Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)

قسم V03/P126–V03/P130

في الباب قوله صلى الله عليه وسلم ( ويل للاعقاب من النار أسبغوا الوضوء ) ومراد مسلم رحمة الله تعالى بايراده هنا الاستدلال به على وجوب غسل الرجلين وأن المسح لا يجزئ وهذه مسألة اختلف الناس فيها على مذاهب فذهب جمع من الفقهاء من أهل الفتوى في الاعصار والامصار إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين ولا يجزئ مسحهما ولا يجب المسح مع الغسل ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به في الاجماع وقالت الشيعة الواجب مسحهما وقال محمد بن جرير والجبائي رأس المعتزلة يتخير بين المسح والغسل وقال بعض أهل الظاهر يجب الجمع بين المسح والغسل وتعلق هؤلاء المخالفون للجماهير بما لا تظهر فيه دلالة وقد أوضحت دلائل المسألة من الكتاب والسنة وشواهدها وجواب ما تعلق به المخالفون بأبسط العبارات المنقحات في شرح المهذب بحيث لم يبق للمخالف شبهة أصلا الا وضح جوابها من غير وجه والمقصود هنا شرح متون الاحاديث وألفاظها دون بسط الادلة وأجوبة المخالفين ومن أخصر ما نذكره أن جميع من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن مختلفة وعلى صفات متعددة متفقون على غسل الرجلين وقوله صلى الله عليه وسلم ويل للاعقاب من النار فتواعدها بالنار لعدم طهارتها ولو كان المسح كافيا لما تواعد من ترك غسل عقبيه وقد صح من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قال يارسول الله كيف الطهور فدعا بماء فغسل كفيه ثلاثا إلى أن قال ثم غسل رجليه ثلاثا ثم قال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود وغيره بأسانيدهم الصحيحة والله أعلم قوله ( عن سالم مولى شداد وفي الرواية الاخرى أن أبا عبد الله مولى شداد بن الهاد وفي الثالثة سالم مولى المهرى ) هذه كلها صفات له وهو شخص واحد يقال له سالم مولى شداد بن الهاد وسالم مولى المهرى وسالم بادوس وسالم مولى مالك بن أوس بن الحدثان النصرى بالنون والصاد المهملة وسالم سبنان بفتح السين المهملة والباء الموحدة وسالم البراد وسالم مولى البصريين وسالم أبو عبد الله المدينى وسالم بن عبد الله وأبو عبيد الله مولى شداد بن الهاد فهذه كلها تقال فيه قال أبو حاتم كان سالم من خيار المسلمين وقال عطاء بن السائب حدثنى سالم البراد وكان أوثق عندي من نفسي وأما قوله ( حدثنى سلمة بن شبيب حدثنا الحسن بن أعين حدثنا فليح حدثنى نعيم بن عبد الله عن سالم مولى بن شداد ) فكذا وقع في الاصول مولى بن شداد قيل أنه خطأ والصواب حذف لفظة بن كما تقدم والظاهر أنه صحيح فان مولى شداد مولى لابنه واذا أمكن تأويل ما صحت به الرواية لم يجز ابطالها لا سيما في هذا الذي قد قيل فيه هذه الاقوال والله أعلم قوله ( حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا يحي بن أبي كثير قال حدثنى أو حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن حدثنا سالم مولى المهرى ) هذا اسناد اجتمع فيه أربعة تابعيون يروى بعضهم عن بعض فسالم وأبو سلمة ويحي تابعيون معروفون وعكرمة بن عمار أيضا تابعى سمع الهرماس بن زياد الباهلي الصحابي رضي الله عنه وفي سنن أبي داود التصريح بسماعه منه والله أعلم وقوله حدثنى أو حدثنا فيه أحسن احتياط وقد تقدم التنبيه على مثل هذا قريبا وسابقا والله أعلم قوله ( حدثنى محمد بن حاتم وأبو معن الرقاشي ) اسم أبي معن زيد بن يزيد وقد تقدم بيانه في اوائل كتاب الايمان قوله ( كنت أنا مع عائشة ) هكذا هو في الاصول المحققة التي ضبطها المتقنون أنا مع بالنون والميم بينهما ألف ووقع في كثير من الاصول ولكثير من الرواة المشارقة والمغاربة أبايع عائشة بالباء الموحدة والياء المثناة من المبايعة قال القاضي الصواب هو الاول قلت وللثاني أيضا وجه قوله ( عن هلال بن يساف عن أبي يحيى ) أما يساف ففيه ثلاث لغات فتح الياء وكسرها واساف بكسر الهمزة قال صاحب المطالع يقوله المحدثون بكسر الياء قال وقال بعضهم هو بفتح الياء لانه لم يأت في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسور الا يسار لليد قلت والاشهر عند أهل اللغة اساف بالهمزة وقد ذكره بن السكيت وبن قتيبة وغيرهما فيما يغيره الناس ويلحنون فيه فقال هو هلال بن اساف وأما أبو يحيى فالاكثرون على أن اسمه مصدع بكسر الميم واسكان الصاد وفتح الدال وبالعين المهملات وقال يحيى بن معين اسمه زياد الاعرج المعرقب الانصاري والله اعلم قوله ( فتوضؤا وهم عجال ) هو بكسر العين جمع عجلان وهو المستعجل كغضبان وغضاب قوله ( حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك ) أما أبو عوانة فتقدم أن اسمه الوضاح بن عبد الله وأما أبو بشر فهو جعفر بن أبي وحشية وأما ماهك فبفتح الهاء وهو غيره مصروف لانه اسم عجمي علم قوله ( وقد حضرت صلاة العصر ) أى جاء وقت فعلها ويقال حضرت بفتح الضاد وكسرها لغتان الفتح أشهر قوله ( يتوضؤن من المطهرة ) قال العلماء المطهرة كل اناء يتطهر به وهي بكسر الميم وفتحها لغتان مشهورتان وذكرهما بن السكيت من كسر جعلها آلة ومن فتحها جعلها موضعا يفعل فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( ويل للعراقيب من النار ) العراقيب جمع عرقوب بضم العين في المفرد وفتحها في الجمع وهوالعصبة التي فوق العقب ومعنى ويل لهم هلكة وخيبة

قسم V03/P130–V03/P133

1 ( باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة ) فيه ( أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على ظهر قدمه فابصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال ارجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى ) فى هذا الحديث أن من ترك جزءا يسيرا مما يجب تطهيره لا تصح طهارته وهذا متفق عليه واختلفوا فى المتيمم يترك بعض وجهه فمذهبنا ومذهب الجمهور انه لا يصح كما لا يصح وضوءه وعن أبى حنيفة ثلاث روايات احداها إذا ترك أقل من النصف أجزأه والثانية إذا ترك أقل من قدر الدرهم أجزأه والثالثة إذا ترك الربع فما دونه أجزأه وللجمهور أن يحتجوا بالقياس والله أعلم وفي هذا الحديث دليل على أن من ترك شيئا من أعضاء طهارته جاهلا لم تصح طهارته وفيه تعليم الجاهل والرفق به وقد استدل به جماعة على أن الواجب في الرجلين الغسل دون المسح واستدل القاضي عياض رحمه الله تعالى وغيره بهذا الحديث على وجوب الموالاة في الوضوء لقوله صلى الله عليه وسلم أحسن وضوءك ولم يقل اغسل الموضع الذي تركته وهذا الاستدلال ضعيف أو باطل فان قوله صلى الله عليه وسلم أحسن وضوءك محتمل للتتميم والاستئناف وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر والله أعلم وفي الظفر لغتان أجودهما ظفر بضم الظاء والفاء وبه جاء القرآن العزيز ويجوز اسكان الفاء على هذا ويقال ظفر بكسر الظاء واسكان الفاء وظفر بكسرهما وقرئ بهما في الشواذ وجمعه أظفار وجمع الجمع أظافير ويقال في الواحد أيضا أظفور والله أعلم 1 ( باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء ) فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر اليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فاذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فاذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب ) أما قوله المسلم أو المؤمن فهو شك من الرواي وكذا قوله مع الماء أو مع آخر قطر الماء هو شك أيضا والمراد بالخطايا الصغائر دون الكبائر كما تقدم بيانه وكما في الحديث الآخر مالم تغش الكبائر قال القاضي والمراد بخروجها مع الماء المجاز والاستعارة في غفرانها لانها ليست بأجسام فتخرج حقيقة والله أعلم وفي هذا الحديث دليل على الرافضة وابطال لقولهم الواجب مسح الرجلين وقوله صلى الله عليه وسلم بطشتها يداه ومشتها رجلاه معناه اكتسبتها قوله ( حدثنا محمد بن معمر بن ربعى القيسي حدثنا أبو هشام المخزومي ) هكذا هو في جميع الاصول التي ببلادنا أبو هشام وهو الصواب وكذا حكاه القاضي عياض رحمه الله تعالى عن بعض رواتهم قال ووقع لاكثر الرواة أبو هاشم قال والصواب الاول واسمه المغيرة بن سلمة وكان من الأخبار المتعبدين المتواضعين رضي الله تعالى عنه 1 ( باب استحباب اطالة الغرة والتحجيل في الوضوء )

قسم V03/P133–V03/P140

اعلم أن هذه الاحاديث مصرحة باستحباب تطويل الغرة والتحجيل أما تطويل الغرة فقال أصحابنا هو غسل شئ من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائد على الجزء الذي يجب غسله لا ستيقان كمال الوجه وأما تطويل التحجيل فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين وهذا مستحب بلا خلاف بين أصحابنا واختلفوا في قدر المستحب على أوجه أحدها أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت والثاني يستحب إلى نصف العضد والساق والثالث يستحب إلى المنكبين والركبتين وأحاديث الباب تقتضي هذا كله وأما دعوى الامام أبي الحسن بن بطال المالكي والقاضي عياض اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب فباطلة وكيف تصح دعواهما وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي هريرة رضي الله عنه وهو مذهبنا لا خلاف فيه عندنا كما ذكرناه ولو خالف فيه مخالف كان محجوجا بهذه السنن الصحيحة الصريحة وأما احتجاجهما بقوله صلى الله عليه وسلم من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم فلا يصح لان المراد من زاد في عدد المرات والله أعلم قوله ( عن نعيم بن عبد الله المجمر ) هو بضم الميم الاولى واسكان الجيم وكسر الميم الثانية ويقال المجمر بفتح الجيم وتشديد الميم الثانية المكسورة وقيل له المجمر الأنه كان يجمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أى يبخره والمجمر صفة لعبد الله ويطلق على ابنه نعيم مجازا والله أعلم قوله ( أشرع في العضد واشرع في الساق ) معناه أدخل الغسل فيهما قوله صلى الله عليه وسلم ( أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من آثار الوضوء ) قال أهل اللغة الغرة بياض في جبهة الفرس والتحجيل بياض في يديها ورجليها قال العلماء سمى النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلا تشبيها بغرة الفرس والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون على غرا محجلين من أثر الوضوء ) أما السيما فهي العلامة وهي مقصورة وممدودة لغتان ويقال السيميا بياء بعد الميم مع المد وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة زادها الله تعالى شرفا وقال آخرون ليس الوضوء مختصا وانما الذي اختصت به هذه الأمة الغرة والتحجيل واحتجوا بالحديث الآخر هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلى وأجاب الأولون عن هذا بجوابين أحدهما أنه حديث ضعيف معروف الضعف والثاني لو صح احتمل أن يكون الأنبياء اختصت بالوضوء دون أممهم الا هذه الأمة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( واني لأصد الناس عنه ) وفي الرواية الأخرى ( وأنا أذود الناس عنه ) هما بمعنى أطرد وأمنع قوله صلى الله عليه وسلم ( فيجيبنى ملك ) هكذا هو في جميع الأصول فيجيبنى بالباء الموحدة من الجواب وكذا نقله القاضي عياض عن جميع الرواة الا بن أبي جعفر من رواتهم فانه عنده فيجيئنى بالهمز من المجيء والأول أظهر والثاني وجه والله أعلم قوله ( وهل تدرى ما أحدثوا بعدك ) وفي الرواية الأخرى قد بدلوا بعدك فأقول سحقا سحقا هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال أحدها أن المراد به المنافقون والمرتدون فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم للسيما التي عليهم فيقال ليس هؤلاء مما وعدت بهم أن هؤلاء بدلوا بعدك أى لم يموتوا على ما ظهر من اسلامهم والثاني أن المراد من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد بعده فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم وان لم يكن عليهم سيما الوضوء لما كان يعرفه صلى الله عليه وسلم في حياته من اسلامهم فيقال ارتدوا بعدك والثالث أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الاسلام وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار بل يجوز أن يزادوا عقوبة لهم ثم يرحمهم الله سبحانه وتعالى فيدخلهم الجنة بغير عذاب قال أصحاب هذا القول ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل ويحتمل أن يكون كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده لكن عرفهم بالسيما وقال الامام الحافظ أبو عمرو بن عبد البر كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الأهواء قال وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق والمعلنون بالكبائر قال وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي بيده ) فيه جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف ولا ضرورة ودلائله كثيرة قوله ( سريج بن يونس ) هو بالسين المهملة وبالجيم وتقدم أن يونس بضم النون وكسرها وفتحها مع الهمز فيهن وتركه والله أعلم قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وانا إن شاء الله بكم لا حقون ) أما المقبرة فبضم الباء وفتحها وكسرها ثلاث لغات الكسر قليل وأما دار قوم فهو بنصب دار قال صاحب المطالع هو منصوب على الاختصاص أو النداء المضاف والأول أظهر قال ويصح الخفض على البدل من الكاف والميم في عليكم والمراد بالدار على هذين الوجهين الأخيرين الجماعة أو أهل الدار وعلى الأول مثله أو المنزل وأما قوله صلى الله عليه وسلم وانا أن شاء الله بكم لاحقون فأتى بالاستثناء مع أن الموت لا شك فيه وللعلماء فيه أقوال أظهرها أنه ليس للشك ولكنه صلى الله عليه وسلم قاله للتبرك وامتثال أمر الله تعالى في قوله ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله والثاني حكاه الخطابي وغيره أنه عادة للمتكلم يحسن به كلامه والثالث أن الاستثناء عائد إلى اللحوق في هذا المكان وقيل معناه اذ شاء الله وقيل أقوال أخر ضعيفة جدا تركتها لضعفها وعدم الحاجة اليها منها قول من قال الاستثناء منقطع راجع إلى استصحاب الايمان وقول من قال كان معه صلى الله عليه وسلم مؤمنون حقيقة وآخرون يظن بهم النفاق فعاد الاستثناء اليهم وهذان القولان وان كانا مشهورين فيهما خطأ ظاهر والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وددت أنا قد رأينا اخواننا قالوا أو لسنا اخوانك يا رسول الله قال بل أنتم أصحابي واخواننا الذين لم يأتوا بعد ) قال العلماء في هذا الحديث جواز التمنى لا سيما في الخير ولقاء الفضلاء وأهل الصلاح والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم وددت أنا قد رأينا اخواننا أى رأيناهم في الحياة الدنيا قال القاضي عياض وقيل المراد تمنى لقائهم بعد الموت قال الإمام الباجي قوله صلى الله عليه وسلم بل أنتم أصحابي ليس نفيا لاخوتهم ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة فهؤلاء اخوة صحابة والذين لم يأتوا اخوة ليسوا بصحابة كما قال الله تعالى إنما المؤمنون إخوة قال القاضي عياض ذهب أبو عمرو بن عبد البر في هذا الحديث وغيره من الأحاديث في فضل من يأتي آخر الزمان إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من هو أفضل ممن كان من جملة الصحابة وأن قوله صلى الله عليه وسلم خيركم قرني على الخصوص معناه خير الناس قرني أى السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ومن سلك مسلكهم فهؤلاء أفضل الأمة وهم المرادون بالحديث وأما من خلط في زمنه صلى الله عليه وسلم وان رآه وصحبه أو لم يكن له سابقة ولا أثر في الدين فقد يكون في القرون التي تأتي بعد القرن الأول من يفضلهم على ما دلت عليه الآثار قال القاضي وقد ذهب إلى هذا أيضا غيره من المتكلمين على المعاني قال وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا وأن من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ورآه مرة من عمره وحصلت له مزية الصحبة أفضل من كل من يأتي بعد فان فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل قالوا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه هذا كلام القاضي والله أعلم قوله ( لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ) أما بين ظهري فمعناه بينهما وهو بفتح الظاء واسكان الهاء وأما الدهم فجمع أدهم وهو الأسود والدهمة السواد وأما البهم فقيل السود أيضا وقيل البهم الذي لا يخالط لونه لونا سواه سواء كان أسود أو أبيض أو أحمر بل يكون لونه خالصا وهذا قول بن السكيت وأبي حاتم السختياني وغيرهما قوله صلى الله عليه وسلم ( وأنا فرطهم على الحوض ) قال الهروي وغيره معناه أنا أتقدمهم على الحوض يقال فرط القوم إذا تقدمهم ليرتاد لهم الماء ويهيء لهم الدلاء والرشا وفي هذا الحديث بشارة لهذه الأمة زادها الله تعالى شرفا فهنيئا لمن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فرطه قوله صلى الله عليه وسلم ( أناديهم ألا هلم ) معناه تعالوا قال أهل اللغة في هلم لغتان أفصحهما هلم للرجل والرجلين والمرأة والجماعة من الصنفين بصيغة واحدة وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله تعالى هلم شهداءكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا واللغة الثانية هلم يارجل وهلما يارجلان وهلموا يارجال وللمرأة هلمي وللمرأتان هلمتا وللنسوة هلمن قال بن السكيت وغيره الأولى أفصح كما قدمناه قوله صلى الله عليه وسلم ( فأقول سحقا سحقا ) هكذا هو في الروايات سحقا سحقا مرتين ومعناه بعدا بعدا والمكان السحيق البعيد وفى سحقا سحقا لغتان قرئ بهما فى السبع اسكان الحاء وضمها قرأ الكسائى بالضم والباقون بالاسكان ونصب على تقدير ألزمهم الله سحقا أو سحقهم سحقا قوله ( فقلت يا أبا هريرة ما هذا الوضوء فقال يا بنى فروخ أنتم ها هنا لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء سمعت خليلى صلى الله عليه وسلم يقول تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ) أما فروخ فبفتح الفاء وتشديد الراء وبالخاء المعجمة قال صاحب العين فروخ بلغنا أنه كان من ولد إبراهيم صلى الله عليه وسلم من ولد كان بعد إسماعيل واسحاق كثر نسله ونما عدده فولد العجم الذين هم فى وسط البلاد قال القاضي عياض أراد أبو هريرة هنا الموالى وكان خطابه لأبى حازم قال القاضي وانما أراد أبو هريرة بكلامه هذا أنه لا ينبغى لمن يقتدى به إذا ترخص فى أمر لضرورة أو تشدد فيه لوسوسة أو لاعتقاده فى ذلك مذهبا شذ به عن الناس أن يفعله بحضرة العامة الجهلة لئلا يترخصوا برخصته لغير ضرورة أو يعتقدوا أن ما تشدد فيه هو الفرض اللازم هذا كلام القاضي والله أعلم

قسم V03/P140–V03/P141

1 ( باب فضل اسباغ الوضوء على المكاره ) فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال اسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط ) قال القاضي عياض محو الخطايا كناية عن غفرانها قال ويحتمل محوها من كتاب الحفظة ويكون دليلا على غفرانها ورفع الدرجات اعلاء المنازل في الجنة واسباغ الوضوء تمامه والمكاره تكون بشدة البرد وألم الجسم ونحو ذلك وكثرة الخطا تكون ببعد الدار وكثرة التكرار وانتظار الصلاة بعد الصلاة قال القاضي أبو الوليد الباجي هذا في المشتركتين من الصلوات في الوقت وأما غيرهما فلم يكن من عمل الناس وقوله فذلكم الرباط أى الرباط المرغب فيه وأصل الرباط الحبس على الشئ كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة قيل ويحتمل أنه أفضل الرباط كما قيل الجهاد جهاد النفس ويحتمل أنه الرباط المتيسر الممكن أى أنه من أنواع الرباط هذا آخر كلام القاضي وكله حسن الا قول الباجي في انتظار الصلاة فان فيه نظرا والله أعلم قوله ( وفي حديث مالك ثنتين فذلكم الرباط فذلكم الرباط هكذا هو في الأصول ثنتين وهو صحيح ونصبه بتقدير فعل أى ذكر ثنتين أو كرر ثنتين ثم أنه كذا وقع في رواية مسلم تكراره مرتين وفي الموطأ ثلاث مرات فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط وأما حكمة تكراره فقيل للاهتمام به وتعظيم شأنه وقيل كرره صلى الله عليه وسلم على عادته في تكرار الكلام ليفهم عنه والأول أظهر والله أعلم 1 ( باب السواك )

قسم V03/P141–V03/P145

قال أهل اللغة السواك بكسر السين وهو يطلق على الفعل وعلى العود الذي يتسوك به وهو مذكر قال الليث وتؤنثه العرب أيضا قال الأزهري هذا من عدد الليث أى من أغاليطه القبيحة وذكر صاحب المحكم أنه يؤنث ويذكر والسواك فعلك بالسواك ويقال ساك فمه يسوكه سوكا فان قلت استاك لم يذكر الفم وجمع السواك سوك بضمتين ككتاب وكتب وذكر صاحب المحكم أنه يجوز أيضا سؤك بالهمز ثم قيل أن السواك مأخوذ من ساك إذا دلك وقيل من جاءت الابل تساوك أى تتمايل هزالا وهو في اصطلاح العلماء استعمال عود أو نحوه في الاسنان لتذهب الصفرة وغيرها عنها والله أعلم ثم أن السواك سنة ليس بواجب في حال من الأحوال لا في الصلاة ولا في غيرها بإجماع من يعتد به في الاجماع وقد حكى الشيخ أبو حامد الاسفراينى امام أصحابنا العراقيين عن داود الظاهري أنه أوجبه للصلاة وحكاه الماوردي عن داود وقال هو عنده واجب لو تركه لم تبطل صلاته وحكى عن إسحاق بن راهويه أنه قال هو واجب فان تركه عمدا بطلت صلاته وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود وقالوا مذهبه أنه سنة كالجماعة ولو صح ايجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الاجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون وأما إسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه والله أعلم ثم أن السواك مستحب في جميع الأوقات ولكن في خمسة أوقات أشد استحبابا أحدها عند الصلاة سواء كان متطهرا بماء أو بتراب أو غير متطهر كمن لم يجد ماء ولا ترابا الثاني عند الوضوء الثالث عند قراءة القرآن الرابع عند الاستيقاظ من النوم الخامس عند تغير الفم وتغيره يكون بأشياء منها ترك الأكل والشرب ومنها أكل ما له رائحة كريهة ومنها طول السكوت ومنها كثرة الكلام ومذهب الشافعي أن السواك يكره للصائم بعد زوال الشمس لئلا يزيل رائحة الخلوف المستحبة ويستحب أن يستاك بعود من أراك وبأى شئ استاك مما يزيل التغير حصل السواك كالخرقة الخشنة والسعد والاشنان وأما الاصبع فان كانت لينة لم يحصل بها السواك وان كانت خشنة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا المشهور لا تجزي والثاني تجزي والثالث تجزي إن لم يجد غيرها ولا تجزي إن وجد والمستحب أن يستاك بعود متوسط لا شديد اليبس يجرح ولا رطب لا يزيل والمستحب أن يستاك عرضا ولا يستاك طولا لئلا يدمي لحم أسنانه فان خالف واستاك طولا حصل السواك مع الكراهة ويستحب أن يمر السواك أيضا على طرف أسنانه وكراسى أضراسه وسقف حلقه أمرارا لطيفا ويستحب أن يبدأ في سواكه بالجانب الأيمن من فيه ولا بأس باستعمال سواك غيره باذنه ويستحب أن يعود الصبي السواك ليعتاده قوله صلى الله عليه وسلم ( لولا أن أشق على المؤمنين أو على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) فيه دليل على أن السواك ليس بواجب قال الشافعي رحمه الله تعالى لو كان واجبا لأمرهم به شق أو لم يشق قال جماعات من العلماء من الطوائف فيه دليل على أن الأمر للوجوب وهو مذهب أكثر الفقهاء وجماعات من المتكلمين وأصحاب الأصول قالوا وجه الدلالة أنه مسنون بالاتفاق فدل على أن المتروك ايجابه وهذا الاستدلال يحتاج في تمامه إلى دليل على أن السواك كان مسنونا حالة قوله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم وقال جماعة أيضا فيه دليل على أن المندوب ليس مأمورا به وهذا فيه خلاف لأصحاب الأصول ويقال في هذا الاستدلال ما قدمناه في الاستدلال على الوجوب والله أعلم وفيه دليل على جواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى وهذا مذهب أكثر الفقهاء وأصحاب الأصول وهو الصحيح المختار وفيه بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الرفق بأمته صلى الله عليه وسلم وفيه دليل على فضيلة السواك عند كل صلاة وقد تقدم بيان وقت استحبابه قوله ( حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا حماد بن زيد عن غيلان وهو بن جرير المعولي عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه ) هذا الاسناد كله بصريون الا أبا بردة فانه كوفي وأما أبو موسى الأشعري فكوفي بصرى واسم أبي بردة عامر وقيل الحارث والمعولي بفتح الميم واسكان العين المهملة وفتح الواو منسوب إلى المعاول بطن من الأزهد وهذا الذي ذكرته من ضبطه متفق عليه عند أهل العلم بهذا الفن وكلهم مصرحون به والله أعلم قوله ( إذا دخل بيته بدأ بالسواك ) فيه بيان فضيلة السواك في جميع الأوقات وشدة الاهتمام به وتكراره والله أعلم قوله ( إذا قام ليتهجد يشوص فاه بالسواك ) أما التهجد فهو الصلاة في الليل ويقال هجد الرجل إذا نام وتهجد إذا خرج من الهجود وهو النوم بالصلاة كما يقال تحنث وتأثم وتحرج إذا اجتنب الحنث والاثم والحرج وأما قوله يشوص فاه بالسواك فهو بفتح الياء وضم الشين المعجمة وبالصاد المهملة والشوص دلك الاسنان بالسواك عرضا قاله بن الأعرابي وابراهيم الحربي وأبو سليمان الخطابي وآخرون وقيل هو الغسل قاله الهروي وغيره وقيل التنقية قاله أبو عبيد والداودي وقيل هو الحك قاله أبو عمرو بن عبد البر تأوله بعضهم أنه بأصبعه فهذه أقوال الأئمة فيه وأكثرها متقاربة وأظهرها الأول وما في معناه والله أعلم قوله ( حدثنا أبو المتوكل أن بن عباس حدثه ) إلى آخر هذا الحديث فيه فوائد كثيرة ويستنبط منه أحكام نفيسة وقد ذكره مسلم رحمه الله تعالى هنا مختصرا وقد بسط طرقه في كتاب الصلاة وهناك نبسط شرحه وفوائده إن شاء الله تعالى ونذكر هنا أحرفا تتعلق بهذا القدر منه هنا فاسم أبي المتوكل على بن داود ويقال بن داود البصري وقوله ( فخرج فنظر إلى السماء ثم تلا هذه الآية في آل عمران إن في خلق السماوات والأرض الآيات ) فيه أنه يستحب قراءتها عند الاستيقاظ في الليل مع النظر إلى السماء لما في ذلك من عظيم التدبر واذا تكرر نومه واستيقاظه وخروجه استحب تكريره قراءة هذه الآيات كما ذكر في الحديث والله سبحانه وتعالى أعلم

قسم V03/P145

1 ( باب خصال الفطرة )

قسم V03/P145–V03/P150

فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( الفطرة خمس أو خمس من الفطرة ) هذا شك من الراوي هل قال الأول أو الثاني وقد جزم في الرواية الثانية فقال الفطرة خمس ثم فسر صلى الله عليه وسلم الخمس فقال ( الختان والاستحداد وتقليم الأظفار ونتف الابط وقص الشارب ) وفي الحديث الآخر ( عشر من الفطرة قص الشارب واعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الابط وحلق العانة وانتقاص الماء قال مصعب ونسيت العاشرة الا أن تكون المضمضة ) أما قوله صلى الله عليه وسلم الفطرة خمس فمعناه خمس من الفطرة كما في الرواية الأخرى عشر من الفطرة وليست منحصرة في العشر وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى عدم انحصارها فيها بقوله من الفطرة والله أعلم وأما الفطرة فقد اختلف في المراد بها هنا فقال أبو سليمان الخطابي ذهب أكثر العلماء إلى أنها السنة وكذا ذكره جماعة غير الخطابي قالوا ومعناه أنها من سنن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقيل هي الدين ثم إن معظم هذه الخصال ليست بواجبة عند العلماء وفي بعضها خلاف في وجوبه كالختان والمضمضة والاستنشاق ولا يمتنع قرن الواجب بغيره كما قال الله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده والايتاء واجب والأكل ليس بواجب والله أعلم أما تفصيلها فالختان واجب عند الشافعي وكثير من العلماء وسنة عند مالك وأكثر العلماء وهو عند الشافعي واجب على الرجال والنساء جميعا ثم إن الواجب في الرجل أن يقطع جميع الجلدة التي تغطى الحشفة حتى ينكشف جميع الحشفة وفي المرأة يجب قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج والصحيح من مذهبنا الذي عليه جمهور أصحابنا أن الختان جائز في حال الصغر ليس بواجب ولنا وجه أنه يجب على الولي أن يختن الصغير قبل بلوغه ووجه أنه يحرم ختانه قبل عشر سنين واذا قلنا بالصحيح استحب أن يختن في اليوم السابع من ولادته وهل يحسب يوم الولادة من السبع أم تكون سبعة سواه فيه وجهان أظهرهما يحسب واختلف أصحابنا في الخنثى المشكل فقيل يجب ختانه في فرجيه بعد البلوغ وقيل لا يجوز حتى يتبين وهو الأظهر وأما من له ذكران فان كانا عاملين وجب ختانهما وان كان أحدهما عاملا دون الآخر ختن العامل وفيما يعتبر العمل به وجهان أحدهما بالبول والآخر بالجماع ولو مات انسان غير مختون ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا الصحيح المشهور أنه لا يختن صغيرا كان أو كبيرا والثاني يختن الكبير دون الصغير والله أعلم وأما الاستحداد فهو حلق العانة سمى استحدادا لاستعمال الحديدة وهي الموسى وهو سنة والمراد به نظافة ذلك الموضع والأفضل فيه الحلق ويجوز بالقص والنتف والنورة والمراد بالعانة الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه وكذاك الشعر الذي حوالي فرج المرأة ونقل عن أبي العباس بن سريج أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر فيحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما وأما وقت حلقه فالمختار أنه يضبط بالحاجة وطوله فاذا طال حلق وكذلك الضبط في قص الشارب ونتف الابط وتقليم الأظفار وأما حديث أنس المذكور في الكتاب ( وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الابط وحلق العانة ألا يترك أكثر من أربعين ليلة ) فمعناه لا يترك تركا يتجاوز به أربعين لا أنهم وقت لهم الترك أربعين والله أعلم وأما تقليم الأظفار فسنة ليس بواجب وهو تفعيل من القلم وهو القطع ويستحب أن يبدأ باليدين قبل الرجلين فيبدأ بمسبحة يده اليمنى ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الابهام ثم يعود إلى اليسري فيبدأ بخنصرها ثم ببنصرها إلى آخرها ثم يعود إلى الرجلين اليمنى فيبدأ بخنصرها ويختم بخنصر اليسرى والله أعلم أما نتف الابط فسنة بالاتفاق والأفضل فيه النتف لمن قوى عليه ويحصل أيضا بالحلق وبالنورة وحكى عن يونس بن عبد الأعلى قال دخلت على الشافعي رحمه الله وعنده المزين يحلق ابطه فقال الشافعي علمت أن السنة النتف ولكن لا أقوى على الوجع ويستحب أن يبدأ بالابط الأيمن وأما قص الشارب فسنة أيضا ويستحب أن يبدأ بالجانب الأيمن وهو مخير بين القص بنفسه وبين أن يولى ذلك غيره لحصول المقصود من غير هتك مرؤة ولا حرمة بخلاف الابط والعانة وأما حد ما يقصه فالمختار أنه يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله وأما روايات احفوا الشوارب فمعناها احفوا ما طال على الشفتين والله أعلم وأما اعفاء اللحية فمعناه توفيرها وهو معنى أوفوا اللحى في الرواية الأخرى وكان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشرع عن ذلك وقد ذكر العلماء في اللحية عشر خصال مكروهة بعضها أشد قبحا من بعض احداها خضابها بالسواد إلا لغرض الجهاد الثانية خضابها بالصفرة تشبيها بالصالحين لا لاتباع السنة الثالثة تبييضها بالكبريت أو غيره استعجالا للشيخوخة لأجل الرياسة والتعظيم وايهام أنه من المشايخ الرابعة نتفها أو حلقها أول طلوعها ايثارا للمرودة وحسن الصورة الخامسة نتف الشيب السادسة تصفيفها طاقة فوق طاقة تصنعا ليستحسنه النساء وغيرهن السابعة الزيادة فيها والنقص منها بالزيادة في شعر العذار من الصدغين أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس ونتف جانبي العنفقة وغير ذلك الثامنة تسريحها تصنعا لأجل الناس التاسعة تركها شعثة ملبدة اظهارا للزهادة وقلة المبالاة بنفسه العاشرة النظر إلى سوادها وبياضها اعجابا وخيلاء وغرة بالشباب وفخرا بالمشيب وتطاولا على الشباب الحادية عشر عقدها وضفرها الثانية عشر حلقها الا إذا نبت للمرأة لحية فيستحب لها حلقها والله أعلم وأما الاستنشاق فتقدم بيان صفته واختلاف العلماء في وجوبه واستحبابه وأما غسل البراجم فسنة مستقلة ليست مختصة بالوضوء والبراجم بفتح الباء وبالجيم جمع برجمة بضم الباء والجيم وهي عقد الأصابع ومفاصلها كلها قال العلماء ويلحق بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الاذن وهو الصماخ فيزيله بالمسح لأنه ربما أضرت كثرته بالسمع وكذلك ما يجتمع في داخل الانف وكذلك جميع الوسخ المجتمع على أى موضع كان من البدن بالعرق والغبار ونحوهما والله أعلم واما انتقاص الماء فهو بالقاف والصاد المهملة وقد فسره وكيع في الكتاب بأنه الاستنجاء وقال أبو عبيدة معناه انتقاص البول بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيره وقيل هو الانتضاح وقد جاء في رواية الانتضاح بدل انتقاص الماء قال الجمهور الانتضاح نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس وقيل هو الاستنجاء بالماء وذكر بن الأثير أنه روى انتقاص الماء بالفاء والصاد المهملة وقال في فصل الفاء قيل الصواب أنه بالفاء قال والمراد نضحه على الذكر من قولهم لنضح الدم القليل نفصه وجمعها نفص وهذا الذي نقله شاذ والصواب ما سبق والله أعلم وأما قوله ونسيت العاشرة الا أن تكون المضمضة فهذا شك منه فيها قال القاضي عياض ولعلها الختان المذكور مع الخمس وهو أولى والله أعلم فهذا مختصر ما يتعلق بالفطرة وقد أشبعت القول فيها بدلائلها وفروعها في شرح المهذب والله أعلم قوله عن جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن أنس رضي الله عنه قال وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الابط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة قد تقدم بيانه وأن معناه أن لا نترك تركا يتجاوز الاربعين وقوله وقت لنا هو من الأحاديث المرفوعة مثل قوله أمرنا بكذا وقد تقدم بيان هذا في الفصول المذكورة في أول هذا الكتاب وقد جاء في غير صحيح مسلم وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم قال القاضي عياض قال العقيلي في حديث جعفر هذا نظر قال وقال أبو عمر يعنى بن عبد البر لم يروه الا جعفر بن سليمان وليس بحجة لسوء حفظه وكثرة غلطه قلت وقد وثق كثير من الأئمة المتقدمين جعفر بن سليمان ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به وقد تابعه غيره قوله صلى الله عليه وسلم أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى وفي الرواية الاخرى وأوفوا اللحى هو بقطع الهمزة في أحفوا وأعفوا وأوفوا وقال بن دريد يقال أيضا حفا الرجل شاربه يحفوه حفوا إذا استأصل أخذ شعره فعلى هذا تكون همزة احفوا همزة وصل وقال غيره عفوت الشعر وعفيته لغتان وقد تقدم بيان معنى إحفاء الشوارب وإعفاء اللحى وأما أوفوا فهو بمعنى أعفوا أي اتركوها وافية كاملة لا تقصوها قال بن السكيت وغيره يقال في جمع اللحية لحى ولحى بكسر اللام وبضمها لغتان الكسر أفصح قوله صلى الله عليه وسلم أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى وفي الرواية الأخرى وأوفوا اللحى هو بقطع الهمزة في أحفوا وأعفوا وأوفوا وقال بن دريد يقال أيضا حفا الرجل شاربه يحفوه حفوا إذا استأصل أخذ شعره فعلى هذا تكون همزة احفوا همزة وصل وقال غيره عفوت الشعر وأعفيته لغتان وقد تقدم بيان معنى احفاء الشوارب واعفاء اللحى وأما أوفوا فهو بمعنى أعفوا أى اتركوها وافية كاملة لا تقصوها قال بن السكيت وغيره يقال في جمع اللحية لحى ولحى بكسر اللام وبضمها لغتان الكسر أفصح وأما قوله صلى الله عليه وسلم وأرخوا فهو أيضا بقطع الهمزة وبالخاء المعجمة ومعناه اتركوها ولا تتعرضوا لها بتغيير وذكر القاضي عياض أنه وقع في رواية الاكثرين كما ذكرنا وأنه وقع عند بن ماهان ارجوا بالجيم قيل هو بمعنى الأول وأصله أرجئوا بالهمزة فحذفت الهمزة تخفيفا ومعناه أخروها اتركوها وجاء في رواية البخاري وفروا اللحى فحصل خمس روايات أعفوا وأوفوا وأرخوا وارجوا ووفروا ومعناها كلها تركها على حالها هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا وغيرهم من العلماء وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى يكره حلقها وقصها وتحريقها وأما الاخذ من طولها وعرضها فحسن وتكره الشهرة في تعظيمها كما تكره في قصها وجزها قال وقد اختلف السلف هل لذلك حد فمنهم من لم يحدد شيئا في ذلك الا أنه لا يتركها لحد الشهرة وياخذ منها وكره مالك طولها جدا ومنهم من حدد بما زاد على القبضة فيزال ومنهم من كره الاخذ منها الا في حج أوعمرة قال وأما الشارب فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم احفوا وانهكوا وهو قول الكوفيين وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال وقاله مالك وكان يرى حلقه مثلة ويأمر بأدب فاعله وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه ويذهب هؤلاء إلى أن الإحفاء والجز والقص بمعنى واحد وهو الأخذ منه حتى يبدو طرف الشفة وذهب بعض العلماء إلى التخيير بين الأمرين هذا آخر كلام القاضي والمختار ترك اللحية على حالها وألا يتعرض لها بتقصير شئ أصلا والمختار في الشارب ترك الاستئصال والاقتصار على ما يبدو به طرف الشفة والله أعلم

قسم V03/P150

1 ( باب الاستطابة )

قسم V03/P150–V03/P163

وهو مشتمل على النهى عن استقبال القبلة في الصحراء بغائط أو بول وعن الاستنجاء باليمين وعن مس الذكر باليمين وعن التخلى في الطريق والظل وعن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار وعن الاستنجاء بالرجيع والعظم وعلى جواز الاستنجاء بالماء في الباب حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه ( قيل له قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شئ حتى الخراءة قال فقال أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو عظم ) وفيه حديث أبي أيوب ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا ) وفيه حديث أبي هريرة ( إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبلن القبلة ولا يستدبرها ) وفيه حديث بن عمر ( قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته ) وفي رواية ( مستقبل الشام مستدبر القبلة ) وفيه غير ذلك من الاحاديث أما الخراءة فبكسر الخاء المعجمة وتخفيف الراء وبالمد وهي اسم لهيئة الحدث وأما نفس الحدث فبحذف التاء وبالمد مع فتح الخاء وكسرها قوله أجل معناه نعم وهى بتخفيف اللام ومراد سلمان رضى الله عنه أنه علمنا كل ما نحتاج إليه فى ديننا حتى الخراءة التى ذكرت أيها القائل فانه علمنا آدابها فنهانا فيها عن كذا وكذا والله أعلم قوله نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول كذا ضبطناه فى مسلم لغائط باللام وروى فى غيره بغائط وروى للغائط باللام والباء وهما بمعنى وأصل الغائط المطمئن من الأرض ثم صار عبارة عن الخارج المعروف من دبر الآدمى وأما النهى عن الاستقبال للقبلة بالبول والغائط فقد اختلف العلماء فيه على مذاهب أحدها مذهب مالك والشافعى رحمهما الله تعالى انه يحرم استقبال القبلة فى الصحراء بالبول والغائط ولا يحرم ذلك فى البنيان وهذا مروى عن العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر رضى الله عنهما والشعبى واسحق بن راهويه وأحمد بن حنبل فى احدى الروايتين رحمهم الله والمذهب الثانى أنه لايجوز ذلك لا فى البنيان ولا فى الصحراء وهو قول أبى أيوب الأنصارى الصحابى رضى الله عنه ومجاهد وابراهيم النخعى وسفيان الثورى وأبى ثور وأحمد فى رواية والمذهب الثالث جواز ذلك فى البنيان والصحراء جميعا وهو مذهب عروة بن الزبير وربيعة شيخ مالك رضي الله عنهم وداود الظاهري والمذهب الرابع لا يجوز الاستقبال لا في الصحراء ولا في البنيان ويجوز الاستدبار فيهما وهي احدى الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى واحتج المانعون مطلقا بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي مطلقا كحديث سلمان المذكور وحديث أبي أيوب وأبي هريرة وغيرهما قالوا ولأنه انما منع لحرمة القبلة وهذا المعنى موجود في البنيان والصحراء ولأنه لو كان الحائل كافيا لجاز في الصحراء لان بيننا وبين الكعبة جبالا وأودية وغير ذلك من أنواع الحائل واحتج من أباح مطلقا بحديث بن عمر رضي الله عنهما المذكور في الكتاب أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستقبلا بيت المقدس مستدبر القبلة وبحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن أناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن أناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو قد فعلوها حولوا بمقعدي أى إلى القبلة رواه أحمد بن حنبل في مسنده وبن ماجه واسناده حسن واحتج من اباح الاستدبار دون الاستقبال بحديث سلمان واحتج من حرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء وأباحهما في البنيان بحديث بن عمر رضي الله عنهما المذكور في الكتاب وبحديث عائشة الذي ذكرناه وفي حديث جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها رواه أبو داود والترمذي وغيرهما واسناده حسن وبحديث مروان الأصغر قال رأيت بن عمر رضي الله عنهما أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول اليها فقلت يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهى عن هذا فقال بلى انما نهى عن ذلك في الفضاء فاذا كان بينك وبين القبلة شئ يسترك فلا بأس رواه أبو داود وغيره فهذه أحاديث صحيحة مصرحة بالجواز في البنيان وحديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم وردت بالنهي فيحمل على الصحراء ليجمع بين الأحاديث ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه فوجب المصير إليه وفرقوا بين الصحراء والبنيان من حيث المعنى بأنه يلحقه المشقة في البنيان في تكليفه ترك القبلة بخلاف الصحراء وأما من أباح الاستدبار فيحتج على رد مذهبه بالأحاديث الصحيحة المصرحة بالنهى عن الاستقبال والاستدبار جميعا كحديث أبي أيوب وغيره والله أعلم ( فرع ) في مسائل تتعلق باستقبال القبلة لقضاء الحاجة على مذهب الشافعي رضي الله عنه احداها المختار عند أصحابنا أنه انما يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان إذا كان قريبا من ساتر من جدران ونحوها من حيث يكون بينه وبينه ثلاثة أذرع فما دونها وبشرط آخر وهو أن يكون الحائل مرتفعا بحيث يستر أسافل الانسان وقدروه باخرة الرحل وهي نحو ثلثى ذراع فان زاد ما بينه وبينه على ثلاثة أذرع أو قصر الحائل عن اخرة الرحل فهو حرام كالصحراء الا اذا كان في بيت بني لذلك فلا حجر فيه كيف كان قالوا ولو كان في الصحراء وتستر بشئ على الشرط المذكور زال التحريم فالاعتبار بوجود الساتر المذكور وعدمه فيحل في الصحراء والبنيان بوجوده ويحرم فيهما لعدمه هذا هو الصحيح المشهور عند أصحابنا ومن أصحابنا من اعتبر الصحراء والبنيان مطلقا ولم يعتبر الحائل فأباح في البنيان بكل حال وحرم في الصحراء بكل حال والصحيح الأول وفرعوا عليه فقالوا لا فرق بين أن يكون الساتر دابة أو جدار أو وهدة أو كثيب رمل أو جبلا ولو أرخى ذيله في قبالة القبلة ففي حصول الستر وجهان لأصحابنا أصحهما عندهم وأشهرهما أنه ساتر لحصول الحائل والله أعلم المسألة الثانية حيث جوزنا الاستقبال والاستدبار قال جماعة من أصحابنا هو مكروه ولم يذكر الجمهور الكراهة والمختار أنه لو كان عليه مشقة في تكلف التحرف عن القبلة فلا كراهة وان لم تكن مشقة فالأولى تجنبه للخروج من خلاف العلماء ولا تطلق عليه الكراهة للأحاديث الصحيحة فيه المسألة الثالثة يجوز الجماع مستقبل القبلة فى الصحراء والبنيان هذا مذهبنا ومذهب أبى حنيفة وأحمد وداود الظاهرى واختلف فيه أصحاب مالك فجوزه بن القاسم وكرهه بن حبيب والصواب الجواز فان التحريم انما يثبت بالشرع ولم يرد فيه نهى والله أعلم المسألة الرابعة لا يحرم استقبال بيت المقدس ولا استدباره بالبول والغائط لكن يكره المسألة الخامسة إذا تجنب استقبال القبلة واستدبارها حال خروج البول والغائط ثم أراد الاستقبال أو الاستدبار حال الاستنجاء جاز والله أعلم قوله ( وأن لايستنجى باليمين ) هو من أدب الاستنجاء وقد أجمع العلماء على أنه منهى عن الاستنجاء باليمين ثم الجماهير على أنه نهى تنزيه وأدب لا نهى تحريم وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحابنا ولا تعويل على اشارتهم قال أصحابنا ويستحب أن لا يستعين باليد اليمنى فى شئ من امور الاستنجاء الا لعذر فاذا استنجى بماء صبه باليمنى ومسح باليسرى واذا استنجى بحجر فان كان فى الدبر مسح بيساره وان كان فى القبل وأمكنه وضع الحجر على الأرض أو بين قدميه بحيث يتأتى مسحه أمسك الذكر بيساره ومسحه على الحجر فان لم يمكنه ذلك واضطر إلى حمل الحجر حمله بيمينه وأمسك الذكر بيساره ومسح بها ولا يحرك اليمنى هذا هو الصواب وقال بعض أصحابنا ياخذ الذكر بيمينه والحجر بيساره ويمسح بها ويحرك اليسرى وهذا ليس بصحيح لانه يمس الذكر بيمينه بغير ضرورة وقد نهى عنه والله أعلم ثم إن فى النهى عن الاستنجاء باليمين تنبيها على اكرامها وصيانتها عن الاقذار ونحوها وسنوضح هذه القاعدة قريبا فى أواخر الباب إن شاء الله تعالى والله أعلم قوله ( أو أن نستنجى بأقل من ثلاثة أحجار ) هذا نص صريح صحيح فى أن الاستيفاء ثلاث مسحات واجب لابد منه وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء فمذهبنا أنه لابد فى الاستنجاء بالحجر من ازالة عين النجاسة واستيفاء ثلاث مسحات فلو مسح مرة أو مرتين فزالت عين النجاسة وجب مسحه ثالثة وبهذا قال أحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وأبو ثور وقال مالك وداود الواجب الانقاء فان حصل بحجر أجزأه وهو وجه لبعض اصحابنا والمعروف من مذهبنا ما قدمناه قال أصحابنا ولو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف مسح بكل حرف مسحة أجزأه لأن المراد المسحات والآحجار الثلاثة أفضل من حجر له ثلاثة أحرف ولو استنجى فى القبل والدبر وجب ست مسحات لكل واحد ثلاث مسحات والأفضل أن يكون بستة أحجار فان اقتصر على حجر واحد له ستة أحرف أجزأه وكذلك الخرقه الصفيقة التى إذا مسح بها لا يصل البلل إلى الجانب الآخر يجوز أن يمسح بجانبها والله أعلم قال أصحابنا واذا حصل الانقاء بثلاثة أحجار فلا زيادة عليها فان لم يحصل بثلاثة وجب رابع فان حصل الانقاء به لم تجب الزيادة ولكن يستحب الايتار بخامس فان لم يحصل بالأربعة وجب خامس فان حصل به فلا زيادة وهكذا فيما زاد متى حصل الانقاء بوتر فلا زيادة والا وجب الانقاء واستحب الايتار والله أعلم وأما نصه صلى الله عليه وسلم على الأحجار فقد تعلق به بعض أهل الظاهر وقالوا الحجر متعين لا يجزئ غيره وذهب العلماء كافة من الطوائف كلها إلى أن الحجر ليس متعينا بل تقوم الخرق والخشب وغير ذلك مقامه وأن المعنى فيه كونه مزيلا وهذا يحصل بغير الحجر وانما قال صلى الله عليه وسلم ثلاثة أحجار لكونها الغالب المتيسر فلا يكون له مفهوم كما فى قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ونظائره ويدل على عدم تعيين الحجر نهيه صلى الله عليه وسلم عن العظام والبعر والرجيع ولو كان الحجر متعينا لنهى عما سواه مطلقا قال أصحابنا والذى يقوم مقام الحجر كل جامد طاهر مزيل للعين ليس له حرمة ولا هو جزء من حيوان قالوا ولا يشترط اتحاد جنسه فيجوز فى القبل أحجار وفى الدبر خرق ويجوز فى أحدهما حجر مع خرقتين أو مع خرقة وخشبة ونحو ذلك والله أعلم قوله ( أو أن نستنجى برجيع أو عظم ) فيه النهى عن الاستنجاء بالنجاسة ونبه صلى الله عليه وسلم بالرجيع على جنس النجس فان الرجيع هو الروث وأما العظم فلكونه طعاما للجن فنبه على جميع المطعومات وتلتحق به المحترمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم وغير ذلك ولا فرق فى النجس بين المائع والجامد فان استنجى بنجس لم يصح استنجاؤه ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء ولا يجزئه الحجر لأن الموضع صار نجسا بنجاسة أجنبية ولو استنجى بمطعوم أو غيره من المحترمات الطاهرات فالأصح أنه لا يصح استنجاؤه ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك أن لم يكن نقل النجاسة من موضعها وقيل أن استنجاؤه الاول يجزئه مع المعصية والله أعلم قوله ( عن سلمان رضى الله عنه قال قال لنا المشركون انى أرى صاحبكم ) هكذا هو فى الاصول وهو صحيح تقديره قال لنا قائل المشركين أو أنه أراد واحدا من المشركين وجمعه لكون باقيهم يوافقونه قوله صلى الله عليه وسلم ( ولكن شرقوا أو غربوا ) قال العلماء هذا خطاب لأهل المدينة ومن فى معناهم بحيث إذا شرق أو غرب لا يستقبل الكعبة ولا يستدبرها قوله ( فوجدنا مراحيض ) هو بفتح الميم والحاء المهملة والضاد المعجمة جمع مرحاض بكسر الميم وهو البيت المتخذ لقضاء حاجة الانسان أى للتغوط قوله ( فننحرف عنها ) بالنونين معناه نحرص على اجتنابها بالميل عنها بحسب قدرتنا قوله ( قال نعم ) هو جواب لقوله أو لا قلت لسفيان بن عيينة سمعت الزهري يذكره عن عطاء قوله ( وحدثنا أحمد بن الحسن بن خراش حدثنا عمر بن عبد الوهاب حدثنا يزيد يعنى بن زريع حدثنا روح عن سهيل عن القعقاع عن أبى صالح عن أبى هريرة رضى الله عنه ) قال الدارقطني هذا غير محفوظ عن سهيل وانما هو حديث بن عجلان حدث به عن روح وغيره وقال أبو الفضل حفيد أبى سعيد الهروى الخطأ فيه من عمر بن عبد الوهاب لأنه حديث يعرف بمحمد بن عجلان عن القعقاع وليس لسهيل فى هذا الاسناد ذكر رواه أمية بن بسطام عن يزيد بن زريع على الصواب عن روح عن بن عجلان عن القعقاع عن أبى صالح عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم بطوله وحديث عمر بن عبد الوهاب مختصر قلت ومثل هذا لا يظهر قدحه فانه محمول على أن سهيلا وبن عجلان سمعاه جميعا واشتهرت روايته عن بن عجلان وقلت عن سهيل ولم يذكره أبو داود والنسائى وبن ماجه الا من جهة بن عجلان فرواه أبو داود عن بن المبارك عن بن عجلان عن القعقاع والنسائى عن يحيى بن عجلان وبن ماجه عن سفيان بن عيينة والمغيرة بن عبد الرحمن وعبد الله بن رجاء المكى ثلاثتهم عن بن عجلان والله أعلم وأحمد بن خراش المذكور بالخاء المعجمة قوله ( عن حبان ) هو بفتح الحاء وبالباء الموحدة قوله ( لقد رقيت على ظهر بيت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا على لبنتين يستقبل بيت المقدس ) أما رقيت فبكسر القاف ومعناه صعدت هذه اللغة الفصيحة المشهورة وحكى صاحب المطالع لغتين أخرتين احداهما بفتح القاف بغير همزة والثانية بفتحها مع الهمزة والله تعالى أعلم وأما رؤيته فوقعت اتفاقا بغير قصد لذلك وأما اللبنة فمعروفة وهي بفتح اللام وكسر الباء ويجوز اسكان الباء مع فتح اللام ومع كسرها وكذا كل ما كان على هذا الوزن أعنى مفتوح الاول مكسور الثانى يجوز فيه الاوجه الثلاثة ككتف فان كان ثانيه أو ثالثه حرف حلق جاز فيه وجه رابع وهو كسر الأول والثانى كفخذ وأما بيت المقدس فتقدم بيان لغاته واشتقاقه في أول باب الاسراء والله اعلم قوله ( حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن همام عن يحيى بن أبى كثير عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه ) قال مسلم رحمه الله تعالى ( وحدثنا يحيى بن يحيى اخبرنا وكيع عن هشام الدستوائى عن يحيى بن أبي كثير عن بن أبى كثير عن بن أبى قتادة عن أبيه ) هكذا هو فى الاصول التى رأيناها فى الأول همام بالميم عن يحيى بن أبى كثير وفى الثانى هشام بالشين وأظن الأول تصحيفا من بعض الناقلين عن مسلم فان البخاري والنسائى وغيرهما من الأئمة رووه عن هشام الدستوائى كما رواه مسلم فى الطريق الثانى وقد أوضح ما قلته الامام الحافظ أبو محمد خلف الواسطى فقال رواه مسلم عن يحيى بن يحيى بن عبد الرحمن بن مهدى عن هشام وعن يحيى بن يحيى عن وكيع عن هشام عن يحيى بن أبى كثير فصرح الامام خلف بان مسلما رواه فى الطريقين عن هشام الدستوائى فدل هذا على أن هماما بالميم تصحيف وقع فى نسخنا ممن بعد مسلم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( لايمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه ) أما امساك الذكر باليمين فمكروه كراهة تنزيه لا تحريم كما تقدم فى الاستنجاء وقد قدمنا هناك أنه لا يستعين باليمين فى شئ من ذلك من الاستنجاء وقد قدمنا ما يتعلق بهذا الفصل وأما قوله صلى الله عليه وسلم ولا يتمسح من الخلاء بيمينه فليس التقييد بالخلاء للاحتراز عن البول بل هما سواء والخلاء بالمد هو الغائط والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا يتنفس فى الاناء ) معناه لا يتنفس فى نفس الاناء وأما التنفس ثلاثا خارج الاناء فسنة معروفة قال العلماء والنهى عن التنفس فى الاناء هو من طريق الادب مخافة من تقذيره ونتنه وسقوط شئ من الفم والانف فيه ونحو ذلك والله أعلم قولها ( كان صلى الله عليه وسلم يحب التيمن فى طهوره إذا تطهر وفى ترجله إذا ترجل وفى انتعاله إذا انتعل ) هذه قاعدة مستمرة فى الشرع وهى انما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب والسراويل والخف ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الاظفار وقص الشارب وترجيل الشعر وهو مشطه ونتف الابط وحلق الرأس والسلام من الصلاة وغسل أعضاء الطهارة والخروج من الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود وغير ذلك مما هو فى معناه يستحب التيامن فيه وأما ما كان بضده كدخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والخف وما أشبه ذلك فيستحب التياسر فيه وذلك كله بكرامة اليمين وشرفها والله أعلم وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين فى الوضوء سنة لو خالفها فاته الفضل وصح وضوءه وقالت الشيعة هو واجب ولا اعتداد بخلاف الشيعة واعلم أن الابتداء باليسار وان كان مجزيا فهو مكروه نص عليه الشافعى وهو ظاهر وقد ثبت فى سنن أبى داود والترمذى وغيرهما بأسانيد حميدة عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا لبستم أو توضأتم فابدؤا بأيامنكم فهذا نص فى الأمر بتقديم اليمين ومخالفته مكروهة أو محرمة وقد انعقد اجماع العلماء على أنها ليست محرمة فوجب أن تكون مكروهة ثم اعلم أن من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن وهو الاذنان والكفان والخدان بل يطهران دفعة واحدة فان تعذر ذلك كما فى حق الأقطع ونحوه قدم اليمين والله أعلم قوله ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيمن فى شأنه كله فى نعله وترجله ) هكذا وقع فى بعض الاصول فى نعله على افراد النعل وفى بعضها نعليه بزيادة ياء التثنية وهما صحيحان أى فى لبس نعليه أو فى لبس نعله أى جنس النعل ولم ير فى شئ من نسخ بلادنا غير هذين الوجهين وذكر الحميدي والحافظ عبد الحق فى كتابهما الجمع بين الصحيحين فى تنعله بتاء مثناة فوق ثم نون وتشديد العين وكذا هو فى روايات البخارى وغيره وكله صحيح ووقع فى روايات البخارى يحب التيمن ما استطاع فى شأنه كله وذكر الحديث الخ وفى قوله ما استطاع اشارة إلى شدة المحافظة على التيمن والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( اتقوا اللعانين قالوا وما اللعانان يارسول الله قال الذى يتخلى فى طريق الناس أو فى ظلهم ) أما اللعانان فكذا وقع فى مسلم ووقع فى رواية أبى داود اتقوا اللاعنين والروايتان صحيحتان قال الامام أبو سليمان الخطابى المراد باللاعنين الامرين الجالبين للعن الحاملين الناس عليه والداعيين إليه وذلك أن من فعلهما شتم ولعن يعنى عادة الناس لعنه فلما صارا سببا لذلك أضيف اللعن اليهما قال وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون والملاعن مواضع اللعن قلت فعلى هذا يكون التقدير اتقوا الامرين الملعون فاعلهما وهذا على رواية أبى داود وأما رواية مسلم فمعناها والله أعلم اتقوا فعل اللعانين أى صاحبى اللعن وهما اللذان يلعنهما الناس فى العادة والله أعلم قال الخطابى وغيره من العلماء المراد بالظل هنا مستظل الناس الذى اتخذوه مقيلا ومناخا ينزلونه ويقعدون فيه وليس كل ظل يحرم القعود تحته فقد قعد النبى صلى الله عليه وسلم تحت حايش النخل لحاجته وله ظل بلا شك والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم الذى يتخلى فى طريق الناس فمعناه يتغوط فى موضع يمر به الناس وما نهى عنه فى الظل والطريق لما فيه من ايذاء المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه واستقذاره والله أعلم قوله ( دخل حائطا وتبعه غلام معه ميضأة فوضعها عند سدرة فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته فخرج علينا وقد استنجى بالماء ) وفى الرواية الاخرى ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوى اداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء ) وفى رواية أخرى ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبرز لحاجته فآتيه بالماء فيتغسل به ) الميضأة بكسر الميم وبهمزة بعد الضاد المعجمة وهي الاناء الذي يتوضأ به كالركوة والابريق وشبههما وأما الحائط فهو البستان وأما العنزة فبتح العين والزاى وهي عصا طويلة في أسفلها زج ويقال رمح قصير وانما كان يستصحبها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان إذا توضأ صلى فيحتاج إلى نصبها بين يديه لتكون حائلا يصلى إليه وأما قوله يتبرز فمعناه يأتي البراز بفتح الباء وهو المكان الواسع الظاهر من الأرض ليخلو لحاجته ويستتر ويبعد عن أعين الناظرين وأما قوله فيغتسل به فمعناه يستنجي به ويغسل محل الاستنجاء والله أعلم وأما فقه هذه الأحاديث ففيها استحباب التباعد لقضاء الحاجة عن الناس والاستتار عن أعين الناظرين وفيها جواز استخدام الرجل الفاضل بعض أصحابه في حاجته وفيها خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك وفيها جواز الاستنجاء بالماء واستحبابه ورجحانه على الاقتصار على الحجر وقد اختلف الناس في هذه المسألة فالذي عليه الجماهير من السلف والخلف وأجمع عليه أهل الفتوى من أئمة الامصار أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيستعمل الحجر أولا لتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده ثم يستعمل الماء فان أراد الاقتصار على أحدهما جاز الاقتصار على أيهما شاء سواء وجد الآخر أو لم يجده فيجوز الاقتصار على الحجر مع وجود الماء ويجوز عكسه فان اقتصر على أحدهما فالماء أفضل من الحجر لأن الماء يطهر المحل طهارة حقيقية وأما الحجر فلا يطهره وانما يخفف النجاسة ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها وبعض السلف ذهبوا إلى أن الافضل هو الحجر وربما أوهم كلام بعضهم أن الماء لا يجزى وقال بن حبيب المالكي لا يجزى الحجر الا لمن عدم الماء وهذا خلاف ما عليه العلماء من السلف والخلف وخلاف ظواهر السنن المتظاهرة والله أعلم وقد استدل بعض العلماء بهذه الأحاديث على أن المستحب أن يتوضأ من الأواني دون المشارع والبرك ونحوها اذ لم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الذي قاله غير مقبول ولم يوافق عليه أحد فيما نعلم قال القاضي عياض هذا الذي قاله هذا القائل لا أصل له ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم وجدها فعدل عنها إلى الأواني والله أعلم

قسم V03/P163

1 ( باب المسح على الخفين )

قسم V03/P163–V03/P174

أجمع من يعتد به في الاجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها حتى يجوز للمرأة الملازمة بيتها والزمن الذي لا يمشى وانما أنكرته الشيعة والخوارج ولا يعتد بخلافهم وقد روى عن مالك رحمه الله تعالى روايات فيه والمشهور من مذهبه كمذهب الجماهير وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة قال الحسن البصري رحمه الله تعالى حدثنى سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين وقد بينت أسماء جماعات كثيرين من الصحابة الذين رووه في شرح المهذب وقد ذكرت فيه جملا نفيسة مما يتعلق بذلك وبالله التوفيق واختلف العلماء في أن المسح على الخفين أفضل أم غسل الرجلين فذهب أصحابنا إلى أن الغسل أفضل لكونه الأصل وذهب إليه جماعات من الصحابه منهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب الانصاري رضي الله عنهم وذهب جماعات من التابعين إلى أن المسح أفضل وذهب إليه الشعبي والحكم وحماد وعن أحمد روايتان أصحهما المسح أفضل والثانية هما سواء واختاره بن المنذر والله أعلم قوله ( كان يعجبهم هذا الحديث لأن اسلام جرير كان بعد نزول المائدة ) معناه أن الله تعالى قال في سورة المائدة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم فلو كان اسلام جرير متقدما على نزول المائدة لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخا بآية المائدة فلما كان اسلامه متأخرا علمنا أن حديثه يعمل به وهو مبين أن المراد بآية المائدة غير صاحب الخف فتكون السنة مخصصة للآية والله أعلم وروينا في سنن البيهقي عن إبراهيم بن أدهم قال ما سمعت في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير والله أعلم قوله ( كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائما فتنحيت فقال ادنه فدنوت حتى قمت عند عقبيه فتوضأ فمسح على خفيه ) أما السباطة فبضم السين المهملة وتخفيف الباء الموحدة وهي ملقي القمامة والتراب ونحوهما تكون بفناء الدور مرفقا لأهلها قال الخطابي ويكون ذلك في الغالب سهلا منثا لا يحد فيه البول ولا يرتد على البائل وأما سبب بوله صلى الله عليه وسلم قائما فذكر العلماء فيه أوجها حكاها الخطابي والبيهقي وغيرهما من الأئمة أحدها قالا وهو مروي عن الشافعي أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائما قال فترى أنه كان به صلى الله عليه وسلم وجع الصلب اذ ذاك والثاني أن سببه ما روي في رواية ضعيفة رواها البيهقي وغيره أنه صلى الله عليه وسلم بال قائما لعلة بمأبضه والمأبض بهمزة ساكنة بعد الميم ثم باء موحدة وهو باطن الركبة والثالث أنه لم يجد مكانا للقعود فاضطر إلى القيام لكون الطرف الذي من السباطة كان عاليا مرتفعا وذكر الامام أبو عبد الله المازري والقاضي عياض رحمهما الله تعالى وجها رابعا وهو أنه بال قائما لكونها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر فى الغالب بخلاف حالة القعود ولذلك قال عمر البول قائما أحصن للدبر ويجوز وجه خامس انه صلى الله عليه وسلم فعله للجواز فى هذه المرة وكانت عادته المستمرة يبول قاعدا ويدل عليه حديث عائشة رضى الله عنها قالت من حدثكم أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه ما كان يبول الا قاعدا رواه أحمد بن حنبل والترمذى والنسائى وآخرون واسناده جيد والله أعلم وقد روى في النهى عن البول قائما أحاديث لا تثبت ولكن حديث عائشة هذا ثابت فلهذا قال العلماء يكره البول قائما الا لعذر وهى كراهة تنزيه لا تحريم قال بن المنذر فى الاشراق اختلفوا فى البول قائما فثبت عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وزيد بن ثابت وبن عمر وسهل بن سعد أنهم بالوا قياما قال وروى ذلك عن أنس وعلى وأبى هريرة رضى الله عنهم وفعل ذلك بن سيرين وعروة بن الزبير وكرهه بن مسعود والشعبى وابراهيم بن سعد وكان إبراهيم بن سعد لا يجيز شهادة من بال قائما وفيه قول ثالث أنه كان فى مكان يتطاير إليه من البول شئ فهو مكروه فان كان لا يتطاير فلا بأس به وهذا قول مالك قال بن المنذر البول جالسا أحب إلى وقائما مباح وكل ذلك ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كلام بن المنذر والله أعلم وأما بوله صلى الله عليه وسلم فى سباطة قوم فيحتمل أوجها أظهرها أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه بل يفرحون به ومن كان هذا حاله جاز البول فى أرضه والأكل من طعامه ونظائر هذا في السنة أكثر من أن تحصى وقد أشرنا إلى هذه القاعدة فى كتاب الايمان فى حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال احتفزت كما يحتفز الثعلب والوجه الثانى أنها لم تكن مختصة بهم بل كانت بفناء دورهم للناس كلهم فأضيفت اليهم لقربها منهم والثالث أن يكونوا أذنوا لمن أراد قضاء الحاجة اما بصريح الاذن واما بما فى معناه والله أعلم وأما بوله صلى الله عليه وسلم فى السباطة التى بقرب الدور مع أن المعروف من عادته صلى الله عليه وسلم التباعد فى المذهب فقد ذكر القاضي عياض رضى الله عنه أن سببه أنه صلى الله عليه وسلم كان من الشغل بأمور المسلمين والنظر فى مصالحهم بالمحل المعروف فلعله طال عليه مجلس حتى حفزه البول فلم يمكنه التباعد ولو أبعد لتضرر وارتاد السباطة لدمثها وأقام حذيفة بقربه ليستره عن الناس وهذا الذى قاله القاضي حسن ظاهر والله أعلم وأما قوله فتنحيت فقال ادنه فدنوت حتى قمت عند عقبيه قال العلماء انما استدناه صلى الله عليه وسلم ليستتر به عن أعين الناس وغيرهم من الناظرين لكونها حالة يستخفى بها ويستحي منها فى العادة وكانت الحاجة التى يقضيها بولا من قيام يؤمن معها خروج الحدث الآخر والرائحة الكريهة فلهذا استدناه وجاء فى الحديث الآخر لما أراد قضاء الحاجة قال تنح لكونه كان يقضيها قاعدا ويحتاج إلى الحديثين جميعا فتحصل الرائحة الكريهة وما يتبعها ولهذا قال بعض العلماء فى هذا الحديث من السنة القرب من البائل إذا كان قائما فاذا كان قاعدا فالسنة الابعاد عنه والله تعالى أعلم واعلم أن هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد تقدم بسط أكثرها فيما ذكرناه ونشير اليها ها هنا مختصرة ففيه اثبات المسح على الخفين وفيه جواز المسح فى الحضر وفيه جواز البول قائما وجواز قرب الانسان من البائل وفيه جواز طلب البائل من صاحبه الذى يدل عليه القرب منه ليستره وفيه استحباب الستر وفيه جواز البول بقرب الديار وفيه غير ذلك والله أعلم قوله ( فقال حذيفة لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد فلقد رأيتنى أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى فأتى سباطة خلف حائط فقام كما يقوم أحدكم فبال ) الخ مقصود حذيفة أن هذا التشديد خلاف السنة فان النبى صلى الله عليه وسلم بال قائما ولا شك فى كون القائم معرضا للرشيش ولم يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الاحتمال ولم يتكلف البول فى قارورة كما فعل أبو موسى رضى الله عنه والله أعلم قوله ( أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعد بن إبراهيم عن نافع بن جبير عن عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة ) هذا الاسناد فيه أربعة تابعيون يروى بعضهم عن بعض وهم يحيى بن سعيد وهو الانصارى وسعد ونافع وعروة وقد تقدم أن ميم المغيرة تضم وتكسر والله أعلم قوله ( عن عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج لحاجته فاتبعه المغيرة باداوة فيها ماء فصب عليه حين فرغ من حاجته فتوضأ ومسح على الخفين ) وفى رواية حتى مكان حين أما قوله فاتبعه المغيرة فهو من كلام عروة عن أبيه وهذا كثير يقع مثله فى الحديث فنقل الراوى عن المروى عنه لفظه عن نفسه بلفظ الغيبة وأما الاداوة فهي والركوة والمطهرة والميضأة بمعنى متقارب وهو اناء الوضوء وأما قوله فصب عليه حين فرغ من حاجته فمعناه بعد انفصاله من موضع قضاء حاجته وانتقاله إلى موضع آخر فصب عليه فى وضوئه وأما رواية حتى فرغ فلعل معناها فصب عليه فى وضوئه حتى فرغ من الوضوء فيكون المراد بالحاجة الوضوء وقد جاء فى الرواية الأخرى مبينا أن صبه عليه كان بعد رجوعه من قضاء الحاجة والله أعلم وفى هذا الحديث دليل على جواز الاستعانة فى الوضوء وقد ثبت أيضا فى حديث أسامة بن زيد رضى الله عنه أنه صب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وضوئه حين انصرف من عرفة وقد جاء فى أحاديث ليست بثابتة النهى عن الاستعانة قال أصحابنا الاستعانة ثلاثة أقسام أحدها أن يستعين بغيره فى احضار الماء فلا كراهة فيه ولا نقص والثانى أن يستعين به فى غسل الأعضاء ويباشر الأجنبي بنفسه غسل الأعضاء فهذا مكروه الا لحاجة والثالث أن يصب عليه فهذا الأولى تركه وهل يسمى مكروها فيه وجهان قال أصحابنا وغيرهم واذا صب عليه وقف الصاب على يسار المتوضئ والله أعلم قوله ( فأخرجهما من تحت الجبة ) فيه جواز مثل هذا للحاجة وفى الخلوة وأما بين الناس فينبغى ألا يفعل لغير حاجة لان فيه اخلالا بالمرؤة قوله ( حدثنى محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبى حدثنا زكريا عن عامر قال أخبرني عروة بن المغيرة عن أبيه ) هذا الاسناد كله كوفيون قوله صلى الله عليه وسلم ( فاني أدخلتهما طاهرتين ) فيه دليل على أن المسح على الخفين لا يجوز الا إذا لبسهما على طهارة كاملة بأن يفرغ من الوضوء بكماله ثم يلبسهما لأن حقيقة ادخالهما طاهرتين أن تكون كل واحدة منهما أدخلت وهي طاهرة وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فمذهبنا أنه يشترط لبسهما على طهارة كاملة حتى لو غسل رجله اليمنى ثم لبس خفها وغسل اليسرى ثم لبس خفها لم يصح لبس اليمنى فلا بد من نزعها واعادة لبسها ولا يحتاج إلى نزع اليسرى لكونها ألبست بعد كمال الطهارة وشذ بعض أصحابنا فأوجب نزع اليسرى أيضا وهذا الذي ذكرناه من اشتراط الطهارة في اللبس هو مذهب مالك وأحمد واسحاق وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري ويحيى بن آدم والمزني وأبو ثور وداود يجوز اللبس على حدث ثم يكمل طهارته والله أعلم قوله ( وحدثنى محمد بن حاتم حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا عمر بن أبي زائدة عن الشعبي عن عروة بن المغيرة عن أبيه ) قال الحافظ أبو على النيسابوري هكذا روى لنا عن مسلم اسناد هذا الحديث عن عمر بن أبي زائدة من جميع الطرق ليس بينه وبين الشعبي أحد وذكر أبو مسعود أن مسلم بن الحجاج خرجه عن بن حاتم عن إسحاق عن عمر بن أبي زائدة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي وهكذا قال أبو بكر الجورقي في كتابه الكبير وذكر البخاري في تاريخه أن عمر بن أبي زائدة قد سمع من الشعبي وأنه كان يبعث بن أبي السفر وزكريا إلى الشعبي يسألانه هذا آخر كلام أبي على قلت وقد ذكر الحافظ أبو محمد خلف الواسطى في أطرافه أن مسلما رواه عن بن حاتم عن إسحاق عن عمر بن أبي زائدة عن الشعبي كما هو في الأصول ولم يذكر بن أبي السفر والله أعلم قوله ( وحدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال حدثنا يزيد يعنى بن زريع قال حدثنا حميد الطويل قال حدثنا بكر بن عبد الله المزنى عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه قال الحافظ أبو على الغساني قال أبو مسعود الدمشقي ) هكذا يقول مسلم في حديث بن بزيع عن يزيد بن زريع عن عروة بن المغيرة وخالفه الناس فقالوا فيه حمزة بن المغيرة بدل عروة وأما أبو الحسن الدارقطني فنسب الوهم فيه إلى محمد بن عبد الله بن بزيع لا إلى مسلم هذا آخر كلام الغساني قال القاضي عياض حمزة بن المغيرة هو الصحيح عندهم في هذا الحديث وانما عروة بن المغيرة في الأحاديث الأخر وحمزة وعروة ابنان للمغيرة والحديث مروى عنهما جميعا لكن رواية بكر بن عبد الله بن المزنى انما هي عن حمزة بن المغيرة وعن بن المغيرة غير مسمى ولا يقول بكر عروة ومن قال عروة عنه فقد وهم وكذلك اختلف عن بكر فرواه معتمر في أحد الوجهين عنه عن بكر عن الحسن عن بن المغيرة وكذا رواه يحيى بن سعيد عن التيمي وقد ذكر هذا مسلم وقال غيرهم عن بكر عن المغيرة قال الدارقطني وهو وهم هذا آخر كلام القاضي عياض والله أعلم قوله ( فاتيته بمطهرة ) قد تقدم قريبا أن فيها لغتين فتح الميم وكسرها وأنها الاناء الذي يتطهر منه قوله ( ثم ذهب يحسر عن ذراعيه ) هو بفتح الياء وكسر السين أى يكشف والله أعلم قوله ( مسح بناصيته وعلى العمامة ) هذا مما احتج به أصحابنا على أن مسح بعض الرأس يكفي ولا يشترط الجميع لأنه لو وجب الجميع لما اكتفى بالعمامة عن الباقي فان الجمع بين الأصل والبدل في عضو واحد لا يجوز كما لو مسح على خف واحد وغسل الرجل الأخرى وأما التتميم بالعمامة فهو عند الشافعي وجماعة على الاستحباب لتكون الطهارة على جميع الرأس ولا فرق بين أن يكون لبس العمامة على طهر أو على حدث وكذا لو كان على رأسه قلنسوة ولم ينزعها مسح بناصيته ويستحب أن يتم على القلنسوة كالعمامة ولو اقتصر على العمامة ولم يمسح شيئا من الرأس لم يجزه ذلك عندنا بلا خلاف وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأكثر العلماء رحمهم الله تعالى وذهب أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى إلى جواز الاقتصار ووافقه عليه جماعة من السلف والله أعلم والناصية هي مقدم الرأس قوله ( فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصلاة يصلى بهم عبد الرحمن بن عوف وقد ركع ركعة بهم فلما أحس بالنبي صلى الله عليه وسلم ذهب يتأخر فأومأ إليه فصلى بهم فلما سلم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقمت فركعنا الركعة التي سبقتنا ) اعلم أن هذا الحديث فيه فوائد كثيرة منها جواز اقتداء الفاضل بالمفضول وجواز صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلف بعض أمته ومنها أن الافضل تقديم الصلاة في أول الوقت فانهم فعلوها أول الوقت ولم ينتظروا النبي صلى الله عليه وسلم ومنها أن الامام إذا تأخر عن أول الوقت استحب للجماعة أن يقدموا أحدهم فيصلى بهم إذا وثقوا بحسن خلق الامام وأنه لا يتأذى من ذلك ولا يترتب عليه فتنة فاما إذا لم يأمنوا أذاه فانهم يصلون في أول الوقت فرادى ثم أن أدركوا الجماعة بعد ذلك استحب لهم اعادتها معهم ومنها أن من سبقه الامام ببعض الصلاة أتى بما أدرك فاذا سلم الامام أتى بما بقي عليه ولا يسقط ذلك عنه بخلاف قراءة الفاتحة فانها تسقط عن المسبوق إذا أدرك الامام راكعا ومنها اتباع المسبوق للامام في فعله في ركوعه وسجوده وجلوسه وان لم يكن ذلك موضع فعله للمأموم ومنها أن المسبوق انما يفارق الامام بعد سلام الامام والله أعلم وأما بقاء عبد الرحمن في صلاته وتأخر أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ليتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فالفرق بينهما أن في قضية عبد الرحمن كان قد ركع ركعة فترك النبي صلى الله عليه وسلم التقدم لئلا يختل ترتيب صلاة القوم بخلاف قضية أبي بكر رضي الله عنهما والله أعلم وأما قوله فركعنا الركعة التي سبقتنا فكذا ضبطناه وكذا هو في الاصول بفتح السين والباء والقاف وبعدها مثناة من فوق ساكنة أى وجدت قبل حضورنا والله أعلم قوله ( حدثنا المعتمر عن أبيه عن بكر عن الحسن عن بن المغيرة عن أبيه ) هذا الاسناد فيه أربعة تابعيون يروى بعضهم عن بعض وهم أبو المعتمر سليمان بن طرخان وبكر بن عبد الله والحسن البصرى وبن المغيرة واسمه حمزة كما تقدم وهؤلاء التابعيون الأربعة بصريون الا بن المغيرة فانه كوفي قوله ( قال بكر وقد سمعت من بن المغيرة ) هكذا ضبطناه وكذا هو في الأصول ببلادنا سمعت بالتاء في أخره وليس بعدها هاء وقال القاضي هو عند جميع شيوخنا سمعته يعنى بالهاء في آخره بعد التاء قال وكذا ذكره بن أبي خيثمة والدارقطني وغيرهما قال ووقع عند بعضهم ولم أروه وقد سمعت من بن المغيرة يعنى بحذف الهاء وقد تقدم سماعه الحديث منه هذا كلام القاضي قوله في حديث بلال ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار ) يعنى بالخمار العمامة لأنها تخمر الرأس أى تغطيه قوله ( وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء قالا حدثنا أبو معاوية وحدثنا إسحاق أخبرنا عيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار وفي حديث عيسى حدثنى الحكم حدثنى بلال ) وهذا الذي قاله في الأخير من دقيق علم الاسناد أعنى قوله وفي حديث الخ ومعنى هذا أن الأعمش يروى عنه هنا اثنان أبو معاوية وعيسى بن يونس فقال أبو معاوية في روايته عن الأعمش عن الحكم وقال عيسى بن أبي ليلى في روايته عن الأعمش قال حدثنى الحكم فأتى بحدثنى بدل عن ولا شك أن حدثنا أقوى لا سيما من الأعمش الذي هو معروف بالتدليس وقال أيضا أبو معاوية في روايته عن الأعمش عن الحكم عن بن أبي ليلى عن بلال عن كعب بن عجرة وقال عيسى في روايته عن الأعمش حدثنى الحكم عن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال حدثنى بلال فأتى بحدثنى بلال موضع عن بلال ثم أعلم أن هذا الاسناد الذي ذكره مسلم رحمه الله تعالى مما تكلم عليه الدارقطنى في كتاب العلل وذكر الخلاف في طريقه والخلاف عن الأعمش فيه وأن بلالا سقط منه عند بعض الرواة واقتصر على كعب بن عجرة وأن بعضهم عكسه فأسقط كعبا واقتصر على بلال وأن بعضهم زاد البراء بين بلال وبن أبي ليلى وأكثر من رواه رووه كما هو في مسلم وقد رواه بعضهم عن على بن أبي طالب رضى الله عنه عن بلال والله أعلم

قسم V03/P174–V03/P175

1 ( باب التوقيت في المسح على الخفين ) فيه ( عمرو بن قيس الملائي عن الحكم بن عتيبة عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ قال أتيت عائشة رضي الله عنها أسألها عن المسح على الخفين فقالت عليك بابن أبي طالب فاسأله فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه فقال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم ) وفي الرواية الأخرى ( عن الأعمش عن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن شريح عن عائشة ) أما أسانيده فالملائى بضم الميم وبالمد كان يبيع الملاء وهو نوع من الثياب معروف الواحدة ملاءة بالمد وكان من الأخيار وعتيبة بضم العين وبعدها مثناة من فوق ثم مثناة من تحت ثم موحدة ومخيمرة بضم الميم وبالخاء المعجمة وشريح بالشين المعجمة وبالحاء وهانئ بهمزة آخره والأعمش والحكم والقاسم وشريح تابعيون كوفيون وأما أحكامه ففيه الحجة البينة والدلالة الواضحة لمذهب الجمهور أن المسح على الخفين موقت بثلاثة أيام في السفر وبيوم وليلة في الحضر وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة فمن بعدهم وقال مالك في المشهور عنه يمسح بلا توقيت وهو قول قديم ضعيف عن الشافعي واحتجوا بحديث بن أبي عمارة بكسر العين في ترك التوقيت رواه أبو داود وغيره وهو حديث ضعيف باتفاق أهل الحديث وأوجه الدلالة من الحديث على مذهب من يقول بالمفهوم ظاهرة وعلى مذهب من لا يقول به يقال الأصل منع المسح فيما زاد ومذهب الشافعي وكثيرين أن ابتداء المدة من حين الحدث بعد لبس الخف لا من حين اللبس ولا من حين المسح ثم أن الحدث عام مخصوص بحديث صفوان بن غسال رضي الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وليالهن الا من جنابة قال أصحابنا فاذا أجنب قبل انقضاء المدة لم يجز المسح على الخف فلو اغتسل وغسل رجليه في الخف ارتفعت جنابته وجازت صلاته فلو أحدث بعد ذلك لم يجز له المسح على الخف بل لا بد من خلعه ولبسه على طهارة بخلاف ما لو تنجست رجله في الخف فغسلها فيه فان له المسح على الخف بعد ذلك والله أعلم وفي هذا الحديث من الأدب ما قاله العلماء أنه يستحب للمحدث وللمعلم والمفتى إذا طلب منه ما يعلمه عند أجل منه أن يرشد إليه وان لم يعرفه قال اسأل عنه فلانا قال أبو عمر بن عبد البر واختلف الرواة في رفع هذا الحديث ووقفه على على قال ومن رفعه أحفظ وأضبط والله سبحانه وتعالى أعلم 1 ( باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد )

قسم V03/P175–V03/P177

فيه ( بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر رضي الله عنه لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه قال عمدا صنعته يا عمر ) في هذا الحديث أنواع من العلم منها جواز المسح على الخف وجواز الصلوات المفروضات والنوافل بوضوء واحد ما لم يحدث وهذا جائز باجماع من يعتد به وحكى أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن بن بطال في شرح صحيح البخاري عن طائفة من العلماء أنهم قالوا يجب الوضوء لكل صلاة وان كان متطهرا واحتجوا بقول الله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية وما أظن هذا المذهب يصح عن أحد ولعلهم أرادوا استحباب تجديد الوضوء عند كل صلاة ودليل الجمهور الأحاديث الصحيحة منها هذا الحديث وحديث أنس في صحيح البخاري كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة وكان أحدنا يكفيه الوضوء ما لم يحدث وحديث سويد بن النعمان في صحيح البخاري أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العصر ثم أكل سويقا ثم صلى المغرب ولم يتوضأ وفي معناه أحاديث كثيرة كحديث الجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة وسائر الاسفار والجمع بين الصلوات الفائتات يوم الخندق وغير ذلك وأما الآية الكريمة فالمراد بها والله أعلم إذا قمتم محدثين وقيل انها منسوخة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وهذا القول ضعيف والله أعلم قال أصحابنا ويستحب تجديد الوضوء وهو أن يكون على طهارة ثم يتطهر ثانيا من غير حدث وفي شرط استحباب التجديد أوجه أحدها أنه يستحب لمن صلى به صلاة سواء كانت فريضة أو نافلة والثاني لا يستحب الا لمن صلى فريضة والثالث يستحب لمن فعل به ما لا يجوز الا بطهارة كمس المصحف وسجود التلاوة والرابع يستحب وان لم يفعل به شيئا أصلا بشرط أن يتخلل بين التجديد والوضوء زمن يقع بمثله تفريق ولا يستحب تجديد الغسل على المذهب الصحيح المشهور وحكى امام الحرمين وجها أنه يستحب وفي استحباب تجديد التيمم وجهان أشهرهما لا يستحب وصورته في الجريح والمريض ونحوهما ممن يتيمم مع وجود الماء ويتصور في غيره إذا قلنا لا يجب الطلب لمن تيمم ثانيا في موضعه والله أعلم وأما قول عمر رضي الله عنه صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه ففيه تصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على الوضوء لكل صلاة عملا بالأفضل وصلى الصلوات في هذا اليوم بوضوء واحد بيانا للجواز كما قال صلى الله عليه وسلم عمدا صنعته يا عمر وفي هذا الحديث جواز سؤال المفضول الفاضل عن بعض أعماله التي في ظاهرها مخالفة للعادة لأنها قد تكون عن نسيان فيرجع عنها وقد تكون تعمدا لمعنى خفي على المفضول فيستفيده والله أعلم وأما اسناد الباب ففيه بن نمير قال حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد وفي الطريق الآخر يحيى بن سعيد عن سفيان قال حدثنى علقمة بن مرثد انما فعل مسلم رحمه الله تعالى هذا وأعاد ذكر سفيان وعلقمة لفوائد منها أن سفيان رحمه الله تعالى من المدلسين وقال في الرواية الأولى عن علقمة والمدلس لا يحتج بعنعنته بالاتفاق الا ان ثبت سماعه من طريق آخر فذكر مسلم الطريق الثاني المصرح بسماع سفيان من علقمة فقال حدثنى علقمة والفائدة الأخرى أن بن نمير قال حدثنا سفيان ويحيى بن سعيد قال عن سفيان فلم يستجز مسلم رحمه الله تعالى الرواية عن الاثنين بصيغة أحدهما فان حدثنا متفق على حمله على الاتصال وعن مختلف فيه كما قدمناه في شرح المقدمة 1 ( باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الاناء ( قبل غسلها ثلاثا ) )

قسم V03/P177–V03/P181

فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فانه لا يدري أين باتت يده ) قال الشافعي وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى في معنى قوله صلى الله عليه وسلم لا يدري أين باتت يده أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالاحجار وبلادهم حارة فاذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن يطوف يده على ذلك الموضع النجس أو على بثرة أو قملة أو قذر غير ذلك وفي هذا الحديث دلالة لمسائل كثيرة في مذهبنا ومذهب الجمهور منها أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسه نجسته وان قلت ولم تغيره فانها تنجسه لأن الذي تعلق باليد ولا يرى قليل جدا وكانت عادتهم استعمال الاواني الصغيرة التي تقصر عن قلتين بل لا تقاربهما ومنها الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه وأنها إذا وردت عليه نجسته واذا ورد عليها أزالها ومنها أن الغسل سبعا ليس عاما في جميع النجاسات وانما ورد الشرع به في ولوغ الكلب خاصة ومنها أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالأحجار بل يبقي نجسا معفوا عنه في حق الصلاة ومنها استحباب غسل النجاسة ثلاثا لأنه إذا أمر به في المتوهمة ففي المحققة أولى ومنها استحباب الغسل ثلاثا في المتوهمة ومنها أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل ولا يؤثر فيها الرش فانه صلى الله عليه وسلم قال حتى يغسلها ولم يقل حتى يغسلها أو يرشها ومنها استحباب الأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها ما لم يخرج عن حد الاحتياط إلى حد الوسوسة وفي الفرق بين الاحتياط والوسوسة كلام طويل أوضحته في باب الآنية من شرح المهذب ومنها استحباب استعمال ألفاظ الكنايات فيما يتحاشى من التصريح به فانه صلى الله عليه وسلم قال لا يدري أين باتت يده ولم يقل فلعل يده وقعت على دبره أو ذكره أو نجاسة أو نحو ذلك وان كان هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز والأحاديث الصحيحة وهذا إذا علم أن السامع يفهم بالكناية المقصود فان لم يكن كذلك فلا بد من التصريح لينفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحا به والله أعلم هذه فوائد من الحديث غير الفائدة المقصودة هنا وهي النهي عن غمس اليد في الاناء قبل غسلها وهذا مجمع عليه لكن الجماهير من العلماء المتقدمين والمتأخرين على أنه نهى تنزيه لا تحريم فلو خالف وغمس لم يفسد الماء ولم يأثم الغامس وحكى أصحابنا عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه ينجس إن كان قام من نوم الليل وحكوه أيضا عن إسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبري وهو ضعيف جدا فان الأصل في الماء واليد الطهارة فلا ينجس بالشك وقواعد الشرع متظاهرة على هذا ولا يمكن أن يقال الظاهر في اليد النجاسة وأما الحديث فمحمول على التنزية ثم مذهبنا ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصا بالقيام من النوم بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الاناء قبل غسلها سواء قام من نوم الليل أو النهار أو شك في نجاستها من غير نوم وهذا مذهب جمهور العلماء وحكى عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رواية أنه إن قام من نوم الليل كره كراهة تحريم وان قام من نوم النهار كره كراهة تنزيه ووافقه عليه داود الظاهري اعتمادا على لفظ المبيت في الحديث وهذا مذهب ضعيف جدا فان النبي صلى الله عليه وسلم نبه على العلة بقوله صلى الله عليه وسلم فانه لا يدري أين باتت يده ومعناه أنه لا يأمن النجاسة على يده وهذا عام لوجود احتمال النجاسة في نوم الليل والنهار وفي اليقظة وذكر الليل أولا لكونه الغالب ولم يقتصر عليه خوفا من توهم أنه مخصوص به بل ذكر العلة بعده والله أعلم هذا كله إذا شك في نجاسة اليد أما إذا تيقن طهارتها وأراد غمسها قبل غسلها فقد قال جماعة من أصحابنا حكمه حكم الشك لان أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فسد الباب لئلا يتساهل فيه من لا يعرف والأصح الذي ذهب إليه الجماهير من أصحابنا أنه لا كراهة فيه بل هو في خيار بين الغمس أولا والغسل لان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر النوم ونبه على العلة وهي الشك فاذا انتفت العلة انتفت الكراهة ولو كان النهي عاما لقال إذا أراد أحدكم استعمال الماء فلا يغمس يده حتى يغسلها وكان أعم وأحسن والله أعلم قال أصحابنا واذا كان الماء في اناء كبير أوصخرة بحيث لا يمكن الصب منه وليس معه اناء صغير يغترف به فطريقه أن يأخذ الماء بفمه ثم يغسل به كفيه أو يأخذ بطرف ثوبه النظيف أو يستعين بغيره والله أعلم وأما أسانيد الباب ففيه الجهضمي بفتح الجيم والضاد المعجمة وتقدم بيانه في المقدمة وفيه حامد بن عمر البكراوى بفتح الباء الموحدة واسكان الكاف وهو حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عبد الله بن أبى بكرة نفيع بن الحارث الصحابى فنسب حامد إلى جده وفيه أبو رزين اسمه مسعود بن مالك الكوفى كان عالما فيها وهو مولى أبى وائل شقيق بن سلمة وفيه قول مسلم رحمه الله تعالى فى حديث أبى معاوية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى حديث وكيع يرفعه وهذا الذى فعله مسلم رحمه الله تعالى من احتياطه ودقيق نظره وغزير علمه وثبوت فهمه فان أبا معاوية ووكيعا اختلفت روايتهما فقال أحدهما قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الآخر عن أبى هريرة يرفعه وهذا بمعنى ذلك عند أهل العلم كما قدمناه فى الفصول ولكن أراد مسلم رحمه الله تعالى ألا يروى بالمعنى فان الرواية بالمعنى حرام عند جماعات من العلماء وجائزة عند الأكثرين الا أن الأولى اجتنابها والله أعلم وفيه معقل عن أبى الزبير هو معقل بفتح الميم وكسر القاف وأبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس تقدم بيانه فى مواضع وفيه المغيرة الحزامى بالزاى والمغيرة بضم الميم على المشهور ويقال بكسرها تقدم ذكرهما فى المقدمة والله أعلم

قسم V03/P181

1 ( باب حكم ولوغ الكلب )

قسم V03/P181–V03/P186

فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا ولغ الكلب فى اناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات ) وفى الرواية الأخرى ( طهور اناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ) وفى الرواية الأخرى ( طهور اناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات ) وفى الرواية الأخرى ( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال ما بالهم وبال الكلاب ثم رخص فى كلب الصيد وكلب الغنم وقال إذا ولغ الكلب فى الاناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة فى التراب ) وفى رواية ( ورخص فى كلب الغنم والصيد والزرع ) أما أسانيد الباب ولغاته ففيه أبو رزين تقدم ذكره فى الباب قبله وفيه ولغ الكلب قال أهل اللغة يقال ولغ الكلب فى الاناء يلغ بفتح اللام فيهما ولوغا إذا شرب بطرف لسانه قال أبو زيد يقال ولغ الكلب بشرابنا وفى شرابنا ومن شرابنا وفيه طهور اناء أحدكم الأشهر فيه ضم الطاء ويقال بفتحها لغتان تقدمتا فى أول كتاب الوضوء وفيه قوله فى صحيفة همام فذكر أحاديث منها وقد تقدم فى الفصول وغيرها بيان فائدة هذه العبارة وفيه قوله فى آخر الباب وليس ذكر الزرع فى الرواية غير يحيى هكذا هو فى الأصول وهو صحيح وذكر بفتح الذال والكاف والزرع منصوب وغير مرفوع معناه لم يذكر هذه الرواية الا يحيى وفيه أبوالتياح بفتح المثناة فوق وبعدها مثناة تحت مشددة وآخره حاء مهملة واسمه يزيد بن حميد الضبعى البصرى العبد الصالح قال شعبة كنا نكنيه بأبى حماد قال وبلغنى أنه كان يكنى بأبى التياح وهو غلام وفيه بن المغفل بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء وهو عبد الله بن المغفل المزنى وقول مسلم حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا أبى حدثنا شعبة عن أبى التياح سمع مطرف بن عبد الله عن أبى المغفل قال مسلم وحدثنيه يحيى بن حبيب الحارثى قال حدثنا خالد يعنى بن الحارث ح وحدثنى محمد بن حاتم قال حدثنا يحيى بن سعيد ح وحدثني محمد بن الوليد قال حدثنا محمد بن جعفر كلهم عن شعبة فى هذا الاسناد بمثله هذه الأسانيد من جميع هذه الطرق رجالها بصريون وقد قدمنا مرات أن شعبة واسطى ثم بصرى ويحيى بن سعيد المذكور هو القطان والله أعلم أما أحكام الباب ففيه دلالة ظاهرة لمذهب الشافعى وغيره رضى الله عنه ممن يقول بنجاسة الكلب لان الطهارة تكون عن حدث أو نجس وليس هنا حدث فتعين النجس فان قيل المراد الطهارة اللغوية فالجواب أن حمل اللفظ على حقيقته الشرعية مقدم على اللغوية وفيه أيضا نجاسة ما ولغ فيه وأنه إن كان طعاما مائعا حرم أكله لان اراقته اضاعة له فلو كان طاهرا لم يأمرنا باراقته بل قد نهينا عن اضاعة المال وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير أنه ينجس ما ولغ فيه ولا فرق بين الكلب المأذون فى اقتنائه وغيره ولا بين كلب البدوى والحضرى لعموم اللفظ وفى مذهب مالك أربعة أقوال طهارته ونجاسته وطهارة سؤر المأذون فى اتخاذه دون غيره وهذه الثلاثة عن مالك والرابع عن عبد الملك بن الماجشون المالكي أنه يفرق بين البدوى والحضرى وفيه الأمر باراقته وهذا متفق عليه عندنا ولكن هل الاراقة واجبة لعينها أم لا تجب إلا إذا أراد استعمال الاناء أراقه فيه خلاف ذكر أكثر أصحابنا الاراقة لا تجب لعينها بل هي مستحبة فان أراد استعمال الاناء أراقه وذهب بعض اصحابنا إلى أنها واجبة على الفور ولو لم يرد استعماله حكاه الماوردى من أصحابنا فى كتابه الحاوى ويحتج له بمطلق الأمر وهو يقتضى الوجوب على المختار وهو قول أكثر الفقهاء ويحتج للاول بالقياس على باقى المياه النجسة فانه لا تجب اراقتها بلا خلاف ويمكن أن يجاب عنها بأن المراد فى مسألة الولوغ الزجر والتغليظ والمبالغة فى التنفير عن الكلاب والله أعلم وفيه وجوب غسل نجاسة ولوغ الكلب سبع مرات وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد والجماهير وقال أبو حنيفة يكفى غسله ثلاث مرات والله أعلم وأما الجمع بين الروايات فقد جاء فى رواية سبع مرات وفى رواية سبع مرات أولاهن بالتراب وفى رواية أخراهن أو أولاهن وفى رواية سبع مرات السابعة بالتراب وفي رواية سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب وقد روى البيهقى وغيره هذه الروايات كلها وفيها دليل على أن التقييد بالأولى وبغيرها ليس على الاشتراط بل المراد احداهن وأما رواية وعفروه الثامنة بالتراب فمذهبنا ومذهب الجماهير أن المراد اغسلوه سبعا واحدة منهن بالتراب مع الماء فكأن التراب قائم مقام غسلة فسميت ثامنة لهذا والله أعلم واعلم أنه لا فرق عندنا بين ولوغ الكلب وغيره من أجزائه فاذا أصاب بوله أو روثة أو دمه أو عرقه أو شعره أو لعابه أو عضو من أعضائه شيئا طاهرا في حال رطوبة أحدهما وجب غسله سبع مرات احداهن بالتراب ولو ولغ كلبان أو كلب واحد مرات في اناء ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا الصحيح أنه يكفيه للجميع سبع مرات والثاني يجب لكل ولغة سبع والثالث يكفي لولغات الكلب الواحد سبع ويجب لكل كلب سبع ولو وقعت نجاسة أخرى في الاناء الذي ولغ فيه الكلب كفي عن الجميع سبع ولا تقوم الغسلة الثامنة بالماء وحده ولا غمس الاناء في ماء كثير ومكثه فيه قدر سبع غسلات مقام التراب على الأصح وقيل يقوم ولا يقوم الصابون والاشنان وما أشبههما مقام التراب على الأصح ولا فرق بين وجود التراب وعدمه على الأصح ولا يحصل الغسل بالتراب النجس على الأصح ولو كانت نجاسة الكلب دمه أو روثه فلم يزل عينه إلا بست غسلات مثلا فهل يحسب ذلك ست غسلات أم غسله واحدة أم لا يحسب من السبع أصلا فيه ثلاثة أوجة أصحها واحدة وأما الخنزير فحكمه حكم الكلب في هذا كله هذا مذهبنا وذهب أكثر العلماء إلى أن الخنزير لا يفتقر إلى غسله سبعا وهو قول الشافعي وهو قوى في الدليل قال أصحابنا ومعنى الغسل بالتراب أن يخلط التراب في الماء حتى يتكدر ولا فرق بين أن يطرح الماء على التراب أو التراب على الماء أو يأخذ الماء الكدر من موضع فيغسل به فأما مسح موضع النجاسة بالتراب فلا يجزى ولا يجب ادخال اليد في الاناء بل يكفي أن يلقيه في الاناء ويحركه ويستحب أن يكون التراب في غير الغسلة الأخيرة ليأتي عليه ما ينظفه والأفضل أن يكون في الأولى ولو ولغ الكلب في ماء كثير بحيث لم ينقص ولوغه عن قلتين لم ينجسه ولو ولغ في ماء قليل أو طعام فأصاب ذلك الماء أو الطعام ثوبا أو بدنا أو اناء آخر وجب غسله سبعا احداهن بالتراب ولو ولغ في اناء فيه طعام جامد ألقى ما أصابه وما حوله وانتفع بالباقي على طهارته السابقة كما في الفأرة تموت في السمن الجامد والله أعلم وأما قوله أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال ما بالهم وبال الكلاب ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم وفي الرواية الأخرى وكلب الزرع فهذا نهى عن اقتنائها وقد اتفق أصحابنا وغيرهم على أنه يحرم اقتناء الكلب لغير حاجة مثل أن يقتنى كلبا اعجابا بصورته أو للمفاخرة به فهذا حرام بلا خلاف وأما الحاجة التي يجوز الاقتناء لها فقد ورد هذا الحديث بالترخيص لأحد ثلاثة أشياء وهي الزرع والماشية والصيد وهذا جائز بلا خلاف واختلف أصحابنا في اقتنائه لحراسة الدور والدروب وفي اقتناء الجرو ليعلم فمنهم من حرمه لأن الرخصة انما وردت في الثلاثة المتقدمة ومنهم من أباحه وهو الأصح لأنه في معناها واختلفوا أيضا فيمن اقتنى كلب صيد وهو رجل لا يصيد والله أعلم وأما الأمر بقتل الكلاب فقال أصحابنا إن كان الكلب عقورا قتل وان لم يكن عقورا لم يجز قتله سواء كان فيه منفعة من المنافع المذكورة أو لم يكن قال الامام أبو المعالى امام الحرمين والأمر بقتل الكلاب منسوخ قال وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب مرة ثم صح أنه نهى عن قتلها قال واستقر الشرع عليه على التفصيل الذي ذكرناه قال وأمر بقتل الأسود البهيم وكان هذا في الابتداء وهو الآن منسوخ هذا كلام امام الحرمين ولا مزيد على تحقيقه والله أعلم

قسم V03/P186–V03/P187

1 ( باب النهي عن البول في الماء الراكد ) فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه ) وفي الرواية الأخرى ( لا يبل في الماء الدائم الذي لايجرى ثم يغتسل منه ) وفي الرواية الأخرى ( نهى أن يبال في الماء الراكد ) الرواية يغتسل مرفوع أى لا تبل ثم أنت تغتسل منه وذكر شيخنا أبو عبد الله بن مالك رضي الله عنه أنه يجوز أيضا جزمه عطفا على موضع يبولن ونصبه باضمار أن واعطاء ثم حكم واو الجمع فأما الجزم فظاهر وأما النصب فلا يجوز لأنه يقتضى أن المنهى عنه الجمع بيهما دون افراد أحدهنا وهذا لم يقله أحد بل البول فيه منهى عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أم لا والله أعلم وأما الدائم فهو الراكد وقوله صلى الله عليه وسلم الذي لا يجرى تفسير للدائم وايضاح لمعناه ويحتمل أنه احترز به عن راكد لا يجرى بعضه كالبرك ونحوها وهذا النهى في بعض المياه للتحريم وفي بعضها للكراهة ويؤخذ ذلك من حكم المسألة فان كان الماء كثيرا جاريا لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث ولكن الأولى اجتنابه وان كان قليلا جاريا فقد قال جماعة من أصحابنا يكره والمختار أنه يحرم لانه يقذره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعى وغيره ويغر غيره فيستعمله مع أنه نجس وان كان الماء كثيرا راكدا فقال أصحابنا يكره ولا يحرم ولو قيل يحرم لم يكن بعيدا فان النهي يقتضي التحريم على المختار عند المحقيقين والاكثرين من أهل الاصول وفيه من المعنى أنه يقذره وربما أدى إلى تنجيسه بالاجماع لتغيره أو إلى تنجيسه عند أبي حنيفة ومن وافقه في أن الغدير الذي يتحرك بتحرك طرفه الآخر ينجس بوقوع نجس فيه وأما الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه والصواب المختار أنه يحرم البول فيه لانه ينجسه ويتلف ماليته ويغر غيره باستعماله والله أعلم قال أصحابنا وغيرهم من العلماء والتغوط في الماء كالبول فيه وأقبح وكذلك إذا بال في اناء ثم صبه في الماء وكذا إذا بال بقرب النهر بحيث يجرى إليه البول فكله مذموم قبيح منهى عنه على التفصيل المذكور ولم يخالف في هذا أحد من العلماء الا ما حكي عن داود بن على الظاهري أن النهى مختص ببول الانسان بنفسه وأن الغائط ليس كالبول وكذا إذا بال في اناء ثم صبه في الماء أو بال بقرب الماء وهذا الذي ذهب إليه خلاف اجماع العلماء وهو أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر والله أعلم قال العلماء ويكره البول والتغوط بقرب الماء وان لم يصل إليه لعموم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البراز في الموارد ولما فيه من ايذاء المارين بالماء ولما يخاف من وصوله إلى الماء والله أعلم وأما انغماس من لم يستنج في الماء ليستنجي فيه فان كان قليلا بحيث ينجس بوقوع النجاسة فيه فهو حرام لما فيه من تلطخه بالنجاسة وتنجيس الماء وان كان كثيرا لا ينجس بوقوع النجاسة فيه فان كان جاريا فلا بأس به وان كان راكدا فليس بحرام ولا تظهر كراهته لانه ليس في معنى البول ولا يقاربه ولو اجتنب الانسان هذا كان أحسن والله أعلم 1 ( باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد )

قسم V03/P187–V03/P189

فيه ( أبو السائب أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب فقال كيف يفعل يا أبا هريرة قال يتناوله تناولا ) أما أبو السائب فلا يعرف اسمه وأما أحكام المسألة فقال العماء من أصحابنا وغيرهم يكره الاغتسال في الماء الراكد قليلا كان أو كثيرا وكذا يكره الاغتسال في العين الجارية قال الشافعي رحمه الله تعالى في البويطى أكره للجنب أن يغتسل في البئر معينة كانت أو دائمة وفي الماء الراكد الذي لا يجرى قال الشافعي وسواء قليل الراكد وكثيره أكره الاغتسال فيه هذا نصه وكذا صرح أصحابنا وغيرهم بمعناه وهذا كله على كراهة التنزيه لا التحريم واذا اغتسل فيه من الجنابة فهل يصير الماء مستعملا فيه تفصيل معروف عند أصحابنا وهو أنه إن كان الماء قلتين فصاعدا لم يصر مستعملا ولو اغتسل فيه جماعات في أوقات متكررات وأما إذا كان الماء دون القلتين فان انغمس فيه الجنب بغير نية ثم لما صار تحت الماء نوى ارتفعت جنابته وصار الماء مستعملا وان نزل فيه إلى ركبتيه مثلا ثم نوى قبل انغماس باقيه صار الماء في الحال مستعملا بالنسبة إلى غيره وارتفعت الجنابة عن ذلك القدر المنغمس بلا خلاف وارتفعت أيضا عن القدر الباقي إذا تمم انغماسه على المذهب الصحيح المختار المنصوص المشهور لأن الماء انما يصير مستعملا بالنسبة إلى المتطهر إذا انفصل عنه وقال أبو عبد الله الخضرى من أصحابنا وهو بكسر الخاء واسكان الضاد المعجمتين لا يرتفع عن باقيه والصواب الأول وهذا إذا تمم الانغماس من غير انفصاله فلو انفصل ثم عاد إليه لم يجزئه ما يغسله به بعد ذلك بلا خلاف ولو انغمس رجلان تحت الماء الناقص عن قلتين أن تصورا ثم نويا دفعة واحدة ارتفعت جنابتهما وصار الماء مستعملا فان نوى أحدهما قبل الآخر ارتفعت جنابة الناوى وصار الماء مستعملا بالنسبة إلى رفيقه فلا ترتفع جنابته على المذهب الصحيح المشهور وفيه وجه شاذ أنها ترتفع وان نزلا فيه إلى ركبتيهما فنويا ارتفعت جنابتهما عن ذلك القدر وصار مستعملا فلا ترتفع عن باقيهما الا على الوجه الشاذ والله أعلم 1 ( باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد ( وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها ) )

قسم V03/P189–V03/P192

فيه حديث أنس رضي الله عنه ( أن أعرابيا بال في المسجد فقام إليه بعض القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزرموه فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبه عليه ) وفي الرواية الأخرى ( فصاح به الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه فلما فرغ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنوب فصب على بوله ) الاعرابي هو الذي يسكن البادية وقوله صلى الله عليه وسلم لا تزرموه هو بضم التاء واسكان الزاي وبعدها راء أى لا تقطعوا والازرام القطع وأما الدلو ففيها لغتان التذكير والتأنيث والذنوب بفتح الذال وضم النون وهي الدلو المملوءة ماء أما أحكام الباب ففيه اثبات نجاسة بول الآدمي وهو مجمع عليه ولا فرق بين الكبير والصغير باجماع من يعتد به لكن بول الصغير يكفي فيه النضح كما سنوضحه في الباب الآتي إن شاء الله تعالى وفيه احترام المسجد وتنزيهه عن الأقذار وفيه أن الأرض تطهر بصب الماء عليها ولا يشترط حفرها وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا تطهر الا بحفرها وفيه أن غسالة النجاسة طاهرة وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء ولأصحابنا فيها ثلاثة أوجه أحدها أنها طاهرة والثاني نجسة والثالث إن انفصلت وقد طهر المحل فهي طاهرة وان انفصلت ولم يطهر المحل فهي نجسة وهذا الثالث هو الصحيح وهذا الخلاف إذا انفصلت غير متغيرة أما اذا انفصلت متغيرة فهي نجسة باجماع المسلمين سواء تغير طعمها أو لونها أو ريحها وسواء كان التغير قليلا أو كثيرا والله أعلم وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا ايذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافا أو عنادا وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما لقوله صلى الله عليه وسلم دعوه قال العلماء كان قوله صلى الله عليه وسلم دعوه لمصلحتين احداهما أنه لو قطع عليه بوله تضرر وأصل التنجيس قد حصل فكان احتمال زيادته أولى من ايقاع الضرر به والثانية أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول ولا القذر انما هي لذكر الله وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فيه صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والقذى والبصاق ورفع الأصوات والخصومات والبيع والشراء وسائر العقود وما في معنى ذلك وفي هذا الفصل مسائل ينبغي أن أذكر أطرافا منها مختصرة أحدها أجمع المسلمون على جواز الجلوس في المسجد للمحدث فان كان جلوسه لعبادة من اعتكاف أو قراءة علم أو سماع موعظة أو انتظار صلاة أو نحو ذلك كان مستحبا وان لم يكن لشئ من ذلك كان مباحا وقال بعض أصحابنا أنه مكروه وهو ضعيف الثانية يجوز النوم عندنا في المسجد نص عليه الشافعى رحمه الله تعالى في الأم قال بن المنذر في الاشراق رخص في النوم في المسجد بن المسيب والحسن وعطاء والشافعي وقال بن عباس لاتتخذوه مرقدا وروى عنه أنه قال إن كنت تنام فيه لصلاة فلا بأس وقال الاوزاعي يكره النوم في المسجد وقال مالك لا بأس بذلك للغرباء ولا أرى ذلك للحاضر وقال أحمد إن كان مسافرا أو شبهه فلا بأس وان اتخذه مقيلا أو مبيتا فلا وهذا قول إسحاق هذا ما حكاه بن المنذر واحتج من جوزه بنوم على بن أبي طالب رضي الله عنه وبن عمر وأهل الصفة والمرأة صاحبة الوشاح والغريبين وثمامة بن اثال وصفوان بن أمية وغيرهم وأحاديثهم في الصحيح مشهورة والله أعلم ويجوز أن يمكن الكافر من دخول المسجد باذن المسلمين ويمنع من دخوله بغير اذن الثالثة قال بن المنذر أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد الا أن يتوضأ في مكان يبله أو يتأذى الناس به فانه مكروه ونقل الامام والحسن بن بطال المالكي هذا عن بن عمر وبن عباس وعطاء وطاوس والحنفي وبن القاسم المالكي وأكثر أهل العلم وعن بن سيرين ومالك وسحنون أنهم كرهوه تنزيها للمسجد والله أعلم الرابعة قال جماعة من أصحابنا يكره ادخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد لغير حاجة مقصودة لأنه لا يؤمن تنجيسهم المسجد ولا يحرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على البعير ولا ينفي هذا الكراهة لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك بيانا للجواز أو ليظهر ليقتدى به صلى الله عليه وسلم والله أعلم الخامسة يحرم ادخال النجاسة إلى المسجد وأما من على بدنه نجاسة فان خاف تنجيس المسجد لم يجز له الدخول فان أمن ذلك جاز وأما إذا افتصد في المسجد فان كان في غير اناء فحرام وان قطر دمه في اناء فمكروه وان بال في المسجد في اناء ففيه وجهان أصحهما أنه حرام والثاني مكروه السادسة يجوز الاستلقاء في المسجد وهز الرجل وتشبيك الأصابع للأحاديث الصحيحة المشهورة في ذلك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم السابعة يستحب استحبابا متأكدا كنس المسجد وتنظيفه للأحاديث الصحيحة المشهورة فيه والله أعلم قوله ( فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مه مه ) هي كلمة زجر ويقال به به بالباء أيضا قال العلماء هو اسم مبنى على السكون معناه اسكت قال صاحب المطالع هي كلمة زجر قيل أصلها ما هذا ثم حذف تخفيفا قال وتقال مكررة مه مه وتقال فردة مه ومثله به به وقال يعقوب هي لتعظيم الأمر كبخ بخ وقد تنون مع الكسر وينون الأول ويكسر الثانى بغير تنوين هذا كلام صاحب المطالع وذكره أيضا غيره والله أعلم قوله فجاء بدلو فشنه عليه يروى بالشين المعجمة وبالمهملة وهو فى أكثر الأصول والروايات بالمعجمة ومعناه صبه وفرق بعض العلماء بينهما فقال هو بالمهملة الصب فى سهولة وبالمعجمة التفريق فى صبه والله أعلم

قسم V03/P192–V03/P195

1 ( باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله ) فيه ( عن عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم فأتى بصبى فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله ) وفى الرواية الأخرى ( أتى النبى صلى الله عليه وسلم بصبى يرضع فبال فى حجره فدعا بماء فصبه عليه ) وفى رواية أم قيس ( أنها أتت النبى صلى الله عليه وسلم بابن لها لم يأكل الطعام فوضعته فى حجره فبال فلم يزد على أن نضح بالماء ) وفى رواية ( فدعا بماء فرشه ) وفى رواية ( فنضحه عليه ولم يغسله غسلا ) الصبيان بكسر الصاد هذه اللغة المشهورة وحكى بن دريد ضمها قوله فيبرك عليهم أى يدعو لهم ويمسح عليهم وأصل البركة ثبوت الخير وكثرته وقولها فيحنكهم قال أهل اللغة التحنيك أن يمضغ التمر أو نحوه ثم يدلك به حنك الصغير وفيه لغتان مشهورتان حنكته وحنكته بالتخفيف والتشديد والرواية هنا فيحنكهم بالتشديد وهى أشهر اللغتين وقولها فبال فى حجره يقال بفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان وقولها بصبى يرضع هو بفتح الياء أى رضيع وهو الذى لم يفطم أما أحكام الباب ففيه استحباب تحنيك المولود وفيه التبرك بأهل الصلاح والفضل وفيه استحباب حمل الأطفال إلى أهل الفضل للتبرك بهم وسواء فى هذا الاستحباب المولود فى حال ولادته وبعدها وفيه الندب إلى حسن المعاشرة واللين والتواضع والرفق بالصغار وغيرهم وفيه مقصود الباب وهو أن بول الصبى يكفى فيه النضح وقد اختلف العلماء فى كيفية طهارة بول الصبى والجارية على ثلاثة مذاهب وهى ثلاثة أوجه لاصحابنا الصحيح المشهور المختار أنه يكفى النضح فى بول الصبى ولا يكفى فى بول الجارية بل لابد من غسله كسائر النجاسات والثانى أنه يكفى النضح فيهما والثالث لا يكفى النضح فيهما وهذان الوجهان حكاهما صاحب التتمة من أصحابنا وغيره وهما شاذان ضعيفان وممن قال بالفرق علي بن أبى طالب وعطاء بن أبى رباح والحسن البصرى واحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وجماعة من السلف وأصحاب الحديث وبن وهب من أصحاب مالك رضى الله عنهم وروى عن أبى حنيفة وممن قال بوجوب غسلهما أبو حنيفة ومالك فى المشهور عنهما وأهل الكوفة واعلم أن هذا الخلاف انما هو فى كيفية تطهير الشئ الذى بال عليه الصبى ولا خلاف فى نجاسته وقد نقل بعض أصحابنا اجماع العلماء على نجاسة بول الصبى وأنه لم يخالف فيه الا داود الظاهرى قال الخطابى وغيره وليس تجويز من جوز النضح فى الصبى من أجل أن بوله ليس بنجس ولكنه من أجل التخفيف فى ازالته فهذا هو الصواب وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال ثم القاضي عياض عن الشافعى وغيره أنهم قالوا بول الصبى طاهر فينضح فحكاية باطلة قطعا وأما حقيقة النضح هنا فقد اختلف أصحابنا فيها فذهب الشيخ أبو محمد الجوينى والقاضى حسين والبغوى إلى أن معناه أن الشئ الذى أصابه البول يغمر بالماء كسائر النجاسات بحيث لو عصر لا يعصر قالوا وأنما يخالف هذا غيره فى أن غيره يشترط عصره على أحد الوجهين وهذا لا يشترط بالاتفاق وذهب امام الحرمين والمحققون إلى أن النضح أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا يبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره بخلاف المكاثرة فى غيره فانه يشترط فيها أن يكون بحيث يجرى بعض الماء ويتقاطر من المحل وان لم يشترط عصره وهذا هو الصحيح المختار ويدل عليه قولها فنضحه ولم يغسله وقوله فرشه أى نضحه والله أعلم ثم أن النضح انما يجزى ما دام الصبى يقتصر به على الرضاع أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية فانه يجب الغسل بلا خلاف والله أعلم 1 ( باب حكم المنى )

الأسئلة