Qur'an&Sunnah

Kuşeyrî — er-Risâle

قسم V01/P132

هذا عبد سقط من عين الله فابتلاه الله بما ترون . فسمع على بن عيسى ذلك ، فرجع إلى منزله واستغنى عن الوزارة ، وذهب إلى مكة وجاور بها .

قسم V01/P132

باب المجاهدة

قسم V01/P132–V01/P134

قال الله تعالى : ' والذين جاهدوا فينا ، لنهدينهم سبلنا ، وإن الله لمع المحسنين ' . أخبرنا أبو الحسين علي بن أحمد الأهوازي قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، قال : أخبرنا العباس بن الفضل الإسقاطي ، قال : أخبرنا ابن كاسب قال أخبرنا ابن عيبنة ، عن علي بن زيد ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : ' سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن أفضل الجهاد ' ، فقال : ' كلمة عدل عند سلطان جائر ' فدمعت عينا أبي سعيد . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : من زين ظاهره بالمجاهدة حسن الله سرائره بالمشاهدة ، قال الله تعالى : ' والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ' . وأعلم أن من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول : من ظن أن يفتح له شيء من هذه الطريقة ، أو يكشف له عن شيء منها إلا بلزوم المجاهدة فهو في غلط . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : من لم يكن له في بدايته قومة ، لم يكن له في نهايته جلسة . وسمعته أيضا يقول : قولهم الحركة بركة : حركات الظواهر توجب بركات السرائر . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول : سمعت الحسين بن علويه يقول : قال أبو يزيد البسطامي : كنت ثنتي عشرة سنة حداد نفسي وخمس سنين كنت مراة قلبي ، وسنة أنظر فيما بينهما ، فإذا في وسطي زنار ظاهر ، فعملت في قطعة ثنتي عشرة سنة . ثم نظرت ، فإذا في باطني زنار فعملت في قطعة خمس سنين أنظر كيف أقطعه فكشف لي ، فنظرت إلى الخلق فرأيتهم موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سمعت جعفرا يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السري يقول : يا معشر الشباب ، جدوا قبل أن تبلغوا مبلغي فتضعفوا وتقصروا كما ضعفت وقصرت : وكان في ذلك الوقت لا يلحقه الشباب العبادة . وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت عبد العزيز النجراني يقول : سمعت الحسن القزاز يقول : بني هذا الأمر على ثلاثة أشياء : أن لا تأكل إلا عند الفاقة ، ولا تنام إلا عند الغلبة ، ولا تتكلم إلا عند الضرورة . وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت محمد بن حامد يقول : سمعت أحمد بن خضروية يقول : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : لن ينال الرجل درجة الصالحين ، حتى يجوز ست عقبات : أولها : أن يغلق باب النعمة ، ويفتح باب الشدة . والثاني : أن يغلق باب العز ، ويفتح باب الذل . والثالث : أن يغلق باب الراحة ؛ ويفتح باب الجهد . والرابع : أن يغلق باب النوم ، ويفتح باب السهر . والخامس : أن يغلق باب الغنى ، ويفتح باب الفقر . والسادس : أن يغلق باب ، الأمل ويفتح باب الاستعداد للموت . سمعت الشيخأبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول سمعت جدي أبا عمرو بن نجيد يقول : من كرمت عليه نفسه هان عليه دينه ! ! وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت أبا علي الروذباري يقول : إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع ، فالزموه السوق ، وأمروه بالكسب . وأعلم أن أصل المجاهدة وملاكها : فطم النفس عن المألوفات ، وحملها على خلاف هواها في عموم الأوقات .

قسم V01/P134–V01/P135

وللنفس صفتان ما نعتان لها من الخير : أنهماك في الشهوات ، وامتناع عن الطاعات فإذا جمحت عند ركوب الهوى وحب كبحها بلجام التقوى ، وإذا حرنت عند القيام بالموافقات يجب سوقها على خلاف الهوى ، وإذا ثارت عند غضبها ، فمن الواجب مراعاة حالها ، فما من منازلة أحسن عاقبه من غضب يكسب سلطانه بخلق حسن ، وتخمد نيرانه برفق ، فإذا استحلت شراب الرعونة فضاقت ، إلا عن إظهار مناقبها والتزين لمن ينظر إليها ويلاحظها ، فمن والواجب كسر ذلك عليها ، وإحلالها بعقوبة الذل بما يذكرها من حقارة قدرها ، وخساسة أصلها ، وقذارة فعلها . وجهد العوام في توفية الأعمال وقصد الخواص إلى تصفية الأحوال فإن مقاساة الجوع والسهر سهل يسير ، ومعالجة الأخلاق والتنقي من سفاسفها صعب شديد . ومن غوامض آفات النفس : ركونها إلى استحلاء المدح ، فإن من تحسى منه جرعة حمل السموات والأرضين على شفرة من أشفاره . وأمارة ذلك : أنه إذا انقطع عنه ذلك الشرب آل حاله إلى الكسل والفشل . وكان بعض المشايخ يصلي في مسجده في الصف الأول سنين كثيرة ، فعاقه يوما عن الابتكار إلى المسجد عائق ، فصلى في الصف الأخير ، فلم ير بعد ذلك مدة ، فسئل عن السبب ، فقال : كنت أقضي صلاة كذا ، وكذا سنة صليتها وعندي أني مخلص فيها لله ، فداخلني يوم تأخري عن المسجد من شهود الناس إياي في الصف الأخير نوع خجل ، فعلمت أن نشاطي طول عمري إنما كان رويتهم فقضيت صلواتي . ويحكي عن أبي محمد المرتعش ، أنه قال : حججت كذا ، وكذا حجة على التجريد ، فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبا بحظي ؛ وذلك : أن والدتي سألتني يوما أن أستقي لها جرة ماء فثقل ذلك على نفسي ، فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجات كانت لحظ ، وشوب لنفسي ، إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع . وكانت امرأة قد طعنت في السن ، فسئلت عن حالها ، فقالت : كانت في حال الشباب أجد من نفسي نشاطا وأحوالا ؛ أظنها قوة الحال ، فلما كبرت زالت عني ، فعلمت أن ذلك كان قوة الشباب ، فتوهمتها أحوالا . سمعت الشيخ أبا علي الدقاق يقول : ما سمع هذه الحكاية أحد من الشيوخ إلا رق لهذه العجوز ، وقال : إنها كانت منصفه . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت يوف بن الحسين يقول : سمعت ذا النون المصري يقول : ما أعز الله عبدا بعز هو أعز له من أن يدله على ذلك نفسه ، وما أذل الله عبدا بذل هو أذل له من أن يحجبه عن ذلك نفسه . وسمعته يقول : سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول : سمعت إبراهيم الخواص يقول : ما هالني شيء إلا ركبته . وسمعته يقول : سمعت عبد الله الرازي يقول : سمعت محمد بن الفضل يقول ، الراحة : هو الخلاص من أماني النفس . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت أبا علي الروذباري يقول : دخلت الآفة على الخلق من ثلاثة : سقم الطبيعة ، وملازمة العادة ، وفساد الصحبة . فسألته : ما سقم الطبيعة ؟ فقال : أكل الحرام . فقلت ، ما ملازمة العادة ؟ فقال : النظر ، والاستمتاع بالحرام ، والغيبة . قلت : فما فساد الصحبة ؟ قال : كلما هاجت في النفس الشهوة تبعتها . وسمعته يقول : سمعت النصراباذي يقول : سجنك نفسك . إذا خرجت منها وقعت في راحة أبدية .

قسم V01/P135–V01/P136

وسمعته يقول : سمعت محمد الفراء يقول : سمعت أبا الحسين الوراق يقول : كان أجل أحكامنا في مبادىء أمرنا في مسجد أبي عثمان الحيري الإيثار بما يفتح علينا ، وأن لا نبيت على معلوم ، ومن استقبلنا بمكروه لا ننتقم لأنفسنا ، بل نعتذر إليه ، ونتواضع له ، وإذا وقع في قلوبنا حقارة لأحد قمنا بخدمته والإحسان إليه حتى يزول . وقال أبو حفص : النفس ظلمة كلها ، وسراجها سرها ، ونور سراجها التوفيق ، فمن لم يصحبه في سره توفيق من ربه كان ظلمة كله . قال الأستاذ الإمام القشيري : معنى قوله ' سراجها سرها ' يريد : سر العبد الذي بينه وبين الله تعالى ، وهو محل إخلاصه ، وبه يعترف العبد أن الحادثات بالله لا بنفسه ولا من نفسه ؛ ليكون متبرئا من حوله وقوته على استدامة أوقاته ، ثم بالتوفيق يعتصم من شرور نفسه ، فإن من لم يدركه التوفيق لم ينفعه علمه بنفسه ، ولا بربه ، ولهذا قال الشيوخ : من لم يكن له سر فهو مصر . وقال أبو عثمان : لا يرى أحد عيب نفسه وهو مستحسن من نفسه شيئا ، وإنما يرى عيوب نفسه من يتهمها في جميع الأحوال . وقال أبو حفص : ما أسرع هلاك من لا يعرف عيبه ، فإن المعاصي يريد الكفر . وقال أبو سليمان : ما استحسنت من نفسي عملا فاحتسبت به . وقال السري : إياكم وجيران الأغنياء ، وقراء الأسواق ، وعلماء الأمراء : وقال ذو النون المصري : إنما دخل الفساد على الخلق من ستة أشياء : الأول : ضعف النية بعمل الآخرة . والثاني : صارت أبدانهم رهينة لشهواتهم . والثالث : غلبهم طول الأمل مع قرب الأجل . والرابع : آثروا رضا المخلوقين على رضا الخالق . والخامس : اتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وراء ظهورهم . والسادس : جعلوا قليل زلات السلف حجة لأنفسهم ، ودفنوا كثير مناقبهم .

قسم V01/P136

باب الخلوة والعزلة

قسم V01/P136–V01/P138

أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان ، قال : أخبرنا أحمد بن عبيد البصري ، قال : حدثنا عبد العزيز بن معاوية قال : حدثنا القعني قال : حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه ، عن بعجة بن عبد الله بن بدر الجهني ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن من خير معايش الناس كلهم رجلا آخذا بعنان فرسه في سبيل الله ، إن سمع فزعة أو هيعة كان على متن فرسه يبتغي الموت أو القتل في مظانه ، أو رجلا في غنيمة له في رأس شعفة من هذه الشعاف ، أو في بطن واد من هذه الأودية ، يقيم الصلاة ، ويؤتى الزكاة ، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ، ليس من الناس إلا في خير ' . قال الأستاذ : الخلوة : صفة أهل الصفوة . والعزلة : من أمارات الوصلة . ولا بد للمريد - في ابتداء حاله - من العزلة عن أبناء جنسه ، ثم في نهايته - من الخلوة ؛ لتحققه بأنسه . ومن حق العبد - إذا آثر العزلة - أن يعتقد باعتزاله عن الخلق سلامة الناس من شره ولا يقصد سلامته من شر الخلق ، فإن الأول من القسمين : نتيجة استصغار نفسه ، والثاني شهود مزيته على الخلق . ومن استصغر نفسه فهو متواضع ، ومن رأى لنفسه مزلة على أحد ، فهو متكبر . ورؤي بعض الرهبان ، فقيل له : إنك راهب . فقال : لا ، بل أن حارس كلب ؛ إن نفسي كلب يعقر الخلق أخرجتها من بينهم ، ليسلموا منها . ومر إنسان ببعض الصالحين ؛ فجمع ذلك الشيخ ثيابه منه ، فقال له الرجل : لم تجمع عني ثيابك ، ليست ثيابي نجسة ؟ فقال الشيخ : وهمت في ظنك ، ثيابي هي النجسة . جمعتها عنك ؛ لئلا تنجس ثيابك ، لا لكي لا تنجس ثيابي . ومن آداب العزلة : العارف ؟ قالوا : كائن بائن ، يعني : كائن مع الخلق ، بائن عنهم بالسر . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ، يقول : إلبس مع الناس ما يلبسون ، وتناول مما يأكلون ، وانفرد عنهم بالسر . وسمعته يقول : جاءني إنسان ، وقال : جئتك من مسافة بعيدة فقلت : ليس هذا الحديث من حيث قطع المسافة ومقاساة الأسفار فارق نفسك ولو بخطوة ، فقد حصل مقصودك . يحكى عن أبي يزيد قال : رأيت ربي عز وجل في المنام ، فقلت : كيف أجدك ؟ فقال : فارق نفسك وتعال . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول : من أختار الخلوة على الصحبة ينبغي أن يكون خاليا من جميع الأذكار إلا ذكر ربه ، وخاليا من جميع الإرادات إلا رضا ربه ، وخاليا من مطالبة النفس من جميع الأسباب ، فإن لم يكن بهذه الصفة ، فإن خلوته توقعه في فتنة أو بلية . وقيل : الإنفراد في الخلوة أجمع لدواعي السلوة . وقال يحيى بن معاذ : أنظر : أنسك بالخلوة ، أو أنسك معه في الخلوة ، فن كان أنسك بالخلوة ذهب أنسك إذا خرجت منها ، وإن كان أنسك به في الخلوة استوت لك الأماكن في الصحاري والبراري . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت محمد بن حامد يقول : جاء رجل إلى زيارة أبي بكر الوراق ، فلما أراد أن يرجع ، قال له : أوصني . فقال وجدت خير الدنيا والآخرة في الكثرة والقلة ، وشرهما في الكثرة والاختلاط .

قسم V01/P138–V01/P140

وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد الله يقول : سمعت الجريري وقد سئل عن العزلة ، فقال : هي الدخول بين الزحام وتمنع سرك أن لا يزاحموك ، وتعزل نفسك عن الآثام ، ويكون شرك مربوطا بالحق . وقيل ؛ من آثر العزلة حصل العزلة . وقال سهل : لا تصح الخلوة إلا بأكل الحلال ، ولا يصح أكل الحلال إلا بأداء حق الله . وقال ذو النون المصري : لم أر شيئا أبعث على الإخلاص من الخلوة : وقال أبو عبد الله الرملي : فيمكن خدنك الخلوة ، وطعامك الجوع ، وحديثك المناجاة فإما أن تموت ؛ وإما أن تصل الله سبحانه . وقال ذو النون : ليس من احتجب عن الخلق بالخلوة ، كمن احتجب عنهم بالله . سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت جعفر بن نصير يقول : سمعت الجنيد يقول : مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة . وقال مكحول : إن كان في مخالطة الناس خير فإن في العزلة السلامة . وقال يحيى بن معاذ : الوحدة جليس الصديقين . سمعت الشيخ أبا علي الدقاق يقول : سمعت الشبلي يقول : الإفلاس . . الإفلاس يا ناس . فقيل له : يا أبا بكر ، ما علامة الإفلاس ؟ قال : من علامة الإفلاس الاستئناس بالناس . وقال يحيى بن أبي كثير : من خالط الناس داراهم ، ومن داراهم راياهم . وقال شعيب بن حرب . دخلت على مالك بن مسعود بالكوفة ، وهو في دار وحده ، فقلت له : أما تستوحش وحدك ؟ فقال : ما كنت أرى أن أحدا يستوحش مع الله . سمعت الشيخأبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا عمر والأنماطي يقول ، سمعت الجنيد يقول : من أراد أن يسلم له دينه ، ويستريح بدنه وقلبه ، فليعتزل الناس ، فإن هذا زمان وحشة ، والعاقل من اختار فيه الوحدة . وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : قال أبو يعقوب السوسي : الإنفراد لا يقوى عليه إلا الأقوياء ، ولأمثالنا : الاجتماع أوفر وأنفع ، يعمل بعضهم على رؤية بعض . وسمعته يقول : سمعت أبا عثمان سعيد بن أبي سعيد يقول : سمعت أبا العباس الدامغاني يقول : أوصاني الشبلي ، فقال : الزم الوحدة ، وامح اسمك عن القوم ، واستقبل الجبار حتى تموت . وجاء رجل إلى شعيب بن حرب ، فقال له : ما جاء بك ؟ فقال أكون معك . قال : يا أخي ، إن العباة لا تكون بالشركة ، ومن لم يستأنس بالله لم يستأنس بشيء . حكي أن بعضهم قيل له : ما أعجب ما لقيت في سياحتك ؟ فقال لهم : لقيتي الخضر ، فطلب مني الصحبة : فخشيت أن يفسد علي توكلي . وقيل لبعضهم : هاهنا أحد تستأنس به ؟ فقال : نعم . . . ومد يده إلى مصحف ووضعه في حدره ، وقال : هذا . وفي معناه أنشدوا : وكتبك حولي لا تفارق مضجعي . . . وفيها شفاء للذي أنا كاتم وقال رجل لذي النون المصري . متى تصح لي العزلة ؟ فقال : إذا قويت على عزلة نفسك . وقيل لابن المبارك : ما دواء القلب ؟ فقال : قلة الملاقاة للناس . وقيل : إذا أراد الله أن ينقل العبد من ذلك المعصية إلى عز الطاعة آنسه بالوحدة وأغناه بالقناعة وبصره بعيوب نفسه ، فمن أعطى ذلك فقد أعطى خير الدنيا والآخرة . ؟

قسم V01/P140

باب التقوى

قسم V01/P140–V01/P142

قال الله تعالى : ' إن أكرمكم عند الله أنقاكم ' . وأخبرنا أبو الحسين علي بن أحمد بن عبدان ، قال أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، قال : أخبرنا محمد بن الفضل بن جابر قال : حدثنا ابن عبد الأعلى القرشي ، قال : حدثنا يعقوب العمي ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن أبي سعيد الخدري قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا نبي الله ، أوصني . فقال : ' عليك بتقوى الله ؛ فإنه جماع كل خير ، وعليك بالجهاد ، فإنه رهبانية المسلم ، وعليك بذكر الله ، فإنه نور لك ' . وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، قال أخبرنا أحمد بن عبيد ، قال : أخبرنا عباس بن المفضل الإسقاطي ؛ قال : حدثنا أحمد بن يونس قال : حدثنا أبو هرمز نافع بن هرمز ، قال : سمعت أنسا رضي الله عنه ؛ يقول : ' قيل يا نبي الله من آل محمد ؟ قال : كل تقي ' . فالتقوى جماع الخيرات . وحقيقة الإتقاء التحرز بطاعة الله عن عقوبته ؛ يقال : اتقى فلان بترسه . وأصل التقوى : انقاء الشرك ؛ ثم بعده : اتقاء المعاصي والسيئات ، ثم بعده انقاء الشبهات ؛ ثم يدع بعده الفضلات . كذلك سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، رحمه الله ؛ يقول ، سمعته يقول : ولكل قسم من ذلك باب . وجاء في تفسير قوله عز وجل : ' اتقوا الله حق تقاته ' إن معناه : أن يطاع فلا يعصي ؛ ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول : سمعت أحمد بن عاصم يقول : سمعت سهل بن عبدالله يقول : لا معين إلا الله ، ولا دليل إلا رسول الله ، ولا زاد إلا التقوي ، ولا عمل إلا الصبر عليه . وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الكتاني يقول : قسمت الدنيا على البلوى وقسمت الآخرة على التقوي : وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت الجريري يقول : من لم يحكم بينه وبين الله التقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف المشاهدة . وقال النصراباذي : التقوي : أن يتقي العبد ما سوى الله عز وجل . وقال سهل : من أراد أن تصح له التقوى فليترك الذنوب كلها . وقال النصراباذي : من لزم التقوى اشتقاق إلى مفارقة الدنيا ، لأن الله سبحانه يقول : ' وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ' . وقال بعضهم : من تحقق في التقوى هون الله على قلبه الإعراض عن الدنيا . وقال أبو عبد الله الروذباري : التقوي : مجانبة ما يبعدك عن الله . وقال ذو النون المصري : التقي : من لايدنس ظاهره بالمعارضات ، ولا باطنه بالعلالات ويكون واقفا مع الله موقف الاتفاق . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه ال ( له ، يقول : سمعت أبا الحسن الفارسي يقول : سمعت ابن عطاء يقول : للتقوى ظاهر وباطن ، فظاهره : محافظة الحدود . وباطنه : النية والإخلاص . وقال ذو النون : ولا عيش إلا مع رجال قلوبهم . . . تحن إلى التقوى وترتاح للذكر سكون إلى روح اليقين وطيبه . . . كما سكن الطفل الرضيع إلى الحجر وقيل : يستدل على تقوى الرجل بثلاث : حسن التوكل فيما لم ينل ، وحسن الرضا فيما قد نال ، وحسن الصبر على ما قد فات . وقال طلق بن حبيب : التقوى : عمل بطاعة الله على نور من الله ، مخافة عقاب الله .

قسم V01/P142–V01/P144

سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت محمدا الفراء يحكي عن أبي حفص : أنه قال : التقوى بالحلال المحض ، لا غير . وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا الحسين الزنجاني يقول : من كان رأس ماله التقوى كلت الألسن عن وصف ربحه . وقال الواسطي : التقوي : أن يتقي من تقواه يعني : من رؤية تقواه والمتقي مثل ابن سيرين ؛ اشترى اربعين حبا سمنا ، فأخرج غلامه فأرة من حب فسأله : من أي حب أخرجتها ؟ فقال لا أدري ! فصبها كلها على الأرض . ومثل ابن يزيد : اشترى بهمذان حب القرطم ، ففضل منه شيء ، فلما رجع إلى بسطام رأى فيه نملتين ، فرجع إلى همذان فوضع النملتين . ويحكى أن أبا حنيفة كان لا يجلس في ظل شجرة غريمة . ويقول : قد جاء في الخبر : ' كل قرض جر نفعا فهو ربا ' . وقيل : إن أبا يزيل غسل ثوبه في الصحراء مع صاحب له . فقال له صاحبه : تعلق الثوب في جدار الكرم . فقال لا ، لا تغرز الوتد في جدار الناس . فقال : نعلقه في الشجر . فقال : لا ، إنه يكسر الأغصان . فقال : نبسطه على الأذخر . فقال : لا ؛ إنه علق الدواب ، لا نستره عنها . قولي ظهره إلى الشمس والقميص على ظهره ، حتى جف جانب ، ثم قلبه حتى جف الجانب الآخر . وقيل : إن أبا يزيد دخل يوما الجامع ، فغرز عصاه في الأرض فسقطت ، ووقعت على عصا شيخ بجنبه ركز عصاه في الأرض ، فألقتها . فانحنى الشيخ وأخذ عصاه ، فمضى أبو يزيد إلى بيت الشيخ واستحله ، وقال : كان السبب في انحنائك تفريطي في غرز عصاي ، حيث حتجب إلى أن تنحني . ورؤى عتبة الغلام بمكان يتصبب عرقا في الشتاء ، فقيل له في ذلك . فقال : إنه مكان عصيت فيه ربي ! ! فسئل عنه فقال : كشطت من هذا الجدار قطعت طين ، غسل بها ضيف لي يده ، ولم أستحل من صاحبه . وقال إبراهيم بن أدهم : بت ليلة تحت الصخرة ببيت المقدس ؛ فلما كان بعض الليل نزل ملكان ، فقال أحدهما لصاحبه : من هاهنا ؟ فقال الآخر : إبراهيم بن أدهم . فقال : ذاك الذي حط بالله سبحانه درجة من درجاته . فقال : لم ؟ قال : لأنه اشترى بالبصرة تمرا ، فوقعت تمرة على تمرة من تمر البقال ، فلم يردها على صاحبها . قال إبراهيم : فمضيت إلى البصرة ، واشتريت التمر من ذلك الرجل ، وأوقعت تمرة على تمرة ، ورجعت إلى بيت المقدس ، وبت في الصخرة . فلما كان بعض الليل ، إذ أنا بملكين نزلا من السماء . فقال أحدهما لصاحبه : من هاهنا ؟ فقال الآخر : إبراهيم بن أدهم : فقال : ذلك الذي رد الله مكانه ، ورفعت درجته . وقيل : التقوى على وجوه : للعامة : تقوى الشرك ، وللخاصة : تقوى المعاصي ، وللأولياء : تقوى التوصل بالأفعال ، وللأنبياء تقوى نسبة الأفعال ؛ إذ تقواهم منه إليه . وعن أمير المؤمنين علي ، رضي الله عنه ، قال : سادة الناس في الدنيا الأسخياء ، وسادة الناس في الآخرة الأتقياء .

قسم V01/P144–V01/P145

أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي ، قال : أخبرنا أبو الحسين البصري قال : أخبرنا بشر بن موسى ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك ، عن يحيى ابن أيوب ، عن عبيد الله بن رحو ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' من نظر إلى محاسن امرأة فغض بصره في أول مرة ، أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها في قلبه ' . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت أبا العباس محمد بن الحسين ، يقول : سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول : كان الجنيد جالسا مع رويم ، والجريري ، وابن عطاء ، فقال الجنيد : ما نجا من نجا إلا بصد اللجا ، قال الله تعالى : ' وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت . . الآية ' . وقال رويم ، رحمه الله : ما نجا ما نجا إلا بصدق التقي ، قال تعالى : ' وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم . . ' . وقال الجريري : ما نجا من نجا إلا بمراعاة الوفاء ، قال الله تعالى : ' والذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ' . وقال ابن عطاء : ما نجا من نجا إلا بتحقيق الحياء من الله قال الله تعالى : ' ألم يعلم بأن الله يرى ' [ العلق : 14 ] . وقال الأستاذ الإمام : ما نجا من نجا إلا بالحكم والقضاء ، قال الله تعالى : ' إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ' الآية . وقال أيضا : ما نجا من نجا إلا بما سبق له من الاجتباء ، قال الله تعالى : ' واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ' .

قسم V01/P145

باب الورع

قسم V01/P145–V01/P147

أخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي ، قال : حدثنا محمد بن سليمان الزاهد قال أخبرنا محمد بن الحسين بن قتيبة ، قال : حدثنا أحمد بن إبي طاهر الخرساني . قال : حدثنا يحيى بن العيزار قال : حدثنا محمد بن يوسف الفريابي ، عن سفيان ، عن الأجلح ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبى الأسود الدؤلي ، عن أبى ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه ' . قال الأستاذ الإمام رضي الله عنه : أما الورع ، فإنه : ترك الشبهات . كذلك قال إبراهيم بن أدهم : الورع ترك كل شبهة ، وترك مالا يعنيك هو ترك الفضلات . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : ' كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام ' . وقال صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة : ' كن ورعا تكن أعبد الناس ' . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، يقول سمعت أبا العباس البغدادي يقول : سمعت جعفر بن محمد يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السرى يقول : كان أهل الورع في أوقاتهم أربعة : حذيفة المرتعش ، ويوسف بن أسباط ، وإبراهيم بن أدهم ، وسليمان الخواص ، فنظروا في الورع فلما ضاقت عليهم الأمور فزعوا إلىالتقلل . وسمعته يقول : سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول : سمعت الشبلي يقول : الورع أن تتورع عن كل ما سوى الله تعالى . وسمعته يقول : أخبرنا أبو جعفر الرازي قال : حدثنا العباس بن حمزة قال : حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال : حدثنا إسحاق بن خلف ؛ قال : الورع ، المنطق : أشد منه في الذهب والفضة ، والزهد في الرياسة ك أشد منه في الذهب والفضة ، لأنك تبدلهما في طلب الرئاسة . وقال أبو سليمان الداراني : الورع : أول الزهد ، كما أن القناعة : طرف من الرضا . وقال أبو عثمان : ثواب الورع خفة الحساب . وقال يحيى بن معاذ : الورع : الوقوف على حد العلم من غير تأويل . سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت الحسين بن أحمد بن جعفر يقول : سمعت محمد بن داود الدينوري يقول . سمعت عبد الله بن الجلاء يقول : أعرف من أقام بمكة ثلاثين سنة لم يشرب من ماء زمزم إلا ما استقاه بركوته ، ورشائه ، ولم يتناول من طعام جاب من مصر . وسمعته يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت علي بن موسى التاهرتي يقةل : وقع من عبد الله بن مروان فلس في بئر قذرة ، فاكترى عليه بثلاثة عشر دينارا حتى أخرجه ، فقيل له في ذلك ، فقال : كان عليه اسم الله تعالى . وسمعته يقول : سمعت أبا الحسن الفارسي يقول : سمعت بن علوية يقول : سمعت يحيى بن معاذ يقول : الورع على وجهين : ورع في الظاهر ؛ وهو : أن لايتحرك إلا لله تعالى . وورع في الباطن ، وهو : أن لايدخل قلبك سوى الله تعالى : وقال يحيى بن معاذ : من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء . وقيل : من دق في الدين نظره جل في القيامة خطره . وقال ابن الجلاء : من لم يصحبه التقي في فقره أكل الحرام النص . وقال يونس بن عبيد : الورع : الخروج عن كل شبهة ، ومحاسبة النفس في كل طرفة . وقال سفيان الثوري : ما رأيت أسهل من الورع : ماحاك في نفسك تركته ، وقال معروف الكرخي : احفظ لسانك من المدح كما تحفظه من الذم .

قسم V01/P147–V01/P148

وقال بشر بن الحارث : أشد الأعمال ثلاثة : الجود في القلة ، والورع في الخلوة ، وكلمة الحق عند من يخاف منه ويرجى . وقيل : جاءت أخت بشر الحافي إلى أحمد بن حنبل وقالت : إنا نغزل على سطوحنا ، فتمر بنا مشاعل الظاهرية ، ويقع الشعاع علينا ، أفيجوز لنا الغزل في شعاعها ؟ . فقال أحمد : من أنت ؟ عافاك الله تعالى . فقالت : أخت بشر الحافي . فبكي أحمد وقال : من بيتكم يخرج الورع الصادق ، لاتغزلي في شعاعها . وقال علي العطار : مررت بالبصرة في بعض الشوراع ، فإذا مشايخ قعود وصبيان يلعبون ، فقلت : أما تستحون من هؤلاء المشايخ ؟ ! فقال صبي من بينهم : هؤلاء المشايخ قل ورعهم فقلت هيبتهم . وقيل : إن مالك بن دينار مكث بالبصرة أربعين سنة ، فلم يصح له أن يأكل شيئا من تمر البصرة ، ولامن رطبها ، حتى مات ولم يذقه . وكان إذا انقضى وقت الرطب قال : يا أهل البصرة ، هذا بطني ما نقص منه شيء ولا زاد فيكم . وقيل لإبراهيم بن أدهم : ألا تشرب من ماء زمزم ؟ فقال لو كان لي دلو لشربت منه . سمعت الأستاذ أبا الدقاق يقول : كان الحارث المحاسبي إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة ضرب على رأس إصبعه عرق فيعلم إنه غير حلال . وقال : إن بشرا الحافي دعي إلى دعوة ، فوضع بين يديه طعام ، فجهد أن يمد يده إليه ، فلم تمتد . ففعل ذلك ثلاث مرات . فقال رجل يعرف ذلك منه : إن يده لا تمتد إلى طعام فيه شبهة ، ما كان أعنى صاحب هذه الدعوة أن يدعو هذا الشيخ ؟ ! أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى الصوفي ، قال : سمعت عبد الله بن علي ابن يحيى التميمي قال سمعت أحمد بن محمد بن سالم بالبصرة يقول : سئل سهل ابن عبد الله عن الحلال الصافي ، فقال : هو الذي لا يعصي الله تعالى فيه . وقال سهل : الحلال الصافي : الذي لا ينسى الله تعالى فيه . ودخل الحسن البصري مكة ، فرأى غلاما من أولاد علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قد أسند ظهر إلى الكعبة يعظ الناس ، فوثب عليه الحسن وقال له : ما ملاك الدين ؟ فقال : الورع . فقال له : فما آفة الدين ؟ فقال : الطمع . فتعجب الحسن منه . وقال الحسن : مثقال ذرة من الورع للسالم خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة . وأوحى الله سبحانه ، إلى موسى ، عليه الصلاة والسلام : لم يتقرب إلى المتقربون بمثل الورع والزهد . وقال : أبو هريرة : جلساء الله تعالى غدا : أهل الورع والزهد . وقال : سهل بن عبد الله : من لم يصحبه الورع أكل رأس الفيل ولم يشبع ! ! وقيل : حمل إلى عمر بن عبد العزيز مسك من الغنائم ، فنبض علي مشامه . وقال : إنما ينتفع من هذا بربحه ، وأناأكره أن أجد ريحه دون المسلمين . وسئل أبو عثمان الحيري عن الورع ، فقال : كان أبو صالح حمدون عند صديق له ، وهو في النزع ، فمات الرجل ، فنفث أبو صالح في السراج ، فقيل له في ذلك ، فقال : إلى الآن كان الدهن له في المسرجة ، ومن الآن صار للورثة . اطلبوا دهنا غيره . وقال كهمس : أذنبت ذنبا أبكي عليه منذ أربعين سنة ؛ وذلك : أنه زارني أخ لي ؛ فاشتريت لأجله بدانفق سمكة مشوية ، فلما فرغ أخذت قطعة طين من جدار جار لي حتى غسل بها يده ولم أستحله .

قسم V01/P148–V01/P150

وقيل : كان رجل يكتب رقعة ، وهو في بيت بكراء ، فأراد أن يترب الكتاب من جدار البيت ، فخرط بباله أن البيت بالكراء . . ثم إنه خطر بباله أنه لا خطر لهذا ، فترب الكتاب ، فسمع هاتفا يقول : سيعلم المستخف بالتراب ما يلقاه غدا من طول الحساب ! ! ورهن أحمد بن حنبل ، رحمه الله تعالى ، سطلا له عند بقال بمكة ، حرسها الله تعالى ، فلما أراد فكاكه أخرج البقال إليه سطلين ، وقال : خذ أيهما هو لك . فقال أحمد أشكل علي سطلي ، فهو لك ، والدراهم لك . فقال البقال : سطلك هذا ، وأنا أردت أن أجربك . فقال : لا آخذه . ومضى . وترك السطل عنده . وقيل : سيب ابن المبارك دابة قيمتها كثيرة ، وصلى صلاة الظهر ، فرتعت الدابة في زرع قرية سلطانية ، فترك ابن المبارك الدابة ولم يركبها . وقيل : رجع ابن المبارك من مرو إلى الشام في قلم استعاره فلم يرده على صاحبه . واستأجر النخعي دابة ، فسقط سوطه من يده ، فنزل ، وربط الدابة ، رجع فأخذ السوط ، فقيل له : لو حولت الدابة إلى الموضع الذي سقط فيه السوط فأخذته كان أسهل لك فقال : إنما استأجرتها لأمضي هكذا . . لا هكذا ! ! وقال أبو بكر الدقاق : تهت في تيه بني إسرائيل خمسة عشر يوما . . فلما وافيت الطريق ، استقبلني جندي فسقاني شربة من ماء ، فعادت قسوتها على قلبي وتألمت ثلاثين سنة . وقيل : خاطت رابعة العدوية شقا في قميصها في ضوء مشعلة سلطان ، ففقدت قلبها زمانا ، حتى تذكرت ، فشقت قميصها ، فوجدت قلبها . وروي سفيان الثوري في المنام ، وله جناحان يطير بهما في الجنة من شجرة إلى شجرة . فقيل : بم نلت هذا ؟ : فقال : بالورع . ووقف حسان بن أبي سنان على أصحاب الحسن ، فقال : أي شيء أشد عليكم ؟ فقالوا : الورع . فقال : ولا شيء أخف علي منه . فقالوا : فكيف ؟ فقال : لم أرو من نهركم منذ أربعين سنة . وكان حسان بن أبي سنان لا ينام مضطجعا ، ولا يأكل سمينا ولا يشرب ماء باردا ستين سنة ، فرؤي في المنام بعد موته ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ . فقال : خيرا ، إلا أني محبوس عن الجنة بإبرة استعرتها فلم أردها . وكان لعبد الواحد بن زيد غلام خدمه سنين ، وتعبد أربعين سنة : وكان في أبتداء أمره كيالا ، فلما مات رؤي في المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : خيرا ، غير أني محبوس عن الجنة ، وقد أخرج علي من غبار القفيز الذي اكتلته أربعين قفيزا . ومر عيسى ابن مريم ؛ عليهما السلام بمقبرة ، فنادى رجلا منها ، فأحياه الله تعالى : فقال : من أنت ؟ فقال كنت حمالا أنقل للناس ، فنقلت لإنسان يوما حطبا ، فكسرت منه خلالا تخللت به فأنا مطالب به منذ مت . وتكلم أبو سعيد الخراز في الورع . . فمر به عباس بن المهتدي ، فقال : يا أبا سعيد ، أما تستحي ، تجلس تحت سقف أبي الدوانيق ، وتشرب من بركة زبيدة ، وتتعامل بالدراهم المزيفة ، وتتكلم في الورع ؟ !

قسم V01/P150

باب الزهد

قسم V01/P150–V01/P152

أخبرنا حمزة بن يوسف السهمي الجرجاني ، قال : أخبرنا أبو الحسن عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقري ببغداد ، قال : حدثنا جعفر بن مجاشع قال : حدثنا زيد بن إسماعيل قال : حدثنا كثير بن هشام قال : حدثنا الحكم ابن هشام ، عن يحيى بن سعيد ، عن افروة ، عن أبي خلاد - وكانت له صحية - قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' إذا رأيتم الرجل قد أوتي زهدا في الدنيا ، ومنطقا ، فاقتربوا منه ، فإنه يلقن الحكمة ' . قال الأستاذ الإمام أبو القاسم ، رحمه الله : اختلف الناس في الزهد ، فمنهم من قال : الزهد في الحرام ، لأن الحلال مباح من قبل الله تعالى ، فإذا أنعم الله على عبده بمال من حلال ، وتعبده بالشكر عليه ، فتركه له باختياره . لا يقدم على إمساكه له بحق إذنه . ومنهم من قال : الزهد في الحرام واجب ، وفي الحلال فضيلة ، فإن إقلال المال - والعبد صابر في حاله ، راض بما قسم الله تعالى له ، قانع بما يعطيه - أم من توسعه وتبسطه في الدنيا فإن الله تعالى زهد الخلق في الدنيا بقوله : ' قل متاع الدنيا قليل ، والآخرة خير لمن اتقى ' : وغير ذلك من الآيات الواردة في ذم الدنيا والتزهيد فيها . ومنهم من قال : إذا أنفق العبد ماله في الطاعة وعلم من حاله الصبر ، وترك التعرض لما نهاه الشرع عنه في حال العسر ، فحينئذ يكون زهده في المال الحلال أثم . ومنهم من قال : ينبغي للعبد أن لا يختار الحلال بتكلفه ، ولا طلب الفضول مما لا يحتاج إلريه ويراعي القسمة . فإن رزقه الله ، سبحانه وتعالى مالا من حلال شكره ، وإن وقفه الله تعالى ، على حد الكفاف لم تكلف في طلب ما هو فضول المال ، فالصبر أحسن بصاحب الفقر . والشكر أليق بصاحب المال الحلال . معنى الزهد وتكلموا في معنى الزهد : فكل نطق عن وقته ، وأشار إلى حده . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله يقول : حدثنا أحمد ابن إسماعيل الأزدي قال : حدثنا عمران بن موسى الإسفنجي قال : حدثنا الدورقي قال : حدثنا وكيع قال : قال سفيان الثوري : الزهد في الدنيا : قصر الأمل ، ليس بأكل الغليظ ، ولا بلبس العباء . وسمعته يقول : سمعت سعيد بن أحمد يقول : سمعت عباس بن عصام يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السري السقطي يقول : إن الله سبحانه ، سلب الدنيا عن أوليائه ، وحماها عن أصفيائه ، وأجرها من قلوب أهل وداده ؛ لأنه لم يرضها لهم . وقيل : الزهد من قوله سبحانه وتعالى : ' لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ' . قالزاهد لا يفرح بموجود من الدنيا ، ولا يتأسف على مفقود منها . وقال أبو عثمان : الزهد : أن تترك الدنيا ثم لاتبالي بمن أخذها . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول : الزهد : أن تترك الدنيا كما هي ، لاتقول أبني بها رباطا أو أعمر مسجدا . وقال يحيى بن معاذ : الزهد : يورث السخاء بالملك ، والحب يورث السخاء بالروح ، وقال ابن الجلاء : الزهد : هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال ، لتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها . وقال ابن خفيف : علامة الزهد : وجود الراحة في الخروج عن الملك . وقال أيضا : الزهد : سلو القلب عن الأسباب ، وفض الأيدي من الأملاك . وقيل الزهد : عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت النصراباذي يقول : الزاهد : غريب في الدنيا ، والعارف غريب في الأخرة .

قسم V01/P152–V01/P154

وقيل : من صدق في زهده أتته الدنيا راغمة . ولهذا قيل : لو سقطت قلنسوة من السماء لما وقعت إلا على رأس من لا يريدها . وقال الجنيد : الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد . وقال أبو سليمان الداراني : الصوف علم من أعلم الزهد ؛ فلا ينبغي للزاهد أن يلبس صوفا بثلاثة دراهم ، وفي قلبه رغبة خمسة دراهم . وقد اختلف السلف في الزهد . فقال سفيان الثوري ، وأحمد بن حنبل ، وعيسى بن يونس ، وغيرهم : الزهد في الدنيا : إنما هو قصر الأمل . وهذا الذي قالوه يحمل على أنه من أمارات الزهد ، والأسباب الباعثة عليه والمعاني الموجبة له . وقال عبد الله بن المبارك : الزهد : هو الثقة بالله تعالى مع حب الفقر . وبه قال شقيق البلخي ، ويوسف بن أسباط وهذا أيضا من أمارات الزهد ، فإنه لا يقوى العبد على الزهد ، إلا بالثقة بالله تعالى . وقال عبد الواحد بن زيد : الزهد : ترك الدينار والدرهم . وقال أبو سليمان الدارني : الزهد : ترك ما يشغل عن الله سبحانه وتعالى . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أحمد بن علي يقول : سمعت إبراهيم بن فاتك يقول : سمعت الجنيد يقول ، وقد سأله رويم عن الزهد ، فقال : هو استصغار الدنيا ، ومحو آثارها من القلب . وقال سري : لا يطيب عيش الزاهد إذا اشتغل عن نفسه ، ولا يطيب عيش العارف إذا اشتغل بنفسه . وسئل الجنيد عن الزهد ، فقال : خلو اليد من الملك ، والقلب من التتبع . وسئل الشبلي عن الزهد فقال : أن تزهد فيما سوى الله تعالى . وقال يحيى بن معاذ : لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال : عمل بلا علاقة ، وقول بلا طمع ، وعز بلا رياسة . وقال أبو حفص : الزهد لا يكون إلا في الحلال ، ولا حلال في الدنيا ، فلا زهد . وقال أبو عثمان : إن الله تعالى يعطي الزاهد فوق ما يريد ، ويعطي الراغب دون ما يريد ، ويعطي المستقيم موافقة ما يريد . وقال يحيى بن معاذ : الزاهد يسعطك الخل والخردل ، والعارف يشمك المسك والعنبر . وقال الحسن البصري : الزهد في الدنيا أن تبغض أهلها وتبغض ما فيها : . وقيل لبعضهم : ما الزهد في الدنيا ؟ قال : ترك ما فيها على ما فيها . وقال رجل لذي النون المصري : متى أزهد في الدنيا ؟ فقال : إذا زهدت في نفسك . وقال محمد بن الفضل : إيثار الزهاد عند الاستغناء ، وإيثار الفتيان عند الحاجة ، قال الله تعالى : ' ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ' . وقال الكتاني : الشيء الذي لم يخالف فيه كوفي ولا مدني ولا عراقي ، ولا شامي : الزهد في الدنيا ، وسخاوة النفس ، والنصيحة للخلق ، يعني أن هذه الأشياء لا يقول أحد إنها غير محمودة . وقال رجل ليحيى بن معاذ : متى أدخل حانوت التوكل ، وألبس رداء الزاهدين ؟ فقال : إذا صرت من رياضتك في السر إلى حد لو قطع الله عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك . فأما ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ، ثم لا آمن عليك أن تفتضح بينهم ! ! وقال بشكر الحافي : الزهد : ملك لا يسكن إلا في قلب مخلي . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه الله ، يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت بن محمد بن الأشعث البيكندي يقول : من تكلم في الزهد ، ووعظ الناس ، ثم رغب في مالهم ، رفع الله تعالى حب الآخرة من قلبه .

قسم V01/P154–V01/P155

وقيل : إذا زهد العبد في النيا وكل الله تعالى به ملكا يغرس الحكمة في قلبه . وقيل : لبعضهم : لم زهدت في الدنيا ؟ فقال : لزهدها في . وقال أ ؛ مد بن حنبل : الزهد على ثلاثة أوجه : ترك الحرام ، وهو : زهد العوام : والثاني : ترك الفضول من حلال ، وهو : زهد الخواص . والثالث : ترك ما يشغل العبد عن الله تعالى ، وهو : زهد العارفين . سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق ، يقول : قيل لبعضهم : لم زهدت في الدنيا ؟ قال : لما زهدت في أكثرها أنفت من الرغبة في أقلها . وقال يحيى بن معاذ : الدنيا كالعروس المجلوة ، ومن يطلبها ما شطتها والزاهد فيها يسخم وجهها ، وينتف شعرها ، ويحرق ثوبها والعارف مشتغل بالله تعالى ، لا يلتفت إليها . سمعت أبا عبد الله الصوفي يقول : سمعت : أبا الطيب السامري يقول : سمعت الجنيد يقول : سمعت السري يقول : مارست كل شيء من أمر الزهد ، فنلت منه ما أريد ، إلا الزهد في الناس ؛ فإني لم أبلغه ، ولم أطقه . وقيل . ما خرج الزاهدون إلا إلى أنفسهم ، لأنهم تركوا النعيم الفاني للنعيم الباقي . وقال النصراباذي : الزاهد حقن دماء الزاهدين ، وسفك دماء العارفين . وقال حاتم الأصم . الزاهد يذيب كيسه قبل نفسه ، والمتزاهد يذيب نفسه قبل كيسه . سمعت محمد بن عبد الله يقول : حدثنا علي بن الحسين الموصلي قال : حدثنا أحمد بن الحسين قال : حدثنا محمد بن الحسن قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : سمعت الفضيل بن عياض يقول : جعل الله الشر كله في بيت ، وجعل مفتاحه حب الدنيا ، وجعل الخير كله في بيت ، وجعل مفتاحه الزهد .

الأسئلة