Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

قسم V02/P140–V02/P141

المكتوب السّادس والخمسون إلى مولانا عبد القادر الأنبالىّ في بيان أنّ معاملة العارف تبلغ مرتبة يكون حكم سيّئات الآخرين بالنّسبة اليه حسنات بسم الله الرّحمن الرّحيم قال الله تبارك وتعالى فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ تبلغ معاملة العارف بعناية الله سبحانه وحرمة حبيبه عليه الصّلاة والسّلام مرتبة تصير سيّئات الآخرين في حقّه حسنات وتكون الصّفة الرّذيلة بالنّسبة إلى غيره حميدة بالنّسبة اليه مثلا الرّياء والسّمعة من السّيّئات ومن رذائل الاوصاف يعرض لهما في حقّه الحسن وتأخذان حكم الحمد والشّكر فإنّ ذلك الدرويش قد سلب عن نفسه جميع أقسام العظمة والكبرياء ونسبها إلى جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه وأبعد عن نفسه جميع أنواع الحسن والجمال والخير والكمال وخصّصها به سبحانه وتعالى لا يجد نفسه غير شرّ ونقص ولا يرى في نفسه غير ذلّ وافتقار وانكسار فإن كان فرد من أفراد الكمال فرضا متوجّها في الظّاهر يجده مرقاتا يترقّى منها إلى فوق ويصل إلى جناب يليق بالعظمة والكبرياء وهكذا حال الحسن والجمال والخير والكمال ليس له نصيب منها غير أن تكون هذه الاشياء مراقى لترقّيه والأمانات راجعة إلى أهل الامانات ففي صورة الرّياء والسّمعة ليس مقصوده الإشتهار والإفتخار والرّفعة والعظمة بل إظهار نعمة الحقّ وإعلام إحسانه سبحانه وتعالى إليه فكان الرّياء والسّمعة عين حمد الحقّ وشكره تعالى وتقدّس وخرجا من الرّذالة إلى المحمدة وعلى هذا القياس سائر الصّفات فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا والسّلام. المكتوب السّابع والخمسون إلى الملّا غازى النّائب في بيان أنّ ذكر الحقّ جلّ وعلا أولى من الصّلوات على خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام لكن بشرط أن يكون الذّكر حقيقا بالقبول ومتلقّى من شيخ مقتدى وما يناسب ذلك قد كنت أوقاتا مشغولا بصلاة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بأنواعها وأقسامها ووجدتها تترتّب عليها نتائج وثمرات عاجلة واهتديت بها لدقائق الولاية الخاصّة المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وأسرارها ولمّا مضت مدّة على هذا العمل وقع الفتور في هذا الإشتغال اتّفاقا وزال توفيق المواظبة عليه ووقع الإقتصار على صلوات مؤقّتة واستحسن لي في هذا الوقت الإشتغال بالتّسبيح والتّقديس والتّهليل بدل الصّلوات فقلت ولعلّ في هذا الامر حكمة انظر ماذا يظهر فعلم أخيرا بعناية الله تعالى أنّ الذّكر في هذا الوقت أفضل من الصّلوات في حقّ من يصلّي وفي حقّ من يصلّى عليه وذلك من وجهين احدهما ما ورد في الحديث القدسىّ " من شغله ذكرى عن مسئلتى اعطيته افضل ما اعطى السّائلين " والوجه الثاني هو أنّ الذّكر مأخوذ من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فكما أنّ ثواب ذلك الذّكر يصل إلى الذّاكر يصل إليه صلّى الله عليه وسلّم أيضا مثل ذلك الثواب قال عليه الصّلاة والسّلام «من سنّ سنّة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها» .

قسم V02/P141–V02/P143

وكذلك كلّ عمل صالح حاصل من الامّة كما أنّ أجره يصل إلى العامل يصل أيضا مقدار ذلك الاجر إلى النّبيّ الذي هو واضع ذلك العمل وشارعه من غير أن ينقص من أجر العامل شيء ولا يلزم أن يعمل العامل عمله بنيّة النّبيّ فإنّه عطاء الحقّ جلّ سلطانه لا صنع للعامل فيه نعم إن وجدت النّيّة للنّبىّ أيضا من العامل يكون باعثا على ازدياد أجر العامل وهذه الزّيادة أيضا تعود إلى النّبيّ ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ولا شكّ أنّ المقصود الاصليّ من الذّكر هو تذكّر الحقّ سبحانه وطلب الاجر طفيلىّ له وفي الصّلاة المقصود الاصليّ هو طلب الحاجة شتّان ما بينهما فالفيوض الّتي تصل إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من طريق الذّكر تكون زائدة بأضعاف على البركات الّتي تصل إليه صلّى الله عليه وسلّم من طريق الصّلوات (ينبغي أن يعلم) أنّ هذه الرّتبة ليست هي لكلّ ذكر بل هي مخصوصة بالذّكر الذي حقيق بالقبول والذّكر الذي ليس كذلك فللصّلاة مزيّة عليه ووصول البركات منها حينئذ اكثر توقّعا ولكنّ الذّكر الذي أخذه الطّالب عن شيخ كامل مكمّل وداوم عليه بشرائط الطّريقة أفضل من الصّلاة فإنّ هذا الذّكر وسيلة ذاك الذّكر وما لم يشتغل بهذا الذّكر لا يصل إلى ذاك الذّكر ومن ههنا لم يجوّز مشائخ الطّريقة قدّس الله تعالى أسرارهم اشتغال المبتدى بغير الذّكر وأمروه بالإقتصار على الفرائض والسّنن يعني: الرّواتب ومنعوه من الامور النّافلة (ولاح) من هذا البيان أنّه لا تحصل لفرد من أفراد الامّة وإن بلغ في الكمالات درجة عليا مساواة لنبيّه فإنّ جميع تلك الكمالات الّتي حصلت له إنّما هي بواسطة متابعته لشريعة ذلك النّبيّ فتكون هذه الكمالات كلّها أيضا ثابتة لذلك النّبيّ مع كمالات متابعيه الاخر ومع كمالاته المخصوصة به عليه الصّلاة والسّلام وكذلك لا يصل هذا الفرد الكامل إلى مرتبة نبىّ أصلا وإن لم يتّبع لهذا النّبيّ أحد ولم يقبل دعوته فإنّ كلّ نبىّ صاحب دعوة بالأصالة ومأمور بتبليغ الشّريعة ولا يستلزم إنكار الامم قصورا في الدعوة والتّبليغ ومن البيّن الظّاهر أنّه لا يبلغ كمال أصلا مرتبة الدعوة والتّبليغ فإنّ أحبّ عباد الله إلى الله من أحبّ الله إلى عباده وأحبّ عباد الله إلى الله وهو الداعى والمبلّغ ولعلّك سمعت ما ورد في الخبر " أنّه يوزن مداد العلماء يوم القيامة بدم الشّهداء في سبيل الله فيترجّح مداد العلماء على دم الشّهداء» وهذه الدولة لم تتيسّر للأمّة وما هو حاصل فيهم فهو طفيلىّ وضمنىّ الاصل أصل والفرع مستنبط ينبغي أنّ يدرك من ههنا فضل أعيان هذه الامّة ومبلّغيهم وإن كان في الدعوة والتّبليغ درجات والأعيان والمبلّغون متفاوتون في الدرجات. (العلماء) مخصوصون بتبليغ الظّاهر والصّوفيّة يهتمّون بالباطن والذي هو عالم صوفىّ كبريت أحمر ومستحقّ للدّعوة والتّبليغ ظاهرا وباطنا ونائب النّبىّ ووارثه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام واعتقد جماعة أنّ محدّثى هذه الامّة الذين يبلّغون الاحاديث النّبويّة عليه الصّلاة والسّلام أفضل هذه الامّة فإن اعتقدوا أنّهم أفضل مطلقا فمحلّ خدشة وإن اعتقدوا ذلك بالنّسبة إلى مبلّغى الظّاهر فله مساغ والفضل المطلق إنّما هو للمبلّغ الجامع بين تبليغ الظّاهر والباطن والدعوة الظّاهرة والباطنة لانّ في الإقتصار قصورا ينافي إطلاق الفضل فافهم ولا تكن من القاصرين. نعم إنّ الظّاهر وإن كان عمدة ومناطا للنّجاة وكثير البركة وعميم المنفعة ولكن كماله مربوط بالباطن والظّاهر بلا باطن غير تامّ والباطن بلا ظاهر غير معتدّ به والذي يجمع بين الظّاهر والباطن كبريت أحمر رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والسّلام على من اتّبع الهدى .

قسم V02/P143–V02/P146

المكتوب الثامن والخمسون إلى الخواجه محمّد التّقى في جواب استفساره عن عالم المثال وفي ردّ جماعة يقولون بالتّناسخ وبيان الكمون والبروز وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله الطّاهرين قد تشرّفنا بمطالعة الصّحيفة الصّادرة من حسن النّشأة وعلوّ الفطرة على وجه الإلتفات سلّمكم الله تعالى (وكتبتم) فيها أنّه نقل الشّيخ محيي الدين ابن العربيّ قدّس سرّه حديثا في فتوحاته المكّيّة أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الله خلق مائة الف آدم» وأورد حكاية في بعض مشاهدات عالم المثال أنّه قد ظهر في وقت طواف الكعبة المعظّمة أن جمعا يطوفون بالبيت وأنا لا أعرفهم وأنشدوا في أثناء الطّواف بيتين عربيّين أحد هذين البيتين هذا. (شعر) لقد طفنا كما طفتم سنينا . بهذا البيت طرّا أجمعينا ولمّا سمعت هذا البيت وقع في الخاطر أنّ هؤلاء من عالم المثال فنظر أحدهم إلى جانبى مقارنا لهذا الخطور وقال أنا من جملة أجدادك فسألته أنّه كم مضى من فوتك قال أزيد من أربعين الف سنة فقلت على وجه التّعجّب إنّه لم يتمّ من ابتداء خلقة آدم أبي البشر على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام إلى الآن سبعة آلاف سنة قال من أيّ آدم تقول انّ هذا هو ذاك آدم الذي خلق في أوّل دور سبعة آلاف قال الشّيخ فوقع في الخاطر في ذلك الوقت أنّ الحديث النّبويّ الذي سبق ذكره مؤيّد لهذا القول (أيّها المخدوم المكرّم) إنّ ما ظهر لهذا الفقير في هذه المسألة بعناية الله سبحانه هو أنّ جميع الأوادم الذين مضوا قبل وجود حضرة آدم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام كان وجودهم في عالم المثال لا في عالم الشّهادة والذي وجد في عالم الشّهادة ونال الخلافة في الارض وصار مسجود الملائكة هو حضرة آدم أبي البشر فحسب غاية ما في الباب أنّ آدم لمّا كان مخلوقا على صفة الجامعيّة وله في حقيقته لطائف وأوصاف كثيرة كان يوجد صفة من صفاته أو لطيفة من لطائفه في كلّ وقت من الاوقات قبل وجوده بشخصه بقرون متطاولة بإيجاد الحقّ سبحانه وتظهر بصورة آدم وتسمّي باسمه وكان يقع منها ما سيقع من آدم المنتظر حتّى ظهر منها توالد وتناسل مناسب لعالم المثال ونالت كمالات صوريّة ومعنويّة مناسبة لذلك العالم وصارت مستحقّة للثّواب والعقاب بل قامت القيامة في حقّها وذهب الجنّتىّ إلى الجنّة والجهنّمىّ إلى جهنّم ثمّ ظهرت بعد ذلك في وقت من الاوقات بمشيئة الله سبحانه صفة أخرى من صفاته أو لطيفة أخرى من لطائفه على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام في ذلك العالم وظهر منها ما ظهر من الاولى ولمّا تمّ دورها أيضا ظهر ظهور ثالث من صفاته ولطائفه على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ولمّا أتمّ ذلك الظّهور أيضا ظهر ظهور رابع وهكذا إلى ما شاء الله تعالى ولمّا تمّت دوائر ظهوراته المثاليّة الّتي تتعلّق بصفاته ولطائفه وجدت آخر الامر هذه النّسخة الجامعة في عالم الشّهادة بإيجاد الله جلّ سلطانه وصارت معزّزة ومكرّمة بعنايته تعالى فإن وجد مائة الف آدم فليسوا إلّا أجزاء آدم هذا وموادّه ومقدّمات وجوده ومباديه وجدّ الشّيخ الاكبر الذي مضى من فوته أزيد من أربعين الف سنة كان لطيفة في عالم المثال من لطائف جدّه فإنّ الشّيخ الذي كان له وجود في عالم الشّهادة طاف بالبيت وقتئذ في عالم المثال فإنّ للكعبة المعظّمة أيضا صورة وشبها في المثال هي قبلة لاهل ذلك العالم والفقير ارسلت نظرى في هذا الباب بعيدا وتعمّقت فيه كثيرا فلم يقع نظرى إلى آدم آخر في عالم الشّهادة ولم أجد غير شعابذة عالم المثال وما قاله البدن المثالىّ أعني قوله " أنا من جملة أجدادك ومضى من فوتى أزيد من أربعين الف سنة " أدلّ دليل على أنّ الأوادم الذين كان وجودهم قبل وجود آدم أبي البشر عليه السّلام كانوا من ظهورات صفات آدم ولطائفه عليه السّلام لا إنّه كانت لهم خلقة على حدة مباينة لخلقة آدم هذا فإنّه ما نسبة المباين لآدم هذا وكيف يكون جدّ الشّيخ فإنّه لم يتمّ سبعة آلاف سنة بعد من خلقة آدم فاين المساغ لاربعين الف سنة والذين في قلوبهم مرض يفهمون من هذه الحكاية تناسخا ويكادون يقولون بقدم العالم ينكرون القيامة الكبرى وبعض الملاحدة الذين جلسوا في مسند الشّيخوخة بالباطل يحكمون بجواز التّناسخ ويزعمون أنّ النّفس ما لم تبلغ حدّ كمالها لا بدّ لها من التّقلّب في الابدان ويقولون انّها إذا بلغت حدّ الكمال فقد فرغت من التّقلّب في الابدان بل من التّعلّق بالأبدان والمقصود من خلقتها كمالها فإذا تيسّر كمالها فقد حصل المقصود وهذا القول كفر صريح وإنكار على ما ثبت من الدين بالتّواتر فإنّه إذا بلغت كلّ النّفوس حدّ الكمال في الآخر لمن تكون جهنّم ومن يكون معذبا وقولهم هذا إنكار لجهنّم وإنكار للعذاب الأخروىّ وإنكار أيضا لحشر الاجساد فإنّه لم يبق للنّفس بزعمهم الفاسد احتياج إلى الجسد الذي هو آلة لكمالاتها حتّى تحشر الاجساد واعتقاد هذه الجماعة موافق لاعتقاد الفلاسفة فإنّهم ينكرون حشر الاجساد ويقولون بالثّواب والعذاب الرّوحانيّين بل اعتقادهم أسوء من اعتقاد الفلاسفة فإنّهم ينكرون التّناسخ ويرّدون قول من يقول به ويثبتون العذاب الرّوحانىّ وهؤلاء يثبتون التّناسخ وينكرون العذاب الأخروىّ والعذاب عند هؤلاء هو عذاب الدنيا وإنّما يثبتونه لاجل تهذيب النّفس (فإن قيل) قد نقل عن أمير المؤمنين علىّ كرّم الله وجهه وبعض أولياء الله أيضا غيره أنّه وقع عنهم بعض أعمال غريبة وأفعال عجيبة قبل وجودهم العنصريّ بقرون متطاولة في عالم الشّهادة فكيف يصحّ ذلك بدون تجويز التّناسخ (أجيب) أنّ صدور هذه الاعمال والأفعال إنّما هو من أرواح هؤلاء الاكابر صارت متجسّدة بالأجساد بمشيئة الله تعالى وباشرت الافعال العجيبة لا من أجساد اخر تعلّقت أرواحهم بها (والتّناسخ) هو تعلّق روح قبل تعلّقه بهذا البدن ببدن آخر مباين ومغاير لهذا البدن فإذا تجسّدت الرّوح بنفسه كيف يكون تناسخا ألا ترى أنّ الجنّ يتشكّل بأشكال مختلفة ويتجسّد بأجساد متباينة ويقع عنهم في هذا الحال أعمال عجيبة مناسبة لتلك الاشكال والأجساد ولا تناسخ فيه أصلا ولا حلول فإذا كان في الجنّ بإقدار الله تعالى قدرة التّشكّل بالأشكال ووقوع الاعمال الغريبة منهم كيف يكون إعطاء تلك القدرة لارواح الكمّل محلّ تعجّب وما الحاجة إلى بدن آخر ومن هذا القبيل ما نقل عن بعض أولياء الله تعالى من أنّهم يحضرون في أمكنة متعدّدة في ساعة واحدة ويقع عنهم أمور متباينة وههنا أيضا لطائفهم متشكّلة بأشكال متباينة ومتجسّدة بأجساد مختلفة وكذلك حال من هو متوطّن في الهند من الاعزّة ولم يخرج من وطنه فجاء جماعة من مكّة المعظّمة وقالوا رأينا الشّيخ الفلانىّ في حرم مكّة المكرّمة مشيرين إلى ذلك الشّخص من الاعزّة وجرى بيننا وبينه كيت وكيت وقالت جماعة أخرى نحن رأيناه في الرّوم ورآه طائفة أخرى في بغداد كلّ ذلك تشكّل لطائف ذلك الشّيخ بأشكال مختلفة وربّما لا يكون لذلك الشّيخ اطّلاع على هذه التّشكّلات ولهذا يقول في جواب هذه الجماعات أحيانا كلّ ذلك تهمة علىّ أنا لم أخرج من البيت ولم أر حرم مكّة ولا أعرف الرّوم وبغداد ولا أدري من أنتم وكذا أرباب الحاجات يستمدّون من الاعزّة الاحياء والأموات في المخاوف والمهالك ويرون أنّ صور هؤلاء الاعزّة قد حضرت ودفعت عنهم البليّة فأحيانا يكون لهؤلاء الاعزّة اطّلاع على ذلك وأحيانا لا [ع] فهل لنا ولكم شيء سوى نسب وهذا أيضا تشكّل لطائف هؤلاء الاعزّة وهذا التّشكّل يكون أحيانا في عالم الشّهادة وأحيانا في عالم المثال كما أنّ الف إنسان يرون النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في المنام في ليلة واحدة بصورة مختلفة ويستفيدون منه صلّى الله عليه وسلّم أشياء هذا كلّه تشكّل صفاته ولطائفه صلّى الله عليه وسلّم وكذلك المريدون يستفيدون من صور الشّيوخ المثاليّة أشياء ويحلّون المشكلات والكمون والبروز اللّذان نقلا عن بعض المشائخ لا مساس لهما بالتّناسخ فإنّ تعلّق الرّوح بالبدن الثاني في التّناسخ إنّما هو لثبوت الحياة ولأجل حصول الحسّ والحركة لذلك البدن وفي البروز ليس تعلّق النّفس ببدن آخر لاجل حصول الغرض بل المقصود من هذا التّعلّق هو حصول الكمالات لذلك البدن ووصوله إلى الدرجات كما أنّ جنّيّا إذا تعلّق بفرد من أفراد الإنسان وبرز في شخصه ليس ذلك التّعلّق لاجل حصول الحياة لذلك الفرد فإنّه حىّ وحسّاس ومتحرّك قبل ذلك التّعلّق والذي يحدث فيه من هذا التّعلّق هو ظهور صفات ذلك الجنّىّ وحركاته وسكناته.

قسم V02/P146–V02/P147

والمشائخ المستقيمو الأحوال لا يتفوّهون بعبارة الكمون والبروز ولا يرمون به النّاقصين في البلاء والفتنة لا حاجة عند الفقير إلى الكمون والبروز أصلا بل لو أراد كامل أن يربّى ناقصا ينبغي أن يجعل بإقدار الله تعالى صفاته الكاملة منعكسة في المريد النّاقص وأن يجعل ذلك الإنعكاس ثابتا ومستقرّا ليخرج المريد النّاقص من النّقص إلى الكمال ويميل من الصّفات الرّذيلة إلى الصّفات الحميدة من غير أن يكون في البين كمون وبروز أصلا ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . وقال بعض آخر بنقل الارواح يقولون أنّه يحصل للرّوح بعد الكمال قدرة بحيث تترك بدنها لو شاء وتدخل في بدن آخر نقل أنّ واحدا من الاعزّة الذي كان له هذا الكمال وهذه القدرة لمّا توفّي في جواره شابّ ترك بدن نفسه الذي كان قد أدرك سنّ الشّيخوخة ودخل في بدن ذلك الشّابّ فصار بدنه الاوّل ميّتا وبدن الشّابّ حيّا وهذا القول مستلزم للتّناسخ لانّ تعلّق الرّوح بالبدن الثاني على هذا التّقدير إنّما هو لحصول الحياة لذلك البدن وإنّما الفرق بين هذا وبين التّناسخ أنّ القائل بالتّناسخ حاكم بنقص النّفس ويثبت التّناسخ لاجل تكميلها والذي هو قائل بنقل الرّوح يعتقد الرّوح كاملا ويثبت الإنتقال بعد كمال الرّوح وعند الفقير القول بانتقال الرّوح أسقط من القول بالتّناسخ فإنّ القائل بالتّناسخ اعتبر التّناسخ لاجل تكميل النّفوس وإن كان هذا الإعتبار باطلا وزعم انتقال الرّوح بعد حصول الكمال وإن لم يكن كمال أصلا فإذا تقرّر كون تبدّل الابدان لاجل تحصيل الكمالات فلاىّ شيء يكون الإنتقال إلى بدن آخر بعد حصول الكمال وأهل الكمال ليسوا بأرباب الهوس بل همّتهم بعد حصول الكمال التّجرّد عن الابدان لا التّعلّق بالابدان فإنّه قد حصل ما هو المقصود من التّعلّق وأيضا إنّ في انتقال الرّوح إماتة البدن الاوّل وإحياء البدن الثاني فلا بدّ للبدن الاوّل من حصول أحكام البرزخ كعذاب القبر وثوابه والبدن الثاني لمّا أثبتوا له الحياة الثانية ثبت في حقّه الحشر في الدنيا وأظنّ أن معتقدى انتقال الرّوح لا يقولون بعذاب القبر وثوابه ولا يعتقدون الحشر والنّشر فآه الف آه حيث انّ أمثال هؤلاء البطّالين جلسوا في مسند الشّيخوخة وصاروا مقتدى بهم لاهل الإسلام ضلّوا فأضلّوا رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام.

قسم V02/P147–V02/P148

(تذييل) في بيان بعض العلوم والمعارف الّتي تتعلّق بعالم المثال ينبغي أن يعلم: أنّ عالم المثال أوسع من جميع العوالم وكلّ ما هو في جميع العوالم له صورة في عالم المثال وللمعقولات والمعانى كلّها صورة فيه قيل انّ الحقّ سبحانه ليس له مثل ولكن له مثال ولله المثل الاعلى وقد كتب هذا الفقير في مكاتيبه كما أنّ لا مثل له تعالى في مرتبة التّنزيه الصّرف ليس له سبحانه مثال أيضا فَلا تَضْرِبُوا لله الْأَمْثالَ وانموذج عالم المثال في العالم الصّغير هو الخيال فإنّ صورة جميع الاشياء متصوّرة في الخيال والخيال هو الذي يرى كيفيّات أحوال السّالك ومقاماته بالتّصوير ويجعله من أرباب العلم فلو لم يكن الخيال أو كان قاصرا لزم الجهل ومن ههنا ليس فوق مرتبة الظّلال غير الجهل والحيرة فإنّ جولان الخيال إنّما هو في مراتب الظّلال وحيث لا ظلال فيه لا مجال للخيال فيه فإذا لم تكن الصّورة التّنزيهيّة في المثال كما مرّ كيف تتصوّر هي في الخيال الذي هو ظلّ المثال فلا جرم لا يكون ثمّة إلّا الجهل والحيرة وكلّ محلّ ليس فيه علم ليس فيه قيل وقال " من عرف الله كلّ لسانه " علامة ذلك وكلّ محلّ فيه علم فيه قيل وقال " من عرف الله طال لسانه " بيان ما هنالك فيكون طول اللّسان في مقام الظّلال وكلّ اللّسان فوق مراتب الظّلال فعلا كان أو صفة اسما كان أو مسمّي وكلّ ما هو منحوت الخيال فهو من الظّلال وكلّ ما هو من الظّلال فهو معلول وبعلّة الجعل مجعول وليس هو غير أن يكون من آثار المطلوب وعلاماته المفيدة لعلم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين كلاهما وراء الظّلال والخيال والخلاص من نحت الخيال إنّما يتيسّر إذا ترك السّير الانفسيّ أيضا كالسّير الآفاقيّ وراء الظّهر وجال في ما وراء الانفس والآفاق وهذا المعنى يتيسّر لاكثر الأولياء بعد الموت وما دامت الحياة باقية فالخيال متشبّث بإذيالهم ويتيسّر للأقلّين من الاكابر في هذه النّشأة فيخرجون من تصرّف سلطان الخيال مع وجود الحياة الدنيويّة ويعانقون المطلوب بلا نحت الخيال وجعله ففي هذا الوقت يصير التّجلّي البرقيّ دائميّا في حقّهم وتظهر مبادئ الوصل العريان. (شعر) هنيئا لارباب النّعيم نعيمها . وللعاشق المسكين ما يتجرّع (فإن قيل) قد يرى جماعة في الواقعات والمنامات في المثال أو الخيال أنّهم صاروا سلاطين ويعاينون خدّمهم وحشّمهم أو يرون أنّهم صاروا أقطابا وتوجّه إليهم جميع العالم وفي عالم اليقظة والإفاقة الذي هو عالم الشّهادة لا يظهر شيء من تلك الكمالات فهل لهذه الرّؤية وجه من الصّدق أو باطل محض (أجيب) انّ لهذه الرّؤية محلّا من الصّدق بيانه هو أنّ معنى السّلطنة والقطبيّة كائن في تلك الجماعة ولكنّه ضعيف فيهم غير لائق لان يظهر في عالم الشّهادة ثمّ بعد ذلك لا يخلو عن أحد الحالين امّا أن تحدث لهذا المعنى بعناية الله سبحانه قوّة ويصير لائقا لان يظهر في عالم الشّهادة فيصيرون بقدرة الله سبحانه سلاطين أو أقطابا وامّا أن لا تحدث له قوّة الظّهور في عالم الشّهادة فيكتفى بذلك الظّهور المثاليّ الذي هو أضعف الظّهورات ويظهر فيه على قدر قوّته. ومن هذا القبيل ما يراه طالبو هذا الطّريق من الواقعات حيث يجدون أنفسهم في مقامات عالية ويرون أنّهم تشرّفوا بمناصب أرباب الولاية فإن ظهر هذا المعنى في الشّهادة أيضا فهو دولة عظيمة وإن اكتفى بظهوره في المثال فلا حاصل فيه بل هو مصيبة فإنّ كلّ حائك وحجّام يرى نفسه في المنام سلطانا وليس له حاصل غير الخسارة والنّدامة فلا ينبغي اعتبار الواقعات وكلّ ما يتيسّر في الشّهادة فهو الغنيمة. (شعر) وإنّي غلام الشّمس أروى من الشّمس .

قسم V02/P148–V02/P150

ومالى وللّيل فأروى حديثه ومن ههنا لم يعتبر أكابر النّقشبنديّة الواقعات ولا يتوجّهون إلى توجيه وقائع الطّالبين وتعبيرها لكونها قليل الجدوى وإنّما المعتبر عندهم ما تيسّر في الإفاقة واليقظة ولهذا اعتبروا دوام الشّهود واعتقدوا الدولة استمرار الحضور والحضور الذي يقتفيه الغيبة ساقط عن حيّز الإعتبار عند هؤلاء الاكابر ومن ههنا صار نسيان ما سوى الله تعالى دائميّا في حقّهم وحضور الغير في قلبهم منفيّا في جميع الاوقات نعم إذا كانت النّهاية مندرجة في بداية شخص كيف يستبعد عنه هذه الكمالات رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ والسّلام. المكتوب التّاسع والخمسون إلى الخواجه محمّد عبد الله ولد شيخه سلّمه الله في بيان أنّ المعقول والموهوم والمكشوف والمشهود كلّها داخلة في السّوى وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة الّتي أرسلها قرّة العين وقد اندرج فيها أنّ تلك الشّعابذة قد زالت وارتفعت بكرم الله سبحانه وتعالى ولم يبق منها شيء والهمّة مصروفة في أن لا يحصل شيء من الإثبات والمعقول والموهوم كلّه داخل تحت كلمة لا كذا وكذا وكتبتم أنّ هذا المعنى حاصل بالتّكلّف والمرجوّ أن يكون نصيبا من غير تكلّف (أيّها النّجيب) إنّ المعقول والموهوم بل المكشوف والمشهود آفاقيّا أو أنفسيّا كلّه داخل في السّوى ومن جملة اللهو واللّعب وليس التّعلّق به غير التّعلّق بالشّعابذة وزوال هذه التعلّقات لو كان بالتّكلّف فهو داخل في الطّريقة ومن جملة علم اليقين فإن تيسّرت هذه الدولة بعد اللّتيا واللّتى بلا تكلّف وتبدّل حال التّكلّف في نفي السّوى بانتفائه بنفسه فقد خرج من مضيق الطّريقة وسكّة العلم وتشرّف بالفناء وهذا المعنى يسير في التّكلّم وعسير بحسب الوصول إليه أيّ عسير إلّا من يسّره الله سبحانه والأمور الّتي تتعلّق بالحقيقة فهي في الأمام وبعد المرور من النّفي بل بعد مجاوزة مقام الإنتفاء مقام الإثبات وما وراء العلم والعين (اعلم) أنّه لا اعتداد بالطّريقة في جنب الحقيقة ولا اعتبار للنّفى بالنّسبة إلى الإثبات أصلا فإنّ متعلّق النّفى هو الممكنات ومتعلّق الإثبات هو الواجب سبحانه والنّفى يرى في النّظر في جنب الإثبات كقطرة في جنب البحر المحيط وبحصول هذا النّفي وذاك الإثبات يوصّل إلى الولاية الخاصّة وبعد حصول الولاية الخاصّة إمّا العروج وإمّا النّزول وإن كان النّزول لذلك العروج لازما أيضا رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ السّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه الصّلاة والسّلام. المكتوب السّتّون إلى محمّد تقى في بيان أنّ اللّازم صرف العنان عن فضوليّات الدين والإشتغال بضروريّات الدين وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد تشرّفت بمطالعة الصّحيفة الشّريفة وقد اندرجت فيها الدلائل الّتي وفّقتم لاقامتها وترتيبها في باب خلافة الصّدّيق رضي الله عنه الّتي ثبتت بإجماع أهل الحلّ والعقد من الصّدر الاوّل الذي هو خير القرون وفي باب فضليّة الخلفاء الرّاشدين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين الّتي هي على ترتيب خلافتهم ونعتها وفي باب ملازمة السّكوت عن منازعات أصحاب خير البشر ومشاجراتهم عليه وعليهم الصّلاة والسّلام فأورث ذلك فرحا وافرا وهذا الإعتقاد كاف في بحث الإمامة وموافق لاعتقاد أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم (أيّها المخدوم المشفق) انّ بحث الإمامة من فروع الدين لا من أصوله وضروريّات الدين غير ذلك الذي يتعلّق بالإعتقاد والعمل ممّا تكفّل علم الكلام وعلم الفقه ببيانه والإشتغال بالفضوليّات بترك الضّروريّات صرف العمر فيما لا يعني.

قسم V02/P150–V02/P151

وقد ورد في الخبر " علامة إعراضه تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه " فلو كان بحث الإمامة من ضروريّات الدين وأصول الشّريعة كما زعمت الشّيعة لكان ينبغي أن يعيّن الحقّ تعالى في كتابه المجيد من يستحقّ الإستخلاف وان يشخّص الخليفة وان يأمر النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم أيضا بخلافة واحد وان يجعل الواحد خليفة بالتّنصيص والتّصريح ولمّا لم يفهم الإهتمام في هذا الامر من الكتاب والسّنّة علم أنّ بحث الإمامة من فضول الدين لا من أصوله والفضوليّ يشتغل بالفضول مع انّ امامه كثيرا من ضروريّات الدين بحيث لو اشتغل بها لما وصلت النّوبة إلى الفضول أوّلا لا بدّ من تصحيح الإعتقاد الذي يتعلّق بذات الواجب وصفاته وأفعاله تعالى وينبغي الإعتقاد أيضا أنّ ما جاء به النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من عند الحقّ جلّ وعلا وما علم من الدين بالضّرورة والتّواتر من الحشر والنّشر والعذاب والثواب الأخرويّين الدائميّين وسائر السّمعيّات كلّه حقّ ليس في شيء منها احتمال التّخلّف فإن لم يكن هذا الإعتقاد فلا نجاة وثانيا لا بدّ من إتيان الاحكام الفقهيّة أيضا من أداء الفرائض والواجبات بل من أداء السّنن والمستحبّات ينبغي حسن رعاية الحلّ والحرمة الشّرعيّين والإحتياط في حفظ حدود الشّريعة حتّى يرجى الفلاح والخلاص من عذاب الآخرة فإذا صحّح الإعتقاد والعمل وصلت النّوبة إلى الدخول في طريق الصّوفيّة ورجاء حصول كمالات الولاية وبحث الإمامة بالنّسبة إلى ضروريّات الدين كالمطروح في الطّريق. غاية ما في الباب أنّ المخالفين لمّا غالوا في هذا الباب وطعنوا في أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات يورد في ردّهم بالضّرورة مقدّمات طويلة الذّيل لكون دفع لزوم الفساد من الدين المتين من ضروريّات الدين والسّلام. المكتوب الحادي والسّتّون في تعزية أصحاب المرحوم مولانا أحمد البركيّ وفي نصيحتهم وجعل مولانا الحسن رئيس حلقتهم وما يناسب ذلك. بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات أنهي أنّ وجود المرحوم المغفور له مولانا أحمد عليه الرّحمة في هذا الوقت كان للمسلمين آية من آيات الله جلّ وعلا ورحمة من رحماته تعالى اللهمّ لا تحرمنا أجره ولا تفتنّا بعده. الإمداد والإعانة للماضين مأمول ومسئول من الاصحاب والأحباب وخدمة أولاد المرحوم ومتعلّقاته واستمالة قلوبهم وتسلية خواطرهم واجبة على المحبّين؛ فينبغي سعيهم في أن يقرأ أولاد المرحوم وأن يكونوا متحلّين بالعلوم الشّرعيّة وليكافئوا إحسان المرحوم بالإحسان إلى أولاده هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلّاَ الْإِحْسانُ وينبغي رعاية أطوار المرحوم وأوضاعه وأحواله وأوقاته وأن تشتغلوا بالذّكر والحلقة لئلّا يقع الفتور وأن يقعد الاصحاب مجتمعين فإنّ كلّ واحد في الآخر ليظهر أثر الصّحبة وقد كتب هذا الفقير قبل ذلك على سبيل الإتّفاق بأنّ مولانا لو اختار سفرا ينبغي أن ينصب الشّيخ الحسن مكانه فكان المراد منه على وفق القضاء هذا السّفر والآن أيضا ألاحظ في هذا الامر مكرّرا وأجد الشّيخ الحسن متعيّنا في هذا الامر ولا يثقل هذا المعنى على بعض الاصحاب فإنّه ليس باختيارنا ولا باختيارهم والإنقياد لازم ولطريق الشّيخ الحسن مناسبة كثيرة بطريق مولانا والنّسبة الّتي أخذها مولانا من هذا الجانب في الآخر للشّيخ الحسن شركة معه فيها والأصحاب الباقون قليلوا النّصيب منها وإن حصل لهم كشف وشهود وصاروا متحلّين بالتّوحيد والإتّحاد ولكنّ هذه الدولة أمر آخر لا يشترون الكشوف والشهود هناك على شعيرة ويستغفرون من ذلك التّوحيد والإتّحاد وبالجملة ينبغي أن لا يتوقّف الاصحاب في تقديم الشّيخ الحسن وأن يشتغلوا بأمرهم جاعلين إيّاه رئيس حلقتهم وليفهم أخونا الخواجه أويس هذا المعنى للأصحاب وليدلّهم على الإشتغال بعقد الحلقة والصّحبة ويرغّبهم في الشّيخ الحسن وينبغي للشّيخ الحسن أيضا حفظ خواطر الشّركاء والرّفقاء، وأداء حقوق الاخوّة، وأن لا يفارق مطالعة الكتب الفقهيّة وأن يجتهد في نشر الاحكام الشّرعيّة وأن يرغّب في متابعة السّنّة السّنيّة وأن يحذّر عن البدعة الشّنيعة وأن لا يعدل عن طريق الالتجاء والتّضرّع والإنكسار لئلّا يلقى النّفس الامّارة من جهة الرّياسة والتّقدّم على الاقران في المهلكة والحالة السّيّئة وليعتقد نفسه في جميع الاوقات وسائر الحالات قاصرا وناقصا وليكن طالبا لكماله والنّفس والشّيطان عدوّان قويّان في الكمين فلا يخرجان من الطّريق خائبا وخاسرا.

قسم V02/P151–V02/P153

(شعر) وذلك من نصحي لكم إن قبلتموا . نجوتم وإلّا فافعلوا ما بدا لكم وبلاد الهند بعيد عنكم والقافلة ترد وتذهب بالأخبار في سنة مرّة واحدة فينبغي كتابة الأحوال فإن لم تقدروا على الوصول فلا تغفلوا عن الكتابة. والشّيخ يوسف قريب منّا وكان هنا مدّة وأخذ فوائد جمّة واطّلع على حقيقة الفناء ورجع إلى وطنه بميعاد المجيء ثانيا وهو رجل مستعدّ وصادق الإخلاص والله سبحانه الموفّق. وحيث نأيتم عنّا يبالغ في النّصيحة تيقّظوا وتنبّهوا واعتقدوا الرّياسة بلاء الرّوح وكونوا خائفين ووجلين مشفقين من حدوث لذّة في هذه الرّياسة فتنجرّ إلى الهلاك الابديّ. رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعالَمِينَ المكتوب الثاني والسّتّون إلى خان خانان في بيان أنّ الإنسان مدنيّ الطّبع مجبول على التّمدّن ومحتاج إلى بني نوعه في تعيّشه وحسن الإنسان أيضا في هذا الإحتياج وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى نسأل الله سبحانه وتعالى ترقّياتكم الصّوريّة والمعنويّة فإنّ خيريّتكم وصلاحكم متضمّنة لجمعيّة جميع المسلمين ورفاهيتهم والدعاء لكم داء لجميع المسلمين سلّمكم الله سبحانه عمّا لا يليق بجنابكم بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم وعلى آل كلّ من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها وحيث أعلم أنّ نسبة محبّتكم وإرادتكم وإخلاصكم لاكابر النّقشبنديّة العليّة قدّس الله تعالى أسرارهم على وجه الاتمّ والأكمل فبناء على ذلك نصير باعثا على تصديعكم (أيّها المخدوم المكرّم) إنّ أهل هذه السّلسلة العليّة وقعوا في هذه الديار غرباء ومناسبة أهل هذه الديار لطريقة هؤلاء الاكابر الذين هم ملتزمون للسّنّة بواسطة شيوع البدعة في هذه الديار قليلة ومن ههنا اخترع بعض أهالي هذه السّلسلة بواسطة قصور نظره في هذه الطّريقة العليّة أيضا بدعات وجذب قلوب النّاس بعلاقة ارتكاب تلك البدعات إلى جانبه وظنّ هذا العمل بزعمه تكميلا لهذه الطّريقة العليّة حاشاها من ذلك وكلّا بل هؤلاء الجماعة يجتهدون في تخريب الطّريقة وتضييعها ولم يدركوا حقيقة معاملة أكابر هذه الطّائفة هداهم الله سبحانه سواء الصّراط وحيث إنّ أهل هذه السّلسلة العليّة عزيز والوجود في هذه الديار ينبغي لمريدي هذه السّلسلة ومحبّيهم إمداد هؤلاء الاكابر وطلبة هذه الطّريقة وإعانتهم فإنّ الإنسان مدنيّ الطّبع مجبول على التّمدّن محتاج في تعيّشه إلى بني نوعه قال الله تبارك وتعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ الله ومَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فإذا كان في كفاية مهمّات خير البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات دخل للمؤمنين فما المضايقة على الآخرين وأكثر أغنياء هذا الوقت يزعمون الدروشة في عدم الإحتياج وليس كذلك فإنّ الإحتياج ذاتيّ لجميع الممكنات بل حسن الإنسان هو في هذا الإحتياج وذلّ العبوديّة ناش من هذه الجهة فانّه لو زال الإحتياج فرضا عن الإنسان وحصل له الإستغناء لا يكون فيه غير العصيان والعناد والطّغيان قال الله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى . غاية ما في الباب انّ الفقراء لتخلّصهم عن التّعلّق بالأغيار يحيلون الإحتياج إلى الاسباب على مسبّب الاسباب ويرون الدولة المبذولة العامّة من خوان نعمته تعالى ويعتقدون أنّ المانع والمعطي في الحقيقة هو الله تعالى وحيث أوردت الاسباب في البين بواسطة حكم ومصالح ونسب الحسن والقبح إليها يجعل هؤلاء الاكابر أيضا الشّكر والشّكاية راجعين إليها ويرون الحسنة والسّيّئة منها فإنّهم لو لم يعتبروا الاسباب لابطلوا معاملة عظيمة رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ ووجود معدن الحقائق والمعارف أخي الاعزّ السّيّد مير محمّد نعمان مغتنم في تلك الحدود ودعاؤه وتوجّهه كبريت أحمر وأظنّ أنّ بركات توجّهاته وفيوضها قوائم دولتكم وأجده في الحضور والغيبة ممدّكم ومعاونكم.

قسم V02/P153–V02/P155

وقد كتب المرقوم قبل هذا بسنة من محاسنكم إلى الفقير وأدرج فيما كتب محبّتكم وإخلاصكم للفقراء وأظهر فيه أنّه قد فوّض تولية هذه الولاية إلى آخر فهذا الوقت وقت التّوجّه والمدد فحصل للفقير في أثناء مطالعة ذلك المكتوب توجّه في هذا الباب فوجدتكم في ذلك الوقت رفيع القدر والظّاهر أنّه قد كان في تلك السّاعة شخص متوجّها إلى تلك الجهة فكتبت في جواب ذلك المكتوب هذه العبارة: أنّ خان خانان يظهر في النّظر رفيع القدر والأمر عند الله سبحانه. المكتوب الثالث والسّتّون إلى نور محمّد الانباليّ في جواب استفساره بأنّه إذا حضر الطّالب لطلب الحقّ جلّ وعلا عند شيخ آخر مع وجود شيخه هل يجوز له ذلك أو لا؟ بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات أنهي أنّ المكتوب المرسل قد وصل وسألت أنّه مع وجود حياة الشّيخ إذا حضر الطّالب عند شيخ آخر لطلب الحقّ جلّ وعلا هل يجوز له ذلك أو لا؟ (اعلم) أنّ المقصود هو الحقّ سبحانه والشّيخ وسيلة الوصول إلى جناب الحقّ تعالى فإن رأى الطّالب رشده عند شيخ آخر ووجد قلبه في صحبته حاضرا مع الحقّ يجوز أن يحضر عنده في حياة شيخه الاوّل بلا إذنه ويطلب منه رشده؛ ولكن ينبغي أن لا ينكر شيخه الاوّل ولا يذكره إلّا بخير خصوصا في هذا الوقت فإنّه لم يبق فيه المريديّة والشّيخوخة غير الرّسم والعادة فإذا لم يكن لشيوخ هذا الوقت خبر عن أنفسهم ولا يقدرون أن يفرّقوا بين الإيمان والكفر فكيف يكون لهم خبر عن الله عزّ وجلّ وعلى أيّ طريق يدلّون المريد. (شعر) من لم يكن ذا خبرة عن نفسه . لا يقدر الإخبار عن هذا وذا يا ويح مريد يقعد عند مثل هذا الشّيخ معتقدا له ولا يرجع إلى غيره ولا يعرف طريق الحقّ جلّ وعلا وهذا من الخطرات الشّيطانيّة الواردة من جهة الشّيخ النّاقص لمنع الطّالب عن طلب الحقّ سبحانه كلّ موضع رأى الطّالب رشده وجمعيّة قلبه فيه ينبغي الرّجوع فيه بلا توقّف وأن تستعيذ من الوساوس الشّيطانيّة. المكتوب الرّابع والسّتّون إلى محمّد مؤمن ولد المرحوم الخواجه علي جان في بيان أنّه ينبغي أن لا يضيق الصّدر عن تلوّن الأحوال وعدم حصول الآمال الدنياويّة الدنيّة. بسم الله الرّحمن الرّحيم سلّمكم الله سبحانه عمّا لا يليق بحالكم (اعلموا) أنّ الدنيا سجن المؤمن والمناسب لحال السّجن هو الوجع والألم والمصيبة ولا ينبغي التضجّر والجزع من تلوّن الأحوال وعدم حصول الآمال فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا فقرن الله سبحانه بعسر واحد يسرين ويشبه أن يكون المراد منهما يسرى الدنيا والآخرة (ع) لا عسر في أمر مع الكرام وباقي أحوال هذه الحدود يبيّنها السّيّد عبد الباقي بالمشافهة والمشار إليه متوجّه لملاقاتكم مراعاة لحقوقكم وإشفاقا عليكم. المكتوب الخامس والسّتّون إلى مولانا محمّد هاشم الخادم في التّحذير عن الإشتغال بأمور لا طائل فيها بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدعوات أنهي أنّكم ما كتبتم في هذه المدّة عن أحوالكم الباطنيّة خبرا معتدّا به حتّى يكون باعثا على الفرح وأمور الدنيا ممّا لا طائل فيها ولا قدر للدّنيا وما فيها حتّى يشتغل الإنسان بحشويّاتها تاركا لتذكّر أحوال الآخرة وإن كانت نيّتكم نيّة خير لكنّكم قد سمعتم أنّ حسنات الابرار سيّئات المقرّبين وعلى كلّ حال ينبغي التّوجّه إلى الأحوال والاشتغال بالطّفيليّ بقدر الضّرورة فإنّ الضّرورة تقدّر بقدرها لله سبحانه الحمد والمنّة. إنّ فقراء هذه الحدود وإن لم يكن لهم رزق معلوم؛ ولكنّهم يصرفون الاوقات بالفراغة والوسعة من غير سعي في أمر الرّزق ولا اجتهاد ونصيبهم يصيبهم زيادة على قدر الكفاف والرّزق هو نقد الوقت وباقي أحوال هذه الحدود مستوجب للحمد وفي هذه الاشهر عاد الوباء ثانيا ومات من جاء أجله وقد ارتفع الآن لله سبحانه الحمد والمنّة على جميع النّعماء والسّلام.

قسم V02/P155–V02/P157

المكتوب السّادس والسّتّون إلى خانخانان في بيان التّوبة والإنابة والورع والتّقوى وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وحيث صرفنا العمر العزيز في المعاصي والزّلات والتّقصيرات والهفوات يستحسن أن نتكلّم عن التّوبة والإنابة والورع والتّقوى قال الله تبارك وتعالى وتُوبُوا إلى الله جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى الله تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ويُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقال تعالى وذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وباطِنَهُ فالتّوبة من الذّنوب واجبة وفرض عين في حقّ كلّ شخص لا يتصوّر أن يستغنى عنها أحد من البشر كيف والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام لم يستغنوا عن التّوبة قال خاتمهم وسيّدهم عليه وعليهم صلوات الله وتحيّاته " انّه ليغان على قلبي وإنّي لاستغفر الله في اليوم واللّيلة سبعين مرّة " فإن كانت المعاصي تتعلّق بحقّ الله تعالى ولا تتعلّق بحقوق العباد من المظالم كالزّنا وشرب الخمر وسماع الملاهي والنّظر إلى غير محرم ومسّ المصحف بغير وضوء واعتقاد بدعة فالتّوبة عنها بالنّدم والإستغفار والتّحسّر والإعتذار إلى الله عزّ وجلّ ولو ترك فرض من الفرائض لا بدّ في التّوبة من أدائه وإن كانت المعاصي تتعلّق بمظالم العباد فتوبتها بردّ المظالم إليهم والإستحلال منهم والإحسان إليهم والدعاء لهم وإن كان صاحب المال والعرض ميّتا فالإستغفار والإحسان وردّ المال إلى أولاده وورثته وإن لم يعلم له وارث يتصدّق بقدر المال والجناية على الفقراء والمساكين بنيّة صاحب المال والذي اوذي بغير حقّ قال عليّ كرّم الله وجهه " سمعت أبا بكر رضي الله عنه يقول وهو الصّادق: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " ما من عبد أذنب ذنبا فقام فتوضّأ وصلّى واستغفر الله من ذنبه الّا كان حقّا على الله أن يغفر له» لانّه يقول جلّ وعلا (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثمّ يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما) وقال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام في حديث آخر " من أذنب ذنبا ثمّ ندم عليه فهو كفّارة» . وفي الخبر " إنّ الرّجل إذا قال: أستغفرك وأتوب إليك ثمّ عاد ثمّ قالها ثمّ عاد ثلاث مرّات كتب في الرّابعة من الكبائر» . وفي الحديث النّبويّ أنّه قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " هلك المسوّفون يقولون سوف نتوب». أوصى لقمان الحكيم لإبنه " يا بنيّ لا تؤخّر التّوبة إلى غد فإنّ الموت يأتيك بغتة». قال مجاهد : «من لم يتب إذا أصبح وأمسى فهو من الظّالمين». قال عبد الله بن المبارك : رحمه الله سبحانه " ردّ فلس من الحرام أفضل من مائة فلس يتصدّق به " وقيل " ردّ دانق من فضّة أفضل عند الله من ستّمائة حجّة مبرورة " رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ.

قسم V02/P157–V02/P159

عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال " إنّ الله تعالى يقول " عبدي أدّ ما افترضت عليك تكن أعبد النّاس وانته عمّا نهيتك عنه تكن من أورع النّاس واقنع بما رزقتك تكن أغنى النّاس» وقال صلّى الله عليه وسلّم لابي هريرة رضي الله عنه " كن ورعا تكن أعبد النّاس " وقال الحسن البصريّ رحمه الله " مثقال ذرّة من الورع خير من الف مثقال من الصّوم والصّلاة " وقال أبو هريرة رضي الله عنه: «جلساء الله غدا اهل الورع والزّهد أوحى الله إلى موسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام لا يتقرّب إليّ المتقرّبون بمثل الورع» قال بعض العلماء بالله لا يتمّ الورع إلّا أن يرى عشرة أشياء فريضة على نفسه أوّلها: حفظ اللّسان عن الغيبة والثاني: الإجتناب عن السّخرية والثالث: الإجتناب عن سوء الظّنّ والرّابع: غضّ النّظر عن المحارم والخامس: صدق اللّسان والسّادس: أن يعرف منّة الله كيلا يعجب بنفسه والسّابع: أن ينفق ماله في الحقّ ولا ينفقه في الباطل والثامن: أن لا يطلب لنفسه العلوّ والكبر والتّاسع: المحافظة على الصّلوات والعاشر: الإستقامة على السّنّة والجماعة " رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (أيّها المخدوم المكرّم المشفق الأكرم) إن تيسّرت التّوبة عن جميع الذّنوب وحصل الورع والتّقوى من جميع المحرّمات والمشتبهات فذلك نعمة عظيمة ودولة قصوى وإلّا فالتّوبة من بعض الذّنوب والورع من بعض المحرّمات أيضا مغتنمة؛ ولعلّ بركات ذلك البعض وأنواره تسري في الابعاض الاخر ويتيسّر التّوفيق للتّوبة والورع من سائر المعاصي أيضا وما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه اللهمّ وفّقنا لمرضاتك وثبّتنا على دينك وعلى طاعتك بحرمة سيّد المرسلين وقائد الغرّ المحجّلين عليه وعليهم وعلى آل كلّ من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها. المكتوب السّابع والسّتّون إلى خانجهان في بيان عقائد أهل السّنّة والجماعة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين مع بيان الاركان الخمسة الإسلاميّة والتّحريض على إسماع الكلمة الحقّة يعني كلمة الإسلام على سمع سلطان الوقت بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة المرسلة باسم الفقراء المنقطعين على وجه الكرم والإلتفات حمدا لله سبحانه على حصول الإلتفات والتّواضع للأغنياء ذوي السّعادة في مثل هذا الزّمان المملوّ من الشّبه والإشتباه إلى الفقراء الذين لا حاصل لهم مع عدم المناسبة وحصول الإيمان لهم من حسن النّشأة الذي فيهم بهذه الطّائفة يا لها من نعمة عظيمة حيث لم تكن التّعلّقات الشّتّى مانعة عن حصول هذه الدولة ولم يعاوق التّوجّهات المتفرّقة عن محبّة هؤلاء القوم ينبغي أداء شكر هذه النّعمة العظمى كما حقّه وأن يكون راجيا " المرء مع من أحبّ " حديث نبويّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام (أيّها) السّعيد النّجيب لا بدّ للإنسان من تصحيح العقائد بموجب آراء الفرقة النّاجية أهل السّنّة والجماعة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين الذين هم السّواد الاعظم والجمّ الغفير حتّى يتصوّر الفلاح الاخرويّ والنّجاة الابدية وخبث الإعتقاد الذى هو مخالفة معتقدات اهل السّنّة سمّ قاتل موصّل إلى الموت الأبديّ والعذاب السّرمديّ والمداهنة في العمل والمساهلة فيه يرجى فيها المغفرة وأمّا المداهنة في الإعتقاد فلا مجال فيها للمغفرة إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ (ولنورد) معتقدات أهل السّنّة بلسان الإيجاز والإختصار ينبغي تصحيح الإعتقاد بمقتضاها وأن يسأل الحقّ سبحانه بالتّضرّع والإبتهال الإستقامة على هذه الدولة.

قسم V02/P159–V02/P160

(اعلم) أنّ الله تعالى موجود بذاته القديمة وسائر الاشياء صارت موجودة بإيجاده سبحانه وخرجت من العدم إلى الوجود بتخليقه وهو تعالى قديم أزليّ والأشياء كلّها حادثة وموجودة بعد أن لم تكن وكلّ ما هو قديم أزليّ فهو باق وأبديّ وكلّ ما هو حادث ومسبوق بالعدم فهو فان ومستهلك يعني: في شرف الزّوال وهو سبحانه واحد لا شريك له لا في وجوب الوجود ولا في استحقاق العبادة لا يليق وجوب الوجود لغيره تعالى ولا يستحقّ العبادة سواه سبحانه وله تعالى صفات كاملة فمنها الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسّمع والبصر والكلام والتّكوين كلّها متّصفة بالقدم والأزليّة وقائمة بحضرة الذّات تعالت وتقدّست والتّعلّقات الحادثة لا تورث خللا في قدم الصّفات وحدوث المتعلّق لا يصير مانعا لازليّتها واستدلّت الفلاسفة من نقصان عقولهم والمعتزلة من عمايتهم وغوايتهم بحدوث المتعلّق على حدوث المتعلّق ونفوا الصّفات الكاملة وعلمه تعالى بالجزئيّات لاستلزامه التغيّر الذي هو من أمارات الحدوث ولم يعلموا أنّ الصّفات تكون أزليّة وتكون تعلّقاتها بالمتعلّقات الحادثة حادثة ونقائص الصّفات مسلوبة عن جناب قدسه تعالى وهو تعالى منزّه عن صفات الجواهر والأجسام والأعراض ولوازمها لا مجال للزّمان والمكان والجهة في حضرته تعالى وهذه كلّها مخلوقاته تعالى. وزعم جماعة ممّن لا خبر لهم أنّه تعالى فوق العرش وأثبتوا له سبحانه جهة الفوق والعرش وما سواه ممّا حواه كلّها حادثة ومخلوقاته تعالى وكيف يكون للمخلوق الحادث مجال أن يكون مكانا للخالق القديم ومقرّا له ولكنّ العرش أشرف مخلوقاته والنّورانيّة والصّفاء أزيد فيه منها في غيره من الممكنات فلا جرم له حكم المرآتيّة لان يظهر عظمة الخالق وكبرياءه جلّ وعلا فيه ظهورا بيّنا وبعلاقة هذا الظّهور يقال له عرش الله وإلّا فالعرش وغيره كلّه متساو بالنّسبة إليه تعالى وكلّه مخلوقه تعالى ولكن للعرش قابليّة الإراءة وليست هي لغيره ألا ترى أنّ المرآة الّتي ترى صورة إنسان لا يقال إنّ ذلك الإنسان في المرآة بل نسبة هذا الإنسان إلى المرآة ونسبته إلى غيره من الاشياء المتقابلة إليه متساوية وإنّما التّفاوت من جهة القابليّة وعدمها حيث انّ في المرآة قابليّة انطباع الصّورة وليست هذه القابليّة في غيرها وهو تعالى ليس بجسم ولا جسمانيّ ولا جوهر ولا عرض ولا محدود ولا متناه ولا طويل ولا عريض ولا قصير ولا ضيّق بل واسع لا بالوسعة الّتي تدرك بأفهامنا ومحيط لا بالإحاطة الّتي تكون مدركا بإدراكنا وقريب لا بالقرب الذي يتعقّل بعقولنا وهو تعالى معنا لا بالمعيّة المتعارفة نؤمن بأنّه تعالى واسع ومحيط وقريب وأنّه معنا ولكن لا نعرف كيفيّات هذه الصّفات ما هي وكلّ ما نعرف من كيفيّات هذه الصّفات نعرف أنّ له قدما في مذهب المجسّمة وهو تعالى لا يتّحد بشيء أصلا ولا يتّحد معه شيء ولا يحلّ فيه تعالى شيء قطعا ولا يكون هو تعالى حالا في شيء والتجزّي والتّبعّض محالان في جناب قدسه تعالى والتّركيب والتّحليل ممنوعان في حضرته تعالى وليس له تعالى كفؤ ولا مثل ولا صاحبة له ولا ولد وهو تعالى منزّه في ذاته وصفاته عن الكيف والشّبه والمثال ومبلغ علمنا فيه أنّه تعالى موجود وبالأسماء والصّفات الكاملة الّتي وصف بها نفسه وأثنى موصوف ولكن كلّ ما يدرك منها بأفهامنا وإدراكنا ويتصوّر بعقولنا فهو تعالى منزّه عنه ومتعال كما مرّ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (شعر) وما فاه أرباب النّهى والحجى بما . سوى أنّه الموجود لا ربّ غيره (ينبغي) أن يعلم: أنّ أسماء الله تعالى توقيفيّة يعني أنّ إطلاقها عليه تعالى موقوف على السّماع من صاحب الشّرع كلّ اسم ورد إطلاقه في الشّرع على حضرة الحقّ سبحانه يجوز إطلاقه عليه تعالى وما لا فلا وإن كان معنى الكمال مندرجا في ذلك الإسم فيجوز إطلاق الجواد لوروده في الشّرع ولا يجوز إطلاق السّخّيّ لعدم وروده.

قسم V02/P160–V02/P162

والقرآن كلام الله تعالى أنزل على نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام متلبّسا بلباس الحرف والصّوت وأمر به عباده ونهاهم فكما نحن نظهر كلامنا النّفسيّ بتوسّط الفم واللّسان في لباس الحروف والأصوات ونورد به مقاصدنا الخفيّة في عرصة الظّهور كذلك الحقّ سبحانه أظهر كلامه النّفسيّ لعباده في لباس الحرف والصّوت بقدرته الكاملة بلا توسّط فم ولسان وأجلى أوامره ونواهيه الخفيّة في ضمن الحرف والصّوت على منصّة الظّهور فكلا قسمي الكلام كلام الحقّ جلّ وعلا يعني: النّفسيّ واللّفظيّ وإطلاق الكلام على كلا القسمين بطريق الحقيقة كما أنّ كلا قسمي كلامنا النّفسيّ واللّفظيّ كلام بطريق الحقيقة لا انّ القسم الاوّل حقيقة والثاني مجاز فانّ نفى المجاز جائز ونفى الكلام اللّفظيّ وإنكار كونه كلام الله تعالى كفر وكذلك سائر الكتب والصّحف الاخرى الّتي أنزلت إلى الانبياء المتقدّمين على نبيّنا وعليهم الصّلوات والتّسليمات كلّها كلام الله سبحانه وكلّ ما اندرج في القرآن وفي تلك الكتب والصّحف أحكام الله تعالى كلّف بها عباده على وفق الاوقات والأزمان (ورؤية المؤمنين) الحقّ سبحانه في الجنّة من غير جهة ومقابلة وبلا كيف وإحاطة حقّ نؤمن بتلك الرّؤية الاخرويّة ولا نشتغل بكيفيّتها فإنّ رؤيته تعالى لا كيفيّة لا يظهر لارباب الكيف والمثال في هذه النّشأة من حقيقتها شيء ولا نصيب لهم منها غير الإيمان بها فيا خسارة الفلاسفة والمعتزلة وسائر الفرق المبتدعة حيث ينكرون الرّؤية الاخرويّة من العمى والحرمان ويقيسون الغائب على الشّاهد ولا يشرّفون بالإيمان بها وهو تعالى كما أنّه خالق العباد كذلك هو تعالى خالق أفعالهم أيضا خيرا كان فعلهم أو شرّا وكلّها بتقدير الله تعالى ولكنّه راض عن الخير غير راض عن الشّرّ وإن كان كلاهما بإرادته ومشيئته تعالى ولكن ينبغي أن لا ينسب الشّرّ وحده إليه تعالى بواسطة الادب وأن لا يقول خالق الشّرّ بل ينبغي أن يقول: خالق الخير والشّرّ كما قال العلماء: ينبغي أن يقول: إنّه تعالى خالق كلّ شيء ولا ينبغي أن يقول: خالق القاذورات والخنازير لرعاية أدب جناب قدسه تعالى والمعتزلة من الثنويّة الّتي فيهم يزعمون أنّ خالق أفعال العباد هو العباد وينسبون فعل الخير والشّرّ إليهم والشّرع والعقل يكذّبانهم نعم قد جعل علماء الحقّ دخلا لقدرة العبد في فعله وأثبتوا فيه الكسب فإنّ الفرق بين حركة المرتعش وحركة المختار واضح لانّه لا مدخل للقدرة والكسب في حركة الإرتعاش وفي حركة الإختيار مدخل لهما وهذا القدر من الفرق يكون باعثا على المؤاخذة ومثبتا للثّواب والعقاب وأكثر النّاس متردّدون في وجود القدرة والكسب والإختيار في العبد ويزعمون العبد مضطرّا وعاجزا وهم لم يفهموا مراد العلماء فإنّ إثبات القدرة والإختيار في العبد لا بمعنى أنّه يفعل كلّ ما يريد ولا يفعل كلّ ما لا يريد فإنّ التّقوّل بذلك بعيد عن العبوديّة بل بمعنى أنّ العبد يقدر أن يخرج عن عهدة جميع ما أمر به مثلا أنّه يقدّر أن يؤدّي الصّلوات الخمس ويقدّر إعطاء الزّكاة واحدا من الاربعين ويقدّر صوم شهر من اثني عشر شهرا ويقدّر أن يحجّ مرّة واحدة في عمره من الإستطاعة إلى الزّاد والرّاحلة وعلى هذا القياس باقى الاحكام الشّرعيّة قد راعى الحقّ سبحانه فيها من كمال الرّأفة السّهولة واليسر لضعف العبد وقلّة اقتداره قال الله تعالى يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وقال تعالى أيضا يُرِيدُ الله أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا يعني: يريد أن يخفّف عنكم ثقل التّكليفات الشّاقّة وخلق الإنسان ضعيفا لا يصبر عن الشّهوات ولا يقدر أن يتحمّل التّكليفات الشّاقّة والأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات رسل الحقّ سبحانه إلى الخلق ليدعوهم اليه تعالى ويدلّوهم من الضّلالة على طريق الهداية كلّ من يقبل دعوتهم يبشّرونه بالجنّة وكلّ من ينكر يهدّدونه بعذاب جهنّم وما بلغوه من طرف الحقّ سبحانه وأعلموا به كلّه حقّ وصدق ليس فيه شائبة التّخلّف وخاتم الانبياء محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودينه ناسخ لجميع الاديان السّابقة وكتابه أفضل الكتب المتقدّمة ولا ناسخ لشريعته بل هي قائمة إلى قيام القيامة وينزل عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ويعمل بشريعته ويكون من جملة أمّته وما أخبر به صلّى الله عليه وسلّم من أحوال الآخرة كلّه حقّ من عذاب القبر وضغطة اللّحد وسؤال منكر ونكير فيه وفناء العالم وانشقاق السّموات وانتثار الكواكب وزوال الارض والجبال واندكاكها والحشر والنّشر وإعادة الرّوح إلى الجسد وزلزلة السّاعة وأهوال القيامة ومحاسبة الاعمال وشهادة الجوارح بالأعمال المكتسبة وإتيان دفاتر الحسنات والسّيّئات يمينا وشمالا ووضع الميزان ليوزن به الحسنات والسّيّئات ليعرف نقصان الحسنة والسّيّئة وزيادتهما فإن ثقلت كفّة الحسنات فعلامة النّجاة وإن خفّت فعلامة الخسران والشّقاوة وثقل ذلك الميزان وخفّته على خلاف ثقل ميزان الدنيا وخفّته فإنّ الكفّة المرتفعة هي الثقيلة هناك والمتسفّلة هي الخفيفة وشفاعة الانبياء والصّلحاء عليهم الصّلاة والتّسليمات أوّلا وثانيا لعصاة المؤمنين بإذن مالك يوم الدين جلّ سلطانه ثابتة.

قسم V02/P162–V02/P163

قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " شفاعتي لاهل الكبائر من أمّتي» . (والصّراط) يوضع على متن جهنّم فيمرّ منه المؤمنون ويذهبون إلى الجنّة ويزلق منه أقدام الكافرين فيسقطون في جهنّم والجنّة الّتي أعدّت لتنعّم المؤمنين وجهنّم الّتي أعدّت لتعذيب الكافرين كلتاهما مخلوقتان الآن وتبقيان إلى أبد الآباد ولا تفنيان فإذا دخل المؤمنون الجنّة بعد المحاسبة يدومون فيها لا يخرجون منها وكذلك الكفّار إذا دخلوا النّار يدومون فيها يعذّبون فيها أبد الآباد وتخفيف العذاب عنهم غير جائز قال تعالى لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ ومن كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان فإن أدخل النّار بسبب إفراطه في المعاصي يعذّب بقدر عصيانه ثمّ يخرج من النّار أخيرا ولا يسودّ وجهه كما يسودّ وجه الكفّار ولا يجعل فيه الاغلال والسّلاسل لحرمة إيمانه كما تجعل للكفّار (والملائكة) عباد الله سبحانه المكرّمون لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ مبرّأون من صفات الذّكورة والأنوثة والتّوالد والتّناسل مفقود في حقّهم اصطفى الله سبحانه بعضهم للرّسالة وشرّفه بتليغ الوحي وهم الذين بلّغوا الكتب والصّحف الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات وهم محفوظون عن الخطأ والخلل ومعصومون عن كيد العدوّ ومكره وما بلّغوه من عند الحقّ سبحانه وتعالى كلّه صدق وصواب ليس فيه شائبة احتمال الخطأ والإشتباه وهؤلاء الكبراء خائفون من عظمة الحقّ وجلاله سبحانه لا شغل لهم غير امتثال أوامره تعالى (والإيمان) تصديق بالقلب وإقرار باللّسان بما بلغنا من الدين بالتّواتر والضّرورة إجمالا وتفصيلا وأعمال الجوارح خارجة من نفس الإيمان ولكنّه تزيد الكمال في الإيمان وتورث فيه الحسن قال الإمام الاعظم الكوفيّ عليه الرّحمة: «الإيمان لا يقبل الزّيادة والنّقصان " فإنّ التّصديق القلبيّ عبارة عن يقين القلب وإذعانه ولا مجال فيه للتّفاوت بالزّيادة والنّقصان وما يقبل التّفاوت فهو داخل في دائرة الظّنّ والوهم وكمال الإيمان ونقصانه باعتبار الطّاعات والحسنات كلّ ما زادت الطّاعة زاد كمال الإيمان فلا يكون إيمان عامّة المؤمنين مثل إيمان الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات فإنّ إيمانهم بلغ ذروة الكمال بواسطة اقتران الطّاعات وإيمان العوامّ بمراحل عن نفس الكمال فضلا عن ذروته وإن كان إيمان كلّ منهما متشاركين في نفس التّصديق ولكنّ إيمان الانبياء عرض له بواسطة طوق الطّاعات حقيقة أخرى وكأنّ إيمان العوامّ ليس فردا من ذلك الإيمان والمماثلة والمشاركة مفقودة بينهما ألا ترى أنّ عوامّ النّاس وإن كانوا شركاء للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في نفس الإنسانيّة ولكنّ الكمالات الاخر للأنبياء بلّغتهم الدرجات العليا وأثبتت لهم حقيقة أخرى وكأنّهم خارجون عن الحقيقة المشتركة بل هم النّاس والعوامّ لهم حكم النّسناس قال الإمام الاعظم عليه الرّحمة: أنا مؤمن حقّا وقال الإمام الشّافعيّ عليه الرّحمة: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى ولكلّ وجه باعتبار الحال يجوز أن يقال: أنا مؤمن حقّا وباعتبار الخاتمة والمآل يصحّ أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله ولكنّ الإجتناب عن صورة الإستثناء أفضل بأيّ وجه قال (ولا يخرج) المؤمن بارتكاب المعاصي من الإيمان ولو كبيرة ولا يدخل في دائرة الكفر نقل أنّ الإمام الاعظم كان يوما جالسا مع جمع من العلماء فجاء شخص فقال: ما تقولون في حقّ مؤمن فاسق قتل أباه بغير حقّ وقطع رأسه وشرب الخمر في كأس رأسه ثمّ زنا بأمّه هل هو مؤمن أو كافر؟

قسم V02/P163–V02/P164

فتكلّم كلّ واحد من العلماء في حقّه بما ليس بصواب ووقعوا في غلط فقال الإمام الاعظم في ذلك الاثناء: «إنّه مؤمن لم يخرج بارتكاب هذه الكبائر من الإيمان " فثقل قول الإمام هذا على العلماء فأطالوا لسان الطّعن فيه والتّشنيع عليه ولكن لمّا كان قول الإمام حقّا قبله كلّهم أخيرا واعترفوا بأنّه الحقّ فلو وفّق المؤمن العاصي للتّوبة قبل الغرغرة فنرجوا له نجاة عظيمة لوعد قبول توبته وإن لم يتشرّف بالتّوبة والإنابة فأمره إلى الله سبحانه فإن شاء عفا وأدخله الجنّة وإن شاء عذّبه بقدر معصيته بالنّار أو بغير النّار ولكن آخر أمره النّجاة ومآله الجنّة فإنّ الحرمان من رحمة الله تعالى في الآخرة مخصوص بأهل الكفر وأمّا من فيه ذرّة من الإيمان فهو مستحقّ للرّحمة والغفران وإن لم تبلغه الرّحمة في الإبتداء بواسطة علّة المعصية ولكنّها تشمله أخيرا بعناية الله سبحانه. رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (وبحث الإمامة والخلافة) وإن لم يكن عند أهل السّنّة شكر الله تعالى سعيهم من أصول الدين ومتعلّقا بالإعتقاد ولكن لمّا غالت الشّيعة في هذا الباب وأفرطوا فيه وفرّطوا الحق أهل الحقّ رضي الله عنهم هذا المبحث بعلم الكلام بالضّرورة وبيّنوا حقيقة الحال والإمام على الحقّ والخليفة على الإطلاق بعد خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام أبو بكر الصّدّيق ثمّ عمر الفاروق ثمّ عثمان ذو النّورين ثمّ عليّ بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وأفضليّتهم على ترتيب خلافتهم وأفضليّة الشّيخين ثابتة بإجماع الصّحابة والتّابعين كما نقله أكابر الائمّة واحد منهم الإمام الشّافعيّ قال رئيس أهل السّنّة الشّيخ أبو الحسن الاشعريّ: إنّ أفضليّة الشّيخين على باقي الامّة قطعيّة لا ينكرها إلّا جاهل أو متعصّب. قال عليّ كرّم الله وجهه " من فضّلني على أبي بكر وعمر فهو مقتر أضربه بالسّوط كما يضرب المفترون». قال الشّيخ عبد القادر الجيلاني قدّس سرّه - في كتابه الغنية نقلا عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم - أنّه قال " لمّا عرج بى إلى السّماء سألت الله سبحانه أن تجعل الخليفة من بعدي عليّ بن أبي طالب فقال الملائكة: يا محمّد كلّ ما يشاء الله يكن الخليفة بعدك أبو بكر» وقال حضرة الشّيخ أيضا قال عليّ كرّم الله وجهه " ما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الدنيا حتّى أخذ عليّ عهدا على أنّ أبا بكر يلي من بعدي ثمّ عمر ثمّ عثمان من بعده ثمّ أنت من بعده " رضي الله تعالى عنهم أجمعين والإمام الحسن أفضل من الإمام الحسين رضي الله عنه وعلماء أهل السّنّة يفضّلون عائشة رضي الله عنها على فاطمة رضي الله عنها في كتابه الغنية وما هو معتقد الفقير أنّ عائشة أسبق قدما في العلم والإجتهاد وفاطمة أقدم في الزّهد والإنقطاع ولهذا قيل لفاطمة بتولا وهو صيغة المبالغة في الإنقطاع وعائشة هي مرجع فتاوى الصّحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ما وقع على أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مشكل في العلم إلّا كان حلّه عند عائشة رضي الله عنها والمحاربات والمنازعات الّتي وقعت بين الاصحاب الكرام عليهم الرّضوان مثل محاربة الجمل ومحاربة الصّفّين ينبغي أن يحملها على محامل صحيحة حسنة وأن يبعدهم عن الهوى والتّعصّب فإنّ نفوس هؤلاء الاكابر كانت مزكّاة عن الهوى والهوس ومطهّرة عن الحقد والحرص في صحبة خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام فإن وقعت عنهم مصالحة فهي لاجل الحقّ وإن ظهرت منهم منازعة ومشاجرة فهي أيضا للحقّ سبحانه كلّ فرقة منهم عملوا بمقتضى اجتهادهم ودفعوا المخالف عن أنفسهم بلا شائبة هوى وتعصّب فكلّ من هو مصيب في اجتهاده فله درجتان من الثواب وفي قول عشر درجات ومن هو مخطئ فله درجة واحدة من الثواب فالمخطئ كالمصيب بعيد عن الملامة بل يتوقّع له درجة من درجات الثواب قال العلماء: إنّ الحقّ في تلك المحاربات.

قسم V02/P164–V02/P165

كان في جانب عليّ كرّم الله وجهه وكان المخالفون في طرف من الصّواب ومع ذلك ليسوا بموارد للطّعن ولا مجال للملامة فيهم فضلا عن أن ينسب إليهم الكفر والفسق قال عليّ - كرّم الله تعالى وجهه - " إخواننا بغوا علينا ليسوا بكفّار ولا فسّاق فإنّ لهم تأويلا يمنع عنهم الكفر والفسق». قال نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم: «إيّاكم وما شجر بين أصحابي» فينبغي تعظيم جميع أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأن يذكر جميعهم بخير وأن لا يسيئ الظّنّ بأحد منهم وأن يرى منازعتهم أفضل من مصالحة غيرهم هذا هو طريق النّجاة والفلاح فإنّ حبّ الاصحاب الكرام بواسطة حبّ النّبيّ وبغضهم ينجرّ إلى بغضه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام قال واحد من الكبراء: ما آمن برسول الله صلّى الله عليه وسلّم من لم يوقّر أصحابه (وعلامات القيامة) الّتي أخبر عنها المخبر الصّادق صلّى الله عليه وسلّم كلّها حقّ ليس فيها احتمال التّخلّف كطلوع الشّمس من جانب المغرب على خلاف العادة وظهور مهديّ عليه الرّضوان ونزول روح الله على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وخروج دجّال وظهور يأجوج ومأجوج وخروج دابّة الارض ودخان يظهر من السّماء يغشى النّاس كلّهم ويعذّبهم بعذاب أليم ويقول النّاس من الإضطراب رَبَّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ وآخر العلامات نار تخرج من عدن وزعم جماعة من الجهالة أنّ الشّخص الذي ادّعى المهدويّة من أهل الهند هو المهديّ الموعود فالمهديّ قد مضى بزعمهم وفات ويقولون: إنّ قبره في فره وفي الاحاديث الصّحيحة الّتي بلغت حدّ الشّهرة بل حدّ التّواتر المعنويّ ما يكذّب هذه الطّائفة فإنّه صلّى الله عليه وسلّم بيّن للمهديّ علامات وتلك العلامات مفقودة في ذلك الشّخص الذي يعتقدونه مهديّا ورد في الاحاديث النّبويّة أنّه يخرج المهديّ وعلى رأسه قطعة سحاب فيها ملك ينادي " إنّ هذا الشّخص مهديّ فاتّبعوه " وقال عليه الصّلاة والسّلام «ملك جميع الارض أربعة اثنان من المؤمنين واثنان من الكافرين ذو القرنين وسليمان من المؤمنين ونمرود وبخت نصّر من الكافرين وسيملك الارض خامس من أهل بيتي " يعني المهديّ وقال عليه الصّلاة والسّلام «لا تزول الدنيا حتّى يبعث الله رجلا من أهل بيتي اسمه يوافق اسمي واسم أبيه يوافق اسم أبي فيملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما» . وورد في الحديث أيضا " إنّ أصحاب الكهف يكونون أعوان المهديّ» وينزل عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام في زمانه وهو يوافق عيسى عليه السّلام في قتال الدجّال وفي زمان ظهور سلطنته تنكسف الشّمس في الرّابع عشر من رمضان وينخسف القمر في أوّل ذلك الشّهر على خلاف العادة وخلاف حساب المنجّمين ينبغي ان ينظر بنظر الإنصاف هل كانت هذه العلامات في ذاك الشّخص الميّت او لا وله علامات أخر كثيرة أخبر بها المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وكتب الشّيخ ابن حجر رسالة في بيان علامات المهديّ المنتظر تبلغ مائتى علامة وبقاء جماعة في ضلالة مع وضوح أمر المهديّ الموعود من نهاية الجهالة هداهم الله سبحانه سواء الصّراط. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " إنّ بني إسرائيل تفرّقت على اثنين وسبعين فرقة كلّهم في النّار إلّا واحدة منها وستفترق امّتى على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النّار إلّا فرقة واحدة قالوا: ومن هذه الفرقة النّاجية يا رسول الله؟

قسم V02/P165–V02/P167

قال: هم على ما أنا عليه وأصحابي» وهذه الفرقة النّاجية أهل السّنّة والجماعة فإنّهم هم الملتزمون متابعته ومتابعة أصحابه عليه الصّلوات والتّسليمات اللهمّ ثبّتنا على معتقدات أهل السّنّة والجماعة وامتنا في زمرتهم واحشرنا معهم رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (وبعد تصحيح الإعتقاد) لا بدّ من امتثال الاوامر والإنتهاء عن المناهي الشّرعيّتين بين الإسلام بالعمل ينبغي أداء الصّلوات الخمس من غير فتور مع تعديل الاركان والجماعة والفارق بين الإسلام والكفر هو هذه الصّلاة فإذا تيسّر اداء الصّلاة على الوجه المسنون فقد حصل الإستمساك بالحبل المتين من الدين فإنّ الصّلاة هي الاصل الثاني من الاصول الخمسة الإسلاميّة (الاصل الاوّل) الإيمان بالله وبرسوله سبحانه والأصل الثاني الصّلاة والثالث أداء الزّكاة والرّابع صوم شهر رمضان والخامس حجّ بيت الله الاصل الاوّل يتعلّق بالاعتقاد والأصول الاربعة الباقية تتعلّق بالأعمال وأجمع جميع العبادات وأفضلها الصّلاة ويكون ابتداء المحاسبة يوم القيامة من الصّلاة فإذا تمّ أمر الصّلاة تمضي محاسبة الاخرى بعناية الله سبحانه بالسّهولة وينبغي الاجتناب عن المحظورات الشّرعيّة مهما امكن وان يرى ما لا يرضاه المولى سبحانه سمّا مهلكا وأن يجعل موادّ التّقصيرات نصب العين وأن يكون خجلا ومنفعلا من ارتكابها وأن يكون متندّما ومتحسّرا على فعلها واقترافها هذا هو طريق العبوديّة والله الموفّق والذي يرتكب ما لا يرضى عنه مولاه بلا تحاش ولا يكون خجلا ومنفعلا عن ذلك العمل فهو مارد متمرّد ويكاد يخرج إصراره وتمرّده رأسه عن ربقة الإسلام ويدخله في دائرة الاعداء رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا والدولة الّتي جعلك الله سبحانه ممتازا بها وأكثر النّاس غافلون عنها بل تكاد لا تدركها أنت أيضا هي أنّ سلطان الوقت مسلم من جدّه السّابع ومن أهل السّنّة وحنفيّ المذهب وإن تقرّب بعض طلبة العلوم بشؤم الطّمع النّاشئ من خبث الباطن من منذ سنين في هذه الاوان الّتي هي أوان قرب القيامة وبعد العهد من زمان النّبوّة إلى الامراء والسّلاطين وداخلوهم من طريق المطايبة والمداهنة وأوقعوا في الدين المتين تشكيكات وأظهروا فيه شبهات وأضلّوا الاغنياء عن الطّريق ولكن لمّا كان مثل هذا السّلطان عظيم الشّأن مصغيا إلى قولكم بحسن الإستماع ومتلقّيا إيّاه بالقبول كان اللّازم أن يعدّ ذلك دولة عظيمة وأن يبلّغ الكلمة الحقّة يعني كلمة الإسلام الموافقة لمعتقدات أهل السّنّة شكر الله تعالى سعيهم صراحة أو إشارة إلى سمع السّلطان وأن يعرض إليه كلام أهل الحقّ بقدر الإمكان بل ينبغي أن يترصّد وينتظر دائما فرصة لايراد كلام أهل المذهب الحقّ في البين حتّى تظهر حقيقة الإسلام ويبدو بطلان الكفر وشناعته والكفر هو ظاهر البطلان لا يستحسنه عاقل أصلا ينبغي أن يظهر بطلانه بلا تحاش وأن ينفي آلهتهم الباطلة من غير توقّف وأن يثبت الإله الحقّ الذي هو خالق السّموات والأرض بلا تردّد هل كان مسموعا أصلا من غير توقّف وأن يثبت الإله الحقّ الذي هو خالق السّموات والأرض بلا تردّد هل كان مسموعا أصلا أنّ آلهتهم الباطلة خلقوا ذبابة ولو اجتمعوا له كلّهم بل لو قرصهم الذّباب وآذاهم لا يقدرون حفظ أنفسهم منه فضلا عن حفظ غيرهم وكأنّ الكفرة قالوا ملاحظا لشناعة هذا الامر هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ الله وإنّهم ليقرّبونا إلى الله زلفى ولم يدر هؤلاء المجانين أنّه ليس لهذه الجمادات مجال الشّفاعة وإنّ الحقّ سبحانه لا يقبل شفاعة الشّركاء الذين هم في الحقيقة أعداؤه تعالى في حقّ عبدة أعدائه مثل قيّم بستان خرج على سلطان فجاء جماعة من البلهاء يمدّون القيّم بزعم أنّه يشفّعهم عند السّلطان وقت المضايقة وأنّهم يتقرّبون إلى السّلطان بالتّوسّل به ما أعظم حماقتهم حيث يخدمون القيّم ويطلبون العفو من السّلطان بشفاعته ويتقرّبون إليه به لم لا يخدمون السّلطان على الحقّ ويكسرون القيّم حتّى يكونوا من أهل القرب وأهل الحقّ ويكونوا في أمن وأمان وهؤلاء المجانين ينحتون الحجر بأيديهم ويعبدونه سنين ويطمعون منه توقّعات وبالجملة الكفر ظاهر البطلان والذين بعدوا عن الطّريق الحقّ والصّراط المستقيم من المسلمين هم أهل الهوى والبدعة وذلك الطّريق المستقيم هو طريق النّبيّ وطريق خلفائه الرّاشدين عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات.

قسم V02/P167–V02/P169

قال الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ قدّس سرّه في كتابه الغنية: إنّ أديان المبتدعة الذين أصولهم تسعة طوائف الخوارج والشّيعة والمعتزلة والمرجئة والمشبّهة والجهميّة والضّراريّة والنّجّاريّة والكلابيّة لم تكن في زمن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا في زمان خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم أجمعين أيضا. واختلاف هذه الطّوائف وتفرّقهم إنّما حدث بعد سنين من موت الصّحابة والتّابعين وموت الفقهاء السّبعة رضي الله عنهم أجمعين. قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " إنّه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي وتمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنّواجذ وإيّاكم ومحدثات الامور فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ما حدث بعدي فهو ردّ» فالمذهب الذي حدث بعد زمان النّبيّ وخلفائه الرّاشدين عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات ساقط عن حيّز الإعتبار ليس بلائق به ينبغي أداء شكر نعمة الحقّ سبحانه العظمى حيث جعلنا من كمال كرمه وفضله داخلين في الفرقة النّاجية الذين هم أهل السّنّة والجماعة ولم يجعلنا من فرق أهل الهوى والبدعة ولم يبتلنا باعتقادهم الفاسد ولم يجعلنا من الذين يشركون العبد بالله في أخصّ صفاته تعالى ويزعمون أنّ خالق أفعال العبد هو العبد وينكرون الرّؤية الاخرويّة الّتي هي رأس بضاعة السّعادات الدنيويّة والأخرويّة وينفون الصّفات الكاملة عن الواجب تعالى. ولم يجعلنا أيضا من الطّائفتين اللّتين يبغضون أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات ويسيئون الظّنّ بأكابر الدين ويزعمون أنّهم كانوا يعادون بعضهم بعضا ويتّهمونهم بالبغض المضمر والحقد المبطن والله سبحانه وتعالى يقول في حقّهم رُحَماءُ بَيْنَهُمْ . وهاتان الطّائفتان يكذّبون كلام الحقّ جلّ وعلا ويثبتون بينهم العداوة والبغضاء والحقد رزقهم الله سبحانه التّوفيق وبصّرهم الصّراط المستقيم ولم يجعلنا أيضا من الذين يثبتون الجهة والمكان للحقّ تعالى ويزعمونه جسما وجسمانيّا ويثبتون في الواجب القديم جلّ شأنه أمارات الحدوث والإمكان (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول: معلومكم أنّ السّلطان كالرّوح وسائر النّاس كالجسد فإن كانت الرّوح صالحة فالبدن صالح وإن كانت الرّوح فاسدة فالبدن فاسد فالإجتهاد والسّعي في إصلاح السّلطان اجتهاد وسعي في إصلاح جميع بني آدم. والإصلاح في إظهار كلمة الإسلام بأيّ طرز كان يساعده الوقت وبعد إظهار كلمة الإسلام ينبغي أن يوصّل سمعه معتقدات أهل السّنّة والجماعة أيضا في بعض الاحيان وأن يردّ مذهب المخالف فإن تيسّرت هذه الدولة فقد حصلت الوراثة العظمى من الانبياء عليهم الصّلوات والسّلام وهذه الدولة قد حصلت لكم مجّانا فينبغي أن يعرف قدرها وماذا أبالغ أزيد من ذلك وإن كانت المبالغة مستحسنة والله سبحانه الموفّق. المكتوب الثامن والسّتّون إلى الخواجه شرف الدين الحسين في بيان العمود النّورانيّ وكوكب ذي ذنب طلع من جانب المشرق وفي علامات القيامة وأشراط السّاعة وما يناسب ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ عليهم الصّلوات والتّحيّات قد سرّت الصّحيفة الشّريفة الّتي أرسلها الولد الاعزّ صحبة مولانا أبي الحسن بوصولها وقد استفسرتم مكرّرا عن العمود النّورانيّ الذي طلع من جانب المشرق (اعلم) أنّه قد ورد في الخبر " أنّه إذا بلغ الملك العبّاسيّ الذي هو من مقدّمات ظهور المهديّ الموعود عليه الرّضوان خراسان يطلع في جانب المشرق قرن ذو سنين " وكتب في الحاشية يعني: يكون للعمود المذكور رأسان وكان أوّل طلوعه في زمان هلاك قوم نوح على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام. وطلع أيضا في زمان إبراهيم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام حين رموه في النّار. وظهر أيضا وقت هلاك فرعون وقومه وحين قتل يحيى على نبيّنا وعليه السّلام فمن رآه فليستعذ بالله سبحانه من شرّ الفتن. وهذا البياض الذي حدث في جانب المشرق كان أوّلا في صورة العمود المنوّر ثمّ عرض له اعوجاج وشباهة بالقرن ويمكن أن يكون إطلاق الرّأسين له باعتبار أنّ كلّا من طرفيه صار دقيقا شبيها بالسّنّ فاعتبر كلّ من طرفيه رأسا كما أنّ الرّيح إذا كان كلّ من طرفيه دقيقا يعتبر كلّ منهما رأسا.

قسم V02/P169–V02/P170

جاء أخي الشّيخ محمّد طاهر البدخشيّ من جونفور وهو يقول: إنّ هذا العمود كان له في طرف الفوق أيضا رأسان شبيهان بسنين وكانت بينهما فاصلة يسيرة حصل تشخيص هذا المعنى في الصّحراء وأخبر جمع آخر أيضا بمثل ذلك. وهذا الطّلوع غير ذاك الطّلوع الذي يحدث حين ظهور المهديّ فإنّ ظهوره يكون على رأس مائة والآن قد مضى من المائة ثمان وعشرون سنة. وورد أيضا في الخبر " في علامات المهديّ " أنّه يطلع في جانب المشرق كوكب له ذنب يضيء " وهذا الكوكب أيضا قد طلع هل هو ذاك أو مثله ويمكن أن يكون إطلاق ذي ذنب على هذا الكوكب لما قالوا: إنّ سير الثوابت من المغرب إلى المشرق. فوجه ذلك الكوكب بحسب سيره نحو المشرق وظهره نحو المغرب فهذا البياض الطّويل وراء ظهره فناسب أن يسمّى ذنبا. وارتفاعه في كلّ يوم من المشرق إلى المغرب إنّما هو بسيره القسرىّ المربوط بسير الفلك الاعظم والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال (وبالجملة) انّ وقت ظهور المهديّ قريب وكم من مقدّمات ومباد تظهر إلى رأس المائة الذي هو أوان ظهوره (ومقدّمات) ظهوره عليه الرّضوان ومباديه مثل إرهاصات نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام الّتي ظهرت قبل ظهور نبوّته عليه السّلام كما قالوا: إنّ نطفة عبد الله الّتي كانت صورة محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا استقرّت في رحم آمنة سقط جميع الاصنام في وجه الارض على وجهها وامتنع جميع الشّياطين عن شغلها وقلب الملائكة تخت إبليس ظهرا لبطن ورموه في البحر وعذّبوه أربعين يوما وتزلزل ليلة ولادته عليه الصّلاة والسّلام إيوان كسرى وسقطت منه أربعة عشر شرافات وانطفت نار مجوس. وقد مضى من إيقادها ألف سنة لم تنطف في تلك المدّة قطّ. وحيث أنّ المهديّ يكون عظيما ويحصل بسببه للإسلام والمسلمين تقوية عظيمة ويكون لولايته تصرّف عظيم في الظّاهر والباطن ويكون صاحب خوارق وكرامات كثيرة وتظهر في زمانه آيات عجيبة يجوز أن يظهر قبل وجوده أشياء خوارق للعادات مثل إرهاصات النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام وتكون من مبادى ظهوراته كما يفهم ذلك من الاحاديث. (واعلم) أنّه قد ورد في الخبر أنّ المهديّ لا يظهر حتّى يستولي الكفر وتجري أحكامه على الملأ. فالمتوقّع في هذا الوقت هو استيلاء الكفر وقوّته وضعف الإسلام والمسلمين وهو ذاك الوقت الذي قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في حقّ غرباء أهل الإسلام فيه " طوبى لهم» . وبشّرهم وقال عليه الصّلاة والسّلام «العبادة في الهرج كهجرة إليّ» ومعلومكم أنّ العساكر إذا صدرت عنهم وقت استيلاء الفتنة والفساد جراءة يسيرة وحركة قليلة يحصل لهم اعتبار كثير وفي وقت تسكين الفتنة لا اعتبار لهم ولو صدرت عنهم حركات كثيرة فوقت العمل ووقوعه موقع القبول هو وقت الفتن فينبغي بذل النّفس بالتّمام في مرضيّات الله تعالى. وأن لا يختار شيئا غير متابعة السّنّة السّنيّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة. لو أردتم أن تحشروا من المقبولين ألا ترى أنّ أصحاب الكهف بلغوا درجة عليا بهجرة واحدة وأنتم من المحمّديّين وداخلون في زمرة أمّته خير الامم فلا تضيّعوا أوقاتكم باللهو واللّعب ولا تغترّوا بالجوز والموز مثل الاطفال. (شعر) وأبديت من كنز المرام علامة . لعلّك أن تحظى به أن تحاول والعمود النّورانيّ الذي طلع قبل ظهور هذا الكوكب ذي الذّنب لم ير فيه ظلمة وكدورة ولم يظهر في النّظر غير الخير وأمّا الكوكب ذو الذّنب فقد كانت فيه شائبة الكدورة لا بل النّافع والضّارّ هو الله سبحانه لا مدخل لشيء من الكواكب في موت شخص وحياته وولادته وما يفهم من الكلام المجيد أنّ الاغراض الّتي تتعلّق بالنّجوم ثلاثة قال تعالى وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ يعني: يهتدون بها إلى الطّريق في أسفار البرّ والبحر.

قسم V02/P170–V02/P171

وقال تعالى ولَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ والغرض الثالث هو رجم الشّياطين لئلّا يسترقوا السّمع وكلّ ما قيل وراء هذه الاغراض الثلاثة فليس بثابت بل داخل في الاوهام والخيالات انّ الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئا بل نقول: إنّ بعض الظّنّ إثم ويكتب للولد الاعزّ مكرّرا أنّه قد جاء وقت التّوبة والإنابة. وزمان التّبتّل والإنقطاع فإن هذا الزّمان زمان ورود الفتن يكاد يصبّ الفتن مثل مطر النيسان وتغشى جميع العالم. قال سيّدنا ونبيّنا الصّادق المصدوق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " إنّ بين يدي السّاعة فتنا كقطع اللّيل المظلم يصبح الرّجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا القاعد فيها خير من القائم والماشي فيها خير من السّاعي فكسّروا فيها قسيّكم واقطعوا فيها أوتاركم واضربوا سيوفكم بالحجارة فإن دخل على أحد منكم فليكن كخير ابني آدم». وفي رواية «قالوا فما تأمرنا فقال: كونوا أجلاس بيوتكم» . وفي رواية «والزموا فيها أجواف بيوتكم " ولعلّه كان معلومكم أنّ كفّار دار الحرب في نواحي نكر كوت ماذا فعلوا على المسلمين من الجور والجفاء في هذه الايّام وماذا صنعوا في بلاد الإسلام وأيّة إهانة أصابتهم منه خذلهم الله سبحانه. ومثل هذا الورد كريه الرّائحة يتفتّق كثيرا بمقتضى آخر الزّمان. ثبّتنا الله سبحانه وإيّاكم وجميع المؤمنين على متابعة المرسلين عليه وعليهم وآل كلّ وعلى الملائكة المقرّبين الصّلاة والسّلام. المكتوب التّاسع والسّتّون إلى محمّد مراد البدخشيّ في بيان تعديل أركان الصّلاة والطّمأنينة وتسوية الصّفوف ولزوم تصحيح النّيّة عند الذّهاب إلى محاربة الكفّار والأمر بصلاة التّهجّد والإحتياط في اللّقمة وما يتعلّق به بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة الّتي أرسلتموها ولمّا كانت متضمّنة لثبات الاصحاب واستقامتهم أورثت فرحا وافرا زادكم الله سبحانه ثباتا واستقامة واندرج فيها انّ الامر الذي كنّا مأمورين به نداوم عليه مع جمع من الاصحاب الذين دخلوا في الطّريقة ونؤدّي الصّلوات الخمس بجماعة مشتملة على خمسين أو ستّين نفرا حمدا لله سبحانه على ذلك يا لها من نعمة عظيمة إذا كان الباطن معمورا بالذّكر الإلهيّ جلّ شأنه والظّاهر متحلّي بالأحكام الشّرعيّة ولمّا كان أكثر النّاس في هذه الايّام يتساهلون في أداء الصّلاة ولا يتقيّدون بالطّمأنينة وتعديل الاركان أردت أن أكتب في هذا الباب بالتّأكيد والمبالغة بالضّرورة فينبغي الإستماع والإصغاء قال المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام: «أسوأ النّاس سرقة الذي يسرق من صلاته قالوا يا رسول الله: وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتمّ ركوعها ولا سجودها» وقال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام أيضا " لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم فيها صلبه بين خشوعها وسجودها» . ورأى النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام رجلا يصلّي ولا يتمّ ركوعه ولا سجوده فقال: أما تخاف لو متّ على ذلك لمتّ على غير دين محمّد " وأيضا قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام: «لا تتمّ صلاة أحدكم حتّى يقوم بعد ركوعها بالتّمام ويثبت صلبه ويستقرّ كلّ عضو منه في محلّه».

الأسئلة