Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

قسم V01/P452–V01/P453

ولا يظنّ من هنا: أنّ التّفرقة وعدم التّفرقة متساويان في حقّ جمعيّة المنتهي مطلقا فإنّه ليس كذلك، بل المراد أنّهما متساويان في جمعيّة الباطن، ومع ذلك لو جمع ظاهره مع باطنه ودفع التّفرقة عن ظاهره أيضا يكون أولى وأنسب قال الله سبحانه وتعالى لنبيّه عليه الصّلاة والسّلام: وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا. ينبغي أن يعلم: أنّه لا بدّ في بعض الأوقات من تفرقة الظّاهر لأداء حقوق الحقّ فتكون تفرقة الظّاهر في بعض الأوقات مستحسنة أيضا. وأمّا تفرقة الباطن: فليست بمستحسنة في وقت من الأوقات فإنّه خالص حقّ الله سبحانه فيكون ثلاث حصص من العبد المسلم لأجل الحقّ سبحانه تمام الباطن ونصف الظّاهر وبقي النّصف الآخر من الظّاهر لأداء حقوق الخلق ولمّا كان في أداء تلك الحقوق امتثال أوامر الحقّ سبحانه صار ذلك النّصف أيضا راجعا إلى الحقّ سبحانه وتعالى: إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فاعبده المكتوب السّادس والتّسعون والمائتان إلى المخدوم الخواجه محمّد سعيد قدّس سرّه في بساطة صفات الحقّ جلّ وعلا ونفي تعدّد تعلّقها بالأشياء الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين، وآله الطّاهرين أجمعين: (اعلم): أنّ صفات الواجب تعالى وتقدّس كذاته تعالى منزّهة عن الشّبه والمثال وبسائط حقيقيّة؛ مثلا أنّ صفة العلم انكشاف واحد بسيط تنكشف المعلومات الأزليّة والأبديّة بهذا الإنكشاف الواحد، وكذلك قدرة واحدة كاملة بسيطة توجد المقدورات الأزليّة والأبديّة بواسطتها، وكذلك كلام واحد بسيط وهو سبحانه متكلّم بهذا الكلام من الأزل إلى الأبد، وعلى هذا القياس في سائر الصّفات الحقيقيّة والتّعدّد الحاصل من تعلّق العلم والقدرة بالمعلومات والمقدورات أيضا مفقود في تلك المرتبة، والأشياء معلومة الحقّ سبحانه ومقدورته، ولكن لا تعلّق لصفة العلم والقدرة بها أصلا، وهذه المعرفة وراء طور نظر العقل. وأرباب العقول لا يجوّزون مثل هذا المعنى أصلا ويعدّون عدم تعلّق العلم والقدرة بالأشياء مع كونها معلومة الحقّ سبحانه ومقدورته محالا، ألم يعلموا أنّ الأزل والأبد حاضر في تلك المرتبة؟ بل لا مجال للآن فيها أيضا سوى التّعبير به لكونه أقرب الشّيء وأوفقه بها، ومعلومات الأزل والأبد حاضرة في ذلك الآن وفي ذلك الآن الحاضر يعلم الحقّ سبحانه زيدا مثلا معدوما وموجودا وجنينا وصبيّا وشابّا وشيخا وحيّا وميّتا وكائنا في البرزخ والحشر والنّار والجنّة، ومعلوم أنّه لا تعلّق لذلك الآن بهذه الأطوار أصلا فإنّه لو حصل له تعلّق لخرج عن كونه آنا ويسمّى زمانا ويصير ماضيا ومستقبلا فهذه الأطوار ثابتة في ذلك الآن وغير ثابتة. فعلى هذا: لو ثبت انكشاف بسيط حقيقيّ لا يكون له تعلّق بواحد من المعلومات ويكون جميع المعلومات منكشفة بهذا الإنكشاف الواحد، فأيّ عجب فيه فإنّ استحالة جمع الضّدّين مفقودة في ذلك الموطن؛ فإنّها مشروطة باتّحاد الزّمان والجهة، ولا مجال هنا للزّمان؛ إذ لا يجري عليه سبحانه زمان، واتّحاد الجهة أيضا مفقود للفرق بالإجمال والتّفصيل، وهذا كمن يقول أنا أرى الإسم والفعل والحرف الّتي كلّ واحد منها قسيم للآخر متّحدا بعضها ببعض في مرتبة الكلمة في آن واحد، وأجد المنصرف غير منصرف، والمبنيّ عين معرب، ويقول: ومع وجود هذه الجامعيّة لا تعلّق للكلمة بواحد من هذه الأقسام ومستغنية عنها بالتّمام لا ينكر أحد من العقلاء على هذا الشّخص ولا يستبعدون كلامه، فلم يستبعدون ما نحن فيه؟ ويتوقّفون عن قبوله؟ ولله المثل الأعلى. فإن قيل: لم يقل أحد مثل هذا الكلام قلت: ما الضّرر فيه؟

قسم V01/P453–V01/P455

فإنّه وإن لم يقل به أحد ولكنّه ليس بمخالف لكلام الآخرين وليس أيضا ممّا لا يناسب لمرتبة الوجود تعالت وتقدّست، (ع): كل أنت خربزة والغير فالوذجا والمثال الّذي يمكن ايراده في المخلوقات لتوضيح هذه المعرفة: هو أنّهم قالوا: إنّ العلم بالعلّة مستلزم للعلم بالمعلوم، والمدركة متوجّهة في هذه الصّورة بالأصالة إلى العلّة ومتعلّقة بها، ويحصل العلم بالمعلول بتبعيّة العلم بالعلّة من غير تجدّد تعلّق آخر به، ولكن أرباب المعقول لا يجوّزون معلوميّة المعلول في هذه الصّورة أيضا من غير تعلّق العلم بالمعلول في مرتبة ثانية وإن لم يكن ذلك التّعلّق بالأصالة ولكن لا يعلم وجود مثال أقرب من هذا المثال، والمقصود التّوضيح لا الإثبات، والله تعالى أعلم بحقائق الامور كلّها والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلوات والتّحيّات المباركات. المكتوب السّابع والتّسعون والمائتان إلى مولانا بدر الدّين في تحقيق إحاطة الحقّ وسريانه سبحانه وتعالى وتوضيح ذلك بأمثلة وبيان رعاية حفظ المراتب الوجوديّة والإمكانيّة اعلم: أنّ إحاطة الحقّ سبحانه بالأشياء وسريانه فيها كإحاطة المجمل بالمفصّل، وسريانه فيه كالكلمة مثلا سارية في جميع أقسامها من الإسم والفعل والحرف وكذا في أقسام الاقسام من الماضي والمضارع والأمر والنّهي والمصدر واسم الفاعل واسم المفعول والمستثنى المنقطع والمتّصل والحال والتّمييز والثّلاتيّ والرّباعيّ والخماسيّ والحروف الجارّة والنّاصبة والحروف المختصّة بالأفعال والحروف المحتصّة بالأسماء والحروف الدّاخلة عليهما إلى غير ذلك من الأسماء الحاصلة من التّقسيمات الغير المتناهية فهذه الأقسام كلّها ليست غير الكلمة، بل هذه اعتبارات مندرجة تحت الكلمة ما زاد في تفصيلها وتمييزها عن الكلمة وتمييز بعضها عن بعض شيء الّا اعتبار العقل، وفي الخارج ليست الّا الكلمة ولهذا صحّ الحمل ولكن لكلّ مرتبة من المراتب اسم يختصّ هو بها وأحكام لا توجد في غيرها مثلا: الدّالّ على المعنى بالإستقلال مع الإقتران بالزّمان فعل وبغير الإقتران اسم وغير الدّالّ على المعنى بالإستقلال حرف وكذا المقترن بالزّمان الماضي فعل ماض، وبالزّمان الحال والإستقبال مضارع، وما وجد فيه علّتان من العلل التّسعة المشهورة فغير منصرف، والّا فمنصرف، وحروف عملها الجرّ جارّة، وحروف عملها النّصب ناصبة؛ فإطلاق اسم مرتبة على مرتبة أخرى، وإجراء أحكام إحديهما على الاخرى كإطلاق الفعل الماضي على المضارع، والمنصرف على غير المنصرف، والجارّة على النّاصبة، مع كون المراتب كلّها ليست الّا الكلمة ضلالة وخروج عن الصّراط السّويّ. فنقول والله سبحانه أعلم: إنّ لكلّ مرتبة من مراتب تنزّل الوجود اسما مختصّا بها وأحكاما لا توجد الّا فيها فالوجوب الذّاتيّ والإستغناء الذّاتيّ مختصّان بمرتبة الجمع والألوهيّة والإمكان الذّاتيّ والإفتقار الذّاتيّ مختصّان بمرتبة الكون والفرق، والمرتبة الاولى مرتبة الرّبوبيّة والخالقيّة، والمرتبة الثّانية مرتبة العبوديّة والمخلوقيّة؛ فلو أطلق أسامي إحديهما على الاخرى وأجري الأحكام المختصّة بمرتبة على مرتبة أخرى لكان زندقة وكفرا محضا. والعجب من بعض الملاحدة والزّنادقة ايّهم كيف يخلّطون المراتب ويجرون أحكام مرتبة على مرتبة أخرى فيصفون الممكن بصفات الواجب، والواجب بصفات الممكن مع علمهم بتمايز صفات الممكن الّذي هو مرتبة واحدة بعضها عن بعض واختلاف أحكامهم وعلمهم بعدم زوال تمايزهم واختلاف أحكامهم أصلا مع اتّحادهم في المرتبة الكونيّة، فإنّهم يعلمون بالبداهة مثلا أنّ الحرارة والإشراق من صفات النّار المختصّة بها ليست واحدة منها في الماء. ولا يوصف بها الماء، وكذا البرودة الّتي اختصّت بالماء ليست في النّار، وكذا يميّزون بالضّرورة بين أزواجهم وأمّهاتهم، ويحكمون بتفرقة أحكامهنّ، والله سبحانه الهادي إلى سبيل الرّشاد والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى المكتوب الثّامن والتّسعون والمائتان إلى السّيّد محبّ الله المانك? وريّ في بيان الوصول إلى نهاية الأمر بطريق الإشارة ولطيف العبارة ولم يطّلع على سرّ هذا المعمّى أحد غير المخدوم الأكبر عليه الرّحمة والرّضوان اعلم أرشدك الله: لمّا كان السّير مدّة مديدة في الظّلال وجدت الوصول إلى الظّلّ عين الحصول، والآن لمّا تيسّر الوصول إلى الأصل: ليس الحصول غير الظّلّ كالمرآة الكائنة في يد شخص الواصلة إليه لا نصيب له من الشّخص الّا ظلّه فافهم فإنّ كلامنا إشارة.

قسم V01/P455–V01/P456

واعلم: أنّ العبارة المناسبة لبيان الطّريق الّتي حرّرت بطريق الرّمز والإشارة رأيتها مناسبة لهذا المقام وجعلتها مندرجة في هذا المكتوب أيضا ينبغي أن يفهما. ذكر كثير مأخوذ من شيخ صاحب عرفان المداومة عليه الرّجوع إلى فضل الرّحمن الوصل العريان والباقي كلّهم حسبان والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها. المكتوب التّاسع والتّسعون والمائتان إلى الشّيخ فريد الرّابهولىّ في التّعزية والدّلالة على الرّضا بالقضاء وبيان فضيلة الموت بالطّاعون وأنّ الفرار منه كبيرة كالفرار يوم الزّحف بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم أنّ المكتوب الشّريف قد وصل وقد بيّن فيه المصيبات: إِنّا لله وإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ينبغي الصّبر والتّحمّل والرّضاء بالقدر (شعر): إن كنت تؤذيني فلست بمعرض . وقد استبطت من الأعزّة ذلّتي قال الله تبارك وتعالى: وما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ، وقال تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ والْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ، وقد هلك في هذا الوباء من شؤم أعمالنا البقرات لكثرة اختلاطها بنا وماتت النّساء أكثر من الرّجال، فإنّ تعلّق بقاء نوع الإنسان بوجودهنّ أكثر، والّذي فرّ من الموت في هذا الوباء وسلم فالتّراب على حياته والّذي لم يهرب ومات فطوبى له وبشرى له بالشّهادة، وقد جزم شيخ الإسلام ابن الحجر في كتاب " بذل الماعون في فضل الطّاعون " بأنّ الميّت بالطّعن لا يسأل؛ لأنّه نظير المقتول في المعركة، وبأنّ الصّابرّ في الطّاعون محتسبا يعلم أنّه ما يصيبه الّا ما كتب له إذا مات فيه بغير الطّعن لا يفتن أيضا؛ لأنّه نظير المرابط، كذا ذكره الشّيخ الأجلّ السّيوطيّ في كتاب: «شرح الصّدور بشرح أحوال الموتى والقبور». وقال: وهو حجّة جدّا، والّذي لم يهرب ولم يمت من جملة الغزات والمجاهدين ومن زمرة الصّابرين والمبتلين ولكلّ شخص أجل مسمّى لا تقديم فيه ولا تأخير، وسلامة أكثر الهاربين إنّما هي لعدم مجيئ أجلهم، لا أنّ الفرار نجّاهم من الموت، وهلاك أكثر الصّابرين إنّما هو لبلوغ أجلهم فليس الفرار ينجّي ولا الإستقرار يهلك، وهذا الفرار كالفرار يوم الزّحف معصية كبيرة ومن مكر الله سبحانه حيث يسلّم الهاربين ويهلك الصّابرين يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، وقد سمعنا صبركم وتحمّلكم وإمدادكم وإعانتكم للمسلمين جزاكم الله سبحانه خيرا ولا يضيقنّ قلبكم في مرتبة الأطفال وتحمّل أذاهم فإنّ المرجوّ ترتّب أجر جزيل عليه، وماذا أكتب أزيد من ذلك؟ والسّلام. المكتوب الموفي ثلاثمائة إلى المخدوم زاده جامع العلوم العقليّة والنّقليّة مجد الدّين محمّد معصوم سلّمه الله تعالى في بيان الأسرار الغامضة والمعارف الغريبة بلسان الرّمز والإشارة واندرج فيه أيضا إيماء من: {قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى} الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى إذا حصل للإنسان الكامل اسم الجامعيّة بعد ما طوى مراتب الأسماء والصّفات بالسّير التّفصيليّ وصار مرآة لكمالات الأسماء والصّفات الإلهيّة جلّ سلطانه واختفى عدمه الذّاتيّ الّذي هو مرآة تلك الكمالات بالتّمام ولم يكن فيه شيء غير تلك الكمالات ظاهرا ففي هذا الزّمان يتشرّف بالبقاء الخاصّ الّذي هو منوط بتلك الكمالات بعد حصول الفناء التّامّ الّذي هو مربوط باختفاء عدمه ويصدق عليه اسم الولاية وبعد ذلك إذا كانت العناية الأزليّة شاملة لحاله يمكن أن تنعكس تلك الكمالات الّتي كان العارف باقيا بها مرّة ثانية في مرآة حضرة الذّات وأن تظهر فيها وفي هذا الوقت يظهر سرّ قاب قوسين. ينبغي: أن يعلم أنّ ظهور شيء فيها في هذا الموطن كناية عن حصول نسبة مجهولة للشّيئ بتلك المرآة، لا أنّ فيه حقيقة المرآة، وحصول الشّيء فيها ولله المثل الأعلى فإذا صارت تلك الكمالات الّتي كان العارف باقيا بها منعكسة في مرآة جناب القدس بطريق الحقيقة والأصالة وظهرت فيها وحصلت لها فيها النّسبة المجهولة الكيفيّة فلا جرم يطلق حينئذ عليها أنا الّذي كان متعلّقا بالعارف وترى نفسها عين تلك الكمالات الظّاهرة ونهاية عروج " أنا " في مقام قاب قوسين إلى هنا.

قسم V01/P456–V01/P458

اسمع أيّها الولد: أنّ مرآة الصّورة الّتي ينعكس فيها الحسن والجمال لو حصل لها فرضا الحياة والعلم، يعني لو أدركت ظهور الحسن والجمال فيها لكانت بالضّرورة متلذّذة به ومحتظّة بحظّ? أوفر، وفي مرآة الحقيقة وإن كانت اللّذّة والألم مفقودين لكونهما من صفات الإمكان، ولكنّ الأمر اللّائق بتلك المرتبة العليا المبرّأ عن سمات النّقص والحدوث كائن وثابت فيها (شعر): خليلي ما هذا بهزل وإنّما . حديث عجيب من غريب البدائع وهذه الكمالات الظّاهرة الّتي حصلت لها في تلك المرتبة النّسبة المجهولة الكيفيّة حكمها كحكم عالم الخلق الإنسانيّ بالنّسبة إلى عالم الأمر وسرّ"من عرف نفسه فقد عرف ربّه"موجود وحاصل هنا ولمّا حصلت لهذه الكمالات الظّاهرة الّتي هي تفصيل إجمال حضرة الذّات تعالت وتقدّست نسبة مجهولة الكيفيّة بحضرة الإجمال وتيسّر لها اتّصال بلا كيف وصارت مرآة لحضرة الإجمال ظهر في حضرة الإجمال التّفصيل أيضا بالضّرورة بمجرّد الإعتبار وبمحض التّوهّم وصار سببا لعروج:"أنا" العارف وهذا الكمال مربوط? بمقام أو أدنى (ع) بلغ اليراع إلى هنا فتكسّرا وهذا هو بيان نهاية النّهاية وغاية الغاية الّذي فهمه بعيد عن إدراك الخواصّ بمراحل، فماذا تقول من العوامّ؟ والّذي اهتدى إلى هذه الدّولة والمعرفة من أخصّ الخواصّ أيضا أقلّ قليل (شعر) وإذا أتى باب العجوز خليفة . إيّاك يا صاح ونتف سبالكا وهذه النّهاية باعتبار الظّهورات والتّجلّيات لا يتصوّر بعد ذلك تجلّ ولا ظهور (شعر) ومن بعد هذا ما يدقّ صفاته . وما كتمه أحظى لديّ وأجمل وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى آل كلّ والملائكة المقرّبين من الصّلوات أتمّها وأولاها ومن التّسليمات أكملها وأعلاها ومن التّجلّيات أدومها وأبقاها، ومن البركات أعمّها وأشملها. المكتوب الحادي والثّلاثمائة إلى مولانا أمان الله في بيان قرب النّبوّة وقرب الولاية والطّرق الموصّلة إلى قرب النّبوّة بعد الحمد والصّلوات ليعلم ولدي أمان الله أنّ النّبوّة عبارة عن القرب الإلهيّ جلّ سلطانه الّذي ليس فيه شائبة الظّلّيّة وعروجه ناظر ومتوجّه إلى الحقّ ونزوله إلى الخلق، وهذا القرب نصيب الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام بالأصالة، وهذا المنصب مخصوص بهؤلاء الأكابر عليهم السّلام وخاتم هذا المنصب سيّد البشر صلّى الله عليه وسلّم ويكون عيسى عليه السّلام بعد نزوله تابعا لشريعة خاتم الرّسل. غاية ما في الباب: أنّ للأتباع والخدّام نصيبا من دولة المتبوعين والمخاديم وحصّتهم فيكون لكمّل الأتباع أيضا نصيب من قرب الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ويكون من علوم ذلك المقام ومعارفه وكمالاته أيضا نصيب لهم بطريق الوراثة (ع) وللأرض من كأس الكرام نصيب فحصول كمالات النّبوّة للأتباع بطريق التّبعيّة والوراثة بعد بعثة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ليس بمناف لخاتميّته صلّى الله عليه وسلّم فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. (اعلم) أسعدك الله: أنّ الطّريق الموصل إلى كمالات النّبوّة اثنان: طريق مربوط بطيّ كمالات مقام الولاية مفصّلة، ومنوط بحصول التّجلّيات الظّلّيّة والمعارف السّكريّة الّتي هي مناسبة بقرب الولاية وبعد طيّ هذه الكمالات وحصول التّجلّيات يوضع القدم في كمالات النّبوّة وفي هذا المقام وصول بالأصل والإلتفات إلى الظّلّ ذنب. والطّريق الثّاني: هو الّذي يتيسّر فيه الوصول إلى كمالات النّبوّة بدون توسّط حصول كمالات الولاية وهذا الطّريق الثّاني طريق سلطانيّ وأقرب إلى الوصول، وكلّ من وصل إلى كمالات النّبوّة الّا ما شاء الله وصل من هذا الطّريق من الأنبياء العظام والصّحابة الكرام بتبعيّتهم ووراثتهم.

قسم V01/P458–V01/P459

والطّريق الأوّل بعيد وطويل وعسير الحصول ومتعذّر الوصول وقد تخيّل طائفة من الأولياء في مقام الولاية الّذين تشرّفوا بشرف النّزول أنّ الكمالات الّتي تتعلّق بمقام النّزول هي كمالات النّبوّة، وظنّوا التّوجّه إلى الخلق الّذي هو مناسب لمقام الدّعوة أنّه من خصائص مقام النّبوّة وليس كذلك، بل هذا النّزول كالعروج من مقام الولاية وفوق مقام الولاية عروج ونزول غير ذينك يتعلّقان بالنّبوّة، وهذا التّوجّه إلى الخلق غير ذاك التّوجّه إلى الخلق الّذي هو مناسب لمقام النّبوّة، وهذه الدّعوة غير تلك الدّعوة الّتي عدّوها من كمالات النّبوّة وماذا يصنعون فإنّهم لم يضعوا أقدامهم في خارج دائرة الولاية ولم يدركوا حقيقة كمالات النّبوّة وظنّوا نصف الولاية الّذي هو جانب العروج تمام الولاية وزعموا نصفها الآخر الّذي هو جانب النّزول مقام النّبوّة (شعر): وليس لشيء كامن جوف صخرة . سواها سموات لديه ولا أرض ويمكن أن يتيسّر الوصول لشخص بالطّريق الأوّل ويجمع كمالات الولاية والنّبوّة المفصّلة ويحصل له تمييز ما بين كمالات هذين المقامين كما ينبغي، ويفرّق بين عروج كلّ منهما ونزولهما ويحكم أنّ نبوّة نبيّ أفضل من ولايته. ينبغي أن يعلم: أنّ كمالات مقام الولاية المفصّلة وإن لم تكن حاصلة بعد الوصول بالطّريق الثّاني ولكن زبدة الولاية وخلاصتها ميسّرة بأحسن الوجوه بحيث يمكن أن يقال: إنّ أهل الولاية حصّلوا من كمالات الولاية قشرها، وهذا الواصل حاز لبّها. نعم: إنّ هذا الواصل قليل النّصيب من بعض العلوم السّكريّة والظّهورات الظّلّيّة الّتي حاصلة لأرباب الولاية، وهذا المعنى ليس بموجب للمزيّة، بل هذه العلوم والظّهورات عيب وعار على ذلك الواصل، بل تليق بأن تعدّها ذنبا وسوء أدب، نعم: إنّ واصل الأصل منقبض ومتسغفر من ظلال ذلك الأصل والتّعلّق بالظّلّ إنّما هو حين عدم الوصول إلى أصل ذلك الظّلّ، والتّعلّق به بعد الوصول إلى أصله من عدم الحاصل والتّوجّه إليه سوء الأدب (أيّها الولد) إنّ حصول كمالات النّبوّة مربوط بموهبة محضة ومنوط بتكرمة صرفة لا مدخل للتّحمّل وتجشّم الكسب فيه أصلا، أيّ عمل وأيّ كسب يكون منتجا لهذه الدّولة العظمى وأيّ رياضة وأيّة مجاهدة تكون مثمرة لهذه النّعمة الأسنى، بخلاف كمالات الولاية فإنّ مباديها ومقدّماتها كسبيّة وحصولها مربوط بالرّياضة والمجاهدة وإن جاز أن يكون بعض الأشخاص مشرّفا بهذه الدّولة أيضا من غير تجشّم كسب ومباشرة عمل، والفناء والبقاء اللّذان الولاية عبارة عنهما أيضا من الموهبة يشرّف بهما بعد كسب المقدّمات بالفضل والكرم كلّ من أريد له ذلك، ورياضات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومجاهداته قبل البعثة وبعدها لم تكن لتحصيل هذه الدّولة، بل كان المنظور منافع وفوائد أخر مثل قلّة الحساب وكفّارة الزّلّات البشريّة وارتفاع الدّرجات ومراعاة صحبة الملك المرسل الّذي هو بريء من الأكل والشّرب وكثرة ظهور الخوارق المناسبة لمقام النّبوّة. ينبغي أن يعلم: أنّ حصول هذه الموهبة في حقّ الأنبياء عليهم السّلام بلا توسّط وفي حقّ أصحابهم الّذين تشرّفوا بهذه الدّولة بالتّبعيّة والوراثة إنّما هو بتوسّط الأنبياء عليهم السّلام وبعد الأنبياء وأصحابهم قلّ من تشرّف بهذه الدّولة وإن كان تشرّفهم بها جائزا (شعر): لو جاء من فيض روح القدس من مدد . غير المسيح ليصنع مثل ما صنعا وأظنّ أنّ هذه الدّولة القت الظّلّ في كبار التّابعين وأكابر تبع التّابعين أيضا ثمّ استترت بعد ذلك حتّى إذا بلغت النّوبة الألف الثّاني من بعثته عليه الصّلاة والسّلام برزت هذه الدّولة في هذا الوقت أيضا بالتّبعيّة والوراثة وجعلت الآخر مشابها بالأوّل (شعر): فإذا أتى باب العجوز خليفة . إيّاك يا صاح ونتف سبالكا والسّلام على من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّحيّات.

قسم V01/P459–V01/P460

المكتوب الثّاني والثّلاثمائة إلى المخدوم زاده جامع العلوم الظّاهريّة والباطنيّة مجد الدّين محمّد معصوم سلّمه الله تعالى في بيان فرق الولاية الثّلاث وأنّ النّبوّة أفضل من الولاية وبعض خصائص مقام النّبوّة وما يناسب ذلك اعلم أرشدك الله تعالى: أنّ الولاية عبارة عن قرب إلهيّ لا يتصوّر بلا شائبة الظّلّيّة ولا يحصل بدون حيلولة الحجب فإن كانت ولاية الأولياء فمتّسمة بسمة الظّلّيّة ألبتّة، وولاية الأنبياء وإن كانت خارجة عن الظّلّيّة ولكنّها غير متحقّقة بدون حيلولة حجب الأسماء والصّفات، وولاية الملأ الأعلى وإن كانت فوق حجب الأسماء والصّفات ولكنّها لا بدّ لها من حجب الشّئون والإعتبارات والّتي لمّ يتطرّق عليها شائبة الظّلّيّة وتركت حجب الأسماء والصّفات في الطّريق إنّما هي النّبوّة والرّسالة فتكون النّبوّة أفضل من الولاية بالضّرورة ويكون قرب النّبوّة ذاتيّا وأصليّا، ومن لم يطّلع على حقيقتهما حكم بالعكس وجزم بالقلب، فيكون الوصول في مرتبة النّبوّة والحصول في مقام الولاية فإنّ الحصول لا يتصوّر بدون ملاحظة الظّلّيّة بخلاف الوصول. وأيضا: إنّ في كمال الحصول رفع الإثنينيّة، وفي كمال الوصول بقاء الإثنينيّة فرفع الإثنينيّة يكون مناسبا لمقام الولاية، وبقاء الإثنينيّة ملائما لمرتبة النّبوّة، فإذا كان رفع الإثنينيّة مناسبا لمقام الولاية يكون السّكر في جميع الوقت لازما لمقام الولاية بالضّرورة وحيث كان في مرتبة النّبوّة بقاء الإثنينيّة يكون الصّحو من خواصّ تلك المرتبة. وأيضا: إنّ حصول التّجلّيات سواء كان في كسوة الصّور والأشكال أو في حجب الألوان والأنوار كلّه في مقامات الولاية وفي طيّ مقدّماتها ومباديها بخلاف مرتبة النّبوّة فإنّ في ذلك الموطن وصولا إلى الأصل واستغناء عن التّجلّيات والظّهورات الّتي كلّها ظلال ذلك الأصل، وكذلك الإحتياج إلى تلك التّجلّيات وقت طيّ مقدّمات تلك المرتبة ومباديها الّا أن يقع العروج من طريق الولاية فحينئذ حصول تلك التّجلّيات بواسطة الولاية لا بواسطة طيّ مسافة طريق الوصول إلى كمالات النّبوّة. وبالجملة: أن التّجلّيات والظّهورات تنبئ عن الظّلال، والّذي تخلّص عن التّعلّق بالظّلال تخلّص عن التّجلّيات ينبغي أن يطلب سرّ: ما زاغَ الْبَصَرُ من ههنا. أيّها الولد: إنّ اضطراب العشق وطنطنة المحبّة والنّياح المهيّجة للشّوق والصّياح الممتزجة بالتّألّم والذّوق والوجد والرّقص كلّها في مقامات الظّلال وفي أوان الظّهورات والتّجلّيات الظّلّيّة وبعد الوصول إلى الأصل لا يتصوّر حصول هذه الامور، والمحبّة في ذلك الموطن بمعنى إرادة الطّاعة كما قال العلماء لا أنّها معنى زائد عليها منشأ للشّوق والذّوق كما ظنّ بعض الصّوفيّة. اسمع أيّها الولد: وحيث كان رفع الإثنينيّة مطلوبا في مقام الولاية يسعى الأولياء في إزالة الإرادة بالضّرورة قال الشّيخ البسطام: «أريد أن لا أريد»، وحيث كان رفع الإثنينيّة غير منظور في مرتبة النّبوّة لم يكن زوال نفس الإدارة مطلوبا وكيف يكون مطلوبا فإنّ الإرادة صفة كاملة في حدّ ذاتها فإن تطرّق النّقص إليها فإنّما هو بواسطة خبث متعلّقاتها فينبغي أن لا يكون متعلّقها أمرا خبيثا وغير مرضيّ، بل يكون جميع المرادات مرضيّ الحقّ سبحانه، وكذلك يجتهدون في مقام الولاية في نفي جميع الصّفات البشريّة، والمطلوب في مرتبة النّبوّة نفي المتعلّقات السّوء لهذه الصّفات لا نفي أصل هذه الصّفات فإنّها كاملة في حدّ ذاتها؛ مثلا: إنّ صفة العلم من الصّفات الكاملة فإن تطرّق إليها نقص فإنّما هو من جهة سوء متعلّقها فكان الضّروريّ نفي سوء المتعلّق لا نفي أصلها، وعلى هذا القياس: فالّذي وصل إلى مقام النّبوّة من طريق الولاية لا بد له من نفي أصل الصّفات في أثناء الطّريق، والّذي وصل إليه بدون توسّط الولاية لا حاجة له إلى نفي أصل الصّفات، بل ينبغي له نفي المتعلّقات السّوء لهذه الصّفات.

قسم V01/P460–V01/P462

ينبغي أن يعلم: أنّ المراد بهذه الولاية المذكورة الولاية الظّلّيّة الّتي يعبّر عنها بالولاية الصّغرى وولاية الأولياء، وأمّا ولاية الأنبياء الّتي جاوزت الظّلّ فهي غيرها والمطلوب فيها نفي المتعلّقات السّوء للصّفات البشريّة لا نفي أصل تلك الصّفات، فإذا حصل نفي المتعلّقات السّوء للصّفات حصلت ولاية الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فإن وقع العروج بعد ذلك يكون متعلّقا بكمالات النّبوّة فلاح من هذا البيان أنّه لا بدّ للنّبوّة من أصل الولاية؛ فإنّ الولاية من مباديها ومقدّماتها، وأمّا الولاية الظّلّيّة فلا حاجة إليها في الوصول إلى كمالات النّبوّة، بل تتّفق للبعض ولا يقع العبور عليها للبعض الآخر فافهم ولا شكّ أنّ نفي أصل الصّفات متعسّر بالنّسبة إلى متعلّقاتها السّوء فيكون حصول كمالات النّبوّة أهون وأيسر وأقرب بالنّسبة إلى حصول كمالات الولاية، وهذا التّفاوت بالسّير والقرب جار في كلّ أمر له وصول إلى الأصل بالنّسبة إلى أمور مفارقة للأصل؛ ألا ترى أنّ كيمياء الأصل ميسّر بسهولة العمل وحاصل بأقرب الطّرق، والّذي فارق أصله في محنة وتعب بحيث يفنى عمره في تحصيله ومع ذلك لا حاصل له غير الحرمان وما حصّله بعد اللّتيا واللّتي له شباهة بالأصل وكثيرا ما تزول عنه تلك الشّباهة العارضة ويعود إلى أصله ويؤول إلى الدّناءة والخباثة بخلاف أصل أصله فإنّه مع وجود سهولة العمل وقرب الطّريق أمين من خوف الزّيوفة والخباثة. ولمّا وصل جماعة من سلّاك هذا الطّريق بالرّياضة الشّاقّة والمجاهدة الشّديدة إلى ظلّ من الظّلال ظنّوا أنّ الوصول إلى المطلب منوط بالرّياضات الشّاقّة والمجاهدات الشّديدة، ولم يعلموا أنّ له طريقا آخر أقرب من هذا الطّريق وموصل إلى نهاية النّهاية وهو طريق الإجتباء الّذي هو منوط بمجرّد الفضل والكرم والطّريق الّذي اختاره هؤلاء الجماعة هو طريق الإنابة مربوط بالمجاهدة والواصلون من هذا الطّريق أقلّ قليل والواصلون من طريق الإجتباء جمّ غفير، الأنبياء عليهم السّلام كلّهم ساروا على طريق الإجتباء وأصحابهم رضوان الله عليهم أجمعين أيضا وصلوا من طريق الإجتباء بالتّبعيّة والوراثة ورياضات أرباب الإجتباء إنّما هي لأداء شكر نعمة الوصول؛ قال عليه الصّلاة والسّلام في جواب السّائل عن وجه رياضاته الشّديدة مع كون ذنوبه المتقدّمة والمتأخّرة مغفورة " أفلا أكون عبدا شكورا " ومجاهدات أهل الإنابة لأجل حصول الوصول شتّان ما بينهما وطريق الإجتباء الحمل والجذب على الطّريق، وطريق الإنابة السّير على الطّريق وبين الجذب والسّير فوق عظيم يجذب سريعا ويوصل به بعيدا، والسّائر يسير بطيئا، وربّما يبقى في الطّريق قال حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: نحن المفضّلون، نعم: لو لا الفضل كيف يمكن أن تكون نهاية غيرهم مندرجة في بدايتهم ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول: إنّ هذا الفقير قد كتب فيما كتب إلى شيخه المعظّم من العرائض أنّه قد ارتفعت جميع المرادات، ولكنّ نفس الإرادة باقية على حالها، ثمّ كتب بعد مدّة: أنّ الإرادة أيضا صارت مرتفعة مثل المرادات، ولمّا شرّفه الحقّ سبحانه بوراثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام علم أنّه كان ارتفاع المتعلّق بالسّوء لتلك الإرادة وزواله لا ارتفاع نفس الإرادة فإنّه لا يلزم ارتفاع أصل الإرادة في حصول ارتفاع المتعلّق السّوء على الوجه الأتمّ والأكمل، بل الشّيء كثيرا ما يتيسّر بمجرّد الفضل ولا يتيسّر عشر عشيره بالتّعمّل والتّكلّف. أيّها الولد: ينبغي في مقام الولاية اليأس والإعراض الكلّيّ عن الدّنيا والآخرة وأن يعدّ التّعلّق بالآخرة كالتّعلّق بالدّنيا، وأن يرى شوق الآخرة كشوق الدّنيا غير محمودة؛ قال الإمام داود الطّائيّ: «إن أردت السّلامة سلّم على الدّنيا، وإن أردت الكرامة كبّر على الآخرة». وقال غيره من هذه الطّائفة: إنّ في قوله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ الآية شكاية من الفريقين.

قسم V01/P462–V01/P463

وبالجملة: انّ الفناء الّذي هو عبارة عن نسيان ما سوى الحقّ سبحانه شامل للدّنيا والآخرة والفناء والبقاء كلاهما من أجزاء الولاية فلا بدّ إذا في الولاية من نسيان الآخرة، والتّعلّق بالآخرة إنّما هو محمود في كمالات النّبوّة، وشوق الآخرة إنّما هو مرضيّ فيها، بل الشّوق والخوف في ذلك الموطن هو شوق الآخرة وخوفه والتّعلّق بالآخرة قوله تعالى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وطَمَعًا، وقوله تعالى: ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ويَخافُونَ سُوءَ، وقوله تعالى: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ أوصاف أرباب هذا المقام بكاؤهم وأنينهم من تذكّر أحوال الآخرة وألمهم وحزنهم من خوف أهوال يوم القيامة، يستعيذون من فتنة القبر على الدّوام، ويخافون من عذاب النّار، ويلتجؤن منه إلى الملك الجبّار بالتّضرّع التّامّ، شوق الحقّ جلّ وعلا عندهم هو شوق الآخرة، ومحبّتهم محبّة الآخرة فإنّ اللّقاء موعود في الآخرة وكمال الرّضا أيضا موقوف على الآخرة الدّنيا مبغوضة الحقّ جلّ وعلا والآخرة مرضيّته ولا يمكن جعل المرضيّة مساوية للمبغوضة في وقت من الأوقات فإنّ المبغوضة لائقة للإعراض والمرضيّة مستحقّة للإقبال، والإعراض عن المرضيّة عين السّكر وخلاف مدعوّه تعالى المرضيّ وقوله تعالى: والله يَدْعُوا إلى دارِ السَّلامِ شاهد لهذا المعنى، والله سبحانه يرغّب في الآخرة بالمبالغة والتّأكيد فالإعراض عن الآخرة معارضة الحقّ سبحانه في الحقيقة وسعي في رفع مرضيّه، وحيث كان لداود الطّائيّ قدم راسخ في الولاية قال مع جلالة شأنه في حقّ ترك الآخرة إنّه كرامة، ألم يعلم أنّ الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان كلّهم كانوا مبتلين بفكر الآخرة وخائفين وجلين من عذابها مرّ عمر رضي الله عنه بدار إنسان فسمع قارئا يقرأ قوله تعالى: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ فسقط من سماع هذه الآية من دابّته على الأرض مغشيّا عليه فحملوه إلى بيته فبقي من ألم ذلك مريضا إلى مدّة مديدة حتّى كان النّاس يعودونه. نعم: يتيسّر نسيان الدّنيا والآخرة في أواسط الأحوال في مقام الفناء ويرى فيه التّعلّق بالآخرة كالتّعلّق بالدّنيا، وأمّا إذا تيسّر التّشرّف بالبقاء وبلغ الأمر نهايته وألقت كمالات النّبوّة ظلّها فحينئذ كلّ الهمّ همّ الآخرة والإستعاذة من النّار وتمنّي الجنّة لا مناسبة لأشجار الجنّة وأنهارها وحورها وغلمانها بالأشياء الدّنيويّة بل هؤلاء في طرفي النّقيض مثل نقاضة الغضب والرّضا، وأشجار الجنّة وأنهارها وجميع ما فيها نتائج الأعمال الصّالحة وثمراتها قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الجنّة قيعان وإنّ غراسها قولك سبحان الله والحمد لله ولا إله الّا الله والله أكبر " وقال: «من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنّة». فصارت شجرة الجنّة نتيجة التّسبيح وكما أنّ الكمالات التّنزيهيّة في هذه الكلمة مندرجة في كسوة الحروف والأصوات، كذلك في الجنّة تعبّأ تلك الكمالات في كسوة الأشجار. على هذا القياس: جميع ما في الجنّة من نتائج الأعمال الصّالحة وما اندرج في ضمن كسوة صلاح قوليّ أو فعليّ من الكمالات الوجوديّة تعالت وتقدّست يظهر في الجنّة في حجب اللّذّات والتّنعّمات فيكون ذلك التّلذّذ والتّنعّم مقبولا ومرضيّا بالضّرورة، ووسيلة للّقاء والوصول فإن كانت رابعة المسكينة واقفة على هذا السّرّ لما خطر في قلبها فكر إحراق الجنّة ولما ترى التّعلّق بها غير التّعلّق بالحقّ سبحانه بخلاف التّلذّذ والتّنعّم الدّنيويّ؛ فإنّ منشأه الخبث ونتيجته الحرمان في الآخرة أعاذنا الله سبحانه منه فإن كان التّلذّذ الدّنيويّ مباحا شرعيّا فالمحاسبة أمامنا فويل ألف ويل إن لم تأخذ الرّحمة الإلهيّة بأيدينا، وإن لم يكن مباحا شرعيّا فهو مورد الوعيد الشّديد: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ. فكيف يكون لهذا التّلذّذ مناسبة بذلك التّلذّذ فإنّ هذا سمّ قاتل وذاك ترياق نافع فهمّ الآخرة امّا نصيب عوامّ المؤمنين وامّا نصيب أخصّ الخواصّ وامّا الخواصّ فهم يتبرّأون من هذا الهمّ ويرون الكرامة في خلافه.

قسم V01/P463–V01/P464

(ع) وللنّاس فيما يعشقون مذاهب المكتوب الثّالث والثّلاثمائة إلى الحاجّ يوسف الكشميريّ في بيان معاني كلمات الأذان بعد الحمد والصّلوات ينبغي أن يعلم أنّ كلمات الأذان سبعة: الله أكبر، أي: الله أكبر أن يكون له حاجة إلى عبادة عابد، كرّرت هذه الكلمة أربع مرّات لتأكيد هذا المعنى المهمّ، أشهد أن لا إله الّا الله، أيّ: أشهد أنّه مع كبريائه واستغنائه عن العبادة ليس المستحقّ للعبادة الّا هو سبحانه، أشهد أنّ محمّدا رسول الله، أي: أشهد أنّه عليه الصّلاة والسّلام رسوله سبحانه ومبلّغ عنه تعالى طريق العبادة؛ فلا تكون العبادة اللّائقة بجناب قدسه تعالى الّا ما هي مأخوذة من جهة تبليغه ورسالته عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّة، حيّ على الصّلاة حيّ على الفلاح: كلمتان لطلب المصلّي إلى أداء الصّلاة المؤدّية إلى الفلاح، الله أكبر: أي: أكبر من أن يليق بجناب قدسه تعالى عبادة أحد، لا إله الّا الله: أي: إنّه تعالى لا محالة هو المستحقّ للعبادة وإن لم تصدر العبادة من أحد ما لائقة بجناب قدسه تعالى. ينبغي: إدراك عظمة شأن الصّلاة من عظمة شأن هذه الكلمات الموضوعة للإعلام بوقت الصّلاة، (ع) وعام الرّخص يعلم من ربيع اللهمّ اجعلني من المصلّين المفلحين، بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم أتمّ الصّلوات وأكمل التّحيّات. المكتوب الرّابع والثّلاثمائة إلى مولانا عبد الحيّ في بيان الأعمال الصّالحة الّتي نيط بها وعد دخول الجنّة في أكثر الآيات القرآنيّة وفي بيان أداء الشّكر وبيان بعض معاني الصّلاة وأسرارها بعد الحمد والصّلوات اعلم أسعدك الله تعالى: أنّه كان لي تردّد من مدّة مديدة في أنّ المراد بالأعمال الصّالحة الّتي جعل الله سبحانه وتعالى وعد دخول الجنّة مربوطا بها في أكثر الآيات القرآنيّة هل هو جميع الأعمال الصّالحة أو بعضها، فإن كان الجميع فذلك متعسّر فإنّه قلّ من يكون موفّقا لإتيان الجميع، وإن كان البعض فمجهول غير متعيّن فأفيض في الخاطر أخيرا بمحض فضل الحقّ سبحانه أنّه: لعلّ المراد بتلك الأعمال الصّالحة أركان الإسلام الخمسة الّتي بني الإسلام عليها، فإذا أدّيت هذه الاصول الخمسة على وجه الكمال فالمرجوّ أن تكون النّجاة والفلاح نقد الوقت فإنّ هذه الخمسة في حدّ ذاتها أعمال صالحة وموانع للسّيّئات والمنكرات؛ قوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ شاهد لهذا المعنى وإذا تيسّر إتيان هذه الخمسة يرجى حصول أداء الشّكر، فإذا حصل أداء الشّكر حصلت النّجاة من العذاب: ما يَفْعَلُ الله بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وآمَنْتُمْ. فينبغي للإنسان أن يجتهد في إتيان هذه الخمسة غاية الإجتهاد خصوصا في إقامة الصّلاة الّتي هي عماد الدّين، وأن لا يرضى بترك أدنى أدب من آدابها مهما أمكن فمن أتمّ الصّلاة فقد حصّل أصلا عظيما من أصول الإسلام وحاز ونال حبلا متينا لأجل الخلاص وفاز والله سبحانه الموفّق. اعلم: أنّ التّكبيرة الاولى في الصّلاة إشارة إلى استغنائه وكبريائه تعالى من عبادة العابدين وصلاة المصلّين، وسائر التّكبيرات الّتي بعد كلّ ركن من الأركان إشارات ورموز إلى عدم لياقة أداء كلّ ركن لأن يكون عبادة لجناب قدسه تعالى وحيث كان معنى التّكبير ملحوظا في تسبيح الرّكوع لم يشرع التّكبير بعد الرّكوع بخلاف السّجدتين فإنّهما مع وجود التّسبيحات فيهما شرع التّكبير في أوّلهما وآخرهما وذلك لئلّا يتوهّم أحد أنّ السّجود لمّا كان نهاية الإنحطاط وغاية الإنخفاض وكمال التّذلّل والإنكسار قد أدّي فيه حقّ العبادة ولاجل دفع هذا التّوهّم أيضا اختير في تسبيح السّجود لفظ: «أعلى " وسنّ تكرار التّكبير، ولمّا كانت الصّلاة معراج المؤمن شرع في آخرها قراءة كلمات شرّف بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة المعراج فينبغي للمصلّى أن يجعل صلاته معراجه، وأن يطلب فيها غاية القرب قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام: «أقرب ما يكون العبد من الرّبّ في الصّلاة».

قسم V01/P464–V01/P466

ولمّا كان المصلّي مناجي ربّه ومشاهد عظمته وجلاله حقّ أن يظهر فيه رعب وهيبة وقت أداء الصّلاة فلأجل تسليته شرع ختم الصّلاة بالتّسليمتين وما ورد عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من التّسبيح والتّحميد والتّكبير والتّهليل مائة مرّة بعد أداء الصّلاة الفرض سرّه في علم الفقير أن يتلافى بالتّسبيح والتّكبير ما وقع في أداء الصّلاة من القصور والتّقصير، والإعتراف بعدم لياقة تلك العبادة وعدم تماميّتها، وحيث كان أداء العبادة ميسّرا بتوفيق الله تعالى لزم أداء شكر تلك النّعمة بالتّحميد وأن لا يرى مستحقّ العبادة غيره سبحانه وتعالى، فإذا كان أداء الصّلاة مقرونا بالشّرائط والآداب وحصل بعد ذلك تلافي التّقصيرات وشكر نعمة التّوفيق ونفي استحقاق العبادة عن غيره تعالى من صميم القلب بهذه الكلمات الطّيّبة فالمرجوّ أن تكون هذه الصّلاة لائقة بقبوله تبارك وتعالى وأن يكون صاحبها مصلّيا مفلحا، اللهمّ اجعلني من المصلّين المفلحين بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. المكتوب الخامس والثّلاثمائة إلى المير محبّ الله المانك? وريّ في بيان أسرار الصّلاة والفرق بين صلاة المبتدئ والعامّيّ وبين صلاة المنتهي بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى اعلم أرشدك الله تعالى: أن تماميّة الصّلاة وكمالها عند الفقير عبارة عن إتيان فرائضها وواجباتها وسنتها ومستحبّاتها الّتي كلّها مبيّنة في الكتب الفقهيّة بالتّفصيل، وليس وراء هذه الامور الأربعة أمر آخر له مدخل في تماميّة الصّلاة فإنّ الخشوع في الصّلاة مندرج أيضا في هذه الأربعة، وخضوع القلب أيضا منوط بها. واكتفى جماعة بعلم هذه الامور واختاروا المساهلة والمداهنة في العمل بها فلا جرم قلّ نصيبهم من كمالات الصّلاة واهتمّ جماعة بحضور القلب مع الحقّ سبحانه وقلّ التفاتهم إلى آداب أعمال الجوارح، واقتصروا على الفرائض والسّنن، وهذه الجماعة أيضا لم يتنبّهوا على حقيقة الصّلاة ولم يعرفوها، وطلبوا كمال الصّلاة من غيرها ولم يعدّوا حضور القلب من جملة أحكام الصّلاة، وما ورد في الخبر من أنّه " لا صلاة الّا بحضور القلب " يمكن أن يكون المراد بالحضور حضور القلب مع هذه الامور الأربعة لئلّا يقع فتور في إتيان أمر من هذه الامور، ولا يقع في ذهن الفقير حضور وراء هذا الحضور. فإن قيل: إذا كان تماميّة الصّلاة وكمالها مربوطا بهذه الامور الأربعة ولم يكن أمر آخر وراءه ملحوظا في كمالها: ماذا يكون الفرق بين صلاة المبتدئ وبين صلاة المنتهي؟ بل بين صلاة العامّيّ الّتي تكون مقرونة بإتيان هذه الامور؟ قلت: إن الفرق من جهة العامل لا من جهة العمل فإنّ أجر عمل واحد يتفاوت بواسطة تفاوت عاملين بحيث يكون أجره إذا وقع من عامل مقبول محبوب أضعاف مضاعف ذلك الأجر إذا وقع من غيره لأنّ العامل كلّما يكون عظيم القدر يكون عمله جزيل الأجر ومن ههنا قالوا: «إنّ العمل المقرون بالرّياء من العارف أفضل من عمل المريد بالإخلاص " فكيف إذا كان عمل العارف مقرونا بالإخلاص ولهذا كان الصّدّيق الأكبر رضي الله عنه يطلب سهو النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم معتقدا أنّ سهوه أفضل من صوابه، وعمده حيث قال: «يا ليتني كنت سهو محمّد " متمنّيا أن يكون بكلّيّته سهوه عليه الصّلاة والسّلام، ومعتقدا أنّ أعماله التّامّة وأحواله الكاملة أنقص من سهوه صلّى الله عليه وسلّم في العمل فسأل بتمام التّمنّي أن تكون درجة تماميّة حسناته كدرجة سهوه عليه الصّلاة والسّلام وسهوه صلّى الله عليه وسلّم مثل سلامه على رأس ركعتين من رباعيّ الفرض بطريق السّهو كما روي، فصلاة المنتهي مع وجود النّتائج والثّمرات الدّنيويّة فيها يترتّب عليها أجر جزيل في الآخرة بخلاف صلاة المبتدئ والعامّيّ، (ع) ما نسبة الفرشيّ بالعرشيّ ولنذكر نبذة من خصائص صلاة المنتهي ليقاس عليها غيرها: انّ المنتهي يجد لسانه أحيانا عند قراءة القرآن وإتيان التّسليمات والتّكبيرات كشجرة موسويّة ولا يرى قواه وجوارحه غير الآلات والوسائط، ويجد أحيانا أنّ تعلّق باطنه وحقيقته قد انقطع عن ظاهره وصورته بالتّمام، وصار ملحقا بعالم الغيب، وحصّل نسبة بالغيب مجهولة الكيفيّة، وإذا فرغ من الصّلاة يرجع ثانيا.

قسم V01/P466–V01/P468

أو نقول: في جواب أصل السّؤال: إنّ إتيان الامور الأربعة المذكورة على وجه الكمال إنّما هو نصيب المنتهي، والمبتدئ والعامّيّ بعيدان عن أن يكونا موفّقين لإتيانها على وجه الكمال، وإن كان ممكنا فإنّها لكبيرة الّا على الخاشعين، والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى المكتوب السّادس والثّلاثمائة إلى مولانا صالح في ذكر بعض مناقب المخدوم زاده الأكبر الخواجه محمّد صادق عليه الرّحمة والغفران وكمالاته والمخدومين الأصغرين الخواجه محمّد فرخ ومحمّد عيسى رحمهم الله وبيان فناء أرباب الولاية وعدم الاحتياج إليه في قرب النّبوّة وما يناسب ذلك الْحَمْدُ لله وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى ولعلّ أخانا ملّا صالح سمع واقعات أهل سرهند وقد اختار ولدي الأعظم رضي الله عنه مع أخويه الأصغرين محمّد فرخ ومحمّد عيسى أيضا سفر الآخرة إِنّا لله وإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ حمدا لله سبحانه أوّلا على ما أعطى الباقين القوّة والصّبر، وثانيا على ما جعل في البليّة سرّا ونعم ما قيل (شعر). إن كنت تؤذينى فلست بمعرض . وقد استطبت من الأعزّة ذلّتى كان ولدي المرحوم آية من آيات الله ورحمة من رحمات ربّ العالمين، وقد نال في سنّ أربع وعشرين ما لم ينله إلّا الأقلّون، وبلغ رتبة المولويّة وملكة تدريس العلوم العقليّة والنّقليّة حدّ الكمال حتّى إنّ تلامذته يشتغلون بدرس البيضاويّ وشرح المواقف وأمثالهما بالقدرة التّامّة، وحكايات معرفته وعرفانه وقصص شهوده وكشوفه مستغنية عن البيان ومعلومكم أنّه في سنّ ثمان كان مغلوب الحال على نهج عالجه حضرة شيخنا قدّس سرّه لتسكين حاله بطعام السّوق الّذي هو مشكوك فيه ومشتبه. وقال: إنّ محبّتي لمحمّد صادق ليست هي لأحد وكذلك محبّته لنا ليست هي لأحد غيرنا ليعلم جلالة شأنه من هذا الكلام، وقد بلغ الولاية الموسويّة إلى النّقطة الأخيرة، وكان يبيّن عجائب تلك الولاية وغرائبها، وكان دائما خاضعا وخاشعا وملتجأ ومتضرّعا ومتذلّلا ومنكسرا وكان يقول: إنّ كلّا من أولياء الله تعالى طلب شيئا من الحقّ سبحانه وتعالى وأنا طلبت الإلتجاء والتّضرّع وما أكتب من محمّد فرخ قد كان ابن إحدى عشرة سنة وكان مشغولا بطلب العلم وكان يقرأ الكافية بالشّعور وكان مشفقا من عذاب الآخرة على الدّوام وكان يدعو بأن يفارق الدّنيا الدّنيّة في سنّ الطّفوليّة ليتخلّص من عذاب الآخرة وشاهد منه بعض الأصحاب الّذين كانوا يمرّضونه في مرض موته غرائب وعجائب وما أكتب من خوارق محمّد عيسى وكراماته الّتي رآها النّاس قبل بلوغه ثمانى سنة وبالجملة كانوا جواهر نفيسة مفوّضة إلى على سبيل الوديعة, لله سبحانه الحمد والمنّة سلّمت الأمانة إلى أهلها بلا كره ولا إكراه، اللهمّ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلاة والتّسليمات، (ع) وأحسن ما يملى حديث الأحبّة (اعلم) أنّ المقصود من الفناء الّذي هو عبارة عن نسيان ما سوى الحقّ تعالى هو زوال تعلّق المحبّة بما دون الحقّ سبحانه فإنّه إذا زالت ذوات الأشياء وصفاتها وأفعالها عن النّظر والإدراك يزول تعلّق المحبّة بما بالضّرورة ولا بدّ في طريق الولاية من نسيان السّوى ليزول التّعلّق بما دون الحقّ جلّ وعلا وفي مدارج قرب النّبوّة لا حاجة في زوال التّعلّق بالأشياء إلى نسيان الأشياء أصلا فإنّ في قرب النّبوّة لا يبقى التّعلّق بالأصل الّذي هو حسن وجميل في حدّ ذاته اسما ولا رسما عن التّعلّق بالأشياء الّتي هي قبيحة لا حسن فيها في نفسها سواء نسيت الأشياء أو لا فإنّ صفة الذّمّ إنّما عرضت للعلم بالأشياء بواسطة قبح التّعلّق بها لكونه مستلزما للإعراض عن جناب قدسه تعالى فإذا زال التّعلّق بالأشياء زالت صفة الذّم عن العلم بها فلم يبق مذموما وكيف يكون العلم بالأشياء مذموما فإنّ الأشياء كلّها معلومات الحقّ جلّ سلطانه وعلمه بها من صفاته الكاملة. فإن قيل: إذا لم يكن العلم بما دون الحقّ جلّ وعلا زائلا فكيف يجتمع العلم بالحقّ تعالى مع العلم بما سواه سبحانه في وقت واحد فلا مندوحة إذا من نسيان ما سواه تعالى؟

قسم V01/P468–V01/P469

قلت: انّ العلم المتعلّق بالأشياء من قبيل العلم الحصوليّ والعلم المتعلّق بحضرة الحقّ سبحانه وتعالى مشابه بالعلم الحضوريّ فكلا العلمين يجتمعان في وقت واحد ولا يلزم منه محذور أصلا وإنّما يلزم المحذور إذا كان كلا العلمين حصوليّين. (وإنّما) قلنا من قبيل العلم الحصوليّ ومشابه بالعلم الحضوريّ فإنّه ليس هناك حقيقة الحصول ولا مجال للحضور وعلمه تعالى المتعلّق بالأشياء ليس حصوليّا فإنّه لا حلول للحوادث في ذاته تعالى وصفاته ولا حصول وعلم مثل هذا العارف ظلّ من ذلك العلم والعلم المتعلّق بحضرة الحقّ سبحانه لا يمكن أن يقال إنّه حضوريّ فإنّه تعالى أقرب إلى المدركة من نفس المدركة أيضا والعلم الحضوريّ بالنّسبة إلى ذلك العلم كالعلم الحصوليّ بالنّسبة إلى العلم الحضوريّ وهذه المعرفة وراء طور العقل والفكر من لم يذق لم يدر فتقرّر أنّ العلم بالأشياء ليس بمناف للعلم بالحقّ فلا يكون نسيان الأشياء لازما أصلا بخلاف طريق الولاية فإنّ زوال علاقة الأشياء هناك غير متصوّر بدون نسيان الأشياء فإنّ في الولاية تعلّقا بالظّلال وليس في ذلك التّعلّق قدرة إزالة التّعلّق قدرة إزالةالتّعلّق بالأشياء مع وجود العلم بها فلا بدّ فيها أوّلا من نسيان الأشياء حتّى تزول التّعلّقات بها وهذه معرفة مخصوصة بهذا الدّرويش لم يتكلّم بها أحد، الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ. المكتوب السّابع والثّلاثمائة إلى مولانا عبد الواحد اللّاهوريّ في بيان معنى الكلمة الطّيّبة سبحان الله وبحمده وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد الحمد والصّلاة ينبغي أن يعلم أنّ ما يجده العابد وقت العبادة من الحسن والكمال في عبادته كلّ ذلك راجع إلى توفيق الله جلّ سلطانه ومن حسن تربيته وإحسانه تعالى وما يجده من النّقصان والقصور في العبادة كلّ ذلك عائد إلى نفس العابد ناش من خبثها الجبليّ ولا شيء منها راجع إلى جناب قدسه تعالى أصلا بل هناك محض الخير والكمال وكذلك كلّما يقع في العالم حسنه وكماله راجع إلى جناب قدسه تعالى وشرّه، ونقصه عائد إلى دائرة الممكنات الّتي لها قدم راسخ في العدم الّذي هو منشأ جميع الشّرّ والنّقص، والكلمة الطّيّبة سبحان الله وبحمده مبيّنة لهذين الأمرين بأبلغ الوجوه ومنزّهة له سبحانه ومقدّسة إيّاه تعالى عمّا لا يليق بجناب قدسه تعالى من الشّرور والنّقائص كمال التّنزيه والتّقديس وبعبارة الحمد الواقعة فيها يؤدّي الشّكر على صفاته الحميدة وأفعاله الجميلة وعلى إنعاماته العديدة وإحساناته الجزيلة لكونه رأس كلّ شكر ولهذا ورد في الحديث النّبويّ: انّ من قال هذه الكلمة الطّيّبة في يوم أو ليلة مائة مرّة لا يساويه أحد في العمل في ذلك اليوم أو اللّيلة الّا من قال هذه الكلمة الطّيّبة مثله وكيف يساويه فإنّ كلّ عمل وعبادة أداء شكر من شكره تعالى وقد أدّى بجزء واحد من هذه الكلمة وبقي الجزء الأخير منها الّذي هو لبيان تنزيهه وتقديسه سبحانه زائدا عليه فعليكم بإتيان هذه الكلمة كلّ يوم وليلة مائة مرّة والله سبحانه الموفّق. فإن قيل: قد ورد في الحديث النّبويّ صلّى الله عليه وسلّم سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. وورد أيضا سبحان الله ملء الميزان. وورد أيضا أضعاف ما حمده جميع خلقه ولم يقل القائل غير مرّة واحدة ولم يقع العدد غير فرد واحد فبأيّ اعتبار يقال عدد خلقه وما يكون معنى رضاء نفسه وكيف يكون زنة عرشه وكيف يصحّ أن يقال مداد كلماته وكيف يملأ به الميزان وبأيّ معنى يقال إنّه أضعاف ما حمده جميع خلقه؟

قسم V01/P469–V01/P470

(قلت): إنّ الإنسان جامع عالم الخلق وعالم الأمر وكلّما هو في عالم الخلق والأمر فهو في الإنسان مع شيء زائد عليه وهو هيئته الوحدانيّة الّتي نشأت من تركّب الخلق والأمر وهذه الهيئة الوحدانيّة لم تتيسّر لشيء غيره وهي أعجوبة غريبة وأنموذجة بديعة فالحمد الّذي يقع من الإنسان يكون أضعاف حمد جميع الخلائق وعلى هذا القياس سائر الأسئلة فينبغي أن يكون المراد بجميع الخلق ما سوى الإنسان ولئن أدخلنا فيه الإنسان أيضا نقول انّ الانسان الكامل كما انّه يجد جميع أفراد العالم اجزاء نفسه كذلك يجد أفراد الانسان أيضا أجزاء نفسه ويرى نفسه كلّا للكلّ فعلى هذا التّقدير يجد حمد نفسه أضعاف حمد نفسه وأضعاف حمد جميع أفراد الإنسان أيضا. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصّلوات وأكمل التّحيّات. المكتوب الثّامن والثّلاثمائة إلى مولانا فيض الله الباني ? تى في بيان معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم: «كلمتان خفيفتان على اللّسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرّحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» اعلم أرشدك الله تعالى قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام: «كلمتان خفيفتان على اللّسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرّحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " وجه خفّتهما على اللّسان ظاهر لقلّة الحروف وأمّا وجه ثقلتهما في الميزان وكونهما حبيبتين إلى الرّحمن فلأنّ الجزء الأوّل من الكلمة الأولى يفيد تنزيهه تعالى وتقديسه سبحانه عمّا لا يليق بجناب قدسه عزّ وجلّ وإبعاد جناب كبريائه عن صفات النّقص وسمات الحدوث والزّوال. والجزء الثّاني من تلك الكلمة يفيد إثبات صفات الكمال وشئونات الجمال له تعالى سواء كانت الصّفات والشّئونات من الفضائل أو من الفواضل وجعل الإضافة للاستغراق في الجزءين يفيد ثبوت جميع التّنزيهات والتّقديسات وثبوت جميع صفات الكمال والجمال له تعالى فحاصل الجزءين من الكلمة الاولى إرجاع جميع التّنزيهات والتّقديسات لله سبحانه وإثبات جميع صفات الكمال والجمال له عزّ وجلّ، وحاصل جزئى الكلمة الثّانية إثبات جميع التّنزيهات والتّقديسات له تعالى مع إثبات العظمة والكبرياء له عزّ وجلّ وفيها إشارة إلى أنّ سلب النّقائص عنه تعالى ليس الّا لاجل عظمته وكبريائه سبحانه فلا جرم تكون الكلمتان ثقيلتين في الميزان حبيبتين إلى الرّحمن وأيضا إنّ التّسبيح مفتاح التّوبة بل زيادة التّوبة وخلاصتها كما حقّقت في بعض المكاتيب فيكون التّسبيح وسيلة إلى محو الذّنوب وعفو السّيّئات فلا جرم يكون ثقيلا في الميزان ومرجّحا لكفّة الحسنات وحبيبا إلى الرّحمن لأنّه سبحانه يحبّ العفو وأيضا إنّ المسبّح الحامد لمّا نزّه جناب قدسه عمّا لا يليق به وأثبت صفات الكمال والجمال له تعالى فالمرجوّ من الكريم الوهّاب جلّ شأنه أن ينزّه المسبّح عمّا لا يليق به ويوجد في الحامد صفة الكمال كما قال تعالى (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلّا الْإِحْسانُ) فلا جرم تكون الكلمتان ثقيلتين في الميزان لمحو السّيّئات بتكرارهما وحبيبتين إلى الرّحمن لوجود الأخلاق الحميدة بواسطتهما والسّلام. المكتوب التّاسع والثّلاثمائة إلى مولانا الحاجّ محمّد الفركتيّ في بيان المحاسبة اليوميّة واللّيليّة كما ورد حاسبوا إلخ بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات أنهيكم أنّ جماعة من المشائخ الكرام قدّس الله تعالى أسرارهم اختاروا طريق المحاسبة وكانوا في كلّ ليلة يطالعون قبيل النّوم دفتر أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم اليوميّة ويدركون حقيقة كلّ منها بالتّفصيل ويتداركون تقصيراتهم وسيّئاتهم بالتّوبة والإستغفار والإلتجاء والتّضرّع إلى العزيز الغفّار ويشتغلون بحمد الله تعالى وشكره على أعمالهم الصّالحة ويرجعون بها إلى توفيقه تعالى.

قسم V01/P470–V01/P472

كان صاحب الفتوحات المكّيّة قدّس سرّه من المحاسبين وقال: أنا زدت في محاسبتي على مشائخ اخر حتّى حاسبت خطراتي ونيّاتي وللتّسبيح والتّحميد والتّكبير مائة مرّة قبيل النّوم على نهج ثبت عن المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام حكم المحاسبة عند الفقير وكان المسبّح يعتذر من تقصيراته وسيّئاته بتكرار كلمة التّسبيح الّتي هي مفتاح التّوبة وينزّه جانب قدسه تعالى ويقدّسه عمّا عاد إليه من ارتكابه السّيّئات فإنّ مرتكب السّيّئات إذا كان عظمة جانب قدس الآمر والنّاهي وكبريائه ملحوظة ومنظورة إليه ما كان يبادر إلى ترك امتثال أمره تعالى ولمّا بادر علم أنّه لا اعتداد ولا اعتبار عنده لامره ونهيه تعالى أعاذنا الله سبحانه من ذلك فبتكرار كلمة التّنزيه يتلافي هذا التّقصير (ينبغي) أن يعلم أنّ في الإستغفار طلب ستر الذّنب وفي تكرار كلمة التّنزيه طلب استيصال الذّنب أين هذا من ذاك سبحان الله كلمة عجيبة ألفاظها في غاية القلّة ومعانيها ومنافعها في غاية الكثرة وبتكرار كلمة التّحميد يؤدّى شكر نعمة توفيقه وسائر نعمه تعالى وتكرار كلمة التّكبير إشارة إلى أنّ جناب قدسه تعالى أعلى وأجلّ من أن يكون هذا الإعتذار والشّكر لائقا بحضرته سبحانه فإنّ اعتذار العبد واستغفاره محتاج إلى اعتذارات واستغفارات كثيرة وحمده راجع إليه سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين. المحاسبون يكتفون بالإستغفار والشّكر وبهذه الكلمات القدسيّة يحصل امر الاستغفار ويؤدّى الشّكر ويتيسّر الايماء إلى نقص الاستغفار والشّكر ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السّميع العليم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه الطّاهرين وسلّم وبارك عليه وعليهم أجمعين. المكتوب العاشر والثّلاثمائة إلى مولانا محمّد هاشم في بيان جامعيّة الإنسان مع بعض الأسرار الغامضة المتعلّقة بهذا المقام وما يناسب ذلك بعد الحمد والصّلوات ليعلم أنّ جميع ما في الإنسان من الكمالات مستفادة من مرتبة الوجوب تعالت وتقدّست فإن علما فمستفاد من علم تلك المرتبة وإن قدرة فمأخوذة من قدرة تلك المرتبة وعلى هذا القياس. وأمّا كمال كلّ مرتبة فعلى مقدار تلك المرتبة فحكم علم الإنسان في جنب علم الواجب كحكم الميّت الّذي هو لا شيء محض بالنّسبة إلى حيّ بحياة أبديّة وكذلك قدرة العبد في جنب قدرة الواجب تعالى وتقدّس لها حكم قدرة العنكبوت الّذي ينسج بيته بالنّسبة إلى قدرة شخص تصير السّموات والأرضون والجبال والبحار دكّا دكّا وهباء منثورا بنفخته الواحدة ينبغي أن يقيس الكمالات الاخر على ذلك وهذا التّفاوت إنّما يقال من ضيق العبارة والّا فما النّسبة بينهما (ع) ما نسبة الفرشيّ بالعرشيّ فصارت كمالات الإنسان في صورة كمالات مرتبة الوجوب تعالت وتقدّست ولم يحصل لهذه الكمالات من كمالات تلك المرتبة غير المشاركة في الإسم ومن ههنا ورد أنّ الله خلق آدم على صورته ومعنى من عرف نفسه فقد عرف ربّه يلوح من هذا البيان فإنّ جميع ما في نفس الإنسان وإن كان صورة هو الّذي حقيقته حاصلة في مرتبة الوجوب تعالت وتقدّست. ومن ههنا يعرف سرّ خلافة الإنسان فإنّ صورة الشّيء خليفة الشّيء وفي هذا المقام ظنّت الزّنادقة والمجسّمة أنّ الله عزّ وجلّ في صورة الإنسان وأثبتوا القوى والجوارح الإنسانيّة في حضرته جلّ سلطانه من عدم العقل ضلّوا فأضلّوا ولم يعلموا أنّ إطلاق الصّورة وأمثالها في تلك الحضرة من قبيل التّشبيه والتّمثيل لا على سبيل التّحقيق والتّثبيت فإنّ حقيقة الصّورة تقتضي التّبعّض والتّركّب والتّجزّي وكلّ ذلك مناف للوجوب ومانع للقدم. والمتشابهات القرآنيّة أيضا مصروفات عن الظّواهر ومحمولات على التّأويل قال الله تعالى (وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلّا الله) يعني لا يعلم تأويل المتشابه الّا الله فعلم من هذا أنّ المتشابه محمول على التّأويل عند الله تعالى أيضا ومصروف عن الظّاهر وأنّه تعالى يعطي العلماء الرّاسخين أيضا نصيبا من علم هذا التّأويل كما أنّه سبحانه يطلع خواصّ رسله على علم الغيب الّذى هو مخصوص به تعالى وايّاك والتّخيّل انّ هذا التّأويل كتأويل اليد بالقدرة والوجه بالذّات حاشا وكلّا بل إنّ هذا التّأويل من الأسرار الّتي يمنح الله علمها أخصّ الخواصّ.

قسم V01/P472–V01/P473

وينبغي أن يعلم أنّ صاحب الفتوحات المكّيّة واتباعه يقولون إنّ صفات الواجب تعالى وتقدّس كما أنّها عين الذّات كذلك بعضها عين البعض الآخر مثلا العلم كما أنّه عين الذّات كذلك هو عين القدرة وعين الإرادة وعين السّمع وعين البصر وعلى هذا القياس سائر الصّفات وهذا الكلام عند الفقير بعيد عن الصّواب فإنّ هذا الكلام مبنيّ على نفي وجود الصّفات الزّائدة وهو خلاف مذهب أهل السّنّة والجماعة فإنّ الصّفات الثّمان أو السّبع على وفق آراء هؤلاء الأكابر موجودة في الخارج ولعلّ توهّم عينيّة الذّات والصّفات الواجبيّة نشأ فيهم من تخيّلهم تغاير ما في ذاك الموطن وتباينه كتغاير ما في هذا الموطن وتباينه ولمّا لم يجدوا في ذاك الموطن تغايرا وتباينا كتغاير هذا الموطن وتباينه الّذى هى بين ذواتنا وصفاتنا ولم يروا هناك تمايزا مشابها لتمايز هذا الموطن لا جرم حكموا بنفي التّغاير والتّمايز وقالوا بعينيّة بعضها بعضا ولم يدروا أنّ تمايز ذلك الموطن وتغايره مثل ذات الواجب وصفاته تعالى لا كيفيّ ولا مثليّ ولا مناسبة بين ذاك التّمايز وبين هذا التّمايز الّا بحسب الصّورة والإسم فيكون التّمايز والتّباين متحقّقا في ذلك الموطن ونحن عاجزون عن إدراكه لا إنّا ننفي كلّ ما لا ندركه ونخالف بذلك أهل التّحقيق والله سبحانه الملهم للصّواب. المكتوب الحادي عشر والثّلاثمائة إلى المخدوم ذاده الخواجه محمّد سعيد في بيان الأسرار الغامضة والحقائق النّادرة المتعلّقة بالحروف المقطّعات الّتي هي من المتشابهات القرآنيّة الّتي للعلماء الرّاسخين اطّلاع عليها بطريق الرّمز والإشارة اللهمّ (شعر) هاى دو جشمى ست مربي . همجو ألف رب حبيب خدا لام مربي خليل الله ست . ميم ز تدبير كليم آكه ست مبدأ أمر الكليم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام حقيقة الألف ومبدأ معاملة هذا الحقير أيضا بتبعيّته ووراثته حقيقة الألف ولكنّ رجوع الكليم عليهم السّلام إلى حقيقة الميم ورجوع الحقير إلى حقيقة الهاء ذات عينين ومرجعي وملاذي الآن هو حقيقة الهاء وهذه الحقيقة هي الّتي يعبّر عنها بغيب الهويّة وهذه الحقيقة خزينة الرّحمة ومستقرّ الرّحمة الواحدة الّتي وسعت كلّ شيء في الدّنيا ومستودع التّسعة والتّسعين رحمة الّتي ادّخرت للعقبى كلّها هو هذه الحقيقة فكأنّ إحدى عينيها مخزن رحمة الدّنيا والاخرى خزينة رحمة الاخرى وصفة أرحم الرّاحمين تتشعّب من هذه الحقيقة وفي ذلك الموطن ظهور جمال صرف لم يتطرّق إليه شائبة من الجلال وجميع ما يصيب الأولياء في الدّنيا من المحنة والغمّ والحزن تربية جماليّة ظاهرة في صورة الجلال وكلّما اعطى الاعداء من جنس النّعمة والفرح والسّرور في الدّنيا ظهور جلال مورّي بالجمال هذا هو المكر الإلهيّ جلّ سلطانه يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا ومبدأ امر خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام حقيقة فوق حقيقة الألف وكذلك مبدأ أمر الخليل أيضا هو هذه الحقيقة الفوقانيّة. غاية ما في الباب أنّ حقيقة مبدأ خاتم الرّسل إجمال تلك الحقيقة وحقيقة مبدأ الخليل تفصيلها ومرجع خاتم الرّسل عليه الصّلاة والسّلام حقيقة الألف. ومرجع الخليل عليه السّلام حقيقة اللّام وذلك لأنّ مناسبة الإجمال للوحدة أكثر فلا جرم تيسّر الرّجوع إلى الألف الّذي هو قريب من الوحدة ومناسبة التّفصيل للكثرة أزيد فبالضّرورة كان رجوعه إلى اللّام الّذي هو قريب من الكثرة فإبراهيم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام كان كثير البركة في المبدأ وفي المعاد والمرجع ومن ههنا سأل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم صلاة وبركة مماثلتين لصلاة الخليل وبركته عليه السّلام وربّ خاتم الرّسل في أسماء الله الحسنى الّتي رتبتها فوق رتبة الصّفات الإسم المبارك الله تعالى شأنه وربّ هذا الحقير الإسم المبارك الرّحمن جلّ وعلا. وحيث كان لهذا الحقير مناسبة للكليم في المبدأ وصل منه إليه بركات كثيرة وإن لم تكن ولاية هذا الحقير ولاية موسويّة ولكنّه مملوء من بركات تلك الولاية وحصل له ترقّيات كثيرة من هذا الطّريق.

قسم V01/P473–V01/P475

والإستفادة الّتي حصلت لهذا الحقير من تلك الولاية من طريق إجمال تلك الولاية واستفادة ولدي الأعظم عليه الرّحمة من طريق تفصيلها وولاية هذا الفقير المستفادة من الولاية الموسويّة شبيهة بولاية رجل مؤمن من آل فرعون وولاية ولدي الأعظم شبيهة بولاية سحرة فرعون الّذين آمنوا. المكتوب الثّاني عشر والثّلاثمائة إلى المير محمّد نعمان في أجوبة أسئلته من جملتها السّؤال عن تحقيق الإشارة في التّشهّد عند الحنفيّة الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين وعباد الله الصّالحين وصلت الصّحيفة الشّريفة المرسلة مع ملّا محمود فأورثت فرحا وافرا وسألت أنّ العلماء يقولون إنّ بقعة الرّوضة المتبرّكة المدنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة أعظم يعني قدرا من مكّة المعظّمة وكيف تكون بقعة الرّوضة المتبرّكة أعظم منها مع كون صورة الكعبة وحقيقتها مسجودا إليهما للصّورة والحقيقة المحمّديّتين عليه الصّلاة والتّحيّة؟ أيّها المخدوم: إنّ ما ثبت عند الفقير هو أنّ خير البقاع الكعبة المعظّمة ثمّ بعدها الرّوضة المقدّسة النّبويّة المدنيّة على صاحبها الصّلاة والتّحيّة ثمّ بعدها أرض الحرم المكّيّ حرسها الله تعالى عن الآفات فإن قال العلماء بأفضليّة الرّوضة المتبرّكة على مكّة المعظّمة ينبغي أن يكون مرادهم بذلك ما سوى أرض الكعبة المقدّسة. وسألت أنّ ملازمي مولانا المرحوم أعلم الله كتبوا رسالة في مادّة تجويز الإشارة بالسّبّابة وقد أرسلت الرّسالة المذكورة فبم تشير في هذا الباب؟ أيّها المخدوم: إنّ الأحاديث النّبويّة في باب تجويز الإشارة بالسّبّابة كثيرة جدّا وورد بعض الرّوايات الفقهيّة الحنفيّة أيضا في هذا الباب كما أوردها مولانا في رسالته وإذا لوحظت الكتب الفقهيّة الحنفيّة ملاحظة جيّدة يعلم أنّ روايات جواز الإشارة غير روايات الاصول وغير ظاهر المذهب وما قال الإمام محمّد الشّيبانيّ رحمه الله كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يشير ونصنع كما يصنع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمّ قال: وهذا قولي وقول أبي حنيفة رضي الله عنه من روايات النّوادر لا من روايات الاصول في الفتاوى الغرائب في المحيط هل يشير بإصبعه السّبّابة من يده اليمنى لم يذكر محمّد هذه المسألة في الأصل وقد اختلف المشائخ فيها منهم من قال لا يشير ومنهم من قال يشير وذكر محمّد في غير الاصول حديثا عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان يشير ثمّ قال هذا قولى وقول ابى حنيفة رضى الله عنهما وقد قيل انّه سنّة وقيل مستحبّ ثمّ قال فيها هذا ما ذكروا والتّصحيح أنّ الإشارة حرام وفي السّراجيّة: ويكره أن يشير بالسّبّابة في الصّلاة عند قوله أشهد أن لا إله إلّا الله هو المختار وفي الكبرى وعليه الفتوى؛ لأنّ مبنى الصّلاة على السّكون والوقار وفي الغياثيّة من الفتاوى لا يشير بالسّبّابة عند التّشهّد هو المختار وعليه الفتوى وفي جامع الرّموز لا يشير ولا يعقد وهو ظاهر أصول أصحابنا كما في الزّاهديّ وعليه الفتوى كما في المضمرات والولوالجيّ والخلاصة وغيرها وعن أصحابنا جميعا أنّه سنّة في خزانة الرّوايات من التّتارخانيّة ثمّ إذا أخذ في التّشهّد وانتهى إلى قوله أشهد أن لا إله الّا الله هل يشير باصبعه السّبّابة من اليد اليمنى لم يذكره محمّد في الاصل فقد اختلف المشائخ فيه منهم من قال لا يشير وفي الكبرى وعليه الفتوى ومنهم من قال يشير وفي الغياثيّة ولا يشير بالسّبّابة عند التّشهّد هو المختار اهـ. وحيث ذكرت حرمة الإشارة في الرّوايات المعتبرة وأفتوا بكراهتها ونهوا عنها وقالوا: إنّها ظاهر أصول أصحابنا لا يجوز لامثالنا المقلّدين الجراءة على الإشارة عملا بمقتضى الأحاديث وارتكاب أمر محرّم أو مكروه أو منهيّ عنه بفتاوى كثير من العلماء المجتهدين ومرتكب هذا الأمر من الحنفيّة لا يخلو من أحد الحالين إمّا أن لا يثبت للعلماء المجتهدين علم الأحاديث المعروفة الواردة في جواز الإشارة وإمّا أن يقول بعدم عمل هؤلاء الأكابر بمقتضى هذه الأحاديث مع عملهم بورودها وثبوتها عندهم ويظنّ أنّهم حكموا بالحرمة والكراهة على خلاف الأحاديث بمقتضى آرائهم وكلّ من هذين الشّقّين فاسد لا يجوّزهما الّا سفيه ومعاند.

قسم V01/P475–V01/P478

وما قال في ترغيب الصّلاة انّ رفع اصبع الشّهادة في التّشهّد سنّة العلماء المتقدّمين وأمّا العلماء المتأخّرون فقد نهوا عنها وذلك لأنّهم لمّا رأوا غلوّ الرّوافض فيها تركوها خوفا من تهمة السّنّيّ بالرّفض مخالف لروايات الكتب المعتبرة فإنّ ظاهر أصول أصحابنا عدم الإشارة وعدم الإشارة وعدم العقد فكأنّ عدم الإشارة سنّة العلماء المتقدّمين ولم يكن وجه التّرك نفي التّهمة وحسن ظنّنا بهؤلاء الأكابر هو أنّهم إن لم يظهر لهم في هذا الباب دليل الحرمة والكراهة لما حكموا بهما وحيث قالوا بعد ذكر سنّيّة الإشارة واستحبابيّتها هذا ما ذكروا والصّحيح أنّ الإشارة حرام علم أنّ أدلّة سنّيّة الإشارة واستحبابيّتها لم تبلغ عند هؤلاء الأكابر مرتبة الصّحّة بل صحّت خلافها. غاية ما في الباب أنّه لا دليل لنا على ذلك وهذا لا يستلزم القدح في هؤلاء الأكابر. فإن قيل: إنّ لنا دليلا على خلاف ذلك. (قلنا) إنّ علم المقلّة غير معتبر في إثبات الحلّ والحرمة وإنّما المعتبر في هذا الباب هو ظنّ المجتهد والقول في حقّ أدلّة المجتهد انّها أوهن من بيت العنكبوت جراءة عظيمة وترجيح لعلمه على علم هؤلاء الأكابر وإبطال لظاهر أصول أصحابنا الحنفيّة وتخريب للرّوايات المفتى بها وهؤلاء الأكابر حكموا بشذوذ هذه الأحاديث فإنّهم لقرب عهدهم ووفور علمهم وحصول الورع والتّقوى لهم أعلم بها من أمثالنا العاجزين وأعرف منّا بصحّتها وسقمها ونسخها وعدم نسخها ولهم في ترك العمل بمقتضى هذه الأحاديث وجه موجّه ألبتّة ومبلغ علم أمثالنا قاصري الفهم أنّ بين رواة الأحاديث اختلافا كثيرا في كيفيّة الإشارة والعقد، وكثرة اختلافهم هذه أورثت اضطرابا في نفس الإشارة فمن بعض الرّوايات يفهم ثبوت الإشارة بلا عقد ومن قال بالإشارة مع العقد ففي بعض الرّوايات جعل العقد ثلاثة وخمسين وفي بعضها عقد ثلاثة وعشرين وبعضهم روى بقبض الخنصر والبنصر وحلق الإبهام والوسطي والإشارة بالسّبّابة وفي رواية بمجرّد وضع الإبهام على الوسطي وورد في بعض الرّوايات أنّه يشير بوضع اليد اليمنى على الفخذ اليسرى واليد اليسرى على الفخذ اليمنى وفى رواية اخرى انّه يشير واضعا يده اليمنى على ظهر يده اليسرى والرّسغ على الرّسغ والسّاعد على السّاعد وفي بعض الرّوايات أنّه يشير بقبض جميع الأصابع وفي بعض الرّواية أنّها من غير تحريك السّبّابة وفي بعض الرّوايات بإثبات التّحريك والواقع في بعض الرّواية أنّها وقت قراءة التّشهّد من غير تعيين وفي بعضها أنّها وقت التّكلّم بكلمة الشّهادة وفي بعض الرّواية مقيّدة بوقت الدّعاء أعني: يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك. ولمّا رأى العلماء الحنفيّة اضطراب الرّواة في كيفيّة الإشارة لم يثبتوا فعلا زائدا في الصّلاة على خلاف القياس وهو أنّ بناء الصّلاة على السّكون والوقار وأيضا أنّ توجيه الأصابع نحو القبلة مهما أمكن سنّة كما قال عليه الصّلاة والسّلام وليوجّه من أعضائه القبلة ما استطاع. فإن قيل: إنّ كثرة الإختلاف إنّما يورث الإضطراب إذا لم يمكن التّوفيق بين الرّوايات والتّوفيق فيما نحن فيه ممكن فإنّه يمكن أن يفعل جميع ما ورد في جميع الرّوايات في أوقات مختلفة. (قلنا) قد وقع في أكثر الرّوايات لفظ كان وهو عند غير المنطقيّين من الأدوات الكلّيّة فلا يمكن التّوفيق وما نقل عن الإمام الأعظم من قوله إذا وجدتم حديثا مخالفا لقولي فاتركوا قولي واعملوا بالحديث فالمراد بهذا الحديث حديث لم يبلغ الإمام وحكم بخلافه بناء على عدم علمه به وأحاديث الإشارة ليست من هذا القبيل فإنّها أحاديث معروفة ليس فيها احتمال عدم العلم. فإن قيل: إنّ العلماء الحنفيّة قد أفتوا بجواز الإشارة أيضا فينبغي أن يجوز العمل بكلّ منهما على مقتضى الفتاوى المتعارضة. (قلنا) إذا وقع التّعارض بين الجواز وعدم الجواز وبين الحلّ والحرمة فالتّرجيح في جانب عدم الجواز وعدم الحرمة وأيضا قال الشّيخ ابن الهمام في أحاديث رفع اليدين انّها معارضة لاحاديث عدم الرّفع فترجّح أحاديث عدم الرّفع بالقياس فإنّ مبنى الصّلاة على السّكون والخشوع الّذي هو مطلوب ومرغوب فيه بالإجماع.

قسم V01/P478–V01/P479

والعجب من الشّيخ ابن الهمام أنّه قال وعن كثير من المشائخ عدم الإشارة وهو خلاف الرّواية والدّراية كيف نسب الجهل إلى العلماء المجتهدين المتمسّكين بالقياس الّذي هو الأصل الرّابع من أدلّة الشّرع وهو ظاهر المذهب وظاهر الرّواية عن أبي حنيفة. وهذا الشّيخ قد ضعّف حديث القلّتين بالاضطراب الحاصل من كثرة اختلاف الرّواية. ويكتب ولدي الأرشد محمّد سعيد رسالة في هذا الباب فإذا نقلت إلى البياض نرسلها إن شاء الله تعالى. وكتبت انّ من طالبي الطّريقة جماعة في كلّ طرف ولم أتجاسر على إجازة أحد منهم بتعليم الطّريقة في محلّ أصلا فننظر بما تكون الإشارة. فاعلم أنّ كلّ من ترونه مناسبا يكون رئيس حلقة جماعة وهذا الأمر مفوّض إلى رأيكم وليصدر الأمر بعد الإستخارة والتّوجّه والسّلام عليكم وعلى من لديكم. المكتوب الثّالث عشر والثّلاثمائة إلى الخواجه محمّد هاشم في حلّ أسئلة كتبها وهي سبعة وأمر ختم هذا المجلّد من المكتوبات بهذا المكتوب لموافقة عددها لعدد الأنبياء المرسلين وعدد أصحاب بدر وأمر بكتابة عرائض المخدوم زاده الأعظم عليه الرّحمة في آخر هذه المكتوبات ليذكره النّاظرون بالدّعاء وقراءة الفاتحة لروحه بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم أخونا الخواجه محمّد هاشم أنّ الأسئلة الّتي اندرجت في مكتوب المير محبّ الله وطلبت حلّها نكتب في جوابها ما هو معلوم لنا ونرسله. (حاصل السّؤال الأوّل) أنّ القرب الإلهيّ جلّ سلطانه بحسب الفناء والبقاء وطيّ جميع مقامات الجذبة والسّلوك. والأصحاب الكرام قد فضّلوا على جميع أولياء الامّة بصحبة خير الأنام عليه وعليهم الصّلاة والسّلام مرّة واحدة فهل هذا السّير والسّلوك والفناء والبقاء حصلت لهم في تلك الصّحبة الواحدة وكانت أفضل من جميع السّير والسّلوك والفناء والبقاء. وأيضا هل حصل لهم الفناء والبقاء بتوجّهه وتصرّفه عليه الصّلاة والسّلام أو بمجرّد دخولهم في الإسلام (وأيضا) هل كان لهم علم بالسّلوك والجذبة حالا ومقاما أو لا. فإن كان فبأيّ اسم سمّوه وإن لم يكن لهم طريق السّلوك والجذبة فيمكن أن نقول لهذا بدعة حسنة. (اعلم) أنّ حلّ هذا المشكل منوط بالصّحبة وموقوف على الخدمة فإنّ الكلام الّذي لم يتكلّم به أحد في هذه المدّة كيف يكون مفهوما ومعقولا لكم بكتابة واحدة ولكن لمّا سألتم لا بدّ من الجواب ومن حلّه على وجه الإجمال بالضّرورة فينبغي الإصغاء إليه. (اعلم) أنّ القرب الّذي هو منوط بالفناء والبقاء والسّلوك والجذبة هو قرب الولاية الّذي تشرّف به أولياء الامّة والقرب الّذي تيسّر للأصحاب الكرام في صحبة خير الأنام عليه وعليهم الصّلاة والسّلام هو قرب النّبوّة حصل لهم بطريق التّبعيّة والوراثة ولا فناء في هذا القرب ولا بقاء ولا جذبة ولا سلوك وهذا القرب أفضل من قرب الولاية وأعلى منه بمراتب فإنّ هذا القرب قرب الأصل وذلك القرب قرب الظّلال شتّان ما بينهما ولكن لا يدرك فهم كلّ أحد مذاق هذه المعرفة كاد الخواصّ أن يشاركوا العوامّ في عدم فهم هذه المعرفة، شعر: كربو على نواى قلندر نواختى .

قسم V01/P479–V01/P480

صوفى بدى هر آنكه بعالم قلندرست نعم: إذا وقع العروج إلى ذروة كمالات قرب النّبوّة من طريق الولاية فلا مندوحة حينئذ من الفناء والبقاء والجذبة والسّلوك فإنّ هذه مباد ومعدّات لذلك القرب وأمّا إذا لم يكن السّير من هذا الطّريق بل وقع الإختيار على الطّريق السّلطانيّ لقرب النّبوّة فلا حاجة حينئذ إلى الفناء والبقاء والجذبة والسّلوك وسير الأصحاب الكرام من طريق قرب النّبوّة السّلطانيّ فلم يحتاجوا إلى الجذبة والسّلوك والفناء والبقاء وليطلب بيان هذه المعرفة من المكتوب المحرّر باسم أمان الله وما كتبه الفقير في مواضع من مكتوباته ورسائله من أنّ معاملتي فيما وراء السّلوك والجذبة ووراء الظّهورات والتّجلّيات المراد به هو هذا القرب فإنّي حين كنت في ملازمة حضرة شيخنا قدّس سرّه أخذت هذه الدّولة في الظّهور فعرضتها عليه بهذه العبارة قد ظهر لي أمر السّير الأنفسيّ بالنّسبة إلى هذا الأمر كالسّير الآفاقيّ بالنّسبة إلى السّير الأنفسيّ ولم أجد حينئذ في نفسي قدرة التّعبير عن هذه الدّولة بأزيد من هذه العبارة ولمّا صارت هذه المعاملة العجيبة بعد سنين منقّحة ومحرّرة حرّرتها بعبارة مجملة الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ فتكون عبارات الفناء والبقاء والجذبة والسّلوك محدثة ومن مخترعات المشائخ ذكر المولويّ الجاميّ في النّفحات أنّ أوّل من تكلّم عن الفناء والبقاء أبو سعيد الخرّاز قدّس سرّه. (وحاصل السّؤال الثّاني) أنّ في الطّريقة النّقشبنديّة العليّة التزام اتّباع السّنّة السّنيّة النّبويّة والحال أنّه عليه الصّلاة والسّلام والتّحيّة صدر عنه رياضات عجيبة ومجاهدات شديدة كالجوع الشّديد وفي هذا الطّريق يمنعون عن الرّياضة بل يرونها بواسطة ظهور الكشوفات الصّوريّة بها مضرّة والعجب أنّه كيف يتصوّر احتمال الضّرر في اتّباع السّنّة؟ (أيّها المحبّ) من قال إنّ الرّياضة ممنوعة في هذا الطّريق ومن أين سمع أنّهم يرون الرّياضة مضرّة وفي هذا الطّريق دوام المحافظة على اتّباع السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة والسّعي في ستر الأحوال واختيار توسّط الحال ورعاية حدّ الإعتدال في المطاعم والملابس وسائر الأفعال كلّ ذلك من الرّياضات الشّاقّة والمجاهدات الشّديدة. (غاية) ما في الباب أنّ العوامّ كالأنعام لا يعدّون هذه الامور من الرّياضات ولا يرونها من المجاهدات بل الرّياضة والمجاهدة منحصرة عندهم في الجوع وكثرة الجوع عظيم القدر في نظرهم فإنّ الأكل عند هؤلاء المتّصفين بصفات البهائم من أهمّ المهامّ وأعظم المقاصد فلا جرم يكون تركه من الرّياضة الشّاقّة والمجاهدة الشّديدة عندهم بخلاف المحافظة على السّنّة والتزام متابعتها وأمثالها فإنّ هذه الامور لا قدر لها عند العوامّ ولا اعتداد بها حتّى يرون تركها من المنكرات وتحصيلها من الرّياضات فاللّازم لأكابر هذه الطّريقة أن يجتهدوا في ستر الأحوال وترك الرّياضة الّتي هي عظيمة القدر عند العوامّ وباعثة على قبول الأنام ومستلزمة للشّهرة المتضمّنة على الآفات العظام قال عليه الصّلاة والسّلام «بحسب امرئ من الشّرّ الّا من عصمه الله أن يشير النّاس إليه بالأصابع في دينه ودنياه». وعند الفقير الجوع الكثير أسهل وأيسر جدّا من مراعاة حدّ الإعتدال في المأكولات. ورياضة رعاية توسّط الحال مستحقّة لأن تكون أزيد وأفضل من رياضة كثرة الجوع. قال حضرة والدي الماجد قدّس سرّه: رأيت في علم السّلوك رسالة ورأيت فيها أنّ رعاية حدّ الإعتدال في المأكولات والمحافظة على الحدّ الوسط فيها كافية في الوصول إلى المطلوب لا حاجة مع هذه المراعاة إلى الذّكر والفكر والحقّ أنّ توسّط الحال في المطاعم والملابس بل جميع الامور حسنة وجميلة جدّا، (شعر): إيّاك والأكل حتّى يحدث الثّقل . ولا تجوعنّ إلى أن يضعف البدن وقد أعطي الحقّ سبحانه نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام قوّة أربعين رجلا فكان صلّى الله عليه وسلّم يتحمّل بهذه القوّة ثقل الجوع.

قسم V01/P480–V01/P482

والأصحاب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يتحمّلون هذا الثّقل ببركة صحبة خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ولم يقع فتور وخلل في أعمالهم وأفعالهم أصلا وكانت قدرتهم على محاربة الأعداء مع وجود الجوع على نهج لا تبلغ قدرة أهل الشّبع عشرها ومن ههنا غلّب العشرون من الصّابرين على مائتين من الكفّار ومائة منهم على ألف منهم وأهل الجوع من غير الصّحابة يكادون يعجزون عن إتيان الآداب والسّنن بل ربّما يخرجون عن عهدة الفرائض بالتّكلّف فتقليد الصّحابة في هذا الأمر بلا قدرة تعرّض للعجز عن إتيان السّنن والفرائض (نقل) عن الصّدّيق الأكبر رضي الله عنه أنّه اختار صوم الوصال تقليدا للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسقط من الضّعف وعدم القوّة على الأرض من غير اختيار فقال عليه الصّلاة والسّلام على سبيل الإعتراض " أنا لست كأحدكم أبيت عند ربّي فيطعمني ويسقيني». فلم يستحسن التّقليد بلا قدرة وأيضا إنّ الأصحاب الكرام كانوا محفوظين ومأمونين من المضرّات المتولّدة من كثرة الجوع ببركة صحبة خير الأنام عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وليس ذلك ميسّرا لغيرهم بيانه: إنّ كثرة الجوع مورثة للصّفاء ألبتّة تورث طائفة صفاء القلب وجماعة صفاء النّفس، وصفاء القلب يزيد الهداية ويورث النّور وصفاء النّفس يستتبع الضّلالة ويزيد الظّلمة ألا ترى أنّ فلاسفة اليونان وبراهمة الهنود وجوكيّتهم أورثت الرّياضة كلّهم صفاء النّفس ودلّتهم بذلك على طريق الضّلالة وجرّتهم إلى الخسارة حتّى اعتمد أفلاطون الأحمق على صفاء نفسه وجعل الصّور الكشفيّة الخياليّة مقتداه فأعجب بنفسه ولم يصدّق عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وكان مبعوثا في زمنه وقال: نحن قوم مهديّون لا حاجة بنا إلى من يهدينا فإن لم يكن فيه هذا الصّفاء الموجب لزيادة الظّلمة لما كانت الصّور الكشفيّة الخياليّة سدّة في طريقه ومانعة له عن الوصول إلى المطلب وقد وجد هو نفسه بسبب هذا الصّفاء نورانيّا ولم يعلم أنّ ذلك الصّفاء لم يجاوز القشر الرّقيق من نفسه الأمّارة وانّها على خبثها ونجاستها ولم يزد فيها شيئا سوى أن تكون كنجاسة مغلّظة مغلّفة بغلاف رقيق من السّكر (والقلب) الّذي هو نورانيّ في حدّ ذاته وطاهر وإنّما قعد على وجهه غبار من مجاورته النّفس الظّلمانيّة يرجع إلى حاله الأصليّ بقليل من التّصفية ويصير نورانيّا بخلاف النّفس فإنّها خبيثة في حدّ ذاتها والظّلمة من صفاتها الذّاتيّة وما لم تزكّ ولم تطهّر بسياسة القلب بل باتّباع السّنّة والتزام الشّريعة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة بل بمحض فضل الله سبحانه لا يزول عنها خبثها الذّاتيّ ولا يتصوّر عنها الفلاح والخير وأفلاطون قد ظنّ صفاءه الّذي تعلّق بنفسه الأمّارة كصفاء القلب العيسويّ فتخيّل نفسه بالضّرورة مهذّبا ومطهّرا مثله وحرم من دولة متابعته عليه السّلام وصار متّسما بسمة الخسارة الأبديّة أعاذنا الله سبحانه من هذا البلاء، ولمّا كانت هذه المضرّة مضمرة ومكمونة في طبيعة الجوع ترك أكابر هذه الطّريقة قدّس الله أسرارهم رياضة الجوع واختاروا رياضة الإعتدال في المطعومات ومجاهدة رعاية الإقتصاد في سائر الحالات وتركوا منافع الجوع لإحتمال الضّرر العظيم وترتّب الآفات، والآخرون لاحظوا منافعه وأغمضوا عن مضارّه فرغبوا فيه ومن المقرّر عند العقلاء أنّه يترك المنافع الكثيرة لإحتمال المضرّة اليسيرة وقريب من هذه المقالة ما قاله العلماء شكر الله سعيهم: إنّ الأمر إذا دار بين السّنّة والبدعة الأفضل ترك هذا الأمر لإحتمال كونه بدعة دون إتيانه بسبب احتمال كونه سنّة يعني أنّ في احتمال كونه بدعة احتمال الضّرر وفي احتمال كونه سنّة توقّع المنافع فينبغي تركه ترجيحا لإحتمال الضّرر على توقّع المنافع فلا عجب لو عرض الضّرر في إتيان السّنّة من طريق آخر (وحقيقة هذا الكلام) هي أنّ هذه السّنّة كأنّها كانت موقّتة بذلك القرن ولمّا لم يجد جماعة كونها موقّتة بواسطة الدّقّة والخفاء بادروا على فعلها بالتّقليد وجماعة لمّا وجدوها موقّتة تركوا التّقليد فيها والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال.

الأسئلة