Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)
1 ( باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته )
قال الشافعي والأصحاب القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته لكن الأولى له تركها ولا يقال انها مكروهة له وانما قالوا انها خلاف الأولى في حقه مع ثبوت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعلها لأنه صلى الله عليه وسلم كان يؤمن في حقه مجاوزة حد القبلة ويخاف على غيره مجاوزتها كما قالت عائشة كان أملككم لأربه وأما من حركت شهوته فهي حرام في حقه على الأصح عند أصحابنا وقيل مكروهة كراهة تنزيه قال القاضي قد قال باباحتها للصائم مطلقا جماعة من الصحابة والتابعين وأحمد واسحاق وداود وكرهها على الاطلاق مالك وقال بن عباس وأبو حنيفة والثورى والأوزاعى والشافعي تكره للشاب دون الشيخ الكبير وهي رواية عن مالك وروى بن وهب عن مالك رحمه الله اباحتها في صوم النفل دون الفرض ولا خلاف أنها لا تبطل الصوم الا أن ينزل المنى بالقبلة واحتجوا له بالحديث المشهور في السنن وهو قوله صلى الله عليه وسلم أرأيت لو تمضمضت ومعنى الحديث أن المضمضة مقدمة الشرب وقد علمتم أنها لا تفطر وكذا القبلة مقدمة للجماع فلا تفطر وحكى الخطابي وغيره عن بن مسعود وسعيد بن المسيب أن من قبل قضى يوما مكان يوم القبلة 1106 قوله ( عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل احدى نسائه وهو صائم ثم تضحك ) قال القاضي قيل يحتمل ضحكها التعجب ممن خالف في هذا وقيل التعجب من نفسها حيث جاءت بمثل هذا الحديث الذي يستحى من ذكره لا سيما حديث المرأة به عن نفسها للرجال لكنها اضطرت إلى ذكره لتبليغ الحديث والعلم فتتعجب من ضرورة الحال المضطرة لها إلى ذلك وقيل ضحكت سرورا بتذكر مكانها من النبي صلى الله عليه وسلم وحالها معه وملاطفته لها قال القاضي ويحتمل أنها ضحكت تنبيها على أنها صاحبة القصة ليكون أبلغ في الثقة بحديثها قوله ( فسكت ساعة ) أي ليتذكر قولها وأيكم يملك اربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك اربه هذه اللفظة رووها على وجهين أشهرهما رواية الأكثرين اربه بكسر الهمزة واسكان الراء وكذا نقله الخطابى والقاضي عن رواية الأكثرين والثاني بفتح الهمزة والراء ومعناه بالكسر الوطر والحاجة وكذا بالفتح ولكنه يطلق المفتوح ايضا على العضو قال الخطابى في معالم السنن هذه اللفظة تروى على وجهين الفتح والكسر قال ومعناهما واحد وهو حاجة النفس ووطرها يقال لفلان على فلان ارب وارب وأربة ومأربة أي حاجة قال والارب ايضا العضو قال العلماء معنى كلام عائشة رضي الله عنها أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثل النبي صلى الله عليه وسلم في استباحتها لانه يملك نفسه ويأمن الوقوع في قبلة يتولد منها انزال أو شهوة أو هيجان نفس ونحو ذلك وأنتم لا تأمنون ذلك فطريقكم الانكفاف عنها وفيه جواز الاخبار عن مثل هذا مما يجرى بين الزوجين على الجملة للضرورة وأما في غير حال الضرورة فمنهى عنه قولها ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ) معنى المباشرة هنا اللمس باليد وهو من التقاء البشرتين قوله ( دخلا على عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ليسالانها ) كذا هو في كثير من الأصول ليسألانها باللام والنون وهي لغة قليلة وفي كثير من الأصول يسألانها بحذف اللام وهذا واضح وهو الجاري على المشهور في العربية قوله ( حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا الحسن بن موسى حدثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته ) هذا الاسناد فيه أربعة تابعيون بعضهم عن بعض وهم يحيى وأبو سلمة وعمر وعروة رضي الله عنهم قوله ( حدثنا يحيى بن بشر الحريري ) هو بفتح الحاء المهملة قوله ( عن زياد بن علاقة ) هو بكسر العين المهملة وبالقاف قولها ( يقبل في شهر الصوم ) يعنى في حال الصيام 1107 قوله ( عن شتير بن شكل ) أما شتير فبشين معجمة مضمومة ثم مثناة من فوق مفتوحة وأما شكل فبشين معجمة ثم كاف مفتوحتين ومنهم من سكن الكاف والمشهور فتحها 1108 قوله ( يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والله اني لأتقاكم لله وأشدكم خشية له ) سبب قول هذا القائل قد غفر الله لك انه ظن أن جواز التقبيل للصائم من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم وانه لا حرج عليه فيما يفعل لأنه مغفور له فأنكر عليه صلى الله عليه وسلم هذا وقال أنا أتقاكم لله تعالى وأشدكم خشية فكيف تظنون بي أو تجوزون على ارتكاب منهى عنه ونحوه وقد جاء في هذا الحديث في غير مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب حين قال القائل هذا القول وجاء في الموطأ فيه يحل الله لرسوله ما شاء والله أعلم
1 ( ( باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب ) )
1109 قوله ( أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر قال سمعت أبا هريرة يقول في قصصه من أدركه الفجر جنبا فلا يصم قال فذكرت ذلك لعبدالرحمن بن الحارث لأبيه فأنكر ذلك فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة فسألهما عبد الرحمن إلى آخره ) هكذا هو في جميع النسخ فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث لأبيه وهو صحيح مليح ومعناه ذكره أبو بكر لأبيه عبد الرحمن فقوله لأبيه بدل من عبد الرحمن باعادة حرف الجر قال القاضي ووقع في رواية بن ماهان فذكر ذلك عبد الرحمن لأبيه وهذا غلط فاحش لأنه تصريح بأن الحارث والد عبد الرحمن هو المخاطب بذلك وهو باطل لأن هذه القصة كانت في ولاية مروان على المدينة في خلافة معاوية والحارث توفي في طاعون عمواس في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة ثمان عشرة والله أعلم قوله ( عن أبي هريرة أنه قال من أدركه الفجر جنبا فلا يصم ) ثم ذكر أنه حين بلغه قول عائشة وأم سلمة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا ويتم صومه رجع أبو هريرة عن قوله مع أنه كان رواه عن الفضل عن النبي صلى الله عليه وسلم فلعل سبب رجوعه أنه تعارض عنده الحديثان فجمع بينهما وتأول أحدهما وهو قوله من أدركه الفجر جنبا فلا يصم وفي رواية مالك أفطر فتأوله على ما سنذكره من الأوجه في تأويله إن شاء الله تعالى فلما ثبت عنده أن حديث عائشة وأم سلمة على ظاهره وهذا متأول رجع عنه وكان حديث عائشة وأم سلمة أولى بالاعتماد لأنهما أعلم بمثل هذا من غيرهما ولأنه موافق للقرآن فان الله تعالى أباح الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر قال الله تعالى فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر والمراد بالمباشرة الجماع ولهذا قال الله تعالى وابتغوا ما كتب الله لكم ومعلوم أنه اذا جاز الجماع إلى طلوع الفجر لزم منه أن يصبح جنبا ويصح صومه لقوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل واذا دل القرآن وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جواز الصوم لمن أصبح جنبا وجب الجواب عن حديث أبي هريرة عن الفضل عن النبي صلى الله عليه وسلم وجوابه من ثلاثة أوجه أحدها أنه ارشاد إلى الأفضل فالافضل أن يغتسل قبل الفجر فلو خالف جاز وهذا مذهب أصحابنا وجوابهم عن الحديث فان قيل كيف يكون الاغتسال قبل الفجر أفضل وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم فعله لبيان الجواز ويكون في حقه حينئذ أفضل لأنه يتضمن البيان للناس وهو مأمور بالبيان وهذا كما توضأ مرة مرة في بعض الأوقات بيانا للجواز ومعلوم أن الثلاث افضل وهو الذي واظب عليه وتظاهرت به الأحاديث وطاف على البعير لبيان الجواز ومعلوم أن الطواف ساعيا أفضل وهو الذي تكرر منه صلى الله عليه وسلم ونظائره كثيرة والجواب الثاني لعله محمول على من أدركه الفجر مجامعا فاستدام بعد طلوع الفجر عالما فانه يفطر ولا صوم له والثالث جواب بن المنذر فيما رواه عن البيهقي أن حديث أبي هريرة منسوخ وأنه كان في أول الأمر حين كان الجماع محرما في الليل بعد النوم كما كان الطعام والشراب محرما ثم نسخ ذلك ولم يعلمه أبو هريرة فكان يفتى بما علمه حتى بلغه الناسخ فرجع إليه قال بن المنذر هذا أحسن ما سمعت فيه والله أعلم قولها ( يصبح جنبا من غير حلم ) هو بضم الحاء وبضم اللام وإسكانها وفيه دليل لمن يقول بجواز الاحتلام على الأنبياء وفيه خلاف قدمناه الأشهر امتناعه قالوا لأنه من تلاعب الشيطان وهم منزهون عنه ويتأولون هذا الحديث على أن المراد يصبح جنبا من جماع ولا يجنب من احتلام لامتناعه منه ويكون قريبا من معنى قول الله تعالى ويقتلون النبيين بغير حق ومعلوم أن قتلهم لا يكون بحق قوله ( عزمت عليك الا ما ذهبت إلى أبي هريرة ) أي أمرتك أمرا جازما عزيمة محتمة وأمر ولاة الأمور تجب طاعته في غير معصية قوله ( فرد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس ) فقال أبو هريرة سمعت ذلك من الفضل وفي رواية النسائي قال أبو هريرة أخبرنيه أسامة بن زيد وفي رواية أخبرنيه فلان وفلان فيحمل على أنه سمعه من الفضل واسامة أما حكم المسألة فقد أجمع أهل هذه الأمصار على صحة صوم الجنب سواء كان من احتلام أو جماع وبه قال جماهير الصحابة والتابعين وحكى عن الحسن بن صالح ابطاله وكان عليه أبو هريرة والصحيح أنه رجع عنه كما صرح به هنا في رواية مسلم وقيل لم يرجع عنه وليس بشيء وحكى عن طاوس وعروة والنخعى أن علم بجنابته لم يصح والا فيصح وحكى مثله عن أبي هريرة وحكى أيضا عن الحسن البصري والنخعى أنه يجزيه في صوم التطوع دون الفرض وحكى عن سالم بن عبد الله والحسن البصرى والحسن بن صالح يصومه ويقضيه ثم ارتفع هذا الخلاف وأجمع العلماء بعد هؤلاء على صحته كما قدمناه وفي صحة الاجماع بعد الخلاف خلاف مشهور لأهل الأصول وحديث عائشة وأم سلمة حجة على كل مخالف والله أعلم واذا انقطع دم الحائض والنفساء في الليل ثم طلع الفجر قبل اغتسالهما صح صومهما ووجب عليهما اتمامه سواء تركت الغسل عمدا أو سهوا بعذر أم بغيره كالجنب هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة الا ما حكى عن بعض السلف مما لا نعلم صح عنه أم لا قوله ( أبو طوالة ) هو بضم الطاء المهملة
1 ( باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم ( ووجوب الكفارة الكبرى فيه وبيانها وأنها تجب على الموسر والمعسر ) ( وتثبت في ذمة المعسر حتى يستطيع ) )
في الباب حديث أبي هريرة في المجامع امرأته في نهار رمضان ومذهبنا ومذهب العلماء كافة وجوب الكفارة عليه اذا جامع عامدا جماعا أفسد به صوم يوم من رمضان والكفارة عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب التي تضر بالعمل اضرارا بينا فان عجز عنها فصوم شهرين متتابعين فان عجز فاطعام ستين مسكينا كل مسكين مد من طعام وهو رطل وثلث بالبغدادي فان عجز عن الخصال الثلاث فللشافعي قولان أحدهما لا شيء عليه وان استطاع بعد ذلك فلا شيء عليه واحتج لهذا القول بأن حديث هذا المجامع ظاهر بأنه لم يستقر في ذمته شيء لأنه أخبر بعجزه ولم يقل له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكفارة ثابتة في ذمته بل أذن له في اطعام عياله والقول الثاني وهو الصحيح عند أصحابنا وهو المختار أن الكفارة لا تسقط بل تستقر في ذمته حتى يمكن قياسا على سائر الديون والحقوق والمؤاخذات كجزاء الصيد وغيره وأما الحديث فليس فيه نفي استقرار الكفارة بل فيه دليل لاستقرارها لأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الكفارة بأنه عاجز عن الخصال الثلاث ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق التمر فأمره باخراجه فلو كانت تسقط بالعجز لم يكن عليه شيء ولم يأمره باخراجه فدل على ثبوتها في ذمته وانما أذن له في اطعام عياله لأنه كان محتاجا ومضطرا إلى الانفاق على عياله في الحال والكفارة على التراخى فأذن له في أكله واطعام عياله وبقيت الكفارة في ذمته وانما لم يبين له بقاءها في ذمته لأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز عند جماهير الأصوليين وهذا هو الصواب في معنى الحديث وحكم المسألة وفيها أقوال وتأويلات أخر ضعيفة وأما المجامع ناسيا فلا يفطر ولا كفارة عليه هذا هو الصحيح من مذهبنا وبه قال جمهور العلماء ولأصحاب مالك خلاف في وجوبها عليه وقال أحمد يفطر وتجب به الكفارة وقال عطاء وربيعة والأوزاعى والليث والثورى يجب القضاء ولا كفارة دليلنا أن الحديث صح أن أكل الناسي لا يفطر والجماع في معناه وأما الأحاديث الواردة في الكفارة في الجماع فإنما هي في جماع العامد ولهذا قال في بعضها هلكت وفي بعضها احترقت احترقت وهذا لايكون الا في عامد فان الناسى لا اثم عليه بالاجماع 1111 قوله صلى الله عليه وسلم ( هل تجد ما تعتق رقبة ) رقبة منصوب بدل من ما قوله ( فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق ) هو بفتح العين والراء هذا هو الصواب المشهور في الرواية واللغة وكذا حكاه القاضي عن رواية الجمهور ثم قال ورواه كثير من شيوخنا وغيرهم باسكان الراء قال والصواب الفتح ويقال للعرق الزبيل بفتح الزاي من غير نون والزنبيل بكسر الزاي وزيادة نون ويقال له القفة والمكتل بكسر الميم وفتح التاء المثناة فوق والسفيفة بفتح السين المهملة وبالفائين قال القاضي قال بن دريد سمى زبيلا لأنه يحمل فيه الزبل والعرق عند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعا وهي ستون مدا لستين مسكينا لكل مسكين مد قوله ( قال أفقر منا ) كذا ضبطناه أفقر بالنصب وكذا نقل القاضي أن الرواية فيه بالنصب على إضمار فعل تقديره أتجد أفقر منا أو أتعطى قال ويصح رفعه على تقدير هل أحد أفقر منا كما قال في الحديث الآخر بعده أغيرنا كذا ضبطناه بالرفع ويصح النصب على ما سبق هذا كلام القاضي وقد ضبطنا الثاني بالنصب أيضا فهما جائزان كما سبق توجيههما قوله ( فما بين لابتيها ) هما الحرتان والمدينة بين حرتين والحرة الأرض الملبسة حجارة سودا ويقال لابة ولوبه ونوبة بالنون حكاهن أبو عبيد والجوهري ومن لا يحصى من أهل اللغة قالوا ومنه قيل للأسود لوبى ونوبى باللام والنون قالوا وجمع اللابة لوب ولاب ولابات وهي غير مهموزة قوله ( وهو الزنبيل ) هكذا ضبطناه بكسر الزاي وبعدها نون وقد سبق بيانه قريبا قوله ( إن رجلا وقع بامرأته ) كذا هو في معظم النسخ وفي بعضها واقع امرأته وكلاهما صحيح قوله ( أمر رجلا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين أو يطعم ستين مسكينا ) لفظة أو هنا للتقسيم لا للتخيير تقديره يعتق أو يصوم ان عجز عن العتق أو يطعم ان عجز عنهما وتبينه الروايات الباقية وفي هذه الروايات دلالة لأبي حنيفة ومن يقول يجزئ عتق كافر عن كفارة الجماع والظهار وانما يشترطون الرقبة المؤمنة في كفارة القتل لأنها منصوص على وصفها بالايمان في القرآن وقال الشافعي والجمهور يشترط الايمان في جميع الكفارات تنزيلا للمطلق على المقيد والمسألة مبنية على ذلك فالشافعي يحمل المطلق على المقيد وابو حنيفة يخالفه 1112 قوله ( احترقت ) فيه استعمال المجاز وأنه لا انكار على مستعمله قوله صلى الله عليه وسلم ( تصدق تصدق ) هذا التصدق مطلق وجاء مقيدا في الروايات السابقة بإطعام ستين مسكينا وذلك ستون مدا وهي خمسة عشر صاعا قوله ( فجاءه عرقان فيهما طعام فأمره أن يتصدق به ) هذا أيضا مطلق محمول على المقيد كما سبق قوله صلى الله عليه وسلم ( هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ) فيه حجة لمذهبنا ومذهب الجمهور وأجمع عليه في الاعصار المتأخرة وهو اشتراط التتابع في صيام هذين الشهرين حكى عن بن أبي ليلى أنه لا يشترطه قوله صلى الله عليه وسلم ( تطعم ستين مسكينا ) فيه حجة لنا وللجمهور وأجمع عليه العلماء في الاعصار المتأخرة وهو اشتراط طعام ستين مسكينا وحكى عن الحسن البصرى أنه اطعام أربعين مسكينا عشرين صاعا ثم جمهور المشترطين ستين قالوا لكل مسكين مد وهو ربع صاع وقال أبو حنيفة والثورى لكل مسكين نصف صاع
1 ( باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية ( اذا كان سفره مرحلتين فأكثر وأن الأفضل لمن أطاقه بلا ضرر أن يصوم ) ( ولمن يشق عليه أن يفطر ))
اختلف العلماء في صوم رمضان في السفر فقال بعض أهل الظاهر لا يصح صوم رمضان في السفر فان صامه لم ينعقد ويجب قضاؤه لظاهر الآية ولحديث ليس من البر الصيام في السفر وفي الحديث الآخر أولئك العصاة وقال جماهير العلماء وجميع أهل الفتوى يجوز صومه في السفر وينعقد ويجزيه واختلفوا في أن الصوم أفضل أم الفطر أم هما سواء فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي والأكثرون الصوم أفضل لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر فان تضرر به فالفطر أفضل واحتجوا بصوم النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة وغيرهما وبغير ذلك من الأحاديث ولأنه يحصل به براءة الذمة في الحال وقال سعيد بن المسيب والأوزاعي وأحمد واسحاق وغيرهم الفطر أفضل مطلقا وحكاه بعض أصحابنا قولا للشافعي وهو غريب واحتجوا بما سبق لأهل الظاهر وبحديث حمزة بن عمرو الأسلمى المذكور في مسلم في آخر الباب وهو قوله صلى الله عليه وسلم هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه وظاهره ترجيح الفطر وأجاب الأكثرون بأن هذا كله فيمن يخاف ضررا أو يجد مشقة كما هو صريح في الأحاديث واعتمدوا حديث أبي سعيد الخدرى المذكور في الباب قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم يرون أن من وجد قوة فصام فان ذلك حسن ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فان ذلك حسن وهذا صريح في ترجيح مذهب الأكثرين وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة وقال بعض العلماء الفطر والصوم سواء لتعادل الأحاديث والصحيح قول الأكثرين والله أعلم 1113 قوله ( خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر ) يعنى بالفتح فتح مكة وكان سنة ثمان من الهجرة والكديد بفتح الكاف وكسر الدال المهملة وهي عين جارية بينها وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها وبينها وبين مكة قريب من مرحلتين وهي أقرب إلى المدينة من عسفان قال القاضي عياض الكديد عين جارية على اثنين وأربعين ميلا من مكة قال وعسفان قرية جامعة بها منبر على ستة وثلاثين ميلا من مكة قال والكديد ما بينها وبين قديد وفي الحديث الآخر فصام حتى بلغ كراع الغميم وهو بفتح الغين المعجمة وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال يضاف إليه هذا الكراع وهو جبل أسود متصل به والكراع كل أنف سال من جبل أو حرة قال القاضي وهذا كله في سفر واحد في غزاة الفتح قال وسميت هذه المواضع في هذه الأحاديث لتقاربها وان كانت عسفان متباعدة شيئا عن هذه المواضع لكنها كلها مضافة اليها ومن عملها فاشتمل اسم عسفان عليها قال وقد يكون علم حال الناس ومشقتهم في بعضها فأفطر وامرهم بالفطر في بعضها هذا كلام القاضي وهو كما قال الا في مسافة عسفان فان المشهور أنها على أربعة برد من مكة وكل بريد اربعة فراسخ وكل فرسخ ثلاثة أميال فالجملة ثمانية وأربعون ميلا هذا هو الصواب المعروف الذي قاله الجمهور قوله ( فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر ) فيه دليل لمذهب الجمهور أن الصوم والفطر جائزان وفيه أن المسافر له أن يصوم بعض رمضان دون بعض ولا يلزمه بصوم بعضه اتمامه وقد غلط بعض العلماء في فهم هذا الحديث فتوهم أن الكديد وكراع الغميم قريب من المدينة وأن قوله فصام حتى بلغ الكديد وكراع الغميم كان في اليوم الذي خرج فيه من المدينة فزعم أنه خرج من المدينة صائما فلما بلغ كراع الغميم في يومه افطر في نهار واستدل به هذا القائل على أنه اذا سافر بعد طلوع الفجر صائما له أن يفطر في يومه ومذهب الشافعي والجمهور أنه لا يجوز الفطر في ذلك اليوم وانما يجوز لمن طلع عليه الفجر في السفر واستدلال هذا القائل بهذا الحديث من العجائب الغريبة لأن الكديد وكراع الغميم على سبع مراحل أو أكثر من المدينة والله أعلم قوله ( وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره صلى الله عليه وسلم ) هذا محمول على ما علموا منه النسخ أو رجحان الثاني مع جوازهما والا فقد طاف صلى الله عليه وسلم على بعيره وتوضأ مرة مرة ونظائر ذلك من الجائزات التي عملها مرة أو مرات قليلة لبيان جوازها وحافظ على الأفضل منها قوله ( قال بن عباس فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر فمن شاء صام ومن شاء أفطر ) فيه دلالة لمذهب الجمهور في جواز الصوم والفطر جميعا 1114 قوله ( فقيل له بعد ذلك أن بعض الناس قد صام فقال أولئك العصاة أولئك العصاة ) هكذا هو مكرر مرتين وهذا محمول على من تضرر بالصوم أو أنهم أمروا بالفطر أمرا جازما لمصلحة بيان جوازه فخالفوا الواجب وعلى التقديرين لا يكون الصائم اليوم في السفر عاصيا اذا لم يتضرر به ويؤيد التأويل الأول قوله في الرواية الثانية إن الناس قد شق عليهم الصيام 1115 قوله ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى رجلا قد اجتمع عليه الناس وقد ظلل عليه فقال ماله قالوا رجل صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس من البر أن تصوموا في السفر ) معناه اذا شق عليكم وخفتم الضرر وسياق الحديث يقتضى هذا التأويل وهذه الرواية مبينة للروايات المطلقة ليس من البر الصيام في السفر ومعنى الجميع فيمن تضرر بالصوم قوله في حديث محمد بن رافع ( فصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة خلت من رمضان ) ثم ذكر عن أبي سعيد قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لست عشرة مضت من رمضان وفي رواية لثمان عشرة خلت وفي رواية في ثنتى عشرة وفي رواية لسبع عشرة أو تسع عشرة والمشهور في كتب المغازى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة الفتح من المدينة لعشر خلون من رمضان ودخلها لتسع عشرة خلت منه ووجه الجمع بين هذه الروايات أن قوله ( فتحزم المفطرون ) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا فتحزم بالحاء المهملة والزاي وكذا نقله القاضي عن أكثر رواة صحيح مسلم قال ووقع لبعضهم فتخدم بالخاء المعجمة والدال المهملة قال وادعوا أنه صواب الكلام لأنهم كانوا يخدمون قال القاضي والأول صحيح أيضا ولصحته ثلاثة أوجه أحدها معناه شدوا أوساطهم للخدمة والثاني أنه استعارة للاجتهاد في الخدمة ومنه اذا دخل العشر اجتهد وشد المئزر والثالث أنه من الحزم وهو الاحتياط والأخذ بالقوة والاهتمام بالمصلحة 1120 قوله ( وهو مكثور عليه ) أي عنده كثيرون من الناس قوله في حديث حمزة بن عمرو الأسلمى ( يا رسول الله انى رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر فقال صم ان شئت وأفطر ان شئت ) فيه دلالة لمذهب الجمهور أن الصوم والفطر جائزان وأما الأفضل منهما فحكمه ما سبق في أول الباب وفيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن صوم الدهر وسرده غير مكروه لمن لا يخاف منه ضررا ولا يفوت به حقا بشرط فطر يومى العيدين والتشريق لأنه أخبر بسرده ولم ينكر عليه بل أقره عليه وأذن له فيه في السفر ففي الحضر أولى وهذا محمول على أن حمزة بن عمرو كان يطيق السرد بلا ضرر ولا تفويت حق كما قال في الرواية التي بعدها أجد بي قوة على الصيام وأما انكاره صلى الله عليه وسلم على بن عمرو بن العاص صوم الدهر فلأنه علم صلى الله عليه وسلم أنه سيضعف عنه وهكذا جرى فانه ضعف في آخر عمره وكان يقول يا ليتنى قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العمل الدائم وان قل ويحثهم عليه 1121 قوله ( عن أبي مراوح هو بضم الميم وكسر الواو وبالحاء المهملة واسمه سعد
1 ( باب استحباب الفطر للحاج بعرفات يوم عرفة ) مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وجمهور العلماء استحباب فطر يوم عرفة بعرفة للحاج وحكاه بن المنذر عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان بن عفان وبن عمر والثوري قال وكان بن الزبير وعائشة يصومانه وروى عن عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص وكان إسحاق يميل إليه وكان عطاء يصومه في الشتاء دون الصيف وقال قتادة لا بأس به اذا لم يضعف عن الدعاء واحتج الجمهور بفطر النبي صلى الله عليه وسلم فيه ولأنه أرفق بالحاج في آداب الوقوف ومهمات المناسك واحتج الآخرون بالأحاديث المطلقة أن صوم عرفة كفارة سنتين وحمله الجمهور على من ليس هناك 1123 قوله ( ان أم الفضل امرأة العباس أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن وهو واقف على بعير بعرفة فشربه ) فيه فوائد منها استحباب الفطر للواقف بعرفة ومنها استحباب الوقوف راكبا وهو الصحيح في مذهبنا ولنا قول أن غير الركوب أفضل وقيل أنهما سواء ومنها جواز الشرب قائما وراكبا ومنها اباحة الهدية للنبي صلى الله عليه وسلم ومنها اباحة قبول هدية المرأة المزوجة الموثوق بدينها ولا يشترط أن يسأل هل هو من مالها أم من مال زوجها أو أنه أذن فيه أم لا اذا كانت موثوقا بدينها ومنها أن تصرف المرأة في مالها جائز ولا يشترط اذن الزوج سواء تصرفت في الثلث أو أكثر وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال مالك لا تتصرف فيما فوق الثلث الا باذنه وهو موضع الدلالة من الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لم يسأل هل هو من مالها ويخرج من الثلث أو باذن الزوج أم لا ولو اختلف الحكم لسأل قوله ( عن عمير مولى عبد الله بن عباس ) وفي روايتين مولى أم الفضل وفي رواية مولى بن عباس فالظاهر أنه مولى أم الفضل حقيقة ويقال له مولى بن عباس وقال البخاري وغيره من الأئمة هو مولى أم الفضل حقيقة ويقال له مولى بن عباس لملازمته له وأخذه عنه وانتمائه إليه كما قالوا في أبي مرة مولى أم هانيء بنت أبي طالب يقولون أيضا مولى عقيل بن أبي طالب قالوا للزومه اياه وانتمائه إليه وقريب منه مقسم مولى بن عباس ليس هو مولاه حقيقه وإنما قيل مولى بن عباس للزومه اياه قوله ( فأرسلت إليه ميمونه بحلاب اللبن ) هو بكسر الحاء المهملة وهو الاناء الذي يحلب فيه ويقال له المحلب بكسر الميم 1 ( باب صوم يوم عاشوراء )
اتفق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليوم سنة ليس بواجب واختلفوا في حكمه في أول الاسلام حين شرع صومه قبل صوم رمضان فقال أبو حنيفة كان واجبا واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين مشهورين أشهرهما عندهم أنه لم يزل سنة من حين شرع ولم يكن واجبا قط في هذه الأمة ولكنه كان متأكد الاستحباب فلما نزل صوم رمضان صار مستحبا دون ذلك الاستحباب والثاني كان واجبا كقول أبي حنيفة وتظهر فائدة الخلاف في اشتراط نية الصوم الواجب من الليل فأبو حنيفة لا يشترطها ويقول كان الناس مفطرين أول يوم عاشوراء ثم أمروا بصيامه بنية من النهار ولم يؤمروا بقضائه بعد صومه واصحاب الشافعي يقولون كان مستحبا فصح بنية من النهار ويتمسك أبو حنيفة بقوله أمر بصيامه والأمر للوجوب وبقوله فلما فرض رمضان قال من شاء صامه ومن شاء تركه ويحتج الشافعية بقوله هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه والمشهور في اللغة أن عاشوراء وتاسوعاء ممدودان وحكى قصرهما 1125 قوله صلى الله عليه وسلم ( من شاء صامه ومن شاء تركه ) معناه أنه ليس متحتما فأبو حنيفة يقدره ليس بواجب والشافعية يقدرونه ليس متأكدا أكمل التأكيد وعلى المذهبين فهو سنة مستحبة الآن من حين قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام قال القاضي عياض وكان بعض السلف يقول كان صوم عاشوراء فرض وهو باق على فرضيته لم ينسخ قال وانقرض القائلون بهذا وحصل الاجماع على أنه ليس بفرض وانما هو مستحب وروى عن بن عمر كراهة قصد صومه وتعيينه بالصوم والعلماء مجمعون على استحبابه وتعيينه للاحاديث وأما قول بن مسعود كنا نصومه ثم ترك فمعناه أنه لم يبق كما كان من الوجوب وتأكد الندب قوله في حديث قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح ( ان قريشا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فرض رمضان ) ضبطوا أمر هنا بوجهين أظهرهما بفتح الهمزة والميم والثاني بضم الهمزة وكسر الميم ولم يذكر القاضي عياض غيره 1129 وأما قول معاوية ( أين علماؤكم ) إلى آخره فظاهره أنه سمع من يوجبه أو يحرمه أو يكرهه فأراد إعلامه وإنه ليس بواجب ولا محرم ولا مكروه وخطب به في ذلك الجمع العظيم ولم ينكر عليه قوله عن معاوية ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهذا اليوم هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم فمن أحب منكم أن يصوم فليصم ومن أحب منكم أن يفطر فليفطر ) هذا كله من كلام النبي صلى الله عليه وسلم هكذا جاء مبينا في رواية النسائي 1130 قوله ( فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسئلوا عن ذلك ) وفي رواية فسألهم المراد بالروايتين أمر من سألهم والحاصل من مجموع الأحاديث أن يوم عاشوراء كانت الجاهلية من كفار قريش وغيرهم واليهود يصومونه وجاء الاسلام بصيامه متأكدا ثم بقى صومه أخف من ذلك التأكد والله أعلم قوله ( ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم ) الشارة بالشين المعجمة بلا همز وهي الهيئة الحسنة والجمال أي يلبسونهن لباسهم الحسن الجميل ويقال لها الشارة والشورة بضم الشين وأما الحلى فقال أهل اللغة هو بفتح الحاء واسكان اللام مفرد وجمعه حلى بضم الحاء وكسرها والضم أشهر وأكثر وقد قرئ بهما في السبع وأكثرهم على الضم واللام مكسورة والياء مشددة فيهما قوله ( ان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء وقالوا ان موسى صامه وانه اليوم الذي نجوا فيه من فرعون وغرق فرعون فصامه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه وقال نحن أحق بموسى منهم ) قال المازرى خبر اليهود غير مقبول فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أوحى إليه بصدقهم فيما قالوه أو تواتر عنده النقل بذلك حتى حصل له العلم به قال القاضي عياض ردا على المازرى قد روى مسلم أن قريشا كانت تصومه فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صامه فلم يحدث له بقول اليهود حكم يحتاج إلى الكلام عليه وانما هي صفة حال وجواب سؤال فقوله صامه ليس فيه أنه ابتدأ صومه حينئذ بقولهم ولو كان هذا لحملناه على أنه أخبر به من أسلم من علمائهم كابن سلام وغيره قال القاضي وقد قال قال بعضهم يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يصومه بمكة ثم ترك صيامه حتى علم ما عند أهل الكتاب فيه فصامه قال القاضي وما ذكرناه أولى بلفظ الحديث قلت المختار قوله المازرى ومختصر ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يصومه كما تصومه قريش في مكه ثم قدم المدينة فوجد اليهود يصومونه فصامه أيضا بوحى أو تواتر أو اجتهاد لا بمجرد أخبار آحادهم والله أعلم قوله ( عن بن عباس أن يوم عاشوراء هو تاسع المحرم وأن النبي صلى الله عليه وسلم 1 ( كان يصوم التاسع ) 1134 وفي الرواية الأخرى ( عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صام يوم عاشوراء فقالوا يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا كان العام المقبل ان شاء الله تعالى صمنا اليوم التاسع قال فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) هذا تصريح من بن عباس بأن مذهبه أن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم ويتأوله على أنه مأخوذ من اظماء الابل فان العرب تسمى اليوم الخامس من أيام الورد ربعا وكذا باقي الايام على هذه النسبة فيكون التاسع عشرا وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم وممن قال ذلك سعيد بن المسيب والحسن البصرى ومالك وأحمد واسحاق وخلائق وهذا ظاهر الاحاديث ومقتضى اللفظ وأما تقدير اخذه من الاظماء فبعيد ثم ان حديث بن عباس الثاني يرد عليه لانه قال أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء فذكروا أن اليهود والنصارى تصومه فقال أنه في العام المقبل يصوم التاسع وهذا تصريح بأن الذي كان يصومه ليس هو التاسع فتعين كونه العاشر قال الشافعي وأصحابه وأحمد واسحاق وآخرون يستحب صوم التاسع والعاشر جميعا لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام العاشر ونوى صيام التاسع وقد سبق في ) صحيح مسلم في كتاب الصلاة من رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم قال بعض العلماء ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في افراد العاشر وفي الحديث اشارة إلى هذا وقيل للاحتياط في تحصيل عاشوراء والأول أولى والله أعلم 1135 قوله ( من كان لم يصم فليصم ومن كان أكل فليتم صيامه إلى الليل ) وفي رواية من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه معنى الروايتين أن من كان نوى الصوم فليتم صومه ومن كان لم ينو الصوم ولم يأكل أو أكل فليمسك بقية يومه حرمة لليوم كما لو أصبح يوم الشك مفطرا ثم ثبت أنه من رمضان يجب امساك بقية يومه حرمة لليوم واحتج أبو حنيفة بهذا الحديث لمذهبه أن صوم رمضان وغيره من الفرض يجوز نيته في النهار ولا يشترط تبييتها قال لأنهم نووا في النهار وأجزأهم قال الجمهور لا يجوز رمضان ولا غيره من الصوم الواجب الا بنية من الليل وأجابوا عن هذا الحديث بأن المراد امساك بقية النهار لا حقيقة الصوم والدليل على هذا أنهم أكلوا ثم أمروا بالاتمام وقد وافق أبو حنيفة وغيره على أن شرط اجزاء النية في النهار في الفرض والنفل أن لا يتقدمها مفسد للصوم من أكل أو غيره وجواب آخر أن صوم عاشوراء لم يكن واجبا عند الجمهور كما سبق في أول الباب وانما كان سنة متأكدة وجواب ثالث أنه ليس فيه أنه يجزيهم ولا يقضونه بل لعلهم قضوه وقد جاء في سنن أبي داود في هذا الحديث فأتموا بقية يوم واقضوه 1136 قوله ( اللعبة من العهن ) هو الصوف مطلقا وقيل الصوف المصبوغ قوله ( فنجعل لهم اللعبة من العهن فاذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها اياه عند الافطار ) هكذا هو في جميع النسخ عند الافطار قال القاضي فيه محذوف وصوابه حتى يكون عند الافطار فبهذا يتم الكلام وكذا وقع في البخاري من رواية مسدد وهو معنى ما ذكره مسلم في الرواية الأخرى فاذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم وفي هذا الحديث تمرين الصبيان على الطاعات وتعويدهم العبادات ولكنهم ليسوا مكلفين قال القاضي وقد روى عن عروة أنهم متى أطاقوا الصوم وجب عليهم وهذا غلط مردود بالحديث الصحيح رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يحتلم وفي رواية يبلغ والله أعلم
1 ( باب تحريم صوم يومى العيدين ) فيه ( عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى ) وعن بن عمر نحوه وقد أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال سواء صامهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك ولو نذر صومهما متعمدا لعينهما قال الشافعي والجمهور لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤهما وقال أبو حنيفة ينعقد ويلزمه قضاؤهما قال فان صامهما أجزأه وخالف الناس كلهم في ذلك 1137 قوله ( شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فجاء فصلى ثم انصرف فخطب الناس فقال أن هذين يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما ) فيه تقديم صلاة العيد على خطبته وقد سبق بيانه واضحا في بابه وفيه تعليم الامام في خطبته ما يتعلق بذلك العيد من أحكام الشرع من مأمور به ومنهى عنه قوله ( يوم فطركم ) أي أحدهما يوم فطركم 1139 قوله ( جاء رجل إلى بن عمر فقال انى نذرت أن أصوم يوما فوافق يوم أضحى أو فطر فقال بن عمر أمر الله بوفاء النذر ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم هذا اليوم ) معناه أن بن عمر توقف عن الجزم بجوابه لتعارض الأدلة عنده وقد اختلف العلماء فيمن نذر صوم العيد معينا كما قدمناه قريبا وأما هذا الذي نذر صوم يوم الأثنين مثلا فوافق يوم العيد فلا يجوز له صوم العيد بالاجماع وهل يلزمه قضاؤه فيه خلاف للعلماء وفيه للشافعي قولان أصحهما لا يجب قضاؤه لأن لفظه لم يتناول القضاء وانما يجب قضاء الفرائض بأمر جديد على المختار عند الأصوليين وكذلك لو صادف أيام التشريق لا يجب قضاؤه في الأصح والله أعلم ويحتمل أن بن عمر عرض له بأن الاحتياط لك القضاء لتجمع بين أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم 1 ( باب تحريم صوم أيام التشريق ( وبيان أنها أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل ) ) 1141 قوله صلى الله عليه وسلم ( أيام التشريق أيام أكل وشرب ) وفي رواية وذكر لله عز وجل وفي رواية أيام منى وفيه دليل لمن قال لا يصح صومها بحال وهو اظهر القولين في مذهب الشافعي وبه قال أبو حنيفة وبن المنذر وغيرهما وقال جماعة من العلماء يجوز صيامها لكل أحد تطوعا وغيره حكاه بن المنذر عن الزبير بن العوام وبن عمر وبن سيرين وقال مالك والأوزاعى واسحاق والشافعي في أحد قوليه يجوز صومها للمتمتع اذا لم يجد الهدى ولا يجوز لغيره واحتج هؤلاء بحديث البخارى في صحيحه عن بن عمر وعائشة قالا لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن الا لمن لم يجد الهدى وأيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر سميت بذلك لتشريق الناس لحوم الأضاحى فيها وهو تقديدها ونشرها في الشمس وفي الحديث استحباب الاكثار من الذكر في هذه الايام من التكبير وغيره قوله ( عن نبيشة الهذلى ) هو بضم النون وفتح الباء الموحدة وبالشين المعجمة وهو نبيشة بن عمرو بن عوف بن سلمة 1 ( باب كراهة افراد يوم الجمعة بصوم لا يوافق عادته )
1143 قوله ( سألت جابر بن عبد الله وهو يطوف بالبيت أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الجمعة فقال نعم ورب هذا البيت ) 1144 وفي رواية أبي هريرة ( قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصم أحدكم يوم الجمعة الا أن يصوم قبله أو يصوم بعده ) وفي رواية ( لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام الا أن يكون في صوم يصومه أحدكم ) هكذا وقع في الاصول تختصوا ليلة الجمعة ولا تخصوا يوم الجمعة باثبات تاء في الأول بين الخاء والصاد وبحذفها في الثاني وهما صحيحان وفي هذه الأحاديث الدلالة الظاهرة لقول جمهور أصحاب الشافعي وموافقيهم أنه يكره افراد يوم الجمعة بالصوم الا أن يوافق عادة له فان وصله بيوم قبله أو بعده أو وافق عادة له بأن نذر أن يصوم يوم شفاء مريضه أبدا فوافق يوم الجمعة لم يكره لهذه الأحاديث وأما قول مالك في الموطأ لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن به يقتدى نهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه فهذا الذي قاله هو الذي رآه وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره وقد ثبت النهى عن صوم يوم الجمعة فيتعين القول به ومالك معذور فانه لم يبلغه قال الداودى من أصحاب مالك لم يبلغ مالكا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه قال العلماء والحكمة في النهى عنه أن يوم الجمعة يوم دعاء وذكر وعبادة من الغسل والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة واكثار الذكر بعدها لقول الله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا وغير ذلك من العبادات في يومها فاستحب الفطر فيه فيكون أعون له على هذه الوظائف وأدائها بنشاط وانشراح لها والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة وهو نظير الحاج يوم عرفة بعرفة فان السنة له الفطر كما سبق تقريره لهذه الحكمة فان قيل لو كان كذلك لم يزل النهى والكراهة بصوم قبله أو بعده لبقاء المعنى فالجواب أنه يحصل له بفضيلة الصوم الذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير في وظائف يوم الجمعة بسبب صومه فهذا هو المعتمد في الحكمة في النهى عن افراد صوم الجمعة وقيل سببه خوف المبالغة في تعظيمه بحيث يفتتن به كما افتتن قوم بالسبت وهذا ضعيف منتقض بصلاة الجمعة وغيرها مما هو مشهور من وظائف يوم الجمعة وتعظيمه وقيل سبب النهى لئلا يعتقد وجوبه وهذا ضعيف منتقض بيوم الاثنين فانه يندب صومه ولا يلتفت إلى هذا الاحتمال البعيد وبيوم عرفة ويوم عاشوراء وغير ذلك فالصواب ما قدمنا والله أعلم وفى هذا الحديث النهى الصريح عن تخصيص ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي ويومها بصوم كما تقدم وهذا متفق على كراهيته واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى الرغائب قاتل الله واضعها ومخترعها فانها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة وجهالة وفيها منكرات ظاهرة وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها ودلائل قبحها وبطلانها وتضلل فاعلها أكثر من أن تحصر والله أعلم 1 ( باب بيان نسخ قول الله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين )
1145 قوله ( عن سلمة لما نزلت هذه الآية وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين كان من أراد أن يفطر ويفتدى حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها ) وفي رواية ( قال كنا في رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الآية فمن شهد منكم الشهر فليصمه قال القاضي عياض اختلف السلف في الأولى هل هي محكمة أو مخصوصة أو منسوخة كلها أو بعضها فقال الجمهور منسوخة كقول سلمة ثم اختلفوا هل بقى منها ما لم ينسخ فروى عن بن عمر والجمهور أن حكم الاطعام باق على من لم يطق الصوم لكبر وقال جماعة من السلف ومالك وأبو ثور وداود جميع الأطعام منسوخ وليس على الكبير اذا لم يطق الصوم اطعام واستحبه له مالك وقال قتاده كانت الرخصة لكبير يقدر على الصوم ثم نسخ فيه وبقى فيمن لا يطيق وقال بن عباس وغيره نزلت في الكبير والمريض اللذين لا يقدران على الصوم فهي عنده محكمة لكن المريض يقضى اذا برئ وأكثر العلماء على أنه لا اطعام على المريض وقال زيد بن أسلم والزهرى ومالك هي محكمة ونزلت في المريض يفطر ثم يبرأ ولا يقضى حتى يدخل رمضان آخر فيلزمه صومه ثم يقضى بعده ما أفطر ويطعم عن كل يوم مدا من حنطة فأما من اتصل مرضه برمضان الثاني فليس عليه اطعام بل عليه القضاء فقط وقال الحسن البصرى وغيره والضمير في يطيقونه عائد على الاطعام لا على الصوم ثم نسخ ذلك فهي عنده عامة ثم جمهور العلماء على أن الاطعام عن كل يوم مد وقال أبو حنيفة مدان ووافقه صاحباه وقال أشهب المالكي مد وثلث لغير أهل المدينة ثم جمهور العلماء أن المرض المبيح للفطر هو ما يشق معه الصوم وأباحه بعضهم لكل مريض هذا آخر كلام القاضي 1 ( باب جواز تأخير قضاء رمضان ما لم يجيء رمضان آخر لمن أفطر بعذر ( كمرض وسفر وحيض ونحو ذلك )) 1146 قوله عن عائشة رضي الله عنها قالت ( كان يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه الا في شعبان الشغل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو برسول الله ) وفي رواية ( قالت ان كانت أحدانا لتفطر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتي شعبان ) هكذا هو في النسخ الشغل بالألف واللام مرفوع أي يمنعنى الشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم وتعنى بالشغل وبقولها في الحديث الثاني فما تقدر على أن تقضيه أن كل واحدة منهن كانت مهيئة نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم مترصدة لاستمتاعه في جميع أوقاتها أن أراد ذلك ولا تدرى متى يريده ولم تستأذنه في الصوم مخافة أن يأذن وقد يكون له حاجة فيها فتفوتها عليه وهذا من الأدب وقد اتفق العلماء على أن المرأة لا يحل لها صوم التطوع وزوجها حاضر الا باذنه لحديث أبي هريرة السابق في صحيح مسلم في كتاب الزكاة وانما كانت تصومه في شعبان لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم معظم شعبان فلا حاجة له فيهن حينئذ في النهار ولأنه اذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان فانه لا يجوز تأخيره عنه ومذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير السلف والخلف أن قضاء رمضان في حق من أفطر بعذر كحيض وسفر يجب على التراخى ولا يشترط المبادرة به في أول الامكان لكن قالوا لا يجوز تأخيره عن شعبان الآتي لأنه يؤخره حينئذ إلى زمان لا يقبله وهو رمضان الآتي فصار كمن أخره إلى الموت وقال داود تجب المبادرة به في أول يوم بعد العيد من شوال وحديث عائشة هذا يرد عليه قال الجمهور ويستحب المبادرة به للاحتياط فيه فان أخره فالصحيح عند المحققين من الفقهاء وأهل الأصول أنه يجب العزم على فعله وكذلك القول في جميع الواجب الموسع انما يجوز تأخيره بشرط العزم على فعله حتى لو أخره بلا عزم عصى وقيل لا يشترط العزم وأجمعوا أنه لو مات قبل خروج شعبان لزمه الفدية في تركه عن كل يوم مد من طعام هذا اذا كان تمكن من القضاء فلم يقض فأما من أفطر في رمضان بعذر ثم اتصل عجزه فلم يتمكن من الصوم حتى مات فلا صوم عليه ولا يطعم عنه ولا يصام عنه ومن أراد قضاء صوم رمضان ندب مرتبا متواليا فلو قضاه غير مرتب أو مفرقا جاز عندنا وعند الجمهور لأن اسم الصوم يقع على الجميع وقال جماعة من الصحابة والتابعين وأهل الظاهر يجب تتابعه كما يجب الأداء
1 ( باب قضاء الصوم عن الميت )
1147 قوله صلى الله عليه وسلم ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) 1148 وفي رواية بن عباس ( أن أمرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ان أمي ماتت وعليها صوم شهر فقال أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه قالت نعم قال فدين الله أحق بالقضاء ) وفي رواية عن بن عباس جاء رجل وذكر نحوه وفي رواية أنها قالت ( ان أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها قال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها قالت نعم قال فصومى عن أمك ) 1149 وفي حديث بريدة ( قال بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتته أمرأة فقالت أني تصدقت على أمي بجارية وانها ماتت فقال وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها قال صومي عنها قالت إنها لم تحج قط أفأحج عنها قال حجي عنها ) وفي رواية صوم شهرين اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب من رمضان أو قضاء أو نذر أو غيره هل يقضى عنه وللشافعي في المسألة قولان مشهوران أشهرهما لا يصام عنه ولا يصح عن ميت صوم أصلا والثاني يستحب لوليه أن يصوم عنه ويصح صومه عنه ويبرأ به الميت ولا يحتاج إلى اطعام عنه وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة وأما الحديث الوارد من مات وعليه صيام أطعم عنه فليس بثابت ولو ثبت أمكن الجمع بينه وبين هذه الأحاديث بأن يحمل على جواز الأمرين فان من يقول بالصيام يجوز عنده الاطعام فثبت أن الصواب المتعين تجويز الصيام وتجويز الاطعام والولى مخير بينهما والمراد بالولى القريب سواء كان عصبة أو وارثا أو غيرهما وقيل المراد الوارث وقيل العصبة والصحيح الأول ولو صام عنه أجنبي أن كان باذن الولى صح والا فلا في الأصح ولا يجب على الولى الصوم عنه لكن يستحب هذا تلخيص مذهبنا في المسألة وممن قال به من السلف طاوس والحسن البصرى والزهرى وقتادة وأبو ثور وبه قال الليث وأحمد واسحاق وأبو عبيد في صوم النذر دون رمضان وغيره وذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عن ميت لا نذر ولا غيره حكاه بن المنذر عن بن عمر وبن عباس وعائشة ورواية عن الحسن والزهرى وبه قال مالك وأبو حنيفة قال القاضي عياض وغيره هو قول جمهور العلماء وتأولوا الحديث على أنه يطعم عنه وليه وهذا تأويل ضعيف بل باطل وأي ضرورة إليه وأي مانع يمنع من العمل بظاهره مع تظاهر الأحاديث مع عدم المعارض لها قال القاضي وأصحابنا وأجمعوا على أنه لا يصلى عنه صلاة فائتة وعلى أنه لا يصام عن أحد في حياته وانما الخلاف في الميت والله أعلم وأما قول بن عباس أن السائل رجل وفي رواية أمرأة وفي رواية صوم شهر وفي رواية صوم شهرين فلا تعارض بينهما فسأل تارة رجل وتارة امرأة وتارة عن شهر وتارة عن شهرين وفي هذه الأحاديث جواز صوم الولى عن الميت كما ذكرنا وجواز سماع كلام المرأة الأجنبية في الاستفتاء ونحوه من مواضع الحاجة وصحة القياس لقوله صلى الله عليه وسلم فدين الله أحق بالقضاء وفيها قضاء الدين عن الميت وقد أجمعت الأمة عليه ولا فرق بين أن يقضيه عنه وارث أو غيره فيبرأ به بلا خلاف وفيه دليل لمن يقول اذا مات وعليه دين لله تعالى ودين لآدمى وضاق ماله قدم دين الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم فدين الله أحق بالقضاء وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال للشافعي أصحها تقديم دين الله تعالى لما ذكرناه والثاني تقديم دين الآدمى لأنه مبنى على الشح والمضايقة والثالث هما سواء فيقسم بينهما وفيه أنه يستحب للمفتى أن ينبه على وجه الدليل اذا كان مختصرا واضحا وبالسائل إليه حاجة أو يترتب عليه مصلحة لأنه صلى الله عليه وسلم قاس على دين الآدمى تنبيها على وجه الدليل وفيه أن من تصدق بشيء ثم ورثه لم يكره له أخذه والتصرف فيه بخلاف ما اذا أراد شراءه فانه يكره لحديث فرس عمر رضي الله عنه فيه دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي والجمهور أن النيابة في الحج جائزة عن الميت والعاجز المأيوس من برئه واعتذر القاضي عياض عن مخالفة مذهبهم لهذه الأحاديث في الصوم عن الميت والحج عنه بأنه مضطرب وهذا عذر باطل وليس في الحديث اضطراب وانما فيه اختلاف جمعنا بينه كما سبق ويكفى في صحته احتجاج مسلم به في صحيحه والله أعلم قوله ( من مسلم البطين ) هو بفتح الباء وكسر الطاء
1 ( باب ندب الصائم اذا دعى إلى طعام ولم يرد الافطار ( أو شوتم أو قوتل أن يقول إني صائم وأنه ينزه صومه عن الرفث والجهل ونحوه )) 1150 فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( اذا دعى أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل أني صائم ) 1151 وفي رواية ( اذا أصبح أحدكم يوما صائما فلا يرفث ولا يجهل فان امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم اني صائم ) قوله صلى الله عليه وسلم فيما اذا دعى وهو صائم فليقل اني صائم محمول على أنه يقول له اعتذارا له واعلاما بحاله فان سمح له ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور وان لم يسمح وطالبه بالحضور لزمه الحضور وليس الصوم عذرا في اجابة الدعوة ولكن اذا حضر لا يلزمه الأكل ويكون الصوم عذرا في ترك الأكل بخلاف المفطر فانه يلزمه الأكل على أصح الوجهين عندنا كما سيأتي واضحا ان شاء الله تعالى في بابه والفرق بين الصائم والمفطر منصوص عليه في الحديث الصحيح كما هو معروف في موضعه وأما الأفضل للصائم فقال أصحابنا أن كان يشق على صاحب الطعام صومه استحب له الفطر والا فلا هذا اذا كان صوم تطوع فان كان صوما واجبا حرم الفطر وفي هذا الحديث أنه لا بأس باظهار نوافل العبادة من الصوم والصلاة وغيرهما اذا دعت إليه حاجة والمستحب اخفاؤها اذا لم تكن حاجة وفيه الاشارة إلى حسن المعاشرة واصلاح ذات البين وتأليف القلوب وحسن الاعتذار عند سببه وأما الحديث الثاني ففيه نهى الصائم عن الرفث وهو السخف وفاحش الكلام يقال رفث بفتح الفاء يرفث بضمها وكسرها ورفث بكسرها يرفث بفتحها رفثا بسكون الفاء في المصدر ورفثا بفتحها في الاسم ويقال أرفث رباعى حكاه القاضي والجهل قريب من الرفث وهو خلاف الحكمة وخلاف الصواب من القول والفعل قوله صلى الله عليه وسلم ( فان امرؤ شاتمه أو قاتله ) معناه شتمه متعرضا لمشاتمته ومعنى قاتله نازعه ودافعه وقوله صلى الله عليه وسلم ( فليقل إني صائم اني صائم ) هكذا هو مرتين واختلفوا في معناه فقيل يقوله بلسانه جهرا يسمعه الشاتم والمقاتل فينزجر غالبا وقيل لا يقوله بلسانه بل يحدث به نفسه ليمنعها من مشاتمته ومقاتلته ومقابلته ويحرص صومه عن المكدرات ولو جمع بين الأمرين كان حسنا واعلم أن نهى الصائم عن الرفث والجهل والمخاصمة والمشاتمة ليس مختصا به بل كل أحد مثله في أصل النهى عن ذلك لكن الصائم آكد والله أعلم 1 ( باب فضل الصيام )
قوله صلى الله عليه وسلم ( قال الله تعالى كل عمل بن آدم له الا الصيام هو لي وأنا أجزي به ) اختلف العلماء في معناه مع كون جميع الطاعات لله تعالى فقيل سبب اضافته إلى الله تعالى أنه لم يعبد أحد غير الله تعالى به فلم يعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودا لهم بالصيام وان كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود والصدقة والذكر وغير ذلك وقيل لأن الصوم بعيد من الرياء لخفائه بخلاف الصلاة والحج والغزو والصدقة وغيرها من العبادات الظاهرة وقيل لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظ قاله الخطابي قال وقيل ان الاستغناء عن الطعام من صفات الله تعالى فتقرب الصائم بما يتعلق بهذه الصفة وان كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء وقيل معناه أنا المنفرد بعلم مقدار ثوابه أو تضعيف حسناته وغيره من العبادات أظهر سبحانه بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها وقيل هي اضافة تشريف كقوله تعالى ناقة الله مع أن العالم كله لله تعالى وفي هذا الحديث بيان عظم فضل الصوم والحث إليه وقوله تعالى وأنا أجزي به بيان لعظم فضله وكثرة ثوابه لأن الكريم اذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى عظم قدر الجزاء وسعة العطاء قوله صلى الله عليه وسلم ( لخلفة فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة ) وفي رواية لخلوف هو بضم الخاء فيهما وهو تغير رائحة الفم هذا هو الصواب فيه بضم الخاء كما ذكرناه وهو الذي ذكره الخطابى وغيره من أهل الغريب وهو المعروف في كتب اللغة وقال القاضي الرواية الصحيحة بضم الخاء قال وكثير من الشيوخ يرويه بفتحها قال الخطابي وهو خطأ قال القاضي وحكى عن الفارسي فيه الفتح والضم وقال أهل المشرق يقولونه بالوجهين والصواب الضم ويقال خلف فوه بفتح الخاء واللام يخلف بضم اللام وأخلف يخلف اذا تغير وأما معنى الحديث فقال القاضي قال المازرى هذا مجاز واستعارة لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له طبائع تميل إلى شئ فتستطيبه وتنفر من شيء فتستقذره والله تعالى متقدس عن ذلك لكن جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك في الصوم لتقريبه من الله تعالى قال القاضي وقيل يجازيه الله تعالى به في الآخرة فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما أن دم الشهيد يكون ريحه ريح المسك وقيل يحصل لصاحبه من الثواب أكثر ممن يحصل لصاحب المسك وقيل رائحته عند ملائكة الله تعالى أطيب من رائحة المسك عندنا وان كانت رائحة الخلوف عندنا خلافه والأصح ما قاله الداورى من المغاربة وقاله من قال من أصحابنا أن الخلوف أكثر ثوابا من المسك حيث ندب إليه في الجمع والأعياد ومجالس الحديث والذكر وسائر مجامع الخير واحتج أصحابنا بهذا الحديث على كراهة السواك للصائم بعد الزوال لأنه يزيل الخلوف الذي هذه صفته وفضيلته وان كان السواك فيه فضل ايضا لأن فضيلة الخلوف أعظم وقالوا كما أن دم الشهداء مشهود له بالطيب ويترك له غسل الشهيد مع أن غسل الميت واجب فاذا ترك الواجب للمحافظة على بقاء الدم المشهود له بالطيب فترك السواك الذي ليس هو واجبا للمحافظة على بقاء الخلوف المشهود له بذلك أولى والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( الصيام جنة ) هو بضم الجيم ومعناه سترة ومانع من الرفث والآثام ومانع أيضا من النار ومنه المجن وهو الترس ومنه الجن لاستتارهم قوله صلى الله عليه وسلم ( فلا يرفث يومئذ ولا يسخب ) هكذا هو هنا بالسين ويقال بالسين والصاد وهو الصياح وهو بمعنى الرواية الأخرى ولا يجهل ولا يرفث قال القاضي ورواه الطبرى ولا يسخر بالراء قال ومعناه صحيح لأن السخرية تكون بالقول والفعل وكله من الجهل قلت وهذه الرواية تصحيف وان كان لها معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( وللصائم فرحتان يفرحهما اذا أفطر فرح بفطره واذا لقى ربه فرح بصومه ) قال العلماء أما فرحته عند لقاء ربه فبما يراه من جزائه وتذكر نعمة الله تعالى عليه بتوفيقه لذلك وأما عند فطره فسببها تمام عبادته وسلامتها من المفسدات وما يرجوه من ثوابها 1152 قوله ( حدثنا خالد بن مخلد القطوانى ) هو بفتح القاف والطاء قال البخارى والكلاباذى معناه البقال كأنهم نسبوه إلى بيع القطنية قال القاضي وقال الباجي هي قرية على باب الكوفة قال وقاله أبو ذر ايضا وفي تاريخ البخارى أن قطوان موضع قوله صلى الله عليه وسلم ( ان في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل معهم أحد غيرهم يقال أين الصائمون فيدخلون منه فاذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد ) هكذا وقع في بعض الأصول فاذا دخل آخرهم وفي بعضها فاذا دخل أولهم قال القاضي وغيره وهو وهم والصواب آخرهم وفي هذا الحديث فضيلة الصيام وكرامة الصائمين
1 ( باب فضل الصيام في سبيل الله لمن يطيقه بلا ضرر ولا تفويت حق ) قوله صلى الله عليه وسلم ( من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا ) فيه فضيلة الصيام في سبيل الله وهو محمول على من لا يتضرر به ولا يفوت به حقا ولا يختل به قتاله ولا غيره من مهمات غزوه ومعناه المباعدة عن النار والمعافاة منها والخريف السنة والمراد سبعين سنة 1 ( باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال ( وجواز فطر الصائم نفلا من غير عذر والأولى اتمامه ) ) 1154 فيه حديث عائشة رضي الله عنها ( قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم يا عائشة هل عندكم شيء قالت فقلت يا رسول الله ما عندنا شيء قال فانى صائم قالت فخرج صلى الله عليه وسلم فأهديت لنا هدية أو جاءنا زور فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله أهديت لنا هدية أو جاءنا زور وقد خبأت لك شيئا قال ما هو قلت حيس قال هاتيه فجئت به فاكل ثم قال قد كنت أصبحت صائما ) وفي الرواية الأخرى قالت ( دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال هل عندكم شيء قلنا لا قال فأني اذا صائم ثم أتانا يوما آخر فقلنا يا رسول الله أهدى لنا حيس قال أرينيه فلقد أصبحت صائما فأكل ) الحيس بفتح الحاء المهملة هو التمر مع السمن والاقط وقال الهروى ثريدة من اخلاط والأول هو المشهور والزور بفتح الزاي الزوار ويقع الزور على الواحد والجماعة القليلة والكثيرة وقولها جاءنا زور وقد خبأت لك معناه جاءنا زائرون ومعهم هدية خبأت لك منها أو يكون معناه جاءنا زور فأهدى لنا بسببهم هدية فخبات لك منها وهاتان الروايتان هما حديث واحد والثانية مفسرة للآولى ومبينة أن القصة في الرواية الأولى كانت في يومين لا في يوم واحد كذا قاله القاضي وغيره وهو ظاهر وفيه دليل لمذهب الجمهور أن صوم النافلة يجوز بنية في النهار قبل زوال الشمس ويتأوله الآخرون على أن سؤاله صلى الله عليه وسلم هل عندكم شيء لكونه ضعف عن الصوم وكان نواه من الليل فأراد الفطر للضعف وهذا تأويل فاسد وتكلف بعيد وفي الرواية الثانية التصريح بالدلالة لمذهب الشافعي وموافقيه في أن صوم النافلة يجوز قطعه والأكل في أثناء النهار ويبطل الصوم لانه نفل فهو إلى خيرة الانسان في الابتداء وكذا في الدوام وممن قال بهذا جماعة من الصحابة وأحمد واسحاق وآخرون ولكنهم كلهم والشافعي معهم متفقون على استحباب اتمامه وقال أبو حنيفة ومالك لا يجوز قطعة ويأثم بذلك وبه قال الحسن البصرى ومكحول والنخعى وأوجبوا قضاءه على من أفطر بلا عذر قال بن عبد البر وأجمعوا على أن لا قضاء على من أفطره بعذر والله أعلم 1 ( باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر ) 1155 قوله صلى الله عليه وسلم ( من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فانما أطعمه الله وسقاه ) فيه دلالة لمذهب الأكثرين أن الصائم اذا أكل أو شرب أو جامع ناسيا لا يفطر وممن قال بهذا الشافعي وأبو حنيفة وداود وآخرون وقال ربيعة ومالك يفسد صومه وعليه القضاء دون الكفارة وقال عطاء والأوزاعى والليث يجب القضاء في الجماع دون الأكل وقال أحمد يجب في الجماع القضاء والكفارة ولا شيء في الأكل 1 ( باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم في غير رمضان ( واستحباب أن لا يخلى شهرا من صوم ))
فيه حديث عائشة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صام شهرا كله الا رمضان ولا أفطره كله حتى يصيب منه ) وفي رواية يصوم منه وفي رواية كان يصوم حتى نقول قد صام قد صام ويفطر حتى نقول قد أفطر قد أفطر وفي رواية يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان وفي رواية كان يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان الا قليلا في هذه الاحاديث أنه يستحب أن لا يخلى شهرا من صيام وفيها أن صوم النفل غير مختص بزمان معين بل كل السنة صالحة له الا رمضان والعيد والتشريق وقولها كان يصوم شعبان كله كان يصومه الا قليلا الثاني تفسير للاول وبيان أن قولها كله أي غالبه وقيل كان يصومه كله في وقت ويصوم بعضه في سنة أخرى وقيل كان يصوم تارة من أوله وتارة من آخره وتارة بينهما وما يخلى منه شيئا بلا صيام لكن في سنين وقيل في تخصيص شعبان بكثرة الصوم لكونه ترفع فيه أعمال العباد وقيل غير ذلك فان قيل سيأتى قريبا في الحديث الآخر ان أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم فكيف أكثر منه في شعبان دون المحرم فالجواب لعله لم يعلم فضل المحرم الا في آخر الحياة قبل التمكن من صومه أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من اكثار الصوم فيه كسفر ومرض وغيرهما قال العلماء وانما لم يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه 782 وقوله ص ( خذوا من الأعمال ما تطيقون ) إلى آخر هذا الحديث تقدم شرحه وبيانه واضحا في كتاب الصلاة قبيل كتاب القراءة وأحاديث القرآن قوله ( سألت سعيد بن جبير عن صوم رجب فقال سمعت بن عباس يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم ) الظاهر أن مراد سعيد بن جبير بهذا الاستدلال أنه لا نهى عنه ولا ندب فيه لعينه بل له حكم باقي الشهور ولم يثبت في صوم رجب نهى ولا ندب لعينه ولكن أصل الصوم مندوب إليه وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم ورجب أحدها والله أعلم 1 ( باب النهى عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقا ( أولم يفطر العيدين والتشريق وبيان تفضيل صوم يوم وافطار يوم ) )
فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وقد جمع مسلم رحمه الله طرقه فأتقنها وحاصل الحديث بيان رفق رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته وشفقته عليهم وارشادهم إلى مصالحهم وحثهم على ما يطيقون الدوام عليه ونهيهم عن التعمق والاكثار من العبادات التي يخاف عليهم الملل بسببها أو تركها أو ترك بعضها وقد بين ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم عليكم من الأعمال ما تطيقون فان الله لا يمل حتى تملوا وبقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل وفي الحديث الآخر أحب العمل إليه ما داوم صاحبه عليه وقد ذم الله تعالى قوما أكثروا العبادة ثم فرطوا فيها فقال تعالى ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها وفي هذه الروايات المذكورة في الباب النهى عن صيام الدهر واختلف العلماء فيه فذهب أهل الظاهر إلى منع صيام الدهر نظرا لظواهر هذه الأحاديث قال القاضي وغيره وذهب جماهير العلماء إلى جوازه اذا لم يصم الأيام المنهى عنها وهي العيدان والتشريق ومذهب الشافعي وأصحابه أن سرد الصيام اذا أفطر العيدين والتشريق لا كراهة فيه بل هو مستحب بشرط أن لا يلحقه به ضرر ولا يفوت حقا فان تضرر أو فوت حقا فمكروه واستدلوا بحديث حمزة بن عمرو وقد رواه البخارى ومسلم أنه قال يا رسول الله اني أسرد الصوم أفأصوم في السفر فقال ان شئت فصم ولفظ رواية مسلم فأقره صلى الله عليه وسلم على سرد الصيام ولو كان مكروها لم يقره لا سيما في السفر وقد ثبت عن بن عمر بن الخطاب أنه كان يسرد الصيام وكذلك أبو طلحة وعائشة وخلائق من السلف قد ذكرت منهم جماعة في شرح المهذب في باب صوم التطوع وأجابوا عن حديث لا صام من صام الأبد بأجوبة أحدها أنه محمول على حقيقته بأن يصوم معه العيدين والتشريق وبهذا أجابت عائشة رضي الله عنها والثاني أنه محمول على من تضرر به أو فوت به حقا ويؤيده أن النهى كان خطابا لعبد الله بن عمرو بن العاص وقد ذكر مسلم عنه أنه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرخصة قالوا فنهى بن عمر وكان لعلمه بأنه سيعجز وأقر حمزة بن عمرو لعلمه بقدرته بلا ضرر والثالث أن معنى لا صام أنه لا يجد من مشقته ما يجدها غيره فيكون خبرا لا دعاء 1159 قوله صلى الله عليه وسلم ( فانك لا تستطيع ذلك ) فيه اشارة إلى ما قدمناه أنه صلى الله عليه وسلم علم من حال عبد الله بن عمرو أنه لا يستطيع الدوام عليه بخلاف حمزة بن عمرو وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل كله فهو على اطلاقه وغير مختص به بل قال أصحابنا يكره صلاة كل الليل دائما لكل أحد وفرقوا بينه وبين صوم الدهر في حق من لا يتضرر به ولا يفوت حقا بأن في صلاة الليل كله لا بد فيها من الاضرار بنفسه وتفويت بعض الحقوق لأنه ان لم ينم بالنهار فهو ضرر ظاهر وان نام نوما ينجبر به سهره فوت بعض الحقوق بخلاف من يصلى بعض الليل فانه يستغنى بنوم باقيه وان نام معه شيئا في النهار كان يسيرا لا يفوت به حق وكذا من قام ليلة كاملة كليلة العيد أو غيرها لا دائما لا كراهة فيه لعدم الضرر والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم في صوم يوم وفطر يوم ( لا أفضل من ذلك ) اختلف العلماء فيه فقال المتولى من أصحابنا وغيره من العلماء هو أفضل من السرد لظاهر هذا الحديث وفي كلام غيره اشارة إلى تفضيل السرد وتخصيص هذا الحديث بعبد الله بن عمرو ومن في معناه وتقديره لا أفضل من هذا في حقك ويؤيد هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد وأرشده إلى يوم ويوم ولو كان أفضل في حق كل الناس لأرشده إليه وبينه له فان تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فان بحسبك أن تصوم ) معناه يكفيك أن تصوم قوله صلى الله عليه وسلم ( ولزورك عليك حقا ) أي زائرك وقد سبق شرحه قريبا قوله صلى الله عليه وسلم ( واقرأ القرآن في كل شهر ثم قال في كل عشرين ثم قال في كل سبع ولا تزد ) هذا من نحو ما سبق من الارشاد إلى الاقتصاد في العبادة والارشاد إلى تدبر القرآن وقد كانت للسلف عادات مختلفة فيما يقرؤون كل يوم بحسب أحوالهم وأفهامهم ووظائفهم فكان بعضهم يختم القرآن في كل شهر وبعضهم في عشرين يوما وبعضهم في عشرة أيام وبعضهم أو أكثرهم في سبعة وكثير منهم في ثلاثة وكثير في كل يوم وليلة وبعضهم في كل ليلة وبعضهم في اليوم والليلة ثلاث ختمات وبعضهم ثمان ختمات وهو أكثر ما بلغنا وقد أوضحت هذا كله مضافا إلى فاعليه وناقليه في كتاب آداب القراء مع جمل من نفائس تتعلق بذلك والمختار أنه يستكثر منه ما يمكنه الدوام عليه ولا يعتاد الا ما يغلب على ظنه الدوام عليه في حال نشاطه وغيره هذا اذا لم تكن له وظائف عامة أو خاصة يتعطل باكثار القرآن عنها فان كانت له وظيفة عامة كولاية وتعليم ونحو ذلك فليوظف لنفسه قراءة يمكنه المحافظة عليها مع نشاطه وغيره من غير اخلال بشيء من كمال تلك الوظيفة وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف والله أعلم قوله ( وددت أني كنت قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) معناه أنه كبر وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفه على نفسه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق عليه فعله ولا يمكنه تركه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل وفي هذا الحديث وكلام بن عمرو أنه ينبغى الدوام على ما صار عادة من الخير ولا يفرط فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( وان لولدك عليك حقا ) فيه أن على الأب تأديب ولده وتعليمه ما يحتاج إليه من وظائف الدين وهذا التعليم واجب على الأب وسائر الأولياء قبل بلوغ الصبى والصبية نص عليه الشافعى وأصحابه قال الشافعى وأصحابه وعلى الأمهات أيضا هذا التعليم اذا لم يكن أب لأنه من باب التربية ولهن مدخل في ذلك وأجرة هذا التعليم في مال الصبى فان لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته لأنه مما يحتاج إليه والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم في وصف داود صلى الله عليه وسلم ( كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر اذا لاقى قال من لى بهذه يا نبى الله ) معناه هذه الخصلة الأخيرة وهي عدم الفرار صعبة على كيف لى بتحصيلها قوله صلى الله عليه وسلم ( لا صام من صام الأبد لا صام من صام الأبد ) سبق شرحه في هذا الباب وهكذا هو في النسخ مكرر مرتين وفي بعضها ثلاث مرات قوله صلى الله عليه وسلم ( هجمت له العين ونهكت ) معنى هجمت غارت ونهكت بفتح النون وبفتح الهاء وكسرها والتاء ساكنة العين أى ضعفت وضبطه بعضهم نهكت بضم النون وكسر الهاء وفتح التاء أى نهكت أنت أى ضنيت وهذا ظاهر كلام القاضي قوله ( ونفهت النفس ) بفتح النون وكسر الفاء أى أعيت قوله ( حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن عمرو بن أوس ) عمرو الاول هو بن دينار كما بينه في الرواية الثانية قوله ( فألقيت له وسادة ) فيه اكرام الضيف والكبار وأهل الفضل قوله ( فجلس على الأرض وصارت الوسادة بينى وبينه ) فيه بيان ما كان عليه النبى صلى الله عليه وسلم من التواضع ومجانبة الاستئثار على صاحبه وجليسه قوله ( حدثنا سليم بن حيان ) بفتح السين وكسر اللام وقد سبق في مقدمة الكتاب أنه ليس في الصحيح سليم بفتح السين غيره قوله ( سعيد بن ميناء ) هو بالمد والقصر والقصر أشهر