Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

قسم V02/P012–V02/P013

وينبغي أن لا يقصد بدعوته المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب الإخوان والتسنن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطعام الطعام وإدخال السرور على قلوب المؤمنين وينبغي أن لا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة وإذا حضر تأذى بالحاضرين بسبب من الأسباب وينبغي أن لا يدعو إلا من يحب إجابته قال سفيان من دعا أحدا إلى طعام وهو يكره الإجابة فعليه خطيئة فإن أجاب المدعو فعليه خطيئتان لأنه حمله على الأكل مع كراهة ولو علم ذلك لما كان يأكله وإطعام التقي إعانة على الطاعة وإطعام الفاسق تقوية على الفسق قال رجل خياط لابن المبارك أنا أخيط ثياب السلاطين فهل تخاف أن أكون من أعوان الظلمة قال لا إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة أما أنت فمن الظلمة نفسهم وأما الإجابة فهي سنة مؤكدة وقد قيل بوجوبها في بعض المواضع قال صلى الله عليه وسلم لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع لقبلت وللإجابة خمسة آداب الأول أن لا يميز الغني بالإجابة عن الفقير فذلك هو التكبر المنهي عنه ولأجل ذلك امتنع بعضهم عن أصل الإجابة وقال انتظار المرقة ذل وقال آخر إذا وضعت يدي في قصعة غيري فقد ذلت له رقبتي ومن المتكبرين من يجيب الأغنياء دون الفقراء وهو خلاف السنة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين ومر الحسن بن علي رضي الله عنهما بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على الطريق وقد نشروا كسرا على الأرض في الرمل وهم يأكلون وهو على بغلته فسلم عليهم فقالوا له هلم إلى الغداء يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال نعم إن الله لا يحب المستكبرين فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل ثم سلم عليهم وركب وقال قد أجبتكم فأجيبوني قالوا نعم فوعدهم وقتا معلوما فحضروا فقدم إليهم فاخر الطعام وجلس يأكل معهم وأما قول القائل إن من وضعت يدي في قصعته فقد ذلت له رقبتي فقد قال بعضهم هذا خلاف السنة وليس كذلك فإنه ذل إذا كان الداعي لا يفرح بالإجابة ولا يتقلد منة وكان يرى ذلك يدا له على المدعو ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحضر لعلمه أن الداعي له يتقلد منة ويرى ذلك شرفا وذخرا لنفسه في الدنيا والآخرة فهذا يختلف باختلاف الحال فمن ظن به أنه يستثقل الإطعام وإنما يفعل ذلك مباهاة أو تكلفا فليس من السنة إجابته بل الأولى التعلل ولذلك قال بعض الصوفية لا تجب إلا دعوة من يرى أنك أكلت رزقك وأنه سلم إليك وديعة كانت لك عنده ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك الوديعة منه وقال سري السقطي رحمه الله آه على لقمة ليس على الله فيها تبعة ولا لمخلوق فيها منه فإذا علم المدعو أنه لا منة في ذلك فلا ينبغي أن يرد وقال أبو تراب النخشي رحمة الله عليه عرض علي طعام فامتنعت فابتليت بالجوع أربعة عشر يوما فعلمت أنه عقوبته وقيل لمعروف الكرخي رضي الله عنه كل من دعاك تمر إليه فقال أنا ضيف أنزل حيث أنزلوني الثاني أنه لا ينبغي أن يمتنع عن الإجابة لبعد المسافة كما لا يمتنع لفقر الداعي وعدم جاهه بل كل مسافة يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع لأجل ذلك يقال في التوراة أو بعض الكتب سر ميلا عد مريضا سر ميلين شيع جنازة سر ثلاثة أميال أجب دعوة سر أربعة أميال زر أخا في الله ولإنما قدم إجابة الدعوة والزيارة لأن فيه قضاء حق الحي فهو أولى من الميت وقال صلى الله عليه وسلم لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت وهو موضع على أميال من المدينة أفطر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان لما بلغه وقصر عنده في سفره

قسم V02/P013–V02/P014

الثالث أن لا يمتنع لكونه صائما بل يحضر فإن كان يسر أخاه إفطاره فليفطر وليحتسب في إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه ما يحتسب في الصوم وأفضل وذلك في صوم التطوع وإن لم يتحقق سرور قلبه فليصدقه بالظاهر وليفطر وإن تحقق أنه متكلف فليتعلل وقد قال صلى الله عليه وسلم لمن امتنع بعذر الصوم تكلف لك أخوك وتقول إني صائم وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما من أفضل الحسنات إكرام الجلساء بالإفطار فالإفطار عبادة بهذه النية وحسن خلق فثوابه فوق ثواب الصوم ومهما لم يفطر فضيافته الطيب والمجمرة والحديث الطيب وقد قيل الكحل والدهن أحد القراءين الرابع أن يمتنع من الإجابة إن كان الطعام طعام شبهة أو الموضع أو البساط المفروش من غير حلال أو كان يقام في الموضع منكر من فرش ديباج أو إناء فضة أو تصوير حيوان على سقف أو حائط أو سماع شيء من المزامير والملاهي أو التشاغل بنوع من اللهو والعزف والهزل واللعب واستماع الغيبة والنميمة والزور والبهتان والكذب وشبه ذلك مما يمنع الإجابة واستحبابها ويوجب تحريمها أو كراهيتها وكذلك إذا كان الداعي ظالما أو مبتدعا أو فاسقا أو شريرا أو متكلفا طلبا للمباهاة والفخر الخامس أن لا يقصد بالإجابة قضاء شهوة البطن فيكون عاملا في أبواب الدنيا بل يحسن نيته ليصير بالإجابة عاملا للآخرة وذلك بأن تكون نيته الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لو دعيت إلى كراع لأجبت وينوي الحذر من معصية الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم من لم يجب الداعي فقد عصى الله ورسوله وينوي إكرام أخيه المؤمن اتباعا لقوله صلى الله عليه وسلم من أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم الله وينوي إدخال السرور على قلبه امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم من سر مؤمنا فقد سر الله وينوي مع ذلك زيارته ليكون من المتاحبين في الله إذ شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه التزاور والتباذل لله وقد حصل البذل من أحد الجانبين فتحصل الزيارة من جانبه أيضاوينوي صيانة نفسه عن أن يساء به الظن في امتناعه ويطلق اللسان فيه بأن يحمل على تكبر أو سوء خلق أو اسحتقار أخ مسلم أو ما يجري مجراه فهذه ست نيات تلحق إجابته بالقربات آحادها فكيف مجموعها وكان بعض السلف يقول أنا أحب أن يكون لي في كل عمل نية حتى في الطعام والشراب وفي مثل هذا قال صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه والنية إنما تؤثر في المباحات والطاعات أما المنهيات فلا فإنه لو نوى أن يسر إخوانه بمساعدتهم على شرب الخمر أو حرام آخر لم تنفع النية ولم يجز أن يقال الأعمال بالنيات بل لو قصد بالغزو الذي هو طاعة المباهاة وطلب المال انصرف عن جهة الطاعة وكذلك المباح المردد بين وجوه الخيرات وغيرها يلتحق بوجوه الخيرات بالنية فتؤثر النية في هذين القسمين لا في القسم الثالث وأما الحضور فأدبه أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن بل يتواضع ولا يطول الانتظار عليهم ولا يعجل بحيث يفاجئهم قبل تمام الاستعداد ولا يضيق المكان على الحاضرين بالزحمة بل إن أشار إليه صاحب المكان بموضع لا يخالفه البتة فإنه قد يكون رتب في نفسه موضع كل واحد فمخالفته تشوش عليه وإن أشار إليه بعض الضيفان بالارتفاع إكراما فليتواضع قال صلى الله عليه وسلم إن من التواضع لله الرضا بالدون من المجلس ولا ينبغي أن يجلس في مقابلة باب الحجرة التي للنساء وسترهم ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام فإنه دليل على الشره ويخص بالتحية والسؤال من يقرب منه إذا جلس وإذا دخل ضيف للمبيت فليعرفه صاحب المنزل عند الدخول القبلة وبيت الماء وموضع الوضوء كذلك فعل مالك بالشافعي رضي الله عنهما

قسم V02/P014–V02/P015

وغسل مالك يده قبل الطعام قبل القوم وقال الغسل قبل الطعام لرب البيت أول لأنه يدعو الناس إلى كرمه فحكمه أن يتقدم بالغسل وفي آخر الطعام يتأخر بالغسل لينتظر أن يدخل من يأكل فيأكل معه وإذا دخل فرأى منكرا غيره إن قدر وإلا أنكر بلسانه وانصرف والمنكر فرش الديباج واستعمال أواني الفضة والذهب والتصوير على الحيطان وسماع الملاهي والمزامير وحضور النسوة المتكشفات الوجوه وغير ذلك من المحرمات حتى قال أحمد رحمه الله إذا رأى مكحلة رأسها مفضض ينبغي أن يخرج ولم يأذن في الجلوس إلا في ضبة وقال إذا رأى كلة فينبغي أن يخرج فإن ذلك تكلف لا فائدة فيه ولا تدفع حرا ولا بردا ولا تستر شيئا وكذلك قال يخرج إذا رأى حيطان البيت مستورة بالديباج كما تستر الكعبة وقال إذا اكترى بيتا فيه صورة أو دخل الحمام ورأى صورة فينبغي أن يحكها فإن لم يقدر خرج وكل ما ذكره صحيح وإنما النظر في الكلة وتزيين الحيطان بالديباج فإن ذلك لا ينتهي إلى التحريم إذ الحرير يحرم على الرجال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها وما على الحائط ليس منسوبا إلى الذكور ولو حرم هذا لحرم تزيين الكعبة بل الأولى إباحته لموجب قوله {قل من حرم زينة الله} لا سيما في وقت الزينة إذا لم يتخذ عادة للتفاخر وإن تخيل أن الرجال ينتفعون بالنظر إليه ولا يحرم على الرجال الانتفاع بالنظر إلى الديباج مهما لبسه الجواري والنساء والحيطان في معنى النساء إذ لسن موصوفات بالذكورة وأما إحضار الطعام فله آداب خمسة الأول تعجيل الطعام فذلك من إكرام الضيف وقد قال صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومهما حضر الأكثرون وغاب واحد أو اثنان وتأخروا عن الوقت الموعود فحق الحاضر في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير إلا أن يكون المتأخر فقيرا أو ينكسر قلبه بذلك فلا بأس في التأخير وأحد المعنيين في قوله تعالى {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين} أنهم أكرموا بتعجيل الطعام إليهم دل عليه قوله تعالى {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} وقوله {فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين} والروغان الذهاب بسرعة وقيل في خفية وقيل جاء بفخذ من لحم وإنما سمي عجلا لأنه عجله ولم يلبث قال حاتم الأصم العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إطعام الضيف وتجهيز الميت وتزويج البكر وقضاء الدين والتوبة من الذنب ويستحب التعجيل في الوليمة قيل الوليمة في أول يوم سنة وفي الثاني معروف وفي الثالث رياء الثاني ترتيب الأطعمة بتقديم الفاكهة أولا إن كانت فذلك أوفق في الطب فإنها أسرع استحالة فينبغي أن تقع في أسفل المعدة وفي القرآن تنبيه على تقديم الفاكهة في قوله تعالى وفاكهة مما يتخيرون {ثم قال} ولحم طير مما يشتهون ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد فقد قال صلى الله عليه وسلم فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام فإن جمع إليه حلاوة بعده فقد جمع الطيبات ودل على حصول الإكرام باللحم قوله تعالى في ضيف إبراهيم إذ أحضر العجل الحنيذ أي المحنوذ وهو الذي أجيد نضجه وهو أحد معنى الإكرام أعني تقديم اللحم وقال تعالى في وصف الطيبات وأنزلنا عليكم المن والسلوى المن العسل والسلوى اللحم سمي سلوى لأنه يتسلى به عن جميع الإدام ولا يقوم غيره مقامه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم سيد الإدام اللحم ثم قال بعد ذكر المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم فاللحم والحلاوة من الطيبات قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه أكل الطيبات يورث الرضا عن الله وتتم هذه الطيبات بشرب الماء البارد وصب الماء الفاتر على اليد عند الغسل قال المأمون شرب الماء بثلج يخلص الشكر وقال بعض الأدباء إذا دعوت إخوانك فأطعمتهم حصرمية وبورانية وسقيتهم ماء باردا فقد أكملت الضيافة

قسم V02/P015–V02/P016

وأنفق بعضهم دراهم في ضيافة فقال بعض الحكماء لم نكن نحتاج إلى هذا إذا كان خبزك جيدا وماؤك باردا وخلك حامضا فهو كفاية وقال بعضهم الحلاوة بعد الطعام خير من كثرة الألوان والتمكن على المائدة خير من زيادة لونين ويقال أن الملائكة تحضر المائدة إذا كان عليها بقل فذلك أيضا مستحب ولما فيه من التزين بالخضرة وفي الخبر إن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل كان عليها من كل البقول إلا الكراث وكان عليها سمكة عند رأسها خل وعند ذنبها ملح وسبعة أرغفة على كل رغيف زيتون وحب رمان فهذا إذا اجتمع حسن للموافقة الثالث أن يقدم من الألوان ألطفها حتى يستوفي منها من يريد ولا يكثر الأكل بعده وعادة المترفين تقديم الغليظ ليستأنف حركة الشهوة بمصادفة اللطيف بعده وهو خلاف السنة فإنه حيلة في استكثار الأكل وكان من سنة المتقدمين أن يقوموا جملة الألوان دفعة واحدة ويصففون القصاع من الطعام على المائدة ليأكل كل واحد مما يشتهي وإن لم يكن عنده إلا لون واحد ذكره ليستوفوا منه ولا ينتظروا أطيب منه ويحكى عن بعض أصحاب المروءات أنه كان يكتب نسخة بما يستحضر من الألوان ويعرض على الضيفان وقال بعض الشيوخ قدم إلى بعض المشايخ لونا بالشام فقلت عندنا بالعراق إنما يقدم هذا آخرا فقال وكذا عندنا بالشام ولم يكن له لون غيره فخجلت منه وقال آخر كنا جماعة في ضيافة فقدم إلينا ألوان من الرءوس المشوية طبيخا وقديدا فكنا لا نأكل ننتظر بعدها لونا أو حملا فجاءنا بالطست ولم يقدم غيرها فنظر بعضنا إلى بعض فقال بعض الشيوخ وكان مزاحا إن الله تعالى يقدر أن يخلق رءوسا بلا أبدان قال وبتنا تلك الليلة جياعا نطلب فتيتا إلى السحور فلهذا يستحب أن يقدم الجميع أو يخبر بما عنده الرابع أن لا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكنهم من الاستيفاء حتى يرفعوا الأيدي عنها فلعل منهم من يكون بقية ذلك اللون أشهى عنده مما استحضروه أو بقيت فيه حاجة إلى الأكل فيتنغض عليه بالمبادرة وهي من التمكن على المائدة التي يقال إنها خير من لونين فيحتمل أن يكون المراد به قطع الاستعجال ويحتمل أن يكون أراد به سعة المكان حكى عن الستوري وكان صوفيا مزاحا فحضر عند واحد من أبناء الدنيا على مائدة فقدم إليهم حمل وكان صاحب المائدة بخل فلما رأى القوم مزقوا الحمل كل ممزق ضاق صدره وقال يا غلام ارفع إلى الصبيان فرفع الحمل إلى داخل الدار فقام الستوري يعدو خلف الحمل فقيل له إلى أين فقال آكل مع الصبيان فاستحيا الرجل وأمر برد الحمل ومن هذا الفن أن لا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم فإنهم يستحيون بل ينبغي أن يكون آخرهم أكلا كان بعض الكرام يخبر القوم بجميع الألوان ويتركهم يستوفون فإذا قاربوا الفراغ جثا على ركبتيه ومد يده إلى الطعام وأكل وقال بسم الله ساعدوني بارك الله فيكم وعليكم وكان السلف يستحسنون ذلك منه الخامس أن يقدم من الطعام قدر الكفاية فإن التقليل عن الكفاية نقص في المروءة والزيادة عليه تصنع ومراءاة لا سيما إذا كانت نفسه لا تسمح بأن يأكلوا الكل إلا أن يقدم الكثير وهو طيب النفس لو أخذوا الجميع ونوى أن يتبرك بفضلة طعامهم إذ في الحديث لا يحاسب عليه أحضر إبراهيم بن أدهم رحمه الله طعاما كثيرا على مائدته فقال له سفيان يا أبا إسحاق أما تخاف أن يكون هذا سرفا فقال إبراهيم ليس في الطعام سرف فإن لم تكن هذه النية فالتكثير تكلف قال ابن مسعود رضي الله عنه نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه وكره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة ومن ذلك كان لا يرفع من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلة طعام قط لأنهم كانوا لا يقدمون إلا قدر الحاجة ولا يأكلون تمام الشبع

قسم V02/P016–V02/P018

وينبغي أن يعزل أولا نصيب أهل البيت حتى لا تكون أعينهم طامحة إلى رجوع شيء منه فلعله لا يرجع فتضيق صدورهم وتنطلق في الضيفان ألسنتهم ويكون قد أطعم الضيفان ما يتبعه كراهية قوم وذلك خيانة في حقهم وما بقي من الأطعمة فليس للضيفان أخذه وهو الذي تسميه الصوفية الزلة إلا إذا صرح صاحب الطعام بالإذن فيه عن قلب راض أو علم ذلك بقرينة حاله وأنه يفرح به فإن كان يظن كراهيته فلا ينبغي أن يؤخذ وإذا علم رضاه فينبغي مراعاة العدل والنصفة مع الرفقاء فلا ينبغي أن يأخذ الواحد إلا ما يخصه أو ما يرضى به رفيقه عن طوع لا عن حياء فأما الانصراف فله ثلاثة آداب الأول أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار وهو سنة وذلك من إكرام الضيف وقد أمر بإكرامه قال صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه وقال صلى الله عليه وسلم إن من سنة الضيف أن يشيع إلى باب الدار قال أبو قتادة قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه نحن نكفيك يا رسول الله فقال كلا إنهم كانوا لأصحابي مكرمين وأنا أحب أن أكافئهم وتمام الإكرام طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى المائدة قيل للأوزاعي رضي الله عنه ما كرامة الضيف قال طلاقة الوجه وطيب الحديث وقال يزيد بن أبي زياد ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى إلا حدثنا حديثا حسنا وأطعمنا طعاما حسنا الثاني أن ينصرف الضيف طيب النفس وإن جرى في حقه تقصير فذلك من حسن الخلق والتواضع قال صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم ودعي بعض السلف برسول فلم يصادفه الرسول فلما سمع حضر وكانوا قد تفرقوا وفرغوا وخرجوا فخرج إليه صاحب المنزل وقال قد خرج القوم فقال هل بقي بقية قال لا قال فكسرة إن بقيت قال لم تبق قال فالقدر أمسحها قال قد غسلتها فانصرف يحمد الله تعالى فقيل له في ذلك فقال قد أحسن الرجل دعانا بنية وردنا بنية فهذا هو معنى التواضع وحسن الخلق وحكى أن أستاذ أبى القاسم الجنيد دعاه صبي إلى دعوة أبيه أربع مرات فرده الأب في المرات الأربع وهو يرجع في كل مرة تطييبا لقلب الصبي بالحضور ولقلب الأب بالانصراف فهذه نفوس قد ذللت بالتواضع لله تعالى واطمأنت بالتوحيد وصارت تشاهد في كل رد وقبول عبرة فيما بينها وبين ربها فلا تنكسر بما يجري من العباد من الإذلال كما لا تستبشر بما يجري منهم من الإكرام بل يرون الكل من الواحد القهار ولذلك قال بعضهم أنا لا أجيب الدعوة إلا لأني أتذكر بها طعام الجنة أي هو طعام طيب يحمل عنا كده ومؤنته وحسابه الثالث أن لا يخرج إلا برضا صاحب المنزل وإذنه ويراعي قلبه في قدر الإقامة وإذا نزل ضيفا فلا يزيد على ثلاثة أيام فربما يتبرم به ويحتاج إلى إخراجه قال صلى الله عليه وسلم الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فصدفة نعم لو ألح رب البيت عليه عن خلوص قلب فله المقام إذ ذاك ويستحب أن يكون عنده فراش للضيف النازل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فراش للرجل وفراش للمرأة وفراش للضيف والرابع للشيطان فصل يجمع آدابا ومناهي طيبة وشرعية متفرقة الأول حكي عن إبراهيم النخعي أنه قال الأكل في السوق دناءة وأسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناده قريب وقد نقل ضده عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال كنا نأكل عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام ورؤي بعض المشايخ من المتصوفة المعروفين يأكل في السوق فقيل له في ذلك فقال ويحك أجوع في السوق وآكل في البيت فقيل تدخل المسجد قال أستحي أن أدخل بيته للأكل فيه

قسم V02/P018–V02/P019

ووجه الجمع أن الأكل في السوق تواضع وترك تكلف من بعض الناس فهو حسن وخرق مروءة من بعضهم فهو مكروه وهو مختلف بعادات البلاد وأحوال الأشخاص فمن لا يليق ذلك بسائر أعماله حمل ذلك على قلة المروءة وفرط الشره ويقدح ذلك في الشهادة ومن يليق ذلك بجميع أحواله وأعمالهفي ترك التكلف كان ذلك منه تواضعا الثاني قال علي رضي الله عنه من ابتدأ غذاءه بالملح أذهب الله عنه سبعين نوعا من البلاء ومن أكل في يوم سبع تمرات عجوة قتلت كل دابة في بطنه ومن أكل كل يوم إحدى وعشرين زبيبة حمرا لم ير في جسده شيئا يكرهه واللحم ينبت اللحم والثريد طعام العرب والبسقارجات تعظم البطن وترخي الأليتين ولحم البقر داء ولبنها شفاء وسمنها دواء والشحم يخرج مثله من الداء ولن تستشفي النفساء بشيء أفضل من الرطب والسمك يذيب الجسد وقراءة القرآن والسواك يذهبان البلغم ومن أراد البقاء ولا بقاء فليباكر بالغداء وليكرر العشاء وليلبس الحذاء ولن يتداوى الناس بشيء مثل السمن وليقل غشيان النساء وليخف الرداء وهو الدين الثالث قال الحجاج لبعض الأطباء صف لي صفة آخذ بها ولا أعدوها قال لا تنكح من النساء إلا فتاة ولا تأكل من اللحم إلا فتيا ولا تأكل المطبوخ حتى يتم نضجه ولا تشربن دواء إلا من علة ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها ولا تأكلن طعاما إلا أجدت مضغه وكل ما أحببت من الطعام ولا تشربن عليه فإذا شربت فلا تأكلن عليه شيئا ولا تحبس الغائط والبول وإذا أكلت بالنهار فنم وإذا أكلت بالليل فامش قبل أن تنام ولو مائة خطوة وفي معناه قول العرب تغد تمد تعش تمش يعني تمدد كما قال الله تعال ثم ذهب إلى أهله يتمطى أي يتمطط ويقال إن حبس البول يفسد الجسد كما يفسد النهر ما حوله إذا سد مجراه الرابع في الخبر قطع العروق مسقمة وترك العشاء مهرمة والعرب تقول ترك الغداء يذهب بشحم الكاذة يعني الآلية وقال بعض الحكماء لابنه يا بني لا تخرج من منزلك حتى تأخذ حلمك أي تتغذى إذ به يبقى الحلم ويزول الطيش وهو أيضا أقل لشهوته لما يرى في السوق وقال حكيم لسمين أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك فمم هي قال من أكل لباب البر وصغار المعز وأدهن بجام بنفسج وألبس الكتان الخامس الحمية تضر بالصحيح كما يضر تركها بالمريض هكذا قيل وقال بعضهم من احتمى فهو على يقين من المكروه وعلى شك من العوافي وهذا حسن في حال الصحة ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صهيبا يأكل تمرا وإحدى عينيه رمداء فقال أتأكل التمر وأنت رمد فقال يا رسول الله إنما آكل بالشق الآخر يعني جانب السليمة فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم السادس أنه يستحب أن يحمل طعام إلى أهل الميت ولما جاء نعي جعفر بن أبي طالب قال صلى الله عليه وسلم إن آل جعفر شغلوا بميتهم عن صنع طعامهم فاحملوا إليهم ما يأكلون فذلك سنة وإذا قدم ذلك إلى الجمع حل الأكل منه ما يهيأ للنوائح والمعينات عليه بالبكاء والجزع فلا ينبغي أن يؤكل معهم السابع لا ينبغي أن يحضر طعام ظالم فإن أكره فليقلل الأكل ولا يقصد الطعام الأطيب رد بعض المزكين شهادة من حضر طعام سلطان فقال كنت مكرها فقال رأيتك تقصد الأطيب وتكبر اللقمة وما كنت مكرها عليه وأجبر السلطان هذا المزكي على الأكل فقال إما أن آكل وأخلي التزكية أو أزكي ولا آكل فلم يجدوا بدا من تزكيته فتركوه وحكي أن ذا النون المصري حبس ولم يأكل أياما في السجن فكانت له أخت في الله فبعثت إليه طعاما من مغزلها على يد السجان فامتنع فلم يأكل فعاتبته المرأة بعد ذلك فقال كان حلالا ولكن جاءني على طبق ظالم وأشار به إلى يد السجان وهذا غاية الورع

قسم V02/P019–V02/P020

الثامن حكي عن فتح الموصلي رحمه الله أنه دخل على بشر الحافي زائرا فأخرج بشر درهما فدفعه لأحمد الجلاء خادمه وقال اشتر به طعاما جيدا وأدما طيبا قال فاشتريت خبزا نظيفا وقلت لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لشيء اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه سوى اللبن فاشتريت اللبن واشتريت تمرا جيدا فقدمت إليه فأكل وأخذ الباقي فقال بشر أتدرون لم قلت اشتر طعاما طيبا لأن الطعام الطيب يستخرج خالص الشكر أتدرون لم لم يقل لي كل لأنه ليس للضيف أن يقول لصاحب الدار كل أتدرون لم حمل ما بقي لأنه إذا صح التوكل لم يضر الحمل وحكى أبو علي الروذباري رحمه الله تعالى أنه اتخذ ضيافة فأوقد فيها ألف سراج فقال له رجل قد أسرفت فقال له ادخل فكل ما أوقدته لغير الله فأطفئه فدخل الرجل فلم يقدر على إطفاء واحد منها فانقطع واشترى أبو علي الروذباري أحمالا من السكر وأمر الحلاويين حتى بنوا جدارا من السكر عليه شرف ومحاريب على أعمدة منقوشة كلها من سكر ثم دعا الصوفية حتى هدموها وانتهبوها التاسع قال الشافعي رضي الله عنه الأكل على أربعة أنحاء: الأكل بإصبع من المقت وبإصبعين من الكبر وبثلاث أصابع من السنة وبأربع وخمس من الشره وأربعة أشياء تقوي البدن: أكل اللحم وشم الطيب وكثرة الغسل من غير جماع ولبس الكتان وأربعة توهن البدن: كثرة الجماع وكثرة الهم وكثرة شرب الماء على الريق وكثرة أكل الحموضة وأربعة تقوي البصر: الجلوس تجاه القبلة والكحل عند النوم والنظر إلى الخضرة وتنظيف الملبس وأربعة توهن البصر: النظر إلى القذر والنظر إلى المصلوب والنظر إلى فرج المرأة والقعود في استدبار القبلة وأربعة تزيد في الجماع: أكل العصافير وأكل الإطريفل الأكبر وأكل الفستق وأكل الجرجير والنوم على أربعة أنحاء فنوم على القفا وهو نوم الأنبياء عليهم السلام يتفكرون في خلق السموات والأرض ونوم على اليمين وهو نوم العلماء والعباد ونوم على الشمال وهو نوم الملوك ليهضمهم طعامهم ونوم على الوجه وهو نوم الشياطين وأربعة تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام والسواك ومجالسة الصالحين والعلماء وأربعة هن من العبادة: لا يخطو خطوة إلا على وضوء وكثرة السجود ولزوم المساجد وكثرة قراءة القرآن وقال أيضا عجبت لمن يدخل الحمام على الريق ثم يؤخر الأكل بعد أن يخرج كيف لا يموت وعجبت لمن احتجم ثم يبادر الأكل كيف لا يموت وقال: لم أر شيئاانفع في الوباء من البنفسج يدهن به ويشرب والله اعلم بالصواب كتاب آداب النكاح وهو الكتاب الثاني من ربع العادات من كتاب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي لا تصادف سهام الأوهام في عجائب صنعه مجرى ولا ترجع العقول عن أوائل بدائعها إلا والهة حيرى ولا تزال لطائف نعمه على العالمين تترى فهي تتوالى عليهم اختيارا وقهرا ومن بدائع ألطافه أن خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وسلط على الخلق شهوة اضطرهم بها الحراثة جبرا واستبقى بهم نسلهم إقهارا وقسرا ثم عظم أمر الأنساب وجعل لها قدرا فحرم بسببها السفاح وبالغ في تقبيحه ردعا وزجرا وجعل اقتحامه جريمة فاحشة وأمر إمرا وندب إلى النكاح وحث عليه استحبابا وأمرا فسبحان من كتب الموت على عباده فأذلهم به هدما وكسرا ثم بث بذور النطف في أراضي الأرحام وأنشأ منها خلقا وجعله لكسر الموت جبرا تنبيها على أن بحار المقادير فياضة على العالمين نفعا وضرا وخيرا وشرا وعسرا ويسرا وطيا ونشرا والصلاة والسلام على محمد المبعوث بالإنذار والبشرى وعلى آله وأصحابه صلاة لا يستطيع لها الحساب عدا ولا حصرا وسلم تسليما كثيرا أما بعد فإن النكاح معين على الدين ومهين للشياطين وحصن دون عدو الله حصين وسبب للتكثير الذي به مباهاة سيد المرسلين لسائر النبيين فما أحراه بأن تتحرى أسبابه وتحفظ سننه وآدابه وتشرح مقاصده وآرابه وتفصل فصوله وأبوابه والقدر المهم من أحكامه ينكشف في ثلاثة أبواب الباب الأول في الترغيب فيه وعنه الباب الثاني في الآداب المرعية في العقد والعاقدين

قسم V02/P020–V02/P022

الباب الثالث في آداب المعاشرة بعد العقد إلى الفراق الباب الأول في الترغيب في النكاح والترغيب عنه اعلم أن العلماء قد اختلفوا في فضل النكاح فبالغ بعضهم فيه حتى زعم أنه أفضل من التخلي لعبادة الله واعترف آخرون بفضله ولكن قدموا عليه التخلي لعبادة الله مهما لم تتق النفس إلى النكاح توقانا يشوش الحال ويدعو إلى الوقاع وقال آخرون الأفضل تركه في زماننا هذا وقد كان له فضيلة من قبل إذ لم تكن الأكساب محظورة وأخلاق النساء مذمومة ولا ينكشف الحق فيه إلا بان نقدم أولا ما ورد من الأخبار والآثار في الترغيب فيه والترغيب عنه ثم نشرح فوائد النكاح وغوائله حتى يتضح منها فضيلة النكاح وتركه في حق كل من سلم من غوائله أو لم يسلم منه ا الترغيب في النكاح أما من الآيات فقد قال تعالى وانكحوا الأيامى منكم وهذا أمر وقال تعالى فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن وهذا منع من العضل ونهي عنه وقال تعالى في وصف الرسل ومدحهم ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار الفضل ومدح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء فقال والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين الآية ويقال أن الله تعالى لم يذكر في كتابه من الأنبياء إلا المتأهلين فقالوا إن يحيى صلى الله عليه وسلم قد تزوج ولم يجامع قيل إنما فعل ذلك لنيل الفضل وإقامة السنة وقيل لغض البصر وأما عيسى عليه السلام فإنه سينكح إذا نزل الأرض ويولد له وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فقد رغب عني وقال صلى الله عليه وسلم النكاح سنتي فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي وقال أيضا صلى الله عليه وسلم تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط وقال أيضا صلى الله عليه وسلم من رغب عن سنتي فليس مني وإن من سنتي النكاح فمن أحبني فليستن بسنتي وقال النبي صلى الله عليه وسلم من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا وهذا ذم لعلة الامتناع لا لأصل الترك وقال صلى الله عليه وسلم من كان ذا طول فليتزوج وقال من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لا فليصم فإن الصوم له وجاء وهذا يدل على أن سبب الترغيب فيه خوف الفساد في العين والفرج والوجاء هو عبارة عن رض الخصيتين للفحل حتى تزول فحولته فهو مستعار للضعف عن الوقاع في الصوم وقال صلى الله عليه وسلم إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير وهذا أيضا تعليل الترغيب لخوف الفساد وقال صلى الله عليه وسلم من نكح لله وأنكح لله استحق ولاية الله وقال صلى الله عليه وسلم من تزوج فقد أحرز شطر دينه فليتق الله في الشطر الثاني وهذا أيضا إشارة إلى أن فضيلته لأجل التحرز من المخالفة تحصنا من الفساد فكأن المفسد لدين المرء في الأغلب فرجه وبطنه وقد كفى بالتزويج أحدهما وقال صلى الله عليه وسلم كل عمل ابن آدم ينقطع إلا ثلاث ولد صالح يدعو له الحديث ولا يوصل إلى هذا إلا بالنكاح وأما الآثار فقال عمر رضي الله عنه لا يمنع من النكاح إلا عجز أو فجور فبين أن الدين غير مانع منه وحصر المانع في أمرين مذمومين وقال ابن عباس رضي الله عنهما لا يتم نسك الناسك حتى يتزوج يحتمل أن جعله من النسك وتتمة له ولكن الظاهر أنه أراد به أنه لا يسلم قلبه لغلبة الشهوة إلا بالتزويج ولا يتم النسك إلا بفراغ القلب ولذلك كان يجمع غلمانه لما أدركوا عكرمة وكريبا وغيرهما ويقول إن أردتم النكاح أنكحتكم فإن العبد إذا زنى نزع الإيمان من قلبه

قسم V02/P022–V02/P023

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لأحببت أن أتزوج لكيلا ألقى الله عزبا ومات امرأتان لمعاذ بن جبل رضي الله عنه في الطاعون وكان هو أيضا مطعونا فقال زوجوني فإني أكره أن ألقى الله عزبا وهذا منهما يدل على أنهما رأيا في النكاح فضلا لا من حيث التحرز عن غائلة الشهوة وكان عمر رضي الله عنه يكثر النكاح ويقول ما أتزوج إلا لأجل الولد وكان بعض الصحابة قد انقطع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمه ويبيت عنده لحاجة إن طرقته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تتزوج فقال يا رسول الله إني فقير لا شيء لي وأنقطع عن خدمتك فسكت ثم عاد ثانيا فأعاد الجواب ثم تفكر الصحابي وقال والله لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما يصلحني في دنياي وآخرتي وما يقربني إلى الله مني ولئن قال لي الثالثة لأفعلن فقال له الثالثة ألا تتزوج قال فقلت يا رسول الله زوجني قال اذهب إلى بني فلان فقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني فتاتكم قال فقلت يا رسول الله لا شيء لي فقال لأصحابه اجمعوا لأخيكم وزن نواة من ذهب فجمعوا له فذهبوا به إلى القوم فأنكحوه فقال له أولم وجمعوا له من الأصحاب شاة للوليمة وهذا التكرير يدل على فضل في نفس النكاح ويحتمل أنه توسم فيه الحاجة إلى النكاح وحكى أن بعض العباد في الأمم السالفة فاق أهل زمانه في العبادة فذكر لنبي زمانه حسن عبادته فقال نعم الرجل هو لولا أنه تارك لشيء من السنة فاغتم العابد لما سمع ذلك فسأل النبي عن ذلك فقال أنت تارك للتزويج فقال لست أحرمه ولكني فقير وأنا عيال على الناس قال أنا أزوجك ابنتي فزوجه النبي عليه السلام ابنته وقال بشر بن الحرث فضل علي أحمد بن حنبل بثلاث بطلب الحلال لنفسه ولغيره وأنا أطلبه لنفسي فقط ولاتساعه في النكاح وضيقي عنه ولأنه نصب إماما للعامة ويقال إن أحمد رحمه الله تزوج في اليوم الثاني لوفاة أم ولده عبد الله وقال أكره أن أبيت عزبا وأما بشر فإنه لما قيل له إن الناس يتكلمون فيك لتركك النكاح ويقولون هو تارك للسنة فقال قولوا لهم هو مشغول بالفرض عن السنة وعوتب مرة أخرى فقال ما يمنعني من التزويج إلا قوله تعالى {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} فذكر ذلك لأحمد فقال وأين مثل بشر إنه قعد على مثل حد السنان ومع ذلك فقد روي انه رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال رفعت منازلي في الجنة وأشرف بي على مقامات الأنبياء ولم أبلغ منازل المتأهلين وفي رواية قال لي ما كنت أحب أن تلقاني عزبا قال فقلنا له ما فعل أبو نصر التمار فقال رفع فوقي بسبعين درجة قلنا بماذا فقد كنا نراك فوقه قال بصبره على بنياته والعيال وقال سفيان بن عيينة كثرة النساء ليست من الدنيا لأن عليا رضي الله عنه كان أزهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له أربع نسوة وسبع عشرة سرية فالنكاح سنة ماضية وخلق من أخلاق الأنبياء وقال رجل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله طوبى لك فقد تفرغت للعبادة بالعزوبة فقال لروعة منك بسبب العيال أفضل من جميع ما أنا فيه قال فما الذي يمنعك من النكاح فقال مالي حاجة في إمرأة وما أريد أن أغر امرأة بنفسي وقد قيل فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعد وركعة من متأهل افضل من سبعين ركعة من عزب وأما ما جاء في الترهيب عن النكاح فقد قال صلى الله عليه وسلم خير الناس بعد المائتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد وقال صلى الله عليه وسلم يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يد زوجته وأبويه وولده يعيرونه بالفقر ويكلفونه ما لا يطيق فيدخل المداخل التي يذهب فيها دينه فيهلك

قسم V02/P023–V02/P024

وفي الخبر قلة العيال أحد اليسارين وكثرتهم أحد الفقرين وسئل أبو سليمان الداراني عن النكاح فقال الصبر عنهن خير من الصبر عليهن والصبر عليهن خير من الصبر على النار وقال أيضا الوحيد يجد من حلاوة العمل وفراغ القلب ما لا يجد المتأهل وقال مرة ما رأيت أحدا من أصحابنا تزوج فثبت على مرتبته الأولى وقال أيضا ثلاث من طلبهن فقد ركن إلى الدنيا من طلب معاشا أو تزوج امرأة أو كتب الحديث وقال الحسن رحمه الله إذا أراد الله بعبد خيرا لم يشغله بأهل ولا مال وقال ابن أبي الحواري تناظر جماعة في هذا الحديث فاستقر رأيهم على أنه ليس معناه أن لا يكونا له بل أن يكونا له ولا يشغلانه وهو إشارة إلى قول أبي سليمان الداراني ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشئوم وبالجملة لم ينقل عن أحد الترغيب عن النكاح مطلقا إلا مقرونا بشرط وأما الترغيب في النكاح فقد ورد مطلقا ومقرونا بشرط فلنكشف الغطاء عنه بحصر آفات النكاح وفوائده آفات النكاح وفوائده وفيه فوائد خمسة الولد وكسر الشهوة وتدبير المنزل وكثرة العشيرة ومجاهدة النفس بالقيام بهن الفائدة الأولى الولد وهو الأصل وله وضع النكاح والمقصود إبقاء النسل وأن لا يخلو العالم عن جنس الإنس وإنما الشهوة خلقت باعثة مستحثة كالموكل بالفحل في إخراج البذر وبالأنثى في التمكين من الحرث تلطفا بهما في السياقة إلى اقتناص الولد بسبب الوقاع كالتلطف بالطير في بث الحب الذي يشتهيه ليساق إلى الشبكة وكانت القدرة الأزلية غير قاصرة عن اختراع الأشخاص ابتداء من غير حراثة وازدواج ولكن الحكمة اقتضت ترتيب المسببات على الأسباب مع الاستغناء عنها إظهارا للقدرة وإتماما لعجائب الصنعة وتحقيقا لما سبقت به المشيئة وحقت به الكلمة وجرى به القلم وفي التوصل إلى الولد قربة من أربعة أوجه هي الأصل في الترغيب فيه عند الأمن من غوائل الشهوة حتى لم يحب أحدهم أن يلقى الله عزبا الأول موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان والثاني طلب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تكثير من مباهاته والثالث طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده والرابع طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله أما الوجه الأول فهو أدق الوجوه وأبعدها عن إفهام الجماهير وهو أحقها وأقواها عند ذوي البصائر النافذة في عجائب صنع الله تعالى ومجاري حكمه وبيانه أن السيد إذا سلم إلى عبده البذر وآلات الحرث وهيأ له أرضا مهيأة للحراثة وكان العبد قادرا على الحراثة ووكل به من يتقاضاه عليها فإن تكاسل وعطل آلة الحرث وترك البذر ضائعا حتى فسد ودفع الموكل عن نفسه بنوع من الحيلة كان مستحقا للمقت والعتاب من سيده والله تعالى خلق الزوجين وخلق الذكر والأنثيين وخلق النطفة في الفقار وهيأ لها في الأنثيين عروقا ومجاري وخلق الرحم قرارا ومستودعا للنطفة وسلط متقاضى الشهوة على كل واحد من الذكر والأنثى فهذه الأفعال والآلات تشهد بلسان ذلق في الإعراب عن مراد خالقها وتنادى أرباب الألباب بتعريف ما أعدت له

قسم V02/P024–V02/P025

هذا إن لم يصرح به الخالق تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالمراد حيث قال تناكحوا تناسلوا فكيف وقد صرح بالأمر وباح بالسر فكل ممتنع عن النكاح معرض عن الحراثة مضيع للبذر معطل لما خلق الله من الآلات المعدة وجان على مقصود الفطرة والحكمة المفهومة من شواهد الخلقة المكتوبة على هذه الأعضاء بخط إلهي ليس برقم حروف وأصوات يقرؤه كل من له بصيرة ربانية نافذة في إدراك دقائق الحكمة الأزلية ولذلك عظم الشرع الأمر في القتل للأولاد وفي الوأد لأنه منع لتمام الوجود وإليه أشار من قال العزل أحد الوأدين فالناكح ساع في إتمام ما أحب الله تعالى تمامه والمعرض معطل ومضيع لما كره الله ضياعه ولأجل محبة الله تعالى لبقاء النفوس أمر بالإطعام وحث عليه وعبر عنه بعبادة القرض فقال من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فإن قلت قولك إن بقاء النسل والنفس محبوب يوهم أن فناءها مكروه عند الله وهو فرق بين الموت والحياة بالإضافة إلى إرادة الله تعالى ومعلوم أن الكل بمشيئة الله وأن الله غني عن العالمين فمن أين يتميز عنده موتهم عن حياتهم أو بقاؤهم عن فنائهم فأعلم أن هذه الكلمة حق أريد بها باطل فإن ما ذكرناه لا ينافي إضافة الكائنات كلها إلى إرادة الله خيرها وشرها ونفعها وضرها ولكن المحبة والكراهية يتضادان وكلاهما لا يضادان الإرادة فرب مراد مكروه ورب مراد محبوب فالمعاصي مكروهة وهي مع الكراهة مرادة والطاعات مرادة ومزمع كونها مرادة محبوبة ومرضية أما الكفر والشر فلا نقول إنه مرضي ومحبوب بل هو مراد وقد قال الله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر فكيف يكون الفناء بالإضافة إلى محبة الله وكراهته كالبقاء فإنه تعالى يقول ما ترددت في شيء كترددي في قبض روح عبدي المسلم هو يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له من الموت فقوله لا بد له من الموت إشارة إلى سبق الإرادة والتقدير المذكور في قوله تعالى نحن قدرنا بينكم الموت وفي قوله تعالى الذي خلق الموت والحياة ولا مناقضة بين قوله تعالى نحن قدرنا بينكم الموت وبين قوله وأنا أكره مساءته ولكن إيضاح الحق في هذا يستدعي تحقيق معنى الإرادة والمحبة والكراهة وبيان حقائقها فإن السابق إلى الإفهام منها أمور تناسب إرادة الخلق ومحبتهم وكراهتهم وهيهات فبين صفات الله تعالى وصفات الخلق من البعد ما بين ذاته العزيز وذاتهم وكما أن ذوات الخلق جوهر وعرض وذات الله مقدس عنه ولا يناسب ما ليس بجوهر وعرض الجوهر والعرض فكذا صفاته لا تناسب صفات الخلق وهذه الحقائق داخلة في علم المكاشفة ووراء سر القدر الذي منع من إفشائه فلنقصر عن ذكره ولنقتصر على ما نبهنا عليه من الفرق بين الإقدام على النكاح والإحجام عنه فإن أحدهما مضيع نسلا أدام الله وجوده من آدم صلى الله عليه وسلم عقبا بعد عقب إلى أن انتهى إليه فالممتنع عن النكاح قد حسم الوجود المستدام من لدن وجود آدم عليه السلام على نفسه فمات أبتر لا عقب له ولو كان الباعث على النكاح مجرد دفع الشهوة لما قال معاذ في الطاعون زوجوني لا ألقى الله عزبا فإن قلت فما كان معاذ يتوقع ولدا في ذلك الوقت فما وجه رغبته فيه فأقول الولد يحصل بالوقاع بباعث الشهوة وذلك أمر لا يدخل في الاختيار وإنما المعلق باختيار العبد إحضار المحرك للشهوة وذلك متوقع في كل حال فمن عقد فقد أدى ما عليه وفعل ما إليه والباقي خارج عن اختياره ولذلك يستحب النكاح للعنين أيضا فإن نهضات الشهوة خفية لا يطلع عليها حتى إن الممسوح الذي لا يتوقع له ولد لا ينقطع الاستحباب أيضا في حقه على الوجه الذي يستحب للأصلع إمرار الموسى على رأسه إقتداء بغيره وتشبها بالسلف الصالحين وكما يستحب الرمل والاضطباع في الحج الآن وقد كان المراد منه أولا إظهار الجلد للكفار

قسم V02/P025–V02/P026

فصار الاقتداء والتشبه بالذين أظهروا الجلد سنة في حق من بعدهم ويضعف هذا الاستحباب بالإضافة إلى الاستحباب في حق القادر على الحرث وربما يزداد ضعفا بما يقابله من كراهة تعطيل المرأة وتضييعها فيما يرجع إلى قضاء الوطر فإن ذلك لا يخلو عن نوع من الخطر فهذا المعنى هو الذي ينبه على شدة إنكارهم لترك النكاح مع فتور الشهوة الوجه الثاني السعي في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه بتكثير ما به مباهاته إذ قد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ويدل على مراعاة أمر الولد جملة بالوجوه كلها ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان ينكح كثيرا ويقول إنما أنكح للولد وما روي من الأخبار في مذمة المرأة العقيم إذ قال عليه السلام لحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد وقال خير نسائكم الولود الودود وقال سوداء ولود خير من حسناء لا تلد وهذا يدل على أن طلب الولد أدخل في اقتضاء فضل النكاح من طلب دفع غائلة الشهوة لأن الحسناء أصلح للتحصين وغض البصر وقطع الشهوة الوجه الثالث أن يبقى بعده ولدا صالحا يدعو له كما ورد في الخبر أن جميع عمل إبن آدم منقطع إلا ثلاثا فذكر الولد الصالح وفي الخبر إن الأدعية تعرض على الموتى على أطباق من نور وقول القائل إن الولد ربما لم يكن صالحا لا يؤثر فإنه مؤمن والصلاح هو الغالب على أولاد ذوي الدين لا سيما إذا عزم على تربيته وحمله على الصلاح وبالجملة دعاء المؤمن لأبويه مفيد برا كان أو فاجرا فهو مثاب على دعواته وحسناته فإنه من كسبه وغير مؤاخذ بسيئاته فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى ولذلك قال تعالى ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء أي ما نقصناهم من أعمالهم وجعلنا أولادهم مزيدا في إحسانهم الوجه الرابع أن يموت الولد قبله فيكون له شفيعا فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الطفل يجر بأبويه إلى الجنة وفي بعض الأخبار يأخذ بثوبه كما أنا الآن آخذ بثوبك وقال أيضا صلى الله عليه وسلم إن المولود يقال ادخل الجنة فيقف على باب الجنة فيظل محبنطئا أي ممتلئا غيظا وغضبا ويقول لا أدخل الجنة إلا وأبواي معي فيقال أدخلوا أبويه معه الجنة وفي خبر آخر إن الأطفال يجتمعون في موقف القيامة عند عرض الخلائق للحساب فيقال للملائكة اذهبوا بهؤلاء إلى الجنة فيقفون على باب الجنة فيقال لهم مرحبا بذراري المسلمين ادخلوا لا حساب عليكم فيقولون فأين آباؤنا وأمهاتنا فيقول الخزنة إن آباءكم وأمهاتكم ليسوا مثلكم إنه كانت لهم ذنوب وسيئات فهم يحاسبون عليها ويطالبون قال فيتضاغون ويضجون على أبواب الجنة ضجة واحدة فيقول الله سبحانه وهو أعلم بهم ما هذه الضجة فيقولون ربنا أطفال المسلمين قالوا لا ندخل الجنة إلا مع آبائنا فيقول الله تعالى تخللوا الجمع فخذوا بأيدي آبائهم فأدخلوهم الجنة وقال صلى الله عليه وسلم من مات له اثنان من الولد فقد احتظر بحظار من النار وقال صلى الله عليه وسلم من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم قيل يا رسول الله واثنان قال واثنان وحكي أن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج فيأبى برهة من دهره قال فانتبه من نومه ذات يوم وقال زوجوني زوجوني فزوجوه فسئل عن ذلك فقال لعل الله يرزقني ولدا ويقبضه فيكون لي مقدمة في الآخرة ثم قال رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت وكأني في جملة الخلائق في الموقف وبي من العطش ما كاد أن يقطع عنقي وكذا الخلائق في شدة العطش والكرب فنحن كذلك إذ ولدان يتخللون الجمع عليهم مناديل من نور وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب وهم يسقون الواحد بعد الواحد يتخللون الجمع ويتجاوزون أكثر الناس فمددت يدي إلى أحدهم وقلت اسقني فقد أجهدني العطش فقال ليس لك فينا ولد إنما نسقي آباءنا فقلت ومن أنتم فقالوا نحن من مات من أطفال المسلمين

قسم V02/P026–V02/P027

وأحد المعاني المذكورة في قوله تعالى {فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم} تقديم الأطفال إلى الآخرة فقد ظهر بهذه الوجوه الأربعة أن أكثر فضل النكاح لأجل كونه سببا للولد الفائدة الثانية التحصن من الشيطان وكسر التوقان ودفع غوائل الشهوة وغض البصر وحفظ الفرج وإليه الإشارة بقوله عليه السلام من نكح فقد حصن نصف دينه فليتق الله في الشطر الآخر وإليه الإشارة بقوله عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء وأكثر ما نقلناه من الآثار والأخبار إشارة إلى هذا المعنى وهذا المعنى دون الأول لأن الشهوة موكلة بتقاضي تحصيل الولد فالنكاح كاف لشغله دافع لجعله وصارف لشر سطوته وليس من يجيب مولاه رغبة في تحصيل رضاه كمن يجيب لطلب الخلاص عن غائلة التوكيل فالشهوة والولد مقدران وبينهما ارتباط وليس يجوز أن يقال المقصود اللذة والولد لازم منها كما يلزم مثلا قضاء الحاجة منالأكل وليس مقصودا في ذاته بل الولد هو المقصود بالفطرة والحكمة والشهوة باعثة عليه ولعمري في الشهوة حكمة أخرى سوى الإرهاق إلى الإيلاد وهو ما في قضائها من اللذة التي لا توازيها لذة لو دامت فهي منبهه على اللذات الموعودة في الجنان إذ الترغيب في لذة لم يجد لها ذواقا لا ينفع فلو رغب العنين في لذة الجماع أو الصبي في لذة الملك والسلطنة لم ينفع الترغيب وإحدى فوائد لذات الدنيا الرغبة في دوامها في الجنة ليكون باعثا على عبادة الله فانظر إلى الحكمة ثم إلى الرحمة ثم إلى التعبية الإلهية كيف عبيت تحت شهوة واحدة حياتان حياة ظاهرة وحياة باطنة فالحياة الظاهرة حياة المرء ببقاء نسله فإنه نوع من دوام الوجود والحياة الباطنة هي الحياة الأخروية فإن هذه اللذة الناقصة بسرعة الانصرام تحرك الرغبة في اللذة الكاملة بلذة الدوام فيستحث على العبادة الموصلة إليها فيستفيد العبد بشدة الرغبة فيها تيسر المواظبة على ما يوصله إلى نعيم الجنان وما من ذرة من ذرات بدن الإنسان باطنا وظاهرا بل ذرات ملكوت السموات والأرض إلا وتحتها من لطائف الحكمة وعجائبها ما تحار العقول فيها ولكن إنما ينكشف للقلوب الطاهرة بقدر صفائها بقدر رغبتها عن زهرة الدنيا وغرورها وغوائلها فالنكاح بسبب دفع غائلة الشهوة مهم في الدين لكل من لا يؤتى عن عجز وعنة وهم غالب الخلق فإن الشهوة إذا غلبت ولم يقاومها قوة التقوى جرت إلى اقتحام الفواحش وإليه أشار بقوله عليه الصلاة والسلام عن الله تعالى {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} وإن كان ملجما بلجام التقوى فغايته أن يكف الجوارح عن إجابة الشهوة فيغض البصر ويحفظ الفرج فأما حفظ القلب عن الوسواس والفكر فلا يدخل تحت اختياره بل لا تزال النفس تجاذبه وتحدثه بأمور الوقاع ولا يفتر عنه الشيطان الموسوس إليه في أكثر الأوقات وقد يعرض له ذلك في أثناء الصلاة حتى يجري على خاطره من أمور الوقاع ما لو صرح به بين يدي أخس الخلق لاستحى منه والله مطلع على قلبه والقلب في حق الله كاللسان في حق الخلق ورأس الأمور للمريد في سلوك طريق الآخرة قلبه والمواظبة على الصوم لا تقطع مادة الوسوسة في حق أكثر الخلق إلا أن ينضاف إليه ضعف في البدن وفساد في المزاج ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما لا يتم نسك الناسك إلا بالنكاح وهذه محنة عامة قل من يتخلص منها قال قتادة في معنى قوله تعالى {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} هو الغلمة وعن عكرمة ومجاهد أنهما قالا في معنى قوله تعالى {وخلق الإنسان ضعيفا} أنه لا يصبر عن النساء وقال فياض بن نجيح إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله وبعضهم يقول ذهب ثلث دينه

قسم V02/P027–V02/P028

وفي نوادر التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما {ومن شر غاسق إذا وقب} قال قيام الذكر وهذه يلية غالبة إذا هاجت لا يقاومها عقل ولا دين وهي مع أنها صالحة لأن تكون باعثة على الحياتين كما سبق فهي أقوى آلة الشيطان على بني آدم وإليه أشار صلى الله عليه وسلم بقوله ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب منكن وإنما ذلك لهيجان الشهوة وقال صلى الله عليه وسلم في دعائه اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وبصري وقلبي وشر مني وقال أسألك أن تطهر قلبي وتحفظ فرجي فما يستعيذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يجوز التساهل فيه لغيره وكان بعض الصالحين يكثر النكاح حتى لا يكاد يخلو من اثنتين وثلاث فأنكر عليه بعض الصوفية فقال هل يعرف أحد منكم أنه جلس بين يدي الله تعالى جلسة أو وقف بين يديه موقفا في معاملة فخطر على قلبه خاطر شهوة فقالوا يصيبنا من ذلك كثير فقال لو رضيت في عمري كله بمثل حالكم في وقت واحد لما تزوجت لكني ما خطر على قلبي خاطر يشغلني عن حالي إلا نفذته فأستريح وأرجع إلى شغلي ومنذ أربعين سنة ما خطر على قلبي معصية وأنكر بعض الناس حال الصوفية فقال له بعض ذوي الدين ما الذي تنكر منهم قال يأكلون كثيرا قال وأنت أيضا لو جعت كما يجوعون لأكلت كما يأكلون قال ينكحون كثيرا قال وأنت أيضا لو حفظت عينيك وفرجك كما يحفظون لنكحت كما ينكحون وكان الجنيد يقول أحتاج إلى الجماع كما أحتاج إلى القوت فالزوجة على التحقيق قوت وسبب لطهارة القلب ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل من وقع نظره على امرأة فتاقت إليها نفسه أن يجامع أهله لأن ذلك يدفع الوسواس عن النفس وروى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى إمرأة فدخل على زينب فقضى حاجته وخرج وقال صلى الله عليه وسلم إن المرأة إذا أقبلت أقبلت بصورة شيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله معها مثل الذي معها وقال عليه السلام لا تدخلوا على المغيبات وهي التي غاب زوجها عنها فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم قلنا ومنك قال ومني ولكن الله أعانني عليه فأسلم قال سفيان بن عيينة فأسلم معناه فأسلم أنا منه هذا معناه فإن الشيطان لا يسلم وكذلك حكى على ابن عمر رضي الله عنهما وكان من زهاد الصحابة وعلمائهم أنه كان يفطر من الصوم على الجماع قبل الأكل وربما أنه جامع ثلاثا من جواريه في شهر رمضان قبل العشاء الأخير وقال ابن عباس خير هذه الأمة أكثرها نساء ولما كانت الشهوة أغلب على مزاج العرب كان استكثار الصالحين منهم لنكاح أشد ولأجل فراغ القلب أبيح نكاح الأمة عند خوف العنت مع أن فيه إرقاق الولد وهو نوع إهلاك وهو محرم على كل من قدر على حرة ولكن إرقاق الولد أهون من إهلاك الدين وليس فيه إلا تنغيص الحياة على الولد مدة وفي اقتحام الفاحشة تفويت الحياة الأخروية التي تستحقر الأعمار الطويلة بالإضافة إلى يوم من أيامها

قسم V02/P028–V02/P029

وروي أنه انصرف الناس ذات يوم من مجلس ابن عباس وبقي شاب لم يبرح فقال له ابن عباس هل لك من حاجة قال نعم أردت أن اسأل مسألة فاستحييت من الناس وأنا الآن أهابك وأجلك فقال ابن عباس إن العالم بمنزلة الوالد فما كنت أفضيت به إلى أبيك فأفض إلي به فقال إني شاب لا زوجة لي وربما خشيت العنت على نفسي فربما استمنيت بيدي فهل في ذلك معصية فأعرض عنه ابن عباس ثم قال أف وتف نكاح الأمة خير منه وهو خير من الزنا فهذا تنبيه على أن العزب المغتلم مردد بين ثلاثة شرور أدناها نكاح الأمة وفيه إرقاق الولد وأشد منه الاستمناء باليد وأفحشه الزنا ولم يطلق ابن عباس الإباحة في شيء منه لأنهما محذوران يفزع إليهما حذرا من الوقوع في محذور أشد منه كما يفزع إلى تناول الميتة حذرا من هلاك النفس فليس ترجيح أهون الشرين في معنى الإباحة المطلقة ولا في معنى الخير المطلق وليس قطع اليد المتآكلة من الخيرات وإن كان يؤذن فيه عند إشراف النفس على الهلاك فإذا في النكاح فضل من هذا الوجه ولكن هذا لا يعم الكل بل الأكثر فرب شخص فترت شهوته لكبر سن أو مرض أو غيره فينعدم هذا الباعث في حقه ويبقى ما سبق من أمر الولد فإن ذلك عام إلا للممسوح وهو نادر ومن الطباع ما تغلب عليها الشهوة بحيث لا تحصنه المرأة الواحدة فيستحب لصاحبها الزيادة على الواحدة إلى الأربع فإن يسر الله له مودة ورحمة واطمأن قلبه بهن وإلا فيستحب له الاستبدال فقد نكح علي رضي الله عنه بعد وفاة فاطمة عليها السلام بسبع ليال ويقال إن الحسن بن علي كان منكاحا حتى نكح زيادة على مائتي امرأة وكان ربما عقد على أربع في وقت واحد وربما طلق أربعا في وقت واحد واستبدل بهن وقد قال صلى الله عليه وسلم للحسن أشبهت خلقي وخلقي وقال صلى الله عليه وسلم حسن مني وحسين من علي فقال إن كثرة نكاحه أحد ما أشبه به خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوج المغيرة بن شعبة بثمانين امرأة وكان في الصحابة من له الثلاث والأربع ومن كان له اثنتان لا يحصى ومهما كان الباعث معلوما فينبغي أن يكون العلاج بقدر العلة فالمراد تسكين النفس فلينظر إليه في الكثرة والقلة الفائدة الثالثة ترويح النفس وإيناسها بالمجالسة والنظر والملاعبة إراحة للقلب وتقوية له على العبادة فإن النفس ملول وهي عن الحق نفور لأنه على خلاف طبعها فلو كلفت المداومة بالإكراه على ما يخالفها جمحت وثابت وإذا روحت باللذات في بعض الأوقات قويت ونشطت وفي الاستئناس بالنساء من الاستراحة ما يزيل الكرب ويروح القلب وينبغي أن يكون لنفوس المتقين استراحات بالمباحات ولذلك قال الله تعالى {ليسكن إليها} وقال علي رضي الله عنه روحوا القلوب ساعة فإنها إذا أكرهت عميت وفي الخبر على العاقل أن يكون له ثلاث ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يخلو فيها مطعمه ومشربه فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات ومثله بلفظ آخر لا يكون العاقل ظاعنا إلا في ثلاث تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم وقال صلى الله عليه وسلم لكل عامل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى والشرة الجد والمكابدة بحدة وقوة وذلك في ابتداء الإرادة والفترة الوقوف للإستراحة وكان أبو الدرداء يقول إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو لأتقوى بذلك فيما بعد على الحق

قسم V02/P029–V02/P031

وفي بعض الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال شكوت إلى جبريل عليه السلام ضعفي عن الوقاع فدلني على الهريسة حديث شكوت إلى جبريل ضعفي عن الوقاع فدلني على الهريسة أخرجه ابن عدي من حديث حذيفة وابن عباس والعقيلي من حديث معاذ وجابر بن سمرة وابن حبان في الضعفاء من حديث حذيفة والأزدي في الضعفاء من حديث أبي هريرة بطرق كلها ضعيفة قال ابن عدي موضوع وقال العقيلي باطل حديث حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة رواه النسائي والحاكم من حديث أنس بإسناد جيد وضعفه العقيلي // فهذه أيضا فائدة لا ينكرها من جرب إتعاب نفسه في الأفكار والأذكار وصنوف الأعمال وهي خارجة عن الفائدتين السابقتين حتى إنها تطرد في حق الممسوح ومن لا شهوة له إلا أن هذه الفائدة تجعل للنكاح فضيلة بالإضافة إلى هذه النية وقل من يقصد بالنكاح ذلك وأما قصد الولد وقصد دفع الشهوة وأمثالها فهو مما يكثر ثم رب شخص يستأنس بالنظر إلى الماء الجاري والخضرة وأمثالها ولا يحتاج إلى ترويح النفس بمحادثة النساء وملاعبتهن فيختلف هذا باختلاف الأحوال والأشخاص فليتنبه له الفائدة الرابعة تفريغ القلب عن تدبير المنزل والتكفل بشغل الطبخ والكنس والفرش وتنظيف الأواني وتهيئة أسباب المعيشة فإن الإنسان لو لم يكن له شهوة الوقاع لتعذر عليه العيش في منزله وحده إذ لو تكفل بجميع أشغال المنزل لضاع أكثر أوقاته ولم يتفرغ للعلم والعمل فالمرأة الصالحة للمنزل عون على الدين بهذه الطريق واختلال هذه الأسباب شواغل ومشوشات للقلب ومنغصات للعيش ولذلك قال أبو سليمان الداراني رحمه الله الزوجة الصالحة ليست من الدنيا فإنها تفرغك للآخرة وإنما تفريغها بتدبير المنزل وبقضاء الشهوة جميعا وقال محمد بن كعب القرظي في معنى قوله تعالى ربنا آتنا في الدنيا حسنة قال المرأة الصالحة وقال صلى الله عليه وسلم ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة مؤمنة صالحة تعينه على آخرته فانظر كيف جمع بينها وبين الذكر والشكر وفي بعض التفاسير في قوله تعالى فلنحيينه حياة طيبة قال الزوجة الصالحة وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول ما أعطى العبد بعد الإيمان بالله خيرا من امرأة صالحة وإن منهن غنما لا يحذى منه ومنهن غلالا يفدى منه وقوله لا يحذى أن يعتاض عنه بعطاء وقال صلى الله عليه وسلم فضلت على آدم بخصلتين كانت زوجته عونا له على المعصية وأزواجي أعوان لي على الطاعة وكان شيطانه كافرا وشيطاني مسلم لا يأمر إلا بخير فعد معاونتها على الطاعة فضيلة فهذه أيضا من الفوائد التي يقصدها الصالحون إلا أنها تخص بعض الأشخاص الذين لا كافل لهم ولا مدبر ولا تدعو إلى امرأتين بل الجمع ربما ينغص المعيشة ويضطرب به أمور المنزل ويدخل في هذه الفائدة قصد الاستكثار بعشيرتها وما يحصل من القوة بسبب تداخل العشائر فإن ذلك مما يحتاج إليه في دفع الشرور وطلب السلامة ولذلك قيل ذل من لا ناصر له ومن وجد من يدفع عنه الشرور سلم حاله وفرغ قلبه للعبادة فإن الذل مشوش للقلب والعز بالكثرة دافع بالذل الفائدة الخامسة مجاهدة النفس ورياضتها بالرعاية والولاية والقيام بحقوق الأهل والصبر على أخلاقهن واحتمال الأذى منهن والسعي في إصلاحهن وإرشادهن إلى طريق الدين والاجتهاد في كسب الحلال لأجلهن والقيام بتربيته لأولاده فكل هذه أعمال عظيمة الفضل فإنها رعاية وولاية والأهل والولد رعية وفضل الرعاية عظيم إنما يحترز منها من يحترز خيفة من القصور عن القيام بحقها وإلا فقد قال صلى الله عليه وسلم يوم من وال عادل أفضل من عبادة سبعين سنة {ثم قال} ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته وليس من اشتغل

قسم V02/P031–V02/P032

بإصلاح نفسه وغيره كمن اشتغل بإصلاح نفسه فقط ولا من صبر على الأذى كمن رفه نفسه وأراحها فمقاساة الأهل والولد بمنزلة الجهاد في سبيل الله ولذلك قال بشر فضل علي أحمد بن حنبل بثلاث إحداها أنه يطلب الحلال لنفسه ولغيره وقد قال صلى الله عليه وسلم ما أنفقه الرجل على أهله فهو صدقة وإن الرجل ليؤجر في اللقمة يرفعها إلي في امرأته وقال بعضهم لبعض العلماء من كل عمل أعطاني الله نصيبا حتى ذكر الحج والجهاد وغيرهما فقال له أين أنت من عمل الأبدان قال وما هو قال كسب الحلال والنفقة على العيال وقال ابن المبارك وهو مع إخوانه في الغزو تعلمون عملا أفضل مما نحن فيه قالوا ما نعلم ذلك قال أنا أعلم قالوا فما هو قال رجل متعفف ذو عائلة قام من الليل فنظر إلى صبيانه نياما متكشفين فسترهم وغطاهم بثوبه فعمله أفضل مما نحن فيه وقال صلى الله عليه وسلم من حسنت صلاته وكثر عياله وقل ماله ولم يغتب المسلمين كان معي في الجنة كهاتين وفي حديث آخر إن الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال وفي الحديث إذا كثرت ذنوب العبد ابتلاه الله بهم العيال ليكفرها عنه وقال بعض السلف من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الغم بالعيال وفيه أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم بطلب المعيشة وقال صلى الله عليه وسلم من كان له ثلاث بنات فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يغنيهن الله عنه أوجب الله له الجنة ألبتة ألبتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر له وكان ابن عباس إذا حدث بهذا قال والله هو من غرائب الحديث وغرره وروي أن بعض المتعبدين كان يحسن القيام على زوجته إلى أن ماتت فعرض عليه التزويج فامتنع وقال الوحدة أروح لقلبي وأجمع لهمي ثم قال رأيت في المنام بعد جمعة من وفاتها كأن أبواب السماء فتحت وكأن رجالا ينزلون ويسيرون في الهواء يتبع بعضهم بعضا فكلما نزل واحد نظر إلي وقال لمن وراءه هذا هو المشئوم فيقول الآخر نعم ويقول الثالث كذلك ويقول الرابع نعم فخفت أن أسألهم هيبة من ذلك إلى أن مر بي آخرهم وكان غلاما فقلت له يا هذا من هذا المشئوم الذي تؤمئون إليه فقال أنت فقلت ولم ذاك قال كنا نرفع عملك في أعمال المجاهدين في سبيل الله فمنذ جمعة أمرنا أن نضع عملك مع الخالفين فما ندري ما أحدثت فقال لإخوانه زوجوني زوجوني فلم يكن تفارقه زوجتان أو ثلاث وفي أخبار الأنبياء عليهم السلام أن قوما دخلوا على يونس النبي عليه السلام فأضافهم فكان يدخل ويخرج إلى منزله فتؤذيه امرأته وتستطيل عليه وهو ساكت فتعجبوا من ذلك فقال لا تعجبوا فإني سألت الله تعالى وقلت ما أنت معاقب لي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال إن عقوبتك بنت فلان تتزوج بها فتزوجت بها وأنا صابر على ما ترون منها وفي الصبر على ذلك رياضة النفس وكسر الغضب وتحسين الخلق فإن المنفرد بنفسه أو المشارك لمن حسن خلقه لا تترشح منه خبائث النفس الباطنة ولا تنكشف بواطن عيوبه فحق على سالك الطريق الآخرة أن يجرب نفسه بالتعرض لأمثال هذه المحركات واعتياد الصبر عليها لتعتدل أخلاقه وترتاض نفسه ويصفو عن الصفات الذميمة باطنه والصبر على العيال مع أنه رياضة ومجاهدة تكفل لهم وقيام بهم وعبادة في نفسها فهذه أيضا من الفوائد ولكنه لا ينتفع بها إلا أحد رجلين إما رجل قصد المجاهدة والرياضة وتهذيب الأخلاق لكونه في بداية الطريق فلا يبعد أن يرى هذا طريقا في المجاهدة وترتاض به نفسه

قسم V02/P032–V02/P033

وإما رجل من العابدين ليس له سير بالباطن وحركة بالفكر والقلب وإنما عمله عمل الجوارح بالصلاة أو حج أو غيره فعمله لأهله وأولاده بكسب الحلال لهم والقيام بتربيتهم أفضل له من العبادات اللازمة لبدنه التي لا يتعدى خيرها إلى غيرها فأما الرجل المهذب الأخلاق إما بكفاية في أصل الخلقة أو بمجاهدة سابقة إذا كان له سير في الباطن وحركة بفكر القلب في العلوم والمكاشفات فلا ينبغي أن يتزوج لهذا الغرض فإن الرياضة هو مكفي فيها وأما العبادة في العمل بالكسب لهم فالعلم أفضل من ذلك لأنه أيضا عمل وفائدته أكثر من ذلك وأعم وأشمل لسائر الخلق من فائدة الكسب على العيال فهذه فوائد النكاح في الدين التي بها يحكم له بالفضيلة أما آفات النكاح فثلاث الأولى وهي أقواها العجز عن طلب الحلال فإن ذلك لا يتيسر لكل أحد لا سيما في هذه الأوقات مع اضطراب المعايش فيكون النكاح سببا في التوسع للطلب والإطعام من الحرام وفيه هلاكه وهلاك أهله والمتعزب في أمن من ذلك وأما المتزوج ففي الأكثر يدخل في مداخل السوء فيتبع هوى زوجته ويبيع آخرته بدنياه وفي الخبر إن العبد ليوقف عند الميزان وله من الحسنات أمثال الجبال فيسأل عن رعاية عائلته والقيام بهم وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه حتى يستغرق بتلك المطالبات كل أعماله فلا تبقى له حسنة فتنادي الملائكة هذا الذي أكل عياله حسناته في الدنيا وارتهن اليوم بأعماله ويقال إن أول ما يتعلق بالرجل في القيامة أهله وولده فيوقفونه بين يدي الله تعالى ويقولون يا ربنا خذ لنا بحقنا منه فإنه ما علمنا ما نجهل وكان يطعمنا الحرام ونحن لا نعلم فيقتص لهم منه وقال بعض السلف إذا أراد الله بعبد شرا سلط عليه في الدنيا أنيابا تنهشه يعني العيال وقال صلى الله عليه وسلم لا يلقى الله أحد بذنب أعظم من جهالة أهله فهذه آفة عامة قل من يتخلص منها إلا من له مال موروث أو مكتسب من حلال يفي به وبأهله وكان له من القناعة ما يمنعه من الزيادة فإن ذاك يتخلص من هذه الآفة أو من هو محترف ومقتد على كسب حلال من المباحات باحتطاب أو اصطياد أو كان في صناعة لا تتعلق بالسلاطين ويقدر على أن يعامل به أهل الخير ومن ظاهره السلامة وغالب ماله الحلال وقال ابن سالم رحمه الله وقد سئل عن التزويج فقال هو أفضل في زماننا هذا لمن أدركه شبق غالب مثل الحماريري الأتان فلا ينتهي عنها بالضرب ولا يملك نفسه فإن ملك نفسه فتركه أولى الآفة الثانية القصور عن القيام بحقهن والصبر على أخلاقهن واحتمال الأذى منهن وهذه دون الأولى في العموم فإن القدرة على هذا أيسر من القدرة على الأولى وتحسين الخلق مع النساء والقيام بحظوظهن أهون من طلب الحلال وفي هذا أيضا خطر لأنه راع ومسئول عن رعيته وقال صلى الله عليه وسلم كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول وروي أن الهارب من عياله بمنزلة العبد الهارب الآبق لا تقبل له صلاة ولا صيام حتى يرجع إليهم ومن يقصر عن القيام بحقهن وإن كان حاضرا فهو بمنزلة هارب فقد قال تعالى {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} أمرنا أن نقيهم النار كما نقي أنفسنا والإنسان قد يعجز عن القيام بحق نفسه وإذا تزوج تضاعف عليه الحق وانضافت إلى نفسه نفس أخرى والنفس أمارة بالسوء إن كثرت عليها الحقوق كثر الأمر بالسوء غالبا ولذلك اعتذر بعضهم من التزويج وقال أنا مبتلي بنفسي وكيف أضيف إليها نفسا أخرى كما قيل لن يسع الفأرة جحرها ... علقت المكنس في دبرها وكذلك اعتذر إبراهيم بن أدهم رحمه الله وقال لا أغر امرأة بنفسي ولا حاجة لي فيهن أي من القيام بحقهن وتحصينهن وإمتاعهن وأنا عاجز عنه وكذلك اعتذر بشر وقال يمنعني من النكاح قوله تعالى {ولهن مثل الذي عليهن} وكان يقول لو كنت أعول دجاجة لخفت أن أصير جلادا على الجسر

قسم V02/P033–V02/P034

ورؤي سفيان ابن عيينة رحمه الله على باب السلطان فقيل له ما هذا موقفك فقال وهل رأيت ذا عيال أفلح وكان سفيان يقول يا حبذا العزبة والمفتاح ... ومسكن تخرقه الرياح ... لا صخب فيه ولا صياح فهذه آفة عامة أيضا وإن كانت دون عموم الأولى لا يسلم منها إلا حكيم عاقل حسن الأخلاق بصير بعادات النساء صبور على لسانهن وقاف عن اتباع شهواتهن حريص على الوفاء بحقهن يتغافل عن زللهن ويداري بعقله أخلاقهن والأغلب على الناس السفه والفظاظة والحدة والطيش وسوء الخلق وعدم الإنصاف مع طلب تمام الإنصاف ومثل هذا يزداد بالنكاح فسادا من هذا الوجه لا محالة فالوحدة أسلم له الآفة الثالثة وهي دون الأولى والثانية أن يكون الأهل والولد شاغلا له عن الله تعالى وجاذبا له إلى طلب الدنيا وحسن تدبير المعيشة للأولاد بكثرة جمع المال وادخاره لهم وطلب التفاخر والتكاثر بهم وكل ما شغل عن الله من أهل ومال وولد فهو مشئوم على صاحبه ولست أعني بهذا أن يدعو إلى محظور فإن ذلك مما اندرج تحت تحت الآفة الأولى والثانية بل أن يدعوه إلى التنعم بالمباح بل إلى الإغراق في ملاعبة النساء ومؤانستهن والإمعان في التمتع بهن ويثور من النكاح أنواع من الشواغل من هذا الجنس تستغرق القلب فينقضي الليل والنهار ولا يتفرغ المرء فيهما للتفكر في الآخرة والاستعداد لها ولذلك قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله من تعود أفخاد النساء لم يجيء منه شيء وقال أبو سليمان رحمه الله من تزوج فقد ركن إلى الدنيا أي يدعوه ذلك إلى الركون إلى الدنيا فهذه مجامع الآفات والفوائد فالحكم على شخص واحد بأن الأفضل له النكاح أو العزوبة مطلقا قصور عن الإحاطة بمجامع هذه الأمور بل تتخذ هذه الفوائد والآفات معتبرا ومحكما ويعرض المريد عليه نفسه فإن انتفت في حقه الآفات واجتمعت الفوائد بأن كان له مال حلال وخلق حسن وجد في الدين تام لا يشغله النكاح عن الله وهو مع ذلك شاب محتاج إلى تسكين الشهوة ومنفرد يحتاج إلى تدبير المنزل والتحصن بالعشيرة فلا يماري في أن النكاح أفضل له مع ما فيه من السعي في تحصيل الولد فإن انتفت الفوائد واجتمعت الآفات فالعزوبة أفضل له وإن تقابل الأمران وهو الغالب فينبغي أن يوزن بالميزان القسط حظ تلك الفائدة في الزيادة من دينه وحظ تلك الآفات في النقصان منه فإذا غلب على الظن رجحان أحدهما حكم به وأظهر الفوائد الولد وتسكين الشهوة وأظهر الآفات الحاجة إلى كسب الحرام والاشتغال عن الله فلنفرض تقابل هذه الأمور فنقول من لم يكن في أذية من الشهوة وكانت فائدة نكاحه في السعي لتحصيل الولد وكانت الآفة الحاجة إلى كسب الحرام والاشتغال عن الله فالعزوبة له أولى فلا خير فيما يشغل عن الله ولا خير في كسب الحرام ولا يفي بنقصان هذين الأمرين أمر الولد فإن النكاح للولد سعي في طلب حياة للولد موهومة وهذا نقصان في الدين ناجز فحفظه لحياة نفسه وصونها عن الهلاك أهم من السعي في الولد وذلك ربح والدين رأس مال وفي فساد الدين بطلان الحياة الأخروية وذهاب رأس المال ولا تقاوم هذه الفائدة إحدى هاتين الآفتين

قسم V02/P034–V02/P035

وأما إذا انضاف إلى أمر الولد حاجة كسر الشهوة لتوقان النفس إلى النكاح نظر فإن لم يقو لجام التقوى في رأسه وخاف على نفسه الزنا فالنكاح له أولى لأنه متردد بين أن يقتحم الزنا أو يأكل الحرام والكسب الحرام أهون الشرين وإن كان يثق بنفسه أنه لا يزني ولكن لا يقدر مع ذلك على غض البصر عن الحرام فترك النكاح أولى لأن النظر حرام والكسب من غير وجهه حرام والكسب يقع دائما وفيه عصيانه وعصيان أهله والنظر يقع أحيانا وهو يخصه وينصرم على قرب والنظر زنا العين ولكن إذا لم يصدقه الفرج فهو إلى العفو أقرب من أكل الحرام إلا أن يخاف إفضاء النظر إلى معصية الفرج فيرجع ذلك إلى خوف العنت وإذا ثبت هذا فالحالة الثالثة وهو أن يقوى على غض البصر ولكن لا يقوى على دفع الأفكار الشاغلة للقلب فذلك أولى بترك النكاح لأن عمل القلب إلى العفو أقرب إنما يراد فراغ القلب للعبادة ولا تتم عبادة مع الكسب الحرام وأكله وإطعامه فهكذا ينبغي أن توزن هذه الآفات بالفوائد ويحكم بحسبها ومن أحاط بهذا لم يشكل عليه شيء مما نقلنا عن السلف من ترغيب في النكاح مرة ورغبة عنه أخرى إذ ذلك بحسب الأحوال صحيح فإن قلت فمن أمن الآفات فما الأفضل له التخلي لعبادة الله أو النكاح فأقول يجمع بينهما لأن النكاح ليس مانعا من التخلي لعبادة الله من حيث إنه عقد ولكن من حيث الحاجة إلى الكسب فإن قدر على الكسب الحلال فالنكاح أيضا أفضل لأن الليل وسائر أوقات النهار يمكن التخلي فيه للعبادة والمواظبة على العبادة من غير استراحة غير ممكن فإن فرض كونه مستغرقا بالكسب حتى لا يبقى له وقت سوى أوقات المكتوبة والنوم والأكل وقضاء الحاجة فإن كان الرجل ممن لا يسلك سبيل الآخرة إلا بالصلاة النافلة أو الحج وما يجري مجراه من الأعمال البدنية فالنكاح له أفضل لأن في كسب الحلال والقيام بالأهل والسعي في تحصيل الولد والصبر على أخلاق النساء أنواعا من العبادات لا يقصر فضلها عن نوافل العبادات وإن كان عبادته بالعلم والفكر وسير الباطن والكسب يشوش عليه ذلك فترك النكاح أفضل فإن قلت فلم ترك عيسى عليه السلام النكاح مع فضله وإن كان الأفضل التخلي لعبادة الله فلم استكثر رسولنا صلى الله عليه وسلم من الأزواج فاعلم أن الأفضل الجمع بينهما في حق من قدر ومن قويت منته وعلت همته فلا يشغله عن الله شاغل ورسولنا صلى الله عليه وسلم أخذ بالقوة وجمع بين فضل العبادة والنكاح ولقد كان مع تسع من النسوة متخليا لعبادة الله وكان قضاء الوطر بالنكاح في حقه غير مانع كما لا يكون قضاء الحاجة في حق المشغولين بتدبيرات الدنيا مانعا لهم عن التدبير حتى يشتغلون في الظاهر بقضاء الحاجة وقلوبهم مشغوفة بهممهم غير غافلة عن مهماتهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلو درجته لا يمنعه أمر هذا العالم عن حضور القلب مع الله تعالى فكان ينزل عليه الوحي وهو في فراش امرأته ومتى سلم مثل هذا المنصب لغيره فلا يبعد أن يغير السواقي ما لا يغير البحر الخضم فلا ينبغي أن يقاس عليه غيره وأما عيسى صلى الله عليه وسلم فإنه أخذ بالحزم لا بالقوة واحتاط لنفسه ولعل حالته كانت حالة يؤثر فيها الاشتغال بالأهل أو يتعذر معها طلب الحلال أو لا يتيسر فيها الجمع بين النكاح والتخلي للعبادة فآثر التخلي للعبادة وهم أعلم بأسرار أحوالهم وأحكام أعصارهم في طيب المكاسب وأخلاق النساء وما على الناكح من غوائل النكاح وما له فيه ومهما كانت الأحوال منقسمة حتى يكون النكاح في بعضها أفضل وتركه في بعضها أفضل فحقنا أن ننزل أفعال الأنبياء على الأفضل في كل حال والله أعلم الباب الثاني فيما يراعى حالة العقد من أحوال المرأة وشروط العقد أما العقد فأركانه وشروطه لينعقد ويفيد الحل أربعة الأول إذن الولي فإن لم يكن فالسلطان الثاني رضا المرأة إن كانت ثيبا بالغا أو كانت بكرا بالغا ولكن يزوجها غير الأب والحد

الأسئلة

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn · 17 · Qur'an & Sunnah