبش القبور الدارسة وأنه اذا أزيل ترابها المختلط بصديدهم ودمائهم جازت الصلاة في تلك الأرض وجواز اتخاذ موضعها مسجدا اذا طيبت أرضه وفيه أن الأرض التي دفن فيها الموتى ودرست يجوز بيعها وأنها باقية على ملك صاحبها وورثته من بعده اذا لم توقف قوله وجعلوا عضادتيه حجارة العضادة بكسر العين هي جانب الباب قوله وكانوا يرتجزون فيه جواز الارتجاز وقول الاشعار في حال الاعمال والأسفار ونحوها لتنشيط النفوس وتسهيل الأعمال والمشي عليها واختلف أهل العروض والادب في الرجز هل هو شعر أم لا واتفقوا على أن الشعر لا يكون شعرا الا بالقصد أما إذا جرى كلام موزون بغير قصد فلا يكون شعرا وعليه يحمل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك لان الشعر حرام عليه صلى الله عليه وسلم قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابض الغنم قال أهل اللغة هي مباركها ومواضع مبيتها ووضعها أجسادها على الأرض للاستراحة قال بن دريد ويقال ذلك أيضا لكل دابة من ذوات الحوافر والسباع واستدل بهذا الحديث مالك وأحمد رحمهما الله وغيرهما ممن يقول بطهارة بول المأكول وروثه وقد سبق بيان المسألة في آخر كتاب الطهارة وفيه أنه لا كراهة في الصلاة في مراح الغنم بخلاف أعطان الابل وسبقت المسألة هناك أيضا قوله وحدثنا يحيى بن يحيى قال حدثنا خالد يعني بن الحارث حدثنا شعبة هكذا هو في معظم النسخ يحيى بن يحيى وفي بعضها يحيى فقط غير منسوب والذي في الأطراف لخلف أنه يحيى بن حبيب قيل وهو الصواب
1 ( باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة ) 525 فيه حديث البراء وهو دليل على جواز النسخ ووقوعه وفيه قبول خبر الواحد وفيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين وهذا هو الصحيح عند أصحابنا من صلى إلى جهة بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده في أثنائها فيستدير إلى الجهة الأخرى حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في الصلاة الواحدة فصلى كل ركعة منها إلى جهة صحت صلاته على الاصح لأن أهل هذا المسجد المذكور في الحديث استداروا في صلاتهم واستقبلوا الكعبة ولم يستأنفوها وفيه دليل على أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه فان قيل هذا نسخ للمقطوع به بخبر الواحد وذلك ممتنع عند أهل الاصول فالجواب أنه احتفت به قرائن ومقدمات أفادت العلم وخرج عن كونه خبر واحد مجردا واختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء رحمهم الله تعالى في أن استقبال بيت المقدس هل كان ثابتا بالقرآن أم باجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فحكى الماوردي في الحاوي وجهين في ذلك لاصحابنا قال القاضي عياض رحمه الله تعالى الذي ذهب إليه أكثر العلماء أنه كان بسنة لا بقرآن فعلى هذا يكون فيه دليل لقول من قال أن القرآن ينسخ السنة وهو قول أكثر الاصوليين المتأخرين وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى والقول الثاني له وبه قال طائفة لا يجوز لان السنة مبينة للكتاب فكيف ينسخها وهؤلاء يقولون لم يكن استقبال بيت المقدس بسنة بل كان بوحي قال الله تعالى وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الآية واختلفوا أيضا في عكسه وهو نسخ السنة للقرآن فجوزه الاكثرون ومنعه الشافعي رحمه الله تعالى وطائفة قوله بيت المقدس فيه لغتان مشهورتان أحداهما فتح الميم واسكان القاف والثانية ضم الميم وفتح القاف ويقال فيه ايضا ايلياء والياء وأصل المقدس والتقديس من التطهير وقد أوضحته مع بيان لغاته وتصريفه واشتقاقه في تهذيب الاسماء 526 قوله بينما الناس في صلاة الصبح بقباء هو بالمد ومصروف ومذكر وقيل مقصور وغير مصروف وقيل مؤنث وهو موضع بقرب المدينة معروف وتقدم قريبا بيان معنى قولهم بينما وبينا وأن تقديره بين أوقات كذا قوله وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها روى فاستقبلوها بكسر الباء وفتحها والكسر أصح وأشهر وهو الذي يقتضيه تمام الكلام بعده قولها بينما الناس في صلاة الغداة فيه جواز تسمية الصبح غداة وهذا لا خلاف فيه لكن قال الشافعي رحمه الله تعالى سماها الله تعالى الفجر وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فلا أحب أن تسمى بغير هذين الاسمين 1 ( باب النهي عن بناء المسجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد)
أحاديث الباب ظاهرة الدلالة فيما ترجمنا له قولها ذكرن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كنيسة هكذا ضبطناه ذكرن بالنون وفي بعض الأصول ذكرت بالتاء والاول أشهر وهو جائز على تلك اللغة القليلة لغة أكلوني البراغيث ومنها يتعاقبون فيكم ملائكة 529 قولها غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا ضبطناه خشي بضم الخاء وفتحها وهما صحيحان 530 قوله صلى الله عليه وسلم قاتل الله اليهود ومعناه لعنهم كما في الرواية الأخرى وقيل معناه قتلهم وأهلكهم 531 قوله لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا ضبطناه نزل بضم النون وكسر الزاي وفي أكثر الاصول نزلت بفتح الحروف الثلاثة وبتاء التأنيث الساكنة أي لما حضرت المنية والوفاة وأما الاول فمعناه نزل ملك الموت والملائكة الكرام قوله طفق يطرح خميصه له يقال طفق بكسر الفاء وفتحها أي جعل والكسر أفصح وأشهر وبه جاء القرآن وممن حكى الفتح الاخفش والجوهري والخميصة كساء له أعلام 532 قوله عن عبد الله بن الحارث النجراني هو بالنون والجيم قوله صلى الله عليه وسلم أني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل إلى آخره معنى أبرأ أي أمتنع من هذا وأنكره والخليل هو المنقطع إليه وقيل المختص بشيء دون غيره قيل هو مشتق من الخلة بفتح الخاء وهي الحاجة وقيل من الخلة بضم الخاء وهي تخلل المودة في القلب فنفى صلى الله عليه وسلم أن تكون حاجته وانقطاعه إلى غير الله تعالى وقيل الخليل من لا يتسمع القلب لغيره قال العلماء انما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الامم الخالية ولما احتاجت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة رضي الله عنها مدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي المحذور ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر ولهذا قال في الحديث ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا والله تعالى أعلم بالصواب 1 ( باب فضل بناء المساجد والحث عليها ) 533 قوله صلى الله عليه وسلم من بنى مسجدا لله بنى الله تعالى له بيتا في الجنة مثله يحتمل قوله صلى الله عليه وسلم مثله أمرين أحدهما أن يكون معناه بني الله تعالى له مثله في مسمى البيت وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها أنها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر الثاني أن معناه أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا 1 ( باب الندب إلى وضع الايدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق)
534 مذهبنا ومذهب العلماء كافة أن السنة وضع اليدين على الركبتين وكراهة التطبيق الا بن مسعود وصاحبيه علقمة والاسود فانهم يقولون أن السنة التطبيق لانه لم يبلغهم الناسخ وهو حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه والصواب ما عليه الجمهور لثبوت الناسخ الصريح قوله أصلي هؤلاء يعني الامير والتابعين له وفيه اشارة إلى انكار تأخيرهم الصلاة قوله قوموا فصلوا فيه جواز اقامة الجماعة في البيوت لكن لا يسقط بها فرض الكفاية اذا قلنا بالمذهب الصحيح أنها فرض كفاية بل لا بد من اظهارها وإنما اقتصر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على فعلها في البيت لان الفرض كان يسقط بفعل الامير وعامة الناس وان أخروها إلى أواخر الوقت قوله فلم يأمرنا بأذان ولا اقامة هذا مذهب بن مسعود رضي الله عنه وبعض السلف من أصحابه وغيرهم أنه لا يشرع الاذان ولا الاقامة لمن يصلي وحده في البلد الذي يؤذن فيه ويقام لصلاة الجماعة العظمى بل يكفي أذانهم واقامتهم وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أن الإقامة سنة في حقه ولا يكفيه اقامة الجماعة واختلفوا في الأذان فقال بعضهم يشرع له وقال بعضهم لا يشرع ومذهبنا الصحيح أنه يشرع له الاذان ان لم يكن سمع أذان الجماعة والا فلا يشرع قوله ذهبنا لنقوم خلفه فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله وهذا مذهب بن مسعود وصاحبيه وخالفهم جميع العلماء من الصحابة فمن بعدهم إلى الآن فقالوا اذا كان مع الامام رجلان وقفا وراءه صفا لحديث جابر وجبار بن صخر وقد ذكره مسلم في صحيحه في آخر الكتاب في الحديث الطويل عن جابر وأجمعوا إذا كانوا ثلاثة أنهم يقفون وراءه وأما الواحد فيقف عن يمين الامام عند العلماء كافة ونقل جماعة الاجماع فيه ونقل القاضي عياض رحمه الله تعالى عن بن المسيب أنه يقف عن يساره ولا أظنه يصح عنه وان صح فلعله لم يبلغه حديث بن عباس وكيف كان فهم اليوم مجمعون على أنه يقف عن يمينه قوله انه سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها ويخنقونها إلى شرق الموتى معناه يؤخرونها عن وقتها المختار وهو أول وقتها لا عن جميع وقتها وقوله يخنقونها بضم النون معناه يضيقون وقتها ويؤخرون أداءها يقال هم في خناق من كذا أي في ضيق والمختنق المضيق وشرق الموتى بفتح الشين والراء قال بن الاعرابي فيه معنيان أحدهما إن الشمس في ذلك الوقت وهو آخر النهار انما تبقى ساعة ثم تغيب والثاني إنه من قولهم شرق الميت بريقه إذا لم يبق بعده الا يسيرا ثم يموت قوله فصلوا الصلاة لميقاتها واجعلوا صلاتكم معهم سبحة السبحة بضم السين واسكان الباء هي النافلة ومعناه صلوا في أول الوقت يسقط عنكم الفرض ثم صلوا معهم متى صلوا لتحرزوا فضيلة أول الوقت وفضيلة الجماعة ولئلا تقع فتنة بسبب التخلف عن الصلاة مع الامام وتختلف كلمة المسلمين وفيه دليل على إن من صلى فريضة مرتين تكون الثانية سنة والفرض سقط بالأولى وهذا هو الصحيح عند أصحابنا وقيل الفرض إكملهما وقيل كلاهما وقيل إحداهما مبهمة وتظهر فائدة الخلاف في مسائل معروفة قوله وليجنأ هو بفتح الياء واسكان الجم آخره مهموز هكذا ضبطناه وكذا هو في أصول بلادنا ومعناه ينعطف وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى روى وليجنأ كما ذكرناه وروى وليحن بالحاء المهملة قال وهذا رواية أكثر شيوخنا وكلاهما صحيح ومعناه الانحناء والانعطاف في الركوع قال ورواه بعض شيوخنا بضم النون وهو صحيح في المعنى أيضا يقال حنيت العود وحنوته اذا عطفته وأصل الركوع في اللغة الخضوع والذلة وسمى الركوع الشرعي ركوعا لما فيه من صورة الذلة والخضوع والاستسلام 535 قوله حدثنا أبو عوانة عن أبي يعفور هو بالراء واسمه عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس بكسر النون وهو أبو يعفور الاصغر وأما أبو يعفور الاكبر فاسمه واقد وقيل وقدان وقد سبق بيانهما في كتاب الايمان في حديث أي الأعمال أفضل 1 ( باب جواز الاقعاء على العقبين )
536 فيه طاوس قال قلنا لابن عباس رضي الله عنهما في الاقعاء على القدمين قال هي السنة فقلنا له انا لنراه جفاء بالرجل فقال بن عباس بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم اعلم أن الاقعاء ورد فيه حديثان ففي هذا الحديث إنه سنة وفي حديث آخر النهي عنه رواه الترمذي وغيره من رواية علي وبن ماجه من رواية أنس وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى من رواية سمرة وأبي هريرة والبيهقي من رواية سمرة وأنس وأسانيدها كلها ضعيفة وقد اختلف العلماء في حكم الاقعاء وفي تفسيره اختلافا كثيرا لهذه الأحاديث والصواب الذي لا معدل عنه أن الاقعاء نوعان أحدهما إن يلصق إليتيه بالارض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كاقعاء الكلب هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام وآخرون من أهل اللغة وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي والنوع الثاني إن يجعل إليتيه على عقبيه بين السجدتين وهذا هو مراد بن عباس بقوله سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد نص الشافعي رضي الله عنه في البويطي والاملاء على استحبابه في الجلوس بين السجدتين وحمل حديث بن عباس رضي الله عنهما عليه جماعات من المحققين منهم البيهقي والقاضي عياض وآخرون رحمهم الله تعالى قال القاضي وقد روى عن جماعة من الصحابة والسلف أنهم كانوا يفعلونه قال وكذا جاء مفسرا عن بن عباس رضي الله عنهما من السنة إن تمس عقبيك الييك هذا هو الصواب في تفسير حديث بن عباس وقد ذكرنا أن الشافعي رضي الله عنه على استحبابه في الجلوس بين السجدتين وله نص آخر وهو الاشهر أن السنة فيه الافتراش وحاصله أنهما سنتان وأيهما أفضل فيه قولان وأما جلسة التشهد الأول وجلسة الاستراحة فسنتهما الافتراش وجلسة التشهد الاخير السنة فيه التورك هذا مذهب الشافعي رضي الله عنه وقد سبق بيانه مع مذاهب العلماء رحمهم الله تعالى وقوله انا لنراه جفاء بالرجل ضبطناه بفتح الراء وضم الجيم أى بالانسان وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم قال وضبطه أبو عمر بن عبد البر بكسر الراء واسكان الجيم قال أبو عمر ومن ضم الجيم فقد غلط ورد الجمهور علي بن عبد البر وقالوا الصواب الضم وهو الذي يليق به اضافة الجفاء إليه والله أعلم 1 ( باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من اباحته )
537 قوله واثكل أمياه الثكل بضم الثاء واسكان الكاف وبفتحهما جميعا لغتان كالبخل والبخل حكاهما الجوهري وغيره وهو فقدان المرأة ولدها وامرأة ثكلى وثاكل وثكلته أمه بكسر الكاف وأثكله الله تعالى أمه وقوله أمياه هو بكسر الميم قوله فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يعني فعلوا هذا ليسكتوه وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته وفيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة وأنه لا تبطل به الصلاة وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة قوله فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فيه بيان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظيم الخلق الذي شهد الله تعالى له به ورفقه بالجاهل ورأفته بأمته وشفقته عليهم وفيه التخلق بخلقه صلى الله عليه وسلم في الرفق بالجاهل وحسن تعليمه واللطف به وتقريب الصواب إلى فهمه قوله فوالله ما كهرني أي ما انتهرني قوله صلى الله عليه وسلم ان هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن فيه تحريم الكلام في الصلاة سواء كان لحاجة أو غيرها وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها فان احتاج إلى تنبيه أو اذن لداخل ونحوه سبح ان كان رجلا وصفقت ان كانت امرأة هذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة رضي الله عنهم والجمهور من السلف والخلف وقال طائفة منهم الأوزاعي يجوز الكلام لمصلحة الصلاة لحديث ذي اليدين وسنوضحه في موضعه انشاء الله تعالى وهذا في كلام العامد العالم أما الناسي فلا تبطل صلاته بالكلام القليل عندنا وبه قال مالك وأحمد والجمهور وقال أبو حنيفة رضي الله عنه والكوفيون تبطل دليلنا حديث ذي اليدين فان كثر كلام الناس ففيه وجهان مشهوران لاصحابنا أصحهما تبطل صلاته لانه نادر وأما كلام الجاهل اذا كان قريب عهد بالاسلام فهو ككلام الناسي فلا تبطل الصلاة بقليله لحديث معاوية بن الحكم هذا الذي نحن فيه لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بإعادة الصلاة لكن علمه تحريم الكلام فيما يستقبل وأما قوله صلى الله عليه وسلم إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن فمعناه هذا ونحوه فان التشهد والدعاء والتسليم من الصلاة وغير ذلك من الاذكار مشروع فيها فمعناه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ومخاطباتهم وإنما هي التسبيح وما في معناه من الذكر والدعاء وأشباههما مما ورد به الشرع وفيه دليل على أن من حلف لا يتكلم فسبح أو كبر أو قرأ القرآن لا يحنث وهذا هو الصحيح المشهور في مذهبنا وفيه دلالة لمذهب الشافعي رحمه الله تعالى والجمهور أن تكبيرة الاحرام فرض من فروض الصلاة وجزء منها وقال أبو حنيفة رضي الله عنه ليست منها بل هي شرط خارج عنها متقدم عليها وفي هذا الحديث النهي عن تشميت العاطس في الصلاة وأنه من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة وتفسد به إذا أتي به عالما عامدا قال أصحابنا ان قال يرحمك الله بكاف الخطاب بطلت صلاته وان قال يرحمه الله أو اللهم أرحمه أو رحم الله فلانا لم تبطل صلاته لأنه ليس بخطاب وأما العاطس في الصلاة فيستحب له أن يحمد الله تعالى سرا هذا مذهبنا وبه قال مالك وغيره وعن بن عمر والنخعي وأحمد رضي الله عنهم أنه يجهر به والأول أظهر لأنه ذكر والسنة في الاذكار في الصلاة الاسرار الا ما استثنى من القراءة في بعضها ونحوها قوله اني حديث عهد بجاهلية قال العلماء الجاهلية ما قبل ورود الشرع سموا جاهلية لكثرة جهالاتهم وفحشهم قوله ان منا رجالا يأتون الكهان قال فلا تأتهم قال العلماء إنما نهي عن اتيان الكهان لانهم يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الاصابة فيخاف الفتنة على الانسان بسبب ذلك لأنهم يلبسون على الناس كثيرا من أمر الشرائع وقد تظاهرت الاحاديث الصحيحة بالنهي عن اتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون وتحريم ما يعطون من الحلوان وهو حرام باجماع المسلمين وقد نقل الاجماع في تحريمه جماعة منهم أبو محمد البغوي رحمهم الله تعالى قال البغوي اتفق أهل العلم على تحريم حلوان الكاهن وهو ما أخذه المتكهن على كهانته لان فعل الكهانة باطل لا يجوز أخذ الاجرة عليه وقال الماوردي رحمه الله تعالى في الأحكام السلطانية ويمنع المحتسب الناس من التكسب بالكهانة واللهو ويؤدب عليه الآخذ والمعطي وقال الخطابي رحمه الله تعالى حلوان الكاهن ما يأخذه المتكهن على كهانته وهو محرم وفعله باطل قال وحلوان العراف حرام أيضا قال والفرق بين العراف والكاهن أن الكاهن انما يتعاطى الاخبار عن الكوائن في المستقبل ويدعى معرفة الاسرار والعراف يتعاطى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما وقال الخطابي أيضا في حديث من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم قال كان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرا من الأمور فمنهم من يزعم أن له رئيا من الجن يلقي إليه الأخبار ومنهم من يدعي استدراك ذلك بفهم أعطيه ومنهم من يسمى عرافا وهو الذي يزعم معرفة الأمور بمقدمات أسباب استدل بها كمعرفة من سرق الشيء الفلاني ومعرفة من يتهم به المرأة ونحو ذلك ومنهم من يسمى المنجم كاهنا قال والحديث يشتمل على النهي عن اتيان هؤلاء كلهم والرجوع إلى قولهم وتصديقهم فيما يدعونه هذا كلام الخطابي وهو نفيس قوله ومنا رجال يتطيرون قال ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم وفي رواية فلا يصدنكم قال العلماء معناه أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة ولا عتب عليكم في ذلك فانه غير مكتسب لكم فلا تكليف به ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في أموركم فهذا هو الذي تقدرون عليه وهو مكتسب لكم فيقع به التكليف فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن العمل بالطيرة والامتناع من تصرفاتهم بسببها وقد تظاهرت الاحاديث الصحيحة في النهي عن التطير والطيرة هي محمولة على العمل بها لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه عندهم وسيأتي بسط الكلام فيها في موضعها ان شاء الله تعالى حيث ذكرها مسلم رحمه الله تعالى قوله ومنا رجال يخطون قال كان نبي من الأنبياء عليهم السلام يخط فمن وافق خطه فذاك اختلف العلماء في معناه فالصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح والمقصود أنه حرام لانه لا يباح الا بيقين الموافقة وليس لنا يقين بها وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن وافق خطه فذاك ولم يقل هو حرام بغير تعليق على الموافقة لئلا يتوهم متوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخط فحافظ النبي صلى الله عليه وسلم على حرمة ذاك النبي مع بيان الحكم في حقنا فالمعنى أن ذلك النبي لا منع في حقه وكذا لو علمتم موافقته ولكن لا علم لكم بها وقال الخطابي هذا الحديث يحتمل النهي عن هذا الخط اذا كان علما لنبوة ذاك النبي وقد انقطعت فنهينا عن تعاطي ذلك وقال القاضي عياض المختار أن معناه أن من وافق خطه فذاك الذي يجدون اصابته فيما يقول لا أنه أباح ذلك لفاعله قال ويحتمل أن هذا نسخ في شرعنا فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن قوله وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية هي بفتح الجيم وتشديد الواو وبعد الالف نون مكسورة ثم ياء مشددة هكذا ضبطناه وكذا ذكر أبو عبيد البكري والمحققون وحكى القاضي عياض عن بعضهم تخفيف الياء والمختار التشديد والجوانية بقرب أحد موضع في شمالي المدينة وأما قول القاضي عياض انها من عمل الفرع فليس بمقبول لان الفرع بين مكة والمدينة بعيد من المدينة وأحد في شام المدينة وقد قال في الحديث قبل أحد والجوانية فكيف يكون عند الفرع وفيه دليل على جواز استخدام السيد جاريته في الرعي وان كانت تنفرد في المرعى وإنما حرم الشرع مسافرة المرأة وحدها لأن السفر مظنة الطمع فيها وانقطاع ناصرها والذاب عنها وبعدها منه بخلاف الراعية ومع هذا فان خيف مفسدة من رعيها لريبة فيها أو لفساد من يكون في الناحية التي ترعى فيها أو نحو ذلك لم يسترعها ولم تمكن الحرة ولا الامة من الرعي حينئذ لأنه حينئذ يصير في معنى السفر الذي حرم الشرع على المرأة فان كان معها محرم أو نحوه ممن تأمن معه على نفسها فلا منع حينئذ كما لا يمنع من المسافرة في هذا الحال والله أعلم قوله آسف أي أغضب وهو بفتح السين قوله صككتها أي لطمتها قوله صلى الله عليه وسلم أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله قال اعتقها فانها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان تقدم ذكرهما مرات في كتاب الايمان أحدهما الايمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنزيهه عن سمات المخلوقات والثاني تأويله بما يليق به فمن قال بهذا قال كان المراد امتحانها هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي اذا دعاه الداعي استقبل السماء كما اذا صلى المصلي استقبل الكعبة وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان قال القاضي عياض لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ونحوه ليست على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم فمن قال باثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول في السماء أي على السماء ومن قال من دهماء النظار والمتكلمين وأصحاب التنزيه بنفي الحد واستحالة الجهة في حقه سبحانه وتعالى تأولوها تأويلات بحسب مقتضاها وذكر نحو ما سبق قال ويا ليت شعري ما الذي جمع أهل السنة والحق كلهم على وجوب الامساك عن الفكر في الذات كما أمروا وسكتوا لحيرة العقل واتفقوا على تحريم التكييف والتشكيل وأن ذلك من وقوفهم وامساكهم غير شاك في الوجود والموجود وغير قادح في التوحيد بل هو حقيقته ثم تسامح بعضهم باثبات الجهة خاشيا من مثل هذا التسامح وهل بين التكييف واثبات الجهات فرق لكن أطلاق ما أطلقه الشرع من أنه القاهر فوق عباده وانه استوى على العرش مع التمسك بالآية الجامعة للتنزيه الكلى الذي لا يصح في المعقول غيره وهو قوله تعالى ليس كمثله شيء عصمة لمن وفقه الله تعالى وهذا كلام القاضي رحمه الله تعالى وفي هذا الحديث أن اعتاق المؤمن أفضل من اعتاق الكافر وأجمع العلماء على جواز عتق الكافر في غير الكفارات وأجمعوا على أنه لا يجزئ الكافر في كفارة القتل كما ورد به القرآن واختلفوا في كفارة الظهار واليمين والجماع في نهار رمضان فقال الشافعي ومالك والجمهور لا يجزئه الا مؤمنة حملا للمطلق على المقيد في كفارة القتل وقال أبو حنيفة رضي الله عنه والكوفيون يجزئه الكافر للاطلاق فانها تسمى رقبة قوله صلى الله عليه وسلم أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله قال اعتقها فانها مؤمنة فيه دليل على أن الكافر لا يصير مؤمنا إلا بالاقرار بالله تعالى وبرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه دليل على أن من أقر بالشهادتين واعتقد ذلك جزما كفاه ذلك في صحة إيمانه وكونه من أهل القبلة والجنة ولا يكلف مع هذا اقامة الدليل والبرهان على ذلك ولا يلزمه معرفة الدليل وهذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور وقد سبق بيان هذه المسألة في أول كتاب الايمان مع ما يتعلق بها وبالله التوفيق 538 قوله في حديث بن مسعود كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا فقال ان في الصلاة شغلا 539 وفي حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام 540 وفي حديث جابر رضي الله عنه قال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني لحاجة ثم أدركته وهو يصلي فسلمت عليه فأشار إلى فلما فرغ دعاني فقال انك سلمت آنفا وأنا أصلي هذه الأحاديث فيها فوائد منها تحريم الكلام في الصلاة سواء كان لمصلحتها أم لا وتحريم رد السلام فيها باللفظ وأنه لا تضر الاشارة بل يستحب رد السلام بالاشارة وبهذه الجملة قال الشافعي والاكثرون قال القاضي عياض قال جماعة من العلماء برد السلام في الصلاة نطقا منهم أبو هريرة وجابر والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة واسحاق وقيل يرد في نفسه وقال عطاء والنخعي والثوري يرد بعد السلام في الصلاة وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يرد بلفظ ولا اشارة بكل حال وقال عمر بن عبد العزيز ومالك وأصحابه وجماعة يرد اشارة ولا يرد نطقا ومن قال يرد نطقا كأنه لم يبلغه الاحاديث وأما ابتداء السلام على المصلى فمذهب الشافعي رحمه الله تعالى أنه لا يسلم عليه فان سلم لم يستحق جوابا وقال به جماعة من العلماء وعن مالك رضي الله عنه روايتان احداهما كراهة السلام والثانية جوازه قوله صلى الله عليه وسلم ان في الصلاة شغلا معناه ان المصلى وظيفته أن يشتغل بصلاته فيتدبر ما يقوله ولا يعرج على غيرها فلا يرد سلاما ولا غيره قوله حدثنا هريم هو بضم الهاء وفتح الراء قوله تعالى وقوموا لله قانتين قيل معناه مطيعين وقيل ساكتين قوله أمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام فيه دليل على تحريم جميع أنواع كلام الآدميين وأجمع العلماء على أن الكلام فيها عامدا عالما بتحريمه بغير مصلحتها وبغير انقاذها وشبهه مبطل للصلاة وأما الكلام لمصلحتها فقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد رضي الله عنهم والجمهور يبطل الصلاة وجوزه الاوزاعي وبعض أصحاب مالك وطائفة قليلة وكلام الناسي لا يبطلها عندنا وعند الجمهور ما لم يطل وقال أبو حنيفة رضي الله عنه والكوفيون يبطل وقد تقدم بيانه وفي حديث جابر رضي الله عنه رد السلام بالاشارة وأنه لا تبطل الصلاة بالاشارة ونحوها من الحركات اليسيرة وأنه ينبغي لمن سلم عليه ومنعه من رد السلام مانع أن يعتذر إلى المسلم ويذكر له ذلك المانع قوله وهو موجه قبل المشرق هو بكسر الجيم أي موجه وجهه وراحلته وفيه دليل لجواز النافلة في السفر حيث توجهت به راحلته وهو مجمع عليه قوله حدثنا كثير بن شنظير هو بكسر الشين والظاء المعجمتين
1 ( باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والتعوذ منه وجواز العمل القليل في الصلاة) 541 قوله ان عفريتا من الجن جعل يفتك على البارحة ليقطع على صلاتي هكذا هو في مسلم يفتك وفي رواية البخاري يفلت وهما صحيحان والفتك الأخذ في غفلة وخديعة والعفريت العاتي المارد من الجن قوله صلى الله عليه وسلم فذعته هو بذال معجمة وتخفيف العين المهملة أي خنقته قال مسلم وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة فدعته يعني بالدال المهملة وهو صحيح أيضا ومعناه دفعته دفعا شديدا والدعت والدع الدفع الشديد وأنكر الخطابي المهملة وقال لا تصح وصححها غيره وصوبوها وان كانت المعجمة أوضح وأشهر وفيه دليل على جواز العمل القليل في الصلاة قوله صلى الله عليه وسلم فلقد هممت أن أربطه حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون أو كلكم فيه دليل على أن الجن موجودون وأنهم قد يراهم بعض الآدميين وأما قول الله تعالى إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم فمحمول على الغالب فلو كانت رؤيتهم محالا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال من رؤيته اياه ومن أنه كان يربطه لينظروا كلهم إليه ويلعب به ولدان أهل المدينة قال القاضي وقيل ان رؤيتهم على خلقهم وصورهم الاصلية ممتنعة لظاهر الآية الا للانبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ومن خرقت له العادة وإنما يراهم بنو آدم في صور غير صورهم كما جاء في الآثار قلت هذه دعوى مجردة فان لم يصح لها مستند فهي مردودة قال الامام أبو عبد الله المازري الجن أجسام لطيفة روحانية فيحتمل أنه تصور بصورة يمكن ربطه معها ثم يمتنع من أن يعود إلى ما كان عليه حتى يتأتي اللعب به وان خرقت العادة أمكن غير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرت قول أخي سليمان صلاة الله وسلامه عليه قال القاضي معناه أنه مختص بهذا فامتنع نبينا صلى الله عليه وسلم من ربطه إما أنه لم يقدر عليه لذلك وأما لكونه لما تذكر ذلك لم يتعاط ذلك لظنه أنه لم يقدر عليه أو تواضعا وتأدبا قوله صلى الله عليه وسلم فرده الله خاسئا أي ذليلا صاغرا مطرودا مبعدا قوله وقال بن منصور شعبة عن محمد بن زياد يعني قال إسحاق بن منصور في روايته حدثنا النضر قال أخبرنا شعبة عن محمد بن زياد فخالف رواية رفيقه إسحاق بن إبراهيم السابقة في شيئين أحدهما أنه قال شعبة عن محمد بن زياد وقال بن ابرهيم شعبة قال أخبرنا محمد والثاني أنه قال محمد بن زياد وفي رواية بن إبراهيم محمد وهو بن زياد 542 قوله صلى الله عليه وسلم ألعنك بلعنة الله التامة قال القاضي يحتمل تسميتها تامة أي لا نقص فيها ويحتمل الواجبة له المستحقة عليه أو الموجبة عليه العذاب سرمدا وقال القاضي وقوله صلى الله عليه وسلم ألعنك بلعنة الله وأعوذ بالله منك دليل جواز الدعاء لغيره وعلى غيره بصيغة المخاطبة خلافا لابن شعبان من أصحاب مالك في قوله ان الصلاة تبطل بذاك قلت وكذا قال أصحابنا تبطل الصلاة بالدعاء لغيره بصيغة المخاطبة كقوله للعاطس رحمك الله أو يرحمك ولمن سلم عليه وعليك السلام وأشباهه والاحاديث السابقة في الباب الذي قبله في السلام على المصلى تؤيد ما قاله أصحابنا فيتأول هذا الحديث أو يحمل على أنه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة أو غير ذلك قوله صلى الله عليه وسلم والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة فيه جواز الحلف من غير استحلاف لتفخيم ما يخبر به الانسان وتعظيمه والمبالغة في صحته وصدقه وقد كثرت الأحاديث بمثل هذا والولدان الصبيان 1 ( باب جواز حمل الصبيان في الصلاة وان ثيابهم محمولة على الطهارة حتى يتحقق نجاستها وان الفعل القليل لا يبطل الصلاة وكذا اذا فرق الافعال )
فيه حديث حمل أمامة رضي الله عنها ففيه دليل لصحة صلاة من حمل آدميا أو حيوانا طاهرا من طير وشاة وغيرهما وأن ثياب الصبيان وأجسادهم طاهرة حتى تتحقق نجاستها وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة وأن الأفعال اذا تعددت ولم تتوال بل تفرقت لا تبطل الصلاة وفيه تواضع مع الصبيان وسائر الضعفة ورحمتهم وملاطفتهم وقوله رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة على عاتقة هذا يدل لمذهب الشافعي رحمه الله تعالى ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان الطاهر في صلاة الفرض وصلاة النفل ويجوز ذلك للامام والمأموم والمنفرد وحمله أصحاب مالك رضي الله عنه على النافلة ومنعوا جواز ذلك في الفريضة وهذا التأويل فاسد لأن قوله يؤم الناس صريح أو كالصريح في أنه كان في الفريضة وادعى بعض المالكية أنه منسوخ وبعضهم أنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم أنه كان لضرورة وكل هذه الدعاوى باطلة ومردودة فانه لا دليل عليها ولا ضرورة اليها بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدته وثياب الاطفال وأجسادهم على الطهارة ودلائل الشرع متظاهرة على هذا والافعال في الصلاة لا تبطلها اذا قلت أو تفرقت وفعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا بيانا للجواز وتنبيها به على هذه القواعد التي ذكرتها وهذا يرد ما ادعاه الامام أبو سليمان الخطابي أن هذا الفعل يشبه ان يكون كان بغير تعمد فحملها في الصلاة لكونها كانت تتعلق به صلى الله عليه وسلم فلم يدفعها فاذا قام بقيت معه قال ولا يتوهم أنه حملها ووضعها مرة بعد أخرى عمدا لأنه عمل كثير ويشغل القلب واذ كان الخميصة شغله فكيف لا يشغله هذا هذا كلام الخطابي رحمه الله تعالى وهو باطل ودعوى مجردة ومما يردها قوله في صحيح مسلم فإذا أقام حملها وقوله فإذا رفع من السجود أعادها وقوله في رواية غير مسلم خرج علينا حاملا أمامة فصلى فذكر الحديث وأما قضية الخميصة فلانها تشغل القلب بلا فائدة وحمل أمامة لا نسلم أنه يشغل القلب وان شغله فيترتب عليه فوائد وبيان قواعد مما ذكرناه وغيره فأحل ذلك الشغل لهذه الفوائد بخلاف الخميصة فالصواب الذي لا معدل عنه أن الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين والله أعلم 543 قوله وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي العاص بن الربيع يعني بنت زينب من زوجها أبي العاص بن الربيع وقوله بن الربيع هو الصحيح المشهور في كتب أسماء الصحابة وكتب الانساب وغيرها ورواه أكثر رواة الموطأ عن مالك رحمه الله تعالى فقالوا بن ربيعة وكذا رواه البخاري من رواية مالك رحمه الله تعالى قال القاضي عياض وقال الاصيلي هو بن الربيع بن ربيعة فنسبه مالك إلى جده قال القاضي وهذا الذي قاله غير معروف ونسبه عند أهل الاخبار والانساب باتفاقهم أبو العاص بن الربيع بن عبدالعزى بن عبد شمس بن عبد مناف واسم أبي العاص لقيط وقيل مهشم وقيل غير ذلك والله تعالى أعلم 1 ( باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة وأنه لا كراهة في ذلك إذا كان لحاجة وجواز صلاة الامام على موضع أرفع من المأمومين للحاجة كتعليمهم الصلاة أو غير ذلك)
544 فيه صلاته صلى الله عليه وسلم على المنبر ونزوله القهقري حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته قال العلماء كان المنبر الكريم ثلاث درجات كما صرح به مسلم في روايته فنزل النبي صلى الله عليه وسلم بخطوتين إلى أصل المنبر ثم سجد في جنبه ففيه فوائد منها استحباب اتخاذ المنبر واستحباب كون الخطيب ونحوه على مرتفع كمنبر أوغيره وجواز الفعل اليسير في الصلاة فان الخطوتين لا تبطل بهما الصلاة ولكن الأولى تركه الا لحاجة فان كان لحاجة فلا كراهة فيه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفيه أن الفعل الكثير كالخطوات وغيرها اذا تفرقت لا تبطل لان النزول عن المنبر والصعود تكرر وجملته كثيرة ولكن أفراده المتفرقة كل واحد منها قليل وفيه جواز صلاة الامام على موضع أعلى من موضع المأمومين ولكنه يكره ارتفاع الامام على المأموم وارتفاع المأموم على الامام لغير حاجة فان كان لحاجة بأن أراد تعليمهم أفعال الصلاة لم يكره بل يستحب لهذا الحديث وكذا ان أراد المأموم اعلام المأمومين بصلاة الامام واحتاج إلى الارتفاع وفيه تعليم الامام المأمومين أفعال الصلاة وأنه لا يقدح ذلك في صلاته وليس ذلك من باب التشريك في العبادة بل هو كرفع صوته بالتكبير ليسمعهم قوله تماروا في المنبر أي اختلفوا وتنازعوا قال أهل اللغة المنبر مشتق من النبر وهو الارتفاع قوله أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادا هكذا رواه سهيل بن سعد وفي رواية جابر في صحيح البخاري وغيره أن المرأة قالت يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه فان لي غلاما نجارا قال ان شئت فعملت المنبر وهذه الرواية في ظاهرها مخالفة لرواية سهيل والجمع بينهما أن المرأة عرضت هذا أولا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعث اليها النبي صلى الله عليه وسلم يطلب تنجيز ذلك قوله فعمل هذه الثلاث درجات هذا مما ينكره أهل العربية والمعروف عندهم أن يقول ثلاث الدرجات أو الدرجات الثلاث وهذا الحديث دليل لكونه لغة قليلة وفيه تصريح بأن منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ثلاث درجات قوله فهي من طرفاء الغابة الطرفاء ممدودة وفي رواية البخاري وغيره من أثل الغابة بفتح الهمزة والاثل الطرفاء والغابة موضع معروف من عوالي المدينة قوله ثم رفع فنزل القهقري حتى سجد هكذا هو رفع بالفاء أي رفع رأسه من الركوع والقهقري هو المشي إلى خلف وإنما رجع القهقري لئلا يستدبر القبلة قوله صلى الله عليه وسلم ولتعلموا صلاتي هو بفتح العين واللام المشددة أي تتعلموا فبين صلى الله عليه وسلم أن صعوده المنبر وصلاته عليه انما كان للتعليم ليرى جميعهم أفعاله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما إذا كان على الأرض فانه لا يراه الا بعضهم ممن قرب منه قوله يعقوب بن عبد الرحمن القارىء هو بتشديد الياء سبق بيانه مرات منسوب إلى القارة القبيلة المعروفة قوله في آخر الباب وساقوا الحديث نحو حديث بن أبي حازم هكذا هو في النسخ وساقوا بضمير الجمع وكان ينبغي أن يقول وساقا لأن المراد بيان رواية يعقوب بن عبد الرحمن وسفيان بن عيينة عن أبي حازم فهما شريكا بن أبي حازم في الرواية عن أبي حازم ولعله أتى بلفظ الجمع ومراده الاثنان واطلاق الجمع على الاثنين جائز بلا شك لكن هل هو حقيقة أم مجاز فيه خلاف مشهور الأكثرون أنه مجاز ويحتمل أن مسلما أراد بقوله وساقوا الرواة عن يعقوب وعن سفيان وهم كثيرون والله أعلم 1 ( باب كراهة الاختصار في الصلاة )
545 قوله الحكم بن موسى القنطري بفتح القاف منسوب إلى محلة من محال بغداد تعرف بقنطرة البر وأن ينسب إليها جماعات كثيرون منهم الحكم بن موسى هذا ولهم جماعات يقال فيهم القنطري ينسبون إلى محلة من محال نيسابور تعرف برأس القنطرة وقد أوضح القسمين الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي قوله نهى أن يصلي الرجل مختصرا وفي رواية البخاري نهى عن الخصر في الصلاة اختلف العلماء في معناه فالصحيح الذي عليه المحققون والاكثرون من أهل اللغة والغريب والمحدثين وبه قال أصحابنا في كتب المذهب أن المختصر هو الذي يصلي ويده على خاصرته وقال الهروي قيل هو أن يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها وقيل أن يختصر السورة فيقرأ من آخرها آية أو آيتين وقيل هو أن يحذف فلا يؤدي قيامها وركوعها وسجودها وحدودها والصحيح الأول قيل نهى عنه لأنه فعل اليهود وقيل فعل الشيطان وقيل لان ابليس هبط من الجنة كذلك وقيل لأنه فعل المتكبرين 1 ( باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة) 546 قوله صلى الله عليه وسلم ان كنت لا بد فاعلا فواحدة معناه لا تفعل وان فعلت فافعل واحدة لا تزد وهذا نهي كراهة تنزيه فيه كراهته واتفق العلماء على كراهة المسح لأنه ينافي التواضع ولانه يشغل المصلى قال القاضي وكره السلف مسح الجبهة في الصلاة وقبل الانصراف يعني من المسجد مما يتعلق بها من تراب ونحوه 1 ( باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها والنهي عن بصاق المصلى بين يديه وعن يمينه)
547 يقال بصاق وبزاق لغتان مشهورتان ولغة قليلة بساق بالسين وعدها جماعة غلطا قوله صلى الله عليه وسلم فلا يبصق قبل وجهه فان الله قبل وجهه أي الجهة التي عظمها وقيل فان قبلة الله وقيل ثوابه ونحو هذا فلا يقابل هذه الجهة بالبصاق الذي هو الاستخفاف بمن يبزق إليه واهانته وتحقيره قوله رأى بصاقا وفي رواية نخامة وفي رواية مخاطا قال أهل اللغة المخاط من الأنف والبصاق والبزاق من الفم والنخامة وهي النخاعة من الرأس أيضا ومن الصدر ويقال تنخم وتنخع 548 قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبزق الرجل عن يمينه وأمامه ولكن يبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى وفي الرواية الأخرى اذا كان أحدكم في الصلاة فانه يناجي ربه فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه ولكن عن شماله تحت قدمه فيه نهى المصلى عن البصاق بين يديه وعن يمينه وهذا عام في المسجد وغيره وقوله صلى الله عليه وسلم وليبزق تحت قدمه وعن يساره هذا في غير المسجد أما المصلى في المسجد فلا يبزق الا في ثوبه لقوله صلى الله عليه وسلم البزاق في المسجد خطيئة فكيف يأذن فيه صلى الله عليه وسلم وإنما نهى عن البصاق عن اليمين تشريفا لها وفي رواية البخاري فلا يبصق أمامه ولا عن يمينه فان عن يمينه ملكا قال القاضي والنهي عن البزاق عن يمينه هو مع امكان غير اليمين فان تعذر غير اليمين بأن يكون عن يساره مصل فله البصاق عن يمينه لكن الأولى تنزيه اليمين عن ذلك ما أمكن قوله رأى نخامة في قبلة المسجد فحكها فيه ازالة البزاق وغيره من الاقذار ونحوها من المسجد قوله صلى الله عليه وسلم 550 فليتنخع عن يساره وتحت قدمه فان لم يجد فليقل هكذا ووصف القاسم فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض هذا فيه جواز الفعل في الصلاة وفيه أن البزاق والمخاط والنخاعة طاهرات وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين إلا ما حكاه الخطابي عن إبراهيم النخعي أنه قال البزاق نجس ولا أظنه يصح عنه وفيه أن البصاق لا يبطل الصلاة وكذا التنخع إن لم يتبين منه حرفان أو كان مغلوبا عليه 551 قوله صلى الله عليه وسلم فإنه يناجي ربه اشارة إلى اخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى وتمجيده وتلاوة كتابه وتدبره قوله صلى الله عليه وسلم التفل في المسجد خطيئة هو بفتح التاء المثناة فوق واسكان الفاء وهو البصاق كما في الحديث الآخر البزاق في المسجد خطيئة واعلم أن البزاق في المسجد خطيئة مطلقا سواء احتاج إلى البزاق أو لم يحتج بل يبزق في ثوبه فان بزق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفن البزاق هذا هو الصواب أن البزاق خطيئة كما صرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال العلماء والقاضي عياض فيه كلام باطل حاصله أن البزاق ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه وأما من أراد دفنه فليس بخطيئة واستدل له بأشياء باطلة فقوله هذا غلط صريح مخالف لنص الحديث ولما قاله العلماء نبهت عليه لئلا يغتر به وأما قوله صلى الله عليه وسلم وكفارتها دفنها فمعناه أن ارتكب هذه الخطيئة فعليه تكفيرها كما أن الزنى والخمر وقتل الصيد في الاحرام محرمات وخطايا واذا ارتكبها فعليه عقوبتها واختلف العلماء في المراد بدفنها فالجمهور قالوا المراد دفنها في تراب المسجد ورمله وحصاته ان كان فيه تراب أو رمل أو حصاة ونحوها والا فيخرجها وحكى الروياني من أصحابنا قولا أن المراد اخراجها مطلقا والله أعلم قوله عن قتادة عن أنس رضي الله عنه وفي الرواية الأخرى سألت قتادة فقال سمعت أنس بن مالك فيه تنبيه على أن قتادة سمعه من أنس لأن قتادة مدلس فإذا قال عن لم يتحقق اتصاله فإذا جاء في طريق آخر سماعه تحققنا به اتصال الأول وقد سبق بيان هذه القاعدة في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب ثم في مواضع بعدها 553 قوله عن يحيى بن يعمر عن أبي الاسود الديلي أما يعمر فبفتح الميم وضمها وسبق بيانه في أول كتاب الايمان وسبق بعده بقليل بيان الخلاف في الديلي قوله صلى الله عليه وسلم ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن هذا ظاهره أن هذا القبح والذم لا يختص بصاحب النخاعة بل يدخل فيه هو وكل من رآها ولا يزيلها بدفن أوحك ونحوه
1 ( باب جواز الصلاة في النعلين ) 555 قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في النعلين فيه جواز الصلاة في النعال والخفاف ما لم يتحقق عليها نجاسة ولو أصاب أسفل الخف نجاسة ومسحه على الأرض فهل تصح صلاته فيه خلاف للعلماء وهما قولان للشافعي رضي الله عنه الأصح لا تصح 1 ( باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام ) 556 قوله في خميصة هي كساء مربع من صوف قوله صلى الله عليه وسلم وأتوني بأنبجانيه قال القاضي عياض رويناه بفتح الهمزة وكسرها وبفتح الباء وكسرها أيضا في غير مسلم وبالوجهين ذكرها ثعلب قال ورويناه بتشديد الياء في آخره وبتخفيفها معا في غير مسلم اذ هو في رواية لمسلم بانبجانية مشدد مكسور على الاضافة إلى أبي جهم وعلى التذكير كما جاء في الرواية الاخرى كساء له أنبجانيا قال ثعلب هو كل ما كثف قال غيره هو كساء غليظ لا علم له فإذا كان للكساء علم فهو خميصة فان لم يكن فهو انبجانية وقال الداودي هو كساء غليظ بين الكساء والعباءة وقال القاضي أبو عبد الله هو كساء سداه قطن أو كتان ولحمته صوف وقال بن قتيبة انما هو منبجاني ولا يقال انبجاني منسوب إلى منبج وفتح الباء في النسب لانه خرج مخرج الشذوذ وهو قول الاصمعي قال الباجي ما قاله ثعلب أظهر والنسب إلى منبج منبجي قوله صلى الله عليه وسلم شغلتني أعلام هذه وفي الرواية الإخرى ألهتني وفي رواية للبخاري فأخاف أن تفتني معنى هذه الإلفاظ متقارب وهو اشتغال القلب بها عن كمال الحضور في الصلاة وتدبر أذكارها وتلاوتها ومقاصدها من الانقياد والخضوع ففيه الحث على حضور القلب في الصلاة وتدبر ما ذكرناه ومنع النظر من الامتداد إلى ما يشغل وازالة ما يخاف اشتغال القلب به وكراهية تزويق محراب المسجد وحائطه ونقشه وغير ذلك من الشاغلات لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل العلة في ازالة الخميصة هذا المعنى وفيه أن الصلاة تصح وان حصل فيها فكر في شاغل ونحوه مما ليس متعلقا بالصلاة وهذا باجماع الفقهاء وحكى عن بعض السلف والزهاد ما لا يصح عمن يعتد به في الاجماع قال أصحابنا يستحب له النظر إلى موضع سجوده ولا يتجاوزه قال بعضهم يكره تغميض عينيه وعندي لا يكره الا أن يخاف ضررا وفيه صحة الصلاة في ثوب له أعلام وأن غيره أولى وأما بعثه صلى الله عليه وسلم بالخميصة إلى أبي جهم وطلب أنبجانيه فهو من باب الادلال عليه لعلمه بأنه يؤثر هذا ويفرح به والله أعلم واسم أبي جهم هذا عامر بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي المدني الصحابي قال الحاكم أبو أحمد ويقال اسمه عبيد بن حذيفة وهو غير أبي جهيم بضم الجيم وزيادة ياء على التصغير المذكور في باب التيمم وفي مرور المار بين يدي المصلى وقد سبق بيانه في موضعه 1 ( باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال وكراهة اصلاة مع مدافعة الحدث ونحوه )
557 قوله صلى الله عليه وسلم اذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء وفي رواية إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة فابدؤا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم 559 وفي رواية إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء ولا يعجلن حتى يفرغ منه وفي رواية لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الاخبثان في هذه الأحاديث كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله لما فيه من اشتغال القلب به وذهاب كمال الخشوع وكراهتها مع مدافعة الأخبثين وهما البول والغائط ويلحق بهذا ما كان في معناه مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع وهذه الكراهة عند جمهور أصحابنا وغيرهم إذا صلى كذلك وفي الوقت سعة فإذا ضاق بحيث لو أكل أو تطهر خرج وقت الصلاة صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت ولا يجوز تأخيرها وحكى أبو سعد المتولي من أصحابنا وجها لبعض أصحابنا إنه لا يصلي بحاله بل يأكل ويتوضأ وان خرج الوقت لان مقصود الصلاة الخشوع فلا يفوته وإذا صلى على حاله وفي الوقت سعة فقد ارتكب المكروه وصلاته صحيحة عندنا وعند الجمهور لكن يستحب اعادتها ولا يجب ونقل القاضي عياض عن أهل الظاهر أنها باطلة وفي الرواية الثانية دليل على امتداد وقت المغرب وفيه خلاف بين العلماء وفي مذهبنا سنوضحه في أبواب الاوقات ان شاء الله تعالى 559 وقوله صلى الله عليه وسلم ولا يعجلن حتى يفرغ منه دليل على أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله وهذا هو الصواب وأما ما تأوله بعض أصحابنا على إنه يأكل لقما يكسر بها شدة الجوع فليس بصحيح وهذا الحديث صريح في ابطاله قوله حدثنا الصلت بن مسعود قال حدثنا سفيان بن موسى سفيان هذا بصرى ثقة معروف قال الدار قطني هو ثقة مأمون وقال أبو علي الغساني هو ثقة وأنكروا على من زعم أنه مجهول قوله وكان لحانة هو بفتح اللام وتشديد الحاء أي كثير اللحن في كلامه قال القاضي ورواه بعضهم لحنة بضم اللام واسكان الحاء وهو بمعنى لحانة 560 قوله بن أبي عتيق هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه والقاسم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قوله فغضب وأضب هو بفتح الهمزة والضاد المعجمة وتشديد الباء الموحدة أي حقد قولها اجلس غدر هو بضم الغين المعجمة وفتح الدال أي يا غادر قال أهل اللغة الغدر ترك الوفاء ويقال لمن غدر غادر وغدر وأكثر ما يستعمل في النداء بالشتم وإنما قالت له غدر لانه مأمور باحترامها لأنها أم المؤمنين وعمته وأكبر منه وناصحة له ومؤدبة فكان حقه أن يحتملها ولا يغضب عليها قوله أخبرني أبو حزرة هو بحاء مهملة مفتوحة ثم زاي ساكنة ثم راء واسمه يعقوب بن مجاهد وهو يعقوب بن مجاهد المذكور في الاسناد الأول ويقال كنيته أبو يوسف وأما أبو حزرة فلقب له والله أعلم 1 ( باب نهي من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو نحوها مما له رائحة كريهة عن حضور المسجد حتى تذهب تلك الريح وإخراجه من المسجد)
561 قوله صلى الله عليه وسلم من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقربن المساجد هذا تصريح ينهي من أكل الثوم ونحوه عن دخول كل مسجد وهذا مذهب العلماء كافة الا ما حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء أن النهي خاص في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم في بعض روايات مسلم فلا يقربن مسجدنا وحجة الجمهور فلا يقربن المساجد ثم ان هذا النهي انما هو عن حضور المسجد لا عن أكل الثوم والبصل ونحوهما فهذه البقول حلال باجماع من يعتد به وحكى القاضي عياض عن أهل الظاهر تحريمها لانها تمنع عن حضور الجماعة وهي عندهم فرض عين وحجة الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم في أحاديث الباب كل فاني أناجي من لا تناجي وقوله صلى الله عليه وسلم أيها الناس انه ليس لي تحريم ما أحل الله لي قال العلماء ويلحق بالثوم والبصل والكراث كل ماله رائحة كريهة من المأكولات وغيرها قال القاضي ويلحق به من أكل فجلا وكان يتجشى قال وقال بن المرابط ويلحق به من به بخر في فيه أو به جرح له رائحة قال القاضي وقاس العلماء على هذا مجامع الصلاة غير المسجد كمصلى العيد والجنائز ونحوها من مجامع العبادات وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها ولا يلتحق بها الاسواق ونحوها 562 قوله صلى الله عليه وسلم من أكل من هذه الشجرة وفي الرواية الأخرى من هذه البقلة فيه تسمية الثوم شجرا وبقلا قال أهل اللغة البقل كل نبات اخضرت به الارض قوله صلى الله عليه وسلم من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصل معنا هكذا ضبطناه ولا يصل على النهي ووقع في أكثر الاصول ولا يصلي باثبات الياء على الخبر الذي يراد به النهي وكلاهما صحيح فيه نهي من أكل الثوم ونحوه عن حضور مجمع المصلين وان كانوا في غير مسجد ويؤخذ منه النهي عن سائر مجامع العبادات ونحوها كما سبق 563 قوله صلى الله عليه وسلم فلا يقربن مسجدنا ولا يؤذينا هو بتشديد نون يؤذينا وانما نبهت عليه لاني رأيت من خففه ثم استشكل عليه اثبات الياء مع أن اثبات الياء المخففة جائز على ارادة الخبر كما سبق 564 قوله صلى الله عليه وسلم فان الملائكة تأذى مما يتأذى منه الانس هكذا ضبطناه بتشديد الذال فيهما وهو ظاهر ووقع في أكثر الأصول تأذى مما يأذى منه الانس بتخفيف الذال فيهما وهي لغة يقال أذى يأذى مثل عمى يعمى ومعناه تأذى قال العلماء وفي هذا الحديث دليل على منع آكل الثوم ونحوه من دخول المسجد وان كان خاليا لانه محل الملائكة ولعموم الاحاديث قوله أتى بقدر فيه خضرات هكذا هو في نسخ صحيح مسلم كلها بقدر ووقع في صحيح البخاري وسنن أبي داود وغيرهما من الكتب المعتمدة أتى ببدر ببائين موحدتين قال العلماء هذا هو الصواب وفسر الرواة وأهل اللغة والغريب البدر بالطبق قالوا سمي بدرا لاستدارته كاستدارة البدر 565 قوله صلى الله عليه وسلم من أكل من هذه الشجرة الخبيثة سماها خبيثة لقبح رائحتها قال أهل اللغة الخبيث في كلام العرب المكروه من قول أو فعل أو مال أو طعام أو شراب أو شخص قوله صلى الله عليه وسلم أيها الناس انه ليس لي تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها فيه دليل على أن الثوم ليس بحرام وهو اجماع من يعتد به كما سبق وقد اختلف أصحابنا في الثوم هل كان حراما على رسول الله صلى الله عليه وسلم أم كان يتركه تنزها وظاهر هذا الحديث أنه ليس بمحرم عليه صلى الله عليه وسلم ومن قال بالتحريم يقول المراد ليس لي أن أحرم على أمتي ما أحل الله لها 566 قوله مر على زراعة بصل هي بفتح الزاي وتشديد الراء وهي الأرض المزروعة 567 قوله حدثنا هشام قال حدثنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب يوم الجمعة هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وقال خالف قتادة في هذا الحديث ثلاثة حفاظ وهم منصور بن المعتمر وحصين بن عبد الرحمن وعمر بن مرة فرووه عن سالم عن عمر منقطعا لم يذكروا فيه معدان قال الدار قطني وقتادة وان كان ثقة وزيادة الثقة مقبولة عندنا فانه مدلس ولم يذكر فيه سماعه من سالم فأشبه أن يكون بلغه عن سالم فرواه عنه قلت هذا الاستدراك مردود لان قتادة وان كان مدلسا فقد قدمنا في مواضع من هذا الشرح أن ما رواه البخاري ومسلم عن المدلسين وعنعنوه فهو محمول على أنه ثبت من طريق آخر سماع ذلك المدلس هذا الحديث ممن عنعنه عنه وأكثر هذا أو كثير منه يذكر مسلم وغيره سماعه من طريق آخر متصلا به وقد اتفقوا على أن المدلس لا يحتج بعنعنته كما سبق بيانه في الفصول المذكورة في مقدمة هذا الشرح ولا شك عندنا في أن مسلما رحمه الله تعالى يعلم هذه القاعدة ويعلم تدليس قتادة فلولا ثبوت سماعه عنده لم يحتج به ومع هذا كله فتدليسه لا يلزم منه أن يذكر معدانا من غير أن يكون له ذكر والذي يخاف من المدلس أن يحذف بعض الرواة أما زيادة من لم يكن فهذا لا يفعله المدلس وانما هذا فعل الكاذب المجاهر بكذبه وإنما ذكر معدان زيادة ثقة فيجب قبولها والعجب من الدار قطني رحمه الله تعالى في كونه جعل التدليس موجبا لاختراع ذكر رجل لا ذكر له ونسبه إلى مثل قتادة الذي محله من العدالة والحفظ والعلم بالغاية العالية وبالله التوفيق قوله وان أقواما يأمرونني أن أستخلف وان الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته معناه أن استخلف فحسن وان تركت الاستخلاف فحسن فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف لان الله عز وجل لا يضيع دينه بل يقيم له من يقوم به قوله فان عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة معنى شورى يتشاورون فيه ويتفقون على واحد من هؤلاء الستة عثمان وعلي وطلحة وزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ولم يدخل سعيد بن زيد معهم وان كان من العشرة لانه من أقاربه فتورع عن ادخاله كما تورع عن ادخال ابنه عبد الله رضي الله عنهم قوله وقد علمت أن أقواما يطعنون في هذا الامر إلى قوله فان فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال معناه ان استحلوا ذلك فهم كفرة ضلال وان لم يستحلوا ذلك ففعلهم فعل الكفرة وقوله يطعنون بضم العين وفتحها وهو الاصح هنا قوله صلى الله عليه وسلم ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء معناه الآية التي نزلت في الصيف وهي قول الله تعالى يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إلى آخرها وفيه دليل على جواز قول سورة النساء وسورة البقرة وسورة العنكبوت ونحوها وهذا مذهب من يعتد به من العلماء والاجماع اليوم منعقد عليه وكان فيه نزاع في العصر الأول وكان بعضهم يقول لا يقال سورة كذا وإنما يقال السورة التي يذكر فيها كذا وهذا باطل مردود بالاحاديث الصحيحة واستعمال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين فمن بعدهم من علماء المسلمين ولا مفسدة فيه لأن المعنى مفهوم والله أعلم قوله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع هذا فيه اخراج من وجد منه ريح الثوم والبصل ونحوهما من المسجد وازالة المنكر باليد لمن أمكنه قوله فمن أكلهما فليمتهما طبخا معناه من أراد أكلهما فليمت رائحتهما بالطبخ واماتة كل شيء كسر قوته وحدته ومنه قولهم قتلت الخمر إذا مزجها بالماء وكسر حدتها