Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)

قسم V15/P007–V15/P010

(قوله صلى الله عليه وسلم 2252 ( والمسك أطيب الطيب ) فيه أنه أطيب الطيب وأفضله وأنه طاهر يجوز استعماله في البدن والثوب ويجوز بيعه وهذا كله مجمع عليه ونقل آصحابنا فيه عن الشيعة مذهبا باطلا وهم محجوجون باجماع المسلمين وبالأحاديث الصحيحة في استعمال النبي صلى الله عليه وسلم له واستعمال أصحابه قال أصحابنا وغيرهم هو مستثنى من القاعدة المعروفة أن ما أبين من حي فهو ميت أو يقال أنه في معنى الجنين والبيض واللبن وأما اتخاذ المرأة القصيرة رجلين من خشب حتى مشت بين الطويلتين فلم تعرف فحكمه في شرعنا أنها ان قصدت به مقصودا صحيحا شرعيا بأن قصدت ستر نفسها لئلا تعرف فتقصد بالأذى أو نحو ذلك فلا بأس به وان قصدت به التعاظم أو التشبه بالكاملات تزويرا على الرجال وغيرهم فهو حرام قوله صلى الله عليه وسلم 2253 ( من عرض عليه ريحان فلا يرده فانه خفيف المحمل طيب الريح ) المحمل هنا بفتح الميم الأولى وكسر الثانية كالمجلس والمراد به الحمل بفتح الحاء أي خفيف الحمل ليس بثقيل وقوله صلى الله عليه وسلم فلا يرده برفع الدال على الفصيح المشهور وأكثر ما يستعمله من لا يحقق العربية بفتحها وقد سبق بيان هذه اللفظة وقاعدتها في كتاب الحج في حديث الصعب بن جثامة حين أهدى الحمار الوحشي فقال صلى الله عليه وسلم انا لم نرده عليك إلا أنا حرم وأما الريحان فقال أهل اللغة وغريب الحديث في تفسير هذا الحديث هو كل نبت مشموم طيب الريح قال القاضي عياض بعد حكاية ما ذكرناه ويحتمل عندي أن يكون المراد به في هذا الحديث الطيب كله وقد وقع في رواية أبي داود في هذا الحديث من عرض عليه طيب وفي صحيح البخاري كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد الطيب والله أعلم وفي هذا الحديث كراهة رد الريحان لمن عرض عليه إلا لعذر قوله 2254 ( كان بن عمر اذا استجمر استجمر بألوة غير مطراة أو بكافور يطرحه مع الألوة ثم قال هكذا كان يستجمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ) الاستجمار هنا استعمال الطيب والتبخر به مأخوذ من المجمر وهو البخور وأما الألوة فقال الأصمعي وأبو عبيد وسائر أهل اللغة والغريب هي العود يتبخر به قال الأصمعي أراها فارسية معربة وهي بضم اللام وفتح الهمزة وضمها لغتان مشهورتان وحكى الأزهري كسر اللام قال القاضي وحكى عن الكسائي ألية قال القاضي قال غيره وتشدد وتخفف وتكسر الهمزة وتضم وقيل لوة ولية وقوله غير مطراة أي غير مخلوطة بغيرها من الطيب ففي هذا الحديث استحباب الطيب للرجال كما هو مستحب للنساء لكن يستحب للرجال من الطيب ما ظهر ريحه وخفي لونه وأما المرأة فاذا أرادت الخروج إلى المسجد أو غيره كره لها كل طيب له ريح ويتأكد استحبابه للرجال يوم الجمعة والعيد عند حضور مجامع المسلمين ومجالس الذكر والعلم وعند ارادتة معاشرة زوجته ونحو ذلك والله أعلم 1 ( كتاب الشعر)

قسم V15/P010–V15/P014

قوله 2255 ( عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيئا قلت نعم قال هيه فأنشدته بيتا فقال هيه ثم أنشدته بيتا فقال هيه حتى أنشدته مائة بيت قال ان كاد ليسلم ) وفي رواية فلقد كاد يسلم في شعره أما الشريد فبشين معجمة مفتوحة ثم راء مخففة مكسورة وهو الشريد بن سويد الثقفي الصحابي رضي الله عنه وقوله صلى الله عليه وسلم هيه بكسر الهاء واسكان الياء وكسر الهاء الثانية قالوا والهاء الأولى بدل من الهمزة وأصله ايه وهي كلمة للا ستزادة من الحديث المعهود قال بن السكيت هي للاستزادة من حديث أو عمل معهودين قالوا وهي مبنية على الكسر فان وصلتها نونتها فقلت إيه حدثنا أي زدنا من هذا الحديث فان اردت الاستزادة من غير معهود نونت فقلت ايه لأن التنوين للتنكير وأما ايها بالنصب فمعناه الكف والأمر بالسكوت ومقصود الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم استحسن شعر أمية واستزاد من انشاده لما فيه من الاقرار بالوحدانية والبعث ففيه جواز انشاد الشعر الذي لا فحش فيه وسماعه سواء شعر الجاهلية وغيرهم وأن المذموم من الشعر الذي لا فحش فيه انما هو الاكثار منه وكونه غالبا على الانسان فأما يسيره فلا بأس بانشاده وسماعه وحفظه وقوله صلى الله عليه وسلم هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيئا فهكذا وقع في معظم النسخ شيئا بالنصب وفي بعضها شئ بالرفع وعلى روايا النصب يقدر فيه محذوف أي هل معك من شئ فتنشدني شيئا قوله صلى الله عليه وسلم 2256 ( أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد ألا كل شئ ماخلا الله باطل ) وفي رواية أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل وفي رواية أصدق بيت قاله الشاعر وفي رواية أصدق بيت قالته الشعراء المراد بالكلمة هنا القطعة من الكلام والمراد بالباطل الفاني المضمحل وفي هذا الحديث منقبة للبيد وهو صحابي وهو لبيد بن ربيعة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم 2257 2258 ( لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خير من أن يمتلئ شعرا ) وفي 2259 رواية بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج اذ عرض شاعر ينشد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوا الشيطان أو أمسكوا الشيطان لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا قال أهل اللغة والغريب يريه بفتح الياء وكسر الراء من الورى وهو داء يفسد الجوف ومعناه قيحا يأكل جوفه ويفسده قال أبو عبيد قال بعضهم المراد بهذا الشعر شعر هجى به النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو عبيد والعلماء كافة هذا تفسير فاسد لأنه يقتضي أن المذموم من الهجاء أن يمتلئ منه دون قليله وقد أجمع المسلمون على أن الكلمة الواحدة من هجاء النبي صلى الله عليه وسلم موجبة للكفر قالوا بل الصواب أن المراد أن يكون الشعر غالبا عليه مستوليا عليه بحيث يشغله عن القرآن وغيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى وهذا مذموم من أي شعر كان فأما اذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية هو الغالب عليه فلا يضر حفظ اليسير من الشعر مع هذا لأن جوفه ليس ممتلئا شعرا والله أعلم واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على كراهة الشعر مطلقا قليله وكثيره وان كان لا فحش فيه وتعلق بقوله صلى الله عليه وسلم خذوا الشيطان وقال العلماء كافة هو مباح ما لم يكن فيه فحش ونحوه قالوا وهو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح وهذا هو الصواب فقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم الشعر واستنشده وأمر به حسان في هجاء المشركين وأنشده أصحابه بحضرته في الأسفار وغيرها وأنشده الخلفاء وأئمة الصحابة وفضلاء السلف ولم ينكره أحد منهم على إطلاقه وانما أنكروا المذموم منه وهو الفحش ونحوه وأما تسمية هذا الرجل الذي سمعه ينشد شيطانا فلعله كان كافرا أو كان الشعر هو الغالب عليه أو كان شعره هذا من المذموم وبالجملة فتسميته شيطانا إنما هو في قضية عين تتطرق اليها الاحتمالات المذكورة وغيرها ولا عموم لها فلا يحتج بها والله اعلم قوله ( يسير بالعرج ) هو بفتح المهملة واسكان الراء وبالجيم وهي قرية جامعة من عمل الفرع على نحو ثمانية وسبعين ميلا من المدينة قوله ( عن يحنس ) هو بضم الياء وفتح الحاء وتشديد النون مكسورة ومفتوحة والله أعلم

قسم V15/P014–V15/P015

1 ( باب تحريم اللعب بالنردشير ) قوله صلى الله عليه وسلم 2260 ( من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه ) قال العلماء النردشير هو النرد فالنرد عجمي معرب وشير معناه حلو وهذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد وقال أبو إسحاق المروزي من أصحابنا يكره ولا يحرم وأما الشطرنج فمذهبنا أنه مكروه ليس بحرام وهو مروي عن جماعة من التابعين وقال مالك وأحمد حرام قال مالك هو شر من النرد وألهى عن الخير وقاسوه على النرد وأصحابنا يمنعون القياس ويقولون هو دونه ومعنى صبغ يده في لحم الخنزير ودمه في حال أكله منهما وهو تشبيه لتحريمه بتحريم أكلهما والله أعلم 1 ( كتاب الرؤيا)

قسم V15/P015–V15/P035

قوله 2261 ( كنت أرى الرؤيا أعرى منها غير أني لا أزمل ) أما قوله أزمل فمعناه أغطى وألف كالمحموم وأما أعرى فبضم الهمزة وإسكان العين وفتح الراء أي أجم لخوفي من ظاهرها في معرفتي قال أهل اللغة يقال عرى الرجل بضم العين وتخفيف الراء يعرى إذا أصابه عراء بضم العين وبالمد وهو نفض الحمى وقيل رعدة قوله صلى الله عليه وسلم ( الرؤيا من الله والحلم من الشيطان أما الحلم فبضم الحاء وإسكان اللام والفعل منه حلم بفتح اللام وأما الرؤيا فمقصورة مهموزة ويجوز ترك همزها كنظائرها قال الإمام المازري مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة فاذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علما على أمور أخر يخلقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها فاذا خلق في قلب النائم الطيران وليس بطائر فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمرا على خلاف ما هو فيكون ذلك الإعتقاد علما على غيره كما يكون خلق الله سبحانه وتعالى الغيم علما على المطر والجميع خلق الله تعالى ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علما على ما يسر بغير حضرة الشيطان ويخلق ما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان فينسب إلى الشيطان مجازا لحضوره عندها وإن كان لا فعل له حقيقة وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم الرؤيا من الله والحلم من الشيطان لا على أن الشيطان يفعل شيئا فالرؤيا اسم للمحبوب والحلم اسم للمكروه هذا كلام المازرى وقال غيره أضاف الرؤيا المحبوبة إلى الله إضافة تشريف بخلاف المكروهة وان كانتا جميعا من خلق الله تعالى وتدبيره وبارادته ولا فعل للشيطان فيهما لكنه يحضر المكروهة ويرتضيها ويسر بها قوله صلى الله عليه وسلم ( فإذا حلم أحدكم حلما يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله من شرها فانها لن تضره ) أما حلم فبفتح اللام كما سبق بيانه والحلم بضم الحاء واسكان اللام وينفث بضم الفاء وكسرها واليسار بفتح الياء وكسرها وأما قوله صلى الله عليه وسلم فلينفث عن يساره ثلاثا وفي رواية فليبصق على يساره حين يهب من نومه ثلاث مرات وفي رواية فليتفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها ولا يحدث بها أحدا فإنها لا تضره وفي رواية فليبصق على يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه فحاصله ثلاثة أنه جاء فلينفث وفليبصق وفليتفل وأكثر الروايات فلينفث وقد سبق في كتاب الطب بيان الفرق بين هذه الألفاظ ومن قال أنها بمعنى ولعل المراد بالجميع النفث وهو نفخ لطيف بلا ريق ويكون التفل والبصق محمولين عليه مجازا وأما قوله صلى الله عليه وسلم فإنها لا تضره معناه أن الله تعالى جعل هذا سببا لسلامته من مكروه يترتب عليها كما جعل الصدقة وقاية للمال وسببا لدفع البلاء فينبغي أن يجمع بين هذه الروايات ويعمل بها كلها فاذا رأى ما يكرهه نفث عن يساره ثلاثا قائلا أعوذ بالله من الشيطان ومن شرها وليتحول إلى جنبه الآخر وليصل ركعتين فيكون قد عمل بجميع الروايات وان اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها بإذن الله تعالى كما صرحت به الأحاديث قال القاضي وأمر بالنفث ثلاثا طردا للشيطان الذي حضر رؤياه المكروهة تحقيرا له واستقذارا وخصت به اليسار لأنها محل الأقذار والمكروهات ونحوها واليمين ضدها وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الرؤيا المكروهة ولا يحدث بها أحدا فسببه أنه ربما فسرها تفسيرا مكروها على ظاهر صورتها وكان ذلك محتملا فوقعت كذلك بتقدير الله تعالى فان الرؤيا على رجل طائر ومعناه أنها اذا كانت محتملة وجهين ففسرت بأحدهما وقعت على قرب تلك الصفة قالوا وقد يكون ظاهر الرؤيا مكروها ويفسر بمحبوب وعكسه وهذا معروف لأهله وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الرؤيا المحبوبة الحسنه لا تخبر بها الا من تحب فسببه أنه اذا أخبر بها من لا يحب ربما حمله البغض أو الحسد على تفسيرها بمكروه فقد يقع على تلك الصفة والا فيحصل له في الحال حزن ونكد من سوء تفسيرها والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( حين يهب من نومه ) أي يستيقظ قوله صلى الله عليه وسلم ( الرؤيا الصالحة ورؤيا السوء ) قال القاضي يحتمل أن يكون معنى الصالحة والحسنة حسن ظاهرها ويحتمل أن المراد صحتها قال ورؤيا السوء يحتمل الوجهين أيضا سوء الظاهر وسوء التأويل قوله صلى الله عليه وسلم ( فان رأى رؤيا حسنة فليبشره ولا يخبر بها الا من يحب ) هكذا هو في معظم الاصول فليبشر بضم الياء وبعدها باء ساكنة من الابشار والبشرى وفي بعضها بفتح الياء وبالنون من النشر وهو الاشاعة قال القاضي في المشارق وفي الشرح هو تصحيف وفي بعضها فليستر بسين مهملة من الستر والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم 2263 ( اذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب ) قال الخطابي وغيره قيل المراد اذا قارب الزمان أن يعتدل ليله ونهاره وقيل المراد اذا قارب القيامة والأول أشهر عند أهل غير الرؤيا وجاء في حديث ما يؤيد الثاني والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ) ظاهره أنه على اطلاقه وحكى القاضي عن بعض العلماء أن هذا يكون في آخر الزمان عند انقطاع العلم وموت العلماء والصالحين ومن يستضاء بقوله وعمله فجعله الله تعالى جابرا وعوضا ومنبها لهم والأول أظهر لأن غير الصادق في حديثه يتطرق الخلل إلى رؤياه وحكايته اياها قوله صلى الله عليه وسلم ( ورؤيا المسلم جزء من خمسة واربعين جزءا من النبوة ) وفي 2263 2264 رواية رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وفي رواية الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة وفي رواية رؤيا الرجل الصالح جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة وفي 2265 رواية الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءا من النبوة فحصل ثلاث روايات المشهور ستة وأربعين والثانية خمسة وأربعين والثالثة سبعين جزءا وفي غير مسلم من رواية بن عباس من أربعين جزءا وفي رواية من تسعة وأربعين وفي رواية العباس من خمسين ومن رواية بن عمر ستة وعشرين ومن رواية عبادة من أربعة وأربعين قال القاضي أشار الطبري إلى أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي فالمؤمن الصالح تكون رؤياه جزءا من ستة وأربعين جزءا والفاسق جزءا من سبعين جزءا وقيل المراد أن الخفي منها جزء من سبعين والجلي جزء من ستة وأربعين قال الخطابي وغيره قال بعض العلماء أقام صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ثلاثا وعشرين سنة منها عشر سنين بالمدينة وثلاث عشرة بمكة وكان قبل ذلك ستة أشهر يرى في المنام الوحي وهي جزء من ستة وأربعين جزءا قال المازرى وقيل المراد أن للمنامات شبها مما حصل له وميز به من النبوة بجزء من ستة وأربعين قال وقد قدح بعضهم في الأول بأنه لم يثبت أن أمد رؤياه صلى الله عليه وسلم قبل النبوة ستة أشهر وبأنه رأى بعد النبوة منامات كثيرة فلتضم إلى الأشهر الستة وحينئذ تتغير النسبة قال المازرى هذا الاعتراض الثاني باطل لأن المنامات الموجودة بعد الوحي بإرسال الملك منغمره في الوحي فلم تحسب قال ويحتمل أن يكون المراد أن المنام فيه اخبار الغيب وهو احدى ثمرات النبوة وهو ليس في حد النبوة لأنه يجوز أن يبعث الله تعالى نبيا ليشرع الشرائع ويبين الأحكام ولا يخبر بغيب أبدا ولا يقدح ذلك في نبوته ولا يؤثر في مقصودها وهذا الجزء من النبوة وهو الاخبار بالغيب اذا وقع لا يكون الا صدقا والله أعلم قال الخطابي هذا الحديث توكيد لأمر الرؤيا وتحقيق منزلتها وقال وانما كانت جزءا من أجزاء النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم وكان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يوحي اليهم في منامهم كما يوحي اليهم في اليقظة قال الخطابي وقال بعض العلماء معنى الحديث أن الرؤيا تأتي على موافقة النبوة لأنها جزء باق من النبوة والله أعلم قوله ( وأحب القيد وأكره الغل ) والقيد ثبات في الدين قال العلماء انما أحب القيد لأنه في الرجلين وهو كف عن المعاصي والشرور وانواع الباطل وأما الغل فموضعه العنق وهو صفة أهل النار قال الله تعالى إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا وقال الله تعالى إذ الأغلال في أعناقهم وأما أهل العبارة فنزلوا هاتين اللفظتين منازل فقالوا اذا رأى القيد في رجليه وهو في مسجد أو مشهد خير أو على حالة حسنة فهو دليل لثباته في ذلك وكذا لورآه صاحب ولاية كان دليلا لثباته فيها ولو رآه مريض أو مسجون أو مسافر أو مكروب كان دليلا لثباته فيه قالوا ولو قارنه مكروه بأن يكون مع القيد غل غلب المكروه لأنها صفة المعذبين وأما الغل فهو مذموم إذا كان في العنق وقد يدل للولايات إذا كان معه قرائن كما أن كل وال يحشر مغلولا حتى يطلقه عدله فأما ان كان مغلول اليدين دون العنق فهو حسن ودليل لكفهما عن الشر وقد يدل على بخلهما وقد يدل على منع ما نواه من الأفعال قوله صلى الله عليه وسلم 2266 ( من رآني في المنام فقد رآني فان الشيطان لا يتمثل بي ) وفي رواية من رآني في المنام فقد رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي وفي رواية لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي وفي 2267 رواية من رآني فقد رأى الحق وفي رواية من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو لكأنما رآني في اليقظة اختلف العلماء في معنى قوله صلى الله عليه وسلم فقد رآني فقال بن الباقلاني معناه أن رؤياه صحيحة ليست بأضغاث ولا من تشبيهات الشيطان ويؤيد قوله رواية فقد رأى الحق أي الروية الصحيحة قال وقد يراه الرائي على خلاف صفته المعروفة كمن رآه أبيض اللحية وقد يراه شخصان في زمن واحد أحدهما في المشرق والآخر في المغرب ويراه كل منهما في مكانه وحكى المازرى هذا عن بن الباقلاني ثم قال وقال آخرون بل الحديث على ظاهره والمراد أن من رآه فقد أدركه ولا مانع يمنع من ذلك والعقل لا يحيله حتى يضطر إلى صرفه عن ظاهره فأما قوله بأنه قد يرى على خلاف صفته أو في مكانين معا فان ذلك غلط في صفاته وتخيل لها على خلاف ما هي عليه وقد يظن الظان بعض الخيالات مرئيا لكون ما يتخيل مرتبطا بما يرى في العادة فيكون ذاته صلى الله عليه وسلم مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية والادراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافة ولا كون المرئي مدفونا في الأرض ولا ظاهرا عليها وإنما يشترط كونه موجودا ولم يقم دليل على فناء جسمه صلى الله عليه وسلم بل جاء في الأحاديث ما يقتضي بقاءه قال ولو رآه يأمر بقتل من يحرم قتله كان هذا من الصفات المتخيلة لا المرئية هذا كلام المازري 2268 قال القاضي ويحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم فقد رآني أو فقد رأى الحق فان الشيطان لا يتمثل في صورتي المراد به اذا رآه على صفته المعروفة له في حياته فان رأى على خلافها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة وهذا الذي قاله القاضي ضعيف بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها لما ذكره المازرى قال القاضي قال بعض العلماء خص الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بأن رؤية الناس اياه صحيحة وكلها صدق ومنع الشيطان أن يتصور في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم كما خرق الله تعالى العادة للأنبياء عليهم السلام بالمعجزة وكما استحال أن يتصور الشيطان في صورته في اليقظة ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل ولم يوثق بما جاء به مخافة من هذا التصور فحماها الله تعالى من الشيطان ونزغه ووسوسته وإلقائه وكيده قال وكذ حمى رؤيتهم نفسهم قال القاضي واتفق العلماء على جواز رؤية الله تعالى في المنام وصحتها وان رآه الانسان على صفة لا تليق بحاله من صفات الأجسام لأن ذلك المرئي غير ذات الله تعالى إذ لا يجوز عليه سبحانه وتعالى التجسم ولا اختلاف الأحوال بخلاف رؤية النبي صلى الله عليه وسلم قال بن الباقلاني رؤية الله تعالى في المنام خواطر في القلب وهي دلالات للرأي على أمور مما كان أو يكون كسائر المرئيات والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو لكأنما رآني في اليقظة قال العلماء إن كان الواقع في نفس الأمر فكأنما رآني فهو كقوله صلى الله عليه وسلم فقد رآني أو فقد رأى الحق كما سبق تفسيره وان كان سيراني في اليقظة ففيه أقوال أحدها المراد به أهل عصره ومعناه أن من رآه في النوم ولم يكن هاجر يوفقه الله تعالى للهجرة ورؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة عيانا والثاني معناه أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة لأنه يراه في الآخرة جميع أمته من رآه في الدنيا ومن لم يره والثالث يراه في الآخرة رؤية خاصته في القرب منه وحصول شفاعته ونحو ذلك والله أعلم قوله ( ان أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني حلمت أن رأسي قطع فأنا أتبعه فزجره النبي صلى الله عليه وسلم وقال لا تخبر بتلعب الشيطان بك في المنام ) قال المازرى يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن منامه هذا من الأضغاث بوحي أوبدلالة من المنام دلته على ذلك أو على أنه من المكروه الذي هو من تحزين الشياطين وأما العابرون فيتكلمون في كتبهم على قطع الرأس ويجعلونه دلالة على مفارقة الرائي ما هو فيه من النعم أو مفارقة من فوقه ويزول سلطانه ويتغير حاله في جميع أموره إلا أن يكون عبدا فيدل على عتقه أو مريضا فعلى شفائه أو مديونا فعلى قضاء دينه أو من لم يحج فعلى أنه يحج أو مغموما فعلى فرحه أو خائفا فعلى أمنه والله أعلم قوله 2269 ( أرى الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم وأرى سببا واصلا ) أما الظلة فهي السحابة وتنطف بضم الطاء وكسرها أي تقطر قليلا قليلا ويتكففون يأخذون بأكفهم والسبب الحبل والواصل بمعنى الموصول وأما الليلة فقال ثعلب وغيره يقال رأيت الليلة من الصباح إلى زوال الشمس ومن الزوال إلى الليل رأيت البارحة قوله صلى الله عليه وسلم ( أصبت بعضا وأخطأت بعضا ) اختلف العلماء في معناه فقال بن قتيبة وآخرون معناه أصبت في بيان تفسيرها وصادفت حقيقة تأويلها وأخطأت في مبادرتك بتفسيرها من غير أن آمرك به وقال آخرون هذا الذي قاله بن قتيبة وموافقوه فاسد لأنه صلى الله عليه وسلم قد أذن له في ذلك وقال أعبرها وانما أخطأ في تركه تفسير بعضها فان الرائي قال رأيت ظلة تنطف السمن والعسل ففسره الصديق رضي الله عنه بالقرآن حلاوته ولينه وهذا انما هو تفسير العسل وترك تفسير السمن وتفسيره السنة فكان حقه أن يقول القرآن والسنة وإلى هذا أشار الطحاوي وقال آخرون الخطأ وقع في خلع عثمان لأنه ذكر في المنام أنه أخذ بالسبب فانقطع به وذلك يدل على انخلاعه بنفسه وفسره الصديق بأنه يأخذ به رجل فينقطع به ثم يوصل له فيعلو به وعثمان قد خلع قهرا وقتل وولى غيره فالصواب في تفسيره أن يحمل وصله على ولاية غيره من قومه وقال آخرون الخطأ في سؤاله ليعبرها قوله ( فوالله يارسول الله لتحدثني ما الذي أخطأت قال لا تقسم ) هذا الحديث دليل لما قاله العلماء أن إبرار المقسم المأمور به في الأحاديث الصحيحة انما هو اذا لم تكن في الابرار مفسدة ولا مشقة ظاهرة فان كان لم يؤمر بالابرار لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبر قسم أبي بكر لما رأى في إبراره من المفسدة ولعل المفسدة ما علمه من سبب انقطاع السبب مع عثمان وهو قتله وتلك الحروب والفتن المترتبة عليه فكره ذكرها مخافة من شيوعها أو أن المفسدة لو أنكر عليه مبادرته ووبخه بين الناس أو أنه أخطأ في ترك تعيين الرجال الذين يأخذون بالسبب بعد النبي صلى الله عليه وسلم وكان في بيانه صلى الله عليه وسلم أعيانهم مفسدة والله أعلم وفي هذا الحديث جواز عبر الرؤيا وأن عابرها قد يصيب وقد يخطئ وأن الرؤيا ليست لأول عابر على الاطلاق وانما ذلك اذا أصاب وجهها وفيه أنه لا يستحب إبرار المقسم اذا كان فيه مفسدة أو مشقة ظاهرة قال القاضي وفيه أن من قال أقسم لا كفارة عليه لأن أبا بكر لم يزد على قوله أقسم وهذا الذي قاله القاضي عجب فان الذي في جميع نسخ صحيح مسلم أنه قال فوالله يارسول الله لتحدثني وهذا صريح يمين وليس فيها أقسم والله أعلم قال القاضي قيل لمالك أيعبر الرجل الرؤيا على الخير وهي عنده على الشر فقال معاذ الله أبالنبوة يتلعب هي من أجزاء النبوة قوله ( كان مما يقول لأصحابه من رأى منكم رؤيا ) قال القاضي معنى هذه اللفظة عندهم كثيرا ما كان يفعل كذا كأنه قال من شأنه وفي الحديث الحث على علم الرؤيا والسؤال عنها وتأويلها قال العلماء وسؤالهم محمول على أنه صلى الله عليه وسلم يعلمهم تأويلها وفضيلتها واشتمالها على ما شاء الله تعالى من الاخبار بالغيب قوله 2270 ( برطب من رطب بن طاب ) هو نوع من الرطب معروف يقال له رطب بن طاب وتمر بن طاب وعذق بن طاب وعرجون بن طاب وهي مضاف إلى بن طاب رجل من أهل المدينة قوله صلى الله عليه وسلم ( وان ديننا قد طاب ) أي كمل واستقرت أحكامه وتمهدت قواعده قوله صلى الله عليه وسلم 2272 ( رأيت في المنام اني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فاذا هي المدينة يثرب ) أما الوهل فبفتح الهاء ومعناه وهمى واعتقادي وهجر مدينة معروفة وهي قاعدة البحرين وهي معروفة سبق بيانها في كتاب الايمان وأما يثرب فهو اسمها في الجاهلية فسماها الله تعالى المدينة وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة وطابة وقد سبق شرحه مبسوطا في آخر كتاب الحج وقد جاء في حديث النهي عن تسميتها يثرب لكراهة لفظ التثريب ولأنه من تسمية الجاهلية وسماها في هذا الحديث يثرب فقيل يحتمل أن هذا كان قبل النهي وقيل لبيان الجواز وأن النهي للتنزيه لا للتحريم وقيل خوطب به من يعرفها به ولهذا جمع بينه وبين اسمه الشرعي فقال المدينة يثرب قوله صلى الله عليه وسلم ( ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره فاذا هو ما أصيب من المسلمين يوم أحد ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان ) أما هززت وهززته فوقع في معظم النسخ بالزائين فيهما وفي بعضها هزت وهزته بزاي واحدة مشددة وإسكان التاء وهي لغة صحيحة قال العلماء وتفسيره صلى الله عليه وسلم هذه الرؤيا بما ذكره لأن سيف الرجل أنصاره الذين يصول بهم كما يصول بسيفه وقد يفسر السيف في غير هذا بالولد والوالد والعم أو الأخ أو الزوجة وقد يدل على الولاية أو الوديعة وعلى لسان الرجل وحجته وقد يدل على سلطان جائر وكل ذلك بحسب قرائن تنضم تشهد لأحد هذه المعاني في الرائي أو في الرؤية قوله صلى الله عليه وسلم ( ورأيت فيها أيضا بقرا والله خير فاذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد وإذا الخير ماجاء الله به من الخير بعد وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر ) قد جاء في غير مسلم زيادة في هذا الحديث ورأيت بقرا تنحر وبهذه الزيادة يتم تأويل الرؤيا بما ذكر فنحر البقر هو قتل الصحابة رضي الله عنهم الذين قتلوا بأحد قال القاضي عياض ضبطنا هذا الحرف عن جميع الرواة والله خير رفع الهاء والراء على المبتدأ والخبر وبعد يوم بدر بضم دال بعد ونصب يوم قال وروى بنصب الدال قالوا ومعناه ما جاء الله به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين لأن الناس جمعوا لهم وخوفوهم فزادهم ذلك ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء وتفرق العدو عنهم هيبة لهم قال القاضي قال أكثر شراح الحديث معناه ثواب الله خير أي صنع الله بالمقتولين خير لهم من بقائهم في الدنيا قال القاضي والاولي قول من قال والله خير من جملة الرؤيا وكلمة ألقيت إليه وسمعها في الرؤيا عند رؤياه البقر بدليل تأويله لها بقوله صلى الله عليه وسلم وإذا الخير ما جاء الله والله أعلم قوله 2273 ( ان مسيلمة الكذاب ورد المدينة في عدد كثير فجاء إليه النبي صلى الله عليه وسلم ) قال العلماء إنما جاءه تألفا له ولقومه رجاء إسلامهم وليبلغ ما أنزل إليه قال القاضي ويحتمل أن سبب مجيئه إليه أن مسيلمة قصده من بلده للقائه فجاءه مكافأة له قال وكان مسيلمة إذ ذاك يظهر الاسلام وإنما ظهر كفره وارتداده بعد ذلك قال وقد جاء في حديث آخر أنه هو أتى النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أنهما مرتان قوله صلى الله عليه وسلم لمسيلمة ( ولن أتعدى أمر الله فيك ) فهكذا وقع في جميع نسخ مسلم ووقع في البخاري ولن تعدو أمر الله فيك قال القاضي هما صحيحان فمعنى الأول لن أعدو أنا أمر الله فيك من أني لا أجيبك إلى ما طلبته مما لا ينبغي لك من الاستخلاف أو المشاركة ومن أني أبلغ ما أنزل إلي وأدفع أمرك بالتي هي أحسن ومعنى الثاني ولن تعدو أنت أمر الله في خيبتك فيما أملته من النبوة وهلاكك دون ذلك أو فيما سبق من قضاء الله تعالى وقدره في شقاوتك والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ولئن أدبرت ليعقرنك الله ) أي إن أدبرت عن طاعتي ليقتلنك الله والعقر القتل وعقروا الناقة قتلوها وقتله الله تعالى يوم اليمامة وهذا من معجزات النبوة قوله صلى الله عليه وسلم ( وهذا ثابت يجيبك عني ) قال العلماء كان ثابت بن قيس خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاوب الوفود عن خطبهم وتشدقهم قوله صلى الله عليه وسلم 2274 ( فأولتهما كذابين يخرجان بعدي فكان أحدهما العنسى صاحب صنعاء والآخر مسيلمة صاحب اليمامة ) قال العلماء المراد بقوله صلى الله عليه وسلم يخرجان بعدي أي يظهران شوكتهما أو محاربتهما ودعواهما النبوة وإلا فقد كانا في زمنه قوله صلى الله عليه وسلم ( رأيت في يدي سوارين ) وفي الرواية الأخرى فوضع في يدي أسوارين قال أهل اللغة يقال سوار بكسر السين وضمها وأسوار بضم الهمز ثلاث لغلات ووقع في جميع النسخ في الرواية الثانية أسوارين فيكون وضع بفتح الواو والضاد وفيه ضمير الفاعل أي وضع الآتي بخزائن الأرض في يدي أسوارين فهذا هو الصواب وضبطه بعضهم فوضع بضم الواو وهو ضعيف لنصب اسوارين وإن كان يتخرج على وجه ضعيف وقوله يدي هو بتشديد الياء على التثنية قوله صلى الله عليه سلم ( فأوحى إلي أن انفخهما ) هو بالخاء المعجمة ونفخه صلى الله عليه وسلم إياهما فطارا دليل لانمحاقهما واضمحلال أمرها وكان كذلك وهو من المعجزات قوله ( أوتيت خزائن الأرض ) وفي بعض النسخ أتيت بخزائن الأرض وفي بعضها أتيت خزائن الأرض وهذه محمولة على التي قبلها وفي غير مسلم مفاتيح خزائن الأرض قال العلماء هذا محمول على سلطانها وملكها وفتح بلادها وأخذ خزائن أموالها وقد وقع ذلك كله ولله الحمد وهو من المعجزات قوله ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم 2275 ( إذا صلى الصبح أقبل عليهم بوجهه فقال هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا ) هكذا هو في جميع نسخ مسلم البارحة فيه دليل لجواز اطلاق البارحة على الليلة الماضية وان كان قبل الزوال وقول ثعلب وغيره انه لا يقال البارحة إلا بعد الزوال يحتمل أنهم أرادوا أن هذا حقيقته ولا يمتنع إطلاقه قبل الزوال مجازا ويحملون الحديث على المجاز وإلا فمذهبهم باطل بهذا الحديث وفيه دليل لاستحباب إقبال الامام المصلي بعد سلامه على أصحابه وفيه استحباب السؤال عن الرؤيا والمبادرة إلى تأويلها وتعجيلها أول النهار لهذا الحديث ولأن الذهن جمع قبل أن يتشعب باشغاله في معايش الدنيا ولأن عهد الرائي قريب لم يطرأ عليه ما يهوش الرؤيا عليه ولأنه قد يكون فيها ما يستحب تعجيله كالحث على خير أو التحذير من معصية ونحو ذلك وفيه إباحة الكلام في العلم وتفسير الرؤيا ونحوهما بعد صلاة الصبح وفيه أن استدبار القبلة في جلوسه للعلم أو غيره مباح والله أعلم

قسم V15/P035–V15/P037

1 ( كتاب الفضائل ) 1 ( باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم ( وتسليم الحجر عليه قبل النبوة) 2276 قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله اصطفى كنانة ) إلى آخره استدل به أصحابنا على أن غير قريش من العرب ليس بكفء لهم ولا غير بني هاشم كفؤ لهم إلا بني المطلب فانهم هم وبنو هاشم شيء واحد كما صرح به في الحديث الصحيح والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم 2277 ( إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن ) فيه معجزة له صلى الله عليه وسلم وفي هذا إثبات التمييز في بعض الجمادات وهو موافق لقوله تعالى في الحجارة وإن منها لما يهبط من خشية الله وقوله تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده وفي هذه الآية خلاف مشهور والصحيح أنه يسبح ) حقيقة ويجعل الله تعالى فيه تمييزا بحسبه كما ذكرنا ومنه الحجر الذي فر بثوب موسى صلى الله عليه وسلم وكلام الذراع المسمومة ومشى إحدى الشجرتين إلى الأخرى حين دعاهما النبي صلى الله عليه وسلم وأشباه ذلك 1 ( باب تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق ) قوله صلى الله عليه وسلم 2278 ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع ) قال الهروي السيد هو الذي يفوق قومه في الخير وقال غيره هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد فيقوم بأمرهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم وأما قوله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة فسبب التقييد أن في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد ولا يبقى مناع ولا معاند ونحوه بخلاف الدنيا فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين وهذا التقييد قريب من معنى قوله تعالى لمن الملك اليوم لله الواحد القهار مع أن الملك له سبحانه قبل ذلك لكن كان في الدنيا من يدعى الملك أو من يضاف إليه مجازا فانقطع كل ذلك في الآخرة قال العلماء وقوله صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم لم يقله فخرا بل صرح بنفي الفخر في غير مسلم في الحديث المشهور أنا سيد ولد أدم ولا فخر وانما قاله لوجهين أحدهما امتثال قوله تعالى وأما بنعمة ربك فحدث والثاني أنه من البيان الذي يجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه ويعتقدوه ويعملوا بمقتضاه ويوقروه صلى الله عليه وسلم بما تقتضي مرتبته كما أمرهم الله تعالى وهذا الحديث دليل لتفضيله صلى الله عليه وسلم على الخلق كلهم لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة وهو صلى الله عليه وسلم أفضل الآدميين وغيرهم وأما الحديث الآخر لا تفضلوا بين الأنبياء فجوابه من خمسة أوجه أحدهما أنه صلى الله عليه وسلم قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم فلما علم أخبر به والثاني قاله أدبا وتواضعا والثالث أن النهي انما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول والرابع انما نهي عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة كما هو المشهور في سبب الحديث والخامس أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوة فلا تفاضل فيها وانما التفاضل بالخصائص وفضائل أخرى ولا بد من اعتقاد التفضيل فقد قال الله تعالي تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض قوله صلى الله عليه وسلم ( وأول شافع وأول مشفع ) انما ذكر الثاني لأنه قد يشفع اثنان فيشفع الثاني منهما قبل الأول والله أعلم 1 ( باب في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم )

قسم V15/P037–V15/P043

قوله في هذه الأحاديث في نبع الماء من بين أصابعه وتكثيره وتكثير الطعام هذه كلها معجزات ظاهرات وجدت من رسول الله صلي الله عليه وسلم في مواطن مختلفة وعلى أحوال متغايرة وبلغ مجموعها التواتر وأما تكثير الماء فقد صح من رواية أنس وبن مسعود وجابر وعمران بن الحصين وكذا تكثير الطعام وجد منه صلى الله عليه وسلم في مواطن مختلفة وعلى أحوال كثيرة وصفات متنوعة وقد سبق في كتاب الرقى بيان حقيقة المعجزة والفرق بينها وبين الكرامة وسبق قبل ذلك بيان كيفية تكثير الطعام وغيره قوله 2279 ( فأتى بقدح رحراح ) هو بفتح الراء واسكان الحاء المهملة ويقال له رحرح بحذف الألف وهو الواسع القصير الجدار قوله ( فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه ) هو بضم الباء وفتحها وكسرها ثلاث لغات وفي كيفية هذا النبع قولان حكاهما القاضي وغيره أحدهما ونقله القاضي عن المزتي وأكثر العلماء أن معناه أن الماء كان يخرج من نفس أصابعه صلى الله عليه وسلم وينبع من ذاتها قالوا وهو أعظم في المعجزة من نبعه من حجر ويؤيد هذا أنه جاء في رواية فرأيت الماء ينبع من أصابعه والثاني يحتمل أن الله كثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه لا من نفسها وكلاهما معجزة ظاهرة وآية باهرة قوله ( فالتمس الناس الوضوء ) هو بفتح الواو على المشهور وهو الماءالذي يتوضأ به وسبق بيان لغاته في كتاب الطهارة قوله ( حتى توضؤا من عند آخرهم ) هكذا هو في الصحيحين من عند آخرهم وهو صحيح ومن هنا بمعنى إلى وهي لغة قوله ( كانوا زهاء الثلاثمائة ) أما زهاء فبضم الزاي وبالمد أي قدر ثلاثمائة ويقال أيضا لها باللام وقال في هذه الرواية ثلاثمائة وفي الرواية التي قبلها ما بين الستين إلى الثمانين قال العلماء هما قضيتان جرتا في وقتين ورواهما جميعا أنس وأما قوله الثلاثمائة فهكذا هو في جميع النسخ الثلاثمائة وهو صحيح وسبق شرحه في كتاب الايمان في حديث حذيفة اكتبوا لي كم بلفظ الاسلام قوله ( لا يغمر أصابعه ) أي لا يغطيها قوله ( والمسجد فيما ثمة ) هكذا هو في جميع النسخ ثمة قال أهل اللغة ثم بفتح الثاء وثمة بفتح الهاء بمعنى هناك وهنا فثم للبعيد وثمة للقريب قوله صلى الله عليه وسلم 2280 ( لو تركتيها ما زال قائما ) أي موجودا حاضرا قوله في حديث غزوة تبوك 706 ( كان يجمع الصلاة ) إلى آخره هذا الحديث سبق في كتاب الصلاة وفيه هذه المعجزة الظاهرة في تكثير الماء وفيه الجمع بين الصلاتين في السفر قوله ( والعين مثل الشراك تبض ) هكذا ضبطناه هنا تبض بفتح التاء وكسر الموحدة وتشديد الضاد المعجمة ونقل القاضي اتفاق الرواة هنا على أنه بالضاد المعجمة ومعناه تسيل واختلفوا في ضبطه هناك فضبطه بعضهم بالمعجمة وبعضهم بالمهملة أي تبرق والشراك بكسر الشين وهو سير النعل ومعناه ماء قليل جدا قوله ( فجرت العين بماء منهمر ) أي كثير الصب والدفع قوله صلى الله عليه وسلم ( قد ملئ جنانا ) أي بساتين وعمرانا وهو جمع جنة وهو أيضا من المعجزات قوله في حديث المرأة انها حين عصرت العكة ذهبت بركة السمن وفي حديث الرجل حين كان الشعير فني ومثله حديث عائشة حين كالت الشعير ففني قال العلماء الحكمة في ذلك أن عصرها وكيله مضادة للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى ويتضمن التدبير والأخذ بالحول والقوة وتكلف الاحاطة بأسرار حكم الله تعالى وفضله فعوقب فاعله بزواله قوله صلى الله عليه وسلم في الحديقة 1392 ( اخرصوها ) هو بضم الراء وكسرها والضم أشهر أي احزروا كم يجيء من تمرها فيه استحباب امتحان العالم أصحابه بمثل هذا التمرين والحديقة البستان من النخل اذا كان عليه حائط قوله صلى الله عليه وسلم ( ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقم فيها أحد فمن كان له بعير فليشد عقاله فهبت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلى طئ ) هذا الحديث فيه هذه المعجزة الظاهرة من أخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيب وخوف الضرر من القيام وقت الريح وفيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الشفقة على أمته والرحمة لهم والاعتناء بمصالحهم وتحديرهم ما يضرهم في دين أو دنيا وانما أمر بشد عقل الجمال لئلا ينفلت منها شيء فيحتاج صاحبه إلى القيام في طلبه فيلحقه ضرر الريح وجبلا طئ مشهوران يقال لأحدهما أجاء بفتح الهمزة والجيم وبالهمز والآخر سلمى بفتح السين وطىء بياء مشددة بعدها همزة على وزن سيد وهو أبو قبيله من اليمن وهو طئ بن أدر بن زيد بن كهلان بن سبأ بن حمير قال صاحب التحرير وطيئ بهمز ولا يهمز لغتان قوله ( وجاء رسول بن العلماء ) بفتح العين المهملة واسكان اللام وبالمد قوله ( وأهدى له بغلة بيضاء ) فيه قبول هدية الكافر وسبق بيان هذا الحديث وما يعارضه في الظاهر وجمعنا بينهما وهذه البغلة هي دلدل بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم المعروفة لكن ظاهر لفظه هنا أنه أهداها للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وقد كانت غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة وقد كانت هذه البغلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك وحضر عليها غزاة حنين كما هو مشهور في الأحاديث الصحيحة وكانت حنين عقب فتح مكة سنة ثمان قال القاضي ولم يرو أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة غيرها قال فيحمل قوله على أنه أهداها له قبل ذلك وقد عطف الاهداء على المجيء بالواو وهي لا تقتضي الترتيب والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وهذا أحد وهو جبل يحبنا ونحبه ) سبق شرحه في آخر كتاب الحج قوله صلي الله عليه وسلم ( خير دور الانصار دار بني النجار ) قال القاضي المراد أهل الدور والمراد القبائل وانما فضل بني النجار لسبقهم في الاسلام وآثارهم الجميلة في الدين قوله ( ثم دار بني عبد الحارث بن خزرج ) هكذا هو في النسخ بني عبد الحارث وكذا نقله القاضي قال وهو خطأ من الرواة وصوابه بني الحارث بحذف لفظة عبد قوله ( وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم ببحرهم ) أي ببلدهم والبحار القرى

قسم V15/P043–V15/P045

1 ( باب توكله على الله تعالي وعصمة الله تعالى له من الناس ) فيه حديث جابر ففيه بيان توكل النبي صلى الله عليه وسلم على الله وعصمة الله تعالى له من الناس كما قال الله تعالى والله يعصمك من الناس وفيه جواز الاستظلال بأشجار البوادي وتعليق السلاح وغيره فيها وجوازا لمن على الكافر الحربي واطلاقه وفيه الحث على مراقبة الله تعالى والعفو والحلم ومقابلة السيئة بالحسنة قوله 843 ( في واد كثير العضاه ) هو بالعين المهملة والضاد المعجمة وهي كل شجرة ذات شوك قوله صلى الله عليه وسلم ( ان رجلا أتاني ) قال العلماء هذا الرجل اسمه غورث بغين معجمة وثاء مثلثة والغين مضمومة ومفتوحة وحكى القاضي الوجهين ثم قال الصواب الفتح قال وضبطه بعض رواة البخاري بالعين المهملة والصواب المعجمة وقال الخطابي هو غويرث أو غورث على التصغير والشك وهو غورث بن الحارث قال القاضي وقد جاء في حديث آخر مثل هذا الخبر وسمى الرجل فيه دعثورا قوله صلى الله عليه وسلم ( والسيف صلتا في يده إلى قوله فشام السيف ) أما صلتا فبفتح الصاد وضمها أي مسلولا وأما شامه فبالشين المعجمة ومعناه غمده ورده في غمده يقال شام السيف اذا سله واذا أغمده فهو من الأضداد والمراد هنا أغمده 1 ( باب بيان مثل ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم قوله صلى الله عليه وسلم )

قسم V15/P045–V15/P047

2282 ( ان مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا وأصاب طائفة منها أخرى انما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) أما الغيث فهو المطر وأما العشب والكلأ والحشيش فكلها أسماء للنبات لكن الحشيش مختص باليابس والعشب والكلأ مقصورا مختصان بالرطب والكلأ بالهمز يقع على اليابس والرطب وقال الخطابي وبن فارس الكلأ يقع على اليابس وهذا شاذ ضعيف وأما الأجادب فبالجيم والدال المهملة وهي الأرض التي لا تنبت كلأ وقال الخطابي هي الأرض التي تمسك الماء فلا يسرع فيه النضوب قال بن بطال وصاحب المطالع وآخرون هو جمع جدب على غير قياس كما قالوا في حسن جمعه محاسن والقياس أن محاسن جمع محسن وكذا قالوا مشابه جمع شبه وقياسه أن يكون جمع مشبه قال الخطابي وقال بعضهم أحادب بالحاء المهملة والدال قال وليس بشيء قال وقال بعضهم أجارد بالجيم والراء والدال قال وهو صحيح المعنى ان ساعدته الرواية قال الأصمعي الأجارد من الأرض مالا ينبت الكلأ معناه أنها جرداء هزرة لا يسترها النبات قال وقال بعضهم انما هي اخاذات بالخاء والذال المعجمتين وبالألف وهو جمع اخاذة وهي الغدير الذي يمسك الماء وذكر صاحب المطالع هذه الأوجه التي ذكرها الخطابي فجعلها روايات منقولة وقال القاضي في الشرح لم يرد هذا الحرف في مسلم ولا في غيره إلا بالدال المهملة من الجدب الذي هو ضد الخصب قال وعليه شرح الشارحون وأما القيعان فبكسر القاف جمع القاع وهو الأرض المستوية وقيل الملساء وقيل التي لا نبات فيها وهذا هو المراد في هذا الحديث كما صرح به صلى الله عليه وسلم ويجمع أيضا على أقوع وأقواع والقيعة بكسر القاف بمعنى القاع قال الأصمعي قاعة الدار ساحتها وأما الفقه في اللغة فهو الفهم يقال منه فقه بكسر القاف يفقه فقها بفتحها كفرح يفرح فرحا وقيل المصدر فقها باسكان القاف وأما الفقه الشرعي فقال صاحب العين والهروي وغيرهما يقال منه فقه بضم القاف وقال بن دريد بكسرها كالأول والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم فقه في دين الله هذا الثاني فيكون مضموم القاف على المشهور وعلي قول بن دريد بكسرها وقد روى بالوجهين والمشهور الضم وأما قوله صلى الله عليه وسلم فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فهكذا هو في جميع نسخ مسلم طائفة طيبة ووقع في البخاري فكان منه نقية قبلت الماء بنون مفتوحة ثم قاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحت مشددة وهو بمعنى طيبة هذا هو المشهور في روايات البخاري ورواه الخطابي وغيره ثغبة بالثاء المثلثة والغين المعجمة والباء الموحدة قال الخطابي هو مستنقع الماء في الجبال والصخور وهو الثغب أيضا وجمعه ثغبان قال القاضي وصاحب المطالع هذه الرواية غلط من الناقلين وتصحيف واحالة للمعنى لأنه انما جعلت هذه الطائفة الأولى مثلا لما ينبت والثغبة لا تنبت وأما قوله صلى الله عليه وسلم وسقوا فقال أهل اللغة سقى وأسقى بمعنى لغتان وقيل سقاه ناوله ليشرب وأسقاه جعل له سقيا وأما قوله صلي الله عليه وسلم ورعوا فهو بالراء من الرعي هكذا هو في جميع نسخ مسلم ووقع في البخاري وزرعوا وكلاهما صحيح والله أعلم أما معاني الحديث ومقصوده فهو تمثيل الهدى الذي جاء به صلى الله عليه وسلم بالغيث ومعناه أن الأرض ثلاثة أنواع وكذلك الناس فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر فيحيى بعد أن كان ميتا وينبت الكلأ فتنتفع بها الناس والدواب والزرع وغيرها وكذا النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيا قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع والنوع الثاني من الأرض مالا تقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة وهي امساك الماء لغيرها فينتفع بها الناس والدواب وكذا النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أفهام ثاقبة ولا رسوخ لهم في العقل يستنبطون به المعاني والأحكام وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم أهل للنفع والانتفاع فيأخذه منهم فينتفع به فهؤلاء نفعوا بما بلغهم والنوع الثالث من الأرض السباخ التي لا تنبت ونحوها فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع بها غيرها وكذا النوع الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية فاذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لنفع غيرهم والله أعلم وفي هذا الحديث أنواع من العلم منها ضرب الأمثال ومنها فضل العلم والتعليم وشدة الحث عليهما وذم الإعراض عن العلم والله أعلم

قسم V15/P047–V15/P051

1 ( باب شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم) قوله صلى الله عليه وسلم 2283 ( لأني أنا النذير العريان ) قال العلماء أصله أن الرجل اذا أراد إنذار قومه واعلامهم بما يوجب المخافة نزع ثوبه وأشار به اليهم اذا كان بعيدا منهم ليخبرهم بمادهمهم وأكثر ما يفعل هذا ربيئة القوم وهو طليعتهم ورقيبهم قالوا وانما يفعل ذلك لأنه أبين للناظر وأغرب وأشنع منظرا فهو أبلغ في استحثاثهم في التأهب للعدو وقيل معناه أنا النذير الذي أدركني جيش العدو فأخذ ثيابي فأنا أنذركم عريانا قوله ( فالنجاء ) ممدود أي انجوا النجاء أو اطلبوا النجاء قال القاضي المعروف في النجاء إذا أفرد المد وحكى أبو زيد فيه القصر أيضا فاذا ما كرروه فقالوا النجاء النجاء ففيه المد والقصر معا قوله صلى الله عليه وسلم ( فادلجوا فانطلقوا على مهلتهم ) أما أدلجوا فباسكان الدال ومعناه ساروا من أول الليل يقال أدلجت باسكان الدال إدلاجا كأكرمت إكراما والاسم الدلجة بفتح الدال فان خرجت من آخر الليل قلت ادلجت بتشديد الدال أدلج إدلاجا بالتشديد أيضا والاسم الدلجة بضم الدال قال بن قتيبة وغيره ومنهم من يجيز الوجهين في كل واحد منهما وأماقوله على مهلتهم هكذا هو في جميع نسخ مسلم بضم الميم وإسكان الهاء وبتاء بعد اللام وفي الجمع بين الصحيحين مهلهم بحذف التاء وفتح الميم والهاء وهما صحيحان قوله ( فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم ) أي استأصلهم قوله صلى الله عليه وسلم ( فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها ) 2284 وفي رواية الدواب والفراش وفي رواية أنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيها 2285 وفي رواية وأنتم تفلتون من يدي أما الفراش فقال الخليل هو الذي يطير كالبعوض وقال غيره ما تراه كصغار البق يتهافت في النار وأما الجنادب فجمع جندب وفيها ثلاث لغات جندب بضم الدال وفتحها والجيم مضمومة فيهما والثالثة حكاه القاضي بكسر الجيم وفتح الدال والجنادب هذا الصرار الذي يشبه الجراد وقال أبو حاتم الجندب على خلقة الجراد له أربعة أجنحة كالجرادة وأصغر منها يطير ويصر بالليل صرا شديدا وقيل غيره وأما التقحم فهو الاقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت والحجز جمع حجزة وهي معقد الازار والسراويل وأما قوله صلى الله عليه وسلم وأنا آخذ بحجزكم فروى بوجهين أحدهما إسم فاعل بكسر الخاء وتنوين الذال والثاني فعل مضارع بضم الذال بلا تنوين والأول أشهر وهما صحيحان وأما تفلتون فروي بوجهين أحدهما فتح التاء والفاء المشددة والثاني ضم التاء وإسكان الفاء وكسر اللام المخففة وكلاهما صحيح يقال أفلت مني وتفلت إذا نازعك الغلبة والهرب ثم غلب وهرب ومقصود الحديث أنه صلى الله عليه وسلم شبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نارالآخرة وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم وقبضه على مواضع المنع منهم بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه وضعف تمييزه وكلاهما حريص على هلاك نفسه ساع في ذلك لجهله قوله ( حدثنا سليم عن سعيد ) هو بفتح السين وكسر اللام وهو سليم بن حبان 1 (باب ذكر كونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ) 2286 2287 في الباب قوله صلى الله عليه وسلم ( مثلي ومثل الأنبياء من قبلى إلى قوله فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين فيه فضيلته صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم النبيين وجواز ضرب الأمثال في العلم وغيره واللبنة بفتح اللام ) وكسر الباء ويجوز إسكان الباء مع فتح اللام وكسرها كما في نظائرها والله أعلم 1 ( باب اذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها )

قسم V15/P051–V15/P052

قال مسلمة 2288 ( وحدثت عن أبي أسامة وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا أبو أسامة إلى آخره ) قال المازري والقاضي هذا الحديث من الأحاديث المنقطعة في مسلم فإنه لم يسم الذي حدثه عن أبي اسامة قلت وليس هذا حقيقة انقطاع وانما هو رواية مجهول وقد وقع في حاشية بعض النسخ المعتمدة قال الجلودي حدثنا محمد بن المسيب الارعياني قال حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري بهذا الحديث عن أبي أسامه باسناده 1 ( باب اثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته )

قسم V15/P052–V15/P065

قال القاضي عياض رحمه الله أحاديث الحوض صحيحة والايمان به فرض والتصديق به من الايمان وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة لا يتأول ولا يختلف فيه قال القاضي وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة فذكره مسلم من رواية بن عمرو بن العاص وعائشة وأم سلمة وعقبة بن عامر وبن مسعود وحذيفة وحارثة بن وهب والمستورد وأبي ذر وثوبان وأنس وجابر بن سمرة ورواه غير مسلم من رواية أبي بكر الصديق وزيد بن أرقم وأبي أمامة وعبد الله بن زيد وأبي برزة وسويد بن حبلة وعبد الله بن الصنابحي والبراء بن عازب وأسماء بنت أبي بكر وخولة بنت قيس وغيرهم قلت ورواه البخاري ومسلم أيضا من رواية أبي هريرة ورواه غيرهما من رواية عمر بن الخطاب وعائذ بن عمر وآخرين وقد جمع ذلك كله الامام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه البعث والنشور بأسانيده وطرقه المتكاثرات قال القاضي وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترا قوله صلى الله عليه وسلم 2289 ( أنا فرطكم على الحوض ) قال أهل اللغة الفرط بفتح الفاء والراء والفارط هو الذي يتقدم الوارد ليصلح لهم والحياض والدلاء ونحوها من أمور الاستقاء فمعنى فرطكم علي الحوض سابقكم إليه كالمهيء له قوله صلى الله عليه وسلم 2290 ( ومن شرب لم يظمأ أبدا ) أي شرب منه والظمأ مهموز مقصور كما ورد به القرآن العزيز وهو العطش يقال ظمئ يظمأ ظمأ فهو ظمآن وهم ظماء بالمد كعطش يعطش عطشا فهو عطشان وهم عطاش قال القاضي ظاهر هذا الحديث أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من النار فهذا هو الذي لا يظمأ بعده قال وقيل لا يشرب منه الا من قدر له السلامة من النار قال ويحتمل أن من شرب منه من هذه الأمة وقدر عليه دخول النار لا يعذب فيها بالظمأ بل يكون عذابه بغير ذلك لأن ظاهر هذا الحديث أن جميع الأمة يشرب منه الا من ارتد وصار كافرا قال وقد قيل إن جميع الأمم من المؤمنين يأخذون كتبهم بأيمانهم ثم يعذب الله تعالى من شاء من عصاتهم وقيل انما يأخذه بيمينه الناجون خاصة قال القاضي وهذا مثله قوله صلى الله عليه وسلم من ورد شرب هذا صريح في أن الواردين كلهم يشربون وانما يمنع منه الذين يذادون ويمنعون الورود لارتدادهم وقد سبق في كتاب الوضوء بيان هذا الذود والمذودين قوله صلى الله عليه وسلم 2291 ( سحقا سحقا ) أي بعدا لهم بعدا ونصبه على المصدر وكرر للتوكيد قوله ( حدثنا هارون بن سعيد حدثنا بن وهب أخبرني أبو أسامة عن أبي حازم عن سهل عن النبي صلى الله عليه وسلم عن النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ) قال العلماء هذا العطف على سهل فالقائل وعن النعمان هو أبو حازم فرواه عن سهل ثم رواه عن النعمان عن أبي سعيد قوله صلى الله عليه وسلم 2292 ( حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء ) قال العلماء معناه طوله كعرضه كما قال في حديث أبي ذر المذكور في الكتاب عرضه مثل طوله قوله صلى الله عليه وسلم ( ماؤه أبيض من الورق ) هكذا هو في جميع النسخ الورق بكسر الراء وهو الفضة والنحويون يقولون أن فعل التعجب الذي يقال فيه هو أفعل من كذا انما يكون فيما كان ماضيه على ثلاثة أحرف فان زاد لم يتعجب من فاعله وانما يتعجب من مصدره فلا يقال ما أبيض زيدا ولا زيد أبيض من عمرو وانما يقال ما أشد بياضه وهو أشد بياضا من كذا وقد جاء في الشعر أشياء من هذا الذي أنكروه فعدوه شاذا لا يقاس عليه وهذا الحديث يدل على صحته وهي لغة وان كانت قليلة الاستعمال ومنها قول عمر رضي الله عنه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع قوله صلى الله عليه وسلم ( كيزانه كنجوم السماء ) وفي 2300 رواية فيه أباريق كنجوم السماء وفي رواية والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها وفي رواية وأن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء وفي رواية آنيته عدد النجوم وفي رواية ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء 2305 وفي رواية كأن الأباريق فيه النجوم المختار الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره وأنها أكثر عددا من نجوم السماء ولا مانع عقلي ولا شرعي يمنع من ذلك بل ورد الشرع به مؤكدا كما قال صلى الله عليه وسلم 2306 والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وقال القاضي عياض هذا اشارة إلى كثرة العدد وغايته الكثيرة من باب قوله صلى الله عليه وسلم لا يضع العصا عن عاتقه وهو باب من المبالغة معروف في الشرع واللغة ولا يعد كذبا اذا كان المخبر عنه في حيز الكثرة والعظم ومبلغ الغاية في بابه بخلاف ما اذا لم يكن كذلك قال ومثله كلمته ألف مرة ولقيته مائة كرة فهذا جائز اذا كان كثيرا وإلا فلا هذا كلام القاضي والصواب الأول قوله صلى الله عليه وسلم في الحوض ( وان عرضه ما بين أيلة إلى الجحفة ) وفي 2299 رواية بين ناحيتيه كما بين جرباء وأذرح قال الراوي هما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال وفي رواية عرضه مثل طوله مابين عمان إلى أيلة وفي رواية من مقامي إلي عمان 2305 2303 وفي رواية قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن 2298 وفي رواية ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة أما أيلة فبفتح الهمزة واسكان المثناة تحت وفتح اللام وهي مدينة معروفة في عراف الشام على ساحل البحر متوسطة بين مدينة رسول الله صلي الله عليه وسلم ودمشق ومصر بينها وبين المدينة نحو خمس عشرة مرحلة وبينها وبين دمشق نحو ثنتي عشرة مرحلة وبينها وبين مصر نحو ثمان مراحل قال الحازمي قيل هي آخر الحجاز وأول الشام وأما الجحفة فسبق بيانها في كتاب الحج وهي بنحو سبع مراحل من المدينة بينها وبين مكة وأما جربا فبجيم مفتوحة ثم راء ساكنة ثم باء موحدة ثم ألف مقصورة هذا هو الصواب المشهور أنها مقصورة وكذا قيدها الحازمي في كتابه المؤتلف في الأماكن وكذا ذكرها القاضي وصاحب المطالع والجمهور وقال القاضي وصاحب المطالع ووقع عند بعض رواة البخاري ممدودا قالا وهو خطأ وقال صاحب التحرير هي بالمد وقد تقصر قال الحازمي كان أهل جربا يهودا كتب لهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان لما قدم عليه لحية بن رؤبة صاحب أيلة بقوم منهم ومن أهل أذرح يطلبون الأمان وأما أذرح فبهمزة مفتوحة ثم ذال معجمة ساكنه ثم راء مضمومة ثم حاء مهملة هذا هو الصواب المشهور الذي قاله الجمهور قال القاضي وصاحب المطالع ورواه بعضهم بالجيم قالا وهو تصحيف لا شك فيه وهو كما قالا وهي مدينة في طرف الشام في قبلة الشوبك بينها وبينه نحو نصف يوم وهي في طرف الشراط بفتح الشين المعجمة في طرفها الشمالي وتبوك في قبلة أذرح بينهما نحو أربع مراحل وبين تبوك ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم نحو أربع عشرة مرحلة وأما عمان فبفتح العين وتشديد الميم وهي بلدة بالبلقاء من الشام قال الحازمي قال بن الأعرابي يجوز أن يكون فعلان من عم يعم فلا تنصرف معرفة وتنصرف نكرة قال ويجوز أن يكون فعالا من عمن فتنصرف معرفة ونكرة إذا عني بها البلد هذا كلامه والمعروف في روايات الحديث وغيرها ترك صرفها قال القاضي عياض وهذا الاختلاف في قدر عرض الحوض ليس موجبا للاضطراب فانه لم يأت في حديث واحد بل في أحاديث مختلفة الرواة عن جماعة من الصحابة سمعوها في مواطن مختلفة ضربها النبي صلى الله عليه وسلم في كل واحد منها مثلا لبعد أقطار الحوض وسعته وقرب ذلك من الأفهام لبعد ما بين البلاد المذكورة لا علي التقدير الموضوع للتحديد بل للاعلام بعظم هذه المسافة فبهذا تجمع الروايات هذا كلام القاضي قلت وليس في القليل من هذه منع الكثير والكثير ثابت على ظاهر الحديث ولا معارضة والله أعلم قولها ( كفي رأسي ) هو بالكاف أي اجمعيه وضمي شعره بعضه إلى بعض قولها 2295 ( اني من الناس ) دليل لدخول النساء في خطاب الناس وهذا متفق عليه وانما اختلفوا في دخولهن في خطاب الذكور ومذهبنا أنهن لا يدخلن فيه وفيه اثبات القول بالعموم قوله 2296 ( صلى على أهل أحد صلاته على الميت ) أي دعا لهم بدعاء صلاة الميت وسبق شرح هذا الحديث في كتاب الجنائز قوله صلى الله عليه وسلم ( واني والله لأنظر إلى حوضي الآن ) هذا تصريح بأن الحوض حوض حقيقي على ظاهره كما سبق وأنه مخلوق موجود اليوم وفيه جواز الحلف من غير استحلاف لتفخيم الشيء وتوكيده قوله صلي الله عليه وسلم 2296 ( واني قد اعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض اني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها ) هكذا هو في جميع النسخ مفاتيح في اللفظين بالياء قال القاضي وروي مفاتح بحذفها فمن أثبتها فهو جمع مفتاح ومن حذفها فجمع مفتح وهما لغتان فيه وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله صلى الله عليه سلم فإن معناه الإخبار بأن أمته تملك خزائن الأرض وقد وقع ذلك وأنها لا ترتد جملة وقد عصمها الله تعالى من ذلك وأنها تتنافس في الدنيا وقد وقع كل ذلك قوله ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات فكانت آخر ما رأيته على المنبر ) معناه خزج إلى قتلى أحد ودعا لهم دعاء مودع ثم دخل المدينة فصعد المنبر فخطب الأحياء خطبة مودع كما قال النواس بن سمعان قلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع وفيه معنى المعجزة قوله صلى الله عليه وسلم ( لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه يشخب فيه ميزابان من الجنة ) أما قوله صلى الله عليه وسلم ألا في الليلة المظلمة فهو بتخفيف ألا وهي التي للاستفتاح وخص الليلة المظلمة المصحية لأن النجوم ترى فيها أكثر والراد بالمظلمة التي لا قمر فيها مع أن النجوم طالعة فإن وجود القمر يستر كثيرا من النجوم وأما قوله صلى الله عليه وسلم آنية الجنة فضبطه بعضهم برفع آنية وبعضهم بنصبها وهما صحيحان فمن رفع فخبر مبتدأ محذوف أي هي آنية الجنة ومن نصب فبإضمار أعني أو نحوه وأما آخر ما عليه فمنصوب وسبق نظيره في كتاب الايمان وأما يشخب فبالشين والخاء المعجمتين والياء مفتوحة والخاء مضمومة ومفتوحة والشخب السيلان وأصله ما خرج من تحت يد الحالب عند كل عمرة وعصرة لضرع الشاة وأما الميزابان فبالهمز ويجوز قلب الهمزة ياء قوله 2301 ( عن معدان اليعمرى ) بفتح ميم اليعمرى وضمها منسوب إلى يعمر قوله صلى الله عليه وسلم ( إني لبعقر حوضي ) هو بضم العين وإسكان القاف وهو موقف الابل من الحوض إذا وردته وقيل مؤخره قوله صلى الله عليه وسلم ( أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاى حتى يرفض عليهم ) معناه أطرد الناس عنه غير أهل اليمن ليرفض على أهل اليمن وهذه كرامة لأهل اليمن في تقديمهم في الشرب منه مجازاة لهم بحسن صنيعهم وتقدمهم في الاسلام والأنصار من اليمن فيدفع غيرهم حتى يشربوا كما دفعوا في الدنيا عن النبي صلى الله عليه وسلم أعداءه والمكروهات ومعنى يرفض عليهم أي يسيل عليهم ومنه حديث البراق استصعب حتى ارفض عرقا أي سال عرقه قال أهل اللغة والغريب وأصله من الدمع يقال ارفض الدمع إذا سال متفرقا قال القاضي وعصاه المذكورة في هذا الحديث هي المكني عنها بالهراوة في وصفه صلى الله عليه وسلم في كتب الأوائل بصاحب الهراوة قال أهل اللغة الهراوة بكسر الهاء العصا قال ولم يأت لمعناها في صفته صلي الله عليه وسلم تفسير إلا ما يظهر لي في هذا الحديث هذا كلام القاضي وهذا الذي قاله في تفسير الهراوة بهذه العصا بعيد أو باطل لأن المراد بوصفه بالهراوة تعريفه بصفة يراها الناس معه يستدلون بها على صدقه وأنه المبشر به المذكور في الكتب السالفة فلا يصح تفسيره بعصا تكون في الآخرة والصواب في تفسير صاحب الهراوة ما قاله الأئمة المحققون أنه صلى الله عليه وسلم كان يمسك القضيب بيده كثيرا وقيل لأنه كان يمشي والعصا بين يديه وتغرز له فيصلي إليها وهذا مشهور في الصحيح والله أعلم قوله صلي الله عليه وسلم ( يغت فيه ميزابان يمدانه ) أما يغت فبفتح الياء وبغين معجمة مضمومة ومكسورة ثم مثناة فوق مشددة وهكذا قال ثابت والخطابي والهروي وصاحب التحرير والجمهور وكذا هو في معظم نسخ بلادنا ونقله القاضي عن الأكثرين قال الهروي ومعناه يدفقان فيه الماء دفقا متتابعا شديدا قالوا وأصله من اتباع الشيء الشيء وقيل يصبان فيه دائما صبا شديدا ووقع في بعض النسخ يعب بضم العين المهملة وبباء موحدة وحكاها القاضي عن رواية العذري قال وكذا ذكره الحربي وفسره بمعنى ما سبق أي لا ينقطع جريانهما قال والعب الشرب بسرعة في نفس واحد قال القاضي ووقع في رواية بن ماهان يثعب بمثلثة وعين مهملة أي يتفجر وأما قوله صلى الله عليه وسلم يمدانه فبفتح الياء وضم الميم أي يزيدانه ويكثرانه 2302 قوله صلى الله عليه وسلم ( لأذودن عن حوضي رجالا كما تذاد الغريبة من الابل ) معناه كما يذود الساقي الناقة الغريبة عن ابله اذا أرادت الشرب مع ابله قوله في حديث أنس من رواية حرملة 2303 ( قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن وأن فيه من الاباريق كعدد نجوم السماء ) وقع في بعض النسخ كما بالكاف وفي بعضها لما باللام وكعدد بالكاف وفي بعضها لعدد نجوم السماء باللام وكلاهما صحيح قوله صلى الله عليه وسلم 2304 ( ليردن على الحوض رجال ممن صاحبنى حتى اذا رأيتهم ورفعوا إلى اختلجوا دوني فلأقولن رب أصيحابي أصيحابي فليقالن لي انك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) أما اختلجوا فمعناه اقتطعوا وأما أصيحابي فوقع في الروايات مصغرا مكررا وفي بعض النسخ أصحابي أصحابي مكبرا مكررا قال القاضي هذا دليل لصحة تأويل من تأول انهم أهل الردة ولهذا قال فيهم سحقا سحقا ولا يقول ذلك في مذنبي الامة بل يشفع لهم ويهتم لأمرهم قال وقيل هؤلاء صنفان أحدهما عصاة مرتدون عن الاستقامة لا عن الاسلام وهؤلاء مبدلون للأعمال الصالحة بالسيئة والثاني مرتدون إلى الكفر حقيقة ناكصون على أعقابهم واسم التبديل يشمل الصنفين قوله صلى الله عليه وسلم ( مابين لابتي حوضي ) أي ناحيتيه والله أعلم

قسم V15/P065–V15/P068

1 ( باب اكرامه صلى الله عليه وسلم بقتال الملائكة معه صلى الله عليه وسلم) قوله 2306 رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بياض ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام وفي الرواية الأخرى أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره يقاتلان عنه كأشد القتال فيه بيان كرامة النبي صلى الله عليه وسلم على الله تعالى واكرامه اياه بانزال الملائكة تقاتل معه وبيان أن الملائكة تقاتل وأن قتالهم لم يختص بيوم بدر وهذا هو الصواب خلافا لمن زعم اختصاص فهذا صريح في الرد عليه وفيه فضيلة الثياب البيض وأن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء بل يراهم الصحابة والأولياء وفيه منقبة لسعد بن أبي وقاص الذي رأى الملائكة والله أعلم 1 ( باب شجاعته صلى الله عليه وسلم) قوله 2307 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وكان أجود الناس وكان أشجع الناس الخ فيه بيان ما أكرمه الله تعالى به من جميل الصفات وأن هذه صفات كمال قوله ( وهو على فرس لأبي طلحة عرى في عنقه السيف وهو يقول لم تراعوا لم تراعوا قال وجدناه لبحرا أو أنه لبحر قال وكان فرسا يبطأ ) وفي رواية فاستعار النبي صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة يقال له مندوب فركبه فقال ما رأينا من فزع وان وجدناه لبحرا وأما قوله يبطأ فمعناه يعرف بالبطء والعجز وسوء السير قوله صلى الله عليه وسلم ( لم تراعوا ) أي روعا مستقرا أو روعا يضركم وفيه فوائد منها بيان ) شجاعته صلى الله عليه وسلم من شدة عجلته في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول الناس وفيه بيان عظيم بركته ومعجزته في انقلاب الفرس سريعا بعد أن كان يبطأ وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم وجدناه بحرا أي واسع الجري وفيه جواز سبق الانسان وحده في كشف أخبار العدو مالم يتحقق الهلاك وفيه جواز العارية وجواز الغزو على الفرس المستعار لذلك وفيه استحباب تقلد السيف في العنق واستحباب تبشير الناس بعدم الخوف إذا ذهب ووقع في هذا الحديث تسمية هذا الفرس مندوبا قال القاضي وقد كان في أفراس النبي صلى الله عليه وسلم مندوب فلعله صار إليه بعد أبي طلحة هذا كلام القاضي قلت ويحتمل أنهما فرسان اتفقا في الاسم 1 ( باب جوده صلى الله عليه وسلم ) قوله 2308 ( كان رسول صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في شهر رمضان ان جبريل يلقاه في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فاذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ) أما قوله وكان أجود ما يكون فروى برفع أجود ونصبه والرفع أصح وأشهر والريح المرسلة بفتح السين والمراد كالريح في اسراعها وعمومها وقوله كان يلقاه في كل سنة كذا هو في جميع النسخ ونقله القاضي عن عامة الروايات والنسخ قال وفي بعضها كل ليلة بدل سنة قال وهو المحفوظ لكنه بمعنى الأول لأن قوله حتى ينسلخ بمعنى كل ليلة وفي هذا الحديث فوائد منها بيان عظم جوده صلى الله عليه وسلم ومنها استحباب اكثار الجود في رمضان ومنها زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين وعقب فراقهم للتأثر بلقائهم ومنها استحباب مدارسة القرآن 1 ( باب حسن خلقه صلى الله عليه وسلم )

قسم V15/P068–V15/P073

قوله 2309 ( خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين والله ما قال لي أفا قط ولا قال لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا ) وفي رواية ولا عاب على شيئا وفي رواية 2309 تسع سنين وفي رواية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا أما قوله ما قال لي أفا فذكر القاضي وغيره فيها عشر لغات أف بفتح الفاء وضمها وكسرها بلا تنوين وبالتنوين فهذه ست وأف بضم الهمزة وإسكان الفاء وإف بكسر الهمزة وفتح الفاء وأفي وأفه بضم همزتهما قالوا وأصل الأف والتف وسخ الأظفار وتستعمل هذه الكلمة في كل ما يستقذر وهي اسم فعل تستعمل في الواحد والاثنين والجمع والمؤنث والمذكر بلفظ واحد قال الله فلا تقل لهما أف قال الهروي يقال لكل مايضجر منه ويستثقل أف له وقيل معناه الاحتقار مأخوذ من الأفف وهو القليل وأما قط ففيها لغات قط وقط بفتح القاف وضمها مع تشديد الطاء المضمومة وقط بفتح القاف وكسر الطاء المشددة وقط بفتح القاف واسكان الطاء وقط بفتح القاف وكسر الطاء المخففة وهي لتوحيد نفي الماضي وأما قوله تسع سنين وفي أكثر الروايات عشر سنين فمعناه أنها تسع سنين وأشهر فان النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة عشر سنين تحديدا لا تزيد ولا تنقص وخدمه أنس في أثناء السنة الأولى ففي رواية التسع لم يحسب الكسر بل اعتبر السنين الكوامل وفي رواية العشر حسبها سنة كاملة وكلاهما صحيح وفي هذا الحديث بيان كمال خلقه صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته وحلمه وصفحه 1 ( باب في سخائه صلى الله عليه وسلم ) قوله 2311 ( ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا ) وذكر الحديث بعده في اعطائه صلى الله عليه وسلم للمؤلفة وغيرهم في هذا كله بيان عظيم سخائه وغزارة جوده صلى الله عليه وسلم ومعناه ما سئل شيئا من متاع الدنيا قوله ( حدثنا أبو كريب حدثنا الأشجعي قال وحدثني محمد بن المثنى ) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا محمد بن المثتي وكذا نقله القاضي عياض عن الجلودي ووقع في رواية بن ماهان محمد بن حاتم وكذا ذكره أبو مسعود الدمشقي وخلف الواسطي قوله 2312 ( فأعطاه غنما بين جبلين ) أي كثيرة كأنها تملأ ما بين جبلين وفي هذا مع ما بعده اعطاء المؤلفة ولاخلاف في اعطاء مؤلفة المسلمين لكن هل يعطون من الزكاة فيه خلاف الأصح عندنا أنهم يعطون من الزكاة ومن بيت المال والثاني لا يعطون من الزكاة بل من بيت المال خاصة وأما مؤلفة الكفار فلا يعطون من الزكاة وفي اعطائهم من غيرها خلاف الأصح عندنا لا يعطون لأن الله تعالى قد أعز الاسلام عن التألف بخلاف أول الأمر ووقت قلة المسلمين قوله ( فقال أنس ان كان الرجل ليسلم ما يريد الا الدنيا فما يسلم حتى يكون الاسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها ) هكذا هو في معظم النسخ فما يسلم وفي بعضها فما يمسي وكلاهما صحيح ومعنى الأول فما يلبث بعد اسلامه الا يسيرا حتى يكون الاسلام أحب إليه والمراد أنه يظهر الاسلام أولا للدنيا لا بقصد صحيح بقلبه ثم من بركة النبي صلى الله عليه وسلم ونور الاسلام لم يلبث الا قليلا حتى ينشرح صدره بحقيقة الايمان ويتمكن من قلبه فيكون حينئذ أحب إليه من الدنيا وما فيها قوله 2314 ( فحثى أبو بكر رضي الله عنه مرة ثم قال لي عدها فعددتها فاذا هي خمسمائة فقال خذ مثليها ) يعنى خذ معها مثليها فيكون الجميع ألفا وخمسمائة لأن له ثلاث حثيات وانما حثى له أبو بكر بيده لأنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيده قائمة مقام يده وكان له ثلاث حثيات بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه انجاز العدة قال الشافعي والجمهور انجازها والوفاء بها مستحب لا واجب وأوجبه الحسن وبعض المالكية

قسم V15/P073–V15/P077

1 ( باب رحمته صلي الله عليه وسلم الصبيان ( والعيال وتواضعه وفضل ذلك ) ) 2315 قوله ( عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين يقال له أبو سيف فانطلق يأتيه واتبعته إلى آخره ) القين بفتح القاف الحداد وفيه جواز تسمية المولود يوم ولادته وجواز التسمية بأسماء الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وسبقت المسألتان في بابهما وفيه استتباع العالم والكبير بعض أصحابه اذا ذهب إلى منزل قوم ونحوه وفيه الأدب مع الكبار قوله ( وهو يكيد بنفسه ) أي يجود بها ومعناه وهو في النزع قوله ( فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره ) فيه جواز البكاء على المريض والحزن وأن ذلك لا يخالف الرضا بالقدر بل هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده وانما المذموم الندب والنياحة والويل والثبور ونحو ذلك من القول الباطل ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ولا نقول الا ما يرضي ربنا قوله 2316 ( ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وكان إبراهيم مسترضعا في عوالي المدينة إلى قوله فيأخذه فيقبله ) أما العوالي فالقرى التي عند المدينة وقوله أرحم بالعيال هذا هو المشهور الموجود في النسخ والروايات قال القاضي وفي بعض الروايات بالعباد ففيه بيان كريم خلقه صلى الله عليه وسلم ورحمته للعيال والضعفاء وفيه جواز الاسترضاع وفيه فضيلة رحمة العيال والأطفال وتقبيلهم قوله صلى الله عليه وسلم ( وإنه مات في الثدي وإن ظئرين تكملان رضاعه في الجنة ) معناه مات وهو في سن رضاع الثدي أو في حال تغذيه بلبن الثدي وأما الظئر فبكسر الظاء مهموزة وهي المرضعة ولد غيرها وزوجها ظئر لذلك الرضيع فلفظة الظئر تقع على الأنثى والذكر ومعنى تكملان رضاعه أي تتمانه سنتين فانه توفي وله ستة عشر شهرا أو سبعة عشر فترضعانه بقية السنتين فانه تمام الرضاعة بنص القرآن قال صاحب التحرير وهذا الاتمام لارضاع إبراهيم رضي الله عنه يكون عقب موته فيدخل الجنة متصلا بموته فيتم فيها رضاعه كرامة له ولأبيه صلى الله عليه وسلم قال القاضي واسم أبي سيف هذا البراء واسم أم سيف زوجته خولة بنت المنذر الأنصارية كنيتها أم سيف وأم بردة قوله صلى الله عليه وسلم 2318 ( إنه من لا يرحم لا يرحم ) وفي رواية من لا يرحم الناس لا يرحمه الله قال العلماء هذا عام يتناول رحمة الأطفال وغيرهم 2319 قوله ( عن أبي ظبيان ) بفتح الظاء وكسرها 1 ( باب كثرة حيائه صلى الله عليه وسلم )

قسم V15/P077–V15/P081

قوله 2320 ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه ) العذراء البكر لأن عذرتها باقية وهي جلدة البكارة والخدر ستر يجعل للبكر في جنب البيت ومعنى عرفنا الكراهة في وجهه أي لا يتكلم به لحيائه بل يتغير وجهه فنفهم نحن كراهته وفيه فضيلة الحياء وهو من شعب الإيمان وهو خير كله ولا يأتي إلا بخير وقد سبق هذا كله في كتاب الايمان وشرحناه واضحا وهو محثوث عليه مالم ينته إلى الضعف والنخو كما سبق قوله 2321 ( لم يكن فاحشا ولا متفحشا ) قال القاضي أصل الفحش الزيادة والخروج عن الحد قال الطبري الفاحش البذيء قال بن عرفة الفواحش عند العرب القبائح قال الهروي الفاحش ذو الفحش والمتفحش الذي يتكلف الفحش ويتعمده لفساد حاله قال وقد يكون المتفحش الذي يأتي الفاحشة قوله صلى الله عليه وسلم ( إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا ) فيه الحث على حسن الخلق وبيان فضيلة صاحبه وهو صفة أنبياء الله تعالى وأوليائه قال الحسن البصري حقيقة حسن الخلق بذل المعروف وكف الأذى وطلاقة الوجه قال القاضي عياض هو مخالطة الناس بالجميل والبشر والتودد لهم والاشفاق عليهم واحتمالهم والحلم عنهم والصبر عليهم في المكاره وترك الكبر والاستطالة عليهم ومجانبة الغلظ والغضب والمؤاخذة قال وحكى الطبري خلافا للسلف في حسن الخلق هل هو غريزة أم مكتسب قال القاضي والصحيح أن منه ماهو غريزة ومنه ما يكتسب بالتخلق والإقتداء بغيره والله أعلم 1 ( باب تبسمه صلى الله عليه وسلم ) وحسن عشرته قوله 2322 ( كان لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم ) فيه استحباب الذكر بعد الصبح وملازمة مجلسها ما لم يكن عذر قال القاضي هذه سنة كان السلف وأهل العلم يفعلونها ويقتصرون في ذلك الوقت على الذكر والدعاء حتى تطلع الشمس وفيه جواز الحديث بأخبار الجاهلية وغيرها من الأمم وجواز الضحك والأفضل الاقتصار على التبسم كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في عامة أوقاته قالوا ويكره اكثار الضحك وهو في أهل المراتب والعلم أقبح والله أعلم 1 ( باب رحمته صلى الله عليه وسلم النساء والرفق بهن ) قوله صلى الله عليه وسلم 2323 ( يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير وفي رواية ويحك يا أنجشة رويدا سوقك بالقوارير وفي رواية يا أنجشة لا تكسر القوارير يعني ضعفة النساء أما أنجشة فهمزة مفتوحة وإسكان النون وبالجيم وبشين معجمة وأما رويدك فمنصوب على الصفة بمصدر محذوف أي سق سوقا رويدا ومعناه الأمر بالرفق بهن وسوقك منصوب باسقاط الجار أي ارفق في سوقك بالقوارير قال العلماء سمى النساء قوارير لضعف عزائمهن تشبيها بقارورة الزجاج لضعفها واسراع الانكسار اليها واختلف العلماء في المراد بتسميتهن قوارير على قولين ذكرهما القاضي وغيره أصحهما عند القاضي وآخرين وهو الذي جزم به الهروي وصاحب التحرير وآخرون أن معناه أن أنجشة كان حسن الصوت وكان يحدو بهن وينشد شيئا من القريض والرجز وما فيه تشبيب فلم يأمن أن يفتنهن ويقع في قلوبهن حداؤه فأمره بالكف عن ذلك ومن أمثالهم المشهورة الغنارقية الزنى قال القاضي هذا اشبه بمقصودة صلى الله عليه وسلم وبمقتضى اللفظ قال وهو الذي يدل عليه كلام أبي قلابة المذكور في هذا الحديث في مسلم والقول الثاني أن المراد به الرفق في السير لأن الابل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واستلذته فأزعجت الراكب وأتعبته فنهاه عن ذلك لأن النساء يضعفن عند شدة الحركة ويخاف ضررهن وسقوطهن وأما ويحك فهكذا وقع في مسلم ووقع في غيره ويلك قال القاضي قال سيبويه ويل كلمة تقال لمن وقع في هلكة وويح زجر لمن أشرف على الوقوع في هلكة وقال الفراء ويل وويح وويس بمعنى وقيل ويح كلمة لمن وقع في هلكة لا يستحقها يعني في عرفنا فيرثى له ويترحم عليه وويل ضده قال القاضي قال بعض أهل اللغة لا يراد بهذه الألفاظ حقيقة الدعاء وإنما يراد بها المدح والتعجب وفي هذه الأحاديث جواز الحداء وهو بضم الحاء ممدود وجواز السفر بالنساء واستعمال المجاز وفيه مباعدة النساء من الرجال ومن سماع كلامهم إلا الوعظ ونحوه

قسم V15/P081–V15/P084

1 ( باب قربه صلى الله عليه وسلم من الناس ( وتبركهم به وتواضعه لهم ) ) قوله 2324 ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى باناء الا غمس يده فيها فربما جاءوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها ) وفي الرواية الأخرى 2325 ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل ) وفي الآخر 2326 ( ان امرأة كانت في عقلها شيء فقالت يا رسول الله ان لي اليك حاجة فقال ياأم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها ) في هذه الأحاديث بيان بروزه صلى الله عليه وسلم للناس وقربه منهم ليصل أهل الحقوق إلى حقوقهم ويرشد مسترشدهم ليشاهدوا أفعاله وحركاته فيقتدي بها وهكذا ينبغي لولاة الأمور وفيها صبره صلى الله عليه وسلم على المشقة في نفسه لمصلحة المسلمين واجابته من سأله حاجة أو تبريكا بمس يده وادخالها في الماء كما ذكروا وفيه التبرك بآثار الصالحين وبيان ما كانت الصحابة عليه من التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم وتبركهم بإدخال يده الكريمة في الآنية وتبركهم بشعره الكريم وإكرامهم اياه إن يقع شيء منه إلا في يد رجل سبق إليه وبيان تواضعه بوقوفه مع المرأة الضعيفة قوله ( خلا معها في بعض الطرق ) أي وقف معها في طريق مسلوك ليقضي حاجتها ويفتيها في الخلوة ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية فان هذا كان في ممر الناس ومشاهدتهم إياه وإياها لكن لا يسمعون كلامها لأن مسألتها مما لا يظهره والله أعلم 1 ( باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام واختياره من المباح اسهله ( وانتقامه لله تعالى عند انتهاك حرماته )) قولها 2327 ( ماخير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فان كان إثما كان أبعد الناس منه ) فيه استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق ما لم يكن حراما أو مكروها قال القاضي ويحتمل أن يكون تخييره صلى الله عليه وسلم هنا من الله تعالى فيخيره فيما فيه عقوبتان أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة أو الاقتصار وكان يختار الأيسر في كل هذا قال وأما قولها ما لم يكن إثما فيتصوراذا خيره الكفار والمنافقون فأما ان كان التخيير من الله تعالى أو من المسلمين فيكون الاستثناء منقطعا قولها ( وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله ) وفي رواية 2328 ما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيءمن محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى ) معنى نيل منه أصيب بأذى من قول أو فعل وانتهاك حرمة الله تعالى هو ارتكاب ما حرمه قولها ( إلا أن تنتهك حرمة الله ) استثناء منقطع معناه لكن اذا انتهكت حرمة الله انتصر لله تعالى وانتقم ممن ارتكب ذلك في هذا الحديث الحث على العفو والحلم واحتمال الأذى والانتصار لدين الله تعالي ممن فعل محرما أو نحوه وفيه أنه يستحب للأئمة والقضاة وسائر ولاة الأمور التخلق بهذا الخلق الكريم فلا ينتقم لنفسه ولا يهمل حق الله تعالى قال القاضي عياض وقد أجمع العلماء على أن القاضي لا يقضي لنفسه ولا لمن لا يجوز شهادته له قولها ( ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله ) فيه أن ضرب الزوجة والخادم والدابة وان كان مباحا للأدب فتركه أفضل 1 ( باب طيب ريحه صلى الله عليه وسلم ولين مسه )

قسم V15/P084–V15/P089

قوله 2329 ( صلاة الأولى ) يعنى الظهر والوالدان الصبيان واحدهم وليد وفي مسحه صلى الله عليه وسلم الصبيان بيان حسن خلقه ورحمته للأطفال وملاطفتهم وفي هذه الأحاديث بيان طيب ريحه صلى الله عليه وسلم وهو مما أكرمه الله تعالى قال العلماء كانت هذه الريح الطيبة صفته صلى الله عليه وسلم وان لم يمس طيبا ومع هذا فكان يستعمل الطيب في كثير من الأوقات مبالغة في طيب ريحه لملاقاة الملائكة وأخذ الوحي الكريم ومجالسة المسلمين قوله ( كأنما أخرجت من جؤنة عطار ) هي بضم الجيم وهمزة بعدها ويجوز ترك الهمزة بقلبها واوا كما في نظائرها وقد ذكرها كثيرون أو الأكثرون في الواو قال القاضي هي مهموزة وقد يترك همزها وقال الجوهري هي بالواو وقد تهمز وهي السقط الذي فيه متاع العطار هكذا فسره الجمهور وقال صاحب العين هي سليلة مستديرة مغشاة وأما قوله 2330 ( ماشممت ) هو بكسر الميم الأولى على المشهور وحكى أبو عبيد وبن السكيت والجوهري وآخرون فتحها قوله ( أزهر اللون ) هو الأبيض المستنير وهي أحسن الألوان قوله ( كأن عرقه اللؤلؤ ) أي في الصفاء والبياض واللؤلؤ بهمز أوله وآخره وبتركهما وبهمز الأول دون الثاني وعكسه قوله ( اذا مشى تكفأ ) هو بالهمز وقد يترك همزه وزعم كثيرون أن أكثر ما يروى بلا همز وليس كما قالوا قال شمر أي مال يمينا وشمالا كما تكفأ السفينه قال الأزهري هذا خطأ لأن هذا صفة المختال وانما معناه أن يميل إلى سمته وقصد مشيه كما قال في الرواية الأخرى كأنما ينحط في صبب قال القاضي لابعد فيما قاله شمر اذا كان خلقة وجبلة والمذموم منه ما كان مستعملا مقصودا 1 ( باب طيب عرقه صلى الله عليه وسلم والتبرك به) قوله 2331 ( فقال عندنا فعرق ) أي نام للقيلولة قوله ( تسلت العرق ) أي تمسحه وتتبعه بالمسح قوله ) ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها ) قد سبق أنها كانت محرما له صلى الله عليه وسلم ففيه الدخول على المحارم والنوم عندهن وفي بيوتهن وجواز النوم على الأدم وهي الأنطاع والجلود قوله ( ففتحت عتيدتها ) هي بعين مهملة مفتوحة ثم مثناة من فوق ثم من تحت وهي كالصندوق الصغير تجعل المرأة فيه ما يعز من متاعها قوله ( ففزع النبي صلي الله عليه وسلم فقال ما تصنعين ) معنى فزع استيقظ من نومه قولها 2332 ( عرقك أدوف به طيبي ) هو بالدال المهملة وبالمعجمة والأكثرون على المهملة وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين ومعناه غلط وسبق بيان هذه اللفظة في أول كتاب الايمان قوله ( كيف يأتيك الوحي فقال أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد علي ثم يفصم عني وقد وعيته وأحيانا ملك في مثل صورة الرجل فأعي ما يقول ) أما الأحيان فالأزمان ويقع على القليل والكثير ومثل صلصلة هو بنصب مثل وأما الصلصلة فبفتح الصادين وهي الصوت المتدارك قال الخطابي معناه أنه صوت متدارك يسمعه ولا يثبته أول ما يقرع سمعه حتى يفهمه من بعد ذلك قال العلماء والحكمة في ذلك أن يتفرغ سمعه صلى الله عليه وسلم ولا يبقى فيه ولا في قلبه مكان لغير صوت الملك ومعنى وعيت جمعت وفهمت وحفظت وأما يفصم فبفتح الياء واسكان الفاء وكسر الصاد المهملة أي يقلع وينجلي ما يتغشاني منه قاله الخطابي قال العلماء الفصم هو القطع من غير ابانة وأما القصم بالقاف فقطع مع الابانة والانفصال ومعنى الحديث أن الملك يفارق على أن يعود ولا يفارقه مفارقة قاطع لا يعود وروي هذا الحرف أيضا يفصم بضم الياء وفتح الصاد علي ما لم يسم فاعله وروى بضم الياء وكسر الصاد على أنه أفصم يفصم رباعي وهي لغة قليلة وهي من أفصم المطر اذا أقلع وكف قال العلماء ذكر في هذا الحديث حالين من أحوال الوحي وهما مثل صلصلة الجرس وتمثل الملك رجلا ولم يذكر الرؤيا في النوم وهي من الوحي لأن مقصود السائل بيان ما يختص به النبي صلي الله عليه وسلم ويخفي فلا يعرف إلا من جهته وأما الرؤيا فمشتركة معروفة قوله 2334 ( كرب لذلك وتربد وجهه ) هو بضم الكاف وكسر الراء ومعنى تربد أي تغير وصار كلون الرماد وفي ظاهر هذا مخالفة لما سبق في أول كتاب الحج في حديث المحرم الذي أحرم بالعمرة وعليه خلوق وأن يعلى بن أمية نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حال نزول الوحي وهو محمر الوجه وجوابه أنها حمرة كدرة وهذا معنى التربد وأنه في أوله يتربد ثم يحمر أو بالعكس قوله 2335 ( أتلى عنه ) هكذا هو في معظم نسخ بلادنا أتلى بهمزة ومثناة فوق ساكنة ولام وياء ومعناه ارتفع عنه الوحي هكذا فسره صاحب التحرير وغيره ووقع في بعض النسخ أجلى بالجيم وفي رواية بن ماهان انجلى ومعناهما أزيل عنه وزال عنه وفي رواية البخاري انجلى والله أعلم

قسم V15/P089

1 ( باب صفة شعره صلى الله عليه وسلم وصفاته وحليته)

قسم V15/P089–V15/P093

قوله 2336 ( كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم وكان المشركون يفرقون رؤسهم وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به فسدل ناصيته ثم فرق بعد ) قال أهل اللغة يقال سدل يسدل ويسدل بضم الدال وكسرها قال القاضي سدل الشعر ارساله قال والمراد به هنا عند العلماء ارساله على الجبين واتخاذه كالقصة يقال سدل شعره وثوبه اذا أرسله ولم يضم جوانبه وأما الفرق فهو فرق الشعر بعضه من بعض قال العلماء والفرق سنة لأنه الذي رجع إليه النبي صلى الله عليه وسلم قالوا فالظاهر أنه انما رجع إليه بوحي لقوله أنه كان يوافق أهل الكتاب فيما لم يؤمر به قال القاضي حتى قال بعضهم نسخ المسدل فلا يجوز فعله ولا اتخاذ الناصية والجمة قال ويحتمل أن المراد جواز الفرق لا وجوبه ويحتمل أن الفرق كان باجتهاد في مخالفة أهل الكتاب لا بوحي ويكون الفرق مستحبا ولهذا اختلف السلف فيه ففرق منهم جماعة واتخذ اللمة آخرون وقد جاء في الحديث أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم لمة فإن انفرقت فرقها والا تركها قال مالك فرق الرجل أحب الي هذا كلام القاضي والحاصل أن الصحيح المختار جواز السدل والفرق وأن الفرق أفضل والله أعلم قال القاضي واختلف العلماء في تأويل موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه شيء فقيل فعله استئلافا لهم في أول الاسلام وموافقة لهم على مخالفة عبدة الأوثان فلما أغنى الله تعالى عن استئلافهم وأظهر الاسلام على الدين كله صرح بمخالفتهم في غير شيء منها صبغ الشيب وقال آخرون يحتمل أنه أمر باتباع شرائعهم فيما لم يوح إليه شيء وانما كان هذا فيما علم أنهم لم يبدلوه واستدل بعض الأصوليين بهذا الحديث أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ) يرد شرعنا بخلافه وقال آخرون بل هذا دليل أنه ليس بشرع لنا لأنه قال يحب موافقتهم فأشار إلي أنه إلي خيرته ولو كان شرعا لنا لتحتم اتباعه والله أعلم قوله 2337 ( كان رسول الله صلي الله عليه وسلم مربوعا ) هو بمعنى قوله في الرواية الثانية ليس بالطويل ولا بالقصير قوله ( عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه ) وفي رواية ما رأيت من ذي لمة أحسن منه وفي رواية كان يضرب شعره منكبيه وفي رواية إلى أنصاف أذنيه وفي رواية بين أذنيه وعاتقه قال أهل اللغة الجمة أكثر من الوفرة فالجمة الشعر الذي نزل إلى المنكبين والوفرة مانزل إلى شحمة الأذنين واللمة التي ألمت بالمنكبين قال القاضي والجمع بين هذه الروايات أن ما يلى الأذن هو الذي يبلغ شحمة أذنيه وهو الذي بين أذنيه وعاتقه وما خلفه هو الذي يضرب منكبيه قال وقيل بل ذلك لاختلاف الاوقات فاذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب واذا قصرها كانت إلى أنصاف الأذنين فكان يقصر ويطول بحسب ذلك والعاتق ما بين المنكب والعنق وأما شحمة الأذن فهو اللين منها في أسفلها وهو معلق القرط منها وتوضح هذه الروايات رواية إبراهيم الحربي كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة ودون الجمة قوله في حديث البراء ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا ) قال القاضي ضبطناه خلقا بفتح الخاء واسكان اللام هنا لأن مراده صفات جسمه قال وأما في حديث أنس فرويناه بالضم لأنه انما أخبر عن حسن معاشرته وأما قوله وأحسنه فقال أبو حاتم وغيره هكذا تقوله العرب وأحسنه يريدون وأحسنهم ولكن لا يتكلمون به وانما يقولون أجمل الناس وأحسنه ومنه الحديث خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أشفقه على ولد وأعطفه على زوج وحديث أبي سفيان عندي أحسن نساء العرب وأجمله قوله 2338 ( كان شعرا رجلا ليس بالجعد ولا السبط ) هو بفتح الراء وكسر الجيم وهو الذي بين الجعودة والسبوطة قاله الأصمعي وغيره قوله 2339 ( عن شعبة عن سماك بن حرب قال سمعت جابر بن سمرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضليع الفم أشكل العين منهوس العقبين قال قلت لسماك ما ضليع الفم قال عظيم الفم قلت ما أشكل العين قال طويل شق العين قلت ما منهوس العقب قال قليل لحم العقب ) أما قوله في ضليع الفم فكذا قاله الأكثرون وهو الأظهر قالوا والعرب تمدح بذلك وتذم صغر الفم وهو معنى قول ثعلب في ضليع الفم واسع الفم وقال شمر عظيم الأسنان وأما قوله في أشكل العين فقال القاضي هذا وهم من سماك باتفاق العلماء وغلط ظاهر وصوابه ما اتفق عليه العلماء ونقله أبو عبيد وجميع أصحاب الغريب أن الشكلة حمرة في بياض العينين وهو محمود والشهلة بالهاء حمرة في سواد العين وأما المنهوس فبالسين المهملة هكذا ضبطه الجمهور وقال صاحب التحرير وبن الأثير روى بالمهملة والمعجمة وهما متقاربان ومعناه قليل لحم العقب كما قال والله أعلم قوله 2340 ( كان أبيض مليحا مقصدا ) هو بفتح الصاد المشددة وهو الذي ليس بجسيم ولا نحيف ولا طويل ولا قصير وقال شمر هو نحو الربعة والقصد بمعناه والله أعلم

قسم V15/P093–V15/P096

1 ( باب شيبه صلى الله عليه وسلم ) قوله 2341 ( سألت أنس بن مالك هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خضب فقال لم يبلغ الخضاب كان في لحيته شعرات بيض ) وفي رواية لم ير من الشيب إلا قليلا وفي رواية لو شئت أن أعد شمطات كن في رأسه ولم يخضب وفي رواية لم يخضب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان البياض في عنفقته وفي الصدغين وفي الرأس نبذ وفي رواية ما شانه الله ببيضاء 2342 وفي رواية أبي جحيفة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه منه بيضاء ووضع الراوي بعض أصابعه على عنفقته 2343 وفي رواية له رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض قد شاب 2344 وفي رواية جابر بن سمرة أنه سئل عن شيب النبي صلى الله عليه وسلم فقال كان إذا دهن رأسه لم ير منه شيء واذا لم يدهن رئى منه وفي رواية له كان قد شمط مقدم رأسه ولحيته وفي رواية لأنس يعد عدا توفي وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء وفي حديث أم سلمة أنها أخرجت لهم شعرات من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم حمرا مخضوبة بالحناء والكتم قال القاضي اختلف العلماء هل خضب النبي صلى الله عليه وسلم أم لا فمنعه الأكثرون بحديث انس وهو مذهب مالك وقال بعض المحدثين خضب لحديث أم سلمة هذا ولحديث بن عمر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصبغ بالصفرة قال وجمع بعضهم بين الاحاديث بما أشار إليه في حديث أم سلمة من كلام أنس في قوله فقال ما أدري في هذا الذي يحدثون إلا أن يكون شيء من الطيب الذي كان يطيب به شعره لأنه صلى الله عليه وسلم كان يستعمل الطيب كثيرا وهو يزيل سواد الشعر فأشار أنس إلى أن تغيير ذلك ليس بصبغ وإنما هو لضعف لون سواده بسبب الطيب قال ويحتمل أن تلك الشعرات تغيرت بعده لكثرة تطييب أم سلمة لها اكراما هذا آخر كلام القاضي والمختار أنه صلى الله عليه وسلم صبغ في وقت وتركه في معظم الاوقات فأخبر كل بما رأى وهوصادق وهذا التأويل كالمتعين فحديث بن عمر في الصحيحين ولا يمكن تركه ولا تأويل له والله أعلم وأما اختلاف الرواية في قدر شيبه فالجمع بينها أنه رأى شيئا يسيرا فمن أثبت شيبه أخبر عن ذلك اليسير ومن نفاه أراد أنه لم يكثر فيه كما قال في الرواية الاخرى لم يشتد الشيب اي لم يكثر ولم يخرج شعره عن سواده وحسنه كما قال في الرواية الأخرى لم ير من الشيب الا قليلا قوله ( أعد شمطاته ) وفي الرواية الاخرى كان قد شمط بكسر الميم اتفق العلماء على أن المراد بالشمط هنا ابتداء الشيب يقال منه شمط وأشمط قوله ( خضب أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم بالحناء والكتم ) أما الحناء فممدود وهو معروف وأما الكتم فبفتح الكاف والتاء المثناة من فوق المخففة هذا هو المشهور وقال أبو عبيدة هو بتشديد التاء وحكاه غيره وهو نبات يصبغ به الشعر يكثر بياضه أو حمرته إلى الدهمة قوله ( اختضب عمر بالحناء ) هو بالحاء المهملة معناه خالصا لم يخلط بغيره قوله ( عن أنس رضي الله عنه قال يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته ) هذا متفق عليه قال أصحابنا وأصحاب مالك يكره ولا يحرم قوله ( وفي الرأس نبذ ) ضبطوه بوجهين احدهما ضم النون وفتح الباء والثاني بفتح النون وإسكان الباء وبه جزم القاضي ومعناه شعرات متفرقة قوله ( سمع أبا إياس ) هو معاوية بن قرة قوله ( أبري النبل وأريشها ) أما أبرى فبفتح الهمزة وأما أريشها فبفتح الهمزة ايضا وكسر الراء وإسكان الياء أي أجعل للنبل ريشا 1 ( باب إثبات خاتم النبوة وصفته ومحله من جسده صلى الله عليه وسلم )

الأسئلة

Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi) · 43 · Qur'an & Sunnah