Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)

قسم V02/P050–V02/P052

62 قوله صلى الله عليه وسلم ( لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر وفى الرواية ) الأخرى من ادعى أبا فى الاسلام غير أبيه يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ) أما الرواية الأولى فقد تقدم شرحها فى الباب الذى قبل هذا وأما قوله صلى الله عليه وسلم فالجنة عليه حرام ففيه التأويلان اللذان قدمناهما فى نظائره أحدهما أنه محمول على من فعله مستحلا له والثانى أن جزاءه أنها محرمة عليه أولا عند دخول الفائزين وأهل السلامة ثم انه قد يجازى فيمنعها عند دخولهم ثم يدخلها بعد ذلك وقد لا يجازى بل يعفو الله سبحانه وتعالى عنه ومعنى حرام ممنوعة ويقال رغب عن أبيه أى ترك الانتساب إليه وجحده يقال رغبت عن الشيء تركته وكرهته ورغبت فيه اخترته وطلبته وأما قول أبى عثمان لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة فقلت له ما هذا الذى صنعتم انى سمعت سعد بن أبى وقاص يقول سمع أذناى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول من ادعى أبا فى الاسلام غير أبيه فالجنة عليه حرام فقال أبو بكرة أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فمعنى هذا الكلام الانكار على أبى بكرة وذلك أن زيادا هذا المذكور هو المعروف بزياد بن أبى سفيان ويقال فيه زياد بن أبيه ويقال زياد بن أمه وهو أخو أبى بكرة لأمه وكان يعرف بزياد بن عبيد الثقفى ثم ادعاه معاوية بن أبى سفيان وألحقه بأبيه أبى سفيان وصار من جملة أصحابه بعد أن كان من أصحاب على بن أبى طالب رضى الله عنه فلهذا قال أبو عثمان لأبى بكرة ما هذا الذى صنعتم وكان أبو بكرة رضى الله عنه ممن أنكر ذلك وهجر بسببه زيادا وحلف أن لا يكلمه أبدا ولعل أبا عثمان لم يبلغه انكار أبى بكرة حين قال له هذا الكلام أو يكون مراده بقوله ما هذا الذى صنعتم أى ما هذا الذى جرى من أخيك ما أقبحه وأعظم عقوبته فان النبى صلى الله عليه وسلم حرم على فاعله الجنة وقوله ادعى ضبطناه بضم الدال وكسر العين مبنى لما لم يسم فاعله أى ادعاه معاوية ووجد بخط الحافظ أبى عامر العبدرى ادعى بفتح الدال والعين على أن زيادا هو الفاعل وهذا له وجه من حيث ان معاوية ادعاه وصدقه زياد فصار زياد مدعيا أنه بن أبى سفيان والله اعلم وأما قول سعد سمع أذناى فهكذا ضبطناه سمع بكسر الميم وفتح العين وأذناى بالتثنية وكذا نقل الشيخ أبو عمرو كونه أذناى بالألف على التثنية عن رواية أبى الفتح السمرقندى عن عبد الغافر قال وهو فيما يعتمد من أصل أبى القاسم العساكرى وغيره أذنى بغير ألف وحكى القاضي عياض أن بعضهم ضبطه باسكان الميم وفتح العين على المصدر وأذنى بلفظ الافراد قال وضبطناه من طريق الجيانى بضم العين مع اسكان الميم وهو الوجه قال سيبويه العرب تقول سمع أذنى زيدا يقول كذا وحكى عن القاضي الحافظ أبى على بن سكرة أنه ضبطه بكسر الميم كما ذكرناه أولا وأنكره القاضي وليس انكاره بشيء بل الأوجه المذكورة كلها صحيحة ظاهرة ويؤيد كسر الميم قوله فى الرواية الاخرى سمعته أذناى ووعاه قلبى والله أعلم وأما قوله فى الرواية الاخرى سمعته أذناى ووعاه قلبى محمدا صلى الله عليه وسلم فنصب محمدا على البدل من الضمير فى سمعته أذناى ومعنى وعاه حفظه والله أعلم وأما ما يتعلق بالاسناد ففيه هارون الايلى بالمثناة وعراك بكسر العين المهملة وتخفيف الراء وبالكاف وفيه أبو عثمان وهو النهدى بفتح النون واسمه عبد الرحمن بن مل بفتح الميم وكسرها وضمها مع تشديد اللام ويقال ملء بالكسر مع اسكان اللام وبعدها همزة وقد تقدم بيانه فى شرح آخر المقدمة وأما أبو بكرة فاسمه نفيع بن الحرث بن كلدة بفتح الكاف واللام وأمه وأم أخيه زياد سمية أمة الحرث بن كلدة وقيل له أبو بكرة لأنه تدلى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصن الطائف ببكرة مات بالبصرة سنة احدى وقيل اثنتين وخمسين رضى الله عنه والله سبحانه وتعالى أعلم

قسم V02/P052–V02/P056

1 ( باب بيان قول النبى صلى الله عليه وسلم سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) السب فى اللغة الشتم والتكلم فى عرض الانسان بما يعيبه والفسق فى اللغة الخروج والمراد ) به فى الشرع الخروج عن الطاعة وأما معنى الحديث فسب المسلم بغير حق حرام باجماع الامة وفاعله فاسق كما أخبر به النبى صلى الله عليه وسلم وأما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أهل الحق كفرا يخرج به من الملة كما قدمناه فى مواضع كثيرة إلا اذا استحله فاذا تقرر هذا فقيل فى تأويل الحديث أقوال أحدها أنه فى المستحل والثانى أن المراد كفر الاحسان والنعمة وأخوة الاسلام لاكفر الجحود والثالث أنه يؤول إلى الكفر بشؤمه والرابع أنه كفعل الكفار والله أعلم ثم ان الظاهر من قتاله المقاتلة المعروفة قال القاضي ويجوز أن يكون المراد المشارة والمدافعة والله أعلم وأما ما يتعلق بالاسناد ففيه محمد بن بكار بن الريان بالراء المفتوحة وتشديد المثناة تحت وفيه زبيد بضم الزاى وبالموحدة ثم المثناة وهو زبيد بن الحرث اليامى ويقال الايامى وليس فى الصحيحين غيره وفى الموطأ زبيد بن الصلت بتكرير المثناة وبضم الزاى وكسرها وقد تقدم بيانه فى آخر الفصول وفيه أبو وائل شقيق بن سلمة وأما قول مسلم فى أول الاسناد 64 ( حدثنا محمد بن بكار وعون قالا حدثنا محمد بن طلحة ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن بن مهدى حدثنا سفيان وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة كلهم عن زبيد ) فهكذا ضبطناه وكذا وقع فى أصلنا وبعض الاصول ووقع فى الاصول التى اعتمدها الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله بطريقى محمد بن طلحة وشعبة ولم يقع فيها طريق محمد بن المثنى عن بن مهدى عن سفيان وأنكر الشيخ قوله كلهم مع أنهما اثنان محمد بن طلحة وشعبة وانكاره صحيح على ما فى أصوله وأما على ما عندنا فلا انكار فان سفيان ثالثهما والله أعلم 1 ( باب بيان معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم ( لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )) 65 قوله صلى الله عليه وسلم ( لاترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) قيل فى معناه سبعة أقوال أحدها أن ذلك كفر فى حق المستحل بغير حق والثانى المراد كفر النعمة وحق الاسلام والثالث أنه يقرب من الكفر ويؤدى إليه والرابع أنه فعل كفعل الكفار والخامس المراد حقيقة الكفر ومعناه لا تكفروا بل دوموا مسلمين والسادس حكاه الخطابى وغيره أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح يقال تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه قال الأزهرى فى كتابه تهذيب اللغة يقال للابس السلاح كافر والسابع قاله الخطابى معناه لا يكفر بعضكم بعضا فتستحلوا قتال بعضكم بعضا وأظهر الاقوال الرابع وهو اختيار القاضي عياض رحمه الله ثم ان الرواية يضرب برفع الباء هكذا هو الصواب وكذا رواه المتقدمون والمتأخرون وبه يصح المقصود هنا ونقل القاضي عياض رحمه الله أن بعض العلماء ضبطه باسكان الباء قال القاضي وهو احالة للمعنى والصواب الضم قلت وكذا قال أبو البقاء العكبرى أنه يجوز جزم الباء على تقدير شرط مضمر أى ان ترجعوا يضرب والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا ترجعوا ) بعدى كفارا فقال القاضي قال الصبرى معناه بعد فراقى من موقفى هذا وكان هذا يوم النحر بمنى فى حجة الوداع أو يكون بعدى أى خلافى أى لا تخلفونى فى أنفسكم بغير الذى أمرتكم به أو يكون تحقق صلى الله عليه وسلم أن هذا لا يكون فى حياته فنهاهم عنه بعد مماته وقوله صلى الله عليه وسلم ( استنصت الناس ) معناه مرهم بالانصات ليسمعوا هذه الامور المهمة والقواعد التى سأقررها لكم وأحملكموها وقوله فى حجة الوداع سميت بذلك لأن النبى صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها وعلمهم فى خطبته فيها أمر دينهم وأوصاهم بتبليغ الشرع فيها إلى من غاب عنها فقال صلى الله عليه وسلم ليبلغ الشاهد منكم الغائب والمعروف فى الرواية حجة الوداع بفتح الحاء وقال الهروى وغيره من أهل اللغة المسموع من العرب فى واحدة الحجج حجة بكسر الحاء قالوا والقياس فتحها لكونها اسما للمرة الواحدة وليست عبارة عن الهيئة حتى تكسر قالوا فيجوز الكسر بالسماع والفتح بالقياس وقوله صلى الله عليه وسلم ( ويحكم أو قال ويلكم ) قال القاضي هما كلمتان استعملتهما العرب بمعنى التعجب والتوجع قال سيبويه ويل كلمة لمن وقع فى هلكة وويح ترحم وحكى عنه ويح زجر لمن أشرف على الهلكة قال غيره ولا يراد بهما الدعاء بايقاع الهلكة ولكن الترحم والتعجب وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ويح كلمة رحمة وقال الهروى ويح لمن وقع فى هلكة لا يستحقها فيترحم عليه ويرثى له وويل للذى يستحقها ولا يترحم عليه والله أعلم وأما أسانيد الباب ففيه على بن مدرك بضم الميم واسكان الدال وكسر الراء وفيه أبو زرعة بن عمرو بن جرير وفى اسمه خلاف مشهور قد قدمناه فى أول الكتاب وهو كتاب الايمان قيل اسمه هرم وقيل عمرو وقيل عبد الرحمن وقيل عبيد وفيه واقد بن محمد بالقاف وقد قدمنا أنه ليس فى الصحيحين وافد والله أعلم بالصواب

قسم V02/P056–V02/P058

1 ( باب اطلاق اسم الكفر على الطعن فى النسب والنياحة) 67 قوله صلى الله عليه وسلم ( اثنتان فى الناس هما بهم كفر الطعن فى النسب والنياحة على الميت ) وفيه أقوال أصحها أن معناه هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية والثانى أنه يؤدى إلى الكفر والثالث أنه كفر النعمة والاحسان والرابع أن ذلك فى المستحل وفى هذا الحديث تغليظ تحريم الطعن فى النسب والنياحة وقد جاء فى كل واحد منهما نصوص معروفة والله أعلم ) باب تسمية العبد الآبق كافرا) 68 قوله صلى الله عليه وسلم ( أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع اليهم ) وفى الرواية الاخرى فقد برئت منه الذمة وفى الاخرى اذا ابق العبد لم تقبل له صلاة أما تسميته كافرا ففيه الاوجه التى فى الباب قبله وأما 69 قوله صلى الله عليه وسلم ( فقد برئت منه الذمة ) فمعناه لا ذمة له قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله الذمة هنا يجوز أن تكون هي الذمة المفسرة بالذمام وهى الحرمة ويجوز أن يكون من قبيل ما جاء فى قوله له ذمة الله تعالى وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أى ضمانه وأمانته ورعايته ومن ذلك أن الآبق كان مصونا عن عقوبة السيد له وحبسه فزال ذلك باباقه والله اعلم 70 وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( اذا أبق العبد لم تقبل له صلاة ) فقد أوله الامام المازرى وتابعه القاضي عياض رحمهما الله على أن ذلك محمول على المستحل للاباق فيكفر ولا تقبل له صلاة لا غيرها ونبه بالصلاة على غيرها وأنكر الشيخ أبوعمرو هذا وقال بل ذلك جار فى غير المستحل ولا يلزم من عدم القبول عدم الصحة فصلاة الآبق صحيحة غير مقبولة فعدم قبولها لهذا الحديث وذلك لاقترانها بمعصية وأما صحتها فلوجود شروطها وأركانها المستلزمة صحتها ولا تناقض فى ذلك ويظهر أثر عدم القبول فى سقوط الثواب وأثر الصحة فى سقوط القضاء وفى أنه لا يعاقب عقوبة تارك الصلاة هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو رحمه الله وهو ظاهر لاشك فى حسنه وقد قال جماهير أصحابنا ان الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة لا ثواب فيها ورأيت فى فتاوى أبى نصر بن الصباغ من أصحابنا التى نقلها عنه بن أخيه القاضي أبومنصور قال المحفوظ من كلام أصحابنا بالعراق أن الصلاة فى الدار المغصوبة صحيحة يسقط بها الفرض ولا ثواب فيها قال أبو منصور ورأيت أصحابنا بخراسان اختلفوا فمنهم من قال لا تصح الصلاة قال وذكر شيخنا فى الكامل أنه ينبغى أن تصح ويحصل الثواب على الفعل فيكون مثابا على فعله عاصيا بالمقام فى المغصوب فاذا لم نمنع من صحتها لم نمنع من حصول الثواب قال أبو منصور وهذا هو القياس على طريق من صححها والله اعلم ويقال أبق العبد وابق بفتح الباء وكسرها لغتان مشهورتان الفتح أفصح وبه جاء القرآن إذ أبق إلى الفلك المشحون وأما قوله عن منصور بن عبد الرحمن عن الشعبى عن جرير أنه سمعه يقول أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع اليهم قال منصور قد والله روى عن النبى صلى الله عليه وسلم ولكنى أكره أن يروى عنى ها هنا بالبصرة فمعناه أن منصورا روى هذا الحديث عن الشعبى عن جرير موقوفا عليه ثم قال منصور بعد روايته اياه موقوفا والله انه مرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم فاعلموه أيها الخواص الحاضرون فانى اكره أن اصرح برفعه فى لفظ روايتى فيشيع عنى فى البصرة التى هي مملؤة من المعتزلة والخوارج الذين يقولون بتخليد أهل المعاصى فى النار والخوارج يزيدون على التخليد فيحكمون بكفره ولهم شبهة فى التعلق بظاهر هذا الحديث وقد قدمنا تأويله وبطلان مذاهبهم بالدلائل القاطعة الواضحة التى ذكرناها فى مواضع من هذا الكتاب والله أعلم واما منصور بن عبد الرحمن هذا فهو الأشل الغدانى البصرى وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ووضعفه أبو حاتم الرازى وفى الرواة خمسة يقال لكل واحد منهم منصور بن عبد الرحمن هذا أحدهم والله اعلم

قسم V02/P058

1 ( باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء)

قسم V02/P058–V02/P062

71 قوله ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف قال هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال قال اصبح من عبادي ) مؤمن بى وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بى كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بى مؤمن بالكوكب ) أما الحديبية ففيها لغتان تخفيف الياء وتشديدها والتخفيف هو الصحيح المشهور المختار وهو قول الشافعى وأهل اللغة وبعض المحدثين والتشديد قول الكسائى وبن وهب وجماهير المحدثين واختلافهم فى الجعرانة كذلك فى تشديد الراء وتخفيفها والمختار فيها أيضا التخفيف وقوله على اثر سماء هو بكسر الهمزة واسكان الثاء وبفتحهما جميعا لغتان مشهورتان والسماء المطر وأما معنى الحديث فاختلف العلماء فى كفر من قال مطرنا بنوء كذا على قولين أحدهما هو كفر بالله سبحانه وتعالى سالب لأصل الايمان مخرج من ملة الاسلام قالوا وهذا فيمن قال ذلك معتقدا أن الكوكب فاعل مدبر منشىء للمطر كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم ومن أعتقد هذا فلا شك فى كفره وهذا القول هو الذى ذهب إليه جماهير العلماء والشافعى منهم وهو ظاهر الحديث قالوا وعلى هذا لو قال مطرنا بنوء كذا معتقدا أنه من الله تعالى وبرحمته وأن النوء ميقات له وعلامة اعتبارا بالعادة فكأنه قال مطرنا فى وقت كذا فهذا لا يكفر واختلفوا فى كراهته والأظهر كراهته لكنها كراهة تنزيه لا اثم فيها وسبب الكراهة انها كلمة مترددة بين الكفر وغيره فيساء الظن بصاحبها ولأنها شعار الجاهلية ومن سلك مسلكهم والقول الثانى فى أصل تأويل الحديث أن المراد كفر نعمة الله تعالى لاقتصاره على اضافة الغيث إلى الكوكب وهذا فيمن لا يعتقد تدبير الكوكب ويؤيد هذا التأويل الرواية الاخيرة فى الباب أصبح من الناس شاكر وكافر وفى الرواية الأخرى ما أنعمت على عبادى من نعمة الا اصبح فريق منهم بها كافرين وفى الرواية الاخرى ما أنزل الله تعالى من السماء من بركة الا اصبح فريق من الناس بها كافرين فقوله بها يدل على أنه كفر بالنعمة والله اعلم وأما النوء ففيه كلام طويل قد لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله فقال النوء فى أصله ليس هو نفس الكوكب فانه مصدر ناء النجم ينوء نوءا أى سقط وغاب وقيل أى نهض وطلع وبيان ذلك أن ثمانية وعشرين نجما معروفة المطالع فى أزمنة السنة كلها وهى المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين يسقط فى كل ثلاثة عشرة ليلة منها نجم فى المغرب مع طلوع الفجر ويطلع آخر يقابله فى المشرق من ساعته وكان أهل الجاهلية اذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما وقال الاصمعى إلى الطالع منهما قال أبو عبيد ولم أسمع احدا ينسب النوء للسقوط الا فى هذا الموضع ثم ان النجم نفسه قد يسمى نوءا تسمية للفاعل بالمصدر قال أبو إسحاق الزجاج فى بعض أماليه الساقطة فى الغرب هي الانواء والطالعة فى المشرق هي البوارح والله اعلم 73 وأما قوله فى رواية بن عباس رضى الله عنهما ( مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبى صلى الله عليه وسلم أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا هذه رحمة الله وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا قال فنزلت هذه الآية فلا أقسم بمواقع النجوم حتى بلغ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) فقال الشيخ أبو عمرو رحمه الله ليس مراده أن جميع هذا نزل فى قولهم فى الأنواء فان الامر فى ذلك وتفسيره يأبى ذلك وانما النازل فى ذلك قوله تعالى وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون والباقى نزل فى غير ذلك ولكن اجتمعا فى وقت النزول فذكر الجميع من أجل ذلك قال الشيخ أبوعمرو رحمه الله ومما يدل على هذا أن فى بعض الروايات عن بن عباس رضى الله عنهما فى ذلك الاقتصار على هذا القدر اليسير فحسب هذا آخر كلام الشيخ رحمه الله وأما تفسير الآية فقيل تجعلون زرقكم أى شكركم كذا قاله بن عباس والأكثرون وقيل تجعلون شكر رزقكم قاله الازهرى وأبو على الفارسى وقال الحسن أى تجعلون حظكم وأما مواقع النجوم فقال الأكثرون المراد نجوم السماء ومواقعها مغاربها وقيل مطالعها وقيل انكدارها وقيل انتثارها يوم القيامة وقيل النجوم نجوم القرآن وهى أوقات نزوله وقال مجاهد مواقع النجوم محكم القرآن والله أعلم وأما ما يتعلق بالأسانيد ففيه عمرو بن سواد بتشديد الواو آخره دال وفيه أبو يونس مولى أبى هريرة واسمه سليم بن جبير بضم أولهما وفيه عباس بن عبد العظيم العنبرى هو بالسين المهملة والعنبرى بالعين المهملة والنون بعدها موحدة قال القاضي وضبطه العذرى الغبرى بالغين المعجمة وهو تصحيف بلا شك وفيه أبو زميل بضم الزاى وفتح الميم واسمه سماك بن الوليد الحنفى اليمامى قال بن عبدالبر اجمعوا على أنه ثقة والله اعلم وأما قول مسلم رحمه الله حدثنى محمد بن سلمة المرادى حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث قال مسلم رحمه الله وحدثنى عمرو بن سواد أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث أن أبا يونس مولى أبى هريرة حدثه عن أبى هريرة فهذا الاسناد كله بصريون الا أبا هريرة فمدنى وأنما أتى مسلم بعبد الله بن وهب وعمرو بن الحارث أولا ثم أعادهما ولم يقتصر على قوله حدثنا محمد وعمرو بن سواد لاختلاف لفظ الروايات كما ترى وقد نبهنا على مثل هذا التدقيق والاحتياط لمسلم رحمه الله فى مواضع والله اعلم بالصواب

قسم V02/P062–V02/P064

1 ( باب الدليل على أن حب الانصار وعلى رضى الله عنهم ( من الايمان وعلاماته وبعضهم من علامات النفاق )) 74 قوله صلى الله عليه وسلم ( آية المنافق بغض الانصار وآية المؤمن حب الانصار وفى الرواية الأخرى حب الانصار آية الايمان وبغضهم آية النفاق وفى الأخرى لا يحبهم الا مؤمن ولا يبغضهم الا منافق من أحبهم أحبه الله ومن ابغضهم أبغضه الله وفى الأخرى ) لا يبغض الانصار رجل يؤمن بالله واليوم الأخر وفى حديث على رضى الله عنه والذى فلق الحبة وبرأ النسمة انه لعهد النبى صلى الله عليه وسلم إلى أن لا يحبنى الا مؤمن ولا يبغضنى الا منافق ) قد تقدم أن الآية هي العلامة ومعنى هذه الأحاديث أن من عرف مرتبة الانصار وما كان منهم فى نصرة دين الاسلام والسعى فى اظهاره وإيواء المسلمين وقيامهم فى مهمات دين الاسلام حق القيام وحبهم النبى صلى الله عليه وسلم وحبه اياهم وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثارا للاسلام وعرف من على بن ابى طالب رضى الله عنه قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب النبى صلى الله عليه وسلم له وما كان منه في نصرة الاسلام وسوابقه فيه ثم أحب الانصار وعليا لهذا كان ذلك من دلائل صحة ايمانه وصدقه فى اسلامه لسروره بظهور الاسلام والقيام بما يرضى الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ومن أبغضهم كان بضد ذلك واستدل به على نفاقه وفساد سريرته والله اعلم وأما قوله فلق الحبة فمعناه شقها بالنبات وقوله وبرأ النسمة هو بالهمزة أى خلق النسمة وهى بفتح النون والسين وهى الانسان وقيل النفس وحكى الأزهرى أن النسمة هي النفس وأن كل دابة فى جوفها روح فهي نسمة والله أعلم وأما ما يتعلق بأسانيد الباب ففيه عبد الله بن عبد الله بن جبر فعبد مكبر فى اسمه واسم أبيه وجبر بفتح الجيم واسكان الباء ويقال فيه ايضا جابر وفيه البراء بن عازب وهو معروف بالمد هذا هو المشهور عند أهل العلم من المحدثين وأهل اللغة والأخبار وأصحاب الفنون كلها قال الشيخ أبوعمرو بن الصلاح رحمه الله وحفظت فيه عن بعض اهل اللغة القصر والمد وفيه يعقوب بن عبد الرحمن القارىء بتشديد الياء منسوب إلى القارة قبيله معروفة وفيه زر بكسر الزاى وتشديد الراء وهو زر بن حبيش وهو من المعمرين أدرك الجاهلية ومات سنة اثنتين وثمانين وهو بن مائة وعشرين سنة وقيل بن مائة واثنتين وعشرين سنة وقيل مائة وسبعة وعشرين وهو أسدى كوفى وأما قول مسلم رحمه الله حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة عن عبد الله بن عبد الله بن جبر قال سمعت أنسا يقول ثم قال مسلم حدثنا يحيى بن حبيب الحارثى حدثنا خالد يعنى بن الحرث حدثنا شعبة عن عبد الله بن عبد الله عن أنس فهذان الاسنادان رجالهما كلهم بصريون الا بن جبر فانه انصارى مدنى وقد قدمنا ان شعبة وان كان واسطيا فقد استوطن البصرة والله اعلم 1 ( باب بيان نقصان الايمان بنقص الطاعات وبيان اطلاق لفظ ( الكفر على غير الكفر بالله ككفر النعمة والحقوق ))

قسم V02/P064–V02/P068

قوله صلى الله عليه وسلم ( يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فانى رأيتكن أكثر أهل ) النار فقالت امرأة منهن جزلة وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذى لب منكن قالت يا رسول الله وما نقصان العقل والدين قال أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد فهذا نقصان العقل وتمكث الليالى ما تصلى وتفطر فى رمضان فهذا نقصان الدين ) قال أهل اللغة المعشر هم الجماعة الذين أمرهم واحد أى مشتركون وهو اسم يتناولهم كالانس معشر والجن معشر والأنبياء معشر والنساء معشر ونحو ذلك وجمعه معاشر وقوله صلى الله عليه وسلم رأيتكن أكثر اهل النار هو بنصب أكثر اما على أن هذه الرؤية تتعدى إلى مفعولين وأما على الحال على مذهب بن السراج وأبى على الفارسى وغيرهما ممن قال ان أفعل لا يتعرف بالاضافة وقيل هو بدل من الكاف فى رأيتكن وأما قولها ومالنا أكثر أهل النار فمنصوب أما على الحكاية وأما على الحال وقوله جزلة بفتح الجيم واسكان الزاي أي ذات عقل ورأي قال بن دريد الجزالة العقل والوقار وأما العشير فبفتح العين وكسرالشين وهو فى الأصل المعاشر مطلقا والمراد هنا الزوج وأما اللب فهو العقل والمراد كمال العقل وقوله صلى الله عليه وسلم فهذا نقصان العقل أى علامة نقصانه وقوله صلى الله عليه وسلم وتمكث الليالى ما تصلى أي تمكث ليالى وأياما لا تصلى بسبب الحيض وتفطر أياما من رمضان بسبب الحيض والله أعلم وأما أحكام الحديث ففيه جمل من العلوم منها الحث على الصدقة وأفعال البر والاكثار من الاستغفار وسائر الطاعات وفيه ان الحسنات يذهبن السيئات كما قال الله عزوجل وفيه ان كفران العشير والاحسان من الكبائر فان التوعد بالنار من علامة كون المعصية كبيرة كما سنوضحه قريبا ان شاء الله تعالى وفيه ان اللعن أيضا من المعاصى الشديدة القبح وليس فيه أنه كبيرة فانه صلى الله عليه وسلم قال تكثرن اللعن والصغيرة اذا أكثرت صارت كبيرة وقد قال صلى الله عليه وسلم لعن المؤمن كقتله واتفق العلماء على تحريم اللعن فانه فى اللغة الابعاد والطرد وفى الشرع الابعاد من رحمة الله تعالى فلا يجوز أن يبعد من رحمة الله تعالى من لا يعرف حاله وخاتمة أمره معرفة قطعية فلهذا قالوا لا يجوز لعن أحد بعينه مسلما كان أوكافرا أو دابة الا من علمنا بنص شرعى أنه مات على الكفر أو يموت عليه كأبى جهل وابليس وأما اللعن بالوصف فليس بحرام كلعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله والمصورين والظالمين والفاسقين والكافرين ولعن من غير منار الأرض ومن تولى غير مواليه ومن انتسب إلى غير أبيه ومن أحدث فى الاسلام حدثا أو آوى محدثا وغير ذلك مما جاءت به النصوص الشرعية باطلاقه على الأوصاف لاعلى الأعيان والله اعلم وفيه اطلاق الكفر على غير الكفر بالله تعالى ككفر العشير والاحسان والنعمة والحق ويؤخذ من ذلك صحة تأويل الكفر فى الاحاديث المتقدمة على ما تأولناها وفيه بيان زيادة الايمان ونقصانه وفيه وعظ الامام وأصحاب الولايات وكبراء الناس رعاياهم وتحذيرهم المخالفات وتحريضهم على الطاعات وفيه مراجعة المتعلم العالم والتابع المتبوع فيما قاله اذا لم يظهر له معناه كمراجعة هذه الجزلة رضى الله عنها وفيه جواز اطلاق رمضان من غير اضافة إلى الشهر وان كان الاختيار اضافته والله اعلم قال الامام أبو عبد الله المازرى رحمه الله قوله صلى الله عليه وسلم أما نقصان العقل فشهادة أمرأتين تعدل شهادة رجل تنبيه منه صلى الله عليه وسلم على ما وراءه وهو ما نبه الله تعالى عليه فى كتابه بقوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى أى إنهن قليلات الضبط قال وقد اختلف الناس فى العقل ما هو فقيل هو العلم وقيل بعض العلوم الضرورية وقيل قوة يميز بها بين حقائق المعلومات هذا كلامه قلت والاختلاف فى حقيقة العقل وأقسامه كثير معروف لا حاجة هنا إلى الاطالة به واختلفوا فى محله فقال أصحابنا المتكلمون هو فى القلب وقال بعض العلماء هو فى الرأس والله اعلم وأما وصفه صلى الله عليه وسلم النساء بنقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم فى زمن الحيض فقد يستشكل معناه وليس بمشكل بل هو ظاهر فان الدين والايمان والاسلام مشتركة فى معنى واحد كما قدمناه فى مواضع وقد قدمنا أيضا فى مواضع أن الطاعات تسمى أيمانا ودينا واذا ثبت هذا علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه ومن نقصت عبادته نقص دينه ثم نقص الدين قد يكون على وجه يأثم به كمن ترك الصلاة أو الصوم أو غيرهما من العبادات الواجبة عليه بلا عذر وقد يكون على وجه لا اثم فيه كمن ترك الجمعة أو الغزو أو غير ذلك مما لا يجب عليه لعذر وقد يكون على وجه هو مكلف به كترك الحائض الصلاة والصوم فان قيل فان كانت معذورة فهل تثاب على الصلاة فى زمن الحيض وان كانت لا تقضيها كما يثاب المريض والمسافر ويكتب له فى مرضه وسفره مثل نوافل الصلوات التى كان يفعلها في صحته وحضره فالجواب أن ظاهر هذا الحديث أنها لا تثاب والفرق ان المريض والمسافر كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته لها والحائض ليست كذلك بل نيتها ترك الصلاة فى زمن الحيض بل يحرم عليها نية الصلاة فى زمن الحيض فنظيرها مسافر أو مريض كان يصلى النافلة فى وقت ويترك فى وقت غير ناو الدوام عليها فهذا لا يكتب له فى سفره ومرضه فى الزمن الذى لم يكن يتنفل فيه والله اعلم وأما ما يتعلق بأسانيد الباب ففيه بن الهاد واسمه يزيد بن عبد الله بن اسامة وأسامة هو الهاد لانه كان يوقد نارا ليهتدى اليها الاضياف ومن سلك الطريق وهكذا يقوله المحدثون الهاد وهو صحيح على لغة والمختار فى العربية الهادى بالياء وقد قدمنا ذكر هذا فى مقدمة الكتاب وغيرها والله اعلم وفيه أبو بكر بن إسحاق واسمه محمد وفيه بن أبى مريم وهو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبى مريم الجمحى أبو محمد المصرى الفقيه الجليل وفيه عمرو بن أبى عمرو عن المقبرى وقد اختلف فى المراد بالمقبرى هنا هل هو أبو سعيد المقبرى أو ابنه سعيد فان كل واحد منهما يقال له المقبرى وان كان المقبرى فى الاصل هو أبو سعيد فقال الحافظ أبو على الغسانى الجيانى عن أبى مسعود الدمشقى هو أبو سعيد قال أبو على وهذا انما هو فى رواية إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبى عمرو وقال الدارقطنى خالفه سليمان بن بلال فرواه عن عمرو عن سعيد المقبرى قال الدارقطنى وقول سليمان بن بلال أصح قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله رواه أبو نعيم الاصفهانى فى كتابه المخرج على صحيح مسلم من وجوه مرضية عن إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبى عمرو عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى هكذا مبينا لكن رويناه فى مسند ابى عوانة المخرج على صحيح مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبى سعيد ومن طريق سليمان بن بلال عن سعيد كما سبق عن الدارقطنى فالاعتماد عليه اذا هذا كلام الشيخ ويقال المقبرى بضم الباء وفتحها وجهان مشهوران فيه وهى نسبة إلى المقبرة وفيها ثلاث لغات ضم الباء وفتحها وكسرها والثالثة غريبة قال إبراهيم الحربى وغيره كان أبو سعيد ينزل المقابر فقيل له المقبرى وقيل كان منزله عند المقابر وقيل ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعله على حفر القبور فقيل له المقبري وجعل نعيما على اجمار المسجد فقيل له نعيم المجمر واسم ابى سعيد كيسان الليثى المدنى والله اعلم

قسم V02/P068

1 ( باب بيان اطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاه)

قسم V02/P068–V02/P071

81 فى الباب حديثان أحدهما ( اذا قرأ بن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكى يقول ياويله ) وفى رواية يا ويلى أمر بن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فابيت فلى النار ) 82 والحديث الثانى ( ان بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ) مقصود مسلم رحمه الله بذكر هذين الحديثين هنا أن من الافعال ما تركه يوجب الكفر اما حقيقة واما تسمية فأما كفر ابليس بسبب السجود فمأخوذ من قول الله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين قال الجمهور معناه وكان فى علم الله تعالى من الكافرين وقال بعضهم وصار من الكافرين كقوله تعالى وحال بينهما الموج فكان من المغرقين وأما تارك الصلاة فان كان منكرا لوجوبها فهو كافر باجماع المسلمين خارج من ملة الاسلام الا ان يكون قريب عهد بالاسلام ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه وان كان تركه تكاسلا مع اعتقاده وجوبها كما هو حال كثير من الناس فقد اختلف العلماء فيه فذهب مالك والشافعى رحمهما الله والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب فان تاب والا قتلناه حدا كالزانى المحصن ولكنه يقتل بالسيف وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر وهو مروى عن على بن أبى طالب كرم الله وجهه وهو احدى الروايتين عن أحمد بن حنبل رحمه الله وبه قال عبد الله بن المبارك واسحاق بن راهوية وهو وجه لبعض اصحاب الشافعى رضوان الله عليه وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزنى صاحب الشافعى رحمهما الله أنه لا يكفر ولا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلى واحتج من قال بكفره بظاهر الحديث الثانى المذكور وبالقياس على كلمة التوحيد واحتج من قال لا يقتل بحديث لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى ثلاث وليس فيه الصلاة واحتج الجمهور على أنه لا يكفر بقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وبقوله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله الا الله دخل الجنة من مات وهو يعلم أن لا إله الا الله دخل الجنة ولا يلقى الله تعالى عبد بهما غير شاك فيحجب عن الجنة حرم الله على النار من قال لا إله الا الله وغير ذلك واحتجوا على قتله بقوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وقوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فاذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم وتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة على معنى أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر وهى القتل أو أنه محمول على المستحل أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر أو أن فعله فعل الكفار والله اعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم اذا قرأ بن آدم السجدة فمعناه آية السجدة وقوله ياويله هو من آداب الكلام وهو أنه اذا عرض فى الحكاية عن الغير ما فيه سوء واقتضت الحكاية رجوع الضمير إلى المتكلم صرف الحاكى الضمير عن نفسه تصاونا عن صورة اضافة السوء إلى نفسه وقوله فى الرواية الاخرى يا ويلى يجوز فيه فتح اللام وكسرها وقوله صلى الله عليه وسلم بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة هكذا هو فى جميع الاصول من صحيح مسلم الشرك والكفر بالواو وفى مخرج أبى عوانة الاسفراينى وأبى نعيم الاصبهانى أوالكفر بأو ولكل واحد منهما وجه ومعنى بينه وبين الشرك ترك الصلاة أن الذى يمنع من كفره كونه لم يترك الصلاة فاذا تركها لم يبق بينه وبين الشرك حائل بل دخل فيه ثم ان الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد وهو الكفر بالله تعالى وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبدة الاوثان وغيرها من المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريش فيكون الكفر أعم من الشرك والله أعلم وقد احتج أصحاب أبى حنيفة رحمه الله واياهم بقوله أمر بن آدم بالسجود على أن سجود التلاوة واجب ومذهب مالك والشافعى والكبيرين أنه سنة وأجابوا عن هذا بأجوبة أحدها أن تسمية هذا أمرا إنما هو من كلام ابليس فلا حجة فيها فان قالوا حكاها النبى صلى الله عليه وسلم ولم ينكرها قلنا قد حكى غيرها من أقوال الكفار ولم يبطلها حال الحكاية وهي باطلة الوجه الثانى أن المراد أمر ندب لا إيجاب الثالث المراد المشاركة فى السجود لا فى الوجوب والله أعلم وأما ما يتعلق باسانيده ففيه أبو غسان وقد تقدم أنه يصرف ولا يصرف واسمه مالك بن عبد الواحد وفيه أبو سفيان عن جابر وقد تقدم ان اسمه طلحة بن نافع وفيه أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس تقدم أيضا والله اعلم

قسم V02/P071

1 ( باب بيان كون الايمان بالله تعالى أفضل الاعمال)

قسم V02/P071–V02/P078

83 أما أحاديث الباب ( فعن أبى هريرة وأبى ذر وعبد الله بن مسعود رضى الله عنهم قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الاعمال أفضل قال الايمان بالله قيل ثم ماذا قال الجهاد فى سبيل الله قيل ثم ماذا قال حج مبرور وفى رواية ايمان بالله ورسوله وفى رواية ) الايمان بالله والجهاد فى سبيله قلت أى الرقاب أفضل قال أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا قلت فان لم أفعل قال تعين صانعا أو تصنع لأخرق قلت أرأيت أن ضعفت عن بعض العمل قال تكف شرك عن الناس فانها صدقة منك على نفسك ) وفى رواية الزهري تعين الصانع أو تصنع لأخرق وفى رواية أى العمل أفضل قال الصلاة لوقتها قلت ثم أى قال بر الوالدين قلت ثم أى قال الجهاد فى سبيل الله فما تركت أستزيده الا ارعاء عليه وفى رواية لو استزدته لزادنى وفى رواية أى الأعمال أقرب إلى الجنة قال الصلاة على مواقيتها قلت وماذا قال بر الوالدين قلت وماذا قال الجهاد فى سبيل الله وفى رواية أفضل الأعمال الصلاة لوقتها وبر الوالدين هذه الفاظ المتون وأما اسماء الرجال ففى الباب أبو هريرة وأبو ذر ومنصور بن أبى مزاحم وبن شهاب وسعيد بن المسيب وأبو الربيع الزهرانى وأبو مراوح والشيبانى عن الوليد بن العيزار عن سعد بن اياس أبى عمرو الشيبانى وأبو يعفور أما الفاظ الأحاديث فالحج المبرور قال القاضي عياض رحمه الله قال شمر هو الذى لا يخالطه شيء من المأثم ومنه برت يمينه اذا سلم من الحنث وبربيعه اذا سلم من الخداع وقيل المبرور المتقبل وقال الحربى برحجك بضم الباء وبر الله حجك بفتحها اذا رجع مبرورا مأجورا وفى الحديث بر الحج اطعام الطعام وطيب الكلام فعلى هذا يكون من البر الذى هو فعل الجميل ومنه بر الوالدين والمؤمنين قال ويجوز أن يكون المبرور الصادق الخالص لله تعالى هذا كلام القاضي وقال الجوهرى فى صحاحه بر حجه وبر حجه بفتح الباء وضمها وبر الله حجه وقول من قال المبرور المتقبل قد يستشكل من حيث انه لا اطلاع على القبول وجوابه أنه قد قيل من علامات القبول ان يزداد بعده خيرا وأما قوله صلى الله عليه وسلم أنفسها عند أهلها فمعناه أرفعها وأجودها قال الاصمعى مال نفيس أى مرغوب فيه وقوله صلى الله عليه وسلم تعين صانعا أو تصنع لأخرق الاخرق هو الذى ليس بصانع يقال رجل أخرق وأمراة خرقاء لمن لا صنعة له فان كان صانعا حاذقا قيل رجل صنع بفتح النون وامراة صناع بفتح الصاد وأما قوله صانعا وفى الرواية الاخرى الصانع فروى بالصاد المهملة فيهما وبالنون من الصنعة وروى بالضاد المعجمة وبهمزة بدل النون تكتب ياء من الضياع والصحيح عند العلماء رواية الصاد المهملة والاكثر فى الرواية بالمعجمة قال القاضي عياض رحمه الله روايتنا في هذا من طريق هشام اولا بالمعجمة فتعين ضائعا وكذلك فى الرواية الاخرى فتعين الضائع من جميع طرقنا عن مسلم فى حديث هشام والزهرى الا من رواية أبى الفتح الشاشى عن عبد الغافر الفارسى فان شيخنا أبا بحر حدثنا عنه فيهما بالمهملة وهو صواب الكلام لمقابلته بالاخرق وان كان المعنى من جهة معونة الضائع ايضا صحيحا لكن صحت الرواية عن هشام هنا بالصاد المهملة وكذلك رويناه فى صحيح البخارى قال بن المدينى الزهري يقول الصانع بالمهملة ويرون ان هشاما صحف فى قوله ضائعا بالمعجمة وقال الدارقطنى عن معمر كان الزهري يقول صحف هشام قال الدار قطنى وكذلك رواه اصحاب هشام عنه بالمعجمة وهو تصحيف والصواب ما قاله الزهري هذا كلام القاضي وقال الشيخ أبوعمرو بن الصلاح قوله فى رواية هشام تعين صانعا هو بالمهملة والنون فى أصل الحافظ أبى عامر العبدرى وأبى القاسم بن عساكر قال وهذا هو الصحيح فى نفس الامر ولكنه ليس رواية هشام بن عروة انما روايته بالمعجمة وكذا جاء مقيدا من غير هذا الوجه فى كتاب مسلم فى رواية هشام وأما الرواية الاخرى عن الزهري فتعين الصانع فهي بالمهملة وهى محفوظة عن الزهري كذلك وكان ينسب هشاما إلى التصحيف قال الشيخ وذكر القاضي عياض انه بالمعجمة فى رواية الزهري لرواة كتاب مسلم الا رواية أبى الفتح السمرقندي قال الشيخ وليس الامر على ما حكاه فى رواية أصولنا لكتاب مسلم فكلها مقيدة فى رواية الزهري بالمهملة والله أعلم وأما بر الوالدين فهو الاحسان اليهما وفعل الجميل معهما وفعل ما يسرهما ويدخل فيه الاحسان إلى صديقهما كما جاء فى الصحيح ان من أبر البر أن يصل الرجل اهل ود أبيه وضد البر العقوق وسيأتى ان شاء الله تعالى قريبا تفسيره قال أهل اللغة يقال بررت والدى بكسر الراء أبره بضمها مع فتح الباء برا وأنا بر به بفتح الباء وبار وجمع البر الابرار وجمع البار البررة قوله فما تركت استزيده الا ارعاء عليه كذا هو فى الاصول تركت استزيده من غير لفظ أن بينهما وهو صحيح وهي مرادة وقوله ارعاء هو بكسر الهمزة واسكان الراء وبالعين المهملة ممدود ومعناه ابقاء عليه ورفقا به والله اعلم وأما اسماء الرجال فأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر على الصحيح تقدم بيانه وأبو ذر اختلف فى اسمه فالاشهر جندب بضم الدال وفتحها بن جنادة بضم الجيم وقيل اسمه برير بضم الباء الموحدة وبراءين مهملتين وأما منصور بن ابى مزاحم فبالزاى والحاء وجميع ما فى الصحيحين مما هذه صورته فهو مزاحم بالزاى والحاء ولهم فى الاسماء مراجم بالراء والجيم ومنه العوام بن مراجم واسم أبى مزاحم والد منصور هذا بشير بفتح الباء وأما بن شهاب فتقدم مرات وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب وأما بن المسيب فتقدم أيضا مرات انه بفتح الياء على المشهور وقيل بكسرها وأما أبو الربيع الزهراني فتقدم أيضا ان اسمه سليمان بن داود وأما أبو مراوح فبضم الميم وبالراء والحاء المهملة والواو مكسورة قال بن عبدالبر أجمعوا على أنه ثقة وليس يوقف له على اسم واسمه كنيته قال الا أن مسلم بن الحجاج ذكره فى الطبقات فقال اسمه سعد وذكره فى الكنى ولم يذكر اسمه ويقال فى نسبه الغفارى ويقال الليثى قال أبو على الغسانى هوالغفارى ثم الليثى وأما الشيبانى الراوى عن الوليد بن العيزار فهو أبواسحاق سليمان بن فيروز الكوفى وأما أبو يعفور فبالعين المهملة والفاء والراء واسمه عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس بكسر النون وبالسين المهملة المكررة الثعلبى بالمثلثة العامرى البكاى ويقال البكالى ويقال البكارى الكوفي ونسطاس غير مصروف وأبو يعفور هذا هو الاصغر وقد ذكره مسلم أيضا فى باب التطبيق فى الركوع ولهم أبو يعفور الاكبر العبدى الكوفى التابعى واسمه واقد وقيل وقدان وقد ذكره مسلم أيضا فى باب صلاة الوتر وقال اسمه واقد ولقبه وقدان ولهم أيضا أبو يعفور ثالث اسمه عبدالكريم بن يعفور الجعفى البصرى يروى عنه قتيبة ويحيى بن يحيى وغيرهما وآباء يعفور هؤلاء الثلاثة ثقات واما الوليد بن العيزار فبالعين المهملة المفتوحة وبالزاى قبل الالف والراء بعدها وأما قوله أخبرنا معمر عن الزهري عن حبيب مولى عروة بن الزبير عن عروة بن الزبير عن أبى مراوح عن أبى ذر ففيه لطيفة من لطائف الاسناد وهو أنه اجتمع فيه أربعة تابعيون يروى بعضهم عن بعض وهو الزهري وحبيب وعروة وأبو مراوح فاما الزهري وعروة وأبو مراوح فتابعيون معروفون واما حبيب مولى عروة فقد روى عن اسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما قال محمد بن سعد مات حبيب مولى عروة هذا قديما فى آخر سلطان بنى أمية فروايته عن اسماء مع هذا ظاهرها أنه أدركها وأدرك غيرها من الصحابة فيكون تابعيا والله اعلم أما معانى الاحاديث وفقهها فقد يستشكل الجمع بينها مع ما جاء فى معناها من حيث أنه جعل فى حديث ابى هريرة ان الافضل الايمان بالله ثم الجهاد ثم الحج وفى حديث ابى ذر الايمان والجهاد وفى حديث بن مسعود الصلاة ثم بر الوالدين ثم الجهاد وتقدم فى حديث عبد الله بن عمرو أي الاسلام خير قال تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف وفى حديث أبى موسى وعبد الله بن عمرو أى المسلمين خير قال من سلم المسلمون من لسانه ويده وصح فى حديث عثمان خيركم من تعلم القرآن وعلمه وأمثال هذا فى الصحيح كثيرة واختلف العلماء فى الجمع بينها فذكر الامام الجليل أبو عبد الله الحليمى الشافعى عن شيخه الامام العلامة المتقن ابى بكر القفال الشاشى الكبير وهو غير القفال الصغير المروزى المذكور فى كتب متأخرى أصحابنا الخراسانيين قال الحليمى وكان القفال أعلم من لقيته من علماء عصره أنه جمع بينها بوجهين احدهما أن ذلك اختلاف جواب جرى على حسب اختلاف الاحوال والاشخاص فانه قد يقال خير الاشياء كذا ولا يراد به خير جميع الاشياء من جميع الوجوه وفى جميع الاحوال والاشخاص بل فى حال دون حال أو نحو ذلك واستشهد فى ذلك بأخبار منها عن بن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حجة لمن لم يحج أفضل من أربعين غزوة وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة الوجه الثانى أنه يجوز أن يكون المراد من أفضل الاعمال كذا أو من خيرها أو من خيركم من فعل كذا فحذفت من وهي مرادة كما يقال فلان أعقل الناس وافضلهم ويراد انه من اعقلهم وافضلهم ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم خيركم خيركم لاهله ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقا ومن ذلك قولهم أزهد الناس فى العالم جيرانه وقد يوجد فى غيرهم من هو أزهد منهم فيه هذا كلام القفال رحمه الله وعلى هذا الوجه الثانى يكون الايمان أفضلها مطلقا والباقيات متساوية فى كونها من أفضل الاعمال والاحوال ثم يعرف فضل بعضها على بعض بدلائل تدل عليها وتختلف باختلاف الاحوال والاشخاص فان قيل فقد جاء فى بعض هذه الروايات أفضلها كذا ثم كذا بحرف ثم وهي موضوعة للترتيب فالجواب ان ثم هنا للترتيب فى الذكر كما قال تعالى وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا ومعلوم أنه ليس المراد هنا الترتيب فى الفعل وكما قال تعالى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا إلى قوله ثم آتينا موسى الكتاب وقوله تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ونظائر ذلك كثيرة وأنشدوا فيه قل لمن ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده 1 ( وذكر القاضي عياض فى الجمع بينهما وجهين أحدهما نحو الاول من الوجهين اللذين حكيناهما قال قيل اختلف الجواب لاختلاف الاحوال فأعلم كل قوم بما بهم حاجة إليه أو بما لم يكلموه بعد من دعائم الاسلام ولا بلغهم علمه والثانى أنه قدم الجهاد على الحج لانه كان أول الاسلام ومحاربة أعدائه والجد فى إظهاره وذكر صاحب التحرير هذا الوجه الثانى ووجها آخر أن ثم لا تقتضى ترتيبا وهذا قول شاذ عند أهل العربية والاصول ثم قال صاحب التحرير والصحيح أنه محمول على الجهاد فى وقت الزحف الملجىء والنفير العام فانه حينئذ يجب الجهاد على الجميع واذا كان هكذا فالجهاد أولى بالتحريض والتقديم من الحج لما فى الجهاد من المصلحة العامة للمسلمين مع أنه متعين متضيق فى هذا الحال بخلاف الحج والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل أى الاعمال أفضل فقال ايمان بالله ورسوله ففيه تصريح بأن العمل يطلق على الايمان والمراد به والله أعلم الايمان الذي يدخل به فى ملة الاسلام وهو التصديق بقلبه والنطق بالشهادتين فالتصديق عمل القلب والنطق عمل اللسان ولا يدخل فى الايمان ها هنا الاعمال بسائر الجوارح كالصوم والصلاة والحج والجهاد وغيرها لكونه جعل قسما للجهاد والحج ولقوله صلى الله عليه وسلم ) ايمان بالله ورسوله ولا يقال هذا فى الاعمال ولا يمنع هذا من تسمية الاعمال المذكورة ايمانا فقد قدمنا دلائله والله اعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم فى الرقاب أفضلها أنفسها عند اهلها وأكثرها ثمنا فالمراد به والله اعلم اذا أراد أن يعتق رقبة واحدة أما اذا كان معه ألف درهم وأمكن أن يشترى بها رقبتين مفضولتين أو رقبة نفيسة مثمنة فالرقبتان أفضل وهذا بخلاف الاضحية فان التضحية بشاة سمينة أفضل من التضحية بشاتين دونها فى السمن قال البغوى من أصحابنا رحمه الله فى التهذيب بعد أن ذكر هاتين المسئلتين كما ذكرت قال الشافعى رضى الله عنه فى الاضحية استكثار القيمة مع استقلال العدد أحب إلى من استكثار العدد مع استقلال القيمة وفى العتق استكثار العدد مع استقلال القيمة احب إلى من استكثار القيمة مع استقلال العدد لان المقصود من الاضحية اللحم ولحم السمين أوفر وأطيب والمقصود من العتق تكميل حال الشخص وتخليصه من ذل الرق فتخليص جماعة أفضل من تخليص واحد والله اعلم وفى هذا الحديث الحث على المحافظة على الصلاة فى وقتها ويمكن أن يؤخذ منه استحبابها فى أول الوقت لكونه احتياطا لها ومبادرة إلى تحصيلها فى وقتها وفيه حسن المراجعة فى السؤال وفيه صبر المفتى والمعلم على من يفتيه أو يعلمه واحتمال كثرة مسائله وتقريراته وفيه رفق المتعلم بالمعلم ومراعاة مصالحه والشفقة عليه لقوله فما تركت استزيده الا ارعاء عليه وفيه جواز استعمال لو لقوله ولو استزدته لزادنى وفيه جواز اخبار الانسان عما لم يقع انه لو كان كذا لوقع لقوله لو استزدته لزادنى والله اعلم

قسم V02/P078–V02/P080

1 ( باب بيان كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده) 86 فيه ( عثمان بن أبى شيبة عن جرير عن منصور عن أبى وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الذنب أعظم عند الله ) تعالى قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال قلت ان ذلك لعظيم قال قلت ثم أي قال قال ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قال قلت ثم أى قال ثم ان تزاني حليلة جارك وفي الرواية الأخرى عثمان بن أبي شيبة أيضا عن جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله فذكره وزاد فأنزل الله تعالى تصديقها والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما أما الإسنادان ففيهما لطيفة عجيبة غريبة وهي أنهما إسنادان متلاصقان رواتهما جميعهم كوفيون وجرير هو بن عبد الحميد ومنصور هو بن المعتمر وأبو وائل هو شقيق بن سلمة وشرحبيل غير منصرف لكونه اسما عجميا علما والند المثل روى شمر عن الأخفش قال الند الضد والشبه وفلان ند فلان ونديده ونديدته أي مثله وقوله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يطعم معك قال قلت ثم أى قال ثم أن تزانى حليلة جارك وفى الرواية الاخرى عثمان بن أبى شيبة أيضا عن جرير عن الأعمش عن أبى وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله فذكره وزاد فأنزل الله تعالى تصديقها والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ) أما الاسنادان ففيهما لطيفة عجيبة غريبة وهى أنهما اسنادان متلاصقان رواتهما جميعهم كوفيون وجرير هو بن عبد الحميد ومنصور هو بن المعتمر وأبو وائل هو شقيق بن سلمة وشرحبيل غير منصرف لكونه اسما عجميا علما والند المثل روى شمر عن الاخفش قال الند الضد والشبه وفلان ند فلان ونديده ونديدته أى مثله وقوله صلى الله عليه وسلم ( مخافة ان يطعم معك ) هو بفتح الياء أى يأكل وهو معنى قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق أى فقر وقوله تعالى يلق أثاما قيل معناه جزاء إثمه وهو قول الخليل وسيبويه وأبى عمرو الشيبانى والفراء والزجاج وأبى على الفارسى وقيل معناه عقوبة قاله يونس وأبو عبيدة وقيل معناه جزاء قاله بن عباس والسدى وقال أكثر المفسرين أو كثيرون منهم هو واد فى جهنم عافانا الله الكريم وأحبابنا منها وقوله صلى الله عليه وسلم أن تزانى حليلة جارك هي بالحاء المهملة وهى زوجته سميت بذلك لكونها تحل له وقيل لكونها تحل معه ومعنى تزانى أى تزنى بها برضاها وذلك يتضمن الزنى وافسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزانى وذلك أفحش وهو مع امرأة الجار أشد قبحا وأعظم جرما لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه ويأمن بوائقه ويطمئن إليه وقد أمر باكرامه والاحسان إليه فاذا قابل هذا كله بالزنى بامرأته وافسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه كان فى غاية من القبح وقوله سبحانه وتعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق معناه أى لا تقتلوا النفس التى هي معصومة فى الاصل الا محقين فى قتلها أما أحكام هذا الحديث ففيه أن اكبر المعاصى الشرك وهذا ظاهر لا خفاء فيه وأن القتل بغير حق يليه وكذلك قال أصحابنا أكبر الكبائر بعد الشرك القتل وكذا نص عليه الشافعى رضى الله عنه فى كتاب الشهادات من مختصر المزنى وأما ما سواهما من الزنى واللواط وعقوق الوالدين والسحر وقذف المحصنات والفرار يوم الزحف وآكل الربا وغير ذلك من الكبائر فلها تفاصيل واحكام تعرف بها مراتبها ويختلف أمرها باختلاف الاحوال والمفاسد المرتبة عليها وعلى هذا يقال فى كل واحدة واحدة منها هي من أكبر الكبائر وان جاء فى موضع أنها أكبر الكبائر كان المراد من اكبر الكبائر كما تقدم فى افضل الاعمال والله اعلم

قسم V02/P080

1 ( باب الكبائر وأكبرها)

قسم V02/P080–V02/P088

87 فيه ( أبو بكرة رضى الله عنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الا أنبئكم بأكبر ) الكبائر ثلاثا الاشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور أو قول الزور وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت ) قال مسلم رحمه الله 88 ( وحدثنى يحيى بن حبيب الحارثى حدثنا خالد وهو بن الحارث حدثنا شعبة حدثنا عبيد الله بن أبى بكر عن انس رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الكبائر قال الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وقول الزور ) قال مسلم رحمه الله ( وحدثنى محمد بن الوليد بن عبد الحميد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة حدثنى عبيد الله بن أبى بكر قال سمعت انس بن مالك رضى الله عنه قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقال الا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور قال شعبة وأكبر ظنى أنه شهادة الزور 89 وعن أبى الغيث عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التى حرم الله الا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات وعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ) أما أبو بكرة فاسمه نفيع بن الحرث وقد تقدم وأما الاسنادان اللذان ذكرهما فهما بصريون كلهم من أولهما إلى آخرهما الا أن شعبة واسطى بصرى فلا يقدح هذا فى كونهما بصريين وهذا من الطرف المستحسنة وقد تقدم فى الباب الذى قبل هذا نظيرهما فى الكوفيين وقوله حدثنا خالد وهو بن الحرث قد قدمنا بيان فائدة قوله وهو بن الحرث ولم يقل خالد بن الحرث وهو انه انما سمع فى الرواية خالد ولخالد مشاركون فاراد تمييزه ولا يجوز له أن يقول حدثنا خالد بن الحرث لأنه يصير كاذبا على المروى عنه فانه لم يقل الا خالد فعدل إلى لفظه وهو بن الحرث لتحصل الفائدة بالتميز والسلامة من الكذب وقوله عبيد الله بن أبى بكر هو أبو بكر بن أنس بن مالك فعبيد الله يروى عن جده وقوله وأكبر ظنى هو بالباء الموحدة وأبو الغيث اسمه سالم وقوله فى أول الباب عن سعيد الجريرى هو بضم الجيم المنسوب إلى جرير مصغر وهو جرير بن عباد بضم العين وتخفيف الباء بطن من بكر بن أوئل وهو سعيد بن اياس أبو مسعود البصرى وأما الموبقات فهي المهلكات يقال وبق الرجل بفتح الباء يبق بكسرها ووبق بضم الواو وكسر الباء يوبق اذا هلك وأوبق غيره أى أهلكه وأما الزور فقال الثعلبى المفسر وأبو إسحاق وغيره أصله تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق وأما المحصنات الغافلات فبكسر الصاد وفتحها قرءتان فى السبع قرأ الكسائى بالكسر والباقون بالفتح والمراد بالمحصنات هنا العفائف وبالغافلات الغافلات عن الفواحش وما قذفن به وقد ورد الاحصان فى الشرع على خمسة أقسام العفة والاسلام والنكاح والتزويج والحرية وقد بينت مواطنه وشرائطه وشواهده فى كتاب تهذيب الاسماء واللغات والله أعلم وأما معانى الاحاديث وفقهها فقد قدمنا فى الباب الذى قبل هذا كيفية ترتيب الكبائر قال العلماء رحمهم الله ولا انحصار للكبائر فى عدد مذكور وقد جاء عن بن عباس رضى الله عنهما أنه سئل عن الكبائر أسبع هي فقال هي إلى سبعين ويروى إلى سبعمائة أقرب وأما قوله صلى الله عليه وسلم الكبائر سبع فالمراد به من الكبائر سبع فان هذه الصيغة وان كانت للعموم فهي مخصوصة بلا شك وانما وقع الاقتصار على هذه السبع وفى الرواية الأخرى ثلاث وفى الأخرى أربع لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لا سيما فيما كانت عليه الجاهلية ولم يذكر فى بعضها ما ذكر فى الأخرى وهذا مصرح بما ذكرته من أن المراد البعض وقد جاء بعد هذا من الكبائر شتم الرجل والديه وجاء فى النميمة وعدم الاستبراء من البول أنهما من الكبائر وجاء فى غير مسلم من الكبائر اليمين الغموس واستحلال بيت الله الحرام وقد اختلف العلماء فى حد الكبيرة وتمييزها من الصغيرة فجاء عن بن عباس رضى الله عنهما كل شيء نهى الله عنه فهو كبيرة وبهذا قال الاستاذ أبو إسحاق الاسفراينى الفقيه الشافعى الامام فى علم الاصول والفقه وغيره وحكى القاضي عياض رحمه الله هذا المذهب عن المحققين واحتج القائلون بهذا بأن كل مخالفة فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصى إلى صغائر وكبائر وهو مروى أيضا عن بن عباس رضى الله عنهما وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنة واستعمال سلف الامة وخلفها قال الامام أبو حامد الغزالى فى كتابه البسيط فى المذهب انكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقه وقد فهما من مدارك الشرع وهذا الذى قاله أبو حامد قد قاله غيره بمعناه ولا شك فى كون المخالفة فبيحة جدا بالنسبة إلى جلال الله تعالى ولكن بعضها أعظم من بعض وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان أو الحج أو العمرة أو الوضوء أو صوم عرفة أو صوم عاشوراء أو فعل الحسنة أو غير ذلك مما جاءت به الاحاديث الصحيحة والى ما لا يكفره ذلك كما ثبت فى الصحيح ما لم يغش كبيرة فسمى الشرع ما تكفره الصلاة ونحوها صغائر وما لا تكفره كبائر ولا شك فى حسن هذا ولا يخرجها هذا عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى فانها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها لكونها أقل قبحا ولكونها متيسرة التكفير والله أعلم واذا ثبت انقسام المعاصى إلى صغائر وكبائر فقد اختلفوا فى ضبطها اختلافا كثيرا منتشرا جدا فروى عن بن عباس رضى الله عنهما أنه قال الكبائر كل ذنب ختمه الله تعالى بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب ونحو هذا عن الحسن البصرى وقال آخرون هي ما أوعد الله عليه بنار أوحد فى الدنيا وقال أبو حامد الغزالى فى البسيط والضابط الشامل المعنوى فى ضبط الكبيرة أن كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف وحذار ندم كالمتهاون بارتكابها والمتجرىء عليه اعتيادا فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة وما يحمل على فلتات النفس أو اللسان وفترة مراقبة التقوى ولا ينفك عن تندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية فهذا لا يمنع العدالة وليس هو بكبيرة وقال الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله فى فتاويه الكبيرة كل ذنب كبر وعظم عظما يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة ووصف بكونه عظيما على الاطلاق قال فهذا حد الكبيرة ثم لها أمارات منها ايجاب الحد ومنها الابعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها فى الكتاب أو السنة ومنها وصف فاعلها بالفسق نصا ومنها اللعن كلعن الله سبحانه وتعالى من غير منار الأرض وقال الشيخ الامام أبو محمد بن عبد السلام رحمه الله فى كتابه القواعد اذا أردت معرفة الفرق بين الصغيرة والكبيرة فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فان نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن ساوت ادنى مفاسد الكبائر أو ربت عليه فهي من الكبائر فمن شتم الرب سبحانه وتعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو استهان بالرسل أو كذب واحدا منهم أو ضمخ الكعبة بالعذرة أو ألقى المصحف فى القاذورات فهي من أكبر الكبائر ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة وكذلك لو أمسك امرأة محصنة لمن يزنى بها أو أمسك مسلما لمن يقتله فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم مع كونه من الكبائر وكذلك لو دل الكفار على عورات المسلمين مع علمه أنهم يستأصلون بدلالته ويسبون حرمهم وأطفالهم ويغنمون أموالهم فان نسبته إلى هذه المفاسد أعظم من توليه يوم الزحف بغير عذر مع كونه من الكبائر وكذلك لو كذب على انسان كذبا يعلم أنه يقتل بسببه أما اذا كذب عليه كذبا يؤخذ منه بسببه تمرة فليس كذبه من الكبائر قال وقد نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر فان وقعا فى مال خطير فهذا ظاهر وان وقعا فى مال حقير فيجوز أن يجعلا من الكبائر فطاما عن هذه المفاسد كما جعل شرب قطرة من خمر من الكبائر وان لم يتحقق المفسدة ويجوز أن يضبط ذلك بنصاب السرقة قال والحكم بغير الحق كبيرة فان شاهد الزور متسبب والحاكم مباشر فاذا جعل السبب كبيرة فالمباشرة أولى قال وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بانها كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن فعلى هذا كل ذنب علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به الوعيد أو الحد أو اللعن أو أكثر من مفسدته فهو كبيرة ثم قال والاولى أن تضبط الكبيرة بما يشعر بتهاون مرتكبها فى دينه اشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها والله أعلم هذا آخر كلام الشيخ أبى محمد بن عبد السلام رحمه الله قال الامام أبو الحسن الواحدى المفسر وغيره الصحيح أن حد الكبيرة غير معروف بل ورد الشرع بوصف أنواع من المعاصى بأنها كبائر وأنواعها بأنها صغائر وأنواع لم توصف وهى مشتملة على صغائر وكبائر والحكمة فى عدم بيانه أن يكون العبد ممتنعا من جميعها مخافة أن يكون من الكبائر قالوا وهذا شبيه باخفاء ليلة القدر وساعة يوم الجمعة وساعة اجابة الدعاء من الليل واسم الله الاعظم ونحو ذلك مما أخفى والله أعلم قال العلماء رحمهم الله والاصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة وروى عن عمر وبن عباس وغيرهما رضى الله عنهم لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع اصرار معناه أن الكبيرة تمحى بالاستغفار والصغيرة تصير كبيرة بالاصرار قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام فى حد الاصرار هو أن تتكرر منه الصغيرة تكرارا يشعر بقلة مبالاته بدينه اشعار ارتكاب الكبيرة بذلك قال وكذلك اذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله المصر من تلبس من أضداد التوبة باسم العزم على المعاودة أو باستدامة الفعل بحيث يدخل به ذنبه فى حيز ما يطلق عليه الوصف بصيرورته كبيرا عظيما وليس لزمان ذلك وعدده حصر والله أعلم هذا مختصر ما يتعلق بضبط الكبيرة وأما قوله قال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا فمعناه قال هذا الكلام ثلاث مرات وأما عقوق الوالدين فهو مأخوذ من العق وهو القطع وذكر الازهرى أنه يقال عق والده يعقه بضم العين عقا وعقوقا اذا قطعه ولم يصل رحمه وجمع العاق عققة بفتح الحروف كلها وعقق بضم العين والقاف وقال صاحب المحكم رجل عقق وعقق وعق وعاق بمعنى واحد وهو الذى شق عصا الطاعة لوالده هذا قول أهل اللغة وأما حقيقة العقوق المحرم شرعا فقل من ضبطه وقد قال الشيخ الامام أبو محمد بن عبد السلام رحمه الله لم أقف فى عقوق الوالدين وفيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمده فانه لا يجب طاعتهما فى كل ما يأمران به وينهيان عنه باتفاق العلماء وقد حرم على الولد الجهاد بغير اذنهما لما يشق عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه ولشدة تفجعهما على ذلك وقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه أو عضو من أعضائه هذا كلام الشيخ أبى محمد وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله فى فتاويه العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد أو نحوه تأذيا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة قال وربما قيل طاعة الوالدين واجبة فى كل ما ليس بمعصية ومخالفة أمرهما فى ذلك عقوق وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما فى الشبهات قال وليس قول من قال من علمائنا يجوز له السفر فى طلب العلم وفى التجارة بغير اذنهما مخالفا لما ذكرته فان هذا كلام مطلق وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قول الزور أو شهادة الزور فليس على ظاهره المتبادر إلى الافهام منه وذلك لأن الشرك أكبر منه بلا شك وكذا القتل فلا بد من تأويله وفى تأويله ثلاثة أوجه أحدها أنه محمول على الكفر فان الكافر شاهد بالزور وعامل به والثانى أنه محمول على المستحيل فيصير بذلك كافرا والثالث أن المراد من أكبر الكبائر كما قدمناه فى نظائره وهذا الثالث هو الظاهر أو الصواب فأما حمله على الكفر فضعيف لأن هذا خرج مخرج الزجر عن شهادة الزور فى الحقوق وأما قبح الكفر وكونه أكبر الكبائر فكان معروفا عندهم ولا يتشكك أحد من أهل القبلة فى ذلك فحمله عليه يخرجه عن الفائدة ثم الظاهر الذى يقتضيه عموم الحديث واطلاقه والقواعد أنه لا فرق فى كون شهادة الزور بالحقوق كبيرة بين أن تكون بحق عظيم أو حقير وقد يحتمل على بعد أن يقال فيه الاحتمال الذى قدمته عن الشيخ أبى محمد بن عبد السلام فى أكل تمرة من مال اليتيم والله أعلم وأما عده صلى الله عليه وسلم التولى يوم الزحف من الكبائر فدليل صريح لمذهب العلماء كافة فى كونه كبيرة الا ما حكى عن الحسن البصرى رحمه الله أنه قال ليس هو من الكبائر قال والآية الكريمة فى ذلك انما وردت فى أهل بدر خاصة والصواب ما قاله الجماهير أنه باق والله أعلم وأما قوله فكان متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت فجلوسه صلى الله عليه وسلم لاهتمامه بهذا الأمر وهو يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه وأما قولهم ليته سكت فانما قالوه وتمنوه شفقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكراهة لما يزعجه ويغضبه وأما عده صلى الله عليه وسلم السحر من الكبائر فهو دليل لمذهبنا الصحيح المشهور ومذهب الجماهير أن السحر حرام من الكبائر فعله وتعلمه وتعليمه وقال بعض أصحابنا أن تعلمه ليس بحرام بل يجوز ليعرف ويرد على صاحبه ويميز عن الكرامة للاولياء وهذا القائل يمكنه أن يحمل الحديث على فعل السحر والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم من الكبائر شتم الرجل والديه إلى آخره ففيه دليل على أن من تسبب فى شيء جاز أن ينسب إليه ذلك الشيء وانما جعل هذا عقوقا لكونه يحصل منه ما يتأذى به الوالد تأذيا ليس بالهين كما تقدم فى حد العقوق والله أعلم وفيه قطع الذرائع فيؤخذ منه النهى عن بيع العصير ممن يتخذ الخمر والسلاح ممن يقطع الطريق ونحو ذلك والله أعلم

قسم V02/P088

1 ( باب تحريم الكبر وبيانه)

قسم V02/P088–V02/P091

91 فيه أبان بن تغلب عن فضيل الفقيمى عن إبراهيم النخعى عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قال رجل ان الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال ان الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس قال مسلم رحمه الله ( حدثنا منجاب وسويد بن سعيد عن على بن مسهر عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل النار أحد فى قلبه مثقال حبة خردل من ايمان ولا يدخل الجنة أحد فى قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء ) قد تقدم أن أبانا يجوز صرفه وترك صرفه وأن الصرف أفصح وتغلب بالغين المعجمة وكسر اللام وأما الفقيمى فبضم الفاء وفتح القاف ومنجاب بكسر الميم واسكان النون وبالجيم وآخره باء موحدة ومسهر بضم الميم وكسر الهاء وفى هذا الاسناد الثانى لطيفتان ) من لطائف الاسناد احداهما أن فيه ثلاثة تابعيين يروى بعضهم عن بعض وهم الاعمش وابراهيم وعلقمة والثانية أنه اسناد كوفى كله فمنجاب وعبد الله بن مسعود ومن بينهما كوفيون الاسويد بن سعيد رفيق منجاب فيغني عنه منجاب وقوله صلى الله عليه وسلم وغمط الناس هو بفتح الغين المعجمة واسكان الميم وبالطاء المهملة هكذا هو فى نسخ صحيح مسلم رحمه الله قال القاضي عياض رحمه الله لم نرو هذا الحديث عن جميع شيوخنا هنا وفى البخارى الا بطاء قال وبالطاء ذكره أبو داود فى مصنفه وذكره أبو عيسى الترمذى وغيره غمص بالصاد وهما بمعنى واحد ومعناه احتقارهم يقال فى الفعل منه غمطه بفتح الميم يغمطه بكسرها وغمطه بكسر الميم يغمطه بفتحها أما بطر الحق فهو دفعه وانكاره ترفعا وتجبرا وقوله صلى الله عليه وسلم من كبرياء هي غير مصروفة وقوله صلى الله عليه وسلم ان الله جميل يحب الجمال اختلفوا فى معناه فقيل ان معناه أن كل أمره سبحانه وتعالى حسن جميل وله الأسماء الحسنى وصفات الجمال والكمال وقيل جميل بمعنى مجمل ككريم وسميع بمعنى مكرم ومسمع وقال الامام أبو القاسم القشيرى رحمه الله معناه جليل وحكى الامام أبو سليمان الخطابى أنه بمعنى ذى النور والبهجة أى مالكهما وقيل معناه جميل الأفعال بكم باللطف والنظر اليكم يكلفكم اليسير من العمل ويعين عليه ويثيب عليه الجزيل ويشكر عليه واعلم أن هذا الاسم ورد فى هذا الحديث الصحيح ولكنه من أخبار الآحاد وورد أيضا فى حديث الأسماء الحسنى وفى اسناده مقال والمختار جواز اطلاقه على الله تعالى ومن العلماء من منعه قال الامام أبو المعالى امام الحرمين رحمه الله تعالى ما ورد الشرع باطلاقه فى أسماء الله تعالى وصفاته أطلقناه وما منع الشرع من اطلاقه منعناه وما لم يرد فيه اذن ولا منع لم نقض فيه بتحليل ولا تحريم فان الأحكام الشرعية تتلقى من موارد الشرع ولو قضينا بتحليل أو تحريم لكنا مثبتين حكما بغير الشرع قال ثم لا يشترط فى جواز الاطلاق ورود ما يقطع به الشرع ولكن ما يقتضى للعمل وان لم يوجب العلم فانه كاف الا أن الأقيسة الشرعية من مقتضيات العمل ولا يجوز التمسك بهن فى تسميه الله تعالى ووصفه هذا كلام امام الحرمين ومحله من الاتقان والتحقق بالعلم مطلقا وبهذا الفن خصوصا معروف بالغاية العليا وأما قوله لم نقض فيه بتحليل ولا تحريم لانه ذلك لا يكون الا بالشرع فهذا مبنى على المذهب المختار فى حكم الأشياء قبل ورود الشرع فان المذهب الصحيح عند المحققين من أصحابنا أنه لا حكم فيها لا بتحليل ولا تحريم ولا اباحة ولا غير ذلك لأن الحكم عند أهل السنة لا يكون الا بالشرع وقال بعض أصحابنا أنها على الاباحة وقال بعضهم على التحريم وقال بعضهم على الوقف لا يعلم ما يقال فيها والمختار الأول والله أعلم وقد اختلف أهل السنة فى تسمية الله تعالى ووصفه من أوصاف الكمال والجلال والمدح بما لم يرد به الشرع ولا منعه فأجازه طائفة ومنعه آخرون الا أن يرد به شرع مقطوع به من نص كتاب الله أو سنة متواترة أو اجماع على اطلاقه فان ورد خبر واحد فقد اختلفوا فيه فأجازه طائفة وقالوا الدعاء به والثناء من باب العمل وذلك جائز بخبر الواحد ومنعه آخرون لكونه راجعا إلى اعتقاد ما يجوز أو يستحيل على الله تعالى وطريق هذا القطع قال القاضي والصواب جوازه لاشتماله على العمل ولقوله الله تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم لايدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرة من كبر فقد اختلف فى تأويله فذكر الخطابى فيه وجهين أحدهما أن المراد التكبر عن الايمان فصاحبه لا يدخل الجنة أصلا اذا مات عليه والثانى أنه لا يكون فى قلبه كبر حال دخوله الجنة كما قال الله تعالى ونزعنا ما في صدورهم من غل وهذان التأويلان فيهما بعد فان هذا الحديث ورد فى سياق النهى عن الكبر المعروف وهو الارتفاع على الناس واحتقارهم ودفع الحق فلا ينبغى أن يحمل على هذين التأويلين المخرجين له عن المطلوب بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين أنه لا يدخل الجنة دون مجازاة ان جازاه وقيل هذا جزاؤه لو جازاه وقد يتكرم بأنه لا يجازيه بل لا بد أن يدخل كل الموحدين الجنة اما أولا واما ثانيا بعد تعذيب بعض أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها وقيل لا يدخلها مع المتقين أول وهلة وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال حبة من خردل من ايمان فالمراد به دخول الكفار وهو دخول الخلود وقوله صلى الله عليه وسلم مثقال حبة هو على ما تقدم وتقرر من زيادة الايمان ونقصه وأما قوله قال رجل ان الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا فهذا الرجل هو مالك بن مرارة الرهاوى قاله القاضي عياض وأشار إليه أبو عمر بن عبد البر رحمهما الله وقد جمع أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الحافظ فى اسمه أقوالا من جهات فقال هو أبو ريحانة واسمه شمعون ذكره بن الاعرابى وقال على بن المدينى فى الطبقات اسمه ربيعة بن عامر وقيل سواد بالتخفيف بن عمر وذكره بن السكن وقيل معاذ بن جبل ذكره بن أبى الدنيا فى كتاب الخمول والتواضع وقيل مالك بن مرارة الرهاوى ذكره أبو عبيد فى غريب الحديث وقيل عبد الله بن عمرو بن العاصى ذكره معمر فى جامعه وقيل خريم بن فاتك هذا ما ذكره بن بشكوال وقولهم بن مرارة الرهاوى هو مرارة بضم الميم وبراء مكررة وآخره هاء والرهاوى هنا نسبة إلى قبيلة ذكره الحافظ عبد الغنى بن سعيد المصرى بفتح الراء ولم يذكره بن ما كولا وذكر الجوهرى فى صحاحه أن الرهاوى نسبة إلى رها بضم الراء حى من مذحج وأما شمعون فبالعين المهملة وبالمعجمة والشين معجمة فيهما والله أعلم

قسم V02/P091

1 ( باب الدليل على أن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ( وان مات مشركا دخل النار ))

قسم V02/P091–V02/P097

92 قال مسلم ( حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبى ووكيع عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضى الله عنه قال وكيع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بن نمير سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من مات يشرك بالله شيئا دخل النار قلت أنا ومن ) مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وعن أبى سفيان عن جابر رضى الله عنه قال أتى النبى صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله ما الموجبتان فقال من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار ) قال مسلم رحمه الله ( وحدثنا أبو أيوب الغيلانى سليمان بن عبيد الله وحجاج بن الشاعر قالا حدثنا عبد الملك حدثنا قرة عن أبى الزبير حدثنا جابر رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من لقى الله تعالى لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به دخل النار قال أبو أيوب قال أبو الزبير عن جابر وعن المعرور بن سويد قال سمعت أبا ذر يحدث عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال أتانى جبريل عليه السلام فبشرنى أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة قلت وان زنى وان سرق قال وان زنى وان سرق وعن بن بريدة أن يحيى بن يعمر حدثه أن أبا الأسود الديلى حدثه أن أبا ذر حدثه قال أتيت النبى صلى الله عليه وسلم وهو نائم عليه ثوب أبيض ثم أتيته فاذا هو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فجلست إليه فقال ما من عبد قال لا اله الا الله ثم مات على ذلك الا دخل الجنة قلت وان زنى وان سرق قال وان زنى وان سرق قلت وان زنى وان سرق قال وان زنى وان سرق ثلاثا ثم قال فى الرابعة على رغم أنف أبى ذر قال فخرج أبو ذر وهو يقول وان رغم أنف أبى ذر ) أما الاسناد الأول فكله كوفيون محمد بن نمير وعبد الله بن مسعود ومن بينهما وقوله قال وكيع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بن نمير سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وما أشبه من الدقائق التى ينبه عليها مسلم رضى الله عنه دلائل قاطعة على شدة تحريه واتقانه وضبطه وعرفانه وغزارة علمه وحذقه وبراعته فى الغوص على المعانى ودقائق علم الاسناد وغير ذلك فرضى الله عنه والدقيقة فى هذا أن بن نمير قال رواية عن بن مسعود سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا متصل لا شك فيه وقال وكيع رواية عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مما اختلف العلماء فيه هل يحمل على الاتصال أم على الانقطاع فالجمهور أنه على الاتصال كسمعت وذهبت طائفة إلى أنه لا يحمل على الاتصال الا بدليل عليه فاذا قيل بهذا المذهب كان مرسل صحابى وفى الاحتجاج به خلاف فالجماهير قالوا يحتج به وان لم يحتج بمرسل غيرهم وذهب الأستاذ أبو إسحاق الاسفراينى الشافعى رحمه الله إلى أنه لا يحتج به فعلى هذا يكون الحديث قد روى متصلا ومرسلا وفى الاحتجاج بما روى مرسلا ومتصلا خلاف معروف قيل الحكم للمرسل وقيل للاحفظ رواية وقيل للاكثر والصحيح أنه تقدم رواية الوصل فاحتاط مسلم رحمه الله وذكر اللفظين لهذه الفائدة ولئلا يكون روايا بالمعنى فقد أجمعوا على أن الرواية باللفظ أولى والله أعلم وأما أبو سفيان الراوى عن جابر فاسمه طلحة بن نافع وأبو الزبير اسمه محمد بن مسلم بن تدرس تقدم بيانه وأما قوله قال أبو أيوب قال أبو الزبير عن جابر فمراده أن أبا أيوب وحجاجا اختلفا فى عبارة أبى الزبير عن جابر فقال أبو أيوب عن جابر وقال حجاج حدثنا جابر فأما حدثنا فصريحة فى الاتصال وأما عن فمختلف فيها فالجمهور على أنها للاتصال كحدثنا ومن العلماء من قال هي للانقطاع ويجىء فيها ما قدمناه الا أن هذا على هذا المذهب يكون مرسل تابعى وأما قرة فهو بن خالد وأما المعرور فهو بفتح الميم واسكان العين المهملة وبراء مهملة مكررة ومن طرف أحواله أن الاعمش قال رأيت المعرور وهو بن عشرين ومائة سنة أسود الرأس واللحية وأما أبو ذر فتقدم أن اسمه جندب بن جنادة على المشهور وقيل غيره وفى الاسناد أحمد بن خراش بالخاء المعجمة تقدم وأما بن بريدة فاسمه عبد الله ولبريدة ابنان سليمان وعبد الله وهما ثقتان ولدا فى بطن وتقدم ذكرهما أول كتاب الايمان وبن بريدة هذا ويحيى بن يعمر وأبو الاسود ثلاثة تابعيون يروى بعضهم عن بعض ويعمر بفتح الميم وضمها تقدم أيضا وأبو الاسود اسمه ظالم بن عمرو هذا هو المشهور وقيل اسمه عمرو بن ظالم وقيل عثمان بن عمرو وقيل عمرو بن سفيان وقيل عويمر بن ظويلم وهو أول من تكلم فى النحو وولى قضاء البصرة لعلى بن أبى طالب كرم الله وجهه وأما الديلى فكذا وقع هنا بكسر الدال واسكان الياء وقد اختلف فيه فذكر القاضي عياض أن أكثر أهل السنة يقولون فيه وفى كل من ينسب إلى هذا البطن الذى فى كنانة ديلي بكسر الدال واسكان الياء كما ذكرنا وأن أهل العربية يقولون فيه الدؤلى بضم الدال وبعدها همزة مفتوحة وبعضهم يكسرها وأنكرها النحاة هذا كلام القاضي وقد ضبط الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله هذا وما يتعلق به ضبطا حسنا وهو معنى ما قاله الأمام أبو على الغسانى قال الشيخ هو الديلى ومنهم من يقول الدؤلى على مثال الجهنى وهو نسبه إلى الدئل بدال مضمومة بعدها همزة مكسورة حى من كنانة وفتحوا الهمزة فى النسب كما قالوا فى النسب إلى نمر نمرى بفتح الميم قال وهذا قد حكاه السيرافى عن أهل البصرة قال ووجدت عن أبى على القالى وهو بالقاف فى كتاب البارع أنه حكى ذلك عن الأصمعى وسيبويه وبن السكيت والأخفش وأبى حاتم وغيرهم وأنه حكى عن الأصمعى عن عيسى بن عمر أنه كان يقول فيه أبو الاسود الدئلى بضم الدال وكسر الهمزة على الأصل وحكاه أيضا عن يونس وغيره عن العرب يدعونه فى النسب على الأصل وهو شاذ فى القياس وذكر السيرافى عن أهل الكوفة أنهم يقولون أبو الأسود الديلى بكسر الدال وياء ساكنة وهو محكى عن الكسائى وأبى عبيد القاسم بن سلام وعن صاحب كتاب العين ومحمد بن حبيب بفتح الباء غير مصروف لأنها أمه كانوا يقولون فى هذا الحى من كنانة الديل باسكان الياء وكسر الدال ويجعلونه مثل الديل الذى هو فى عبد القيس وأما الدول بضم الدال واسكان الواو فحى من بنى حنيفة والله أعلم هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو رحمه الله وأما قوله ما الموجبتان فمعناه الخصلة الموجبة للجنة والخصلة الموجبة للنار وأما قوله صلى الله عليه وسلم على رغم أنف أبى ذر فهو بفتح الراء وضمها وكسرها وقوله وان رغم أنف أبى ذر هو بفتح الغين وكسرها ذكر هذا كله الجوهرى وغيره وهو مأخوذ من الرغام بفتح الراء وهو التراب فمعنى أرغم الله أنفه أى ألصقه بالرغام وأذله فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم على رغم أنف أبى ذر أي على ذل منه لوقوعه مخالفا لما يريد وقيل معناه على كراهة منه وانما قاله له صلى الله عليه وسلم ذلك لاستبعاده العفو عن الزانى السارق المنتهك للحرمة واستعظامه ذلك وتصور أبى ذر بصورة الكاره الممانع وان لم يكن ممانعا وكان ذلك من أبى ذر لشدة نفرته من معصية الله تعالى وأهلها والله أعلم وأما قوله فى رواية بن مسعود رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات يشرك بالله شيئا دخل النار وقلت أنا ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة هكذا وقع فى أصولنا من صحيح مسلم وكذا هو فى صحيح البخارى وكذا ذكره القاضي عياض رحمه الله فى روايته لصحيح مسلم ووجد فى بعض الأصول المعتمدة من صحيح مسلم عكس هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة قلت أنا ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار وهكذا ذكره الحميدى فى الجمع بين الصحيحين عن صحيح مسلم رحمه الله وهكذا رواه أبو عوانة فى كتابه المخرج على صحيحه مسلم وقد صح اللفظان من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث جابر المذكور فأما اقتصار بن مسعود رضى الله عنه على رفع احدى اللفظتين وضمه الأخرى اليها من كلام نفسه فقال القاضي عياض وغيره سببه أنه لم يسمع من النبى صلى الله عليه وسلم الا احداهما وضم اليها الاخرى لما علمه من كتاب الله تعالى ووحيه أو أخذه من مقتضى ما سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم وهذا الذى قاله هؤلاء فيه نقص من حيث ان اللفظتين قد صح رفعهما من حديث بن مسعود كما ذكرناه فالجيد أن يقال سمع بن مسعود اللفظتين من النبى صلى الله عليه وسلم ولكنه فى وقت حفظ احداهما وتيقنها عن النبى صلى الله عليه وسلم ولم يحفظ الاخرى فرفع المحفوظة وضم الاخرى اليها وفى وقت آخر حفظ الاخرى ولم يحفظ الأولى مرفوعة فرفع المحفوظة وضم الاخرى اليها فهذا جمع ظاهر بين روايتى بن مسعود وفيه موافقة لرواية غيره فى رفع اللفظتين والله أعلم وأما حكمه صلى الله عليه وسلم على من مات يشرك بدخول النار ومن مات غير مشرك بدخوله الجنة فقد فقد أجمع عليه المسلمون فأما دخول المشرك النار فهو على عمومه فيدخلها ويخلد فيها ولا فرق فيه بين الكتابى اليهودى والنصرانى وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عنادا وغيره ولا بين من خالف ملة الاسلام وبين من انتسب اليها ثم حكم بكفره بجحده ما يكفر بجحده وغير ذلك وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به لكن ان لم يكن صاحب كبيرة مات مصرا عليها دخل الجنة أولا وان كان صاحب كبيرة مات مصرا عليها فهو تحت المشيئة فان عفى عنه دخل أولا والا عذب ثم أخرج من النار وخلد فى الجنة والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم وان زنى وان سرق فهو حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار وأنهم ان دخلوها أخرجوا منها وختم لهم بالخلود فى الجنة وقد تقدم هذا كله مبسوطا والله أعلم

قسم V02/P097

1 ( باب تحريم قتل الكافر بعد قوله لا اله الا الله)

قسم V02/P097–V02/P106

95 فيه حديث المقداد بن الأسود رضى الله عنه أنه قال ( يا رسول الله أرأيت ان لقيت رجلا من الكفار فقاتلنى فضرب احدى يدى بالسيف فقطعها ثم لاذ منى بشجرة فقال أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتله إلى أن قال فان قتلته فانه بمنزلتك قبل أن تقتله وانك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التى قال ) وفيه أسامة بن زيد رضى الله عنهما ) ( قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال لا اله الا الله فطعنته فوقع فى نفسى من ذلك فذكرته للنبى صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقال لا اله الا الله وقتلته قال قلت يا رسول الله انما قالها خوفا من السلاح قال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم قالها أم لا فما زال يكررها على حتى تمنيت أنى أسلمت يومئذ قال فقال سعد وأنا والله لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين يعنى أسامة قال قال رجل ألم يقل الله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله قال سعد قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ) وفى الطريق الآخر ( فطعنته برمحى حتى قتلته فلما قدمنا بلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال لى يا أسامة قتلته بعد ما قال لا اله الا الله قلت يا رسول الله انما كان متعوذا فقال أقتلته بعد ما قال لا اله الا الله فما زال يكررها على حتى 0 تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم ) وفى الطريق الاخرى ( أن النبى صلى الله عليه وسلم دعا أسامة فسأله لم قتلته إلى أن قال فكيف تصنع بلا إله الا الله اذا جاءت يوم القيامة قال يا رسول الله استغفر لى قال فكيف بلا إله الا الله اذا جاءت يوم القيامة فجعل لا يزيد على أن يقول فكيف تصنع بلا اله الا الله اذا جاءت يوم القيامة ) أما ألفاظ أسماء الباب ففيه المقداد بن الاسود وفى الرواية الأخرى حدثنى عطاء أن عبيد الله بن عدى بن الخيار أخبره أن المقداد بن عمرو بن الأسود الكندى وكان حليفا لبنى زهرة وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يا رسول الله فالمقداد هذا هو بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة هذا نسبه الحقيقى وكان الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة قد تبناه فى الجاهلية فنسب إليه وصار به أشهر وأعرف فقوله ثانيا ان المقداد بن عمرو بن الأسود قد يغلط فى ضبطه وقراءته والصواب فيه أن يقرأ عمرو مجرورا منونا وبن الأسود بنصب النون ويكتب بالألف لأنه صفة للمقداد وهو منصوب فينصب وليس بن ها هنا واقعا بين علمين متناسلين فلهذا قلنا تتعين كتابته بالألف ولو قرئ بن الأسود بجر بن لفسد المعنى وصار عمرو بن الأسود وذلك غلط صريح ولهذا الاسم نظائر منها عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم كذا رواه مسلم رحمه الله آخر الكتاب فى حديث الجساسة وعبد الله بن ابى بن سلول وعبد الله بن مالك بن بحينة ومحمد بن على بن الحنفية واسماعيل بن إبراهيم بن علية واسحاق بن إبراهيم بن راهويه ومحمد بن يزيد بن ماجه فكل هؤلاء ليس الأب فيهم ابنا لمن بعده فيتعين أن يكتب بن بالألف وأن يعرب باعراب الابن المذكور أولا فأم مكتوم زوجة عمرو وسلول زوجة أبى وقيل غير ذلك مما سنذكره فى موضعه ان شاء الله تعالى وبحينة زوجة مالك وأم عبد الله وكذلك الحنفية زوجة على رضى الله عنه وعليه زوجة إبراهيم وراهوية هو إبراهيم والد إسحاق وكذلك ماجه هو يزيد فهما لقبان والله أعلم ومرادهم فى هذا كله تعريف الشخص بوصفيه ليكمل تعريفه فقد يكون الانسان عارفا باحد وصفيه دون الآخر فيجمعون بينهما ليتم التعريف لكل أحد وقدم هنا نسبته إلى عمرو على نسبته إلى الاسود لكون عمرو هو الاصل وهذا من المستحسنات النفيسة والله أعلم وكان المقداد رضى الله عنه من اول من اسلم قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أول من أظهر الإسلام بمكة سبعة منهم المقداد وهاجر إلى الحبشة يكنى أبا الاسود وقيل أبا عمرو وقيل أبا معبد والله أعلم وأما قوله وكان حليفا لبنى زهرة فذلك لمحالفته الأسود بن عبد يغوث الزهري فقد ذكر بن عبدالبر وغيره أن الاسود حالفه أيضا مع تبنيه اياه وأما قولهم فى نسبة الكندى ففيه اشكال من حيث ان أهل النسب قالوا انه بهرانى صلبية من بهراء بن الحاف بالحاء المهملة وبالفاء بن قضاعة لاخلاف بينهم فى هذا وممن نقل الاجماع عليه القاضي عياض وغيره رحمهم الله وجوابه أن أحمد بن صالح الامام الحافظ المصرى كاتب الليث بن سعد رحمه الله تعالى قال ان والد المقداد حالف كندة فنسب اليها وروينا عن بن شماسة عن سفيان عن صهابة بضم الصاد المهملة وتخفيف الهاء وبالباء الموحدة المهرى قال كنت صاحب المقداد بن الاسود في الجاهلية وكان رجلا من بهراء فاصاب فيهم دما فهرب إلى كندة فحالفهم ثم أصاب فيهم دما فهرب إلى مكة فحالف الأسود بن عبد يغوث فعلى هذا تصح نسبته إلى بهراء لكونه الأصل وكذلك إلى قضاعة وتصح نسبته إلى كندة لحلفه أو لحلف أبيه وتصح إلى زهرة لحلفه مع الأسود والله أعلم وأما قولهم أن المقداد بن عمرو بن الأسود إلى قوله أنه قال يا رسول الله فأعاد أنه لطول الكلام ولو لم يذكرها لكان صحيحا بل هو الأصل ولكن لما طال الكلام جاز أو حسن ذكرها ونظيره فى كلام العرب كثير وقد جاء مثله فى القرآن العزيز والأحاديث الشريفة ومما جاء فى القرآن قوله جل وعز حكاية عن الكفار أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون فاعاد أنكم للطول ومثله قوله تعالى ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فأعاد فلما جاءهم وقد قدمنا نظير هذه المسألة والله أعلم وأما عدى بن الخيار فبكسر الخاء المعجمة وأما عطاء بن يزيد الليثى ثم الجندعى فبضم الجيم واسكان النون وبعدها دال ثم عين مهملتان وتفتح الدال وتضم لغتان وجندع بطن من ليث فلهذا قال الليثى ثم الجندعى فبدأ بالعام وهو ليث ثم الخاص وهو جندع ولو عكس هذا فقيل الجندعى الليثى لكان خطأ من حيث أنه لا فائدة فى قوله الليثى بعد الجندعى ولأنه أيضا يقتضى أن ليثا بطن من جندع وهو خطأ والله أعلم وفى هذا الاسناد لطيفة تقدم نظائرها وهو أن فيه ثلاثة تابعيين يروى بعضهم عن بعض بن شهاب وعطاء وعبيد الله بن عدى بن الخيار وأما قوله عن أبى ظبيان فهو بفتح الظاء المعجمة وكسرها فاهل اللغة يفتحونها ويلحنون من يكسرها وأهل الحديث يكسرونها وكذلك قيده بن ماكولا وغيره واسم أبى ظبيان حصين بن جندب بن عمرو كوفى توفى سنة تسعين وأما الحرقات فبضم الحاء المهملة وفتح الراء وبالقاف وأما الدورقى فتقدم مرات وكذلك أحمد بن خراش بكسر الخاء المعجمة وأما خالد الاثبج فبفتح الهمزة وبعدها ثاء مثلثة ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة ثم جيم قال أهل اللغة الاثبج هو عريض الثبج بفتح الثاء والباء وقيل ناتىء الثبج والثبج ما بين الكاهل والظهر وأما صفوان بن محرز فباسكان الحاء المهملة وبراء ثم زاى وأما جندب فبضم الدال وفتحها وأما عسعس بن سلامة فبعينين وسينين مهملات والعينان مفتوحتان والسين بينهما ساكنة قال أبو عمر بن عبد البر فى الاستيعاب هو بصرى روى عن النبى صلى الله عليه وسلم يقولون ان حديثه مرسل وأنه لم يسمع النبى صلى الله عليه وسلم وكذا قال البخارى فى تاريخه حديثه مرسل وكذا ذكره بن أبى حاتم وغيره فى التابعين قال البخارى وغيره كنية عسعس أبو صفرة وهو تميمى بصرى وهو من الأسماء المفردة لا يعرف له نظير والله أعلم وأما لغات الباب وما يشبهها فقوله فى أول الباب يا رسول الله أرأيت أن لقيت رجلا من الكفار هكذا هو فى اكثر الأصول المعتبرة وفى بعضها أرأيت لقيت بحذف أن والأول هو الصواب وقوله لاذ منى بشجرة أى اعتصم منى وهو معنى قوله قالها متعوذا أي معتصما وهو بكسر الواو قوله أما الأوزاعى وبن جريج فى حديثهما هكذا هو فى اكثر الاصول فى حديثهما بفاء واحدة وفى كثير من الاصول ففى حديثهما بفاءين وهذا هو الأصل والجيد والأول أيضا جائز فان الفاء فى جواب أما يلزم اثباتها الا اذا كان الجواب بالقول فانه يجوز حذفها اذا حذف القول وهذا من ذاك فتقدير الكلام أما الاوزاعى وبن جريج فقالا فى حديثهما كذا ومثل هذا فى القرآن العزيز وكلام العرب كثير فمنه فى القرآن قوله عزوجل فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم أى فيقال لهم أكفرتم وقوله عزوجل وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم والله اعلم وقوله فلما أهويت لاقتله أى ملت يقال هويت وأهويت وقوله صلى الله عليه وسلم أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا الفاعل فى قوله أقالها هو القلب ومعناه أنك إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه فانكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان وقال أفلا شققت عن قلبه لتنظر هل قالها القلب واعتقدها وكانت فيه أم لم تكن فيه بل جرت على اللسان فحسب يعنى وأنت لست بقادر على هذا فاقتصر على اللسان فحسب يعنى ولا تطلب غيره وقوله حتى تمنيت أنى أسلمت يومئذ معناه لم يكن تقدم اسلامى بل ابتدأت الآن الاسلام ليمحو عنى ما تقدم وقال هذا الكلام من عظم ما وقع فيه وقوله فقال سعد وأنا والله لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين يعنى اسامة أما سعد فهو بن أبى وقاص رضى الله عنه وأما ذو البطين فهو بضم الباء تصغير بطن قال القاضي عياض رحمه الله قيل لاسامة ذو البطين لأنه كان له بطن عظيم وقوله حسر البرنس عن رأسه فقال أنى أتيتكم ولا أريد أن أخبركم عن نبيكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا فقوله حسر أى كشف والبرنس بضم الباء والنون قال أهل اللغة هو كل ثوب راسه ملتصق به دراعة كانت أوجبة أو غيرهما وأما قوله أتيتكم ولا أريد أن أخبركم فكذا وقع فى جميع الاصول وفيه اشكال من حيث انه قال فى أول الحديث بعث إلى عسعس فقال أجمع لى نفرا من اخوانك حتى أحدثهم ثم يقول بعده أتيتكم ولا أريد أن اخبركم فيحتمل هذا الكلام وجهين أحدهما أن تكون لا زائدة كما فى قول الله تعالى لئلا يعلم أهل الكتاب وقوله تعالى ما منعك ألا تسجد والثانى أن يكون على ظاهره أتيتكم ولا أريد أن أخبركم عن نبيكم صلى الله عليه وسلم بل أعظكم وأحدثكم بكلام من عند نفسى لكنى الآن أزيدكم على ما كنت نويته فأخبركم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا وذكر الحديث والله أعلم وقوله ( وكنا نحدث أنه أسامة ) هو بضم النون من نحدث وفتح الدال وقوله ( فلما رجع عليه السيف ) كذا فى بعض الاصول المعتمدة رجع بالجيم وفى بعضها رفع بالفاء وكلاهما صحيح والسيف منصوب على الروايتين فرفع لتعديه ورجع بمعناه فان رجع يستعمل لازما ومتعديا والمراد هنا المتعدى ومنه قول الله عزوجل فإن رجعك الله إلى طائفة وقوله تعالى فلا ترجعوهن إلى الكفار والله أعلم واعلم ان فى اسناد بعض روايات هذا الحديث ما انكره الدارقطنى وغيره وهو قول مسلم حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا أنبأ عبد الرزاق أنبأ معمر ح وحدثنا إسحاق بن موسى حدثنا الوليد بن مسلم عن الاوزاعى ح وحدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا بن جريج جميعا عن الزهري بهذا الاسناد فهكذا وقع هذا الاسناد فى رواية الجلودى قال القاضي عياض ولم يقع هذا الاسناد عند بن ماهان يعنى رفيق الجلودى قال القاضي قال ابومسعود الدمشقى هذا ليس بمعروف عن الوليد بهذا الاسناد عن عطاء بن يزيد عن عبيد الله قال وفيه خلاف على الوليد وعلى الاوزاعى وقد بين الدارقطنى فى كتاب العلل الخلاف فيه وذكر ان الاوزاعى يرويه عن إبراهيم بن مرة واختلف عنه فرواه أبو إسحاق الفزارى ومحمد بن شعيب ومحمد بن حميد والوليد بن مزيد عن الاوزاعى عن إبراهيم بن مرة عن الزهري عن عبيد الله بن الخيار عن المقداد لم يذكروا فيه عطاء بن يزيد واختلف عن الوليد بن مسلم فرواه الوليد القرشى عن الوليد عن الاوزاعى والليث بن سعد عن الزهري عن عبيد الله بن الخيار عن المقداد لم يذكر فيه عطاء واسقط إبراهيم بن مرة وخالفه عيسى بن مساور فرواه عن الوليد عن الاوزاعى عن حميد بن عبد الرحمن عن عبيد الله بن الخيار عن المقداد لم يذكر فيه إبراهيم بن مرة وجعل مكان عطاء بن يزيد حميد بن عبد الرحمن ورواه الفريابى عن الأوزاعى عن إبراهيم بن مرة عن الزهري مرسلا عن المقداد قال أبو على الجيانى الصحيح فى اسناد هذا الحديث ما ذكره مسلم أولا من رواية الليث ومعمر ويونس وبن جريج وتابعهم صالح بن كيسان هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله قلت وحاصل هذا الخلاف والاضطراب انما هو فى رواية الوليد بن مسلم عن الاوزاعى وأما رواية الليث ومعمر ويونس وبن جريج فلا شك فى صحتها وهذه الروايات هي المستقلة بالعمل وعليها الاعتماد واما رواية الاوزاعى فذكرها متابعة وقد تقرر عندهم أن المتابعات يحتمل فيها ما فيه نوع ضعف لكونها الاعتماد عليها وانما هي لمجرد الاستئناس فالحاصل ان هذا الاضطراب الذى فى رواية الوليد عن الاوزاعى لا يقدح فى صحة أصل هذا الحديث فلا خلاف فى صحته وقد قدمنا أن أكثر استدراكات الدارقطنى من هذا النحو ولا يؤثر ذلك فى صحة المتون وقدمنا أيضا فى الفصول اعتذار مسلم رحمه الله عن نحو هذا بانه ليس الاعتماد عليه والله اعلم وأما معانى الاحاديث وفقهها فقوله صلى الله عليه وسلم فى الذى قال لا إله الا الله لا تقتله فان قتلته فانه بمنزلتك قبل أن تقتله وانك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التى قال اختلف فى معناه فاحسن ما قيل فيه وأظهره ما قاله الامام الشافعى وبن القصار المالكى وغيرهما أن معناه فانه معصوم الدم محرم قتله بعد قوله لا إله الا الله كما كنت أنت قبل أن تقتله وانك بعد قتله غير معصوم الدم ولا محرم القتل كما كان هو قبل قوله لا إله الا الله قال بن القصار يعنى لولا عذرك بالتاويل المسقط للقصاص عنك قال القاضي وقيل معناه انك مثله فى مخالفة الحق وارتكاب الاثم وان اختلف انواع المخالفة والاثم فيسمى إثمه كفرا واثمك معصية وفسقا واما كونه صلى الله عليه وسلم لم يوجب على أسامة قصاصا ولا دية ولا كفارة فقد يستدل به لاسقاط الجميع ولكن الكفارة واجبة والقصاص ساقط للشبهة فانه ظنه كافرا وظن أن اظهاره كلمة التوحيد فى هذا الحال لا يجعله مسلما وفى وجوب الدية قولان للشافعى وقال بكل واحد منهما بعض من العلماء ويجاب عن عدم ذكر الكفارة بأنها ليست على الفور بل هي على التراخى وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على المذهب الصحيح عند أهل الاصول وأما الدية على قول من أوجبها فيحتمل أن اسامة كان فى ذلك الوقت معسرا بها فأخرت إلى يساره وأما ما فعله جندب بن عبد الله رضى الله عنه من جمع النفر ووعظهم ففيه أنه ينبغى للعالم والرجل العظيم المطاع وذى الشهرة أن يسكن الناس عند الفتن ويعظهم ويوضح لهم الدلائل وقوله صلى الله عليه وسلم أفلا شققت عن قلبه فيه دليل للقاعدة المعروفة فى الفقه والاصول أن الاحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر وأما قول أسامة فى الرواية الاولى فطعنته فوقع فى نفسى من ذلك فذكرته للنبى صلى الله عليه وسلم وفى الرواية الاخرى فلما قدمنا بلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال لي يا أسامة أقتلته وفي الرواية الأخرى فجاء البشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر الرجل فدعاه يعنى أسامة فسأله فيحتمل أن يجمع بينها بأن اسامة وقع فى نفسه من ذلك شيء بعد قتله ونوى أن يسأل عنه فجاء البشير فاخبر به قبل مقدم أسامة وبلغ النبى صلى الله عليه وسلم أيضا بعد قدومهم فسأل أسامة فذكره وليس فى قوله فذكرته ما يدل على أنه قاله ابتداء قبل تقدم علم النبى صلى الله عليه وسلم به والله اعلم

الأسئلة