Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

قسم V01/P371–V01/P373

وهذا الكلام مع ظهوره قد خفي على أكثر الخواصّ وماذا نقول من العوامّ وجعلوا معرفة وحدة الوجود من شرائط الطّريق بتخيّل أنّ التّوحيد الشّهوديّ هو عين التّوحيد الوجوديّ وزعموا القائل بتعدّد الوجود ضالّا ومضلّا حتّى تخيّل الكثيرون منهم أنّ معرفة الحقّ سبحانه منحصرة في معارف التّوحيد الوجوديّ وتصوّروا أنّ شهود الوحدة في مرايا الكثرة من تمام الأمر حتّى صرّح بعضهم أنّ نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم كان بعد حصول كمالات النّبوّة في مقام الشّهود والوحدة في الكثرة وأنّ في قوله تعالى (إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) إشارة إلى ذلك المقام ويؤول العبارة هكذا (إِنّا أَعْطَيْناكَ) شهود الوحدة في الكثرة وكأنّه فهم هذه الإشارة من توسّط الواو بين حروف الكثر حاشا مقام النّبوّة من أن يليق بمثل هذه المعارف وكلا فإنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام إنّما دعوا إلى الله المنزّه عن المماثلة والمشابهة والّذي يكون له متّسع في مرايا المثاليّ ليس له نصيب من المثاليّ بل هو متّسم بسمة الكيف والمثال رزقهم الله سبحانه الإنصاف وكأنّهم يزنون الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام بميزان كمالاتهم ويزعمون كمالاتهم مماثلة لكمالاتهم (كبرت كلمة تخرج من أفواههم)، شعر: وليس لشيء كامن جوف صخرة . سواها سموات لديه ولا أرض وأحقر أمّته صلّى الله عليه وسلّم في استغفار وندامة من أمثال هذه المعرفة الّتي حصلت له في أوائل حاله وينفى ذلك الشّهود من جانب قدسه تعالى كحلول النّصارى قال الخواجه النّقشبند قدّس سرّه: كلّما يكون مرئيّا مسموعا أو متخيّلا أو موهوما فهو غيره تعالى ينبغي نفيه بحقيقة كلمة لا فكان شهود الوحدة في الكثرة أيضا مستحقّا للنّفي فهو منتف من جانب قدسه وكلام الخواجه هذا هو الّذي أخرجني من هذا الشّهود وأنجاني من التّعلّقات بالمشاهدة والمعاينة، وحوّل الرّحل من العلم إلى الجهل ومن المعرفة إلى الحيرة جزاه الله سبحانه خير الجزاء وأنا بهذا الكلام الواحد مريد الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه ومقرطق الاذن بكلامه هذا. والحقّ أنّ قليلا من الأولياء تكلّم بهذه العبارة ونفى جميع المشاهدات والمعاينات على هذا النّهج وقال هو يعني الخواجه النّقشبند في هذا المقام الّذي هو مقام الحقيقة: معرفة الحقّ سبحانه وتعالى حرام على بهاء الدّين لو لم تكن بدايته نهاية أبي يزيد فإنّ أبا يزيد مع عظم شأنه وجلالة قدره ما جاوز الشّهود والمشاهدة ولم يضع قدمه خارج مضيق سبحاني بخلاف الخواجه النّقشبند فإنّه نفى جميع مشاهداته بكلمة واحدة يعني كلمة لا، وجعل الكلّ غير الحقّ سبحانه وتنزيه البسطاميّ تشبيه عند الخواجه ولا مثاليه مثالي، وكماله نقص فلا جرم تكون نهايته الّتي لم تتجاوز التّشبيه بداية الخواجه، فإنّ البداية تكون من التّشبيه والنّهاية تكون إلى التّنزيه ولعلّه حصل الإطّلاع لأبي يزيد في آخر الحال على هذا النّقص حيث قال قبيل الإحتضار: إلهي ما ذكرتك الّا عن غفلة ولا خدمتك الّا عن فترة فعرف في ذلك الحال أنّ حضوره السّابق كان غفلة فإنّه ما كان حضور الحقّ سبحانه بل كان حضور ظلّ من الظّلال وظهور من الظّهورات فيكون غافلا عنه تعالى بالضّرورة فإنّه سبحانه غير الظّلال والظّهورات ووراء الوراء والظّلال والظّهورات إنّما هي مباد ومقدّمات ومعارج ومعدّات وما قال الخواجه قدّس سرّه: نحن ندرج النّهاية في البداية، مطابق للواقع فإنّ ابتداء توجّههم إلى الاحديّة الصّرفة لا يريدون من الإسم والصّفة غير الذّات وهذه الحال تحصل للمبتدئين الرّاشدين من هذه الطّائفة بطريق الإنعكاس من شيخ مقتدى به مشرّف بهذا الكمال عرفوا أو لم يعرفوا فتكون نهاية الكمال مندرجة في بداية هؤلاء الأكابر (غاية ما في الباب) أنّ هذا التّوجّه إلى الاحديّة لو غلب فيهم ونمى وجعل الظّاهر أيضا منصبغا بلون الباطن يكون السّالك حينئذ متخلّصا من رقّيّة مشاهدة السّفليّ وشهود الأدنى الّذي يظهر في مرايا الممكنات وهاربا من المعارف التّشبيهيّة وإن لم يغلب هذا التّوجّه بل كان مقصورا على الباطن فكثيرا ما يكون الظّاهر ملتذّا بشهود الوحدة في الكثرة ومحتظّا بالتّوحيد والاتّحاد ولكنّ هذا الشّهود مقصور في حقّهم على الظّاهر غير سار إلى الباطن بل باطنهم متوجّه إلى الاحديّة الصّرفة وظاهرهم مشاهد للوحدة في الكثرة بل ربّما لا يكون توجّه الباطن بواسطة غلبة نسبة الظّاهر معلوما ولا يكون شيء سوى الشّهود الظّاهريّ مفهوما كما كان ذلك في أوائل أحوال محرّر هذه السّطور فإنّه لم يكن له شعور من توجّه الباطن إلى الاحديّة الصّرفة بواسطة غلبة نسبة الظّاهر، ووجد نفسه متوجّها بالكلّيّة إلى شهود الوحدة في الكثرة ثمّ رزقه الحقّ سبحانه بعد مدّة الإطّلاع على توجّه الباطن ونصر الباطن على الظّاهر وأوصل المعاملة إلى هنا الحمد لله سبحانه على ذلك ومن هذا القبيل ما صدر من بعض خلفاء هذه الطّائفة العليّة من المعارف التّوحيديّة والمشاهدة السّفليّة لا أنّهم متوجّهون إلى هذا الشّهود ومبتلون بهذه المعرفة ظاهرا وباطنا بخلاف غيرهم حيث انّهم مبتلون بهذا الشّهود ظاهرا وباطنا ويزعمون هذا الشّهود جمعا بين التّشبيه والتّنزيه ويعدّونه من الكمال وإن كان لهم في الباطن إيمان بالتّنزيه الصّرف فإنّ الإبتلاء غير الإيمان والحال غير العلم.

قسم V01/P373–V01/P375

وأمّا الّذين لا إيمان لهم بالتّنزيه الصّرف ولا يعتقدون شيئا غير المشاهدة السّفليّة فهم الملاحدة وهم خارجون عن المبحث وشهود الحقّ جلّ وعلا في مرايا الممكنات الّذي يعدّه جماعة من الصّوفيّة كمالا ويزعمونه جمعا بين التّشبيه والتّنزيه ليس هو عند الفقير شهود الحقّ جلّ وعلا وليس المشهود فيها غير متخيّلهم ومنحوتهم ولا ما يرونه في الممكن واجبا ولا ما يجدونه في الحادث قديما ولا ما يظهر في التّشبيه تنزيها وإيّاك والإفتتان بترّهات الصّوفيّة واعتقاد غير الحقّ حقّا وهذه الجماعة وإن كانوا معذورين في خصوصهم بغلبة الحال ومحفوظين من المؤاخذة بذلك كالمجتهد المخطئ ولكن لا ندري ماذا تكون المعاملة بمقلّديهم ليتهم يكونوا كمقلّدي المجتهد المخطئ والّا فالأمر مشكل والقياس الإجتهاديّ أصل من الاصول الشّرعيّة ونحن مأمورون بتقليده بخلاف الكشف والإلهام فإنّا لم نؤمر بتقليده. والإلهام ليس بحجّة للغير، والحكم الإجتهاديّ حجّة للغير فيجب إذا تقليد العلماء المجتهدين وينبغي طلب أصول الدّين موافقة لآرائهم وما يقوله الصّوفيّة أو يفعلونه مخالفا لآراء العلماء المجتهدين لا ينبغي تقليده بل ينبغي السّكوت عن طعنهم بحسن الظّنّ بهم وأن يعدّه من شطحيّاتهم وأن يصرفه عن ظاهره. والعجب أنّ كثيرا من الصّوفيّة يدلّون العوامّ على الإيمان بأمورهم الكشفيّة كوحدة الوجود مثلا ويدعونهم إليه ويرغّبونهم في تقليدهم فيها ويهدّدونهم على عدم الإيمان بها وليتهم يدلّونهم على عدم الإنكار على هذه الامور ويهدّدون المنكرين فإنّ الإيمان غير عدم الإنكار. والإيمان بهذه الامور ليس بلازم ولكن ينبغي الإجتناب والإحتراز عن الإنكار لئلّا ينجرّ إنكار هذه الامور إلى إنكار أربابها فيؤدّي إلى بغض أولياء الحقّ جلّ وعلا وعداوتهم فاللّازم للإنسان العمل على وفق آراء علماء أهل الحقّ والسّكوت عن كشفيّات الصّوفيّة بحسن الظّنّ وعدم الجسارة بلا ونعم هو الحقّ المتوسّط بين الإفراط والتّفريط والله سبحانه الملهم للصّواب. ومن أعجب العجب أنّ جماعة من مدّعي هذا الطّريق لا يقنعون بهذا الشّهود والمشاهدة بل يزعمون هذا الشّهود تنزّلا ويقولون في أثناء ذلك بالرّؤية البصريّة ويقولون نرى ذات واجب الوجود المنزّه عن المثال ويقولون إنّ هذه الدّولة الّتي كانت ميسّرة للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرّة واحدة في ليلة المعراج تتيسّر لنا في كلّ يوم ويشبّهون النّور المرئيّ لهم بإسفار الصّبح ويزعمون ذلك النّور المرتبة اللّاكيفيّة ويتخيّلون ظهور ذلك النّور نهاية مراتب العروج تعالى الله سبحانه عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا. وأيضا إنّهم يثبتون المكالمة معه تعالى ويقولون: أمرنا الله سبحانه وتعالى بكذا وكذا وينقلون عنه سبحانه أحيانا وعيدا في حقّ أعدائهم ويبشّرون أحيانا أحبابهم ويقول بعضهم كلمة الحقّ سبحانه بقيّة ثلث اللّيل او ربعه إلى صلاة الصّبح وسألته عن كلّ باب ووجدت منه الجواب، لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوّا كبيرا ويفهم من كلمات هؤلاء الجماعة أنّهم يعتقدون ذلك النّور المرئيّ عين الحقّ سبحانه وعين ذاته تعالى لا انّهم يقولون إنّه ظهور من ظهوراته تعالى وظلّ من ظلاله ولا شكّ أنّ اعتقاد ذلك النّور ذات الحقّ سبحانه افتراء محض وإلحاد صرف وزندقة خالصة ومن نهاية تحمّله سبحانه وتعالى عدم استعجاله في عقوبة أمثال هؤلاء المفترين وتعذيبهم بأنواع العذاب وعدم استئصالهم سبحانك على حلمك بعد علمك سبحانك على عفوك بعد قدرتك وقد هلك قوم موسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام بمجرّد طلب الرّؤية وسمع موسى عليه السّلام نداء لن تراني بعد طلب الرّؤية وخرّ صعقا وتاب من ذلك الطّلب ومحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الّذي هو محبوب ربّ العالمين وأفضل الموجودات وسيّد الأوّلين والآخرين مع كونه مشرّفا بدولة المعراج البدنيّ وتجاوزه العرش والكرسيّ وعلوّه على الزّمان والمكان يعني خلوّه وخروجه منهما للعلماء اختلاف في رؤيته عليه الصّلاة والسّلام مع وجود الإشارة القرآنيّة إليها وأكثرهم قائلون بعدمها قال الإمام الغزاليّ: الأصحّ إنّه عليه الصّلاة والسّلام ما رأى ربّه ليلة المعراج وهؤلاء القاصرون يرون الله سبحانه كلّ يوم بزعمهم الباطل مع وجود القيل والقال بين العلماء في رؤية محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرّة واحدة فقبّحهم الله سبحانه ما أجهلهم.

قسم V01/P375–V01/P376

وأيضا يعلم من كلمات هؤلاء الجماعة أنّ نسبة الكلام الّذي يسمعونه إلى الله سبحانه عندهم كنسبة الكلام إلى المتكلّم وهذا عين الإلحاد معاذ الله سبحانه من أن يصدر عنه كلام بطريق تكلّم فيه ترتيب الحروف والتّقدّم والتّأخّر فإنّ ذلك من علامات الحدوث والّذي أوقعهم في الاغلوطات هو كلمات المشائخ الكبار فإنّهم أيضا أثبتوا له سبحانه الكلام والمكالمة. ولكن ينبغي أن يعلم: انّ المشائخ لا يقولون إنّ نسبة الكلام إليه تعالى كنسبته إلى المتكلّم بل يقولون إنّه كنسبة المخلوق إلى الخالق يقينا ولا محذور في ذلك أصلا فإنّ موسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام سمع من الشّجرة كلام الحقّ سبحانه وتعالى ونسبة هذا الكلام إلى الحقّ سبحانه كنسبة المخلوق إلى الخالق لا كنسبة الكلام إلى المتكلّم وكذلك الكلام الّذي كان يسمعه من جبريل عليه السّلام نسبته إلى الحقّ كنسبة المخلوق إلى الخالق. غاية ما في الباب أنّ ذلك الكلام أيضا كلام الحقّ سبحانه ومنكره كافر وزنديق وكأنّ كلام الحقّ مشترك بين الكلام النّفسيّ والكلام اللّفظيّ الّذي يوجده الحقّ سبحانه من غير توسّط أمر ما فيكون الكلام اللّفظيّ أيضا في الحقيقة كلام الحقّ سبحانه وتعالى فيكون منكره كافرا بالضّرورة فافهم فإنّ هذا التّحقيق ينفعك في كثير من المواضع والله سبحانه الموفّق وينبغي أن يعلم أنّ الوجود الّذي نثبته في الممكنات هو وجود ضعيف كسائر صفات الممكنات وما مقدار علم الممكن في جنب علم الواجب تعالى وأيّ اعتبار للقدرة الحادثة في جنب القدرة القديمة وكذلك وجود الممكن في جنب وجود الواجب لا شيء محض فكيف يقع النّاظر في الشّكّ من تفاوت مراتب هذين الوجودين أنّ إطلاق الوجود على هذين الفردين هل هو بطريق الحقيقة أو على أحدهما بطريق الحقيقة وعلى الآخر بطريق المجاز ألا ترى أنّ الجمّ الغفير من الصّوفيّة تيقّنوا بالشّقّ الثّاني وقالوا: إنّ إطلاق الوجود على وجود الممكن إنّما هو بطريق المجاز ولا يثبت الوجود للممكنات الّا العوامّ وأخصّ الخواصّ والمراد بأخصّ الخواصّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ومن كان مشرّفا بولايتهم الأصليّة من أممهم وطوى دائرة الظّلال بالتّمام فأمّا العوامّ فنظرهم مقصور على الظّاهر فيزعمون أنّ وجود الواجب ووجود الممكن قسمان من الوجود المطلق ويظنّون كليهما موجودين. وأمّا أخصّ الخواصّ فأبصارهم حديدة فيجدون كلا الوجودين من أفراد الوجود المطلق ويعدّون تفاوت مراتب أفراد الوجود المطلق راجعا إلى صفات الوجود واعتباراته لا إلى حقيقته وذاته حتّى يكون في أحدهما حقيقة وفي الآخر مجازا وأما المتوسّطون الّذين وضعوا أقدامهم فوق رتبة العوامّ وقصروا عن إدراك كمالات أخصّ الخواصّ فعسير عليهم أن يقولوا بوجود الممكنات وأن يطلقوا لفظ الوجود على وجود الممكن بطريق الحقيقة ومشكل ومن ههنا قالوا: إنّ الممكن إنّما يقال له موجودا بعلاقة أنّ له نسبة إلى الوجود كما يقال: ماء الشّمس لا إنّ الوجود قائم به حتّى يكون موجودا حقيقة. وبعض هؤلاء الجماعة ساكت عن وجود الممكن غير مصرّح بنفيه وإثباته وبعضهم ينفي الوجود عن الممكن ولا يرى موجودا غير الواجب تعالى. وبعضهم لا يقول بغيريّة وجود الممكن لوجود الواجب كما لا يقول بعينيّته له ويصرّح بعضهم أنّ الممكن موجود بعين الوجود الّذي به الواجب تعالى موجود وهذه العبارة أيضا تنفي الوجود عن الممكن وبالجملة يحتاج في إثبات وجود الممكن إلى حدّة النّظر حتّى يمكن رؤيته حين تشعشع أنوار وجود الواجب تعالى كما أنّ من لهم حدّة البصر يرون النّجوم في النّهار مع وجود تشعشع نور الشّمس والّذين ليس لهم حدّة البصر لا يقدرون رؤيتها فوجود الممكنات في جنب وجود الواجب كوجود الكواكب في النّهار من كان فيه حدّة البصر يقدر رؤيته ومن هو ضعيف البصر لا يقدرها (ع) وليس له منها نصيب ولا سهم فإن قيل: كيف يرى العوامّ وجود الممكنات مع وجود ضعف البصر وعمى البصيرة فيهم والحال أنّ تشعشع أنوار وجود الواجب مانع عن رؤيته يعني الضّعاف البصر؟

قسم V01/P376–V01/P377

(أجيب) أنّ العوامّ أرباب العلم لا أرباب الرّؤية، وكلامنا في أرباب الرّؤية لا في أرباب العلم فإنّهم خارجون عن المبحث فكان ظهور أنوار الواجب تعالى مفقودا في حقّهم فلا يكون مانعا عن رؤية وجود الممكنات في حقّهم أو نقول: إنّ ظهور أنوار الواجب إنّما هو مانع عن شهود وجود الممكنات لا إنّه مانع عن العلم بوجود الممكنات فإنّ العلم كثيرا ما يحصل بالسّماع والتّقليد والنّظر والإستدلال كما أنّ العلم بوجود الكواكب في النّهار حاصل لضعاف البصر أيضا مع وجود ظهور الشّمس وفي العوامّ العلم بوجود الممكنات لا شهوده فإنّ الشّهود من صفة البصيرة وبصيرة العوامّ مطموسة سواء كان المشهود ملكا أو ملكوتا أو جبروتا أو لاهوتا. (أيّها الأخ الأعزّ) إنّ العوامّ كما أنّهم مشاركون لاخصّ الخواصّ في هذا المبحث كذلك لهم مشاركة في مواضع أخر ومن ههنا كانت معاملة الأنبياء ومعائشهم عليهم الصّلاة والسّلام في كثير من الأحكام كمعاملة العوامّ ومعائشهم عليهم الصّلاة والسّلام في كثير من الأحكام كمعاملة العوامّ ومعائشهم ومعاشرتهم مع أهلهم وعيالهم وكان خير البشر صلّى الله عليه وسلّم يعامل أهله وعياله مثل معاملتهم وحسن معاشرته صلّى الله عليه وسلّم مشهور، نقل أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قبّل يوما الحسن والحسين رضي الله عنهما وأظهر لهما تمام الإنبساط فقال شخص من الحاضرين: إنّ لي أحد عشر ابنا ولم أقبّل واحدا منهم أصلا فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إنّ هذه الرّحمة أعطاها الله سبحانه لعباده من رحمته وحيث كانت لاخصّ الخواصّ مشاركة مع العوامّ في بعض الأوصاف وإن كانت صورة كان العوامّ محرومين من أكثر كمالاتهم بسبب نقصانهم وقصور إدراكهم وتخيّلهم إيّاهم كأنفسهم والّذين فارقوهم في الأوصاف والخصال تراهم يعظّمونهم ويوقّرونهم ولهذا يفضّلون أوصاف الأولياء وأخلاقهم على ما سواها من الأوصاف الّتي تشابه أوصافهم وأخلاقهم لكونها مغايرة لاوصافهم وأخلاقهم، وإن كانت تلك الأخلاق موجودة في الأنبياء عليهم السّلام (نقل) عن المخدوم الشّيخ فريد كنج شكر أنّه لمّا توفّي واحد من أولاده وبلغه خبر وفاته لم يطرأ عليه تغيّر أصلا وقال: مات جرو الكلب فأخرجوه ولمّا توفّي ولد سيّد البشر إبراهيم عليه السّلام بكى عليه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وحزن وقال: إنّا بفراقك لمحزونون. وبيّن حزنه بالتّأكيد مبالغة فانظر أيّهما أفضل الشّيخ فريد كنج شكر أم سيّد البشر صلّى الله عليه وسلّم؟ وعند العوامّ الّذين هم كالأنعام بل أضلّ معاملة الأوّل أولى وأفضل فإنّهم يعدّونها من عدم التّعلّق بالسّوى ويزعمون الثّاني عين التّعلّق بالفاني أعاذنا الله سبحانه من معتقداتهم السّوء وحيث انّ هذه الدّار دار امتحان وابتلاء فإلقاء العوامّ في الإشتباه والشّبهة عين الحكمة والمصلحة اللهمّ أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه بحرمة سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول: إنّ إيمان النّبيّ عليه السّلام وأصحابه الكرام والأولياء الملحقين بالأصحاب العظام بعد الشّهود قد تقرّر كونه بالغيب بواسطة الرّجوع إلى الدّعوة كما أنّ شخصا رأى الشّمس في النّهار ووجد فيه الإيمان الشّهوديّ بوجود الشّمس فإذا جاء اللّيل يتبدّل إيمانه الشّهوديّ بالايمان الغيبيّ وإيمان العلماء وإن كان غيبا ولكن غيبهم عرض له حكم الحدس بواسطة نور متابعة الأنبياء عليهم السّلام وخرج من كونه نظريّا واستدلاليّا والمراد بالعلماء هنا علماء الآخرة فإنّ علماء الدّنيا داخلون في عامّة المؤمنين وأفضل أقسام الإيمان الغيبيّ المنسوب إلى عامّة المؤمنين إيمان مربوط بتقليد الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ومنوط بقال الله وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فإن قيل: قال العلماء: إنّ الإيمان الاستدلاليّ أفضل من الإيمان التّقليديّ حتّى إنّ كثيرا من العلماء عدّوا الإستدلال من شرائط الإيمان ولم يعتبروا الإيمان التّقليديّ وأنت تقول: إنّ الإيمان التّقليديّ أفضل؟

قسم V01/P377–V01/P379

(أجيب) انّ الإيمان الحاصل بتقليد الأنبياء عليهم السّلام إيمان استدلاليّ فإنّ صاحب التّقليد يعرف بالدّليل أنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام صادقون في تبليغ الرّسالة من الله تعالى فإنّ الشّخص الّذي صدّقه الله سبحانه بالمعجزة صادق ألّبتّة والأنبياء عليهم السّلام كلّهم مؤيّدون بالمعجزات فيكون كلّهم صادقين والتّقليد الغير المعتبر هو تقليد الآباء في الإيمان فقط ولا يكون صدق الأنبياء عليهم السّلام وحقّيّة تبليغهم منظورا إليه أصلا وهذا الإيمان غير معتبر عند كثير من العلماء بقي الإيمان الإستدلاليّ الحاصل من ترتيب مقدّمات ارباب النّظر من الصّغرى والكبرى فهو استدلال قريب من الأماكن بعيد عن الوقوع ولا يعلم مضىّ أحد من أرباب النّظر في مقام الإستدلال على إثبات الواجب مثل مولانا جلال الدّين الدّوانيّ فإنّه محقّق ومتأخّر الزّمان وقد سعى هو في إثبات الواجب سعيا بليغا ومع ذلك لا يوجد مقدّمة من مقدّمات استدلالاته مسلّمة من النّقض والمعارضة والمنع والدّخل الموجّه الّتي أوردها محشوّ رسالته ويل لصاحب استدلال يحصّل الإيمان بمجرّد الإستدلال ولا يكون تقليد الأنبياء مستنده ومعتمده ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين. المكتوب الثّالث والسّبعون والمائتان إلى المرزا حسام الدّين أحمد في بيان أنّه ينبغي للسّالك أن يكون ثابتا ومستقيما على طريق شيخه غير ملتفت إلى طرق أخر وأن لا يعتبر الوقائع الّتي تظهر على خلافه فإنّها من الشّيطان العدوّ وما يناسب ذلك الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ عليهم من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها قد حصل السّرور والإبتهاج بوصول صحيفة الإلتفات المرسلة باسم هذا الحقير على وجه الكرم جزاكم الله سبحانه خير الجزاء وقد اندرج فيها أنّه لو كانت المبالغة في منع السّماع متضمّنة للمنع عن سماع المولد الّذي هو عبارة عن قراءة القصائد النّعتيّة والأشعار غير النّعتيّة يعسر ترك استماع المولد على الأخ الأعزّ المير محمّد نعمان وبعض الأصحاب الموجودين هنا لأنّهم رأوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الواقعة وهو صلّى الله عليه وسلّم راض عن مجلس المولد جدّا ويصعب عليهم ترك ذلك جدّا (أيّها المخدوم) لو كان للوقائع اعتبار وعلى المنامات اعتماد لا يحتاج المريدون إلى الشّيوخ ويكون اختيار طريق من الطّرق عبثا فإنّ كلّ مريد يعمل حينئذ بما يوافق وقائعه ويطابق لمناماته سواء كانت تلك الوقائع والمنامات موافقة لطريقة شيخه أو لا، وسواء كانت مرضيّة عنده أو لا فعلى هذا التّقدير تبطل سلسلة الشّيخوخة والمريديّة وكلّ ذى هوس يستقلّ بوضعه ويستبدّ بطوره والمريد الصّادق لا يكون عنده لألف واقعة صادقة مقدار نصف شعيرة من الإعتبار مع وجود شيخه وتكون المنامات عند الطّالب الرّشيد مع دولة حضور المرشد معدودة من أضغاث أحلام ولا يلتفت إلى شيء منها أصلا الشّيطان عدوّ قويّ لا يأمن المنتهون من كيده ولا يزالون خائفين وجلين من مكره فماذا نقول في حقّ المبتدئين والمتوسّطين (غاية) ما في الباب أنّ المنتهين محفوظون ومن سلطان الشّيطان مصونون بخلاف المبتدئين والمتوسّطين فلا تكون وقائعهم مستحقّة للاعتماد ومحفوظة عن مكر عدوّ شديد العناد. فإن قيل: إنّ الواقعة الّتي يرى فيها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم صادقة ومحفوظة من كيد الشّيطان ومكره فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بصورته كما ورد فتكون وقائع ما نحن فيه صادقة ومحفوظة من مكر الشّيطان.

قسم V01/P379–V01/P380

أجيب أنّ صاحب الفتوحات المكّيّة جعل عدم تمثّل الشّيطان مخصوصا بصورته صلّى الله عليه وسلّم الخاصّة به المدفونة في المدينة ولا يجوز الحكم بعدم تمثّله مطلقا على أيّ صورة كان ولا شكّ أنّ تشخيص تلك الصّورة على صاحبها الصّلاة والسّلام خصوصا في المنام متعسّر جدّا فكيف تكون مستحقّة للاعتماد فإن لم نجعل عدم تمثّل الشّيطان مخصوصا بصورته صلّى الله عليه وسلّم الخاصّة به وجوّزنا عدم تمثّله به على أيّ صورة كان ذهب إليه كثير من العلماء ومناسب أيضا لرفعة شأنه صلّى الله عليه وسلّم نقول: إنّ أخذ الأحكام عن تلك الصّورة وإدراك المرضيّ وغير المرضيّ له من المشكلات فإنّه يمكن أن يكون العدوّ اللّعين متوسّطا في البين ومريئا لخلاف الواقع واقعيّا وموقعا للرّائي في الإشتباه والإلتباس بتلبيس عبارته وإشارته بعبارة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإشارته كما روي أنّ سيّد البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام كان يوما جالسا وكان عنده صناديد قريش ورؤساء أهل الكفر وكثير من الأصحاب أيضا فقرأ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليهم سورة النّجم ولمّا بلغ ذكر آلهتهم الباطلة ضمّ الشّيطان اللّعين كلمات في مدح آلهتهم الباطلة إلى قراءته صلّى الله عليه وسلّم على نهج ظنّها الحاضرون من قراءته عليه الصّلاة والسّلام ولم يجدوا إلى تميّزه سبيلا أصلا ففرح الكافرون وقالوا: إنّ محمّدا صالحنا ومدح آلهتنا وتحيّر منه الحاضرون من أهل الإسلام أيضا ولم يطّلع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على كلام الشّيطان اللّعين هذا فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ما الواقعة فعرض الأصحاب الكرام عليه صلّى الله عليه وسلّم أنّ هذه الفقرات قد ظهرت في أثناء كلامك فحزن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على ذلك فجاء جبريل عليه السّلام بالوحي لبيان أنّ ذلك الكلام كان إلقاء شيطانيّا وذلك قوله تعالى (وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إِلّا إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) الآيات الأربع فإذا ألقى الشّيطان كلامه الباطل في أثناء قراءته صلّى الله عليه وسلّم في زمان حياته وفي حالة يقظته وفي محضر الصّحابة بحيث لا يمتاز من قراءته صلّى الله عليه وسلّم فمن أين يدرى أنّ تلك الواقعة محفوظة من تصرّف الشّيطان ومصونة من تلبيسه مع كونها بعد وفاته صلّى الله عليه سلّم وفي حالة المنام الّتي هي حالة تعطيل الحواسّ ومحلّ الإشتباه والإلتباس ووجود انفراد الرّأي عن سائر النّاس (أو نقول) إنّ كونه صلّى الله عليه سلّم راضيا بهذا العمل كما يرضى الممدوح عن المادحين لمّا كان متمكّنا في أذهان قارئ القصائد وسامعها ومنتقشا في متخيّلاتهم جاز أن تكون تلك الصّورة المرئيّة في الواقعة هي الصّورة المنتقشة في متخيّلاتهم من غير أن تكون لتلك الواقعة حقيقة وتمثّل شيطانىّ وأيضا إنّ الواقعات والرّؤيا قد تكون محمولة على ظاهرها وحقيقتها وهي الّتي يراها الرّائي بعينها كما إذا رأى مثلا صورة زيد في المنام وكان المراد بها هو عين حقيقة زيد وقد تصرف عن الظّاهر وتحمل على التّأويل والتّعبير كما إذا رأى صورة زيد مثلا في المنام وأريد بها عمر ومثلا بعلاقة المناسبة بينهما فمن أين يعلم أنّ واقعة الأصحاب محمولة على الظّاهر غير مصروفة عنه ولم لا يجوز أن يكون المراد بها الوقائع المحتاجة إلى التّعبير وأن تكون كناية عن أمور أخرى من غير أن يكون لتمثّل الشّيطان فيها مجال وبالجملة ينبغي أن لا يكون مدار الإعتبار على الواقعة فإنّ الأشياء موجودة في الخارج فينبغي السّعي حتّى ترى الأشياء في الخارج فإنّ ذلك هو اللّائق بالإعتماد وليس فيه مجال التّعبير وما يرى في الخيال فهو منام وخيال وأصحابنا هناك يعاملون بوضعهم ورأيهم من مدّة مديدة وزمام الإختيار بأيديهم وأمّا المير محمّد نعمان فما المخلّص له غير الإنقياد فإن توقّفوا عن الإمتناع فرضا لمحة بعد المنع عياذا بالله سبحانه فننظر إلى من يفرّون وبمن يلوذون.

قسم V01/P380–V01/P381

ومبالغة الفقير إنّما هي بسبب مخالفة طريقته سواء كانت المخالفة بالسّماع والرّقص أو بقراءة الموالد وإنشاء القصائد ولكلّ طريق وصول إلى مطلب خاصّ به والوصول إلى المطلب الخاصّ بهذا الطّريق المتوسّط منوط بترك هذه الامور فكلّ من فيه طلب مطلب هذا الطّريق ينبغي أن يجتنب عن مخالفة هذا الطّريق وأن لا تكون مطالب طرق أخر منظورة في نظره. قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: ما نه اينكار ميكنيم ونه انكار ميكنيم. يعني نحن ما نفعل هذا الأمر لكونه مخالفا للطّريق الخاصّ بنا ولا ننكره أيضا لكونه معمولا عند مشائخ أخر ولكلّ وجهة هو مولّيها فإذا حدث أمر مخالف لهذه الطّريقة العليّة في فيروز آباد الّذي هو ملجأ وملاذ لامثالنا الفقراء ومقرّ قدوة أرباب المتابعة الضّعفاء لا جرم يكون موجبا لاضطراب أمثالنا الفقراء ألبتّة. والمخاديم الكرام أحقّاء بالقيام بحفظ طريق والدهم الماجد كما أنّ أولاد الخواجه احرار قدّس سرّه قاموا بحفظ الطّريق الأصل بعد عروض التّغيّر لطريق والدهم الماجد بعد وفاته وجادلوا المغيّرين كما أنّه وصل إلى سمعكم الشّريف أيضا إن شاء الله وكتبتم شيئا من مشرب شيخنا القويّ العذب نعم إنّه تساهل في أوائل حاله في بعض الامور ميلا منه إلى مذهب الملامتيّ واختيارا له وارتكب ترك العزيمة في بعض الأشياء ترجيحا لذلك المذهب ولكنّه اجتنب عن هذه الامور في الآخر ولم يذكر الملامتيّة أصلا لينظروا بنظر الإنصاف وليتفكّروا أنّ شيخنا إذا كان فرضا حيّا في الدّنيا في هذه الأوان وانعقد هذا المجلس والإجتماع هل يحسبون أنّه يرضى عن هذا الأمر ويستحسن هذا الإجتماع أو لا ويقين الفقير أنّه ما كان ليجوّز هذا المعنى بل ينكره وكان مقصود الفقير الإعلام تقبلون أو لا تقبلون لا مضايقة أصلا ولا مجال للمشاجرة قطعا فلئن استمرّ المخاديم والأصحاب المرجودون هناك على ذلك الوضع واستداموا فلا نصيب لنا غير الحرمان من صحبتهم وماذا أكتب أزيد من ذلك والسّلام أوّلا وآخرا. المكتوب الرّابع والسّبعون والمائتان إلى الشّيخ يوسف البركيّ في الحثّ على علوّ الهمّة وعدم الإلتفات إلى الشّهودات السّفليّة المتعلّقة بمرايا الكثرة وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم أنّ رسائلكم الثّلاث المرسلة قد وصلت واتّضح ما اندرج فيها من بيان وقائع الأحوال والكرامات والحال الّذي بيّنته في آخر شهود الوحدة في الكثرة بهذه العبارة والإنتهاء الثّاني هو أن يكون على الحال الأوّل وأن يغيب الغيبة يعني أنا عبد وخلق ومن أمّة محمّد المصطفى صلّى الله عليه وسلّم فهذا الحال أصيل وفوق الأحوال المذكورة ولكنّ الإنتهاء غيره والنّهاية بعيدة عنه بمراحل، شعر: وذا إيوان الإستغناء عال . فهيهات التّفكّر في الوصال وكان المقصود من تكرار الكلمة الطّيّبة حيث كنت أمرتك به في المكتوب السّابق هو نفي هذا الشّهود المتعلّق بالكثرة, لله سبحانه الحمد والمنّة قد زال ذلك الشّهود عنك ببركة تكرار هذه الكلمة الطّيّبة ينبغي أنّ تكون عالي الهمّة وأن لا تكتفي بجوز هذا الطّريق وموزه فإنّ الله سبحانه يحبّ معالي الهمم ولقد تخلّصت من سكّة التّوحيد الوجوديّ الضّيّقة إلى الطّريق السّلطانيّ فيا لها من نعمة لو لم تتذكّر الأحوال السّابقة ولم تتفكّر لذّات شهود الوحدة في الكثرة وصرف العمر بالإستقامة في السّعى والإجتهاد في هذا الطّريق ولقد رأينا كثيرا من الخشخاشيّين تركوا شرب الخشخاش واطّلعوا على قبحه واستمرّوا على ذلك مدّة ثمّ جرّهم تذكّر الأحوال المترتّبة على شرب الخشخاش وتفكّر لذّات تلك الأحوال اتّفاقا إلى الحالة القديمة.

قسم V01/P381–V01/P382

(أيّها المخدوم) إنّ الشّهود الّذي يتعلّق بمرايا الكثرة موجب للّذّة، والشّهود النّزيهيّ الّذي هو ناظر إلى الجهل الإلتذاذ به متعسّر بعيد والسّير إليه من غير إمداد شيخ مقتدى به متعذّر ألا ترى أنّ أخانا الأعزّ مولانا أحمد البركيّ يعدّه العوامّ من علماء الظّاهر وهو بنفسه أيضا لا يعلم أحواله وأحوال أصحابه وسرّ ذلك أنّ باطنه متوجّه إلى الشّهود التّنزيهيّ الّذي هو موطن الجهل وإيمانه مثل العلماء إيمان بالغيب وباطنه من علوّ الفطرة غير ملتفت إلى شهود ممتزج بالكثرة وظاهره غير مفتون وغير مغرور بترّهات الصّوفيّة ووجوده الشّريف مغتنم في تلك النّواحي وهذه الحالة الّتي أخبرت بحصولها قد اتّصف بها مولانا المذكور وتحقّق من منذ أزمان علم أو لم يعلم وعند الفقير أنّ مدار تلك البقعة على وجود مولانا والعجب كيف خفي هذا المعنى على أهل الكشف في تلك النّواحي وجلالة قدر مولانا ظاهرة وباهرة في علم الفقير كوجود الشّمس وماذا أزيد على ذلك والمأمول الدّعاء والسّلام. المكتوب الخامس والسّبعون والمائتان إلى الملّا أحمد البركيّ في جواب استفساراته والتّحريض على تعليم العلوم الشّرعيّة ونشر الأحكام الفقهيّة وما يناسب ذلك وبعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات أنهي أنّه قد وصلت الصّحيفتان المرسلتان صحبة الشّيخ حسن وغيره وأورثتا فرحا وافرا وقد بيّنت في إحداهما أحوال الخواجه ويس واستفسرت في الاخرى عن قبولك فتوجّهت في تلك الأثناء إلى حالك فرأيت أنّ سكّان تلك النّواحي يعدون إلى جانبك ويلتجئون إليك فعلم من هذا أنّك قد جعلت مدار تلك البقعة وجعلت أناس تلك الحدود مربوطة بك لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك ولا تظنّنّ أنّ هذه المعاملة من جملة الواقعات الّتي هي مظانّ الرّيب والإشتباه بل عدّها من المحسوسات والمشهودات والعمدة لك في تحصيل هذه الدّولة تعليم العلوم الشّرعيّة ونشر الأحكام الفقهيّة في مواضع تمكّن فيها الجهل ورسخت البدعة ومحبّتك لأولياء الله سبحانه وإخلاصك لهم وقد منحكهما الله تعالى بمحض فضله فعليكم بتعليم العلوم الدّينيّة ونشر الأحكام الفقهيّة ما استطعتم فإنّها ملاك الأمر ومناط الإرتقاء ومدار النّجاة وعليكم شدّ نطاق الهمّة وإحكامه لأن تكونوا في عداد العلماء ودلالة الخلق إلى طريق الحقّ سبحانه بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر قال الله تعالى (إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا) والذّكر القلبيّ الّذي أجزتم به أيضا مؤيّد لإتيان الأحكام الشّرعيّة ودافع لعناد النّفس الأمّارة فينبغي إجراء هذا الطّريق أيضا وأن لا تحزن على عدم الإطّلاع على أحوالك وأحوال أصحابك وأن لا تجعله دليلا على عدم الحاصل فيك وأحوال الأصحاب كافية للمرآتيّة لكمالاتك وما ظهر في الأصحاب إنّما هو أحوالك ظهرت فيهم بطريق الإنعكاس. والشّيخ حسن أحد أركان دولتك ممدّ ومعاون لك في معاملتك فإن وقع في خاطرك إرادة سفر ما وراء النّهر أو ممالك الهند فرضا فالنّائب منابك هناك هو الشّيخ حسن فينبغي أن تراعي الإلتفات والتّوجّه في حقّه والإجتهاد البليغ ليتفرّغ من تعلّم العلوم الدّينيّة الضّروريّة سريعا وكان سفره هذا إلى الهند مغتنما في حقّه وحقّك أيضا رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الإستقامة على ملّة الإسلام على صاحبها الصّلاة والسّلام وكتبت أيضا أنّ واحدا من الأصحاب حصل له ترقّ من مدّة ستّة أشهر وما كان يظهر له في حالة الغيبة وعدم الشّعور من الأرواح الطّيّبات يراه الآن في حالة الإفاقة؟ أيّها المخدوم، لا دلالة في هذه الرّؤية على التّرقّي سواء كانت في الشّعور أو في غيره والقدم الأوّل في هذا الطّريق أن لا يرى غير الحقّ - سبحانه - أصلا وأن لا يبقى في فكرته ما سواه تعالى قطعا لا بمعنى أنّه لا يرى الأشياء غير الحقّ سبحانه ولا يعلمها بعنوان السّوى فإنّ هذا عين رؤية الكثرة بل لا يرى غير الحقّ سبحانه أصلا ولا يحسّ به قطعا وهذه الحالة معبّر عنها بالفناء والمنزل الأوّل من منازل هذا الطّريق ودونه خرط القتاد، شعر: ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا .

قسم V01/P382–V01/P384

فليس له في كبرياه سبيل والمكتوبات المسطورة في هذه الأيّام عزيزة الوجود جدّا وقد اندرجت فيها فوائد كثيرة وقد أخذ الشّيخ حسن نقلها معه فينبغي مطالعتها بكمال الملاحظة وقد التمست الدّعاء لوالدتك المرحومة فأجبناه وقبلناه وبقيّة أحوال هذه الحدود بيّنها الشّيخ حسن بالتّفصيل. والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والفقير وأولاده يلتمس الدّعاء بحسن الخاتمة والسّلام. المكتوب السّادس والسّبعون والمائتان إلى الشّيخ بديع الدّين في بيان محكمات القرآن ومتشابهاته وبيان العلماء وكمالاتهم وما يناسب ذلك الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعليهم وعلى آله وأصحابه الطّيّبين الطّاهرين أجمعين جعلنا الله سبحانه وإيّاكم من الرّاسخين في العلم. أيّها الأخ إن الله سبحانه قسم كتابه المجيد على قسمين محكمات ومتشابهات. فالقسم الأوّل منشأ لعلم الشّرائع والأحكام. والقسم الثّاني مخزن علم الحقائق والأسرار وما ورد في القرآن او في الحديث من اليد والوجه والقدم والأصابع والأنامل كلّها من المتشابهات وكذا مقطّعات الحروف الواردة في أوائل السّور القرآنيّة أيضا من المتشابهات الّتي لم يطّلع عليها الّا العلماء الرّاسخون ولا تتخيّل أنّ التّأويل عبارة عن القدرة الّتي عبّر عنها باليد وعن الذّات الّتي عبّر عنها بالوجه بل تأويلها من الأسرار الغامضة الّتي انكشفت لاخصّ الخواصّ وماذا أكتب من الحروف المقطّعات القرآنيّة فإنّ كلّ حرف منها بحر موّاج من الأسرار الخفيّة بين العاشق والمعشوق ورمز غامض من الرّموز الدّقيقة بين المحبّ والمحبوب. والمحكمات وإن كنّ أمّهات الكتاب ولكنّ نتائجهنّ وثمراتهنّ الّتي هي المتشابهات من مقاصد الكتاب وليست الامّهات الّا وسائل لحصول النّتائج فلبّ الكتاب هو المتشابهات وقشر ذلك اللّبّ محكمات الكتاب والمتشابهات هي الّتي تبيّن الأصل بالرّمز والإشارة وتنبئ عن حقيقة معاملة تلك المرتبة العالية الشّأن بخلاف المحكمات والمتشابهات هي الحقائق والمحكمات بالنّسبة إلى المتشابهات صور تلك الحقائق والعالم الرّاسخ هو الّذي يقدر على الجمع بين اللّبّ والقشر والحقيقة والصّورة علماء القشر مسرورون بالقشر ومكتفون بالمحكمات والعلماء الرّاسخون يحصّلون المحكمات وينالون حظّا وافرا من تأويل المتشابهات ويجمعون بين الحقيقة والصّورة أعني المتشابه والمحكم وأمّا من طلب تأويل المتشابهات من غير علم المحكمات ومن غير عمل بمقتضاها وترك الصّورة وسلك طريق فكر الحقيقة فهو جاهل وليس له خبر عن جهله وضالّ وليس له شعور بضلالته ولم يدر أنّ هذه النّشأة مركّبة من الصّورة والحقيقة وما دامت هذه النّشأة موجودة لا تنفكّ الحقيقة عن الصّورة أصلا قال الله تعالى (واُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) أي الموت كما قال المفسّرون جعل الله تعالى غاية العبادة ونهايتها زمان حلول الموت الّذي هو منتهى هذه النّشأة لأنّ من مات فقد قامت قيامته وإنّما يحصل انفكاك الصّور من الحقائق في النّشأة الاخرويّة الّتي هي محلّ ظهور الحقائق فكلّ من النّشأتين لها حكم على حدة لا يختلط حكم إحداهما بالاخرى الّا جاهل أو زنديق مقصوده إبطال الشّرائع فإنّ كلّ حكم شرعيّ ثابت للمبتدى فهو ثابت أيضا للمنتهي وعامّة المؤمنين وأخصّ الخواصّ من العارفين سواسية في هذا المعنى متساوية الأقدام فيه لا فرق بين شخص وشخص والمتصوّفة القاصرون والملاحدة الخائبون في صدد إخراج رقابهم من ربقة الشّريعة متخيّلين بأنّ الأحكام الشّرعيّة مخصوصة بالعوامّ وأمّا الخواصّ فهم مكلّفون بالمعرفة فقط كما أنّهم يعتقدون من جهلهم أنّ الامراء والسّلاطين ليسوا مكلّفين بغير العدل والإنصاف ويقولون إنّ المقصود من إتيان الشّريعة حصول المعرفة فإذا حصلت المعرفة سقطت التّكاليف الشّرعيّة ويستشهدون في إثبات مدعّاهم بقوله تعالى (واُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) أي بالله كما قال سهل التّستريّ يعني انتهاء العبادة حصول معرفة الحقّ سبحانه والظّاهر أنّ مراد من فسّر اليقين بكونه بالله هو كون انتهاء الكلفة في العبادة حصول معرفة الحقّ جلّ وعلا لا انتهاء نفس العبادة فإنّ ذلك مفض إلى الإلحاد والزّندقة وهم يزعمون أيضا أنّ عبادة العارفين ريائيّة فإنّهم يعملون ما يعملون من الطّاعة والعبادة ليقتدى بهم في ذلك المبتدئون واتباعهم لا لكونهم محتاجين إليها وينقلون في تأييد هذا القول أقوالا عن المشائخ حيث قالوا ما لم يكن الشّيخ منافقا ومرائيا لا ينتفع به المريد خذلهم الله سبحانه ما أجهلهم واحتياج العارفين إلى العبادة على نهج ليس في المريدين عشره فإنّ عروجاتهم مربوطة بالعبادة وترقّياتهم منوطة بإتيان الأحكام الشّرعيّة وما يتوقّع للعلوم غدا من ثمرات العبادة فهو حاصل للعارفين اليوم فهم إذا أحقاء بالعبادة وأحوج إلى إتيان الأحكام الشّرعيّة من غيرهم.

قسم V01/P384–V01/P385

ينبغي أن يعلم أنّ الشّريعة عبارة عن مجموع الصّورة والحقيقة فالصّورة ظاهر الشّريعة والحقيقة باطن الشّريعة فالقشر واللّبّ كلاهما من أجزاء الشّريعة والمحكم والمتشابه من أفرادهما وعلماء الظّاهر اكتفوا بقشرها والعلماء الرّاسخون جمعوا بين اللّبّ والقشر ونالوا حظّا وافرا من مجموع الصّورة والحقيقة فينبغي أن يتصوّر الشّريعة كشخص مركّب من الصّورة والحقيقة وقد تعلّق جماعة بصورتها وشغفوا بها وأنكروا حقيقتها ولم يعرفوا لهم شيخا يقتدون به غير الهداية وال? زدويّ وهؤلاء الجماعة هم علماء القشر وجماعة أخرى افتتنوا بحقيقتها ولكن لم يعتقدوها حقيقة الشّريعة بل زعموا الشّريعة مقصورة على الصّورة والقشر وتصوّروا اللّبّ والحقيقة وراءها ومع ذلك لم يمتنعوا من إتيان الأحكام الشّرعيّة ولم يتخلّفوا عنها مقدار شعرة ولم يضيّعوا الصّورة وعدّوا تارك حكم من أحكام الشّريعة بطّالا وضالّا وهؤلاء أولياء الله جلّ سلطانه وقد انقطعوا عمّا سوى الله تعالى بمحبّته سبحانه. ودون هؤلاء جماعة أخرى وهم الّذين اعتقدوا الشّريعة مركّبة من الصّورة والحقيقة وتيقّنوا أنّها مجموع القشر واللّبّ وحصول صورة الشّريعة بدون تحصيل الحقيقة ساقط عندهم عن حيّز الإعتبار وحصول حقيقتها بدون إثبات الصّورة ناقص غير تامّ بل لا يعدّون حصول الصّورة بدون ثبوت الحقيقة من الإسلام الموجب للنّجاة كما هو حال علماء الظّاهر وعامّة المؤمنين ويتصوّرون حصول الحقيقة بدون ثبوت الصّورة من جملة المحالات ويسمّون القائل به زنديقا وضالّا. وبالجملة انّ الكمالات الصّوريّة والمعنويّة منحصرة عند هؤلاء الأكابر في الكمالات الشّرعيّة والعلوم والمعارف اليقينيّة مقصورة على العقائد الكلاميّة الثّابتة بآراء أهل السّنّة والجماعة لا يستوي عندهم ألوف من الشّهود والمشاهدة ومسألة واحدة من المسائل الكلاميّة في تنزيهات الحقّ جلّ وعلا ولا يشترون الأحوال والمواجيد والتّجلّيات والظّهورات المخالفة لحكم من الأحكام الشّرعيّة بنصف شعيرة بل يعدّون ظهور أمثال هذه المذكورات من مظانّ الإستدراج أولئك الّذين هدى الله فبهداهم اقتده وهم العلماء الرّاسخون وهم المنعم عليهم الإطّلاع على حقيقة المعاملة والموصل بهم بسبب رعايتهم الآداب الشّرعيّة إلى حقيقة الشّريعة بخلاف الفرقة الثّانية فإنّهم وإن كانوا متوجّهين إلى الحقيقة ومفتونين بها ولم يجاوزوا الحدّ في إتيان الأحكام الشّرعيّة مقدار شعرة مهما أمكن ولكنّهم لمّا اعتقدوا تلك الحقيقة وراء الشّريعة وتصوّروا الشّريعة قشرها تنزّلوا بالضرورة إلى ظلّ من ظلال تلك الحقيقة ولم يجدوا للوصول إلى حقيقة تلك المعاملة سبيلا فلا جرم كان ولايتهم ظلّيّة وقربهم صفاتيّا بخلاف العلماء الرّاسخين فإنّ ولايتهم أصليّة وإنّهم وجدوا للوصول إلى الاصول سبيلا وجاوزوا حجب الظّلال بالتّمام فلا جرم كانت ولايتهم ولاية الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وولاية هؤلاء الأولياء ظلّ ولاية الأنبياء وكان هذا الفقير متوقّفا في تأويل المتشابهات ومفوّضا إيّاه إلى علم الحقّ سبحانه مدّة مديدة ولم أجد للعلماء الرّاسخين نصيبا منها غير الإيمان بها والتّأويلات الّتي بيّنها علماء الصّوفيّة لم أرها لائقة ومناسبة بشأن تلك المتشابهات ولم أر للأسرار القابلة للاستتار تأويلات كما قال عين القضاة في تأويل بعض المتشابهات مثلا في ألم أراد به الألم اللّازم للعشق والمحبّة وأمثالها ولمّا أظهر لي الله سبحانه بمحض فضله شمّة من تأويل المتشابهات وفتح جدولا من ذاك البحر المحيط ومدّة إلى ارض استعداد هذا المسكين علمت أنّ للعلماء الرّاسخين أيضا نصيبا وافرا من تأويلات المتشابهات. الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ وأحلنا تعبيرات الوقائع المطلوبة المسطورة على الحضور ولم نكتب من تلك المقولة شيئا ماذا أفعل قد جرى القلم بمعارف أخر واستقبلت معاملة غيرها هي بالتّسطير أحرى والمسئول مسامحتكم والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله وعلى إخوانه الصّلوات والتّسليمات العلى.

قسم V01/P385–V01/P387

المكتوب السّابع والسّبعون والمائتان إلى الملّا عبد الحيّ في بيان علم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين وهذا من العلوم المناسبة لوسط الحال ونهاية الشّهود هنا هو الشّهود الأنفسيّ بل شهود ما وراء الأنفس بل نفس الشّهود ليس بشيء بالنّسبة إلى الوصول كما يلوح ذلك من سائر مكتوباته ورسائله اعلم أرشدك الله أنّ علم اليقين بذات الحقّ سبحانه عبارة عن شهود الآيات الدّالّة على قدرته تعالى وتقدّس ويقال لذلك الشّهود سيرا آفاقيّا وأمّا الشّهود والحضور الذّاتيّان فليس شيء منهما بمنصور في غير السّير الأنفسيّ وهو لا يكون في غير نفس السّالك، شعر: فلسوف تعلم أنّ سيرك لم يكن . الّا إليك إذا بلغت المنزلا وما يشاهده في خارجه فهو من قبيل مشاهدة الآثار والدّلائل على ذاته تعالى لا مشاهدته عزّ سلطانه قال قطب المحقّقين سيّد العارفين ناصر الدّين الخواجه عبيد الله قدّس سرّه: إنّ السّير على نوعين سير مستطيل وسير مستدير فالسّير المستطيل بعد في بعد والسّير المستدير قرب في قرب والسّير المستطيل طلب المقصود من خارج دائرة نفسه والسّير المستدير الدّوران حول قلبه وطلب المقصود من نفسه فالتّجلّيات الكائنة في الصّور الحسّيّة والمثاليّة وكذلك التّجلّيات الكائنة في حجب الأنوار داخلة في علم اليقين أيّ صورة كانت وأيّ نور كان وسواء كان النّور مكيّفا وملوّنا أو متناهيا أو لا محيطا كان بالكائنات أو لا قال مولانا المخدوم عبد الرّحمن الجاميّ قدّس الله سرّه السّامي في شرح اللّمعات عند بيان معنى هذا البيت، شعر: يا من طلبته من جميع مكان . وسألت عنه أقاصيا وأداني إنّ هذا إشارة إلى المشاهدة الآفاقيّة الّتي تفيد علم اليقين وحيث انّها لا تخبر عن المقصود ولا تعطي حضوره لا جرم تكون كشهود الدّخان والحرارة الدّالّين على ذات النّار فلا يخرج ذلك الشّهود من دائرة العلم ولا يكون مفيد العين اليقين ومفنيا لوجود السّالك وعين اليقين عبارة عن شهود الحقّ سبحانه بعد أن كان معلوما بالعلم اليقينيّ وهذا الشّهود مستلزم لفناء السّالك وعند غلبة هذا الشّهود يكون تعيّنه متلاشيا بالكلّيّة ولا يبقى أثر منه في عين شهوده ويكون فانيا ومستهلكا في الشّهود وهذا الشّهود معبّر عنه عند هذه الطّائفة العليّة قدّس الله أسرارهم بالإدراك البسيط ويقال له أيضا معرفة والعوامّ يشاركون الخواصّ في هذا الإدراك ولكنّ الفرق بينهما هو أنّ شهود الخلق لا يكون مزاحما في الخواصّ لشهود الحقّ جلّ وعلا بل ليس المشهود بعيون شهودهم غير الحقّ سبحانه وأمّا العوامّ فهو مزاحم له فيهم ولهذا فيهم ذهول تامّ عن هذا الشّهود وليس لهم خبر عن هذا الإدراك، وعين اليقين هذا حجاب علم اليقين كما أنّ علم اليقين حجابه وعند تحقّق هذا الشّهود لا يدرك شيء غير الحيرة والجهالة لا مجال للعلم في ذلك الموطن أصلا. قال بعض الكبراء قدّس الله تعالى سرّه: علم اليقين حجاب عين اليقين وعين اليقين حجاب علم اليقين. وقال أيضا: وعلامة من عرف حقّ المعرفة أن يطّلع على سرّه فلا يجد علما به فذلك الكامل في المعرفة الّتي لا معرفة وراءها. وقال بعضهم أيضا قدّس الله أسرارهم العليّة: أعرفهم بالله أشدّهم تحيّرا فيه.

قسم V01/P387–V01/P388

وحقّ اليقين عبارة عن شهوده سبحانه بعد ارتفاع التّعيّن واضمحلال المتعيّن وشهوده هذا للحقّ بالحقّ سبحانه لا به لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه وذلك يتصوّر في البقاء بالله الّذي هو مقام بي يسمع وبي يبصر الّذي يهب الحقّ سبحانه فيه للسّالك وجودا من عنده بمحض عنايته بعد تحقّقه بالفناء المطلق الّذي هو الفناء في ذاته وصفاته سبحانه وتعالى ويخرجه من السّكر والغيبة إلى الصّحو والإفاقة ويقال لهذا الوجود الوجود الموهوب الحقّانيّ وفي ذلك الموطن لا يكون العلم حجابا للعين ولا العين حجابا للعلم بل يكون في عين الشّهود عالما وفي عين العلم مشاهدا وهذا التّعيّن هو الّذي يجده العارف في ذلك الموطن عين الحقّ سبحانه لا التّعيّن الكونيّ فإنّه لم يبق منه أثر في نظر شهوده ولأنّه من التّجلّيات الصّوريّة الّتي هي أن يجد السّالك التّعيّنات والصّور عين الحقّ سبحانه وهي تعيّنات كونيّة لم يتطرّق إليها الفناء أصلا فأين أحدهما عن الآخر ما للتّراب وربّ الأرباب وظاهر العبارة وإن كان عند العوامّ موهما لعدم الفرق بين التّجلّي الصّوريّ الّذي هو وجدان السّالك نفسه عين الحقّ وبين حقّ اليقين الّذي هو أيضا وحدانه نفسه عين الحقّ لكن في الحقيقة فرق بينهما وهو أنّ التّعبير بأنا في التّجلّي الصّوريّ يقع على الصّورة في حقّ اليقين على الحقيقة وأيضا أنّ السّالك يرى الحقّ سبحانه في التّجلّي الصّوريّ بنفسه وفي هذا الموطن يرى الحقّ بالحقّ سبحانه لا بنفسه فإنّه لا يمكنه فيه رؤية نفسه فإطلاق الشّهود في التّجلّي الصّوريّ على سبيل التّجوّز فإنّه لا يمكن رؤية الحقّ بغير الحقّ سبحانه وهي في مرتبة حقّ اليقين الّتي تتحقّق فيها حقيقة الشّهود وبعض شيوخ الزّمان لمّا لم يطّلع على هذا الفرق ولم يعلم تعيّنا سوى التّعيّن الكونيّ أطال لسان الطّعن في الأكابر قدّس الله تعالى أسرارهم في تفسيرهم حقّ اليقين على النّهج الّذي قرّرته وزعم أنّ هذا اليقين قد يحصل في التّجلّي الصّوريّ الّذي هو أوّل القدم في السّلوك وهم فسّروا به حقّ اليقين الّذي هو نهاية الأقدام فكيف يستقيم بل حكم أنّ الحقّ اليقين الّذي حصل لهم في النّهاية يحصل لنا في التّجلّي الصّوريّ الّذي هو أوّل أقدامنا والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والسّلام. المكتوب الثّامن والسّبعون والمائتان إلى الملّا عبد الكريم السّناميّ في بيان أنّه لا بدّ لكلّ إنسان بعد تصحيح العقائد والعمل بمقتضى الأحكام الشّرعيّة من تحصيل سلامة القلب عمّا دون الحقّ جلّ وعلا ومدح الطّريقة النّقشبنديّة العليّة وفي التّحريض على إمداد الموتى وإعانتهم وما يناسبه الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وصل مكتوب الأخ وصار موجبا للفرح والنّصيحة الّتي لا زلت أنصح بها الأصحاب ولا أزال أنصحهم بها إلى انقضاء عمري بعد تصحيح العقائد على وفق ما بيّن في الكتب الكلاميّة المخصوصة بأهل السّنّة والجماعة شكر الله سعيهم وبعد إتيان الأحكام الفقهيّة من الفرض والواجب والسّنّة والمندوب والحلال والحرام والمكروه والمشتبه امتثالا، وانتهاء تحصيل سلامة القلب عن التّعلّق بما سوى الحقّ سبحانه وهي إنّما تتيسّر إذا لم يخطر في القلب ما سواه تعالى بحيث لو تيسّرت حياة ألف سنة فرضا لا يخطر في القلب غير الحقّ سبحانه وتعالى لا بمعنى أنّ الأشياء تخطر في البال ولكن لا يعرفها صاحبه بعنوان غير الحقّ جلّ وعلا فإنّ هذا المعنى ميسّر أيضا في بداية مراقبي التّوحيد بل بمعنى أنّ الأشياء لا تخطر في القلب أصلا ومبنى هذا ومداره على نسيان القلب ما دون الحقّ سبحانه على نهج لو ذكّر بالأشياء بالتّكليف لا يتذكّر وهذه الحالة معبّر عنها بالفناء القلبيّ وأوّل قدم في هذا الطّريق, وسائر كمالات الولاية متفرّعة على هذه الدّولة، شعر: ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا . فليس له في كبرياه سبيل وأقرب الطّرق لاجل الوصول إلى هذه الدّولة العظمى هو الطّريقة العليّة النّقشبنديّة قدّس الله أسرار أربابها فإنّ هؤلاء الأكابر اختاروا الإبتداء من علم الامور وطلبوا من القلب طريقا إلى مقلّب القلب ولهم عوضا عن رياضات الآخرين ومجاهداتهم التزام السّنّة واجتناب البدعة.

قسم V01/P388–V01/P390

قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: طريقنا أقرب الطّرق ولكنّ التزام السّنّة أمر مشكل جدّا فطوبى لمن توسّل بهم واقتدى بهم لمولانا الجاميّ قدّس سرّه، (اشعار): ما أحسن النّقشبنديّين إنّهم . يمشون بالرّكب مخفيّين للحرم تزيل وسوسة الخلوات صحبتهم . عن قلب صحبهم يا نعم مغتنم لو عابهم قاصر طعنا بهم سفها . برأت ساحتهم عن أفحش الكلم هل يقطع الثّعلب المحتال سلسلة . قيّدت بها أسد الدّنيا بأسرهم والمعروض ثانيا أنّ صحيفة محبّنا القاضي محمّد شريف قد وصلت وحيث كانت منبئة عن محبّة الفقراء صارت موجبة للفرح فبلّغه دعاء الفقير. وثالثا: قد وصل مكتوب أخينا الشّيخ حبيب الله وقد كتب خبر فوت والده المرحوم إنّا لله وإنّا إليه راجعون فالمرجوّ تبليغ الدّعاء من جانب الفقير وأداء مراسم التّعزية وليمدّ والده المرحوم بالدّعاء وليعنه بقراءة الفاتحة والصّدقات والإستغفار فإنّ الميّت كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من ولد أو أب أو أخ أو صديق. ورابعا: إنّ المكشوف أنّ الشّيخ أحمد اختار طريقة هؤلاء الأكابر وتأثّر منها رزقه الله سبحانه وتعالى الإستقامة عليها وحيث كان المشار إليه قريب عهد بالإسلام ينبغي أن تعلّمه العقائد الكلاميّة المذكورة في الكتب الفارسيّة والأحكام الفقهيّة كذلك حتّى يعرف الفرض والواجب والسّنّة والمندوب والحلال والحرام والمكروه والمشتبه ويعمل بمقتضاها وتعلّم كتاب كلستان وبستان وتعليمهما داخل فيما لا يعني والسّلام. المكتوب التّاسع والسّبعون والمائتان إلى الملّا حسن الكشميريّ في أداء شكر نعمة دلالته إيّاه على الطّريقة النّقشبنديّة العليّة وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى بلّغنا مهدي علي صحيفتكم الشّريفة الصّادرة باسم هذا الفقير على وجه الكرم والإلتفات فصارت موجبة للفرح الوافر سلّمكم الله سبحانه وقد وقع الإستفسار عن عبارة الشّيخ محيي الدّين ابن عربيّ قدّس سرّه هذه أنّ سبب ترتيب خلافة الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم مدّة أعمارهم أنّها في أيّ كتاب وقعت من مصنّفاته؟ (أيّها المخدوم) إنّي كنت رأيت هذه العبارة في الفتوحات المكّيّة ولم يتيسّر الآن تعيين الموضع مع كمال التّفحّص فإن وقع النّظر عليها مرّة ثانية نخبر به إن شاء الله تعالى. والمعروض أنّ الفقير معترف بالقصور في أداء شكر نعمة دلالتكم ومقرّ بالعجز في مكافأة إحسانكم وكيف لا فإنّ هذه الامور كلّها مبنيّة على تلك النّعمة وهذه الأحوال بأسرها مربوطة بذلك الإحسان وقد أعطيت بحسن وساطتكم ما لم يره الّا القليلون ومنحت بيمن وسيلتكم ما لم يذقه الّا الأقلّون أعطيت من خواصّ العطايا ما لم يتيسّر للأكثرين من علوم تلك العطايا وجعلت لي الأحوال والمقامات والأذواق والمواجيد والعلوم والمعارف والتّجلّيات والظّهورات كلّها معارج العروج فوصلت منها بعنايته سبحانه إلى مدارج القرب ومنازل الوصول. واختيار لفظ القرب والوصول إنّما هو من ضيق ميدان العبارة ولا فلا قرب ثمّة ولا وصول ولا عبارة ولا إشارة ولا شهود ولا مشاهدة ولا حلول ولا اتّحاد ولا كيف ولا أين ولا زمان ولا مكان ولا إحاطة ولا سريان ولا علم ولا معرفة ولا جهل ولا حيرة، شعر: وما ابديك من طيري علامة . وقد أضحى كعنقاء وهامه وللعنقاء بين النّاس اسم . وليست لاسم طيري استدامه ولمّا كان إظهار إحسان الله تعالى وإنعامه بهذه النّعم الّتي ظهورها مترتّب في عالم الأسباب على نعمتكم المذكورة متضمّنا لشكرها أدرجتها في ضمن فقرات وقيّدتها بقيد الكتابة رجاء أن يؤدّي بذلك نبذة من شكر نعمتكم المسطورة والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. المكتوب الثّمانون والمائتان إلى الحافظ محمود في بيان أنّ محبّة هذه الطّائفة رأس مال السّعادة وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم أنّ المكتوب الشّريف المصحوب بجناب مولانا مهدي علي قد وصل وصار موجبا للفرح لله سبحانه الحمد على رسوخ محبّة الفقراء الّتي هي رأس مال السّعادة الدّنيويّة والاخرويّة رسوخا تامّا بحيث لم يؤثّر فيها تمادى أيّام المفارقة.

قسم V01/P390–V01/P391

واعلم أنّ المحافظة على شيئين والثّبات عليهما من اللّوازم متابعة صاحب الشّريعة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة ومحبّة الشّيخ المقتدى به مع الإخلاص له وكلّ شيء يحصل مع وجود هذين الشّيئين فهو نعمة زائدة وإن لم يحصل شيء مع وجود هذين الشّيئين فلا غمّ أصلا فإنّه سيحصل غيرهما فيما بعد وإن تطرّق عياذا بالله سبحانه خلل على واحد من هذين وبقيت الأحوال والأذواق على حالها ينبغي أن يعتقد ذلك من استدراج وأن يعدّه من الخذلان وهذا هو طريق الإستقامة والله سبحانه الموفّق. المكتوب الحادي والثّمانون والمائتان إلى المير محمّد نعمان في بيان شكر نعمة الإنتساب إلى سلسلة الطّريقة النّقشبنديّة العليّة وبيان بعض خصائص هذا الطّريق وما يلزم فيه من الآداب الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى بأيّ لسان نؤدّي شكر هذه النّعمة العظمى حيث شرّفنا الله سبحانه وتعالى بعد تصحيح العقائد بموجب آراء أهل السّنّة والجماعة شكر الله سعيهم بسلوك الطّريقة النّقشبنديّة العليّة وجعلنا من مريدي هذه الطّائفة العظيمة الشّأن ومنتسبيهم وعند الفقير أنّ الخطوة الواحدة في هذا الطّريق افضل من سبع خطوات في طرق أخر والطّريق الّذي يفتح ويوصّل إلى كمالات النّبوّة بطريق التّبعيّة والوراثة مخصوص بهذا الطّريق العالي ومنتهى طرق أخر إلى حصول كمالات الولاية لم يفتح منها طريق موصّل إلى كمالات النّبوّة ومن ههنا كتبت في كتبي ورسائلي أنّ طريق هؤلاء الأكابر طريق الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان وكما أنّ الأصحاب نالوا من تلك الكمالات بطريق الوراثة حظّا وافرا كذلك منتهوا هذا الطّريق يجدون منها نصيبا كاملا بطريق التّبعيّة والمبتدئون والمتوسّطون الملتزمون لهذا الطّريق المتّصفون بكمال محبّة المنتهين من أهل هذا الطّريق فهم أيضا راجون ذلك المرأ مع من أحبّ بشارة للمهجورين. والخائب في هذا الطّريق والخاسر فيه شخص يدخل فيه ولا يراعي آدابه ويخترع فيه أمورا محدثة ويعتمد على مناماته ووقائعه المخالفة لهذا الطّريق فما ذنب الطّريق على هذا التّقدير بل هو ماش على مقتضى مناماته وواقعاته متوجّه إلى طرف تركستان منحرفا عن طريق الكعبة باختياره، شعر: الأهل يبلغن أمّ القرى من . غدا يمشي إلى صوب العراق ولا أستحسن أن أشوّش طريقكم هذا هناك مع وجود جمعيّة الأصحاب واجتهاد الطّالبين فإن وقعت الإشارة بالسّفر إلى هذه الحدود قبل هذا كان ذلك مشروطا بشروط والآن أيضا مشروط بالشّروط فإن تتوجّه إلى هذه الحدود بعد استخارة مكرّرة وانشراح صدر بلا تردّد وشبهة وإجلاس شخص مكانك على نهج لا يتطرّق فتور أصلا إلى الوضع السّابق فلك ذلك وبدون هذه الشّرائط لا ينبغي تضييع المعاملة هناك وإيقاع الفتور في جمعيّة الطّالبين وماذا أبالغ أزيد من ذلك والسّلام. المكتوب الثّاني والثّمانون والمائتان إلى الملّا بديع في بيان ملاقاة الخضر وإلياس عليهما السّلام وبيان نبذة من أحوالهما الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد مضت مدّة من استفسار الأصحاب عن أحوال الخضر على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ولمّا لم يكن للفقير اطّلاع على أحواله كما ينبغي كنت متوقّفا في الجواب فرأيت اليوم في حلقة الصّبح أنّ الإلياس والخضر عليهما السّلام حضرا في صورة الرّوحانيّين فقال الخضر بالإلقاء الرّوحانيّ نحن من عالم الأرواح قد أعطى الحقّ سبحانه أرواحنا قدرة كاملة بحيث تتشكّل وتتمثّل بصور الأجسام ويصدر عنها ما يصدر عن الأجسام من الحركات والسّكنات الجسمانيّة والطّاعات والعبادات الجسديّة فقلت له في تلك الأثناء: أنتم تصلّون الصّلاة بمذهب الإمام الشّافعي؟ فقال: نحن لسنا مكلّفين بالشّرائع ولكن لمّا كانت كفاية مهمّات قطب المدار مربوطة بنا وهو على مذهب الإمام الشّافعيّ نصلّي نحن أيضا وراءه بمذهب الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه فعلم في ذلك الوقت أنّه لا يترتّب الجزاء على طاعتهم بل تصدر عنهم الطّاعة والعبادة موافقة لاهل الطّاعة ومراعاة لصورة العبادة. وعلم أيضا أنّ كمالات الولاية موافقة لفقه الشّافعيّ ولكمالات النّبوّة موافقة لفقه الحنفيّ فعلم في ذلك الوقت حقيقة كلام الخواجه محمّد ?

قسم V01/P391–V01/P393

ارسا قدّس سرّه حيث ذكر في الفصول السّتّة نقلا أنّ عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام يعمل بعد نزوله بمذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه فوقع في الخاطر في ذلك الوقت أن نستمدّ بهما وأن نطلب منهما الدّعاء فقال إذا كانت عناية الحقّ سبحانه شاملة لحال شخص فلا مدخل لنا هناك وكأنّهم أخذوا أنفسهم من البين. وأمّا الياس على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام فلم يتكلّم في ذلك الوقت أصلا والسّلام. المكتوب الثّالث والثّمانون والمائتان إلى الصّوفيّ قربان في بيان أنّ رؤية النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ربّه ليلة المعراج كانت في موطن الآخرة لا في موطن الدّنيا قد سئلت أنّ إجماع أهل السّنّة والجماعة منعقد على أنّ الرّؤية غير واقعة في الدّنيا حتّى منع أكثر علماء أهل السّنّة رؤية خاتم الرّسل والرّسالة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ليلة المعراج. قال حجّة الإسلام: والأصحّ أنّه عليه الصّلاة والسّلام ما رأى ربّه ليلة المعراج وقد اعترفت أنت في رسائلك بوقوع رؤيته صلّى الله عليه وسلّم ربّه في الدّنيا فما يكون وجه ذلك؟ أجيب أنّ رؤيته صلّى الله عليه وسلّم ربّه ليلة المعراج ما وقعت في الدّنيا بل وقعت في الآخرة فإنّه صلّى الله عليه وسلّم لمّا خرج ليلة المعراج من دائرة المكان والزّمان وتخلّص عن مضيق الإمكان وجد الأزل والأبد آنا واحدا ورأى البداية والنّهاية نقطة واحدة ورأى أهل الجنّة الّذين يدخلونها بعد ألوف من السّنين في الجنّة حتّى أنّ عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه الّذي يدخل الجنّة بعد خمسمائة سنة من فقراء الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين رآه قد دخل الجنّة بعد مضيّ تلك المدّة، وسأله عن سرّ توقّفه. فالرّؤية الواقعة في ذلك الموطن تكون داخلة في الرّؤية الاخرويّة فلا تكون منافية للإجماع على عدم وقوعها. وإطلاق الرّؤية الدّنيويّة عليها محمول على التّجوّز ومبنيّ على الظّاهر والله سبحانه أعلم بحقائق الامور كلّها. المكتوب الرّابع والثّمانون والمائتان إلى الملّا عبد القادر الأنباليّ في بيان أنّ الأحوال المواجيد نصيب عالم الأمر والعلم بالأحوال نصيب عالم الخلق وهذه المعرفة من المعارف السّابقة وحقيقة المعاملة هي الّتي حرّرت في مكتوب صدر للمخدوم الأكبر عليه الرّحمة في بيان الطّريق اعلم أنّ الإنسان مركّب من عالم الخلق الّذي هو ظاهره وعالم الأمر الّذي هو باطنه فالأحوال والمواجيد والمشاهدات والتّجلّيات الّتي تظهر في الإبتداء والوسط نصيب عالم الأمر الّذي هو باطن الإنسان وكذلك الحيرة والجهالة والعجز واليأس الّتي تحصل في الإنتهاء أيضا نصيب عالم الأمر الّذي هو باطن الإنسان وللظّاهر بحكم، (ع) وللأرض من كأس الكرام نصيب أيضا نصيب من تلك المعاملة عند وجود القوّة فيه وإن لم يكن له ثبات واستقامة ولكن يكتسب نوعا من الإنصباغ والأمر الّذي يتعلّق بالظّاهر بالأصالة هو العلم بتلك الأحوال فإنّ الباطن له حصول الأحوال لا العلم بها فإن لم يكن الظّاهر لما يفتح طريق العلم والتّمييز. وظهور الصّور المثاليّة ومعارج المقامات إنّما هو لإدراك الظّاهر فالحال للباطن والعلم بالحال للظّاهر فعلم من هذا البيان أنّ الأولياء الّذين هم أصحاب العلم والّذين لا نصيب لهم من العلم يعني بالأحوال لا فرق بينهم في نفس حصول الأحوال فإن كان الفرق فإنّما هو من جهة العلم بتلك الأحوال وعدم العلم بها كما إذا طرأت على شخص مثلا حالة الجوع وشوّشت أحواله وهو يعلم أنّ هذه الحالة يسمّونها جوعا وشخص آخر طرأ عليه تلك الحالة أيضا ولكنّه لا يعلم أنّ هذه الحالة معبّر عنها بالجوع فكلّ من هذين الشّخصين مساو للآخر في نفس تلك الحالة ولا فرق الّا بحسب العلم وعدم العلم. ينبغي أن يعلم أنّ الجماعة الّذين لا علم لهم بالأحوال على قسمين فطائفة منهم ليس لهم علم بنفس حصول الأحوال ولا وقوف لهم على تلويناتها أصلا.

قسم V01/P393–V01/P395

وطائفة أخرى منهم لهم خبر عن تلوينات الأحوال ولكنّهم لا يقدرون على تشخيص الأحوال وهذه الطّائفة داخلون في أرباب العلم وإن لم يقدروا على تشخيص الأحوال ومستحقّون للمشيخة وتشخيص الأحوال ليس هو وظيفة كلّ شيخ بل تظهر هذه الدّولة بعد أزمنة متطاولة حتّى يتشرّف بها واحد ويحال الآخرون على علمه ويجعلون من متطفّليه كما أنّ الأنبياء أولي العزم صلوات الله وتسليماته عليهم كانوا يبعثون بعد مدّة مديدة وكان كلّ منهم يختصّ بأحكام متمايزة وكان بقيّة الأنبياء يؤمرون باتّباعهم ويكتفون بالدّعوة بتلك الأحكام، (شعر): ليس على الله بمستنكر . أن يجمع العالم في واحد. والسّلام. المكتوب الخامس والثّمانون والمائتان إلى السّيّد محبّ الله المانك? وريّ في بيان أحكام السّماع والوجد والرّقص وبعض المعارف المتعلّقة بالرّوح بسم الله الرّحمن الرّحيم. الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى. اعلم أرشدك الله إلى طريق السّداد وألهمك سبيل الرّشاد أنّ السّماع والوجد نافع لجماعة متّصفون بتقلّب الأحوال ومتّسمون بتبدّل الأوقات ففي وقت حاضرون وفي وقت غائبون وأحيانا واجدون وأحيانا فاقدون وهم أرباب القلوب ينتقلون في مقام التّجلّيات الصّفاتيّة عن صفة إلى صفة ويتحوّلون من اسم إلى اسم، تلوّن الأحوال نقد وقتهم وتشتّت الآمال حاصل مقامهم ودوام الحال محال في حقّهم واستمرار الوقت ممتنع في شأنهم فزمانا في القبض وزمانا في البسط فهم أبناء الوقت ومغلوبوه فمرّة يعرجون ومرّة يهبطون وأمّا أرباب التّجلّيات الذّاتيّة الّذين تخلّصوا من مقام القلب بالتّمام واتّصلوا بمقلّب القلب ورجعوا بكلّيّتهم من رقّيّة الأحوال إلى محوّل الأحوال فهم ليسوا محتاجين إلى الوجد والسّماع فإنّ وقتهم دائميّ وحالهم سرمديّ بل لا وقت لهم ولا حال فهم آباء الوقت وأرباب التّمكين وهم الواصلون الّذين لا رجوع لهم أصلا ولا فقد لهم قطعا فمن لا فقد له لا وجد له نعم إنّ طائفة من المنتهين ينفعهم السّماع أيضا مع وجود استمرار الوقت وسيحرّر بيانه بالتّفصيل في آخر هذا المبحث إن شاء الله تعالى. فإن قيل: قال خاتم الرّسل والرّسالة عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّة: لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل. فيفهم من هذا الحديث أنّ الوقت لا يكون دائما؟ (أجيب) بعد تسليم صحّة هذا الحديث أنّ بعض المشائخ قد أراد بالوقت الواقع في الحديث وقتا مستمرّا أي لي مع الله وقت مستمرّ فلا إشكال. وثانيا: إنّ الوقت المستمرّ قد تعرض فيه أحيانا كيفيّة خاصّة فيمكن أن يكون المراد بالوقت الوقت النّادر ويكون المراد به هذه الكيفيّة النّادرة فعلى هذا يرتفع الإشكال أيضا. فإن قيل: يمكن أن يكون لاستماع النّغمة مدخل في تحصيل تلك الكيفيّة النّادرة فصار المنتهي أيضا محتاجا إلى السّماع في تحصيل تلك الكيفيّة. (أجيب) أنّ تحقّق تلك الكيفيّة غالبا في حين أداء الصّلاة فإن ظهرت في خارج الصّلاة أحيانا فهو أيضا من نتائجها وثمراتها ويمكن أن يكون في حديث "وقرّة عيني في الصّلاة" إشارة إلى هذه الكيفيّة النّادرة. وورد أيضا في الخبر: أقرب ما يكون العبد من الرّبّ في الصّلاة، وقال الله تعالى (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) ولا شكّ أنّ كلّ وقت يكون القرب الإلهيّ فيه أزيد يكون مجال الغير فيه أشدّ انتفاء ففهم من هذا الحديث وهذه الآية أيضا أنّ ذلك الوقت في الصّلاة والدّليل على استمرار الوقت ودوام الوصل اتّفاق المشائخ قال ذو النّون المصريّ: ما رجع من رجع الّا من الطّريق ومن وصل لا يرجع وكون يادداشت عبارة عن دوام الحضور مع جناب قدس الحقّ سبحانه أمر مقرّر في طريقة خواجكان قدّس الله أرواحهم وبالجملة انّ الإنكار على دوام الوقت علامة عدم الوصول وما قاله شرذمة قليلة من المشائخ كابن العطاء وأمثاله من جواز رجوع الواصل إلى الصّفات البشريّة فيفهم منه عدم دوام الوقت فهو خلاف في جواز الرّجوع لا في الوقوع فإنّ الرّجوع غير واقع ألبتّة كما لا يخفى على أربابه فثبت إجماع المشائخ على عدم رجوع الواصل وكان خلاف البعض راجعا إلى جواز الرّجوع هذا.

قسم V01/P395–V01/P396

وطائفة من المنتهين تحصل لهم برودة قويّة في الوصول إلى مشاهدة الجمال اللّايزالىّ بعد وصولهم إلى درجة من درجات الكمالات وتحصل لهم نسبة تامّة تمنعهم عن العروج إلى منازل الوصول وأما مهمّ درجات منازل الوصول لم يقطعوها بعد ولم تنقطع مدارج القرب بالإنتهاء إلى غايته وفيهم مع وجود البرودة ميل إلى العروج وتمنّى كمال القرب فالسّماع مفيد في حقّهم على تقدير هذه الصّورة وموجب للحرارة ويتيسّر لهم في كلّ وقت بمدد السّماع العروج إلى منازل القرب وبعد التّسكين يهبطون من تلك المنازل ولكنّهم يستصحبون معهم لونا ووصفا من مقامات ذلك العروج وينصبغون به وهذا الوجد ليس هو بعد الفقد فإنّ الفقد مفقود في حقّهم بل هو لأجل التّرقّي إلى منازل الوصول مع وجود دوام الوصل ومن هذا القبيل سماع المنتهين والواصلين ووجدهم نعم إنّهم وإن منحوا الجذبة بعد الفناء والبقاء ولكن لمّا عرضت لهم برودة قويّة لم يكتفوا بها في تحصيل التّرقّيات إلى منازل الوصول والعروج واحتاجوا إلى السّماع وطائفة من المشائخ قدّس الله أسرارهم تهبط? نفوسهم إلى مقام العبوديّة بعد وصولهم إلى درجة الولاية وأرواحهم متوجّهة إلى جناب القدس في مقامها الأصليّ بلا مزاحمة النّفوس وكلّما يصل إلى الرّوح مدد من مقام النّفس المطمئنّة الّتي صارت متمكّنة وراسخة في مقام العبوديّة تحصل للرّوح بواسطة ذلك الإمداد مناسبة خاصّة بالمطلوب واطمئنان هؤلاء الأكابر في العبادة وتسكينهم في أداء حقوق العبوديّة والطّاعة وميل العروج مفقود في طباعهم وشوق الصّعود قليل في بواطنهم جبينهم لامع بنور متابعة الملّة وعيون بصيرتهم مكتحلة بكحل اتّباع السّنّة فلا جرم كانت أبصارهم حديدة يبصرون من بعد ما يعجز الأقربون عن رؤيته وإن كان عروجهم قليلا ولكنّهم نورانيّون منوّرون بنور الأصل ولهم في ذلك المقام شأن عظيم وجلالة القدر فلا احتياج لهم إلى السّماع والوجد بل تعطيهم العبادة ما للسّماع وتكفيهم نورانيّتهم بنور الأصل عن العروج. والجماعة المقلّدون من أهل السّماع والوجد الّذين لا وقوف لهم على عظم شأن هؤلاء الأكابر يحسبون أنفسهم عشّاقا ويسمّونهم زهّادا وكأنّهم يزعمون أنّ العشق والمحبّة منحصران في الرّقص والوجد. ومن المنتهين طائفة يمنحون بعد قطع مسالك السّير إلى الله والتّحقّق بالبقاء بالله جذبا قويّا فينجرّون بسلسلة الجذبة جرّا جرّا، وسراية البرودة ممنوعة هناك والتّسلية غير جائزة لا يحتاجون في العروج إلى أمور غريبة وليس للسّماع والرّقص إلى مضيق خلوتهم سبيل الدّخول ولا الوجد والتّواجد عندهم شيء مقبول بل يصلون بهذا العروج الإنجذابيّ إلى نهاية المرتبة الممكنة الوصول وينالون بواسطة متابعة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نصيبا من مقامه المخصوص به وهذا النّوع من الوصول مخصوص بطائفة الأفراد لا نصيب من هذا المقام للأقطاب أيضا فان ارجع الواصل إلى نهاية النّهاية بهذا النّوع من الوصول بمحض فضل الحقّ سبحانه إلى العالم، وأحيل عليه تربية المستعدّين تهبط نفسه إلى مقام العبوديّة وروحه متوجّهة إلى جناب المقدّس بلا نفس وهو الجامع للكمالات الفرديّة والحاوي للتّكميلات القطبيّة وأعني بالقطب ههنا قطب الإرشاد لا قطب الأوتاد وعلوم المقامات الظّلّيّة ومعارف المدارج الأصليّة ميسّرة له بل لا ظلّ في المقام الّذي هو فيه ولا أصل فإنّه قد جاوز الظّلّ والأصل ومثل هذا الكامل المكمّل عزيز الوجود جدّا حتّى أنّه لو ظهر بعد قرون متطاولة وأزمنة متباعدة فهو أيضا مغتنم ينوّر به العالم نظره شفاء الأمراض القلبيّة وتوجّهه دافع الأخلاف الرّديّة الغير المرضيّة وهو الّذي أتمّ مدارج العروج ونزل إلى مقام العبوديّة واطمئنّ بالعبادة وآنس بها وينتخب بعض هذه الطّائفة لمقام العبديّة الّذي لا مقام فوقه من مقامات الولاية ويشرّف به.

قسم V01/P396–V01/P397

وقابليّة منصب المحبوبيّة أيضا مسلّمة إليه فهو جامع لجميع كمالات مرتبة الولاية وحاو لتمام مقامات درجة الدّعوة ومحتظّ من الولاية الخاصّة بمقام النّبوّة وبالجملة انّ هذا المصرع صادق في حقّه (ع) قد اجتمعت فيه المحاسن كلّها هذا والسّماع والوجد مضرّ للمبتدي ومناف لعروجه وإن وقع بالشّرائط وسيحرّر نبذة من شرائط السّماع في آخر هذه الرّسالة إن شاء الله تعالى ووجد المبتدي معلول وحاله وبال وحركته طبيعيّة وتحرّكه مشوب بالهوى النّفسانيّ وأعني بالمبتدي من ليس من أرباب القلوب وأرباب القلوب متوسّطون بين المبتدي والمنتهي والمنتهي هو الفاني في الله والباقي بالله وهو الواصل الكامل وللانتهاء درجات بعضها فوق بعض وللوصول مراتب لا يمكن قطعها أبد الآبدين (وبالجملة) انّ السّماع نافع للمتوسّطين وطائفة من المنتهين أيضا كما مرّ آنفا ولكن ينبغي أن يعلم أنّ السّماع لا يحتاج إليه أرباب القلوب أيضا مطلقا بل جماعة منهم لم يشرّفوا بعد بدولة الجذبة ويريدون قطع المسافة بالرّياضات والمجاهدات الشّاقّة فالسّماع والوجد ممدّ ومعاون لهؤلاء الجماعة في هذه الصّورة وأمّا إذا كان أرباب القلوب من المجذوبين فقطع مسالك سيرهم بمدد الجذبة وليسوا محتاجين إلى السّماع (ينبغي) أيضا أن يعلم أنّ نفع السّماع لأرباب القلوب الغير المجذوبين ليس على إطلاقه بل الإنتفاع به مشروط بالشّرائط وبدونها خرط القتاد فمن جملة الشّرائط عدم الإعتقاد لكمال نفسه فلو كان معتقد التّماميّة نفسه فهو محبوس نعم قد يورثه السّماع أيضا من العروج ولكنّه يهبط من مقام عروج إليه وقت السّماع بعد التّسكين والشّرائط المبيّنة في كتب الأكابر مستقيمي الأحوال كعوارف المعارف أكثرها مفقودة في سماع أبناء هذا الزّمان بل مثل هذا السّماع الّذي شاع في هذا الزّمان وهذا الإجتماع الّذي صار متعارفا في هذه الاوان لا شكّ في أنّه مضرّ ومناف صرف لا طمع للعروج فيه ولا يتصوّر الصّعود والتّرقّي به وإمداد السّماع مفقود في هذا المحلّ والمضرّة موجودة في ذلك المحفل. تنبيه: إنّ السّماع وإن كان مفيدا بالنّسبة إلى بعض المنتهين ولكن لمّا كان أمامهم مراتب العروج فهم من الأوساط وما لم تطو مراتب العروج الممكنة الحصول بالتّمام فحقيقة الإنتهاء مفقودة فيهم وإطلاق النّهاية إنّما هو باعتبار نهاية السّير إلى الله وهذا السّير إلى اسم إلهيّ كان السّالك مظهره والسّير بعد ذلك يكون في ذلك الإسم وما يتعلّق به فإذا جاوزه وما يتعلّق ممّا ينكشف لأربابه ووصل إلى الاسم الحقيقيّ وحصل له هناك فناء وبقاء فهو حينئذ يكون منتهيا حقيقيّا ونهاية السّير إلى الله في الحقيقة يتحقّق في ذلك المحلّ وقد عدّوا النّهاية الاولى الّتي هي انتهاء السّير إلى الإسم من نهاية السّير إلى الله واعتبروها منها أيضا وباعتبار حصول الفناء والبقاء في تلك المرتبة أطلقوا اسم الولاية أيضا. وما قيل من أن لا نهاية للسّير في الله فهذا السّير في حين البقاء وبعد طيّ منازل العروج ومعنى عدم نهاية ذلك السّير هو أنّ السّير إذا وقع في ذلك الإسم بالتّفصيل وتخلّق بالشّئونات المندرجة فيه لا يصل إلى نهايته أصلا فإنّ كلّ اسم مشتمل على شئونات غير متناهية وأمّا إذا أريد ترقّيه من ذلك الإسم وقت العروج فيمكن أن يطوى ذلك بقدم واحد ويصل إلى نهاية النّهاية ثمّ إن استهلك هناك فيا لها من شرافة وإن أرجع لتربية الخلق فيا لها من فضيلة وكرامة ولا تظنّنّ أنّ الوصول إلى ذلك الإسم أمر سهل بل لا بدّ من بذل الرّوح حتّى يشرّف بتلك الدّولة ومن ذا الّذي يختصّ بهذه النّعمة القصوى من بين أقرانه ويمتاز بها وما تتخيّله تنزيها وتقديسا ربّما يكون عين التّشبيه والتّنقيص بل أكثر المراتب الّذي تتخيّله تنزيها أسفل وأدون من مقام الرّوح والتّنزيه الّذي يخيّل لك فوق العرش فهو أيضا داخل في دائرة التّشبيه وذلك المكشوف المنزّه من عالم الأرواح فإنّ العرش محدّد الجهات ومنتهى الأبعاد وعالم الأرواح وراء عالم الجهات والأبعاد فإنّ الرّوح لا مكانيّة لا يسعها المكان.

قسم V01/P397–V01/P398

وإثبات الرّوح فيما وراء العرش لا يوهمنّك أنّها بعيدة عنك والمسافة بينك وبينها طويلة فإنّ الأمر ليس كذلك لأنّ نسبة الرّوح مع وجود لا مكانيّتها مساوية إلى جميع الأزمنة والقول بأنّها وراء العرش له معنى آخر لا تعرفه حتّى تبلغ هناك (وطائفة) من الصّوفيّة لمّا وصلوا إلى التّنزيه الرّوحيّ ووجدوها فوق العرش تخيّلوه تنزيها إلهيّا جلّ شأنه وظنّوا علوم ذلك المقام ومعارفه من غوامض العلوم وحلّوا أسرار الإستواء في هذا المقام والحقّ أنّ ذلك النّور نور الرّوح وقد عرض للفقير أيضا مثل هذا الإشتباه عند حصول ذلك المقام ولكن لمّا أدركتني عناية الحقّ سبحانه ورقّتني من تلك الورطة علمت أنّ ذلك النّور كان نور الرّوح لا النّور الإلهيّ الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، وحيث كانت الرّوح لا مكانيّة ومخلوقة على صورة لا مثاليّة فلا جرم تكون محلّ اشتباه والله يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل. (وجماعة) منهم ينزلون آخذين ذلك النّور يعني نور الرّوح الّتي فوق العرش ويحصل لهم البقاء به فيظنّون أنفسهم جامعين بين التّشبيه والتّنزيه فإن وجدوا ذلك النّور منفكّا عنهم يتصوّرون ذلك مقام الفرق بعد الجمع وأمثال هذه المغالطات فيما بين الصّوفيّة كثيرة وهو سبحانه العاصم عن مظانّ الأغلاط ومحلّ الإحتياط. وينبغي أن يعلم أنّ الرّوح وإن كانت بالنّسبة إلى العالم لا مثليّة ولكنّها بالنّسبة إلى اللّامثليّ الحقيقيّ داخلة في دائرة المثليّ وكأنّها برزخ بين العالم المثليّ وبين جناب القدس الحقيقيّ ففيها وصف الطّرفين وكلا الإعتبارين صحيح فيها بخلاف اللّامثليّ الحقيقيّ فانّه لا سبيل للمثليّ إليه أصلا فما لم يعرج السّالك من جميع مقامات الرّوح لا يصل إلى ذلك الإسم فينبغي أوّلا أن يتجاوز جميع طبقات السّموات حتّى العرش والخروج من لوازم المكان بالتّمام ثمّ يلزم ثانيا طيّ مراتب لا مكانيّة عالم الأرواح فيصل في ذلك الوقت إلى ذلك الإسم، (شعر) ويظنّ مولانا بأنّه واصل . ما ان له غير الظّنون حاصل فهو سبحانه وراء الوراء فإنّ وراء عالم الخلق هذا عالم الأمر ووراء عالم الأمر مراتب الأسماء والشّئونات ظلّا وأصالة وإجمالا وتفصيلا فينبغي طلب المطلوب الحقيقيّ فيما وراء هذه المراتب الظّلّيّة والأصليّة والكونيّة والإلهيّة والإجماليّة والتّفصيليّة فمن ذا الّذي ينعم به عليه وأيّ صاحب دولة يشرّف بهذه الدّولة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ينبغي للعاقل أن يكون عالي الهمّة وأن لا يقنع بكلّما يتيسّر في الطّريق وأن يطلب المطلوب في ما وراء الوراء، شعر: كيف الوصول إلى سعاد ودونها . قلل الجبال ودونهنّ خيوف تنبيه آخر: اعلم أنّ دوام الوقت واستمراره مسلّم لشخص تشرّف بالبقاء بالله بعد تحقّقه بالفناء المطلق وتبدّل علمه الحصوليّ حضوريّا ولنوضّح هذا المبحث ببيان. اعلم أنّ كلّ علم يحصل للعالم من وراء ذاته فطريق حصوله له هو حصول صورة المعلوم في ذهن العالم وكلّ علم لا يحتاج في حصوله إلى حصول الصّورة وهو علم الإنسان بذاته فهو علم حضوريّ فإنّ الذّات حاضرة عند العالم بنفسها وما دامت صورة المعلوم حاصلة في العلم الحصوليّ فهو معلوم في ذهن المتوجّه فإذا زالت الصّورة عن الذّهن زال ذلك التّوجّه الذّهنيّ فدوام التّوجّه في العلم الحصوليّ محال عاديّ بخلافه في العلم الحضوريّ فإنّ الغفلة عن المعلوم غير متصوّرة هناك فإنّ منشأ تحقّق ذلك العلم حضور ذات العالم وحيث كان ذلك الحضور دائميّا فالعلم بالذّات أيضا يكون دائميّا وزوال التّوجّه إلى ذاته غير ممكن وفي البقاء بالله علم حضوريّ لا يتصوّر زواله. ولا تظنّنّ أنّ البقاء بالله عبارة عن أن يجد السّالك نفسه عين الحقّ كما عبّر البعض من هذه الطّائفة عن حقّ اليقين بهذه العبارة فإنّه ليس كذلك فإنّ البقاء بالله الّذي تيسّر بعد الفناء المطلق لا يناسبه أمثال هذه العلوم وحقّ اليقين الّذي قاله البعض مناسب لبقاء يحصل في الجذبة والبقاء الّذي هو مقصودنا غير ذلك، شعر: فو الله لا تدري لذي الخمر لذّة .

قسم V01/P398–V01/P400

ولا نشوة حتّى تذوق وتسكرا فاستمرار التّوجّه ودوام الحضور إنّما ثبتا في البقاء بالله ولا إمكان لدوام التّوجّه قبل التّحقّق بالبقاء بالله وإن توهّم ذلك المعنى لكثيرين قبل الوصول إلى هذا المقام خصوصا في الطّريقة العليّة النّقشبنديّة قدّس الله أسرار أهلها والحقّ ما حقّقت والصّواب ما ألهمت والله سبحانه أعلم بالصّواب وإليه المرجع والمآب الحمد لله ربّ العالمين أوّلا وآخرا والصّلاة والسّلام على رسوله دائما وسرمدا. المكتوب السّادس والثّمانون والمائتان إلى مولانا أمان الله الفقيه في بيان أنّ الإعتقاد الصّحيح هو المأخوذ من الكتاب والسّنّة على وفق آراء أهل السّنّة والجماعة وفي ردّ من يستنبط من الكتاب والسّنّة خلاف معتقدات أهل السّنّة والجماعة وأدركوا بالكشف خلاف ما عليه أهل الحقّ بسم الله الرّحمن الرّحيم اعلم أرشدك الله وألهمك سواء الصّراط أنّ من جملة ضروريّات الطّريق للسّالك الإعتقاد الصّحيح الّذي استنبطه علماء أهل السّنّة والجماعة من الكتاب والسّنّة وآثار السّلف وحمل الكتاب والسّنّة على المعاني الّتي فهمها جمهور أهل الحقّ يعني علماء أهل السّنّة والجماعة منهما أيضا ضروريّ فإن ظهر فرضا بطريق الكشف والإلهام ما يخالف تلك المعاني المفهومة ينبغي أن لا يعتبره وأن يستعيذ منه مثل الآيات والأحاديث الّتي يفهم من ظواهرها التّوحيد الوجوديّ وكذلك الإحاطة والسّريان والقرب والمعيّة الذّاتيّة ولم يفهم علماء أهل الحقّ من تلك الآيات والأحاديث هذه المعاني فإذا انكشف للسّالك في أثناء الطّريق هذه المعاني بأن لا يرى غير موجود واحد أو بأن يدرك أنّ الله تعالى محيط بالذّات أو وجده قريبا بالذّات فهو وإن كان معذورا في ذلك بسبب غلبة الحال وسكر الوقت فيما هنالك ولكن ينبغي له أن يكون ملتجئا إلى الله تعالى ومتضرّعا إليه دائما لأن يخلّصه من هذه الورطة وأن يكشف له أمورا مطابقة لآراء علماء أهل الحقّ وأن لا يظهر له ما يخالف معتقداتهم الحقّة ولو مقدار شعرة. (وبالجملة) ينبغي أن يجعل المعاني الّتي كانت مفهومة لعلماء أهل الحقّ مصداق الكشف وأن لا يجعل محكّ الإلهام غيرها فإنّ المعاني المخالفة للمعاني المفهومة لهم ساقطة عن حيّز الإعتبار لأنّ كلّ مبتدع ضالّ يزعم أنّ مقتدى معتقداته ومأخذها الكتاب والسّنّة فإنّه يفهم منهما بحسب افهامه الرّكيكة معاني غير مطابقة يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا وإنّما قلت إنّ المعتبر هو المعاني المفهومة لعلماء أهل الحقّ وانّ ما سواها ممّا يخالفها غير معتبرة بناء على أنّهم أخذوا تلك المعاني من تتبّع آثار الصّحابة والسّلف الصّالحين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين واقتبسوها من أنوار نجوم هدايتهم ولهذا صارت النّجاة الأبديّة مخصوصة بهم والفلاح السّرمديّ نصيبا لهم أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون. فإن تداهن بعض العلماء في الفرعيّات وارتكبوا التّقصيرات في العمليّات مع وجود حقّيّة الإعتقاد لا ينبغي بسبب ذلك أن ينكر العلماء مطلقا وأن يطعن فيهم كلّيّا فإنّ ذلك محض عدم الإنصاف وصرف المكابرة بل إنكار أكثر ضروريّات الدّين فإنّ ناقلي تلك الضّروريّات هم العلماء وناقدي جيّدها عن رديئها هم العلماء فلولا نور هدايتهم لما اهتدينا ولو لا تمييزهم الصّواب عن الخطإ لغوينا وهم الّذين بذلوا جهدهم في إعلاء كلمة الدّين القويم وسلكوا بأناس كثيرة إلى صراط مستقيم فمن تابعهم نجا وأفلح ومن خالفهم ضلّ وأضلّ من الطّريق الأوضح.

الأسئلة