Abdülkâdir Geylânî — el-Gunye
وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن جذوع الشجر ذهب ومنها فضة ومنها ياقوت ومنها زبرجد، وسعفها مثل ذلك، وورقها كأحسن حلل رآها أحد، وثمرها ألين من الزبد وأحلى من العسل، طول كل شجرة منها خمسمائة سنة وغلظ أصلها مسيرة سبعين عاما، وعرض أصلها مسيرة خمسمائة عام إذا رفع الرجل منهم بصره نظر إلى أقصى فرع من الشجرة وما فيها من الثمار، وإن على بطن كل شجرة سبعين ألف لون من الثمار، وليس منها لون على طعم الآخر، إذا اشتهى شيئا من تلك الأنواع انحنت له تلك الشعبة التي فيها تلك الثمرة التي اشتهى من مسيرة خمسمائة عام أو مسيرة خمسين عاما أو دون ذلك، حتى يأخذها بيده إن شاء، فإن عجز أن يأخذها بيده فتح فاه فدخلت فيه، فإذا قطف منها شيئا أحدث الله مكانها أحسن منها وأطيب، فإذا أصاب منها حاجته واكتفى رجعت الشعبة حيث كانت. ومنها شجرة لا تثمر ولكن فيها أكمام فيها حرير وحلل وسندس وزخرف وعبقري، ومنها شجرة لها أكمام فيها المسك والكافور". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أهل الجنة يرون ربهم كل يوم جمعة". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لو أن إكليلا من الجنة دلى من السماء لذهب بضوء الشمس". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن في الجنة قصورا في كل قصر منها أربعة أنهار: ماء معين، ولبن معين، وخمر معين، وعسل معين، إذا شرب منه شيئا صار ختامه مسكا، ولا يشربون منها شيئا حتى يمزج من عيون في الجنة اسم أحدها الزنجبيل، والأخرى تسنيم، والأخرى كافور، وإن المقربين يشربون منها صرفا ... ". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لولا أن الله قضى بينهم أنهم يتنازعون الكأس بينهم ما رفعوها عن أفواههم أبدا". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أهل الجنة يتزاورون على مسيرة مائة ألف عام أو فوق ذلك أو # دون ذلك، فإذا رجعوا من عند إخوانهم فلهم أهدى إلى منازلهم من أحدكم إلى منزله". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أهل الجنة إذا رأوا ربهم عز وجل وأرادوا الانصراف، يعطي كل رجل منهم رمانة خضراء فيها سبعون حلة، لكل حلة سبعون لونا ليس منها حلة على لون الأخرى، فإذا انصرفوا من عند ربهم عز وجل مروا في أسواق الجنة، ليس فيها بيع ولا شراء، وفيها من الحلل والسندس والإستبرق والحرير والزخرف والعبقري من در وياقوت وأكاليل معلقة، فيأخذون من تلك الأسواق من هذه الأصناف ما يطيقون حمله، ولا ينقص من أسواقها شيء، وفيها صور كصور الناس من أحسن ما يكون، مكتوب في نحر كل صورة منها: من تمني أن يكون حسنه على حسن صورتي جعل الله حسنه على صورتي، فمن تمني أن يكون حسن وجهه على تلك الصورة جعله الله على تلك الصورة. قال: ثم ينصرفون إلى منازلهم فيلقاهم غلمانهم صفوفا قياما بالترحيب والتسليم، فيبشر كل واحد منهم صاحبه الذي يليه حتى تبلغ البشري زوجته، ثم يستخفها الفرح حتى تقوم إليه فتستقبله عند بابه بالترحيب والتسليم، فتعانقه ويعانقها فيدخلان جميعا معتنقين". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لو أن امرأة من نساء أهل الجنة برزت لم يرها ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا افتتن بحسنها". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن آخر شراب يشربه أهل الجنة على إثر طعامهم شراب يقال له: طهور دهاق، فإذا شرب منه شربة هضم طعامهم وشرابهم فجعله كالمسك وجشأة المسك، ولا يكون في بطونهم أذى، فإذا شربوا اشتهوا الطعام فهذا دأبهم أبدا". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن دواب أهل الجنة خلقن من ياقوت أبيض". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "هن ثلاث جنات، الجنة، وعدن، ودار السلام، الجنة أصغر من جنة عدم بتسعمائة ألف ألف جزء، وإن قصور الجنة ظاهرها من ذهب وباطنها من زبرجد وأبرجتها من ياقوت أحمر وشرفاتها نظام اللؤلؤ".
وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الرجل من أهل الجنة ليتمتع عند زوجته التكأة الواحدة مقدار سبعمائة عام ما يتحول، ثم تناديه زوجته الأخرى من القصر أحسن منها: يا أخي قد آن لك أن تكون لنا منك دولة، فيقول الرجل: من أنت؟ فتقول: أنا من التي يقول الله عز وجل: {فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين} [السجدة: 17] فيتحول إليها فيمكث عندها مقدار سبعمائة عام يأكل ويشرب ويباضعها". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها سبعمائة عام ما يقطعها تجرى من تحتها الأنهار وإن على كل غصن من غصونها مدائن مبنية، طول كل مدينة منها عشرة آلاف ميل، وإن ما بين كل مدينة إلى الأخرى كما بين المشرق والمغرب، وإن عيون السلسبيل لتجرى من تلك القصور إلى تلك المدائن، وإن الورقة منها لتظل الأمة العظيمة ... ". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الرجل من أهل الجنة إذا دخل على زوجته قالت: والذي هو أكرمني بك ما في الجنة شيء هو أحب إلى منك". قال: وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن في الجنة ما لا يصفه الواصفون، ولا يخطر على قلوب العالمين، ولا تسمع به آذان الواعين، وفيها ما لم تره عيون المخلوقين". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الله عز وجل ينزل المتحابين فيه في جنة عدن على عمود من ياقوته حمراء، غلظها مسيرة سبعين ألف عام على سبعين ألف بيت، لكل أهل بيت قصر مشرفين على أهل الجنة، مكتوب على جباههم كتاب من نور: هؤلاء المتحابون في الله، إذا اطلع أحدهم من قصره إلى أهل الجنة ملأ نور وجهه قصور أهل الجنة كما تملأ الشمس بيوت أهل الأرض، فينظر أهل الجنة وجهه فيقول بعضهم لبعض: هذا من المتحابين في الله عز وجل، فإذا وجهه مثل القمر ليلة البدر". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن فضل حسن الرجل على حسن الخادم من أهل الجنة كمثل القمر ليلة البدر على النجوم". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن نساء أهل الجنة يتغنين عند آخر طعامهم بأصوات لذيذة ممدودة يقلن: نحن الخالدات فلا نموت أبدا، ونحن الآمنات فلا نخاف أبدا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا، ونحن الشابات فلا نهرم أبدا، ونحن الكاسيات فلا نعري أبدا، ونحن # الخيرات الحسان أزاوج قوم كرام". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن طير الجنة له سبعون ألف ريشة، لكل ريشة منها لون ليس يشبه الآخر، عظم كل طير منها ميل في ميل، إذا اشتهى المؤمن شيئا منها أتى به فوضع في جوف الصحفة، فانتقض فوقع منه سبعون لونا من الطعام من نحو طبيخ وشواء وألوان شتى، طعمها أطيب من المن، ولينها ألين من الزبد، وبياضها أشد بياضا من المخيض، فإذا أكل منها انتفض وطار ولم تنقص منها ريشة، فطيورهم ومراكبهم ترعى في رياض الجنة حول قصورهم". وكان -صلى الله عليه وسلم- "إن أهل الجنة يعطيهم الله تعالى خواتيم من ذهب يلبسونها وهي خواتيم الخلد، ثم يعطيهم خواتيم من در وياقوت ولؤلؤ، وذلك إذا زاروه في دار السلام". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أهل الجنة إذا زاروا ربهم أكلوا وشربوا وتمتعوا. قال: يقول رب العزة عز وجل: يا داود مجدني بصوتك الحسن، فيمجده ما شاء الله تعالى من ذلك فلا يبقى منه شيء في الجنة إلا أنصت لحسن صوته ولذاذته. قال: فيمجده ما شاء الله ثم يحبوهم رب العزة عز وجل بالكسوة والحلية، ثم ينصرفون إلى أهليهم". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن لكل رجل من أهل الجنة شجرة يقال لها طوبي، فإذا أراد أحدهم أن يلبس الكسوة المرتفعة انطلق إلى طوبي ففتحت له أكمامها، وهي ستة ألوان في كل واحد منها سبعون لونا، ليس منها ثوب لونه على لون الآخر ولا على وشيه، فيأخذ من أي ذلك شاء، أرق من النعمان".
وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أزواج أهل الجنة مكتوب في بحر كل امرأة منهن: أنت حبيبي وأنا حبيبتك، ليس عنك معدل ولاعنك مقصر، وليس لك في قلبي غل ولا غش، فينظر الرجل إلى نحر زوجته فيرى سواء كبدها من وراء عظمها ولحمها، فكبده لها مرآة وكبدها له مرآة، ولا يعيبها ذلك إلا كما يعيب السلك الياقوت، بياضهن كبياض المرجان وصفاؤهن كصفاء الياقوت، قال الله عز وجل: {كأنهن الياقوت والمرجان} [الرحمن: 58]. وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أهل الجنة على النوق والبراذين يقع خف إحداهن عند أقصى # طرفها، وموضع حافز ذلك البرذون عند أقصى طرفه خلقت من در وياقوت، عظم كل دابة منهن سبعون ميلا، أزمة النوق والبراذين حلق اللؤلؤ والزبرجد". (فصل) في قوله عز وجل: {فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ...} [الإنسان: 11] إلى آخر صفة أهل الجنة . أما قوله: {فوقاه الله شر ذلك اليوم} يعني يوم القيامة يقيهم شدة الحساب وهول جهنم، إذا جئ بها في عرصات القيامة يقودها تسعة عشر خازنا من الملائكة، مع كل خازن منهم سبعون ألف ملك أعوان له غلاظ شداد كالحة أنيابهم، أعينهم كالجمر وألوانهم كلهب النار، يفور من مناخرهم لهب ودخان عال مستعدين لأمر الجبار تبارك وتعالى، فيقودها كل خازن وأعوانه بوثاق وسلسلة عظيمة، فتارة يمشون عن يمينها وأخرى عن شمالها، ومرة من ورائها، بيد كل ملك منهم مقمع من جديد، يصيحون بها فتمشى، ولها زفير وشهيق ووعث وظلمة ودخان وقعقعة ولهب عال من شدة غضبها على أهلها، فينصبونها بين الجنة والموقف، فترفع طرفها فتنظر إلى الخلائق، ثم تجمع إليهم لتأكلهم، فتحبسها الخزنة بسلاسلها ولو تركت لأتت على كل مؤمن وكافر، فإذا رأت أنها قد حبست عن الخلائق فارت فورة شديدة كادت تميز من الغيظ، ثم شهقت الثانية فسمعت الخلائق صوت صريف أسنانها، فارتعدت عند ذلك الأفئدة، وانخلعت القلوب، وطارت الأفئدة، وشخصت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، ثم تزفر زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا أحد ممن شهد الموقف إلا جثا على ركبتيه. ثم تزفر أخرى فلا تبقى قطرة في عين أحد إلا بدرت، ثم تزفر الثالثة فلو كان لكل آدمي أو جني عمل اثنين وسبعين نبيا لواقعوها وظنوا أنهم لم ينجوا منها، ثم تزفر الرابعة فلا يبقى شيء إلا انقطع كلامه، ويتعلق جبريل وميكائيل وخليل الرحمن عز وجل بالعرش يقول كل واحد منهم نفسي نفسي لا أسألك غيرها، ثم ترمى بشرر كعدد نجوم السماء، عظم كل شرارة منها كالسحابة العظيمة الطالعة من المغرب، فيقع ذلك الشرر على رؤوس الخلائق. فهذا هو الشرر الذي وعد الله المؤمنين الذين يوفون بالنذر ويخافون عذابه أن يقيهم، فالله تعالى يكفى أهل التوحيد والإيمان وأهل السنة شر ذلك اليوم، ولقاهم برحمته # وييسر حسابهم ويدخلهم جنته ويخلدهم فيها أبد الآباد بمنه، ويزيد الكافرين وأهل الشرك والأوثان شرا إلى شر، وخوفا إلى خوف، وعذابا إلى عذاب، فيدخلهم جهنم ويخلدهم فيها أبد الآباد.
ثم قال عز وجل: {ولقاهم نضرة وسرورا} [الإنسان: 11] فالنضرة في الوجوه والسرور في القلوب، وذلك أن المؤمن إذا خرج من قبره يوم القيامة نظر أمامه، فإذا هو بإنسان وجهه مثل الشمس يضحك طيب النفس، وعليه ثياب بيض وعلى رأسه تاج، فينظر إليه حتى يدنوا منه، فيقول سلام عليك يا ولي الله، فيقول: وعليك السلام من أنت يا عبد الله، أنت ملك من الملائكة؟ فيقول: لا والله، فيقول: أنت نبي من الأنبياء؟ فيقول: لا والله، فيقول: أنت من المقربين؟ فيقول: لا والله، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح أبشرك بالجنة والنجاة من النار، فيقول له: يا عبد الله أبعلم تبشرني؟ فيقول: نعم، فيقول: ما تريد مني؟ فيقول له: اركبني، فيقول له: سبحان الله ما ينبغي لمثلك أن يركب عليه، فيقول: بلى فإني طالما ركبتك في دار الدنيا، فإني أسألك بوجه الله إلا ما ركبتني، فيركبه، فيقول له: لا تخف أنا دليلك إلى الجنة، فيفرح فيتبين ذلك الفرح في وجهه حتى يتلألأ، ويرى فيه النور والسرور في قلبه، فذلك قوله عز وجل: {ولقاهم نضرة وسرورا} [الإنسان: 11]. وأما الكافر فإذا خرج من قبره نظر أمامه، فإذا هو برجل قبيح الوجه أزرق العينين أشد سوادا من القبر في ليلة مظلمة، وثيابه سود، يجر أنيابه في الأرض بدهدهة مثل دهدهة الرعد، وريحه أنتن من الجيفة فيقول: من أنت يا عبد الله؟ ويريد أن يعرض عنه بوجهه، فيقول: يا عدو الله إلى إلى أنت لي وأنا لك اليوم، فقال: ويحك أشيطان أنت؟ فيقول: لا والله، ولكن عملك الصالح، فيقول: ويحك ما تريد مني؟ فيقول: أريد أن أركبك، فيقول له: أنشدك بالله مهلا، فإنك تفضحني على رؤوس الخلائق، فيقول: والله ما منه بد فطالما ركبتني فأنا اليوم أركبك، قال: فيركبه، فذلك قوله عز وجل: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون} [الأنعام: 31]. ثم ذكر عز وجل أولياءه فقال: {وجزاهم} [الإنسان: 12] بعد البشارة {بما صبروا} [الإنسان: 12] على البلاء وأداء الأوامر، وانتهاء المناهي والتسليم في القدر {جنة وحريرا} [الإنسان: 12]. أما الجنة فيتنعمون فيها، وأما الحرير فيلبسون، قال: {متكئين فيها} [الإنسان: 13] يعني في الجنة {على الأرائك} [الإنسان: 13] يعني السرر عليها الحجال يعني الستر {لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا} [الإنسان: 13] يعني ولا يصيبهم حر الشمس ولا برد الزمهرير، لأنه ليس فيها شتاء ولا صيف. ثم قال عز وجل: {ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا} [الإنسان: 14] يعني ظلال الشجر، وذلك أن أهل الجنة يأكلون من الفواكه إن شاءوا قياما، وإن شاءوا قعودا، وإن شاءوا نياما، وإذا أرادوها دنت منهم حتى يأخذوا منها ثم يقوم أحدهم قائما، وذلك قوله عز وجل: {وذللك قطونها تذليلا} يعني أغصانها. ثم قال عز وجل: {ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب} [الإنسان: 15] فهي الأكواب يعني الكيزان مدورة الرؤوس التي ليست لها عرا. وقال عز وجل: {قواريرا} [الإنسان: 15] يعني هي قوارير ولكنها من فضة، وذلك أن قوارير الدنيا من ترابها، وقوارير الجنة من فضة {قدروها تقديرا} [الإنسان: 16] يعني قدرت الأكواب على الإناء وقدر الإناء على كف الخادم على ري القوم إذا سقوها لم يبق فيها شيء، ولم يزد عليه فكانت قدرا على الإناء وكف الخادم وري القوم فذلك قوله تعالى: {قدروها تقديرا}. وقال تعالى: {ويسقون فيها كأسا} [الإنسان: 17] يعني خمرا وكل شراب في الإناء ليس بخمر فليس هو بكأس. وقال تعالى {كان مزاجها زنجبيلا} [الإنسان: 17] يعني كلها قد مزج فيها الزنجبيل. ثم قال عز وجل: {عينا فيها تسمى سلسبيلا} [الإنسان: 18] يعني نهرا فيها تسمى سلسبيلا يسيل عليهم من جنة عدن، فتمر على كل جنة ثم ترجع تعم الجنة كلها. قال تعالى: {ويطوف عليهم ولدان مخلدون} [الإنسان: 19] فالولدان: هم الغلمان الذين لا يشيبون أبدا فهم مخلدون، يعني لا يحتلمون ولا يكبرون أبدا، غلمان {إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا} [الإنسان: 19] في الحسن والبياض {منثورا} [الإنسان: 19] في الكثرة، يعني مثل اللؤلؤ المنثور الذي لا يدري ما عدده.
ثم قال عز وجل: {وإذا رأيت ثم} [الإنسان: 20] يعني هنالك من الجنة {رأيت نعيما وملكا كبيرا} [الإنسان: 20] وذلك أن رجلا من أهل الجنة له قصر، في ذلك القصر # سبعون قصرا، في كل قصر سبعون بيتا، كل بيت من لؤلؤة مجوفة طولها في السماء فرسخ وعرضها فرسخ في فرسخ، عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب، في ذلك البيت سرير منسوج بقضبان الدر والياقوت عن يمين السرير وعن يساره أربعة آلاف كرسي من ذهب، قوائمها من ياقوت أحمر، على ذلك السرير سبعون فراشا، كل فراش على لون، وهو متكئ على يساره، عليه سبعون حلة من ديباج، الذي يلي جسده حريرة بيضاء، وعلى جبهته إكليل مكلل بالزبرجد والياقوت وألوان الجواهر، كل جوهرة على لون، وعلى رأسه تاج من ذهب فيه سبعون زاوية، في كل زاوية درة تساوي مال المشرق والمغرب، وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، وفي أصابع يديه ورجليه خواتيم من ذهب وفضة فيه ألوان الفصوص، وبين يديه عشرة آلاف غلام لا يكبرون ولا يشيبون أبدا، وتوضع بين يديه مائدة من ياقوتة حمراء طولها ميل في ميل، ويوضع على المائدة سبعون ألف إناء من ذهب وفضة، وفي كل إناء سبعون لونا من الطعام، فيأخذ اللقمة بيده، فما يخطر على باله غيرها حتى تتحول اللقمة عن حالها إلى الحالة التي يشتهيها، وبين يديه غلمان بأيديهم أكواب من فضة وأوان من فضة، ومعهم الخمر والماء، فيأكل على قدر أربعين رجلا من الألوان كلها فإذا شبع من لون من الطعام سقوه شربة مما يشتهي من الأشربة فيتجشأ، فيفتح الله عز وجل عليه ألف باب من الشهوة، ويشرب حتى يعرق، فإذا عرق ألقى الله عليه ألف باب من الشهوة إلى الطعام والشراب، ويدخل عليه الطير من الأبواب كأمثال النجائب العظام، فيقومون بين يديه صفا فينعت كل نفسه بصوت مطرب لذيذ ألذ من كل غناء في الدنيا، يقول: يا ولي الله كلني إني كنت أرعى في كذا وكذا في رياض الجنة، وأشرب من عين كذا وكذا فيجملون إليه أصواتهم فيرفع بصره فينظر إلى أعلاه صوتا وأجودها نعتا فيشتهيها، فيعلم الله عز وجل ما قد استقر في قلبه من حبه، فيجئ ذلك الطير فيقع على المائدة بعضه قديد وبعضه شوى، أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل، فيأكل حتى إذا شبع منها واكتفى صار طيرا كما كان، فيخرج من الباب الذي كان دخل منه، فهو على الأرائك وزوجته مستقبلته، يبصر وجهه في وجهها من الصفا والبياض، كلما أراد يجامعها نظر إليها فيستحى منها أن يدعوها، فتعلم ما يريد منها زوجها، فتدنوا إليه فتقول: بأبي أنت وأمي، أرفع رأسك وانظر إلي فإنك اليوم لي وأنا لك، فيجامعها على قوة مائة رجل من الأولين، وعلى شهوة أربعين رجلا، كلما أتاها وجدها عذراء # لا يغفل عنها مقدار أربعين يوما، فإذا فرغ وجد ريح المسك منها فيزداد حبا لها، وفيها أربعة آلاف وثمانمائة زوجة مثلها، لكل زوجة سبعون خادما وجارية. وروى عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لو أن جارية أو خادما أخرجت إلى الدنيا لاقتتل عليها أهل الدنيا كلهم حتى يتفانوا، ولو أن امرأة من الحور العين أخرجت ذوائبها في الأرض لأطفال نور الشمس من نورها. قيل: يا رسول الله، وكم بين الخادم والمخدوم؟ قال: والذي نفسي بيده، إن بين الخادم والمخدوم كالكوكب المظلم إلى جنب القمر في النصف.
قال: فبينما هو جالس على سريره إذ بعث الله عز وجل إليه ملكا معه سبعون حلة، كل حلة على لون، قد غابت بين أصبعي الملك ومعه التسليم والرضا، فيجئ حتى يقوم على بابه فيقول لحاجبه، ائذن لي على ولي الله فإني رسول رب العالمين إليه، فيقول الحاجب: والله ما أملك منه المناجاة، ولكن سأذكرك إلى من يليني من الحجبة، فلا يزالون يذكرون أمره بعضهم إلى بعض حتى يأتيه الخبر بعد سبعين بابا، فيقول: يا ولي الله إن رسول رب العزة على الباب، فيأذن له بالدخول عليه، فيدخل الملك فيقول: السلام عليك يا ولي الله إن رب العزة عز وجل يقرئك السلام وهو عنك راض فلولا أن الله عز وجل لم يقض عليه الموت لمات من الفرح، فذلك قوله عز وجل: {ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 72] وذلك قوله تعالى: {وإذا رأيت} يعني يا محمد {ثم رأيت نعيما} يعني هنالك النعيم الذي هو فيه {وملكا كبيرا} حين لا يدخل عليه رسول الله رب العالمين إلا بإذن، ثم قال جل وعلا: {عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق} [الإنسان: 21] يعني الديباج، وإنما قال عاليهم لأن الذي يلي جسده حريرة بيضاء، ثم قال: {وحلوا أساور من فضة} [الإنسان: 21] وفي آية أخرى {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا} [الحج: 32، وفاطر: 33] فهي ثلاث أسورة، ثم قال عز وجل: {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} [الإنسان: 21]. وذلك أن على باب الجنة شجرة ينبع من ساقها عينان، فإذا جاز الرجل الصراط إلى العينين يدخل في عين منها فيغتسل فيها، فيخرج وريحه أطيب من المسك، طوله سبعون ذراعا في السماء على طول آدم عليه السلام وميلاد عيسى عليه السلام أبناء ثلاث وثلاثين سنة، فأهل الجنة كلهم رجالهم ونساؤهم على قدر واحد يكبر الصغير # حتى يكون ابن ثلاث وثلاثين سنة وينحط الشيخ عن حاله إلى ثلاث وثلاثين سنة، كلهم رجالهم ونساؤهم على قدر واحد في حسن يوسف بن يعقوب عليهما السلام، ويشرب من العين الأخرى، فينفى ما في صدره من غل أو هم أو حسد أو حزن، فيطهر الله عز وجل قلبه بذلك الماء، فيخرج وقلبه على قلب أيوب، ولسانه على لسان محمد -صلى الله عليه وسلم- عربي، ثم ينطلقون حتى يأتوا الباب، فتقول لهم الخزنة، طبتم، فيقولون: نعم، فيقولون: ادخلوها خالدين، يبشرونهم بالخلود قبل الدخول بأنهم لا يخرجون أبدا، فأول ما يدخل من باب الجنة ومعه الملكان اللذان كانا معه في دار الدنيا الكرام الكاتبين. فإذا هو بملك معه نجيبة من ياقوتة حمراء زمامها من ياقوتة خضراء فإذا كانت النجيبة من ياقوتة حمراء كان زمامها من ياقوتة خضراء، فإذا كانت النجيبة من ياقوتة خضراء كان زمامها ياقوتة حمراء عليها راحلة مقدمها ومؤخرها در وياقوت، وصفحتاها الذهب والفضة، ومعه سبعون حلة، فيلبسها ويضع على رأسه التاج، ومعه عشرة آلاف غلام كاللؤلؤ المكنون، فيقول: يا ولي الله اركب فإن هذا لك، ولك مثلها، فيركبها ولها جناحان خطوها منتهى الصبر، فيسير على نجيبة وبين يديه عشرة آلاف غلام، ومعه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا حتى يأتي إلى قصوره، فينزلها، ثم قال عز وجل: {إن هذا} الذي وضعت لكم في هذه السورة {كان لكم جزاء} لأعمالكم من حسن الثواب {وكان سعيكم} [الإنسان: 22] أي عملكم {مشكورا} [الإنسان: 22] يعني شكر الله عز وجل أعمالكم فأثابكم الجنة". باب في ذكر فضائل الشهور والأيام [باب: في ذكر فضائل الشهور والأيام] مجلس في فضائل شهر رجب قال الله عز وجل: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم} [التوبة: 36].
سبب نزول هذه الآية أن المؤمنين ساروا من المدينة إلى أهل مكة قبل أن يفتح على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: إنا نخاف أن يقاتلنا كفار مكة في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله أثنا عشر شهرا في كتاب الله} يعني في اللوح المحفوظ {يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم} يعني من العدة حرم، يعني رجب، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم، واحد فرد وهو رجب وثلاثة سرد متتابعة {وذلك الدين القيم} [التوبة: 36] يعني الحساب القيم المستقيم {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] يعني في الأشهر الحرم، خص الله تعالى بالنهي هذه الأربعة الأشهر ليبين لنا تمييزها بعظم حرمتها وتأكيد أمرها بالنهي عن الظلم فيها على غيرها من الشهور، وإن كان الظلم منهيا عنه في سائر الشهور، كما قال الله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] أمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى وهي العصر، وإن كان الأمر شاملا في المحافظة لجميع الصلاة، وإنما أفرد الوسطى بالصلاة بالذكر لما ذكرنا من الاختصاص، والتمييز في الحرمة والتأكيد يعني بالظلم ألا تقتلوا فيهن أحدا من مشركي العرب إلا أن يبدؤوكم بالقتل. وقال أبو يزيد رحمه الله: الظلم: هو لترك لطاعة الله تعالى والعمل بمعاصي الله عز وجل. وقال غيره: هو وضع الشيء في غير موضعه، وهو راجع إلى ذلك، ثم قال تعالى: {وقاتلوا المشركين} [التوبة: 36] يعني كفار مكة {كافة} [التوبة: 36] جميعا {كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] يعني إن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم جميعا {واعلموا أن الله} [التوبة: 36] في النصر {مع المتقين} [التوبة: 36]. واختلف أهل التفسير في {الدين القيم}: فقال مقاتل رحمه الله: الدين القيم: هو الدين الحق. وقال آخرون: هو الدين الصادق، وهو دين الإسلام. وقال آخرون: هو دين الحنيفية. وقال آخرون: الدين القيم: هو الذي أمر الله به المسلمين. (فصل) ورجب: هو اسم من الأسماء المشتقة ، واشتقاقه من الترجيب. والترجيب: هو التعظيم عند العرب، يقال: رجبت هذا الشهر: إذا عظمته. ومن ذلك قول الحباب بن المنذر بن الجموح يوم سقيفة بني ساعدة، يوم توفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واختلف المهاجرون والأنصار في أمير ينصبونه، فقالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير ... القصة المشهورة، فغضب الحباب فسل سيفه وقال: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب: أي أنا العظيم في قومي، المطاع فيهم، والعذيق: تصغير عذق، وهو النخلة الكريمة على أهلها، كانوا يعمدونها إذا مالت لئلا تسقط، والرجبة: البناء الذي يكون حول النخلة. وقوله: جذيلها المحكك: جذيل: تصغير جذل، وهو الجذع والنخلة التي تحتك بها الإبل الجرباء. وقيل: الجذل عود ينصب في معاطن الإبل يحتك به الفصال. وقال أبو زيد، عن يحيى بن زياد الفراء: إنما سمي رجب لأنهم كانوا يرجبون الأعذاق في هذا الشهر على النخل، ويشدونها بالخوص إلى السعف لئلا تنفضها الرياح، يقال منه: رجبت النخلة ترجيبا: إذا فعلت بها ذلك. وقال آخرون: الترجيب: أن يوضع الشوك على الأعذاق حفظا لها من تناول أيدي المستطعمين والتحرز من تناثر التمر على الأرض. وقال آخرون: الترجيب: أن تدعم النخلة إذا مالت بدعامة لئلا تسقط وتخر. وقال آخرون: هو مأخوذ من قول العرب: رجبت الشيء: أي هبته ورهبته. وقال آخرون: الترجيب: التأهب والاستعداد، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنه ليرجب فيه خير كثير لشعبان". وقال آخرون: الترجيب: تكرر ذكر الله تعالى وتعظيمه، لأن الملائكة يرجبون أصواتهم فيه بالتسبيح والتحميد والتقديس لله عز وجل. ويقال: شهر رجم بالميم أيضا، فيكون معناه: ترجم فيه الشياطين حتى لا يؤذوا فيه المؤمنين. فرجب ثلاثة أحرف، راء وجيم وباء. فالراء: رحمة الله عز وجل، والجيم: جود الله تعالى، والباء: بر الله عز وجل، فمن أول هذا الشهر إلى آخره من الله عز وجل ثلاث عطايا للعباد، رحمة بلا عذاب، وجود بلا بخل، وبر بلا جفاء. (فصل) ولرجب أسماء أخر : منها أنه سمى رجب مضر، ومنصل الأسنة، وشهر الله الأصم، وشهر الله الأصب، والشهر المطهر، والشهر السابق، والشهر الفرد.
أما قولهم: رجب مضر، فقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في بعض خطبه: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". وإنما عرف موضعه بقوله: بين جمادى وشعبان، إبطالا للنسيء الذي كانت العرب تفعله في الجاهلية، وهو قوله عز وجل: {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا} [التوبة: 37] وذلك أن العرب في الجاهلية كانت إذا أرادت الصدر من منى قام رجل من بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة، وكان رئيس القوم، فيقول: أنا الذي أجاب ولا أعاب ولا يرد لي قضاء، فيقولون له: صدقت، أنسئنا شهرا، يريدون: أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر، وأحل لنا المحرم. وإنما دعاهم إلى ذلك لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا يغيرون فيها، وقد كان معاشهم من الإغارة، فيفعل ذلك عاما، ثم يرجع إلى تحريم المحرم، وإباحة صفر، فذلك الإنساء" ومنه قيل: نسأ الله في أجله، وأنسأ الله أجله. فوصف النبي -صلى الله عليه وسلم- رجب بصفتين وقيده بنعتين: أحدهما قوله: "رجب مضر" لأن مضر كانت تبالغ في تعظيمه وتكبيره وتحريمه. الثاني: أنه قيده بقوله بين جمادى وشعبان خوفا من التقديم والتأخير كما جرى في تحريم المحرم إلى صفر، فخص الشهر وقيده، وأيد تحريمه وأكده. وقيل: إنما سمى رجب مضر، لأن بعض الكفار دعا على قبيلة من القبائل فيه فأهلكهم الله عز وجل. وقيل: إن الدعاء فيه مستجاب على الظلمة، وكل جائر، ولهذا كانت الجاهلية يؤخرون دعواتهم على من ظلمهم، فيدعون عليه في رجب فلا يرد خائبا. وأما منصل الأسنة، فلأنهم كانوا ينزعون الأسنة فيه عن الرماح، ويغمدون سيوفهم وسهامهم تهيئا له وتعظيما، فسمي بذلك منصل الأسنة، ويقال نصلت السهم: إذا جعلت له نصلا، وأنصلته: إذا نزعت عنه نصله. وأما شهر الله الأصم، فلما روي عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه لما استهل رجب رقي المنبر يوم الجمعة وخطب ثم قال: ألا إن هذا شهر الله الأصم، وهو شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه، ثم ليزك ما بقي. قال ابن الأنباري: أما قوله الأصم، فإنما سمي بذلك لأن العرب كانت تظل تحارب بعضها بعضا، فإذا أهل رجب وضعوا السلاح ونزعوا الأسنة، فلا تسمع فيه قعقعة السلاح، ولا صلصلة الرماح، وكان الرجل إذا ركب في طلب قاتل أبيه فإذا رآه في رجب لم يتعرض له، كأنه لم يره ولم يسمع له خبرا، فسمي أصم لذلك. وقيل: سمي أصم لأنه لم يسمع فيه غضب الله تعالى على قوم قط، لأن الله تعالى عذب الأمم الماضية في سائر الشهور، ولم يعذب أمة من الأمم في هذا الشهر. وفي هذا الشهر حمل الله نوحا في السفينة، فجرت به ومن معه في السفينة ستة أشهر. قال إبراهيم النخعي: إن رجب شهر الله تعالى، فيه حمل الله نوحا في السفينة، فصامه نوح عليه السلام وأمر بصيامه من كان معه، فأمنه الله تعالى، ومن كان معه من الطوفان، وطهر الأرض من الشرك والعدوان. ورفع ذلك غيره إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ما أخبرنا به هبة الله بإسناده عن أبي حازم، عن # سهل بن سعد -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ألا إن رجب من الأشهر الحرم، وفيه حمل الله نوحا في السفينة، فصامه نوح في السفينة، وأمر من كان معه بصيامه، فأنجاهم الله تعالى وأمنهم من الغرق، وطهر الله الأرض من الكفر والطغيان بالطوفان". وقيل: إنه سمى أصم لأنه أصم عن جفائك وزلتك وسميع بفضلك يا مؤمن وشرفك، فجعله الله تعالى أصم من جفائك وزلتك، لئلا يشهد عليك بها يوم القيامة، بل يكون شهيدا لك لما سمع من فضلك وإحسان العمل فيه.
وأما الأصب فمعناه، أنه تصب الرحمة فيه صبا على العباد، ويعطيهم الله تعالى من الكرامات والمثوبات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. من ذلك ما أخبرنا الشيخ هبه الله بن المبارك السقطي رحمه الله بإسناد عن إبراهيم، عن علقمة، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " {إن عدة الشهور عند الله أثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرام} [التوبة: 36]. فوجب يقال له شهر الله الأصم، وثلاث أخر متواليات، يعني: ذا القعدة وذا الحجة والمحرم، ألا إن رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتى. فمن صام من رجب يوما إيمانا واحتسابا استوجب رضوان الله الأكبر، وأسكن الفردوس الأعلى، ومن صام منه يومين فله من الأجر ضعفان، وزن كل ضعف مثل جبال الدنيا، ومن صام من رجب ثلاثة أيام جعل الله بينه وبين النار خندقا طوله مسيرة سنة، ومن صام من رجب أربعة أيام عوفى من البلايا ومن الجنون والجذام والبرص ومن فتنة المسيح الدجال، ومن صام منه خمسة أيام وقى من عذاب القبر، ومن صام منه ستة أيام خرج من قبره ووجهه أضوأ من القمر في ليلة البدر، ومن صام منه ثمانية أيام فإن للجنة ثمانية أبواب، يفتح الله له بصوم كل يوم بابا من أبوابها، ومن صام منه تسعة أيام خروج من قبره وهو ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله ولا يرد وجهه دون الجنة، ومن صام منه عشرة أيام جعل الله تعالى له على كل ميل من الصراط فراشا يستريح عليه، ومن صام منه حدى عشر يوما لم ير في القيامة أفضل منه، إلا من صام مثله أو زاد عليه، ومن صام من رجب اثنى عشر يوما كساه الله تعالى يوم القيامة # حلتين، الحلة الواحدة خير من الدنيا وما فيها، ومن صام من رجب ثلاثة عشر يوما يوضع له يوم القيامة مائدة في ظل العرش فيأكل عليها والناس في شدة شديدة، ومن صام من رجب أربعة عشر يوما أعطاه الله عز وجل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر، ومن صام منه خمسة عشر يوما يوفقه الله تعالى يوم القيامة موقف الآمنين، ولا يمر به ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا قال له: طوبي لك إنك من الآمنين". وفي لفظ آخر: زيادة على خمسة عشر، وهي: "من صام منه ستة عشر يوما كان في أوائل من يزور الرحمن وينظر إليه ويسمع كلامه، ومن صام منه سبعة عشر يوما ينصب الله له على كل ميل من الصراط مستراحا يستريح عليه، ومن صام منه ثمانية عشر يوما زاحم إبراهيم الخليل -عليه السلام- في قبته، ومن صام منه تسعة عشر يوما بنى الله له قصرا في الجنة تجاه قصر إبراهيم وآدم -عليهما السلام- ويسلم عليهما ويسلمان عليه، ومن صام منه عشرين يوما، نادى مناد من السماء: يا عبد الله أما قد مضى فقد غفره الله لك، فاستأنف العمل فيما بقى". وأما المطهر فلأنه يطهر صائمه من الذنوب والخطيئات، فمن ذلك ما أخبرنا به الشيخ الإمام هبة الله بن المبارك السقطي -رحمه الله- عن الحسن بن أحمد بن عبد الله المقري بإسناده عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن شهر رجب شهر عظيم من صام منه يوما كتب الله تعالى له صوم ألف سنة، ومن صام منه يومين كتب الله له صوم ألفي سنة، ومن صام منه ثلاثة أيام كتب الله تعالى له صوم ثلاثة آلاف سنة، ومن صام منه سبعة أيام أغلقت عنه سبعة أبواب جهنم، ومن صام منه خمسة عشر يوما بدلت سيئاته حسنات، ونادى مناد من السماء: قد غفر لك، فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله تعالى".
وأخبرنا الشيخ الإمام هبة الله بن المبارك بإسناده عن يونس، عن الحسن -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من صام يوما من رجب عدل له بصيام سنتين، ومن # صام النصف من رجب عدل له بصيام ثلاثين سنة". وأخبرنا الشيخ الإمام هبة الله، عن الحسن بن أحمد بن عبد الله المقري بإسناده عن العلاء بن كثير، عن مكحول -رحمه الله- قال: إن رجلا سأل أبا الدرداء -رضي الله عنه- عن صيام رجب، فقال له: سألت عن شهر كانت الجاهلية تعظمه في جاهليتها، وما زاده الإسلام إلا فضلا وتعظيما، ومن صام منه يوما تطوعا يحتسب به ثواب الله تعالى، ويبتغي به وجهه مخلصا، أطفأ صومه ذلك اليوم غضب الله تعالى، وأغلق عنه بابا من أبواب النار، ولو أعطى ملء الأرض ذهبا ما كان جزاء له، ولا يستكمل أجر شيء من الدنيا دون يوم الحساب وله إذا أمسى عشر دعوات مستجابات، فإن دعا به لشيء من عاجل الدنيا أعطيه، وإلا ادخر له من الخير كأفضل ما دعا به داع من أولياء الله تعالى وأصفيائه. ومن صام يومين كان له مثل ذلك، وله مع ذلك أجر عشرة من الصديقين في عمرهم، بالغة أعمارهم ما بلغت، ويشفع في مثل ما يشفعون فيه، ويكون في زمرتهم حتى يدخل الجنة معهم، ويكون من رفقائهم. ومن صام ثلاثة أيام، كان له مثل ذلك، وفال الله تعالى عند إفطاره: لقد وجب حق عبدي هذا ووجبت له محبتي وولايتي، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت له من ذنبه ما تقدم وما تأخر. ومن صام أربعة أيام كان له مثل ذلك، وثواب أولي الألباب التوابين، ويعطي كتابه في أوائل الفائزين. ومن صام خمسة أيام كان له مثل ذلك، ويبعث يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر، ويكتب له عدد رمل عالج حسنات، ويدخل الجنة، ويقال له: تمن على الله ما شئت. ومن صام ستة أيام كان له مثل ذلك، ويعطي سوى ذلك نورا يستضيء به أهل الجمع في القيامة، ويبعث في الآمنين حتى يمر على الصراط بغير حساب، ويعافى من عقوق الوالدين وقطيعة الرحم ويقبل الله عليه بوجهه إذا لقيه يوم القيامة. ومن صام سبعة أيام كان له مثل ذلك، ويغلق عنه سبعة أبواب النار، ويحرمه الله على النار، ويوجب له الجنة يتبوأ منها حيث يشاء. ومن صام ثمانية أيام كان له مثل ذلك، وفتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخلها من أي باب شاء. ومن صام تسعة أيام كان له مثل ذلك، ويرفع كتابه في عليين، ويبعث يوم القيامة في الآمنين ويخرج من قبره، ووجهه نور يتلألأ، ويشرق لأهل الجمع حتى يقولوا هذا نبي مصطفى، وإن أدنى ما يعطي أن يدخل الجنة بغير حساب. ومن صام عشرة أيام فبخ فبخ فبخ له، فيعطي مثل ذلك وعشرة أضعافه، وهو ممن يبدل الله سيئاته حسنات، ويكون من المقربين القوامين لله بالقسط، وكان كمن عبد الله ألف عام صائما قائما صابرا محتسبا. ومن صام عشرين يوما كان له مثل ذلك وعشرون ضعفا وهو ممن يزاحم إبراهيم خليل الله -عليه السلام- في قبته، ويشفع في مثل ربيعة ومضر، كلهم من أهل الخطايا والذنوب.
ومن صام ثلاثين يوما كان له مثل ذلك وثلاثون ضعفا، وينادي مناد من السماء أبشر يا ولي الله بالكرامة العظمى، قال: وما الكرامة العظمى؟ قال: النظر إلى وجه الله تعالى الجميل، ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقا، طوبي لك غدا إذا كشف الغطاء، وأفضيت إلى جسيم ثواب ربك الكريم، فإذا نزل به ملك الموت سقاه الله تعالى عند خروج نفسه شربة من حياض الفردوس، ويهون عليه سكرات الموت حتى ما يجد ألم الموت، ويظل في قبره ريان، ويظل في الموقف ريان حتى يرد حوض النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإذا خرج من قبره شيعه سبعون ألف ملك، معهم النجائب من الدر والياقوت، ومعهم طرائف الحلي والحلل، فيقولون له: يا ولي الله، النجاء النجاء إلى ربك عز وجل الذي أظمأت له نهارك، وأنحلت له جسمك، فهو من أول الناس دخولا جنات عدن يوم القيامة مع الفائزين، -رضي الله عنهم ورضوا عنهم-، وذلك هو الفوز العظيم. قال: وإن كان له في كل يوم يصومه صدقة على زنة قوته، تصدق بها، فهيهات هيهات هيهات ثلاثا، لو اجتمع جميع الخلائق على أن يقدروا قدر ما أعطى ذلك العبد من الثواب ما بلغوا معشار العشر مما أعطى الله ذلك العبد من الثواب". وعن عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من فرج عن مؤمن # كربة في شهر رجب، وهو شهر الله الأصم، أعطاه الله تعالى في الفردوس قصرا مد بصره ألا فأكرموا رجب يكرمكم الله عز وجل بألف كرامة. وعن عقبة عن سلامة بن قيس يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من تصدق في رجب باعده الله من النار كمقدار غراب طار فرخا من وكره في الهواء، حتى مات هرما" وقيل الغراب يعيش خمسمائة عام. وأما السابق، فلأنه أول الأشهر الحرام. وأما الفرد، فلأنه مفرد عن إخوانه، كما روي ثور بن يزيد، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع في خطبته: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد: رجب مضر الذي بين جمادي وشعبان". (فصل آخر) : عن عكرمة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي". وعن موسى بن عمران قال: سمعت أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن في الجنة نهرا يقال له رجب، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، من صام يوما من رجب سقاه الله من ذلك النهر". وعن أنس بن مالك أنه قال: "إن في الجنة قصرا لا يدخله إلا صوام رجب". وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: "لم يصم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهرا بعد رمضان إلا رجب وشعبان". وعن أنس -رضي الله عنه- أيضا قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من صام ثلاثة أيام من الشهر الحرام الخميس والجمعة والسبت، كتب الله له عبادة تسعمائة سنة". وقيل: رجب لترك الجفاء، وشعبان للعمل والوفاء، ورمضان للصدق والصفاء. رجب شهر التوبة، شعبان شهر المحبة، رمضان شهر القربة. رجب شهر الحرمة، شعبان شهر الخدمة، رمضان شهر النعمة. رجب شهر العبادة، شعبان شهر الزهادة، رمضان شهر الزيادة. رجب شهر يضاعف الله فيه الحسنات، شعبان شهر تكفر فيه السيئات، رمضان شهر تنتظر فيه الكرامات. رجب شهر السابقين، شعبان شهر المقتصدين، رمضان شهر العاصين. وقال ذو النون المصري -رحمه الله-: رجب لترك الآفات، وشعبان لاستعمال الطاعات، ورمضان لانتظار الكرامات، فمن لم يترك الآفات، ولم يستعمل الطاعات، ولم ينتظر الكرامات، فهو من أهل الترهات. وقال أيضا -رحمه الله-: رجب شهر الزرع، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر الحصاد، وكل يحصد ما زرع، ويجزي ما صنع، ومن ضيع الزراعة ندم يوم حصاده، وأخلف ظنه مع سوء معاده.
وقال بعض الصالحين: السنة شجرة، رجب أيام إيراقها، وشعبان أيام إثمارها، ورمضان أيام قطافها. وقيل: خص رجب بالمغفرة من الله تعالى، وشعبان بالشفاعة، ورمضان بتضعيف الحسنات، وليلة القدر بإنزال الرحمة، ويوم عرفة بإكمال الدين، كما قال الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم]، ويوم الجمعة بإجابة أدعية الداعين، ويوم العيد بالعتق من النار، وفكاك رقاب المؤمنين. وروي زياد المازني، عن الحسين بن علي -رضي الله عنهما- أنه قال: صوم رجب وشعبان توبة من الله عز وجل. وروى عن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من صام يوما من رجب، فكأنما صام ألف سنة، وكأنما اعتق ألف رقبة، ومن تصدق فيه بصدقة، فكأنما تصدق بألف دينار، وكتب الله له بكل شعرة على بدنه ألف حسنة، ورفعت ألف درجة، ومحا عنه ألف سيئة، وكتب له بكل يوم يصومه وبكل صدقة يتصدق بها ألف حجة وألف عمرة، وبني له في الجنة ألف دار وألف قصر وألف # حجرة، في كل حجرة ألف مقصورة، وفي كل مقصورة ألف حور، كل حور أحسن من الشمس ألف مرة". (فضل: في فضل صيام أول يوم من رجب، وقيام أول ليلة منه). أخبرنا الإمام الشيخ هبة الله السقطي رحمه الله بإسناده عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل رجب، قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان كما بلغتنا رجب". وأخبرنا الشيخ الإمام هبة الله السقطي بإسناده عن ميمون بن مهران بإسناده عن أبي ذر -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من صام أول يوم من رجب عدل صيام شهر، ومن صام سبعة أيام أغلقت عنه أبواب جهنم السبعة، ومن صام ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ومن صام منه عشرة أيام، بدل الله سيئاته حسنات، ومن صام منه ثمانية عشر يوما نادى منادي من الماء: قد غفر لك فاستأنف العمل". وأخبرنا الشيخ الإمام هبة الله بإسناده عن سلامة بن قيس يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من صام أول يوم من رجب تباعدت عنه ذنوبه بقدر ما بين السماء والأرض وذكر باقي الحديث". وعن أنس بن مالك يرفعه "من صام أول يوم من رجب كفر الله عنه ذنوبه سنتين، ومن صام خمسة عشر يوما حاسبه الله حسابا يسيرا، ومن صام ثلاثين يوما من رجب كتب الله له رضوانه ولم يعذبه". وروي أن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- كتب إلي الحجاج بن أرطأة وهو على البصرة وقيل: إلى عدي بن أرطأة: عليك بأربع ليال في السنة فإن الله تعالى يفرغ فيهن الرحمة إفراغا، وهي أول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلة السابع والعشرين من رجب، وليلة الفطر. وعن خالد بن معدان -رحمه الله- أنه قال: خمس ليال في السنة من واظب عليهن رجاء ثوابهن، وتصديقا بوعدهن، أدخله الله تعالى الجنة: أول ليلة من رجب يقوم ليلها # ويصوم نهارها، وليلتي العيدين يقوم ليلهما ويفطر نهارهما وليلة النصف من شعبان يقوم ليلها ويصوم نهارها، وليلة عاشوراء يقوم ليلها ويصوم نهارها. (فصل) وقد جمع بعض العلماء -رحمهم الله- الليالي التي يستحب إحياؤها فقال: إنها أربع عشرة ليلة في السنة، وهي أول ليلة من شهر المحرم، وليلة عاشوراء، وأول ليلة من شهر رجب، وليلة النصف منه، وليلة سبع وعشرين منه، وليلة النصف من شعبان، وليلة عرفة، وليلتا العيدين، وخمس ليال منها في شهر رمضان وهي وتر ليالي العشر الأواخر. وكذلك يستحب مواصلة سبعة عشر يوما بالأوراد والمواظبة على العبادة فيها، وهي: يوم عرفة، ويوم عاشوراء، ويوم النصف من شعبان، ويوم الجمعة، ويوما العيدين، والأيام المعلومات وهي عشر ذي حجة، والأيام المعدودات وهي أيام التشريق، وأكدها يوم الجمعة وشهر رمضان، لما روي أنس -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا سلم يوم الجمعة سلمت الأيام وإذا سلم شهر رمضان سلمت السنة".
ثم آكد الأيام وأفضلها بعد ذلك يوم الاثنين والخميس، وهما يومان ترفع فيهما الأعمال إلى الله عز وجل. (فصل: في الأدعية المأثورة في أول ليلة من رجب) ويستحب أن يدعو في أول ليلة من رجب إذا فرغ من صلاته بهذا الدعاء وهو أن يقول: إلهي تعرض لك في هذه الليلة المتعرضون، وقصدك القاصدون، وأمل فضلك ومعروفك الطالبون، ولك في هذه الليلة نفحات وجوائز وعطايا ومواهب، تمن بها على من تشاء من عبادك، وتمنعها ممن لم تسبق له العناية منك، وها أنا عبدك الفقير إليك، المؤمل فضلك ومعروفك، فإن كنت يا مولاي تفضلت في هذه الليلة على أحد من خلقك وجدت عليه بعائدة من عطفك، فصل على محمد وآله، وجد على بطولك ومعروفك يا رب العالمين. وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يفرغ نفسه للعبادة في أربع ليال في السنة وهي: أول ليلة من رجب، وليلة الفطر، وليلة الأضحى، وليلة النصف من شعبان. وكان من دعائه فيها" اللهم صل على محمد وآله ومصابيح الحكمة وموالي النعمة ومعادن العصمة، واعصمني بهم من كل سوء، ولا تأخذني على غرة ولا على غفلة، ولا تجعل عواقب أمري حسرة وندامة، وارض عني، فإن مغفرتك للظالمين وأنا من الظالمين، اللهم اغفر لي ما لا يضرك، وأعطني ما لا ينفعك، فإنك الواسعة رحمته، البديعة حكمته، فأعطني السعة والدعة والأمن والصحة والشكر والمعافاة والتقوى والصبر والصدق عليك وعلى أوليائك، وأعطني اليسر مع العسر، وأعمم بذلك أهلي وولدي وإخواني فيك، ومن ولدتني من المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات. (فصل: في الصلاة الواردة في شهر رجب) أخبرنا الشيخ الإمام هبة الله بن المبارك السقطي حدثنا محمد بن أحمد المحاملي، حدثنا علي بن محمد المعدل بن إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا سعدان بن نصر بن منصورا البزار، أخبرنا سفيان بن عيينة عن الأعمش عن طارق بن شهاب عن سلمان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال وقد استهل رجب: "يا سلمان ما من مؤمن ولا مؤمنة يصلي في هذا الشهر ثلاثين ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب و {قل هو الله أحد} ثلاث مرات، و {قل يا أيها الكافرون ...} ثلاث مرات، إلا محا الله عنه ذنوبه، وأعطى من الأجر كمن صام الشهر كله، وكان من المصلين إلى السنة المقبلة ورفع له كل يوم عمل شهيد من شهداء بدر، وكتب له بصيام كل يوم عبادة سنة، ورفع له ألف درجة، فإن صام الشهر كله وصلى هذه الصلاة أنجاه الله من النار وأوجب له الجنة، وكان في جوار الله سبحانه، أخبرني بذلك جبريل -عليه السلام- وقال: يا محمد هذه علامة بينكم وبين المشركين والمنافقين، لأن المنافقين لا يصلون ذلك. قال سلمان -رضي الله عنه-: قلت يا رسول الله، أخبرني كيف أصليها ومتى أصليها. قال: يا سلمان تصلي في أوله عشر ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة واحدة، و {قل هو الله أحد ....} ثلاث مرات، و {قل يا أيها الكافرون ...} ثلاث مرات، فإذا سلمت رفعت يديك وقلت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ثم امسح بهما وجهك. وصل في وسط الشهر عشر ركعات اقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة واحدة، و {قل هو الله أحد ...} ثلاث مرات، و {قل يا أيها الكافرون ..} ثلاث مرات، فإذا سلمت فارفع يديك إلى السماء وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، إلها واحدا صمدا فردا وترا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ثم امسح بهما على وجهك.
وصل في آخر الشهر عشر ركعات اقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة واحدة، و {قل هو الله أحد ...} ثلاث مرات، و {قل يا أيها الكافرون ...} ثلاث مرات، فإذا سلمت فارفع يديك إلى السماء وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وسل حاجتك يستجب لك دعاؤك، ويجعل الله بينك وبين جهنم سبعين خندقا، كل خندق كما بين السماء والأرض، ويكتب لك بكل ركعة ألف ألف ركعة، ويكتب لك براءة من النار وجوازا على الصراط". قال سلمان -رضي الله عنه-: فلما فرغ النبي -صلى الله عليه وسلم- من الحديث، خررت ساجدا أبكي شكرا لله تعالى لما سمعت من هذه الزيادة، وجدت في كتاب العمل بالسنة، والله أعلم. فصل في تأكيد الفضيلة في صوم أول الخميس من رجب والصلاة في أول ليلة الجمعة أخبرنا الشيخ أبو البركات هبة الله السقطي، اخبرنا القاضي أبو الفضل جعفر بن يحيى بن الكمال المكي، أخبرنا أبو عبد الله بن الحسين بن عبد الكريم بن محمد بن محمد الجزري بمكة في المسجد الحرام، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن جهضم الهمداني، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن سعيد السعدي البصري، أخبرنا أبي، قال: أخبرنا خلف بن عبد الله الصغاني، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، قيل: يا رسول الله ما معنى قولك شهر الله؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: لأنه مخصوص بالمغفرة، وفيه تحقن الدماء، وفيه تاب الله تعالى على أنبيائه، وفيه أنقد أولياءه من يد أعدائه، ومن صامه استوجب على الله ثلاثة أشياء: مغفرة لجميع ما سلف من ذنوبه، وعصمة فيما بقي من # عمره، وأما الثالث فيأمن العطش يوم العرض الأكبر، فقام شيخ ضعيف فقال: يا رسول الله إني أعجز عن صيامه كله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: صم أول يوم منه وأوسط يوم فيه، وآخر يوم منه، فإنك تعكي ثواب من صامه كله، فإن الحسنة بعشر أمثالها، ولكن لا تغفلوا عن أول ليلى جمعة في رجب، فإنها ليلة تسميها الملائكة ليلة الرغائب، وذلك أنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى ملك في جميع السموات والأرضين إلا ويجتمعون في الكعبة وحواليها، فيطلع الله تعالى عليهم اطلاعة فيقول: ملائكتي سلوني ما شئتم، فيقولون: ربنا حاجتنا إليك أن تغفر لصوام رجب، فيقول الله تعالى: قد فعلت ذلك. ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فما من أحد يصوم يوم الخميس أول خميس في رجب، ثم يصلي فيما بين المغرب والعشاء العتمة -يعني ليلة الجمعة- اثنتا عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة بقاتحة الكتاب مرة و {إنا انزلناه في ليلة القدر ....} ثلاث مرات، و {قل هو الله أحد ..} اثنتا عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، فإذا فرغ من صلاته صلى علي سبعين مرة يقول: الله صل على محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم، ثم يسجد سجدة يقول في سجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه فيقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، فإنك أنت العزيز الأعظم سبعين مرة، ثم يسجد الثانية فيقول فيها مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله حاجته في سجوده، فإنها تقضى".
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده ما من عبد ولا أمة صلى هذه الصلاة إلا غفر الله له جميع ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وعدد الرمل ووزن الجبال، وعدد قطر الأمطار ووزن الأشجار، وشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته، فإذا كانت أول ليلة في قبره جاءه ثواب هذه الصلاة بوجه طلق ولسان ذلق، فيقول له: يا حبيبي أبشر فقد نجوت من كل شدة، فيقول: من أنت؟ فو الله ما رأيت رجلا أحسن وجها من وجهك، ولا سمعت كلاما أحلى من كلامك، ولا شممت رائحة أحلى من رائحتك، فيقول له: يا حبيبي أنا ثواب تلك الصلاة التي صليتها في ليلة كذا في شهر كذا في سنة كذا، جئت الليلة لأقضي حاجتك، وأؤنس وحدتك، وأدفع عنك وحشتك، فإذا نفخ في الصور أظللتك في عرصات القيامة على رأسك، فأبشر فلن تعدم الخير من مولاك أبدا". (فصل: في فضل صيام يوم السابع والعشرين من رجب) أخبرنا الشيخ أبو البركات هبة الله السقطي، قال: أخبرنا الشيخ الحافظ أبو بكر أحمد بن علي ثابت بن الخطيب، قال: أخبرنا عبد الله بن علي بن محمد بشير، قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ، أخبرنا أبو بكر نصر بن جيشون بن موسى الخلال، أخبرنا علي بن سعيد الديلمي، أخبرنا ضمرة بن ربيعة القرشي عن ابن شوذب عن مطر صام يوم السابع والعشرين من رجب كتب له ثواب صيام ستين شهرا، وهو أول يوم نزل فيه جبريل على النبي -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة". وأخبرنا هبة الله بإسناده عن الحسن البصري -رحمه الله- قال: "كان عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- إذا كان يوم السابع والعشرين من رجب أصبح معتكفا وظل مصليا إلى وقت الظهر، فإذا صلى الظهر تنفل هنيهة، ثم صلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة {الحمد لله ...} مرة، والمعوذتين مرة، و {إنا أنزلناه في ليلة القدر ....} ثلاثا، و {قل هو الله أحد ...} خمسين مرة، ثم يخلد إلى الدعاء إلى قوت العصر ويقول: هكذا كان يصنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا اليوم". وأخبرنا هبة الله بإسناده عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وسلمان الفارسي -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن في رجب يوما وليلة من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان له من الأجر كمن صام مائة سنة وقامها" وهي لثلاث بقين من رجب، وهو اليوم الذي بعث فيه نبينا -صلى الله عليه وسلم-. (فصل: في آداب الصيام، وما ينهي عنه من الآثام) يننبغي للصائم أن يجرد صومه من الآثام ويتمه بتقوى الله عز وجل لما أخبرنا به الشيخ هبة الله، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن عبد الله الفقيه الحنبلي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الحافظ، قال: أخبرنا الحسين بن جعفر الواعظ، قال: أخبرنا أحمد بن عيسى بن السكن، قال: أخبرنا ابن إسحاق الملقب بالحسام قال: أخبرنا إسحاق بن رزين الراسني، قال: أخبرنا إسماعيل بن يحيى، قال: أخبرنا مسعر بن كدام، عن فصل في آداب الصيام فصل في فضل صيام يوم السابع والعشرين من رجب عطية عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "رجب من الشهور الحرام وأيامه مكتوبة على باب السماء السادسة، فإذا صام الرجل منه يوما وجرد صومه بتقوى الله عز وجل نطق الباب ونطق اليوم وقالا: يا رب اغفر له، وإذا لم يتم صومه بتقوى الله تعالى لم يستغفر له وقالا له أو قيل له: خدعتك نفسك". وعن الأعرج عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يجهل، فإن امرأ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم". وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من لم يترك قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يترك طعامه وشرابه".
وعن الحسن عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الصيام جنة من النار ما لم يخرقه، قيل: وما يخرقه؟ قال: بكذبة أو بغيبة". وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ليس الصيام من الأكل والشرب، ولكن الصيام من اللغو والرفث". أخبرنا الشيخ أبو نصر محمد بن البناء، قال: أخبرنا والدي الشيخ أبو علي بن الحسن ابن أحمد بن عبد الله بن البناء، قال: أخبرنا محمد الحافظ، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا جعفر بن محمد الحمال، قال: حدثنا سعيد بن عتبة، قال: أخبرنا بقية بن خلف، قال: حدثنا محمد بن الحجاج، عن خاقان، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خمس يفطران الصائم وينقضن الوضوء، الكذب، والنميمة، والغيبة، والنظر بشهوة، واليمين الكاذبة". وأخبرنا أبو نصر عن والده بإسناده عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من صام من ظل يأكل لحوم الناس". وأخبرنا أبو نصر عن والده بإسناده عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: "من تأمل خلف امرأة من فوق ثيابها بطل صومه". وأخبرنا أبو نصر بإسناده عن سليمان بن موسى قال: قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك من الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة، ولا تجعل يوم صومك ويم فطرك سواء. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر". وقال -صلى الله عليه وسلم-: "اهتز لذلك العرش وغضب له الرب" عني به -صلى الله عليه وسلم- إذا لم يرد بالعمل وجه الله تعالى بل أريد به الخلق. وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك، ومن أشرك معي شريكا في عمله فهو لشريكي دوني، إني لا أقبل إلا ما أخلص لي، يا ابن آدم أنا خير قيم فانظر عملك الذي عملت لغيري فإنما جزاؤك على الذي عملت له". وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول في دعائه: "اللهم طهر لساني من الكذب، وقلبي من النفاق، وعملي من الرياء، وبصري من الخيانة. فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور". فينبغي للصائم أن يتأدب ويحذر من الرياء ونظر الخلق وعلمهم في صومه وجميع عباداته، لئلا يخسر الدنيا والآخرة. وحدثنا الشيخ أبو نصر عن والده بإسناده عن أبي فراش أنه سمع عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "صام نوح الدهر إلا يومين الفطر والأضحى، وصام داود نصف الدهر، وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر، صام الدهر وأفطر الدهر". وأخبرنا الشيخ أبو نصر، عن والده بإسناده عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن فصل استجابة الدعوة في شهر رجب فصل ما يقوله عند الإفطار عبد الله - رضي الله عنهما - "أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل البادية فقال: يا رسول الله أخبرني عن صومك، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى احمرت وجنتاه، فلما رأى ذلك عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - أقبل على الرجل فزجره وانتهره حتى أسكته، فلما سرى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عمر - رضي الله عنه -: يا نبي الله جعلني الله فداءك أخبرني عن رجل يصوم الدهر كله؟ قال: لا صام ذلك ولا أفطر، أو صام ذلك ولا أفطر، فقال: يا نبي الله أخبرني عن رجل يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؟ قابل -صلى الله عليه وسلم -: ذلك صوم الدهر كله، فقال: يا نبي الله أخبرني عن رجل صوم الاثنين والخميس؟ قال - صلى الله عليه وسلم - أما الخميس فيوم ترفع فيه الأعمال، وأما الاثنين فهو اليوم الذي ولدت فيه وأنزل على في الوحي".
(فصل) فإذا جاء وقت الإفطار فليقل عند إفطاره: "بسم الله، اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك، ابللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم". وكان عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - يقول عند فطره: "اللهم إني ... أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي". وعن أبي العالية رحمه الله قال: من قال عند إفطاره: الحمد لله الذي علا فقهر، والحمد لله الذي نظر فخبر، والحمد لله الذي ملك فقدر، والحمد لله الذي يحيى الموتى، فقد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وعن مصعب بن سعيد، عن عبد الله بن الزبير عن سعيد بن مالك - رضي الله عنهم - قال: "إن النبي -صلى الله عليه وسلم - كان إذا أفطر عن غيره قال: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة". (فصل) اعلم أن شهر رجب تستجاب فيه الدعوة، وتقال فيه العثرة، وتضاعف على من اجترم فيه العقوبة. من ذلك ما أخبرنا هبة الله قال: أخبرنا القاضي هناد بن إبراهيم النسفي، قال: أخبرنا عبد القاهر بن عمر الجزري بها، قال: أخبرنا هبة الله، قال: أخبرنا محمد بن الفرحان قال: أنبأنا أحمد بن الحسين بن سعيد الأنباري، قال: أنبأنا محمد بن إبراهيم ابن يعقوب، قال: أنبأنا إبراهيم بن فراش، عن عمرو بن سمرة، عن موسى بن # العباس، عن الأصبغ، عن نباتة عن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما-قال: بينما نحن في الطواف إذ سمعنا صوتا وهو يقول شعرا: يا من يجيب دعاء المضطر في الظلم ... يا كاشف الكرب والبلوى مع السقم قد بات وفدك حول البيت والحرم ... ونحن ندعو وعين الله لم تنم هب لي بجودك ما أخطأت من جرم ... يا من أشار إليه الخلق بالكرم إن كان عفوك لم يسبق لمجترم ... فمن يجود على العاصين بالنعم قال الحسين بن علي -رضي الله عنهما-: قال لي أبي علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: يا حسين أما تسمع النادب ذنبه والمعاتب ربه، امض فعساك تدركه وناده، قال الحسين -رضي الله عنه-: فأسرعت حتى أدركته، وإذا أنا برجل جميل الوجه نقي البدن نظيف الثياب طيب الريح، إلا أنه قد شل جانبه الأيمن، فقلت: أجب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فقام يجر شقه حتى وقف على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه فقال له: من أنت وما شأنك؟ قال: يا أمير المؤمنين ما شأن من أخذ بالعقوبة ومنع الحقوق؟ قال: وما اسمك؟ قال: منازل بن لاحق، قال: فما قصتك؟ قال: كنت مشهورا في العرب باللهو والطرب، أركض في صبوتي ولا أفيق من غفلتي، إن تبت لم تقبل توبتي، وإن استقلت لم تقبل عثرتي، أديم العصيان في رجب وشعبان، وكان لي والد شفيق رفيق، يحذرني مصارع الجهالة وشقوة المعصية يقول لي: يا بني لله سطوات ونقمات، فلا تتعرض لمن يعاقب بالنار، فكم قد ضج منك الظلام، والملائكة الكرام والشهر الحرام والليالي والأيام، وكان إذا ألح علي بالعتب ألححت عليه بالضرب، فأبلغت إليه يوما فقال: والله لأصومن ولا أفطر، ولأصلين ولا أنام فصام أسبوعا ثم ركب جملا أورق وأتى مكة يوم الحج الأكبر وقال: لأفدن إلى بيت الله الحرام ولأستعدين عليك الله، قال: فقدم مكة يوم الحج الأكبر، فتعلق بأستار الكعبة ودعا علي وقال: يا من إليه أتى الحجاج من بعد ... يرجون لطف عزيز واحد صمد هذا منازل لا يرتد عن عققي ... فخذ بحقي يا رحمان من ولدي وشل منه بجود منك جانبه ... يا من تقدس لم يولد ولم يلد قال: فو الذي رفع السماء وأنبع الماء ما استتم كلامه حتى شل جانبي الأيمن، # فظللت كالخشبة الملقاة بأرجاء الحرم، وكان الناس يغدون ويروحون علي ويقولون: هذا أجاب الله فيه دعوة أبيه.
فقال له -رضي الله عنه-: فما فعل أبوك؟ قال: يا أمير المؤمنين سألته أن يدعو الله لي في المواضع التي دعا علي فيها بعد أن رضا عني، فأجابني، فحملته على ناقة وجدت في السير حتى وصلنا إلى واد هناك يقال له واد الأراك، فنفر طائر من شجرة، فنفرت الناقة فوقع منها ومات في الطريق. فقال علي -رضي الله عنه-: ألا أعلمك دعوات سمعتها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: ما دعا بها مهموم إلا فرج الله تعالى عنه همه، ولا مكروب إلا فرج الله تعالى عنه كربه، فقال: نعم. فقال الحسين بن علي -رضي الله عنهما-: فعلمه الدعاء، فدعا به وخلص من مرضه وغدا علينا صحيحا سالما، فقلت للرجل: كيف عملت؟ قال: لما هدأت العيون دعوت به مرة وثانية وثالثة، فنوديت: حسبك الله فقد دعوت الله باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ثم حملتني عيني فنمت، فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في منامي، فعرضتها عليه فقال -صلى الله عليه وسلم-: صدق علي ابن عمي، فيها اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ثم حملتني عيني مرة ثانية فرأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله أريد أن أسمع الدعاء منك، فقال -صلى الله عليه وسلم-: قل اللهم إني أسألك يا عالم الخفية، ويا من السماء بقدرته مبنية، ويا من الأرض بعزته مدحية، ويا من الشمس والقمر بنور جلاله مشرقة ومضية، ويا مقبلا على كل نفس مؤمنة زكية، ويا مسكن رعب الخائفين وأهل التقية، يا من حوائج الخلق عنده مقضية، يا من نجى يوسف من رق العبودية، يا من ليس له بواب ينادي، ولا صاحب يغشى، ولا وزير يؤتى، ولا غيره رب يدعى، ولا يزداد على كثرة الحوائج إلا كرما وجودا، وصلى الله على محمد وآله، وأعطني سؤالي إنك على كل شيء قدير، قال: فانتبهت وقد برأت. قال علي -رضي الله عنه-: تمسكوا بهذا الدعاء، فإنه كنز من كنوز العرش، وقد نقل مثل ذلك في زمن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وغيره مما يطول شرحه. وفي الجملة لا ينبغي لذي لب أن يستهين بالمعاصي والمظالم ودعاء المظلوم، فقد قال # النبي -صلى الله عليه وسلم- "الظلم ظلمات يوم القيامة". وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله ليستحين إذا بسط العبد كفيه إليه بالدعاء أن يردهما صفرا، فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يؤخره له في يوم القيامة". وقد أنشد في ذلك: أتسمع بالدعاء فتزدريه ... تبين فيك ما صنع الدعاء سهام الليل لا تخطى ولكن ... لها أمد وللأمد انقضاء مجلس في فضل شهر شعبان وما ينزل في ليلة النصف من المغفرة والرضوان أخبرنا الشيخ أبو نصر محمد، عن والده أبي علي الحسين، أخبرنا أبو الحسين علي بن أحمد بن عمر بن حفص جعفر المقري بإفتاء أبي الفتح الحافظ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، أخبرنا إسحاق بن الحسن، أخبرنا عبد الله بن سلمة، أخبرنا مالك بن أنس، عن أبي النضر -مولى عمر بن عبد الله -عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- ورضي عنها أنها قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته صام في شهر أكثر من صيامه في شعبان" وهو حديث صحيح أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك رحمه الله.
وأخبرنا أبو نصر عن محمد عن والده بإسناده عن هشام بن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وكان أحب صيامه في شعبان، فقلت: يا رسول الله ما لي أرى صيامك في شعبان؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: يا عائشة إنه شهر ينسخ لملك الموت فيه اسم من يقبض روحه في بقية العام فأنا أحب ألا ينسخ اسمي إلا وأنا صائم". وأخبرنا أبو نصر عن محمد عن والده بإسناده عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: "لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم في شهر بعد رمضان أكثر من صيامه في شعبان". وذلك أن كل من يموت في تلك السنة ينسخ اسمه في شعبان من الأحياء إلى الأموات، وإن الرجل ليسافر وقد نسخ اسمه فيمن يموت. وحدثنا أبو نصر عن والده بإسناده عن ثابت عن أنس -رضي الله عنه- قال: "سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أفضل الصيام قال: صيام شعبان تعظيما لرمضان". وأخبرنا أبو نصر عن والده بإسناده عن معاوية بن الصالح قال: إن عبد الله بن قيس حدثه أنه سمع عائشة -رضي الله عنها- تقول: "كان أحب الشهور إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شعبان يصله برمضان". وقال عبد الله -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من صام آخر يوم إثنين من شعبان غفر له" يعني آخر إثنين فيه، لا آخر يوم من الشهر، لأن استقبال الشهر باليوم واليومين فيه منهى عنه. وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما سمي شعبان لأنه ينشعب لرمضان فيه خير كثير، وإنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب". (فصل) قال الله تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص: 68]. فالله تعالى اختار من كل شيء أربعة، ثم اختار من الأربعة واحدا. اختار من الملائكة أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، ثم اختار منهم جبريل. واختار من الأنبياء عليهم السلام أربعة: إبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا -صلى الله عليه وسلم- أجمعين، ثم اختار منهم محمدا -صلى الله عليه وسلم-. واختار من الصحابة -رضي الله عنهم- أربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليا -رضي الله عنهم-، ثم اختار منهم أبا بكر -رضي الله عنه-. ومن المساجد أربعة: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد المدينة المشرفة ومسجد طور سيناء، ثم اختار منها المسجد الحرام. ومن الأيام أربعة: يوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة ويوم عاشوراء، ثم اختار منها يوم عرفة. ومن الليالي أربعة: ليلة البراءة وليلة القدر وليلة الجمعة وليلة العيد، ثم اختار منها # ليلة القدر. ومن البقاع أربعة: مكة، والمدينة، وبيت المقدس، ومساجد العشائر، ثم اختار منها مكة. ومن الجبال أربعة: أحدا، وطور سيناء، ولكام، ولبنان، ثم اختار منها طور سيناء. ومن الأنهار أربعة: جيحون، وسيحون، والفرات، والنيل، ثم اختار منها فراتا. واختار من الشهور أربعة: رجب وشعبان ورمضان والمحرم، واختار منها شعبان، وجعله شهر النبي -صلى الله عليه وسلم- فكما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أفضل الأنبياء كذلك شهره أفضل الشهور. وقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "شعبان شهري، ورجب شهر الله، ورمضان شهر أمتي، شعبان هو المكفر، ورمضان هو المطهر". وقال -صلى الله عليه وسلم-: "شعبان شهر بين رجب ورمضان يغفل الناس عنه، وفيه ترفع أعمال العباد إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم". وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "فضل رجب على سائر الشهور كفضل القرآن على سائر الكلام، وفضل شعبان على سائر الشهور كفضلي على سائر الأنبياء، وفضل رمضان على سائر الشهور كفضل الله تعالى على سائر خلقه".
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: "كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم إذا نظروا إلى هلال شعبان أكبوا على المصاحف يقرؤونها، وأخرج المسلمون زكاة أموالهم ليتقوى بها الضعيف والمسكين على صيام شهر رمضان، ودعا الولاة أهل السجن، فمن كان عليه حد أقاموه عليه وإلا خلوا سبيله، وانطلق التجار فقضوا ما عليهم وقبضوا ما لهم، حتى إذا نظروا إلى هلال رمضان اغتسلوا واعتكفوا". (فصل) شعبان خمسة أحرف ، شين وعين وباء وألف ونون، فالشين من الشرف، والعين من العلو، والباء من البر، والألف من الألفة، والنون من النور، فهذه العطايا # من الله تعالى للعبد في هذا الشهر. وهو شهر تفتح فيه الخيرات، وتنزل فيه البركات، وتترك فيه الخطيئات، وتكفر فيه السيئات، وتكثر فيه الصلوات على محمد -صلى الله عليه وسلم- خير البريات. وهو شهر الصلاة على النبي المختار، قال الله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56]. فالصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الشفاعة والاستغفار ومن المؤمنين الدعاء والثناء. وقال مجاهد رحمه الله: الصلاة من الله التوفيق والعصمة، ومن الملائكة العون والنصرة، ومن المؤمنين الاتباع والحرمة. وقال ابن عطاء: الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- من الله تعالى الوصلة، ومن الملائكة الرقة، ومن المؤمنين المتابعة والمحبة. وقال غيره: صلاة الرب تبارك وتعالى على نبيه -صلى الله عليه وسلم- تعظيم الحرمة، وصلاة الملائكة عليه -صلى الله عليه وسلم- إظهار الكرامة، وصلاة الأمة عليه -صلى الله عليه وسلم- طلب الشفاعة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا". فينبغي لكل مؤمن لبيب ألا يغفل في هذا الشهر، بل يتأهب فيه لاستقبال شهر رمضان بالتطهر من الذنوب والتوبة عما فات وسلف فيما مضى من الأيام، فيتضرع إلى الله تعالى في شهر شعبان، ويتوسل إلى الله تعالى بصاحب الشهر محمد -صلى الله عليه وسلم- حتى يصلح فساد قلبه، ويداوي مرض سره، ولا يسوف ويؤخر ذلك إلى غد، لأن الأيام ثلاثة: أمس وهو أجل، واليوم وهو عمل، وغدا وهو أمل، فلا تدري هل تبلغه أم لا، فأمس موعظة، واليوم غنيمة، وغدا مخاطرة. وكذلك الشهور ثلاثة: رجب فقد مضى وذهب فلا يعود، ورمضان وهو منتظر لا تدري هل تعيش إلى إدراكه أم لا؟ وشعبان وهو واسطة بين شهرين فليغتنم الطاعة فيه. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لرجل وهو يعظه، قيل هو عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك # قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك". (فصل: في ليلة البراءة: وما خصت به من الكرامة والفضائل) قال الله عز وجل: {حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة} [الدخان: 1 - 3]. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: {حم} يعني قضى الله ما هو كائن إلى يوم القيامة {والكتاب المبين} يعني القرآن {إنا أنزلناه} يعني القرآن {في ليلة مباركة} هي ليلة النصف من شعبان وهي ليلة البراءة، وقال ذلك أكثر المفسرين سوى عكرمة فإنه قال: هي ليلة القدر. وقد سمى الله تعالى أشياء في القرآن مباركا: -منها سمى القرآن مباركا، قال: {وهذا ذكر مبارك أنزلناه} [الأنبياء: 50] فمن بركته أن من قرأه وآمن به اهتدى، وتخلص من النار ولظى، حتى يتعدى ذلك إلى الآباء والأبناء، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من قرأ القرآن نظرا في المصحف خفف الله عز وجل عن أبويه العذاب وإن كانا كافرين". -ومنها أنه عز وجل سمى الماء مباركا قال: {ونزلنا من السماء ماء مباركا} [ق: 9] فمن بركته أن حياة الأشياء به؛ كما قال الله عز وجل: {وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون} [الأنبياء: 30].