Qur'an&Sunnah

Gazâlî — İhyâü Ulûmi'd-Dîn

قسم V04/P431–V04/P432

فإن كان فرحه بحسن ألفاظه وثناء الناس عليه أكثر من فرحه بثناء الناس على واحد من أقرانه فهو مخدوع وإنما يدور حول طلب الجاه وهو يظن أن مطلبه الدين ومهما اختلج ضميره بهذه الصفات ظهر على ظاهره ذلك حتى يكون للموقر له المعتقد لفضله أكثر احتراما ويكون بلقائه أشد فرحا واستبشارا ممن يغلو في موالاة غيره وإن كان ذلك الغير مستحقا للموالاة وربما ينتهي الأمر بأهل العلم إلى أن يتغايروا تغاير النساء فيشق على أحدهم أن يختلف بعض تلامذته إلى غيره وإن كان يعلم أنه منتفع بغيره ومستفيد منه في دينه وكل ذلك رشح الصفات المهلكات المستكنة في سر القلب التى قد يظن العالم النجاة منها وهو مغرور فيها وإنما ينكشف ذلك بهذه العلامات ففتنة العالم عظيمة وهو إما مالك وإماهالك ولا مطمع له في سلامة العوام فمن أحس في نفسه بهذه الصفات فالواجب عليه العزلة والانفراد وطلب الخمول والمدافعة للفتاوي مهما سئل فقد كان المسجد يحوى في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم جميعا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم مفتون وكانوا يتدافعون الفتوى وكل من كان يفتى كان يود أن يكفيه غيره وعند هذا ينبغي أن يتقى شياطين الإنس إذا قالوا لا تفعل هذا فإن هذا الباب لو فتح لاندرست العلوم من بين الخلق وليقل لهم إن دين الإسلام مستغن عني فإنه قد كان معمورا قبلي وكذلك يكون بعدي ولو مت لا تنهدم أركان الإسلام فإن الدين مستغن عني وأما أنا فلست مستغنيا عن إصلاح قلبي وأما أداء ذلك إلى اندارس العلم فخيال يدل على غاية الجهل فإن الناس لو حبسوا في السجن وقيدوا بالقيود وتوعدوا بالنار على طلب العلم لكان حب الرياسة والعلو يحملهم على كسر القيود وهدم حيطان الحصون والخروج منها والاشتغال بطلب العلم فالعلم لا يندرس ما دام الشيطان يحبب إلى الخلق الرياسة والشيطان لا يفتر عن عمله إلى يوم القيامة بل ينتهض لنشر العلم أقوام لا نصيب لهم في الآخرة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر فلا ينبغي أن يغتر العالم بهذه التلبيسات فيشتغل بمخالطة الخلق حتى يتربي في قلبه حب الجاه والثناء والتعظيم فإن ذلك بذر النفاق قال صلى الله عليه وسلم حب الجاه والمال ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر إفساد فيها من حب الجاه والمال في دين المرء المسلم ولا ينقلع حب الجاه من القلب إلا بالاعتزال عن الناس والهرب من مخالطتهم وترك كل ما يزيد جاهه في قلوبهم فليكن فكر العالم في التفطن لخفايا هذه الصفات من قلبه وفي استنباط طريق الخلاص منها وهذه وظيفة العالم المتقي فأما أمثالنا فينبغي أن يكون تفكرنا فيما يقوي إيماننا بيوم الحساب إذ لو رآنا السلف الصالحون لقالوا قطعا إن هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب فما أعمالنا أعمال من يؤمن بالجنة والنار فإن من خاف شيئا هرب منه ومن رجا شيئا طلبه وقد علمنا أن الهرب من النار بترك الشبهات والحرام وبترك المعاصي ونحن منهمكون فيها وأن طلب الجنة بتكثير نوافل الطاعات ونحن مقصرون في الفرائض منها فلم يحصل لنا من ثمرة العلم إلا أنه يقتدى بنا في الحرص على الدنيا والتكالب عليها ويقال لو كان هذا مذموما لكان العلماء أحق وأولى باجتنابه منا فليتنا كنا كالعوام إذا متنا ماتت معنا ذنوبنا فما أعظم الفتنة التى تعرضنا لها لو تفكرنا فنسأل الله تعالى أن يصلحنا ويصلح بنا ويوفقنا للتوبة قبل أن يتوفانا إنه الكريم اللطيف بنا المنعم علينا

قسم V04/P432–V04/P433

فهذه مجاري أفكار العلماء والصالحين في علم المعاملة فإن فرغوا منها انقطع التفاتهم عن أنفسهم وارتقوا منها إلى التفكر في جلال الله وعظمته والتنعم بمشاهدته بعين القلب ولا يتم ذلك إلا بعد الانفكاك من جميع المهلكات والاتصاف بجميع المنجيات وإن ظهر شيء منه قبل ذلك كان مدخولا معلولا مكدرا مقطوعا وكان ضعيفا كالبرق الخاطف لا يثبت ولا يدوم ويكون كالعاشق الذي خلا بمعشوقه ولكن تحت ثيابه حيات وعقارب تلدغه مرة بعد أخرى فتنغص عليه لذة المشاهدة ولا طريق له في كمال التنعم إلا بإخراج العقارب والحيات من ثيابه وهذه الصفات المذمومة عقارب وحيات وهي مؤذيات ومشوشات وفي القبر يزيد ألم لدغها على لدغ العقارب والحيات فهذا القدر كاف في التنبيه على مجارى فكر العبد في صفات نفسه المحبوبة والمكروهة عنه ربه تعالى القسم الثاني الفكر في جلال الله وعظمته وكبريائه وفيه مقامان المقام الأعلى الفكر في ذاته وصفاته ومعاني أسمائه وهذا مما منع منه حيث قيل تفكروا في خلق الله تعالى ولا تفكروا في ذات الله وذلك لأن العقول تتحير فيه فلا يطيق مد البصر إليه إلا الصديقون ثم لا يطيقون دوام النظر بل سائر الخلق أحوال أبصارهم بالإضافة إلى جلال الله تعالى كحال بصر الخفاش بالإضافة إلى نور الشمس فإنه لا يطيقه البتة بل يختفي نهارا وانما يتردد ليلا ينظر في بقية نور الشمس إذا وقع على الأرض وأحوال الصديقين كحال الإنسان في النظر إلى الشمس فإنه يقدر على النظر إليها ولا يطيق دوامه ويخشى على بصره لو أدام النظر ونظره المختطف إليها يورث العمش ويفرق البصر وكذلك النظر إلى ذات الله تعالى يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل فالصواب إذن أن لا يتعرض لمجاري الفكر في ذات الله سبحانه وصفاته فإن أكثر العقول لا تحتمله بل القدر اليسير الذي صرح به بعض العلماء وهو أن الله تعالى مقدس عن المكان ومنزه عن الأقطار والجهات وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا هو متصل بالعالم ولا هو منفصل عنه قد حير عقول أقوام حتى أنكروه إذ لم يطيقوا سماعه ومعرفته بل ضعفت طائفة عن احتمال أقل من هذا إذ قيل لهم إنه يتعاظم ويتعالى عن أن يكون له رأس ورجل ويد وعين وعضو وأن يكون جسما مشخصا له مقدار وحجم فأنكروا هذا وظنوا أن ذلك قدح في عظمة الله وجلاله حتى قال بعض الحمقى من العوام إن هذا وصف بطيخ هندي لا وصف الإله لظن المسكين أن الجلالة والعظمة في هذه الأعضاء وهذا لأن الإنسان لا يعرف إلا نفسه فلا يستعظم إلا نفسه فكل ما لا يساويه في صفاته فلا يفهم العظمة فيه نعم غايته أن يقدر نفسه جميل الصورة جالسا على سريره وبين يديه غلمان يمتثلون أمره فلا جرم غايته أن يقدر ذلك في حق الله تعالى وتقدس حتى يفهم العظمة بل لو كان للذباب عقل وقيل له ليس لخالقك جناحان ولا يد ولا رجل ولا له طيران لأنكر ذلك وقال كيف يكون خالقي أنقص مني أفيكون مقصوص الجناح أو يكون زمنا لا يقدر على الطيران أو يكون لي آلة وقدرة لا يكون له مثلها وهو خالقي ومصوري وعقول أكثر الخلق قريب من هذا العقل وإن الإنسان لجهول ظلوم كفار ولذلك أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه لا تخبر عبادي بصفاتى فينكروني ولكن أخبرهم عني بما يفهمون ولما كان النظر في ذات الله تعالى وصفاته خطرا من هذا الوجه اقتضى أدب الشرع وصلاح الخلق أن لا يتعرض لمجاري الفكر فيه لكنا نعدل إلى المقام الثاني وهو النظر في أفعاله ومجاري قدره وعجائب صنعه وبدائع أمره في خلقه فإنها تدل على جلاله وكبريائه وتقدسه وتعاليه وتدل على كمال علمه وحكمته وعلى نفاذ مشيئته وقدرته فينظر إلى صفاته من آثار صفاته فإنا لا نطيق النظر إلى صفاته كما أنا نطيق النظر إلى الأرض مهما استنارت بنور الشمس

قسم V04/P433–V04/P435

ونستدل بذلك على عظم نور الشمس بالإضافة إلى نور القمر وسائر الكواكب لأن الأرض من آثار نور الشمس والنظر في الآثار يدل على المؤثر دلالة ما وإن كان لا يقوم مقام النظر في نفس المؤثر وجميع موجودات الدنيا أثر من آثار قدرة الله تعالى ونور من أنوار ذاته بل لا ظلمة أشد من العدم ولا نور أظهر من الوجود ووجود الأشياء كلها نور من أنوار ذاته تعالى وتقدس إذ قوام وجود الأشياء بذاته القيوم بنفسه كما أن قوام نور الأجسام بنور الشمس المضيئة بنفسها ومهما انكشف بعض الشمس فقد جرت العادة بأن يوضع طشت ماء حتى ترى الشمس فيه ويمكن النظر إليها فيكون الماء واسطة يغض قليلا من نور الشمس حتى يطاق النظر إليها فكذلك الأفعال واسطة نشاهد فيها صفات الفاعل ولا نبهر بأنوار الذات بعد أن تباعدنا عنها بواسطة الأفعال فهذا سر قوله صلى الله عليه وسلم تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في ذات الله تعالى بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى اعلم أن كل ما في الوجود مما سوى الله تعالى فهو فعل الله وخلقه وكل ذرة من الذرات من جوهر وعرض وصفة وموصوف ففيها عجائب وغرائب تظهر بها حكمة الله وقدرته وجلاله وعظمته وإحصاء ذلك غير ممكن لأنه لو كان البحر مدادا لذلك لنفد البحر قبل أن ينفد عشر عشيره ولكنا نشير إلى جمل منه ليكون ذلك كالمثال لماعداه فنقول الموجودات المخلوقة منقسمة الى مالا يعرف أصلها فلا يمكننا التفكر فيها وكم من الموجودات التى لا نعلمها كما قال الله تعالى ويخلق ما لا تعلمون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون {وقال} وننشئكم فيما لا تعلمون {وإلى} ما يعرف أصلها وجملتها ولا يعرف تفصيلها فيمكننا أن نتفكر في تفصيلها وهي منقسمة إلى ما أدركناه بحس البصر وإلى ما لا ندركه بالبصر أما الذي لا ندركه بالبصر فكالملائكة والجن والشياطين والعرش والكرسي وغير ذلك ومجال الفكر في هذه الأشياء مما يضيق ويغمض فلنعدل إلى الأقرب إلى الأفهام وهي المدركات بحس البصر وذلك هو السموات السبع والأرض وما بينهما فالسموات مشاهدة بكواكبها وشمسها وقمرها وحركتها ودورانها في طلوعها وغروبها والأرض مشاهدة بما فيها من جبالها ومعادنها وأنهارها وبحارها وحيوانها ونباتها وما بين السماء والأرض وهو الجو مدرك بغيومها وأمطارها وثلوجها ورعدها وبرقها وصواعقها وشهبها وعواصف رياحها فهذه هي الأجناس المشاهدة من السموات والأرض وما بينهما وكل جنس منها ينقسم إلى أنواع وكل نوع ينقسم إلى أقسام ويتشعب كل قسم إلى أصناف ولا نهاية لانشعاب ذلك وانقسامه في اختلاف صفاته وهيآته ومعانيه الظاهرة والباطنة وجميع ذلك مجال الفكر فلا تتحرك ذرة في السموات والأرض من جماد ولا نبات ولا حيوان ولا فلك ولا كوكب إلا والله تعالى هو محركها وفي حركتها حكمة أو حكمتان أو عشر أو ألف حكمة كل ذلك شاهد لله تعالى بالوحدانية ودال على جلاله وكبريائه وهي الآيات الدالة عليه وقد ورد القرآن بالحث على التفكر في هذه الايات كما قال الله تعالى إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب وكما قال تعالى ومن آياته من أول القرآن إلى آخره فلنذكر كيفية الفكر في بعض الآيات فمن آياته الإنسان المخلوق من النطفة وأقرب شيء إليك نفسك وفيك من العجائب الدالة على عظمة الله تعالى ما تنقضي الأعمار في الوقوف على عشر عشيره وأنت غافل عنه فيامن هو غافل عن نفسه وجاهل بها كيف تطمع في معرفة غيرك وقد أمرك الله تعالى بالتدبر في نفسك في كتابه العزيز فقال وفي أنفسكم أفلا تبصرون وذكر أنك مخلوق من نطفة قذرة فقال قتل الإنسان ما أكفره من أي شئ خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره وقال تعالى ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون وقال تعالى

قسم V04/P435–V04/P436

ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى وقال تعالى ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم {وقال} أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين {وقال} إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ثم ذكر كيف جعل النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاما فقال تعالى ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة الآية فتكرير ذكر النطفة في الكتاب العزيز ليس ليسمع لفظه ويترك التفكر في معناه فانظر الآن إلى النطفة وهي قطرة من الماء قذرة لو تركت ساعة ليضربها الهواء فسدت وأنتنت كيف أخرجها رب الأرباب من الصلب والترائب وكيف جمع بين الذكر والأنثى وألقى الألفة والمحبة في قلوبهم وكيف قادهم بسلسلة المحبة والشهوة إلى الاجتماع وكيف استخرج النطفة من الرجل بحركة الوقاع وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعه في الرحم ثم كيف خلق المولود من النطفة وسقاه بماء الحيض وغذاه حتى نما وربا وكبر وكيف جعل النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ثم كيف جعلها مضغة ثم كيف قسم أجزاء النطفة وهي متساوية متشابهة إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم ثم كيف ركب من اللحوم والأعصاب والعروق الأعضاء الظاهرة فدور الرأس وشق السمع والبصر والأنف والفم وسائر المنافذ ثم مد اليد والرجل وقسم رءوسها بالأصابع وقسم الأصابع بالأنامل ثم كيف ركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحد على شكل مخصوص ومقدار مخصوص لعمل مخصوص ثم كيف قسم كل عضو من هذه الأعضاء بأقسام أخر فركب العين من سبع طبقات لكل طبقة وصف مخصوص وهيئة مخصوصة لو فقدت طبقة منها أو زالت صفة من صفاتها تعطلت العين عن الإبصار فلو ذهبنا إلى أن نصف ما في آحاد هذه الأعضاء من العجائب والآيات لانقضي فيه الأعمار فانظر الآن إلى العظام وهي أجسام صلبة قوية كيف خلقها من نطفة سخيفة رقيقة ثم جعلها قواما للبدن وعمادا له ثم قدرها بمقادير مختلفة وأشكال مختلفة فمنه صغير وكبير وطويل ومستدير ومجوف ومصمت وعريض ودقيق ولما كان الإنسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه مفتقرا للتردد في حاجاته لم يجعل عظمه عظما واحدا بل عظاما كثيرة بينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة وقدر شكل كل واحدة منها على وفق الحركة المطلوبة بها ثم وصل مفاصلها وربط بعضها ببعض بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظم وألصقه بالعطم الآخر كالرباط له ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة منه وفي الآخر حفرا غائصة فيه موافقة لشكل الزوائد لتدخل فيها وتنطبق عليها فصار العبد إن أراد تحريك جزء من بدنه لم يمتنع عليه ولولا المفاصل لتعذر عليه ذلك ثم انظر كيف خلق عظام الرأس وكيف جمعها وركبها وقد ركبها من خمسة وخمسين عظما مختلفة الأشكال والصور فألف بعضها إلى بعض بحيث استوى به كرة الرأس كما تراه فمنها ستة تخص القحف وأربعة عشر للحي الأعلى واثنان للحي الأسفل والبقية هي الأسنان بعضها عريضة تصلح للطحن وبعضها حادة تصلح للقطع وهي الأنياب والأضراس والثنايا ثم جعل الرقبة مركبا للرأس وركبها من سبع خرزات مجوفات مستديرات فيها تحريفات وزيادات ونقصانات لينطبق بعضها على بعض ويطول ذكر وجه الحكمة فيها ثم ركب الرقبة على الظهر وركب الظهر من أسفل الرقبة إلى منتهى عظم العجز من أربع وعشرين خرزة وركب عظم العجز من ثلاثة أجزاء مختلفة فيتصل به من أسفله عظم العصعص وهو أيضا مؤلف من ثلاثة أجزاء ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتف وعظام اليدين وعظام العانة وعظام العجز وعظام الفخذين والساقين وأصابع الرجلين فلا نطول بذكر عدد ذلك ومجموع عدد العظام فى بدن الإنسان مائتا عظم وثمانية وأربعون عظما سوى العظام الصغيرة التى حشى بها خلل المفاصل فانظر كيف خلق جميع ذلك من نطفة سخيفة رقيقة

قسم V04/P436–V04/P437

وليس المقصود من ذكر أعداد العظام أن يعرف عددها فإن هذا علم قريب يعرفه الأطباء والمشرحون إنما الغرض أن ينظر منها فى مدبرها وخالقها أنه كيف قدرها ودبرها وخالف بين أشكالها وأقدارها وخصصها بهذا العدد المخصوص لأنه لو زاد عليها واحدا لكان وبالا على الإنسان يحتاج إلى قلعه ولو نقص منها واحدا لكان نقصانا يحتاج إلى جبره فالطبيب ينظر فيها ليعرف وجه العلاج فى جبرها وأهل البصائر ينظرون فيها ليستدلوا بها على جلالة خالقها ومصورها فشتان بين النظرين ثم انظر كيف خلق الله تعالى آلات لتحريك العظام وهو العضلات فخلق فى بدن الإنسان خمسمائة عضلة وتسعا وعشرين عضلة والعضلة مركبة من لحم وعصب ورباط وأغشية وهى مختلفة المقادير والأشكال بحسب اختلاف مواضعها وقدر حاجاتها فأربع وعشرون عضلة منها هى لتحريك حدقة العين وأجفانها لو نقصت واحدة من جملتها اختل أمر العين وهكذا لكل عضو عضلات بعدد مخصوص وقدر مخصوص وأمر الاعصاب والعروق والأوردة والشرايين وعددها ومنابتها وانشعاباتها أعجب من هذا كله وشرحه يطول فللفكر مجال فى آحاد هذه الأجزاء ثم فى جملة البدن فكل ذلك نظر إلى عجائب أجسام البدن وعجائب المعانى والصفات التي لا تدرك بالحواس أعظم فانظر الآن إلى ظاهر الإنسان وباطنه وإلى بدنه وصفاته فترى به من العجائب والصنعة ما يقضى به العجب وكل ذلك صنع الله في قطرة ماء قذرة فترى من هذا صنعه في قطرة ماء فما صنعه فى ملكوت السموات وكواكبها وما حكمته فى أوضاعها وأشكالها ومقاديرها وأعدادها واجتماع بعضها وتفرق بعضها واختلاف صورها وتفاوت مشارقها ومغاربها فلا تظنن أن ذرة من ملكوت السموات تنفك عن حكمة وحكم بل هي أحكم حلقا وأتقن صنعا وأجمع للعجائب من بدن الإنسان بل لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السموات ولذلك قال تعالى أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها فارجع الآن إلى النطفة وتأمل حالها أولا وما صارت إليه ثانيا وتأمل أنه لو اجتمع الجن والإنس على أن يخلقوا للنطفة سمعا أو بصرا أو عقلا أو قدرة أو علما أو روحا أو يخلقوا فيها عظما أو عرقا أو عصبا أو جلدا أو شعرا هل يقدرون على ذلك بل لو أرادوا أن يعرفوا كنه حقيقته وكيفية خلقته بعد أن خلق الله تعالى ذلك لعجزوا عنه فالعجب منك لو نظرت إلى صورة إنسان مصور على حائط تأنق النقاش فى تصويرها حتى قرب ذلك من صورة الإنسان وقال الناظر إليها كأنه إنسان عظم تعجبك من صنعة النقاش وحذقه وخفة يده وتمام فطنته وعظم فى قلبك محله مع أنك تعلم أن تلك الصورة إنما تمت بالصبغ والقلم واليد وبالقدرة وبالعلم وبالإرادة وشىء من ذلك ليس من فعل النقاش ولا خلقه بل هو من خلق غيره وإنما منتهى فعله الجمع بين الصبغ والحائط على ترتيب مخصوص فيكثر تعجبك منه وتستعظمه

قسم V04/P437–V04/P438

وأنت ترى النطفة القذرة كانت معدومة فخلقها خالقها في الأصلاب والترائب ثم أخرجها منها وشكلها فأحسن تشكيلها وقدرها فأحسن تقديرها وتصويرها وقسم أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة فأحكم العظام في أرجائها وحسن أشكال أعضائها وزين ظاهرها وباطنها ورتب عروقها وأعصابها وجعلها مجرى لغذائها ليكون ذلك سبب بقائها وجعلها سميعة بصيرة عالمة ناطفة وخلق لها الظهر أساسا لبدنها والبطن حاويا لآلات غذائها والرأس جامعا لحواسها ففتح العينين ورتب طبقاتها وأحسن شكلها ولونها وهيئاتها ثم حماها بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذاء عنها ثم أظهر في مقدار عدسة منها صورة السموات مع اتساع أكنافها وتباعد أقطارها فهو ينظر إليها ثم شق أذنيه وأودعهما ماء مرا ليحفظ سمعها ويدفع الهوام عنها وحوطها بصدقة الأذن لتجمع الصوت فترده إلى صماخها ولتحس بدبيب الهوام إليها وجعل فيها تحريفات واعوجاجات لتكثر حركة ما يدب فيها ويطول طريقه فيتنبه من النوم صاحبها إذا قصدها دابة في حال النوم ثم رفع الأنف من وسط الوجه وأحسن شكله وفتح منخريه وأودع فيه حاسه الشم ليستدل باستنشاق الروايح على مطاعمه وأغذيته وليستنشقة بمنفذ المنخرين روح الهواء غذاء لقلبه وترويحا لحرارة باطنه وفتح الفم وأودعه اللسان ناطقا وترجما ومعربا عما في القلب وزين الفم بالأسنان لتكون آلة الطحن والكسر والقطع فأحكم أصولها وحدد رءوسها وبيض لونها ورتب صفوفها متساوية الرءوس متناسقة الترتيب كأنها الدر المنظوم وخلق الشفتين وحسن لونها وشكلها لتنطبق على الفم فتسد منفذه وليتم بها حروف الكلام وخلق الحنجرة وهيأها لخروج الصوت وخلق للسان قدرة للحركات والتقطيعات لتتقطع الصوت في مخارج مختلفة تختلف بها الحروف ليتسع بها طريق النطق بكثرتها ثم خلق الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطول والقصر حتى اختلفت بسببها الأصوات فلا يتشابه صوتان بل يظهر بين كل صوتين فرقا حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت في الظلمة ثم زين الرأس بالشعر والأصداغ وزين الوجه باللحية والحاجبين وزين الحاجب برقة الشعر واستقواس الشكل وزين العينين بالأهداب ثم خلق الأعضاء الباطنة وسخر كل واحد لفعل مخصوص فسخر المعدة لنضج الغذاء والكبد لإحالة الغذاء إلى الدم والطحال والمرارة والكلية لخدمة الكبد فالطحال يخدمها بجذب السوداء عنها والمرارة تخدمها بجذب الصفراء عنها والكلية تخدمها بجذب المائية عنها والمثانة تخدم الكلية بقبول الماء عنها ثم تخرجه في طريق الإحليل والعروق تخدم الكبد في إيصال الدم إلى سائر أطراف البدن ثم خلق اليدين وطولهما لتمتد إلى المقاصد وعرض الكف وقسم الأصابع الخمس وقسم كل أصبع بثلاث أنامل ووضع الأربعة في جانب والإبهام في جانب لتدور الإبهام على الجميع ولو اجتمع الأولون والآخرون على أن يستنبطوا بدقيق الفكر وجها آخر فى وضع الأصابع سوى ما وضعت عليه من بعد الإبهام عن الأربع وتفاوت الأربع فى الطول وترتيبها فى صف واحد لم يقدروا عليه إذ بهذا الترتيب صلحت اليد للقبض والإعطاء فإن بسطها كانت له طبقا يضع عليها ما يريد وإن جمعها كانت له آلة للضرب وإن ضمها ضما غير تام كانت مغرفة له وإن بسطها وضم أصابعها كانت مجرفة له ثم خلق الأظفار على رءوسها زينة للأنامل وعمادا لها من ورائها حتى لا تنقطع وليلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا تتناولها الأنامل وليحك بها بدنه عند الحاجة فالظفر الذى هو أخس الأعضاء لو عدمه الإنسان وظهر به حكة لكان أعجز الخلق وأضعفهم ولم يقم أحد مقامه فى حك بدنه ثم هدى اليد إلى موضع الحك حتى تمتد إليه ولو في النوم والغفلة من غير حاجة إلى طلب ولو استعان بغيره لم يعثر على موضع الحك إلا بعد تعب طويل ثم خلق هذا كله من النطفة وهي في داخل الرحم فى ظلمات ثلاث ولو كشف الغطاء والغشاء وامتد إليه البصر لكان يرى التخطيط والتصوير يظهر عليها شيئا فشيئا ولا يرى المصور ولا آلته فهل رأيت مصورا أو فاعلا لا يمس آلته ومصنوعه ولا يلاقيه وهو يتصوف فيه فسبحانه ما أعظم شأنه وأظهر برهانه

قسم V04/P438–V04/P439

ثم انظر مع كمال قدرته إلى تمام رحمته فإنه لما ضاق الرحم عن الصبي لما كبر كيف هداه السبيل حتى تنكس وتحرك وخرج من ذلك المضيق وطلب المنفذ كأنه عاقل بصير بما يحتاج إليه ثم لما خرج واحتاج إلى الغذاء كيف هداه إلى التقام الثدي ثم لما كان بدنه سخيفا لا يحتمل الأغذية الكثيفة كيف دبر له في خلق اللبن اللطيف واستخرجه من بين الفرث والدم سائغا خالصا وكيف خلق الثديين وجمع فيهما اللبن وأنبت منهما حلمتين على قدر ما ينطبق عليهما فم الصبي ثم فتح في حلمة الثدي ثقبا ضيقا جدا حتى لا يخرج اللبن منه إلا بعد المص تدريجا فإن الطفل لايطيق منه إلا القليل ثم كيف هداه للامتصاص حتى يستخرج من ذلك المضيق اللبن الكثير عند شدة الجوع ثم انظر إلى عطفه ورحمته ورأفته كيف أخر خلق الأسنان إلى تمام الحولين لأنه في الحولين لا يتغذى إلا باللبن فيستغني عن السن وإذا كبر لم يوافقه اللبن السخيف ويحتاج إلى طعام غليظ ويحتاج الطعام إلى المضغ والطحن فأنبت له الأسنان عند الحاجة لا قبلها ولا بعدها فسبحانه كيف أخرج تلك العظام الصلبة فى تلك اللثات اللينة ثم حنن قلوب الوالدين عليه للقيام بتدبيره في الوقت الذي كان عاجزا عن تدبير نفسه فلو لم يسلط الله الرحمة على قلوبهما لكان الطفل أعجز الخلق عن تدبير نفسه ثم انظر كيف رزقه القدرة والتمييز والعقل والهداية تدريجا حتى بلغ وتكامل فصار مراهقا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا إما كفورا أو شكورا مطيعا أو عاصيا مؤمنا أو كافرا تصديقا لقوله تعالى هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا فانظر إلى اللطف والكرم ثم إلى القدرة والحكمة تبهرك عجائب الحضرة الربانية والعجب كل العجب ممن يرى خطا حسنا أو نقشا حسنا على حائط فيستحسنه فيصرف جميع همه إلى التفكر في النقاش والخطاط وأنه كيف نقشه وخطه وكيف اقتدر عليه ولا يزال يستعظمه في نفسه ويقول ما أحذقه وما أكمل صنعته وأحسن قدرته ثم ينظر إلى هذه العجائب في نفسه وفي غيره ثم يغفل عن صانعه ومصوره فلا تدهشه عظمته ولا يحيره جلاله وحكمته فهذه نبذة من عجائب بدنك التي لا يمكن استقصاؤها فهو أقرب مجال لفكرك وأجلى شاهد على عظمة خالقك وأنت غافل عن ذلك مشغول ببطنك وفرجك ولا تعرف من نفسك إلا أن تجوع فتأكل وتشبع فينام وتشتهى فتجامع وتغضب فتقاتل والبهائم كلها تشاركك في معرفة ذلك وإنما خاصية الإنسان التي حجبت البهائم عنها معرفة الله تعالى بالنظر في ملكوت السموات والأرض وعجائب الآفاق والأنفس إذ بها يدخل العبد في زمرة الملائكة المقربين ويحشر في زمرة النبيين والصديقين مقربا من حضرة رب العالمين وليست هذه المنزلة للبهائم ولا لإنسان رضي من الدنيا بشهوات البهائم فإنه شر من البهائم بكثير إذ لا قدرة للبهيمة على ذلك وأما هو فقد خلق الله له القدرة ثم عطلها وكفر نعمة الله فيها فأولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا وإذا عرفت طريق الفكر في نفسك فتفكر في الأرض التي هي مقرك ثم في أنهارها وجبالها ومعادتها ثم ارتفع منها إلى ملكوت السموات أما الأرض فمن آياته أن خلق الأرض فراشا ومهادا وسلك فيها سبلا فجاجا وجعلها ذلولا لتمشوا في مناكبها وجعلها قارة لا تتحرك وأرسى فيها الجبال أوتادا لها تمنعها من أن تميد ثم وسع أكنافها حتى عجز الآدميون عن بلوغ جميع جوانبها وإن طالت إعمارهم وكثر تطوافهم فقال تعالى والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون وقال تعالى هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وقال تعالى الذى جعل لكم الأرض فراشا وقد أكثر فى كتابه العزيز ممن ذكر الأرض ليتفكر في عجائبها فظهرها مقر للأحياء وبطنها مرقد للأموات قال تعالى ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا

قسم V04/P439–V04/P440

فانظر إلى الأرض وهى ميتة فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت واخضرت وأنبتت عجائب النبات وخرجت منها أصناف الحيوانات ثم انظر كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ الصم الصلاب وكيف أودع المياه تحتها ففجر العيون وأسال الأنهار تجري على وجهها وأخرج من الحجارة اليابسة ومن التراب الكدر ماء رقيقا عذبا صافيا زلالا وجعل به كل شيء حي فأخرج به فنون الأشجار والنبات من حب وعنب وقضب وزيتون ونخل ورمان وفواكه كثيرة لا تحصى مختلفة الأشكال والألوان والطعوم والصفات والأرابيح يفضل بعضها على بعض في الأكل تسقى بماء واحد وتخرج من أرض واحدة فإن قلت إن اختلافها باختلاف بذورها وأصولها فمتى كان فى النواة نخلة مطوقة لعناقيد الرطب ومتى كان فى حبة واحدة سمع سنابل فى كل سنبلة مائة ثم انظر إلى أرض البوادي وفتش ظاهرها وباطنها فتراها ترابا متشابها فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ألوانا مختلفة ونباتا متشابها وغير متشابه لكل واحد طعم وريح ولون وشكل يخالف الآخر فانظر إلى كثرتها واختلاف أصنافها وكثرة أشكالها ثم اختلاف طبائع النبات وكثرة منافعه وكيف أودع الله تعالى العقاقير المنافع الغريبة فهذا النبات يغذي وهذا يقوي وهذا يحيي وهذا يقتل وهذا يبرد وهذا يسخن وهذا إذا حصل في المعدة قمع الصفراء من أعماق العروق وهذا يستحيل إلى الصفراء وهذا يقمع البلغم والسوداء وهذا يستحيل إليهما وهذا يصفى الدم وهذا يستحل دما وهذا يفرح وهذا ينوم وهذا يقوى وهذا يضعف فلم تنبت من الأرض ورقة ولا تبنة إلا وفيها منافع لا يقوى البشر على الوقوف على كنهها وكل واحد من هذا النبات يحتاج الفلاح في تربيته إلى عمل مخصوص فالنخل تؤثر الكرم يكسح والزرع ينقى عنه الحشيش والدغل وبعض ذلك يستنبت ببث البذر فى الأرض وبعضه بغرس الأغصان وبعضه يركب فى الشجر ولو أردنا أن نذكر اختلاف أجناس النبات وأنواعة ومنافعه وأحواله وعجائبه لا نقضت الأيام في وصف ذلك فيكفيك من كل جنس نبذة يسيرة تدلك على طريق الفكر فهذه عجائب النبات ومن أياته الجواهر المودعة تحت الجبال والمعادن الحاصلة من الأرض ففى الأرض قطع متجاورات مختلفة فانظر إلى الجبال كيف يخرج منها الجواهر النفيسة من الذهب والفضة والفيروزج واللعل وغيرها بعضها منطبعة تحت المطارق كالذهب والفضة والنحاس والرصاص والحديد وبعضها لا ينطبع كالفيروزوج واللعل وكيف هدى الله الناس إلى استخراجها وتنقيتها واتخاذ الأوانى والآلات والنقود والحلى منها ثم انظر إلى معادن الأرض من النفط والكبريت والقار وغيرها وأقلها الملح ولا يحتاج إليه إلا لتطييب الطعام ولو خلت عنه بلدة لتسارع الهلاك إليها فانظر إلى رحمة الله تعالى كيف خلق بعض الأراضى سبخة بجوهرها بحيث يجتمع فيها الماء الصافى من المطر فيستحيل ملحا مالحا محرقا لا يمكن تناول مثقال منه ليكون ذلك تطييبا لطعامك إذا أكلته فيتهنأ عيشك وما من جماد ولا حيوان ولا نبات إلا وفيه حكمة وحكم من هذا الجنس ما خلق شىء منها عبثا ولا لعبا ولا هزلا بل خلق الكل بالحق كما ينبغى وعلى الوجه الذى ينبغى وكما يليق بجلاله وكرمه ولطفه ولذلك قال تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقنهما إلا بالحق

قسم V04/P440–V04/P441

ومن آياته أصناف الحيوانات وانقسمها إلى ما يطير وإلى ما يمشي وانقسام ما يمشي إلى ما يمشي على رجلين وإلى ما يمشى على أربع وعلى عشر وعلى مائة كما يشاهد في بعض الحشرات ثم انقسامها في المنافع والصور والأشكال والأخلاق والطباع فانظر إلى طيور الجو وإلى وحوش البر والبهائم الأهلية ترى فيها من العجائب ولا تشك معه في عظمة خالقها وقدرة مقدرها وحكمة مصورها وكيف يمكن أن يستقصى ذلك بل لو أردنا أن نذكر عجائب البقة أو النملة أو النخلة أو العنكبوت وهى من صغار الحيوانات بنائها بيتها وفي جمعها غذاءها وفي إلفها لزوجها وفى ادخارها لنفسا وفي حذقها في هندسة بيتها وفي هدايتها إلى حاجاتها لم نقدر على ذلك فترى العنكبوت يبنى بيته على طرف نهر فيطلب أولا موضعين متقاربين بينهما فرجة بمقدار ذراع فما دونه حتى يمكنه أن يصل بالخيط بين طرفيه ثم يبتدىء ويلقى اللعاب الذى هو خيطه على جانب ليلتصق به ثم يغدو إلى الجانب الآخر فيحكم الطرف الآخر من الخيط ثم كذلك يتردد ثانيا وثالثا ويجعل بعد ما بينهما متناسبا تناسبا هندسيا حتى إذا أحكم معاقد القمط ورتب الخيوط كالسدى اشتغل باللحمة فيضع اللحمة على السدى ويضيف بعضه إلى بعض ويحكم العقد على موضع التقاء اللحمة بالسدى ويراعى فى جميع ذلك تناسب الهندسة ويجعل ذلك شبكة يقع فيها البق والذباب ويقعد فى زاوية مترصدا لوقوع الصيد فى الشبكة فإذا وقع الصيد بادر إلى أخذه وأكله فإن عجز عن الصيد كذلك طلب لنفسه زاوية من حائط ووصل بين طرفى الزاوية بخيط ثم علق نفسه فيها بخيط آخر وبقى منكسا فى الهواء ينتظر ذبابة تطير فإذا طارت رمى بنفسه إليه فإخذه ولف خيطه على رجليه وأحكمه ثم أكله وما من حيوان صغير ولا كبير إلا وفيه من العجائب ما لا يحصى أفترى أنه تعلم هذه الصنعة من نفسه أو تكون بنفسه أو كونه آدمى أو علمه أو لا هادى له ولا معلم أفيشك ذو بصيرة فى أنه مسكين ضعيف عاجز بل الفيل العظيم شخصه الظاهرة قوته عاجز عن أمر نفسه فكيف هذا الحيوان الضعيف أفلا يشهد هو بشكله وصورته وحركته وهدايته وعجائب صنعته لفاطره الحكيم وخالقه القادر العليم فالبصير يرى في هذا الحيوان الصغير من عظمة الخالق المدبر وجلاله وكمال قدرته وحكمته ما تتحير فيه الألباب والعقول فضلا عن سائر الحيوانات وهذا الباب أيضا لا حصر له فإن الحيوانات وأشكالها وأخلاقها وطباعها غير محصورة وإنما سقط تعجب القلوب منها لأنسها بكثرة المشاهدة نعم إذا رأى حيوانا غريبا ولو دودا تجدد تعجبه وقال سبحان الله ما أعجبه والإنسان أعجب الحيوانات وليس يتعجب من نفسه بل لو نظر إلى الأنعام التى ألفها تعجبه وقال سبحان الله ما أعجبه والإنسان أعجب الحيوانات وليس يتعجب من نفسه بل لو نظر إلى الأنعام التي ألفها ونظر إلى أشكالها وصورها ثم إلى منافعها وفوائدها من جلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها التي جعلها الله لباسا لخلقه وأكانا لهم في ظعنهم وإقامتهم وآنية لأشربتهم وأوعية لأغذيتهم وصوانا لأقدامهم وجعل

قسم V04/P441–V04/P442

ألبانها ولحومها أغذية لهم ثم جعل بعضها زينة للركوب وبعضها حاملة للأثقال قاطعة للبوادي والمفازات البعيدة لأكثر الناظر التعجب من حكمة خالقها ومصورها فإنه ما خلقها إلا بعلم محيط بجميع منافعها سابق على خلقه إياها فسبحان من الأمور مكشوفة في علمه من غير تفكر ومن غير تأمل وتدبر ومن غير استعانة بوزير أو مشير فهو العليم الخبير القدير فلقد استخرج بأقل القليل مما خلقه صدق الشهادة من قلوب العارفين بتوحيده فما للخلق إلا الإذعان لقهره وقدرته والاعتراف بربوبيته والإقرار بالعجز عن معرفة جلاله وعظمته فمن ذا الذي يحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وإنما غاية معرفتنا الاعتراف بالعجز عن معرفته فنسأل الله تعالى أن يكرمنا بهدايته بمنه ورأفته ومن آياته البحار العميقة المكتنفة لأقطار الأرض التى هى قطع من البحر الأعظم المحيط بجميع الأرض حتى إن جميع المكشوف من البوادى والجبال والأرض بالإضافة إلى الماء كجزيرة صغيرة فى بحر عظيم وبقية الأرض مستورة بالماء قال النبي صلى الله عليه وسلم الأرض في البحر كالاصطبل في الأرض فانسب اصطبلا إلى جميع الأرض واعلم أن الأرض بالإضافة إلى البحر مثله وقد شاهدت عجائب الأرض وما فيها فتأمل الآن عجائب البحر فإن عجائب ما فيه من الحيوان والجواهر أضعاف عجائب ما تشاهده على وجه الأرض كما أن سعته أضعاف سعة الارض ولعظم البحر كان فيه من الحيوانات العظام ما ترى ظهورها فى البحر فتظن أنها جزيرة فينزل أنها جزيرة فينزل الركاب عليها فربما تحس بالنيران إذا اشتغلت فتتحرك ويعلم أنها حيوان وما من صنف من أصناف حيوان البر من فرس أو طير أو بقر أو إنسان إلا وفى البحر أمثاله وأضعافه وفيه أجناس لا يعهد لها نظير فى البر وقد ذكرت أوصافها فى مجلدات وجمعها أقوام عنوا بركوب البحر وجمع عجائبه ثم انظر كيف خلق الله اللؤلؤ ودوره في صدفه تحت الماء وانظر كيف أنبت المرجان من صم الصخور تحت الماء وإنما هو نبات على هيئة شجر ينبت من الحجر ثم تأمل ما عداه من العنبر وأصناف النفائس التي يقذفها البحر وتستخرج منه ثم انظر إلى عجائب السفن كيف أمسكها الله تعالى على وجه الماء وسير فيها التجار وطلاب الأموال وغيرهم وسخر لهم الفلك لتحمل أثقالهم ثم أرسل الرياح لتسوق السفن ثم عرف الملاحين موارد الرياح ومهابها ومواقيتها ولا يستقصى على الجملة عجائب صنع الله فى البحر فى مجلدات وأعجب من ذلك كله ما هو أظهر من كل ظاهر وهو كيفية قطرة الماء وهو جسم رقيق لطيف سيال مشف متصل الأجزاء كأنه شيء واحد لطيف التركيب سريع القبول للتقطيع كأنه منفصل مسخر للتصرف قابل للانفصال والاتصال به حياة كل ما على وجه الأرض من حيوان ونبات فلو احتاج العبد إلى شربة ماء ومنع منها لبذل جميع خزائن الأرض وملك الدنيا في تحصيلها لو ملك ذلك ثم لو شربها ومنع من إخراجها لبذل جميع خزائن الأرض وملك الدنيا في إخراجها فالعجب من الآدمي كيف يستعظم الدينار والدرهم ونفائس الجواهر ويغفل عن نعمة الله في شربة ماء إذا احتاج إلى شربها أو الاستفراغ عنها بذل جميع الدنيا فيها فتأمل في عجائب المياه والأنهار والآبار والبحار ففيها متسع للفكر ومجال وكل ذلك شواهد متظاهرة وآيات متناصرة ناطقة بلسان حالها مفصحة عن جلال بارئها معربة عن كمال حكمته فيها منادية أرباب القلوب بنغماتها قائلة لكل ذى لب أما ترانى وترى صورتى وتركيبى وصفات ومنافعى واختلاف حالاتى وكثرة فوائدى أتظن أنى كونت نفسى أو خلقنى أحد من جنسى أو ما تستحيى أن تنظر فى كلمة مرقومة من ثلاثة أحرف فتقطع بأنها من صنعة آدمى عالم قادر مريد متكلم ثم تنظر إلى عجائب الخطوط الإلهية المرقومة على صفحات وجهى بالقلم الإلهى الذى لا تدرك الأبصار ذاته ولا حركته ولا اتصاله بمحل الخط ثم ينفك قلبك عن جلالة صانعه

قسم V04/P442–V04/P443

وتقول النطفة لأرباب السمع والقلب لا للذين هم عن السمع معزولون توهمنى فى ظلمة الأحشاء مغموسة فى دم الحيض فى الوقت الذى يظهر التخطيط والتصوير على وجهى فينفش النقاش حدقتى وأجفانى وجبهتى وخدى وشفتى فترى التقويس يظهر شيئا فشيئا على التدريج ولا ترى داخل النطفة نقاشا ولا خارجها ولا داخل الرحم ولا خارجه ولا خبر منها للأم ولا للأب ولا للنطفة ولا للرحم فما هذا النقاش بأعجب مما نشاهده ينقش بالقلم صورة عجيبة لو نظرت إليها مرة أو مرتين لتعلمته فهل تقدر على أن تتعلم هذا الجنس من النقش والتصوير الذى يعم ظاهر النطفة وباطنها وجميع أجزائها من غير ملامسة للنطفة ومن غير اتصال بها لا من داخل ولا من خارج فإن كنت لا تتعجب من هذه العجائب ولا تفهم بها أن الذى صور ونقش وقدر لا نظير له ولا يساويه نقاش ولا مصور كما أن نقشه وصنعه لا يساويه نقش وصنع فبين الفاعلين من المباينة والتباعد ما بين الفعلين فإن كنت لا تتعجب من هذا فتعجب من عدم تعجبك فإنه أعجب من كل عجب فإن الذى أعمى بصيرتك مع هذا الوضوح ومنعك من التبيين مع هذا البيان جدير بأن تتعجب منه فسبحان من هدى وأضل وأغوى وأرشد وأشقى وأسعد وفتح بصائر أحبابه فشاهدوه فى جميع ذرات العالم وأجزائه وأعمى قلوب أعدائه واحتجب عنهم بعزه وعلائه فله الخلق والأمر والامتنان والفضل واللطف والقهر لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه ومن آياته الهواء اللطيف المحبوس بين مقعر السماء ومحدب الأرض يدرك بحس اللمس عند هبوب الرياح جسمه ولا يرى بالمين شخصه وجملته مثل البحر الواحد والطيور محلقة فى جو السماء ومستبقة سباحة فيه بأجنحتها كما تسبح حيوانات البحر فى الماء وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هبوب الرياح كما تضطرب أمواج البحر فإذا حرك الله الهواء وجعله ريحا هابة فإن شاء جعله نشرابين يدي رحمته كما قال سبحانه وأرسلنا الرياح لواقح فيصل بحركته روح الهواء إلى الحيوانات والنباتات فتستعد للنماء وإن شاء جعله عذابا على العصاة من خليقته كما قال تعالى إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر ثم انظر إلى لطف الهواء ثم شدته وقوته مهما ضغط فى الماء فالزق المنفوخ يتحامل عليه الرجل القوى ليغمسه فى الماء فيعجز عنه والحديد الصلب تضعه على وجه الماء فيرسب فيه فانظر كيف ينقبض الهواء من الماء بقوته مع لطافته وبهذه الحكمة أمسك الله تعالى السفن على وجه الماء وكذلك كل مجوف فيه هواء لا يغوص فى الماء لأن الهواء ينقبض عن الغوص فى الماء فلا ينفصل عن السطح الداخل من السفينة فتبقى السفينة الثقيلة مع قوتها وصلابتها معلقة فى الهواء اللطيف كالذى يقع فى بئر فيتعلق بذيل رجل قوى ممتنع عن الهوى فى البئر فالسفينة بمقعرها تتشبث بأذيال الهواء القوى حتى تمتنع من الهوى والغوص فى الماء فسبحان من علق المركب الثقيل فى الهواء اللطيف من غير علاقة تشاهد وعقدة تشد ثم انظر إلى عجائب الجو وما يظهر فيه من الغيوم والرعود والبروق والأمطار والثلوج والشهب والصواعق فهي عجائب ما بين السماء والأرض وقد أشار القرآن إلى جملة ذلك في قوله تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين وهذا هو الذي بينهما وأشار إلى تفصيله في مواضع شتى حيث قال تعالى والسحاب المسخر بين السماء والأرض وحيث تعرض للرعد والبرق والسحاب والمطر فإذا لم يكن لك حظ من هذه الجملة إلا أن ترى المطر بعينك وتسمع الرعد بأذنك فالبهيمة تشاركك فى هذه المعرفة فارتفع من حضيض عالم البهائم إلى عالم الملأ الأعلى فقد فتحت عينيك فأدركت ظاهرها فغمض عينك الظاهرة وانظر ببصيرتك الباطنة لترى عجائب باطنها وغرائب أسرارها وهذا أيضا باب يطول الفكر فيه إذ لا مطمع في استقصائه

قسم V04/P443–V04/P444

فتأمل السحاب الكثيف المظلم كيف تراه يجتمع في جو صاف لا كدورة فيه وكيف يخلقه الله تعالى إذا شاء ومتى شاء وهو مع رخاوته حامل للماء الثقيل وممسك له في جو السماء إلى أن يأذن الله فى إرسال الماء وتقطيع القشرات كل قطرة بالقدر الذي أراده الله تعالى وعلى الشكل الذى شاءه فترى السحاب يرش الماء على الأرض ويرسله قطرات متفاصلة لا تدرك قطرة منها قطرة ولا تتصل واحدة بأخرى بل تنزل كل واحدة فى الطريق الذى رسم لها لا تعدل عنه فلا يتقدم المتأخر ولا يتأخر المتقدم حتى يصيب الأرض قطرة قطرة فلو اجتمع الأولون والآخرون على أن يخلقوا منها قطرة أو يعرفوا عدد ما ينزل منها فى بلدة واحدة أو قرية واحدة لعجز حساب الجن والإنس عن ذلك فلا يعلم عددها الا الذى أوجدها ثم كل قطرة منها عينت لكل جزء من الأرض ولكل حيوان فيها من طير ووحش وجميع الحشرات والدواب ومكتوب على تلك القطرة بخط إلهى لا يدرك بالبصر الظاهر أنها رزق الدودة الفلانية التى فى ناحية الجبل الفلانى تصل إليها عند عطشها فى الوقف الفلانى هذا مع ما فى انعقاد البرد الصلب من الماء اللطيف وفى تناثر الثلوج كالقطن المندوف من العجائب التى لا تحصى كل ذلك فضل من الجبار القادر وقهر من الخلاق القاهر ما لأحد من الخلق فيه شرك ولا مدخل بل ليس للمؤمنين من خلقه إلا الاستكانة والخضوع تحت جلاله وعظمته ولا للعميان الجاحدين إلا الجهل بكيفيته ورجم الظنون بذكر سببه وعلته فيقول الجاهل المغرور إنما ينزل الماء لأنه ثقيل بطبعه وإنما هذا سبب نزوله ويظن أن هذه معرفة انكشفت له ويفرح بها ولو قيل له ما معنى الطبع وما الذى خلقه ومن الذى خلق الماء الذي طبعه الثقل وما الذى رقى الماء المصبوب فى أسافل الشجر إلى أعالى الأغصان وهو ثقيل بطبعه فكيف هوى إلى أسفل ثم ارتفع إلى فوق فى داخل تجاويف الأشجار شيئا فشيئا بحيث لا يرى ولا يشاهد حتى ينتشر فى جميع أطراف الأوراق فيغذى كل جزء من كل ورقة ويجرى إليها فى تجاويف عروق شعرية صغار يروى منه العرق الذى هو أصل الورقة ثم ينتشر من ذلك العرق الكبير الممدود فى طول الورقة عروق صغار فكأن الكبير نهر وما انشعب عنه جداول ثم ينشعب من الجداول سوق أصغر منها ثم ينتشر منها خيوط عنكبوتية دقيقة تخرج عن إدراك البصر حتى تنبسط فى جميع عرض الورقة فيصل الماء فى أجوافها إلى سائر أجزاء الورقة ليغذيها وينميها ويزينها وتبقى طراوتها ونضارتها وكذلك إلى سائر أجزاء الفواكه فإن كان الماء يتحرك بطبعه إلى أسفل فكيف تحرك إلى فوق فإن كان ذلك يجذب جاذب فما الذى سخر ذلك الجاذب وإن كان ينتهى بالآخرة إلى خالق السموات والأرض وجبار الملك والملكوت فلم لا يحال عليه من أول الأمر فنهاية الجاهل بداية العاقل ومن آياته ملكوت السموات والأرض وما فيها من الكواكب وهو الأمر كله ومن أدرك الكل وفاته عجائب السموات فقد فاته الكل تحقيقا فالأرض والبحار والهواء وكل جسم سوى السموات بالإضافة إلى السموات قطرة فى بحر وأصغر ثم انظر كيف عظم الله أمر السموات والنجوم في كتابه فما من سورة إلا وتشتمل على تفخيمها في مواضع وكم من قسم في القرآن بها كقوله تعالى والسماء ذات البروج والسماء والطارق والسماء

قسم V04/P444–V04/P445

ذات الحبك والسماء وما بناها وكقوله تعالى والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها وكقوله تعالى فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس وقوله تعالى والنجم إذا هوى فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم فقد علمت أن عجائب النطفة القذرة عجز عن معرفتها الأولون والآخرون وما أقسم الله بها فما ظنك بما أقسم الله تعالى به وأحال الأرزاق عليه وأضافها إليه فقال تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون وأثنى على المفكرين فيه فقال ويتفكرون في خلق السموات والأرض وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويل لمن قرأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته أى تجاوزها من غير فكر وذم المعرضين عنها فقال وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون فأى نسبة لجميع البحار والأرض إلى السماء وهى متغيرات على القرب والسموات صلاب شداد محفوظات عن التغير إلى أن يبلغ الكتاب أجله ولذلك سماه الله تعالى محفوظا فقال وجعلنا السماء سقفا محفوظا وقال سبحانه وبنينا فوقكم سبعا شدادا {وقال} أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها فانظر إلى الملكوت لترى عجائب العز والجبروت ولا تظنن أن معنى النظر إلى الملكوت بأن تمد البصر إليه فترى زرقة السماء وضوء الكواكب وتفرقها فإن البهائم تشاركك فى هذا النظر فإن كان هذا هو المراد فلم مدح الله تعالى إبراهيم بقوله وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض لا بل كل ما يدرك بحاسة البصر فالقرآن يعبر عنه بالملك والشهادة وما غاب عن الأبصار فيعبر عنه بالغيب والملكوت والله تعالى عالم الغيب والشهادة وجبار الملك والملكوت ولا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء وهو عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فأجل أيها العاقل فكر فى الملكوت فعسى يفتح لك ابواب السماء فتجول بقلبك فى أقطارها إلى أن يقوم قلبك بين يدي عرش الرحمن فعند ذلك ربما يرجى لك أن تبلغ رتبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال رأى قلبى ربى وهذا لأن بلوغ الأقصى لا يكون إلا بعد مجاوزة الأدنى وأدنى شىء إليك نفسك ثم الأرض التى هى مقرك ثم الهواء المكتنف لك ثم النبات والحيوان وما على وجه الأرض ثم عجائب الجو وهو ما بين السماء والأرض ثم السموات السبع بكواكبها ثم الكرسى ثم العرش ثم الملائكة الذين هم حملة العرش وخزان السموات ثم منه تجاوز إلى النظر إلى رب العرش والكرسي والسموات والأرض وما بينهما فبينك وبين هذه المفاوز العظيمة والمسافات الشاسعة والعقبات الشاهقة وأنت بعد لم تفرغ من العقبة القريبة النازلة وهى معرفة ظاهر نفسك ثم صرت تطلق اللسان بوقاحتك وتدعى معرفة ربك وتقول قد عرفته وعرفت خلقه ففي ماذا أتفكر إلى ماذا أتطلع فارفع الآن رأسك إلى السماء وانظر فيها وفي كواكبها وفى دورانها وطلوعها وغروبها وشمسها وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها ودؤوبها في الحركة على الدوام من غير فتور في حركتها ومن غير تغير في سيرها بل تجري جميعا في منازل مرتبة بحساب مقدر لا يزيد ولا ينقص إلى أن يطويها الله تعالى طى السجل للكتاب وتدبر عدد كواكبها وكثرتها واختلاف ألوانها فبعضها يميل إلى الحمرة وبعضها إلى البياض وبعضها إلى اللون الرصاصى ثم انظر كيفية أشكالها فبعضها على صورة العقرب وبعضها على صورة الحمل والثور والأسد والإنسان وما من صورة فى الأرض إلا ولها مثال فى السماء ثم انظر إلى مسير الشمس في فلكها في مدة سنة ثم هي تطلع في كل يوم وتغرب بسير آخر سخرها له خالقها ولولا طلوعها وغروبها لما اختلف الليل والنهار ولم تعرف المواقيت ولأطبق الظلام على الدوام أو الضياء على الدوام فكان لا يتميز وقت المعاش عن وقت الاستراحة فانظر كيف جعل الله تعالى الليل لباسا والنوم سباتا والنهار معاشا وانظر إلى إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل وإدخاله الزيادة والنقصان عليهما على ترتيب مخصوص

قسم V04/P445–V04/P446

وانظر إلى إمالته مسير الشمس عن وسط السماء حتى اختلف بسببه الصيف والشتاء والربيع والخريف فإذا انخفضت الشمس من وسط السماء فى مسيرها برد الهواء وظهر الشتاء وإذا استوت فى وسط السماء اشتد القيظ وإذا كانت فيما بينهما اعتدل الزمان وعجائب السموات لا مطمع في إحصاء عشر عشير جزء من أجزائها وإنما هذا تنبيه على طريق الفكر واعتقد على طريق الجملة أنه ما من كوكب من الكواكب إلا ولله تعالى حكم كثيرة فى خلقه ثم فى مقداره ثم فى شكله ثم فى لونه ثم فى وضعه من السماء وقربه من الكواكب التى بجنبه وبعده وقس على ذلك ما ذكرناه من أعضاء بدنك إذ ما من جزء إلا وفيه حكمة بل حكم كثيرة وأمر السماء أعظم بل لا نسبة لعالم الأرض إلى عالم السماء لا فى كبر جسم ولا فى كثرة معانيه وقس التفاوت الذى بينهما فى كثرة المعانى بما بينهما من التفاوت فى كبر الأرض فأنت تعرف من كبر الأرض واتساع أطرافها أنه لا يقدر آدمى على أن يدركها ويدور بجوانبها وقد اتفق الناظرون على أن الشمس مثل الأرض مائة ونيفا وستين مرة وفي الأخبار ما يدل على عظمتها ثم الكواكب التى تراها أصغرها مثل الأرض ثمانى مرات وأكبرها ينتهى إلى قريب من مائة وعشرين مرة مثل الأرض وبهذا تعرف ارتفاعها وبعدها إذ للعبد صارت ترى صغارا ولذلك أشار الله تعالى إلى بعدها فقال رفع سمكها فسواها وفى الأخبار أن ما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام فإذا كان مقدرا كوكب واحد مثل الأرض أضعافا فانظر إلى كثرة الكواكب ثم أنظر إلى السماء التى الكواكب مركوزة فيها وإلى عظمها ثم انظر إلى سرعة حركتها وأنت لا تحس بحركتها فضلا عن أن تدرك سرعتها لكن لا تشك أنها فى لحظة تسير مقدار عرض كوكب لأن الزمان من طلوع أول جزء من كوكب إلى تمامه يسير وذلك الكوكب هو مثل الأرض مائة مرة وزيادة فقد دار الفلك فى هذه اللحظة مثل الأرض مائة مرة وهكذا يدور على الدوام وأنت غافل عنه وانظر كيف عبر جبريل عليه السلام عن سرعة حركته إذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم هل زالت الشمس فقال لا نعم فقال كيف تقول لا نعم فقال من حين قلت لا إلى أن قلت نعم سارت الشمس خمسمائة عام فانظر إلى عظم شخصها ثم إلى خفة حركتها ثم انظر إلى قدرة الفاطر الحكيم كيف أثبت صورتها مع اتسع أكنافها فى حدقة العين مع صغرها حتى تجلس على الأرض وتفتح عينيك نحوها فترى جميعها فهذه السماء بعظمها وكثرة كواكبها لا تنظر إليها بل انظر إلى بارئها كيف خلقها ثم أمسكها من غير عمد ترونها ومن غير علاقة من فوقها وكل العالم كبيت واحد والسماء سقفه فالعجب منك أنك تدخل بيت غني فتراه مزوقا بالصبغ مموها بالذهب فلا ينقطع تعجبك منه ولا تزال تذكره وتصف حسنه طول عمرك وأنت أبدا تنظر إلى هذا البيت العظيم وإلى أرضه وإلى سقفه وإلى هوائه وإلى عجائب أمتعته وغرائب حيواناته وبدائع نقوشه ثم لا تتحدث فيه ولا تلتفت بقلبك إليه فما هذا البيت دون ذلك البيت الذى تصفه بل ذلك البيت هو ايضا جزء من الأرض التى هى أخس أجزاء هذا البيت ومع هذا فلا تنظر إليه ليس له سبب إلا أنه بيت ربك هو الذى انفرد ببنائه وترتيبه وأنت قد نسيت نفسك وربك وبيت ربك واشتغلت ببطنك وفرجك ليس لك هم إلا شهوتك أو حشمتك وغاية شهوتك أن تملأ بطنك ولا تقدر على أن تأكل عشر ما تأكله بهيمة فتكون البهيمة فوقك بعشر درجات

قسم V04/P446–V04/P447

وغاية حشمتك أن تقبل عليك عشرة أو مائة من معارفك فينافقون بألسنتهم بين يديك ويضمرون خبائث الاعتقادات عليك وإن صدقوك فى مودتهم إياك فلا يملكون لك ولا لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وقد يكون فى بلدك من أغنياء اليهود والنصارى من يزيد جاهه على جاهك وقد اشتغلت بهذا الغرور وغفلت عن النظر في جمال ملكوت السموات والأرض ثم غفلت عن التنعم بالنظر إلى جلال مالك الملكوت والملك وما مثلك ومثل عقلك إلا مثل النملة تخرج من جحرها الذى حفرته فى قصر مشيد من قصور الملك رفيع البنيان حصين الأركان مزين بالجوارى والغلمان وأنواع الذخائر والنفائس فإنها إذا خرجت من جحرها ولقيت صاحبتها لم تتحدث لو قدرت على النطق إلا عن بيتها وغذائها وكيفية ادخارها فأما حال القصر والملك الذى فى القصر فهى بمعزل عنه وعن التفكر فيه بل لا قدرة لها على المجاوزة بالنظر عن نفسها وغذائها وبيتها إلى غيره وكما غفلت النملة عن القصر وعن أرضه وسقفه وحيطانه وسائر بنيانه وغفلت أيضا عن سكانه فأنت أيضا غافل عن بيت الله تعالى وعن ملائكته الذين هم سكان عوانه فلا تعرف من السماء إلا ما تعرفه النملة من سقف بيتك ولا تعرف من ملائكة السموات إلا ما تعرف النملة منك ومن سكان بيتك نعم ليس للنملة طريق إلى أن تعرفك وتعرف عجائب قصرك وبدائع صنعة الصانع فيه وأما أنت فلك قدرة على أن تجول فى الملكوت وتعرف من عجائبه ما الخلق غافلون عنه ولنقبض عنان الكلام عن هذا النمط فإنه مجال لا آخر له ولو استقصينا أعمارا طويلة لم نقدر على شرح ما تفضل الله تعالى علينا بمعرفته وكل ما عرفناه قليل نزر حقير بالإضافة إلى ما عرفه جملة العلماء والأولياء وما عرفوه قليل نزر حقير بالإضافة إلى ما عرفه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وجملة ما عرفوه قليل بالإضافة إلى ما عرفه محمد نبينا صلى الله عليه وسلم وما عرفه الأنبياء كلهم قليل بالإضافة إلى ما عرفته الملائكة المقربون كإسرافيل وجبريل وغيرهما ثم جميع علوم الملائكة والجن والإنس إذا أضيف إلى علم الله سبحانه وتعالى لم يستحق أن يسمى علما بل هو إلى أن يسمى دهشا وحيرة وقصورا وعجزا أقرب فسبحان من عرف عباده ما عرف ثم خاطب جميعهم فقال وما أوتيتم من العلم إلا قليلا فهذا بيان معاقد الجمل التى تجول فيها فكر المتفكرين في خلق الله تعالى وليس فيها فكر في ذات الله تعالى ولكن يستفاد من الفكر فى الخلق لا محالة معرفة الخالق وعظمته وجلاله وقدرته وكلما استكثرت من معرفة عجيب صنع الله تعالى كانت معرفتك بجلاله وعظمته أتم وهذا كما أنك تعظم عالما بسبب معرفتك بعلمه فلا تزال تطلع على غريبه من تصنيفه أو شعره فتزداد به معرفة وتزداد بحسنه له توقيرا وتعظيما واحتراما حتى إن كل كلمة من كلماته وكل بيت عجيب من أبيات شعره يزيده محلا من قلبك يستدعى التعظيم له فى نفسك فهكذا تأمل في خلق الله تعالى وتصنيفه وتأليفه وكل ما في الوجود من خلق الله وتصنيفه والنظر والفكر فيه لا يتناهى أبدا وإنما لكل عبد منها بقدر ما رزق فلنقتصر على ما ذكرناه ولنضف إلى هذا ما فصلناه في كتاب الشكر فإنا نظرنا فى ذلك الكتاب فى فعل الله تعالى من حيث هو إحسان إلينا وإنعام علينا وفى هذا الكتاب نظرنا فيه من حيث أنه فعل الله فقط وكل ما نظرنا فيه فإن الطبيعي ينظر فيه ويكون نظره سبب ضلاله وشقاوته والموفق ينظر فيه فيكون سبب هدايته وسعادته

قسم V04/P447–V04/P448

وما من ذرة في السماء والأرض إلا والله سبحانه وتعالى يضل بها من يشاء ويهدي بها من يشاء فمن نظر في هذه الأمور من حيث إنها فعل الله تعالى وصنعه استفاد منه المعرفة بجلال الله تعالى وعظمته واهتدى به ومن نظر فيها قاصرا للنظر عليها من حيث تأثير بعضها فى بعض لا من حيث ارتباطها بمسبب الأسباب فقد شقى وارتدى فنعوذ بالله من الضلال ونسأله أن يجنبنا مزلة أقدام الجهال بمنه وكرمه وفضله وجوده ورحمته تم الكتاب التاسع من ربع المنجيات والحمد لله وحده وصلواته على محمد وآله وسلامه يتلوه كتاب ذكر الموت وما بعده وبه كمل جميع الديوان بحمد الله تعالى وكرمه كتاب ذكر الموت وما بعده وهو الكتاب العاشر من ربع المنجيات وبه اختتام كتاب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذى قصم بالموت رقاب الجبابرة وكسر به ظهور الأكاسرة وقصر به آمال القياصرة الذين لم تزل قلوبهم عن ذكر الموت نافرة حتى جاءهم الوعد الحق فأرداهم فى الحافرة فنقلوا من القصور إلى القبور ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود ومن ملاعبة الجوارى والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ فى التراب ومن أنس العشرة إلى وحشة الوحدة ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل فانظر هل وجدوا من الموت حصنا وعزا واتخذوا من دونه حجابا وحرزا وانظر هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا فسبحان من انفرد بالقهر والاستيلاء واستأثر باستحقاق البقاء وأذل أصناف الخلق بما كتب عليهم من الفناء ثم جعل الموت مخلصا للأتقياء وموعدا فى حقهم للقاء وجعل القبر سجنا للأشقياء وحبسا ضيقا عليهم إلى يوم الفصل والقضاء فله الإنعام بالنعم المتظاهرة وله الانتقام بالنقم القاهرة وله الشكر فى السموات والأرض وله الحمد فى الأولى والآخرة والصلاة على محمد ذي المعجزات الظاهرة والآيات الباهرة وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا أما بعد فجدير بمن الموت مصرعه والتراب مضجعه والدود أنيسه ومنكر ونكير جليسه والقبر مقره وبطن الأرض مستقره والقيامة موعده والجنة أو النار مورده أن لا يكون له فكر إلا فى الموت ولا ذكر إلا له ولا استعداد إلا لأجله ولا تدبير إلا فيه ولا تطلع إلا إليه ولا تعريج إلا عليه ولا اهتمام إلا به ولا حول إلا حوله ولا انتظار وتربص إلا له وحقيق بأن يعد نفسه من الموتى ويراها فى أصحاب القبور فإن كل ما هو آت قريب والبعيد ما ليس بآت وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ولن يتيسر الاستعداد للشيء إلا عند تجدد ذكره على القلب ولا يتجدد ذكره إلا عند التذكر بالإصغاء إلى المذكرات له والنظر في المنبهات عليه ونحن نذكر من أمر الموت ومقدماته ولواحقه وأحوال الآخرة والقيامة والجنة والنار ما لا بد للعبد من تذكاره على التكرار وملازمته بالافتكار والاستبصار ليكون ذلك مستحثا على الاستعداد فقد قرب لما بعد الموت الرحيل فما بقي من العمر إلا القليل والخلق عنه غافلون اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ونحن نذكر ما يتعلق بالموت في شطرين الشطر الأول في مقدماته وتوابعه إلى نفخة الصور وفيه ثمانية أبواب الباب الأول في فضل ذكر الموت والترغيب فيه الباب الثاني في ذكر طول الأمل وقصره الباب الثالث في سكرات الموت وشدته وما يستحب من الأحوال عند الموت الباب الرابع في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده الباب الخامس في كلام المحتضرين من الخلفاء والأمراء والصالحين الباب السادس في أقاويل العارفين على الجنائز والمقابر وحكم زيارة القبور الباب السابع في حقيقة الموت وما يلقاه الميت في القبر إلى نفخة الصور الباب الثامن فيما عرف من أحوال الموتى بالمكاشفة في المنام الباب الأول في ذكر الموت والترغيب في الإكثار من ذكره

قسم V04/P448–V04/P450

أعلم أن المنهمك في الدنيا المكب على غرورها المحب لشهواتها يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت فلا يذكره وإذا ذكر به كرهه ونفر منه أولئك هم الذين قال الله فيهم قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ثم الناس إما منهمك وإما تائب مبتدئ أو عارف منته أما المنهمك فلا يذكر الموت وإن ذكره فيذكره للتأسف على دنياه ويشتغل بمذمته وهذا يزيده ذكر الموت من الله بعدا وأما التائب فإنه يكثر من ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية فيفي بتمام التوبة وربما يكره الموت خيفة من أن يختطفه قبل تمام التوبة وقبل إصلاح الزاد وهو معذور في كراهة الموت ولا يدخل هذا تحت قوله صلى الله عليه وسلم من كره لقاء الله كره الله لقاءه فإن هذا ليس يكره الموت ولقاء الله وإنما يخاف فوت لقاء الله لقصوره وتقصيره وهو كالذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه فلا يعد كارها للقائه وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له لا شغل له سواه وإلا التحق بالمنهمك في الدنيا وأما العارف فإنه يذكر الموت دائما لأنه موعد لقائه لحبيبه والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب وهذا في غالب الأمر يستبطئ مجيء الموت ويحب مجيئه ليتخلص من دار العاصين وينتقل إلى جوار رب العالمين كما روي عن حذيفة أنه لما حضرته الوفاة قال حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم اللهم إن كنت تعلم أن الفقر أحب إلي من الغنى والسقم أحب إلى من الصحة والموت احب إلى من العيش فسهل على الموت حتى ألقاك فإذن التائب معذور في كراهة الموت وهذا معذور في حب الموت وتمنيه وأعلى منهما رتبة من فوض أمره إلى الله تعالى فصار لا يختار لنفسه موتا ولا حياة بل يكون أحب الأشياء إليه احبها إلى مولاه فهذا قد انتهى بفرط الحب والولاء إلى مقام التسليم والرضا وهو الغاية والمنتهى وعلى كل حال ففي ذكر الموت ثواب وفضل فإن المنهمك أيضا يستفيد بذكر الموت التجافي عن الدنيا إذ ينغص عليه نعيمه ويكدر عليه صفو لذته وكل ما يكدر على الإنسان اللذات والشهوات فهو من أسباب النجاة بيان فضل ذكر الموت كيفما كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا من ذكر هاذم اللذات ومعناه نغصوا بذكره اللذات حتى ينقطع ركونهم إليها فتقبلوا على الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم ما أكلتم منها سمينا وقالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله هل يحشر مع الشهداء أحد قال نعم من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة وإنما سبب هذه الفضيلة كلها أن ذكر الموت يوجب التجافي عن دار الغرور ويتقاضى الاستعداد للآخرة والغفلة عن الموت تدعو إلى الانهماك في شهوات الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم تحفة المؤمن الموت وإنما قال هذا لأن الدنيا سجن المؤمن إذ لا يزال فيها في عناء من مقاساة نفسه ورياضة شهواته ومدافعه شيطانه فالموت إطلاق له من هذا العذاب والإطلاق تحفة في حقه وقال صلى الله عليه وسلم الموت كفارة لكل مسلم واراد بهذا المسلم حقا المؤمن صدقا الذي يسلم المسلمون من لسانه ويده ويتحقق فيه أخلاق المؤمنين ولم يتدنس من المعاصي إلا باللمم والصغائر فالموت يطهره منها ويكفرها بعد اجتنابه الكبائر وإقامته الفرائض قال عطاء الخراساني مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجلس قد استعلى فيه الضحك فقال شوبوا مجلسكم بذكر مكدر اللذات قالوا وما مكدر اللذات قال الموت وقال أنس رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا من ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم كفى بالموت مفرقا وقال عليه السلام كفى بالموت واعظا وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فإذا قوم يتحدثون ويضحكون فقال اذكروا الموت أما والذي نفسي بيده لو تعلمون

قسم V04/P450–V04/P451

ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فأحسنوا الثناء عليه فقال كيف ذكر صاحبكم للموت قالوا ما كنا نكاد نسمعه يذكر الموت قال فإن صاحبكم ليس هنالك وقال ابن عمر رضي الله عنهما أتيت النبي صلى الله عليه وسلم عاشر عشرة فقال رجل من الأنصار من أكيس الناس وأكرم الناس يا رسول الله فقال أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم استعدادا له أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة أما الآثار فقد قال الحسن رحمه الله تعالى فضح الموت الدنيا فلم يترك لذى لب فرحا وقال الربيع بن خثيم ما غائب ينتظره المؤمن خيرا له من الموت وكان يقول لا تشعروا بي أحدا وسلوني إلى ربي سلا وكتب بعض الحكماء إلى رجل من إخوانه يا أخي أحذر الموت في هذه الدار قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده وكان ابن سيرين إذا ذكر عنده الموت مات كل عضو منه وكان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء فيتذا كرون الموت والقيامة والآخرة ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة وقال إبراهيم التيمى شيئان قطعا عني لذة الدنيا ذكر الموت والوقوف بين يدي الله عز وجل وقال كعب من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها وقال مطرف رأيت فيما يرى النائم كأن قائلا يقول في وسط مسجد البصرة قطع ذكر الموت قلوب الخائفين فوالله ما تراهم إلا والهين وقال أشعث كنا ندخل على الحسن فإنما هو النار وأمر الآخرة وذكر الموت وقالت صفية رضي الله تعالى عنها أن امرأة اشتكت إلى عائشة رضي الله عنها قساوة قلبها فقالت اكثري ذكر الموت يرق قلبك ففعلت فرق قلبها فجاءت تشكر عائشة رضي الله عنها وكان عيسى عليه السلام إذا ذكر الموت عنده يقطر جلده دما وكان داود عليه السلام إذا ذكر الموت والقيامة يبكي حتى تنخلع أوصاله فإذا ذكر الرحمة رجعت إليه نفسه وقال الحسن ما رأيت عاقلا قط إلا أصبته من الموت حذرا وعليه حزينا وقال عمر بن عبد العزيز لبعض العلماء عظني فقال لست أول خليفة تموت قال زدني قال ليس من آبائك أحد إلى آدم إلا ذاق الموت وقد جاءت نويتك فبكى عمر لذلك وكان الربيع بن خثيم قد حفر قبرا في داره فكان ينام فيه كل يوم مرات يستديم بذلك ذكر الموت وكان يقول لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة واحدة لفسد وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير إن هذا الموت قد نغص على أهل النعيم نعيمهم فاطلبوا نعيما لا موت فيه وقال عمر بن عبد العزيز لعنبسة اكثر ذكر الموت فإن كنت واسع العيش ضيقه عليك وإن كنت ضيق العيش وسعه عليك وقال أبو سليمان الداراني قلت لأم هرون أتحبين الموت قالت لا قلت لم قالت لو عصيت آدميا ما اشتهيت لقاءه فكيف أحب لقاءه وقد عصيته بيان الطريق في تحقيق ذكر الموت اعلم أن الموت هائل وخطره عظيم وغفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه وذكرهم له ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل بقلب مشغول بشهوة الدنيا فلا ينجع ذكر الموت في قلبه فالطريق فيه أن يفرغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة مخطرة أو يركب البحر فإنه لا يتفكر إلا فيه فإذا باشر ذكر الموت قلبه فيوشك أن يؤثر فيه وعند ذلك يقل فرحه وسروره بالدنيا وينكسر قلبه وأنجع طريق فيه أن يكثر ذكر أشكاله وأقرانه الذين مضوا قبله فيتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم ويتأمل كيف محا التراب الآن حسن صورهم

قسم V04/P451–V04/P452

وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم وكيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم وانقطعت آثارهم فمهما تذكر رجل رجلا وفصل في قلبه حاله وكيفية موته وتوهم صورته وتذكر نشاطه وتردده وتأمله للعيش والبقاء ونسيانه للموت وانخداعه بمواتاة الأسباب وركونه إلى القوة والشباب وميله إلى الضحك واللهو وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع والهلاك السريع وأنه كيف كان يتردد والآن قد تهدمت رجلاه ومفاصله وأنه كيف كان ينطق وقد أكل الدود لسانه وكيف كان يضحك وقد أكل التراب أسنانه وكيف كان يدبر لنفسه ما لا يحتاج إليه إلى عشر سنين في وقت لم يكن بينه وبين الموت إلا شهر وهو غافل عما يراد به حتى جاءه الموت في وقت لم يحتسبه فانكشف له صورة الملك وقرع سمعه النداء إما بالجنة أو بالنار فعند ذلك ينظر في نفسه أنه مثلهم وغفلته كغفلتهم وستكون عاقبته كعاقبتهم قال أبو الدرداء رضي الله عنه إذا ذكرت الموتى فعد نفسك كأحدهم وقال ابن مسعود رضي الله عنه السعيد من وعظ بغيره وقال عمر بن عبد العزيز ألا ترون أنكم تجهزون كل يوم غاديا أو رائحا إلى الله عز وجل تضعونه في صدع من الأرض قد توسد التراب وخلف الأحباب وقطع الأسباب فملازمة هذه الأفكار وأمثالها مع دخول المقابر ومشاهدة المرضى هو الذي يجدد ذكر الموت في القلب حتى يغلب عليه بحيث يصير نصب عينيه فعند ذلك يوشك أن يسند له ويتجافى عن دار الغرور وإلا فالذكر بظاهر القلب وعذبة اللسان قليل الجدوى في التحذير والتنبيه ومهما طاب قلبه بشيء من الدنيا ينبغي أن يتذكر في الحال أنه لا بد له من مفارقته نظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى فقال والله لولا الموت لكنت بك مسرورا ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى بكاء شديدا حتى ارتفع صوته الباب الثاني في طول الأمل وفضيلة قصر الأمل وسبب طوله وكيفية معالجته فضيلة قصر الأمل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح وخذ من حياتك لموتك ومن صحتك لسقمك فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غدا وروى علي كرم الله وجهه أنه صلى الله عليه وسلم قال إن أشد ما أخاف عليكم خصلتان اتباع الهوى وطول الأمل فأما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق وأما طول الأمل فإنه الحب للدنيا ثم قال إلا إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ويبغض وإذا أحب عبدا أعطاه الإيمان ألا إن للدين أبناء وللدنيا أبناء فكونوا من أبناء الدين ولا تكونوا

قسم V04/P452–V04/P453

من أبناء الدنيا ألا إن الدنيا قد ارتحلت مولية ألا إن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ألا وإنكم في يوم عمل ليس فيه حساب ألا وإنكم توشكون في يوم حساب ليس فيه عمل وقالت أم المنذر اطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات عشية إلى الناس فقال أيها الناس إما تستحون من الله قالوا وما ذاك يا رسول الله قال تجمعون مالا تأكلون وتأملون ما لا تدركون وتبنون ما لا تسكنون وقال أبو سعيد الخدري اشترى أسامة بن زيد من زيد ابن ثابت وليدة بمائة دينار إلى شهر فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ألا تعجبون من أسامة المشترى إلى شهر إن أسامة لطويل الأمل والذي نفسي بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي ولا رفعت طرفي فظننت أنى واضعه حتى أفيض ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى أغص بها من الموت ثم قال يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى والذي نفسي بيده إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يهريق الماء فيتمسح بالتراب فأقول له يا رسول الله إن الماء منك قريب فيقول ما يدريني لعلي لا أبلغه والبزاز بسند ضعيف وروي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ثلاثة أعواد فغرز عودا بين يديه والآخر إلى جنبه وأما الثالث فأبعده فقال هل تدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا الإنسان وهذا الأجل وذاك الأمل يتعاطاه ابن آدم ويختلجه الأجل دون الأمل وقال عليه السلام مثل ابن آدم وإلى جنبه تسع وتسعون منية إن اخطأته المنايا وقع في الهرم قال ابن مسعود هذا المرء وهذه الحتوف حوله شوارع إليه والهرم وراء الحتوف والأمل وراء الهرم فهو يؤمل وهذه الحتوف شوارع إليه فأيها أمر به أخذه فإن اخطأته الحتوف قتله الهرم وهو ينتظر الأمل قال عبد الله خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا وخط وسطه خطا وخط خطوطا إلى جنب الخط وخط خطا خارجا وقال أتدرون ما هذا قلنا الله ورسوله أعلم قال هذا الإنسان للخط الذي في الوسط وهذا الأجل محيط به وهذه الأعراض للخطوط التي حوله تنهشه إن اخطأه هذا نهشه هذا وذاك الأمل يعني الخط الخط الخارج وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنتان الحرص والأمل وفي رواية وتشب معه اثنتان الحرص على المال والحرص على العمر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل وقيل بينما عيسى عليه السلام جالس وشيخ يعمل بمسحاة يثير بها الأرض فقال عيسى اللهم أنزع منه الأمل فوضع الشيخ المسحاة واضطجع فلبث ساعة فقال عيسى اللهم اردد إليه الأمل فقام فجعل يعمل فسأله عيسى عن ذلك فقال بينما أنا أعمل إذ قالت لي نفسي إلى متى تعمل وأنت شيخ كبير فألقيت المسحاة واضطجعت ثم قالت لي نفسي والله لا بد لك من عيش ما بقيت فقمت إلى مسحاتي وقال الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلكم يحب أن يدخل الجنة قالوا نعم يا رسول الله قال قصروا من الأمل وثبتوا آجالكم بين أبصاركم واستحيوا من الله حق الحياء وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه اللهم إني أعوذ بك من دنيا تمنع خير الآخرة وأعوذ بك من حياة تمنع خير الممات وأعوذ بك من أمل يمنع خير العمل الآثار قال مطرف بن عبد الله لو علمت متى أجلي لخشيت على ذهاب عقلي ولكن الله تعالى من على عباده بالغفلة عن الموت ولولا الغفلة ما تهنأوا بعيش ولا قامت بينهم الأسواق

الأسئلة