Qur'an&Sunnah

Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye

قسم V02/P151–V02/P153

وروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان رسول الله آخر ما يقول حين ينام وهو واضع خده على يده اليمنى، وهو يرى أنه ميت في ليلته تلك: اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين، وأغني من الفقر". (فصل) ومن أنعم عليه بقيام الليل وفعل شيء من النوافل، فليجتهد في المداومة عليه من القدرة وعدم العذر . لما روى عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من عبد الله سبحانه عبادة ثم تركها ملالة مقته الله تعالى". وقالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا غلبه نوم أو مرض فلم يقم تلك الليلة، صلى من النهار أثنى عشرة ركعة". وفي الخبر "أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل". (فصل) ويستحب لمن قام من الليل للتهجد أن يقول : "الحمد لله الذي أحياني بعدما توفاني وإليه النشور". ويقرأ العشر من آخر آل عمران، ثم يستاك ويتوضأ، ثم يقول: سبحانك وبحمدك، # لا إله إلا أنت أستغفرك وأسألك التوبة، فاغفر لي وتب على إنك أنت التواب الرحيم. اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، واجعلني صبورا شكورا، واجعلني ممن يذكرك كثيرا ويسبحك بكرة وأصيلا، ثم يرفع رأسه إلى السماء ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، أنا عبدك وابن عبدك، ناصيتي بيدك، جار في حكمك، دل في قضاؤك، هذه يداي بما كسبت، وهذه نفسي بما اجترحت، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، علمت سوءا وظلمت نفسي، فاغفر لي ذنبي العظيم، إنك أنت ربي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ولا إله إلا أنت يا الله. فإذا قام إلى الصلاة متوجها فليقل: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، ثم ليسبح عشرا، وليحمد عشرا، وليهلل عشرا، وليكبر عشرا، وليقل: الله أكبر ذو الملكوت والجبروت، والكبرياء والعظمة، والجلال والقدرة، وإن شاء أن يقول هذه الكلمات فإنها مأثورة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قيامه للتهجد وهي: اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت بهاء السموات والأرض، ولك الحمد أنت زين السموات والأرض، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ومن عليهن، أنت الحق، ومنك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد -صلى الله عليه وسلم- حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اهدني لأحسن الأعمال، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت، أسألك مسألة البائس المسكين، وأدعوك دعاء المفتقر الذليل، فلا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رؤوفا رحيما يا خير المسئولين وأكرم المعطين. وأخبرنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة ابن عبد الرحمن، قال: سألت عائشة رضي الله عنها، بأي شيء كان يكبر ويفتح النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان يكبر ويفتح فيقول: اللهم رب جبريل # وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدني لما اختلفوا فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". (فصل) ويستحب إذا قام لصلاة الليل أن يفتح صلاته بركعتين خفيفتين

قسم V02/P153–V02/P155

، ولا يتناول شيئا من الطعام والشراب حتى يفرغ مما أنعم الله عليه من فعل الصلاة والتسبيح، لأنه إذا استيقظ من نومه يكون حامي القلب فارغ الهم، فإذا أكل أو شرب تغير قلبه عن هيئته وأظلم، فالأولى له أن يؤخر ذلك، إلا أن يكون قد نام جائعا وأفرطه الجوع، أو يخاف من جوع النهار في شهر رمضان، ويخاف طلوع الفجر، فإن المستحب تقديم الأكل. (فصل) ويستحب ألا ينام حتى يقرأ ثلثمائة آية ليدخل في زمن العابدين، ولم يكتب من الغافلين، فليقرأ سورة الفرقان والشعراء، فإن فيهما ثلثمائة آية، وإن لم يحسنهما قرأ سورة الواقعة ونون والحاقة وسورة الواقعة، أي سأل سائل، والمدثر، فإن لم يحسنهن فليقرأ سورة الطارق إلى خاتمة القرآن، فإنها ثلثمائة آية، فإن قرأ مقدار ألف آية كان أحسن وأكمل للفضل، وكتب له قنطار من الأجر، وكتب من القانتين، وذلك من سورة تبارك الذي بيده الملك إلى خاتمة القرآن: فإن لم يحسنها فليقرأ مائتين وخمسين مرة قل هو الله أحد بالبسملة، فإن مجموعها ألف آية. وينبغي له ألا يدع قراءة أربع سور في كل ليلة: ألم تنزيل، وسورة يس، وحم الدخان، وتبارك، وإن قرأ معها سورة الزمر والواقعة كان أحسن. وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا ينام حتى يقرأ السجدة وتبارك الملك، وفي خبر آخر: بني إسرائيل والزمر، وفي خبر آخر: المسبحات، ويقال: فيها آية أفضل من ألف آية. (فصل) والذي يستعان به على قيام الليل أشياء : منها أكل الحلال، والاستقامة على التوبة رغم خوف الوعيد، وشوق رجاء الموعود، ومنها أنه يجتنب أكل الشبهات والإصرار على الذنوب، ويدفع غلبة هم الدنيا وجها عن # القلب بذكر الموت، والتفكير في المعاد، وما يلقى بعد الموت. وقال رجل للحسن رحمه الله: يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهوري فما بالي لا أقوم؟ فقال: ذنوبك قيدتك. وقال الثوري رحمه الله: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته، قيل: وما هو؟ قال رأيت رجلا يبكي، فقلت في نفسي: هذا مراء. وكان الحسن رحمه الله يقول: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وصيام النهار. وقيل: كم من أكلة منعت قيام ليلة، وكم من نظرة حرمت قراءة سورة، وإن العبد ليأكل الأكلة، أو يفعل فعلة فحرم بها قيام السنة، فبحسن التفقد يعرف المزيد من النقصان، وبقلة الذنوب يوقف على التفقد. وقال أبو سليمان رحمه الله تعالى: لا يفوت أحدا صلاة جماعة إلا بذنب، وكان يقول: الاحتلام بالليل عقوبة، والجنابة البعد. ومنها: قلة الطعام والشراب، وخلو المعدة منها، لما روى عون بن عبد الله رحمه الله أنه قال: كان في بني إسرائيل ناس يتعبدون، فكان إذا كان فطرهم قام عليهم قائم فقال: لا تأكلوا كثيرا، فإنكم إذا أكلتم كثيرا نمتم كثيرا وإذا نمتم كثيرا صلتم قليلا. وقيل: إن كثرة النوم من كثرة شرب الماء. وقيل: إنه اتفق رأي سبعين صديقا وهم يقولون: إن كثرة النوم من كثرة شرب الماء. ومنها: أنه يلزم قلبه الهم والغم والحزن ويقظة دائمة، فيحيى بها القلب، ويديم الفكر في الملكوت، ويقيل في النهار، ولا يكثر تعب جوارحه في أمور الدنيا، فإن اختار أن يقوم أول الليل حتى يغلبه النوم، ثم ينام ثم يقوم متى استيقظ، ثم ينام متى غلبه النوم ثم يقوم آخر الليل، فيكون له في الليل قومتان ونومتان، فيكابد الليل فهو من أشد الأعمال وهي حالة الحضور واليقظة والفكر والتذكر، وقيل: إنها من أخلاق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد يكون للعابد في الليل قومات ونومات في تضاعيف ذلك، وإما أن يكون القيام والنوم موزونا عدلا فلا يكون ذلك إلا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فيكون قلبه دائم اليقظة، ووحي من الله سبحانه يؤمر به وينهى ويوقظ وينوم ويقلب ويحرك، خاص له ذلك دون بقية الخلق. (فصل) ويستحب لمن قام الليل أن ينام آخره لوجهين :

قسم V02/P155–V02/P157

أحدهما: أنه يذهب النعاس بالغداة، والنوم بالغداة مكروه، ولهذا كانوا يأمرون الناعس بالنوم بعد صلاة الصبح، ويمنعون قبلها، وقد ورد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت له هجعة بعد صلاة الفجر. والوجه الثاني: أن نوم آخر الليل يذهب صفرة الوجه، وإذا كابد نومه ولم ينم بقيت الصفرة بحالها. وينبغي أن يتقي ذلك لأنه باب غامض، وهو من الشهوة الخفية والشرك الخفي؛ لأنه يشار إليه بالأصابع، ويتوهم فيه الصلاح والسهر والصوم والخوف من الله عز وجل لأجل تلك الصفرة التي في وجهه، نعوذ بالله من الشرك الخفي والرياء، وكل أمارة تدل عليهما. وينبغي أن يقلل شرب الماء بالليل لما قدمنا من أنه يجلب النوم، ولأنه يكون منه صفرة الوجه، سيما في آخر الليل، وعند الانتباه من النوم، وفي الخبر "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أوتر من آخر الليل اضطجع على شقه الأيمن ضجعة حتى يأتيه بلال رضي الله عنه فيخرج معه إلى الصلاة". وقد كان السلف يستحبون هذه الضجعة بعد الوتر، وقبل صلاة الصبح حتى جعلها بعضهم سنة، وهو أبو هريرة رضي الله عنه ومن تابعه في ذلك. وإنما استحبوا ذلك لأنه مزيد لأهل المشاهدة والحضور، لأنهم يكشف لهم عن الملكوت ويضيء لهم أنواع العلوم من الجبروت، ويلقنون غرائب الحكم والعلوم، ويطلعون على ما غاب عنهم من الأقسام والحظوظ، وما أعدها لهم رب الخليقة علام الغيوب، وفي حق العمال وأهل المجاهدة راحة وسكون، ولذلك نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، يستريح فيها أهل أوراد الليل والنهار. وكذلك يستحب أن يفصل في تضاعيف صلاة الليل بجلوس يسبح فيه مائة تسبيحة، ليكون عونا على الصلاة، ولتسكن الجوارح، وتزول سآمة النفس للقيام، ويحبب إليها التهجد والصلاة، وهو داخل تحت قوله عز وجل: {ومن الليل فسبحه وأدبار النجوم} [الطور 49]، وقوله تعالى: {وأدبار السجود} [ق 4] أي أعقاب الصلاة. (فصل) فإن فاته قيام الليل بنوم أو شغل، فإن قضاه ما بين طلوع الشمس إلى زوالها كان كمن صلى في وقته في الليل : لما حدثنا به أبو نصر عن والده، بإسناده عن عبد الله بن غنم قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "اربع ركعات قبل الظهر بعد الزوال يحسبن بمثلهن من السحر". وفي لفظ آخر عن عمر رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من نام عن حزبه من الليل أو نسيه فقرأه من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، فكأنما قرأه في ليله". وعن بعض السلف أنه قال: اجتمع رأي آل محمد -صلى الله عليه وسلم- أن من صلى وقرأ ورده الذي فاته من الليل قبل الزوال كان كمن صلاه في الليل، وإن لم يقدر على ذلك فيقضيه ما بين الظهر والعصر، قال الله تعالى: {هو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} [الفرقان 62] أي جعلهما خلفتين يتعاقبان في الفصل، فيخلف أحدهما الآخر. (فصل) فقد تحصل من هذه الجملة أن أوراد الليل خمسة : أحدهما: ما بين العشائين. والثاني: ما بعد العشاء الأخير إلى وقت منامه. والثالث: جوف الليل. والرابع: الثلث الأخير. والخامس: وهو السحر الأخير إلى طلوع الفجر الثاني وهو القراءة والاستغفار وللتفكر والاعتبار دون الصلاة، لأنه لا يؤمن أ، تصادف صلاته طلوع الفجر، وهو الوقت المنهي عن الصلاة فيه، ولذا قال -صلى الله عيله وسلم-: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الفجر فأوتر بركعة توتر لك ما قبلها". اللهم إلا أن يكون قد نام عن وتره وورده، فإنه يصليها هذه الساعة على ما تقدم بيانه في فصل فعل الوتر. فصول أوراد النهار (فصل) وأما أوراد النهار فخمسة أيضا : أحدها: من وقت طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس. والثاني: صلاة الضحى وما كان في معناها إلى الزوال. والثالث: أربع ركعات بعد الزوال بقراءة حسنة وسلام واحد. وقيل: إن أبواب السماء تفتح لها.

قسم V02/P157–V02/P158

والرابع: ما بين الظهر والعصر. والخامس: بعد العصر إلى المغرب. (فصل) وأما الورد الأول من النهار : فيستحب الجلوس بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، يذكر الله تعالى فيه أما بتلاوة القرآن أو تسبيح أو تفكر أو تذكر أو تعليم أو جلوس إلى عالم، وكذلك بعد صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، لأنهما وقتان نهى عن التنفل بالصلاة فيهما، لما أخبرنا الشيخ أبو نصر عن والده، قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن شاذان، قال: أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الخطى، قال: حدثنا محمد بن يعقوب، قال: حدثنا هديبة بن خالد القيسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الشعبي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لأن أقعد مع قوم أذكر الله تعالى من صلاة الفجر حتى تطلع الشمس أكبر وأهلل أحب إلي من أن أعتق رقبتين، ولأن أذكر الله عز وجل من بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس أكبر وأهلل أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل". وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تناموا عن طلب أرزاقكم" قيل: يا أنس ما معنى قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا تناموا عن طلب أرزاقكم؟ قال: فإذا صليتم الفجر، فقولوا ثلاثا وثلاثين مرة الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وفي حديث آخر: يسبح ثلاثا وثلاثين مرة، ويحمد ثلاثا وثلاثين مرة، ويكبر أربعا وثلاثين مرة، ويختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير". هكذا يفعل بعد العصر وعند النوم. وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن عروة بن الزبير، عن أبيه رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، فقال رجل: يا رسول الله فمن لا يستطيع غزوا قال: من جلس حين يصلي المغرب يذكر الله تعالى حتى يصلي العشاء، كان مجلسه ذلك روحة في سبيل الله، ومن جلس حين يصلي الغداة يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس كانت مثل غدوة في سبيل الله". وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما من عبد يقول في دبر صلاة الغداة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، عشر مرات إلا كتب الله له بهن عشر حسنات، ومحا عنه بهن عشر سيئات، ورفع له بهن عشر درجات، كن عدل عشر رقاب، ولا يضره يومئذ ذنب يصيبه إلا أن يكون شركا. وما من عبد أحسن الوضوء فغسل وجهه كما أمر الله تعالى، إلا حط الله عنه كل ذنب نظرت إليه عيناه، أو تكلم به لسانه، وما من عبد غسل يديه كما أمر الله عز وجل إلا حد الله عنه ذنب بطشت به يداه، وما من عبد مسح رأسه وأذنيه إلا حط الله عنه ذنب استمعت إليه أذناه، ثم غسل رجليه كما أمره الله تعالى، إلا حط الله عنه كل ذنب مشت به رجلاه إلى خطيئة حتى يقوم إلى صلاته، فتكون تلك الصلاة فضيلة، وما من عبد نام على ذكر طاهرا، فأول ما ينتبه يدعو بدعوة غلا كانت دعوة مستجابة، وما من عبد رمى بسهم في سبيل الله عز وجل فأصاب أو أخطأ إلا أعطي به تحرير رقبة، وما من عبد شاب شيبة في سبيل الله، إلا أعطي بها نورا يوم القيامة، ومن أعتق رقبة كانت له فداء من نار جهنم، كل عضو بعضو".

قسم V02/P158–V02/P161

وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من صلى الغداة في مسجده ثم جلس يذكر الله تعالى # إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت حمد الله تعالى وقام فصلى ركعتين، أعطاه الله بكل ركعة ألف ألف قصر في الجنة، في كل قصر ألف ألف حوراء، مع كل حوراء ألف ألف خادم، وكان عند الله من الأوابين". وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى الفجر لم يقم من مجلسه حتى تمكنه الصلاة، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى الصبح وجلس في مجلسه حتى تمكنه الصلاة كانت بمنزلة حجة وعمرة متقبلتين" فكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا صلى الغداة جلس حتى تطلع الشمس، فقيل له: لم تفعل هذا؟ فقال: أريد به السنة. وحدثنا أبو نصر عن والده، فإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى الفجر في جماعة، ثم اعتكف إلى طلوع الشمس، ثم صلى أربع ركعات متوالية، يقرأ في أول ركعة بفاتحة الكتاب وآية الكرسي ثلاث مرات، و {قل هو الله أحد ...} سبع مرات، وفي الركعة الثانية فاتحة الكتاب مرة، {والشمس وضحاها ...}، وفي الركعة الثالثة فاتحة الكتاب، {والسماء والطارق ...}، وفي الركعة الرابعة فاتحة الكتاب مرة، وآية الكرسي مرة، و {قل هو الله أحد ...} ثلاث مرات، بعث الله تعالى إليه سبعين ملكا، من كل سماء عشرة أملاك، معهم أطباق من أطباق الجنة، ومناديل من مناديل الجنة، فيحملون تلك الصلاة على تلك الأطباق، ثم يصعدون بها، فلا يمرون بقوم من الملائكة إلا استغفروا لصاحبها، فإذا وضعت بين يدي الجبار قال الله تعالى: عبدي لي صليت، وإياي عبدت، فاستأنف العمل فقد غفرت لك". وهذه الصلاة هي تفسير ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ربه عز وجل قال: "يا ابن آدم صل لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره". وقد حمله بعضهم على صلاة الفجر فرضها ومسنونها، والصحيح ما ذكرنا. (فصل) وأما الورد الثاني: فصلاة الضحى . وهي صلاة الأوابين، وهل يستحب المداومة عليها أم لا؟ على وجهين عند أصحابنا. والأصل في ذلك ما حدثنا به أبو نصر عن والده، بإسناده عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "صلاة الضحى صلاة الأوابين". وبهذا الإسناد قال -صلى الله عليه وسلم-: "صلاة الضحى أكثر صلاة دواد عليه السلام". وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن بابا من أبواب الجنة يقال له الضحى، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين كانوا يصلون صلاة الضحى دائمين عليها، أدخلوهم برحمة الله". وكان الناس على عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي رضي الله عنهما يصلون صلاة الصبح، ثم ينتظرون الوقت الذي يصلى فيه صلاة الضحى فيصلونها في المسجد. وعن الضحاك بن قيس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لقد أتى علينا زمان لا ندري ما وجه هذه الآية {يسحبن بالعشي والإشراق} [ص: 18] حتى رأينا الناس يصلون الضحى. وقال ابن أبي مليكة رحمه الله: سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن صلاة الضحى فقال: إنها لفي كتاب الله تعالى ثم قرآ: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيه اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال}. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يصلي ركعتي الضحى، ولكن لا يدمن عليها، ولهذا لما سئل عكرمة عن صلاة ابن عباس رضي الله عنهما الضحى قال: كان يصليها اليوم ويدعها العشرة. وقال النخعي رحمه الله: كانوا يكرهون أن يديموا صلاة الضحى فيصلون ويدعون لئلا تكون كالمكتوبة. (فصل) وأما عدد صلاة الضحى، فأقلها ركعتان، وأعدلها ثمان ركعات، وأكثرها اثنتا عشرة ركعة .

قسم V02/P161–V02/P163

فأما الركعتان فما أخبرنا به الشيخ أبو نصر عن والده، بإسناده عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "في الإنسان ثلثمائة وستون مفصلا، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل كل يوم بصدقة، قالوا: ومن يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: النخامة يراها في المسجد فيدفنها، أو الشيء ينحيه عن الطريق، فإن لم يقدر فركعتا الضحى تجزيه". وحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أوصاني خليلي أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم- بثلاث: الوتر قبل النوم، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى. وروي أربع ركعات، وهو ما تقدم في الفصل الذي قبله من حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الحديث. وما روت معاذة عن عائشة رضي الله عنها "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى صلاة الضحى أربعا، ثم ست ركعات". وعن حميد الطويل عن أنس رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أنه كان يصلي الضحى ست ركعات، ثم ثمان ركعات". وعن عكرمة بن خالد عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: "لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الفتح، فتح مكة، نزل بأعلى مكة، فصلى ثمان ركعات، فقلت: يا رسول الله ما هذه الصلاة؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: صلاة الضحى" قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: وهو ثبت. والاختيار عند أهل العلم رحمهم الله ثماني ركعات. وكذلك روى أبو سعيد رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعن عائشة رضي الله عنها أيضا أنها صلت الضحى ثمان ركعات. وقال القاسم بن محمد رحمه الله: كانت عائشة رضي الله عنها تصلي الضحى ثمان ركعات وتطيل ذلك، وكانت إذا صلتها غلقت الباب عليها، ثم عشر ركعات إن اختارت، ثم ثنتا عشرة ركعة وهو أفضلها، لما حدثنا به أبو نصر عن والده، بإسناده عن حمزة بن موسى بن أنس بن مالك الأنصاري، عن عمه ثمامة بن أنس، عن جده أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله تعالى له قصرا من ذهب في الجنة". وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من صلى اثنتي عشرة ركعة من النهار بنى الله تعالى له بيتا في الجنة". وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا أبا ذر إن النهار اثنتا عشرة ساعة، فأعد لكل ساعة منها ركعة وسجدتين، يدرأ عنك ما فيها من ذنب، يا أبا ذر من صلى ركعتين لم يكن من الغافلين، ومن صلى أربعا كتب من الذاكرين، ومن صلى ستا لم يلحقه في يومه حنث إلا الشرك، ومن صلى اثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة، قلت: يا رسول الله أجمعا أم شتى؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: لا عليك". (فصل) وأما وقتها : فلها وقتان: جائز، وهو بعد طلوع الشمس إلى صلاة الظهر، ومستحب، وهو حين ترمض الفصال عند قرب الزوال. والدليل على استحبابها في هذا الوقت ما روي أن زيد بن أرقم رضي الله عنه رأى قوما يصلون الضحى في مسجد قباء، فقال: لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال". ويجوز فعلها أيضا بعد الزوال، لما روى عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ساعة السبحة حين تزول الشمس من كبد السماء". وهي صلاة # المخبتين، وأفضلها في شدة الحر وإن هو لم يصلها إلا أن صلى الظهر قضايا على وجه الاستحباب. (فصل) وأما الذي يقرأ فيها :

قسم V02/P163–V02/P165

فما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "صلاة الضحى بسورة والشمس وضحاها والضحى". وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى اثنتي عشرة ركعة صلاة الضحى، فقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، وآية الكرسي مرة، وثلاث مرات {قل هو الله أحد ...} نزل من كل سماء سبعون ألف ملك، معهم قراطيس بيض وأقلام من نور يكتبون له الحسنات إلى أن ينفخ في الصور، فإذا كان يوم القيامة أتته الملائكة مع كل ملك حلة وهدية، فيقومون على قبره ويقولون: يا صاحب القبر قم بإذن الله عز وجل فإنك من الآمنين". (فصل) وقد ورد عن بعض الصحابة رضي الله عنهم إنكار صلاة الضحى : من ذلك ما روى ابن المنادي من أصحابنا، بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ما صليت الضحى منذ أسلمت، إلا أن أطوف بالبيت، وإنها لبدعة ونعمت البدعة، وإنها لمن أحسن ما أحدثه الناس. وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول في صلاة الضحى: يا عباد الله لا تحملوا الناس ما لم يحملهم الله إياه، فإن كنتم لابد فاعلين فصلوها في بيوتكم. وكل هذا لا يدل على رد ما قدمنا ذكره من الفضائل الواردة في فعلها وإنما أرادوا بذلك لئلا تشبه بصلاة الفرض فيعتقد الناس وجوبها. وليس كل الناس سواء في نشاط العبادة فطلبوا الخفة عنهم، وتسهيل الطاعة عليهم، ولهذا المعنى روي عن عتبان بن مالك رضي الله عنه قال: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى في بيته سبحة الضحى، فقاموا وراءه فصلوا". وكانت عائشة رضي الله عنها إذا أرادت أن تصليها غلقت الباب، وابن عباس رضي الله عنهما كان يصليها يوما ويتركها عشرا. (فصل) وأما الورد الثالث: فالصلاة قبل الظهر وبعدها : حدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن أم حبيبة رضي الله عنها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من صلى أربع ركعات قبل الظهر وأربعا بعدها، حرم الله تعالى لحمه على النار". وقيل: إن أبواب السماء والجنة تفتح من بعد الزوال على أن يصلى الظهر، ولهذا قيل: إن الدعوات تستجاب في هذه الساعة، فيستحب ملازمة العبادة والدعاء والذكر فيها، وفي ذلك حديث مروي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: "إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يواظب على أربع ركعات قبل الظهر، فسئل فقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن أبواب الجنة تفتح عند زوال الشمس فلا ترتج حتى تقام الصلاة، فأحب أن أقدم". وسئلت عائشة رضي الله عنها: أي صلاة كانت أحب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يواظب عليها؟ فقالت رضي الله عنها: "كان يصلي أربعا قبل الظهر يطيل فيهن القيام، ويحسن فيهن الركوع والسجود". (فصل) وأما الورد الرابع: ففيما بين الظهر والعصر : حدثنا أبو نصر عن والده، قال: حدثنا أبو محمد، حدثنا عمر بن أحمد، قال: أنبأنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا صالح بن مالك، قال: حدثنا جعفر بن عمر، قال: حدثنا يونس بن أبي عمرة عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أحيا ما بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء غفر له وشفع له ملكان". وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يحيي ما بين الظهر والعصر، وعن إبراهيم النخعي رحمه الله أنه قال: كانوا يشبهون الصلاة بين العشاءين وفيما بين الظهر والعصر بصلاة الليل، كان ذلك دأب كثير من العباد فيصلون أورادهم بين الظهر والعصر، ينفردون عن الخلق وينقطعون إلى الحق في هذه الساعة، وهي ساعة شريفة للخلوة # بالرب عز وجل ذكره، وهي صلاة الغفلة.

قسم V02/P165–V02/P167

ويستحب العكوف في المسجد بين الظهر والعصر للصلاة والذكر، ليجمع بين الاعتكاف والانتظار للصلاة، وقد كان ذلك دأب السلف، إلا أن يكون قد فاته النوم قبل الزوال، فلينم في هذه الساعة ليتقوى به على قيام الليل، فإن نومه قبل الظهر لليلة الماضية وبعد الظهر لليلة المستقبلة. ولا يستحب أن يزيد في النوم على ثمان ساعات، وقيل إن نقص في النوم عن هذا المقدار اضطرب بدنه، لأن النوم قوت البدن وراحته. وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن سهيل عن أيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من صلى اثنتي عشرة ركعة كل يوم بنى الله له بيتا في الجنة، اثنتين قبل الفجر، وأربعا قبل الظهر، واثنتين قبل الظهر، واثنتين قبل العصر، واثنتين بعد المغرب". وعن سعيد بن المسيب عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزال المصلون لأربع قبل العصر حتى يغفر الله لهم مغفرة حتما"ز (فصل) وقد ورد حديث جامع للنوافل في هذه الأوقات ، وهو ما حدثنا به أبو نصر عن والده، قال: حدثنا محمد بن أحمد الحافظ، قال: حدثنا محمد بن بدر الحمامي، قال: حدثنا حماد بن مدرك، قال: حدثنا عثمان بن عبد الله الشامي، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، عن عبد الله بن أبي سعيد عن طاوس، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى بعد المغرب أربع ركعات قبل أن يكلم أحدا رفعت له في عليين، وكان كمن أدرك ليلة القدر في المسجد الأقصى". يعني مسجد بيت المقدس "وهي خير من قيام نصف ليلة"، وهي قول الله تبارك وتعالى: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} [الداريات: 17]، وهي قول الله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة: 16]، وهي قول الله تعالى: {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها} [القصص: 15]. ومن صلى أربعا بعد العشاء الآخرة، كان كمن أدرك ليلة القدر في المسجد الحرام". "ومن صلى أربعا قبل الظهر وأربعا بعدها حرم الله تعالى جسده على النار أن تأكله أبدا". "ومن صلى أربعا قبل العصر كتب له براءة من النار". وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ركعتا الفجر أحب إلى من الدنيا وما فيها". وحدثنا أبو نصر عن والده، بإسناده عن علي كرم الله وجهه أنه سئل عن تطوع النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ومن يطيق ذلك، كان يمهل حتى إذا كانت الشمس عن يساره مقدارها عن يمينه في العصر صلى ركعتين، فإذا كانت عن يساره مقدارها عن يمينه في الظهر صلى أربعا، فإذا زالت الشمس صلى أربعا، فيصلي بعد الظهر ركعتين وقبل العصر أربعا". وفي الجملة يغتنم العبد الصلاة بين الأذان والإقامة والدعاء والتضرع، فإنها ساعة مرجو إجابة الداعي فيها على ما تقدم. (فصل) وأما الورد الخامس، بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس . فهو الذكر من التسبيح والتهليل، والاستغفار والتفكر في الملكوت، وقراءة القرآن، لأن صلاة النافلة منهي عنها فيه، ويقرأ قبل غروب الشمس: {والشمس وضحاها ...}، {والليل إذا يغشى ...}، والمعوذتين يختم نهاره، ويستفتح ليله بالقرآن والاستعاذة. وروي عن الحسن رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال فيما يذكر من رحمة ربه عز وجل: أن الله تعالى قال: "يا ابن آدم اذكرني من بعد صلاة الفجر ساعة، وبعد صلاة العصر ساعة، أكفك ما بينهما". باب في الصلوات الخمس وبيان أوقاتها وأعدادها وسنتها وفضائلها (فصل) الصلوات المكتوبة خمس : الفجر وهي ركعتان، والظهر وهي أربع ركعات، والعصر وهي أربع ركعات، والمغرب وهي ثلاث ركعات، والعشاء الآخرة وهي أربع ركعات، فذلك سبع عشرة ركعة.

قسم V02/P167–V02/P169

وقد كانت فرضت خمسين صلاة ليلة أسري بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة المعراج، ثم أعيدت إلى خمس حكمة من الله عز وجل، يتبين بذلك التخفيف وسهولة ما أبقى مما أسقط عن عبادة المؤمنين، كما أسقط عنهم ثبوت واحد لعشرة من المشركين في القتال إلى ثبوت واحد لاثنين منهم، وكما أسقط تحريم الأكل والشراب والجماع بعد النوم في ليالي الصيام بقوله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} [البقرة: 187] بعد أن كان ذلك محرما عليهم. (فصل) والأصل في وجوبها : قوله عز وجل: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43]. والأصل في بيان أوقاتها آيات وأخبار: أما الآيات: فقوله عز وجل: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون} [الروم: 17 - 18]. فسبحان الله: أي صلوا الله حين تمسون صلاة المغرب والعشاء، وحسن تصبحون صلاة الفجر، وعشيا صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر. وقال عز وجل: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103]. وقال تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} [هود: 114]. وقال تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] أي عند غروبها، وقيل: عند زوالها. وقال جلت عظمته: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى} [طه: 130]. قال قتادة رحمه الله: قبل طلوع الشمس: هي صلاة الفجر، وقبل غروبها: صلاة العصر، ومن آناء الليل: صلاة المغرب والعشاء، وأطراف النهار: صلاة الظهر. وأما الأخبار: فما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أمني جبريل عليه السلام عند البيت، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت بقدر الشراك، ثم صلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى بين المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى بي العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، ثم صلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم صلى بين المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى بي العشاء إلى ثلث الليل الأول، ثم صلى بي الفجر حين أسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين من قبلك، فيما بين هذين الوقتين". وهذا الخبر هو أصل المواقيت. وفي هذا الباب أحاديث وردت كلها ترجع إلى معناه فلم تذكرها. (فصل: في ذكر من صلى هذه الصلوات أولا قبل نبينا -صلى الله عليه وسلم-) روي في بعض الأخبار "أن رجلا من الأنصار سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صلاة الفجر- من صلاها أولا؟ فأخبره أن من صلاها أولا آدم عليه السلام، والظهر صلاها إبراهيم عليه السلام حين نجاه الله تعالى من نار نمرود، والعصر صلاها يعقوب عليه السلام حين أخبره جبريل عليه السلام بسلامة يوسف عليهما السلام، والمغرب صلاها داود عليه السلام حين تاب الله عليه، وصلاة العتمة صلاها يونس ابن متى عليه السلام حين أخرجه الله من بطن الحوت كالفرخ الذي لا ريش له، فجاء جبريل عليه السلام فقال: إن الله تعالى يقرئك السلام ويقول لك: إني مستح منك كيف عذبتك في دار الدنيا، # فهل أنت راض عني؟ فقام فصلى أربع ركعات ثم قال: إني عن ربي راض، إني عن ربي راض". (فصل) وأول ما وجب من الصلوات على نبينا -صلى الله عليه وسلم- وأمر بفعلها، صلاة الفجر والمغرب ، فكان -صلى الله عليه وسلم- يصلي ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وهو قوله عز وجل: {وبسح بحمد ربك بالعشي والإبكار} [غافر: 55] إلى أن أسري به -صلى الله عليه وسلم- إلى السماء ليلة المعراج، ففرض عليه خمس صلوات على ما بينا. وصلاة الفجر هي أول صلاة النهار ثم الظهر.

قسم V02/P169–V02/P171

وإنما بدأ العلماء في بيان صفة الصلوات بالظهر اتباعا للسنة، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن عباس رضي الله عنهما "أمني جبريل عند البيت فصلى بي الظهر ... " إلى آخر الحديث، فبدأ ببيان وقتها، فجعل أول المواقيت وقتها، لأنها فرضت أولا. وقد بينا أن الفجر هي التي صلاها آدم عليه السلام، وهو أول نبي أرسل في الأرض من الإنس، فعلم أنها أول صلاة فرضت في الجملة. (فصل: في بيان وقت صلاة الفجر) فأول وقتها انصداع الفجر الثاني المعترض بالضياء في أقصى المشرق ذاهبا من القبلة إلى دبرها حتى يرتفع فيعم الأفق، وينتشر على رؤوس الجبال والقصور المشيدة، وآخر وقتها الإسفار النير الذي إذا سلم منها بدأ حاجب الشمس، وما بين هذين الوقتين وقت واسع. والمستحب أن تسمى هذه الصلاة صلاة الصبح أو الفجر ولا تسمى صلاة الغداة، لأن الله تعالى قال: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78] يعني صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فتحصل في آخر صحيفة ملائكة الليل وأول صحيفة ملائكة النهار عليهم السلام. والأفضل التغليس بها، خلاف ما قال الإمام أبو حنيفة من أن الإسفار بها أفضل. وإنما قلنا ذلك لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان النساء يخرجن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلين الفجر معه، ثم يرجعن متلفعات بمروطهن لا يعرفن # من الغلس". وعن إمامنا أحمد رحمه الله رواية أخرى: أن المعتبر بحال المأمومين، فإن أسفروا فالأفضل الإسفار لتكثير الجمع والثواب. وأما الفجر الأول فلا عبرة به، لأنه لا يحرم شيئا ولا يوجد شيئا لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الفجر فجران، فالذي تحل به الصلاة ويحرم فيه الأكل والشرب الذي ينتشر على رؤوس الجبال، وقال: هما فجران فالذي يسطع في السماء سطوعا فليس بشيء ولا يحل ولا يحرم ولكن الذي ينتشر على رؤوس الجبال هو الذي يحرم. وقد وصف بعض العلماء بالله عز وجل الفجرين وحدهما بحدين فقال: الفجر الأول، وهو بدو سلطان شعاع الشمس إذا ظهرت من وراء الأرض الخامسة ليسطع ضوؤها في وسط السماء حتى يقطع بمقدار بقاء الفجر الأول، فذلك الضياء الذي يظهر في السماء في الثلث الأخير من الليل هو الفجر الأول، ثم يعود سواد الليل كما كان، لأن الشمس تغرب في الفلك الأسفل المتجانف، وتحجبها الأرض السادسة، فيذهب ذلك الضوء الذي ظهر في السماء. وأما الفجر الثاني، فهو انشقاق شفق الشمس وهو بدو بياضها الذي تحت الحمرة، وهو الشفق الثاني، وهو أول سلطانها من آخر الليل وبعده طلوع قرص الشمس، وذلك أن الشمس إذا ظهرت على وجه أرض الدنيا التي هي السابعة وانفجر شعاعها من الفلك الأسفل، وهو ذيل السماء سترت عينها الجبال والبحار والأقاليم العالية، وظهر شعاعها منتشرا إلى وسط السماء عرضا مستطيرا. (فصل) وأما الظهر : فأول وقتها إذا زالت الشمس، وآخره إذا صار ظل كل شيء مثله، والأفضل تعجيلها إلا في شدة الحر، ومع الغيم في حق من أراد الخروج إلى الجماعة لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم". ولما روي عن بلال رضي الله عنه قال: "آذنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصلاة الظهر، فقال: أبرد، ثم أذنته ثانية فقال: أبرد، ثم آذنته ثالثة فقال: أبرد، حتى رأيت فيء التلول، ثم قال: إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا". وبيان معرفة الزوال أن الشمس إذا وقفت فهو قبل الزوال، فإذن زالت أقل القليل فذلك وقت الظهر. وجاء الحديث "أن الشمس إذا زالت بمقدار شراك فذاك وقت الظهر" فإذا صار ظل كل شيء مثله فهو آخر وقت الظهر وأول وقت العصر.

قسم V02/P171–V02/P173

فإذا أردت أن تعرف ذلك فقس الظل بأن تنصب عمودا، أو تقوم قائما في موضع من الأرض مستويا معتدلا، ثم علم على منتهى الظل بأن تخط خطا، ثم انظر أينقص أو يزيد، فإن رأيته ينقص علمت أن الشمس لم تزل بعد، وإن رأيته قائما لا يزيد ولا ينقص، فذلك قيامها وهو صف النهار لا تجوز الصلاة حينئذ، فإذا أخذ الظل في الزيادة فذلك زوال الشمس، فقس من حد الزيادة إلى طول ذلك الشيء الذي قست به طل الظل، فإذا بلغ إلى آخر طوله فهو آخر وقت الظهر، فإذا زاد شيئا يسيرا فقد دخل وقت العصر حتى يزيد الظل طول ذلك الشيء مرة أخرى، فذلك آخر وقت العصر، ثم يبقى وقت الضرورة إلى قبل غروب الشمس. وكذلك تفعل بقيامك فتعلم على موضع ظللت، فإن نقص علمت أنه لم تزل الشمس، وإن وقف فهو حال القيام، وإن زاد فهو الزوال. وأما معرفتك المثل بقيامك وطولك، فإن طولك سبع أقدام بقدمك سوى قدمك التي تقوم عليها، فإنك تقوم مستقبل الشمس بوجهك، ثم تأمر إنسانا يعلم طرف ظلك بعلامة، ثم تقيس من عقبك إلى تلك العلامة، فإن كان بينهما أقل من سبعة أقدام سوى ما زالت الشمس عليه من الظل، فتعلم أنك في وقت الظهر، وأن وقت العصر لم يدخل بعد، فإذا زاد الظل على سبع أقدام علمت دخول وقت العصر. (فصل) وهذا الذي ذكرنا من الأقدام ونصب العمود، يختلف في الشتاء والصيف ، فيزيد الظل وينقص، فالزيادة تكون في الشتاء، لأن الشمس تكون في مسامتة الشخص، لأنها تسير في ذيل السماء ولا ترتفع في الجو، ونقصانه يكون في الصيف لأن الشمس ترتفع إلى الجو فتشرف على الأشخاص، لأنها أول ما تصعد تكون من جانب السماء، فيمتد ظلها لمقابلة قرصها، فكلما صعدت قصر الظل إلى أن تنتهي في الارتفاع فتصير في كبد السماء، وهو حالة قيامها، فإذا أخذت في السيران وهو النزول نحو ما يلي مغربها، فيأخذ الظل في الطول وهو الزوال. وكذلك يختلف ذلك في البلدان، فما كان منها تحت وسط الفلك كمكة وما حواليها من البلدان قصر ظل الشمس فيه حتى لا يبقى للشخص ظل أصلا، وما كان بعيدا عن وسط الفلك كخراسان وما والاها من النواحي فإن ظل الشمس يطول صيفا وشتاء، فيكون صيفها كشتاء غيرها في طول الظل، فقد يزول في تلك البلاد على قدم واحد. (فصل: في معرفة الأقدام) اعلم أن أقل ما تزول عليه الشمس على ما ذكره القدماء من أهل هذا العلم في حزيران على قدمين، وأكثر ما تزول عليه في كانون على ثمانية أقدام، وتزول في أيلول على خمسة أقدام، وفي تشرين الأول على ستة أقدام، وفي تشرين الآخر على سبعة أقدام، وفي كانون الأول على ثمانية أقدام، وذلك منتهى قصر النهار، وطول الليل، وهو أكثر ما تزول عليه الشمس، ثم ينقص الظل ويزيد النهار، فتزول الشمس في كانون الآخر على سبعة أقدام، وتزول في شباط على ستة أقدام، وتزول في آذار على خمسة أقدام، وذلك استواء الليل والنهار، وتزول في نيسان على أربعة أقدام، وفي أيار على ثلاثة أقدام، وفي حزيران على قدمين، فذلك منتهى طول النهار وقصر الليل، وهو أقل ما تزول الشمس عليه، فيكون النهار خمس عشرة ساعة، والليل تسع ساعات، وتزول في تموز على ثلاثة أقدام، وفي آب على أربعة أقدام، وفي أيلول على خمسة أقدام، وفيه يستوي الليل والنهار. وروي عن سفيان الثوري رحمه الله أنه قال: "أكثر ما تزول عليه الشمس سبعة أقدام، وأقل ما تزول عليه قدم واحدة". وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كانت صلاتنا الظهر مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- # في الصيف على ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء على خمسة أقدام إلى ستة أقدام. (فصل) وذكر بعضهم صفة أخرى :

قسم V02/P173–V02/P174

فقال: تزول الشمس في تسعة عشر يوما من آذار وظل الإنسان ثلاثة أقدام، وكذلك كل شيء تنصبه، فإن الشمس تزول يومئذ وظل ذلك الشيء ثلاثة أسباعه، ثم ينقص الظل قدما حتى ينتهي طول النهار وقصر الليل في تسعة عشر من حزيران، فتزول الشمس يومئذ، وظل الإنسان نصف قدم وذلك أقل ما تزول عليه الشمس، ثم يزيد الظل، فكلما مضت ستة وثلاثون يوما، زاد الظل قدما حتى يستوي الليل والنهار في تسعة عشر ويما من أيلول، فنزول الشمس يومئذ والظل على ثلاثة أقدام، ثم يزيد الظل، فكلما مضى أربعة عشر يوما، زاد الظل قدما حتى ينتهي طول الليل وقصر النهار، وذلك في تسعة عشر يوما من كانون الأول، فنزول الشمس يومئذ على سبعة أقدام ونصف قدم، وذلك أكثر ما تزول الشمس عليه، ثم كلما مضى أربعة عشر يوما زاد الظل قدما، حتى ينتهي إلى تسعة عشر يوما من آذار، فذلك استواء اليل والنهار، وتزول الشمس على ثلاثة أقدام، وذلك دخول الصيف وزيادة الظل ونقصانه الذي ذكرناه في كل ستة وثلاثين يوما قدم في الصيف والقيظ، وزيادة في كل أ {بعة عشر يوما قدم في الربيع والشتاء. (فصل) وقد ذكر بعض شيوخنا لذلك صفة أخرى : وهو أن قال: تزول الشمس في حزيران كله على ثلاثة أقدام، والقدم سبع كل شخص منتصب، وأول وقت العصر فيه تسعة أقدام ونصف، وأول وقت الظهر في تموز كله أربعة أقدام، وأول وقت العصر فيه عشرة أقدام ونصف، وأول وقت الظهر في آب كله خمسة أقدام، وأول وقت العصر فيه أحد عشر قدما ونصف، وأول وقت الظهر في أيلول كله ستة أقدام، وأول وقت العصر فيه اثنا عشر قدما ونصف، وأول وقت الظهر في تشرين الأول كله سبعة أقدام، وأول وقت العصر فيه ثلاثة عشر قدما ونصف، وأول وقت الظهر في تشرين الآخر كله ثمانية أقدام، وأول وقت العصر فهي أربعة عشر قدما ونصف، وأول وقت الظهر في كانون الأول كله عشرة أقدام ونصف، وأول وقت العصر فيه سبعة عشر قدما سواء، وأول وقت الظهر في كانون الثاني كله تسعة أقدام، # وأول وقت العصر فيه خمسة عشر قدما، وأول وقت الظهر في شباط كله سبعة أقدام ونصف، وأول وقت العرص فيه أربعة عشر قدما ونصف، وأول وقت الظهر في آذار كله ستة أقدام، وأول وقت العصر فيه اثنا عشر قدما ونصف، وأول وقت الظهر في نيسان كله أربعة أقدام ونصف، وأول وقت العصر فيه أحد عشر قدما، وأول وقت الظهر في أيار كله ثلاثة أقدام ونصف، وأول وقت العصر فيه عشرة أقدام، فهذه مقادير ما تزول عليه الشمس في شهور السنة كلها، والله أعلم بما لا تدركه إحساسنا، ولا تنتهي نحو علومنا. (فصل) ومعرفة الزوال على هذه الصفات والتحديد ليس هو بأمر حتم . بل هي جهة من جهات الوصول إلى معرفة الزوال. وليس كل أحد يدرك ذلك، بل كل من غلب على ظنه ويقينه زوال الشمس وجب عليه فعل صلاة الظهر. وذلك أن الناس في الأوقات على ثلاثة أضرب: - من فرضه اليقين، وهو من يعرف الدقائق والساعات وسير الكواكب، يستدل بذلك ليحصل له يقين الوقت. - ومن فرضه الاجتهاد والتقدير بالعمل أو تقليد من يعمل، وهم الصناع الجهال بالأوقات، فإن اجتهدوا فقدروا بأعمالهم، مثل الخباز عادته أن يخبز العجنتين أو ثلاثة إلى الظهر، أو الطحان يطحن القفيز إلى الظهر، استظهر بالتأخير وصلى، لأن في يوم الغيم كان الوقت يقصر بغيبة الشمس فيغفل الإنسان عن مراعاة الوقت أو يتشاغل عنه، فإن سمع الأذان من عارف بالأوقات بنى على أذانه وصلى إذا علم أنه عارف بالأوقات أو أنه لا يؤذن إلا بإذن عارف للوقت. والثالث: من فرضه التحري والتأخير بجهده إلى أن يغلب على ظنه دخول الوقت، وهو المطمور والمحبوس في الأمكنة التي لا يتوصل إلى معرفة الوقت بدلالة ولا خبر ولا سماع ولا أذان لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".

قسم V02/P174–V02/P176

(فصل) ومعرفة الزوال على التحقيق أمر يدق ويصعب . وقد ورد في الحديث "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سأل جبريل عليه السلام. أزالت الشمس؟ فقال: لا، نعم، فقال: كيف هذا؟ فقال: من قولي لك: لا، نعم، قطعت الشمس من الفلك خمسين ألف فرسخ، فكأن النبي -صلى الله عليه وسلم- سأله عن زوالها على علم الله تعالى. لكنك إذا استقبلت القبلة فكانت الشمس على حاجبك الأيمن في الصيف فقد زالت الشمس بلا شك، فصل الظهر، فإذا صار ظل كل شيء مثله فهو وقت العصر، فإذا كانت الشمس على حاجبك الأيسر في الصيف أيضا وأنت مستقبل القبلة، فاعلم أنها لم تزل بعد، فإذا كانت بين عينيك فهو قيامها واستواؤها في كبد السماء، وقد يجوز أنها قد زالت إذا كانت في أول الشتاء وقصر النهار. وأما إذا كانت في أول الشتاء على حاجبك الأيمن فتكون قد زالت في جميع الأزمنة، لأنه إذا كان ذلك في الصيف فهو أول وقت الظهر، وإن كان في الشتاء فهو آخر وقت الظهر، وإذا كانت على حاجبك الأيسر في الشتاء فقد يجوز أنها قد زالت لقصر النهار في أول الشتاء، ولا يجوز في أول الصيف لامتداد النهار وطوله، وإذا كانت بين عينيك في الشتاء فقد زالت بلا شك، فإذا صارت إلى حاجبك الأيمن فهو آخر وقت الظهر، وهذا لأهل إقليم العراق وخراسان الذين يصلون إلى الركن الأسود وباب البيت من جهة الكعبة، وأما أهل اليمن والمغرب ومن يليهم، فعلى ضد ذلك، لأنهم يصلون إلى الركن اليماني ومؤخر الكعبة، فلذلك اختلف التقدير. (فصل) فإذا عرفت الزوال وأردت أن تعرف القبلة فاجعل ظلك على يسارك ، فإنك تكون حينئذ مستقبل القبلة فاعلم ذلك مختصرا بلا تعب. وإنما طولت في ذكر معرفة الزوال لأنه أشكل الأوقات وأدقها، وقد ورد ذكر الأقدام في خبر ابن مسعود رضي الله عنه، والتنبيه على معرفة ذلك على ما تقدم بيانه والله أعلم. (فصل) وأما وقت العصر ، فأوله على ما ذكرنا أدنى زيادة على المثل، وآخر وقتها إذا صار الظل مثليه، ووقت الضرورة إلى قبل أن تغيب الشمس، وقد تقدم ذكره والأفضل تعجيلها. (فصل) وأما صلاة المغرب فإذا غربت الشمس، وهو إذا تدلى حاجب الشمس الأعلى، وهو غيبتها عن الأبصار دخل وقتها، ولها وقتان: أحدهما الغروب، والثاني # غيبوبة شفق الشمس وهو الحمرة في أصح الروايتين. (فصل) فإذا غاب الشفق دخل وقت العشاء الآخرة ، ووقت الفضيلة مبقى إلى ثلث الليل في إحدى الروايتين، والثانية إلى نصف الليل، ووقت العذر والضرورة ما لم يطلع الفجر الثاني. ولها اسمان. أحدهما عتمة، والثانية العشاء الآخرة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "؟؟؟؟؟؟ الأعراب على اسم صلاتكم هذه فسموها عتمة" يعني أن اسمها العشاء الآخرة، والأعراف يسمونها عتمة، فوافقوهم في ذلك، والأفضل تأخيره إلى آخر وقتها، وهو الثلث الأول أو النصف الأول على ما ذكرنا، وأفضل ما صليت إذا غاب البياض الغربي وأظلم مكانه، وهو الشفق الثاني، فيؤخر إلى ربع الليل أو الثلث أو النصف، كل ذلك ما لم ينم المصلي قبل أن يصليها، فإنه يكره النوم عنها، فمن خاف غلبة النوم، فالأفضل أن يصليها ثم ينام، ولهذا الأفضل عند الشافعي رحمه الله أن يصلي في أول الوقت. وإنما قلنا الأفضل تأخيرها لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أعتموا بالعتمة". وخرج -صلى الله عليه وسلم- ليلة وقد أعتم فقال: "لولا أن أشق على أمتي أمرتهم أن يصلوها" هكذا فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أخرها وحث على تأخيرها. (فصل) وأما السنن الراتبة مع هذه الصلوات الخمس فثلاث عشرة ركعة :

قسم V02/P176–V02/P178

ركعتان قبل صلاة الفجر، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء الأخرة، ويوتر بثلاث، وهو مخير إن شاء صلاها بتسليمه واحدة كصلاة المغرب، وإن شاء فصل بينها، فيسلم عن كل ركعتين، ويوتر بالآخرة، وهو الأفضل، فيقرأ في الأولى من الثلاث بعد الفاتحة {سبح اسم ربك الأعلى ...}، وفي الثانية ب {قل يا أيها الكافرون ...}، وفي الثالثة بعد الفاتحة ب {قل هو الله أحد ...}، ويقرأ في أول الركعتين من سنة الفجر ب {قل يا أيها الكافرون ...}، وفي الثانية ب {قل هو الله أحد ...}، ويستحب فعلها في منزله، ثم يخرج، ويستحب # الاشتغال بذكر الله تعالى وترك الكلام إلا أن يكون واجبا بعد أن يصليها حتى يدخل في الفريضة، والقراءة في الركعتين بعد المغرب كالقراءة في ركعتي الفجر، روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكثر من عشرين مرة يقرأ في الركعتين بعد المغرب: {قل يا أيها الكافرون ...}، و {قل هو الله أحد ...} ". وروي عن طاوس رحمه الله أنه كان يقرأ في الأولى منهما: {آمن الرسول ...}، وفي الثانية: {قل هو الله أحد ...}. ويستحب تعجيلها لما روي حذيفة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "عجلوا بالركعتين بعد المغرب ليرفعا مع المكتوبة" فيستحب تخفيفها لذلك. وفي حديث آخر قال -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى ركعتين بعد المغرب قبل أن يتكلم رفعت صلاته في عليين". وقد جاء ما يدل على استحباب تطويلهما، وهو ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد". وروي كذلك عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: "أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصليت معه صلاة المغرب، ثم قام فصلى إلى العشاء الآخرة، ثم انتقل إلى منزله". وقد ورد أيضا أن الاستحباب في فعلها في المنزل، وهو ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي الركعتين اللتين بعد المغرب في بيتها". وكذلك عن أم حبيبة رضي الله عنها. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يصلي ركعتين بعد المغرب إلى في بيته". وروى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: "لقد أدركت زمان عثمان بن عفان رضي الله عنه وإنه ليسلم من المغرب، وما أرى رجلا واحدا يصليهما يعني الركعتين في المسجد، بل كانوا يبتدرون باب المسجد فيخرجون فيصلونها في بيوتهم". (فصل: في فضائل الصلوات الخمس) روي عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل كل يوم منه خمس مرات هل يبقى من دونه شيء؟ قالوا: لا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله تعالى بها الخطايا". وعن أبي ثعلبة القرظي قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يحترقون فإذا صلوا الصبح غسلت الصلاة ما كان قبلها، ثم يحترقون فإذا صلوا الظهر غسلت الصلاة ما كان قبلها، فإذا حضرت صلاة العصر غسلت ما كان قبلها، حتى ذكر -صلى الله عليه وسلم- الصلوات الخمس".

قسم V02/P178–V02/P180

وعن الحرث مولى عثمان بن عفان رحمه الله قال: "جلس عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم دعا بماء فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ وضوئي هذا، ثم قال: فمن توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى الظهر غفر له ما بينها وبين صلاة الصبح، ثم قام فصلى صلاة العصر غفر له ما بينها وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء الآخرة غفر له ما بينها وبين صلاة المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليله، ثم إذا قام فصلى الصبح غفر له ما بينها وبين العشاء الآخرة، فإن الحسنات يذهبن السيئات، قالوا: هذه الحسنات، فما الباقيات الصالحات؟ قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". وعن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الصلاة مرضاة الرب، وحب الملائكة، وسنة الأنبياء صلوات الله عليهم، ونور المعرفة، وأصل الإيمان، وإجابة الدعاء، وقبول الأعمال، وبركة في الرزق، وراحة الأبدان، وسلاح على الأعداء، وكراهية الشيطان، وشفيع بن صاحبها وبين مالك السموات، وسراج في قبره، وفراش تحت جنبه، وجواب منكر ونكير، ومؤنس زائر معه في قبره إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة كانت الصلاة ظلا فوقه، وتاجا على رأسه، ولباسا على بدنه، ونورا يسعى بين يديه، وسترا بينه وبين النار، وحجة المؤمنين بين يدي الرب عز وجل، وثقلا في الميزان، وجوازا على الصراط، ومفتاحا للجنة، لأن الصلاة تسبيح وتحميد وتقديس وتعظيم وقراءة ودعاء، وإن أفضل الأعمال كلها الصلاة لوقتها". وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "الصلوات الخمس عماد الدين، لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة". وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله كم افترض الله عز وجل على عباده من الصلوات؟ قال: خمس صلوات، قال: فهل قبلهن أو بعدهن شيء؟ قال: افترض الله عباده صلوات خمسا ليس قبلهن أو بعدهن شيء، فحلف الشل بالله لا يزيد عليهن ولا ينقص منه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن صدق دخل الجنة". وعن تميم الداري رضي الله عنه: قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن هو أكملها كتبت له كاملة، وإن لم يكن أكملها قال الله عز وجل للملائكة: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فأكملوا له ما ضيع من ذلك". وعن أنس بن حكيم الضبي قال: لي أبو هريرة رضي الله عنه: إذا أتيت أهلك فأخبرهم أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أول ما يحسب به العبد يوم القيامة صلاته المكتوبة، فإن أتمها وإلا نظر فإن كان له تطور أكملت الفريضة بها، ثم يفعل # بسائر الأعمال كذلك". وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأول ما افترض الله تعالى على هذه الأمة الصلاة". (فصل: في الخروج إلى المسجد، وفضل الجماعة والخشوع في الصلاة) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا توضأ العبد ثم خرج إلى المسجد كتب الله عز وجل بكل خطوة حسنة، ومحا عنه سيئة، ورفع له درجة، ويستبشر الله تعالى به كما يستشر بالغائب الطوير غيبة إذا قدم على أهله". وعن ابن عثمان النهدي عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يقول الله عز وجل: من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم زارني في بيت من بيوتي فإياي زار وحق على المزور أن يكرم الزائر". وعن سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "جاء جبريل إلى النبي عليهما السلام فقال: بشر المشائين في ظلم الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة".

قسم V02/P180–V02/P182

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من مشى في ظلم الليل إلى المساجد أتاه الله تعالى نورا يوم القيامة". وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "صلاة # الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة". وعن نافع عن ابن عمرو رضي الله عنهما قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما بين صلاة الجماعة والفذ سبع وعشرون درجة". وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يا عثمان بن مظعون من صلى الصبح في جماعة كانت له حجة مبرورة وعمرة متقبلة، يا عثمان من صلى الظهر في جماعة كان له خمس وعشرون صلاة كلها مثلها وسبعون درجة في جنة الفردوس، يا عثمان من صلى العصر في جماعة ثم ذكر الله تعالى حتى تغرب الشمس فكأنما أعتق نسمة من ولد إسماعيل، مع كل رجل منها اثنا عشر ألفا، يا عثمان من صلى المغرب في جماعة كانت له خمس وعشرون صلاة كلها مثلها، وسبعون درجة في جنة عدن، يا عثمان من صلى العشاء الآخرة في جماعة فكأنما قام ليلة القدر. ويستحب للرجل إذا أقبل إلى المسجد أن يقبل بخوف ووجل وخشوع وخضوع، وأن تكون عليه السكينة والوقار، وأن يحدث لنفسه فكرا وأدبا غير ما كان عليه، وفيه قبل ذلك من حالات الدنيا وأشغالها، وليخرج برغبة ورهبة وذل وتواضع وانكسار من غير عجب وتكبر وافتخار ورؤية الناس والخلق، وينوي بذلك التوجه إلى الله عز وجل إلى بيت من بيوته التي {أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 36 - 37] فما أدرك من الصلاة صلى مع الجماعة، وما فاته قضى، كذا جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا جاء أحدكم وقد أقيمت الصلاة فليمش على هينته، فليصل ما أدرك وليقض ما سبقه"، وفي لفظ آخر "فليمش وعليه السكينة والوقار". فليحذر العجب في المواظبة على العبادات والمداومة عليها، لأن ذلك يسقطه من عين الله عز وجل، ويبعده من قربه، ويعمى عليه حالته، ويزيل نور بصيرته وحلاوة ما كان يجده من قبل في عبادته، ويكدر صفاء معرفته، وربما رد عليه عمله وقصم، ولأنه روي أنه تبارك وتعالى لا يتقبل من المتكبرين عملا حتى يتوبوا. وقد جاء في الحديث: إن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام أحيا ليلة، فلما أصبح أعجب بقيام ليله فقال: نعم الرب رب إبراهيم، ونعم العبد إبراهيم فلما كان غداؤه لم يجد أحد يأكله معه، وكان -صلى الله عليه وسلم- يحب أن يأكل معه غيره، فأخرج طعامه إلى الطريق ليمر به مار فيأكل معه، فنزل ملكان من السماء فأقبلا نحوه فدعاهما إبراهيم عليه السلام إلى الغداء، فأجاباه، فقال لهما: تقدما بنا إلى هذه الروضة، فإن فيها عينا وفيها ماء فنتعدى عندها، فتقدموا إلى الروضة، فإذا العين قد غارت وليس فيها ماء، فاشتبه ذلك على إبراهيم عليه السلام واستحيا مما قال، إذ لم ير عين ماء، فقالا له: يا إبراهيم فادع ربك واسأله أن يعيد الماء في العين، فدعا الله عز وجل فلم ير شيئا فاشتد ذلك عليه، فقال لهما: ادعوا الله، فدعا أحدهما فرجع الماء في العين، ثم دعا الآخر فأقبلت العين، فأخبراه أنهما ملكان، وأن إعجابه بقيام ليله رد دعاءه عليه فلم يستجب له. فإذا كان هذا فعله عز وجل بخليله إبراهيم عليه السلام، فكيف فعله بغيره؟ بل يعتقد العبد أن جميع ما هو فيه من الطاعة والمسارعة إليها توفيق من الله ونعمة وفضل ورحمة ومنة، فليقم بين يديه عز وجل محترما خاضعا ذليلا، كأنه يشاهده، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

قسم V02/P182–V02/P184

وقد ورد في الحديث "أن الله عز وجل أوحى إلى عيسى ابن مريم عليهما السلام إذا قمت بين يدي فقم مقام الخائف الذليل الذام لنفسه فإنها أولى بالذم، وإذا دعوتني فادعني وأعضاؤك تنتفض" وكذلك روى أن الله تعالى أوحى مثل ذلك إلى موسى عليه السلام. وروي أن ابن سيرين رحمه الله كان إذا قام إلى الصلاة ذهب دمه وجهه خوفا من الله عز وجل وفرقا منه. وكان مسلم بن يسار رحمه الله إذا دخل في الصلاة لم يسمع حسا من صوت ولا غيره، اشتغالا بالصلاة وخوفا من الله عز وجل. وقال عامر بن عبد قيس: لأن تختلف الخناجر بين كتفي أحب إلي من أن أتفكر في شيء من أمر الدنيا، وأن في الصلاة. وقال سعد بن معاذ رضي الله عنه: ما صليت صلاة قط فحدثت نفسي فيها بشيء # من أمر الدنيا حتى انصرفت. وقال مجاهد رحمه الله: كان ابن الزبير رضي الله عنهما إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع. وكان وهب بن الورد رحمه الله إذا قام يصلي كأنما يطلع في جهنم. وكان عتبة الغلام رحمه الله إذا قام في الصلاة في الشتاء ينصب العرق منه، فسألوه في ذلك، فقال: حياء من الله عز وجل. وكان مسلم بن يسار رحمه الله يصلي فوقع الحريق في داره وهو في بيت منها، ففزع أهل البصرة حتى خرجوا فأطفأوه، فما عقل مسلم إلا بعد ما أطفأوها. وقيل: إنه أيضا كان يصلي في الجامع، فسقطت سارية إلى جنبه ففزع منها أهل اسوق وهو لم يعقل بها. وعن عمار بن الزبير رحمه الله: أنه كان يصلي ونعله بين يديه، وكان شسع نعله جديدا فالتفت في صلاته إلى الشسع، فلما فرغ من صلاته رمى بنعله ولم يلبس بعد ذلك نعلا حتى مات رحمه الله. وحكى عن الربيع بن خيثم رحمه الله أنه كان يصلي تطوعا وبين يديه فرس له يساوي عشرين ألف درهم، فجاء لص فحله وذهب به، فجاء الناس من الغداة يعزونه، فقال: أما إني كنت أرى من يحله، ولكن كنت في شيء أحب إلي منه، فلما كان في بعض النهار فإذا الفرس قد أقبل حتى قام بين يديه. وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أنه صلى في شملة سوداء فيها خيط أحمر فلما سلم قال: إن هذا الخيط ألهاني عن صلاتي". وقد وصف الله تعالى الخاشعين في الصلاة في قوله تعالى: {الذي هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 2]. قال الزهري رحمه الله: هو سكون المرء في صلاته، وقيل: هو الذي لا يعلم من عن يمينه وشماله في الصلاة لاشتغاله بالصلاة، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن في الصلاة شغلا". (فصل: في المحافظة عليها وما ورد من العقوبة على من ضيعها) روى الأعمش عن شقيق بن سلمة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا صلى العبد في أول الوقت صعدت إلى السماء، ولا نور حتى تنتهي إلى العرش، تستغفر لصاحبها إلى يوم القيامة وتقول: حفظك الله كما حفظني، وإذا صلى العبد في غير وقتها صعدت إلى السماء لا نور لها، فتنتهي إلى السماء فتلف كما يلف الثوب الخلق، فيضرب بها وجهه ثم تقول: ضيعك الله كما ضيعتني". وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من توضأ فأبلغ الوضوء، ثم قام إلى الصلاة فأتم ركوعها وسجودها والقراءة فيها قالت الصلاة: حفظك الله كما حفظتني، ثم صعد بها إلى السماء ولها ضوء ونور، فتفتح لها أبواب السماء حتى تنتهي إلى الله عز وجل، فتشفع لصاحبها، وإذا ضيع ركوعها وسجودها والقراءة فيها: قالت الصلاة: ضيعك الله كما ضيعتني، ثم صعد بها ولها ظلمة حتى تنتهي إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها".

قسم V02/P184–V02/P186

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلوات لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله عز وجل". وعن إبراهيم بن أبي محذورة المؤذن عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أول الوقت رضوان الله، وأوسط الوقت رحمة الله، وآخر الوقت عفو الله". وقال الله تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} [الماعون: 4 - 5]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "والله ما تركوها ولكن أخروها عن أوقاتها". وقال سعد رضي الله عنه: "سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قوله عز وجل: {الذين هم عن صلاتهم ساهون} قال -صلى الله عليه وسلم-: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها". وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما في قوله تعالى: {أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} [مريم: 59] قال: هو واد في جهنم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يدخله إلى من أشاع أوقات صلاته. وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه ذكر الصلاة يوما فقال: "من حافظ عليها كانت نورا له وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة من النار، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بي خلف". وعن الحرث عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من تهاون بصلاته فإن الله عز وجل يعاقبه بخمس عشرة عقوبة: ست منها قبل الموت، وثلاث عند الموت، وثلاث في القبر، وثلاث عند خروجه من القبر. فأما الست التي قبل الموت فأولها: أنه يرفع عنه اسم الصالحين، والثانية ترفع عنه بركة الحياة، والثالثة ترفع عنه بركة الرزق، والرابعة لا يقبل منه شيء من أعمال الخير حتى يكمل صلاته، والخامسة لا يستجاب دعاؤه، والسادسة لا يجعل له في دعاء الصالحين نصيبا. وأما الثلاث التي عند الموت، فأولها: يموت عطشانا ولو صبت في حلقة سبعة أبحر ما روى، والثانية أنه يموت بغتة، والثالثة كأنه قد أثقل بحديد الدنيا وخشبها وأحجارها عرى رقبته وكتفه. وأما الثلاث التي في القبر: فيضيق عليه قبره، والثانية يظلم عليه القبر، والثالثة يصير عييا بالقول. وأما الثلاث التي عند خروجه من القبر فأولها: يلقي الله عز وجل وهو عليه غضبان، والثانية يكون حسابه شديدا، والثالثة رجوعه من بين يدي الله عز وجل إلى النار إلا أن يعفو الله عنه". (فصل) الصلاة خطرها عظيم، وأمرها جسيم ، وبالصلاة أمر الله تبارك وتعالى رسوله محمدا -صلى الله عليه وسلم- وأول ما أوحى الله بالنبوة، ثم بالصلاة قبل كل عمل، وقبل كل فريضة في آيات كثيرة: منها قوله تعالى: {اتل ما أوحي أليك من الكتاب وأقم الصلاة} [العنكبوت: 45]. وقال عز وجل: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45]. وقال جل وعلا: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك} [طه: 132]. وخاطب جميع المؤمنين فأمرهم بالاستعانة على طاعاته كلها، بالصبر والصلاة، فقال: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} [البقرة: 153] {وسلاما على إبراهيم ...} [الأنبياء: 69] إلى قوله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ...} [الأنبياء: 72] إلى قوله: {وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} [الأنبياء: 73] فذكر الخيرات كلها جملة وهي جميع الطاعات مع اجتناب جميع المعاصي، فأفرد الصلاة بالذكر وأوصاهم بها خاصة. وبالصلاة أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته عند خروجه من الدنيا، فقال: "الله الله الله في الصلاة وفيما ملكت أيمانكم" فهي آخر وصيته -صلى الله عليه وسلم-. وجاء في الحديث "أنها آخر وصية كل نبي لأمته، وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا".

قسم V02/P186–V02/P188

فالصلاة أول فريضة فرضت عليه -صلى الله عليه وسلم- وعلى أمته، وهي آخر ما أوصى به أمته وآخر ما يذهب من الإسلام، وأول ما يسأل العبد عنه من عمله يوم القيامة، وهي عمود الإسلام وليس بعد ذهابها دين ولا إسلام. وجاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة، وليصلين أقوام لا خلاق لهم". فتارك الصلاة يكفر عند إمامنا أحمد رحمه الله إذا تركها جاحدا لوجوبها ووجب # قتله لا خلاف في مذهبه، وأما إن تركها تهاونا وكسلا مع اعتقاد وجوبها ودعى ليفعلها، فإن لم يفعلها حتى تضايق الوقت الذي يليها كفر وقتل بالسيف لكفره، وبعد أن ستتاب ثلاثة أيام كالمرتد في الحالتين، ويكون ماله فيئا يوضع في بيت مال المسلمين، ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وعنه: لا يجب قتله في التهاون حتى يترك ثلاث صلوات ويتضايق وقت الرابعة، ويقتل حدا كالزاني المحصن، وحكمه حكم أموات المسلمين يرث ماله ورثته من المسلمين. وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: لا يقتل ولكن يحبس حتى يصلي فيتوب أو يموت في الحبس. وقال الإمام الشافعي رحمه الله: يقتل بالسيف حدا ولا يكفر، والدليل على كفره ما ذكرنا فيما تقدم من الآيات والأخبار. ونزيد عليها بما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما بين الرجل وبين الكفر والشرك إلا ترك الصلاة". وروي عن عبد الله بن زيد عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بيننا وبينهم ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر". وروي عن جعفر بن محمد بن أبيه رضي الله عنه قال: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبصر رجلا ينقر كما ينقر الغراب، فقال: لو مات هذا مات على غير دين محمد -صلى الله عليه وسلم-". وعن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا ترك الرجل صلاته متعمدا كتب اسمه على باب النار فيمن يدخلها". وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الا من نام عن صلاته العتمة ولم يصلها تقول الملائكة: لا نامت عيناك ولا قرتا، حبسك الله بين الجنة والنار كما حبستنا". فصل مكروهات الصلاة (فصل) مروي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: كان العلماء من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقولون: خمس وأربعون خصلة مكروهة منهي عنها في صلاة الفريضة. وهي: التنحنح عمدا، والتشاغل عمدا، والتعاطي عمدا، وإقناع الرأس إلى السماء، لما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أنه كان يقلب بصره إلى السماء فنزلت {الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 2] فطأطأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأسه، فكانوا يستحبون للرجل أن لا يجاوز ببصره مصلاه". ومنها إلصاق الحنك بالصدر، وفلى الثوب، والتمطي، وتنفس الصعداء، وتعميص العينين، والالتفات في الصلاة لما روى عقبة بن عامر رضي الله عنه في قوله تعالى: {الذين هم على صلاتهم دائمون} [المعارج: 23] قال: إذا صلوا لم يلتفتوا يمينا ولا شمالا". وقالت عائشة رضي الله عنها: "سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن التفات الرجل في صلاته، فقال: إنما هي اختلاسة يختلسها من صلاة العبد". وقيل: جاء طلحة، يعني ابن مصروف إلى عبد الجبار بن وائل وهو في القوم، فساره ثم انصرف، فقال عبد الجبار: أتدرون ما قال؟ قال: رأيتك أمس التفت وأنت تصلي، وقد جاء في الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن العبد إذا افتتح الصلاة استقبله الله بوجهه، فلا يصرفه حتى يكون العبد هو الذي نصرف أو يلتفت يمينا وشمالا".

قسم V02/P188–V02/P190

وفي حديث آخر "إن العبد ما دام في صلاته فله ثلاث خصال: البر يتناثر عليه من عنان السماء إلى مفرق رأسه، وملائكة يحفون من لدن قدمه إلى عنان السماء، ومناد ينادي: لو يعلم المصلي من يناجي ما انفتل ... " أي التفت وانصرف، والالتفات مكروه جدا، وقد قيل: إنه يقطع الصلاة، وفيه استخفاف بحرمة الصلاة وآدابها. ومن ذلك الإقعاء في القعود فيها، والرد على الإمام، وافتراش الذراعين في السجود، ووضع الصدر على الفخذين في السجود، وضم الإبطين إلى الجنبين في السجود، بل يفرق بينهما ولا يلصقان، لأن مروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أنه كان إذا سجد لو # مرت بهيمة تحت ذراعيه لنفذت" وذلك لشدة مبالغته في رفع مرفقيه عن ضبعيه. وفي حديث آخر "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد يجافي بين ضبعيه". ومن ذلك تفريق الأصابع في السجود، بل يضمها، ووضع اليدين دون الركبتين في الركوع، ووضع القدمين إحداهما على الأخرى، وتعليقهما من الأرض، والسدل على الإزار والسراويل، والتخليل والتلمظ، واستراط الطعام الحبة والحبتين، والقلس أن يردد ويبلع، والنفث باللسان والنفخ في السجود، والمشي عرضا ورفع الصوت على جليسك في التشهد، ومعرفتك من عن يمينك ومن عن شمالك، والإيماء، والإشارة، وبلع الجشاء، أو ما يخرج من الحلق، والاستعال، والتمخط، والتبزق، والنظر في الثياب، ومسح التراب عن الجبهة قبل أن ينصرف وتسوية الحصى أكثر من مرة واحدة، ونفض موضع السجود، والدعاء بعد التشهد إذا كنت إماما، والقعود في المحراب بعد التسليم حتى ينحرف من مكانه إلى يساره، والعقد باليد بالأصابع في الصلاة، والعبث باللحية والثوب فيها، لما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا ينظر الله إلى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه". وأبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلا يعبث بلحية في الصلاة فقال: "لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه". ونظر الحسن رحمه الله إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول: اللهم زوجني من الحور العين، فقال: بئس الخاطب أن تخطب وأنت تعبث. وقال عبد الرحمن بن عبد الله عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: "لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء أو لا ترجع إليهم أبصارهم" يعني في الصلاة. وقال الأوزاعي رحمه الله: يكون الرجلان في الصلاة وبين أحدهما وبين الآخر كما بين السماء والأرض، هذا مقبل على الله تعالى بقلبه، وهذا لاه وساه". وقد صح الخبر عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "للمصلي من له من صلاته نصفها، فذكر إلى عشرها" يعني بذلك ما عقل منها وحضر قلبه فيها. وفي حديث آخر أنه قال -صلى الله عليه وسلم-: "لمصل أربعمائة صلاة، ولمصل مائتا صلاة، ولمصل مائة وخمسون صلاة، ولمصل سبعون صلاة، وصلاة بخمسين صلاة، وصلاة بسبع وعشرين صلاة، وصلاة بعشر صلوات، وصلاة بصلاة واحدة". فالذي يكتب له أربعمائة صلاة فهو الذي يصلي بمكة في البيت الحرام مع الإمام في الجماعة بعد ألا تفوته التكبيرة الأولى. والذي يكتب له مائتا صلاة فهو الإمام الذي يؤم الناس بعد أن يعرف أحكام الصلاة. والذي يكتب له مائة وخمسون صلاة فهو المؤذن. والذي له سبعون صلاة فهو الذي يستاك ويسبغ وضوءه ويصلي في الجامع في الجماعة. والذي يكتب له خمسون صلاة فهو الرجل الذي يصلي في الجامع مع الإمام في الجماعة، ويكون قد فاتته تكبيرة الإحرام. والذي يكتب له سبع وعشرون صلاة فهو الرجل الذي يسبغ وضوءه ويصلي في المسجد في الجماعة ولا تفوته تكبيرة الإحرام. والذي يكتب له عشر صوات فهو الرجل الذي يلحق الجماعة وقد فاتته تكبيرة الإحرام. والذي يكتب له صلاة واحدة فهو الذي يصلي وحده في غير جماعة. والذي لا صلاة له هو الذي يصلي وينقر كنقر الديك ولا يتم ركوعها وسجودها، وهو الذي تطوى صلاته كالثواب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها، ويقال له: لا حفظ الله كما لم تحفظ صلاتك". (فصل) وينبغي لكل مصل أن يقدم النية لصلاته

الأسئلة