Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

قسم V02/P260–V02/P262

جميعه إذ لكلّ حكم أكثره وهذه الجماعة صرفوا أعمارهم في تعليم آلة عاصمة للذّهن عن الخطإ الفكريّ وتعلّمه ودقّقوا فيها تدقيقات كثيرة ولمّا بلغوا المقصد الاقصى يعني مسائل الذّات والصّفات والافعال الواجبيّة جلّ سلطانه ضيّعوا حواسّهم وأضاعوا الآلة العاصمة وخبطوا خبط عشواء وبقوا في تيه الضّلالة كمن يهيّئ آلات الحرب سنين ثمّ إذا جاء وقت الحرب يضيّع حواسّه ولا يستعمل الآلة والنّاس يظنّون علوم الفلاسفة متّسقة ومنتظمة ويزعمونها محفوظة عن الغلط والخطأ ومصونة وعلى تقدير التّسليم إنّما يكون هذا الحكم صادقا في علوم للعقل فيها استقلال واستبداد وهي خارجة عن المبحث وداخلة في دائرة ما لا يعنى لا تعلّق لها بالآخرة الّتي هي دائميّة والنّجاة الاخرويّة ليست بمربوطة بها فإنّ الكلام إنّما هو في علوم العقل عاجز عن إدراكها وقاصر ومربوطة بطور النّبوّة والنّجاة الاخرويّة منوطة بها قال حجّة الإسلام الإمام الغزاليّ في رسالته " المنقذ عن الضّلال ": إنّ الفلاسفة سرقوا علم الطّبّ وعلم النّجوم من كتب الانبياء المتقدّمين على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام واقتبسوا خواصّ الادوية وغيرها ممّا لا سبيل للعقل إلى إدراكه من الصّحف والكتب المنزّلة إلى الانبياء عليهم السّلام وسرقوا علم تهذيب الاخلاق عن كتب الصّوفيّة المتألّهين الموجودين في كلّ عصر وفي أمّة كلّ نبيّ لترويج أباطيلهم فهذه العلوم الثلاثة المعتبرة لديهم كانت مسروقة وقد ذكرت شمّة من خبطهم في العلم الإلهيّ في مباحث الذّات والصّفات والافعال الواجبيّة وفي الإيمان بالله والإيمان بالآخرة ومخالفتهم النّصوص القرآنيّة فيما سبق فبقي علم الهندسة ومثله ممّا له نوع اختصاص به فلو كان متّسقا ومنتظما فما لزومه ولايّ شيء يحتاج إليه وأيّ عذاب الآخرة يبعد به ويدفع علامة إعراض الله تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه وكلّما هو غير نافع في الآخرة فهو ممّا لا يعنى وعلم المنطق الذي هو آلة وقالوا إنّه عاصم عن الخطإ لم ينفعهم ولم يخرجهم عن الغلط والخطأ في المقصد الاسنى كيف ينفع الآخرين وكيف يخلّصهم عن الخطإ رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ وبعض النّاس الذين لهم رغبة في العلوم الفلسفيّة ومفتونون بالتّسويلات الفلسفيّة يعتقدون هذه الجماعة حكماء ويزعمونهم عديل الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام بل يكادون يقدّمون علومهم الكاذبة بظنّ أنّها صادقة على شرائع الانبياء عليهم السّلام أعاذنا الله سبحانه عن الاعتقاد السّوء نعم إذا اعتقدوا هؤلاء حكماء وزعموا علومهم حكمة يقعون في هذا البلاء بالضّرورة فإنّ الحكمة عبارة عن العلم بالشّيء مطابقا لنفس الامر فتكون العلوم الّتي تخالفها غير مطابقة لنفس الامر (وبالجملة) انّ تصديق هؤلاء وتصديق علومهم مستلزم لتكذيب الانبياء وتكذيب علومهم عليهم الصّلوات والتّحيّات وهذان العلمان واقعان في طرفي النّقيض فتصديق أحدهما مستلزم لتكذيب الآخر من شاء فليلتزم ملّة الانبياء يكن من حزب الله سبحانه ومن أهل النّجاة ومن شاء فليكن فلسفيّا يكن من حزب الشّيطان وخائبا وخاسرا قال الله تبارك وتعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا والسّلام على من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى جميع إخوانه من الانبياء الكرام والملائكة العظام أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات والسّلام.

قسم V02/P262–V02/P263

المكتوب الرّابع والعشرون إلى الملّا محمّد مراد الكشميّ الذي هو من خدّام المير محمّد نعمان في بيان مناقب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورحمتهم ورأفتهم فيما بينهم قال الله تبارك وتعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ الآية مدح الله سبحانه في هذه الآية أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بكمال رحمة بعضهم لبعض الّتي كانوا عليها فإنّ الرّحيم الذي هو واحد رحماء متضمّن للمبالغة في الرّحمة وحيث انّ للصّفة المشبّهة دلالة على الاستمرار أيضا ينبغي أن يكون رحمة بعضهم بعضا على صفة الدوام والاستمرار سواء كان في حضوره صلّى الله عليه وسلّم أو بعد ارتحاله وكلّ ما هو مناف لرحمة بعضهم بعضا ينبغي أن يكون مسلوبا عنهم على الدوام ويكون احتمال البغض والحقد والحسد وعداوة بعضهم لبعض منتفيا عنهم على سبيل الاستمرار فإذا كان جميع الصّحابة الكرام متّصفين بهذه الصّفة المرضيّة كما هو مقتضى كلمة " والذين " الّتي هي من صيغ العموم والاستغراق ماذا نقول من أكابر الصّحابة فإنّ هذه الصّفة تكون فيهم أتمّ وأكمل وأوفى ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم " أرحم أمّتي بأمّتي أبو بكر». وقال عليه الصّلاة والسّلام في شأن الفاروق رضي الله عنه " لو كان بعدي نبيّ لكان عمر " يعني أنّ لوازم النّبوّة وكمالاتها كلّها حاصلة في عمر ولكن لمّا ختم منصب النّبوّة بخاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام لم يشرّف بدولة منصب النّبوّة وأحد لوازم النّبوّة كمال الرّحمة والشّفقة على الخلق وأيضا إنّ الرّذائل الّتي تنافي الشّفقة والرّحمة ومن ذمايم الاخلاق من الحسد والبغض والحقد والعداوة كيف تتصوّر من قوم تشرّفوا بشرف صحبة خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات فإنّهم أفضل هذه الامّة الّتي هي خير الامم وأسبق أهل هذه الملّة الّتي هي ناسخة لجميع الملل لانّ قرنهم كان خير القرون وصاحبهم كان أفضل الانبياء والمرسلين فلو كانوا موصوفين بهذه الصّفات الرّديّة الّتي على أحقر هذه الامّة المرحومة عار منها كيف يكونون أفضل هذه الامّة وبأيّ وجه تكون هذه الامّة خير الامم وأيّ مزيّة وأيّ فضيلة تكون لاسبقيّة الإيمان وأوّليّة إنفاق الاموال وبذل النّفس وأيّ تأثير يكون لخيريّة القرن وأيّ أثر يترتّب على فضيلة صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والذين يكونون في صحبة أولياء هذه الامّة ينجون من هذه الرّذائل فكيف تتوهّم هذه الذّمائم في حقّ جماعة صرفوا أعمارهم في صحبة أفضل الرّسل عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات وبذلوا أموالهم وأنفسهم لتأييد دينه ونصرة ملّته وإعلاء كلمته الّا إذا سقط عياذا بالله سبحانه عظمة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وجلالته عن النّظر وتوهّم أنّ صحبته صلّى الله عليه وسلّم أنقص من صحبة وليّ الامّة نعوذ بالله سبحانه منه ومن المقرّر أنّه لا يبلغ وليّ من أولياء الامّة مرتبة صحابيّ من صحابة تلك الامّة فكيف بمرتبة نبيّها.

قسم V02/P263–V02/P265

قال الشّيخ الشّبليّ عليه الرّحمة: ما آمن برسول الله من لم يوقّر أصحابه (وجماعة) من النّاس يظنّون أنّ أصحاب النّبيّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام كانوا فرقتين فرقة كانت لهم مخالفة مع عليّ رضي الله عنه وعنهم وفرقة كانت لهم موافقة به كرّم الله وجهه وكان في كلّ واحدة من هاتين الفرقتين عداوة وبغض وحقد في حقّ الاخرى وبعض منهم بطن صفاته هذه تقيّة وملاحظة لبعض المصالح وزعموا أنّ تلك الرّذائل امتدّت فيهم إلى قرن واحد وما كانوا كانت فيهم هذه الذّمائم وبهذا التّوهّم يذكرون مخالفي عليّ كرّم الله وجهه بالشّرّ وينسبون إليهم أشياء غير مناسبة ينبغي أن ينصف فإنّه على هذا التّقدير يكون كلا الفريقين موردا للطّعن ومتّصفين برذائل الصّفات ويصير أفضل هذه الامّة شرّ هذه الامّة بل شرّ جميع الامم وتتبدّل خيريّة تلك الفرقة بالشّرّية أيّ إنصاف في ذكر الشّيخين رضي الله عنهما بسوء بهذا التّوهّم ونسبة أمور غير مناسبة إلى كبراء الدين وحضرة الصّدّيق رضي الله عنه أتقى هذه الامّة بحكم نصّ القرآن فإنّ المفسّرين ابن عبّاس وغيره أجمعوا على أنّ قوله تعالى وسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الآية نزل في شأن الصّدّيق رضي الله عنه والمراد من الاتقى هو الصّدّيق رضي الله عنه فإذا قال الله تعالى في حقّ شخص إنّه أتقى هذه الامّة الّتي هي خير الامم ينبغي أن يتأمّل أنّ تكفيره وتفسيقه وتضليله إلى أيّ حدّ من الشّناعة يوصّل (واستدلّ) الإمام الفخر الرّازيّ بهذه الآية الكريمة على أفضليّة الصّدّيق رضي الله عنه فإنّ أكرم هذه الامّة المخاطبة بقوله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقاكُمْ بحكم هذه الآية هو أتقى هذه الامّة حيث كان الصّدّيق أتقى هذه الامّة بنصّ القرآن ينبغي أن يكون أكرم هذه الامّة عند الحقّ جلّ وعلا بحكم النّصّ اللّاحق هو الصّدّيق رضي الله تعالى عنه أيضا وأثبت أكابر أئمّة السّلف واحد منهم الإمام الشّافعيّ رضي الله تعالى عنهم إجماع الصّحابة والتّابعين على أفضليّة الشّيخين رضي الله عنهما وحكم عليّ كرّم الله وجهه أيضا بأفضليّة الشّيخين قال الذّهبيّ الذي هو من أكابر المحدّثين: روى ذلك عن عليّ نيّف وثمانون نفرا وعبد الرّزّاق الذي هو من أكابر الشّيعة حكم بأفضليّة الشّيخين بموجب هذا النّقل وقال بهذه العبارة " أفضّل الشّيخين لتفضيل عليّ إيّاهما على نفسه والّا لما فضّلتهما كفى بي وزرا أن أحبّه ثمّ أخالفه " فتنقيص من كانوا أفضل هذه الامّة التي هي خير الامم بحكم الكتاب والسّنّة وإجماع الامّة وباعتراف عليّ أيضا وتحقيرهم من أيّ إنصاف ومن أيّ ديانة وأيّ خير مودع في ضمنه فلو كان في سبّ أحد معنى الخيريّة والعبادة لكان في سبّ أبي جهل وأبي لهب الذين هما ملعونان ومطرودان بحكم نصّ القرآن ولحصل في ضمنه حسنات كثيرة أيّ خيريّة في السّبّ الذي هو متضمّن للفحش والقطيعة خصوصا في حقّ شخص لا يستحقّه ولا يكون أهلا له ووضع الشّيء في غير موضعه ظلم وفرق بين شيء وشيء وتفاوت بين موضع وموضع فيكون بين ظلم وظلم بونا بعيدا (وخلافة) ذي النّورين رضي الله عنه ثابتة بإجماع الصّحابة الكرام وبإتّفاق صغار ذلك القرن الذي هو خير القرون وكبارهم وذكورهم وإناثهم ولهذا قال العلماء: إنّ الاتّفاق والإجماع الذي وقع في خلافة ذي النّورين لم يتّفق في خلافة أحد من سائر الخلفاء الثلاثة فإنّه لمّا كان في بدء خلافته نوع تردّد راعى أهل ذلك القرن في تلك المادّة احتياطا كثيرا ثمّ أقدموا عليها (ينبغي أن يعلم) أنّ الاصحاب الكرام رضي الله تعالى عنهم مبلّغو الكتاب والسّنّة وكان الإجماع أيضا منوطا بقرنهم فلو كان جميعهم أو بعضهم متّصفين بالضّلالة والفسق يرتفع الاعتماد عن كلّ الدين أو بعضه وتكون فائدة بعثة خاتم الانبياء وأفضل الرّسل قليلة وجامع القرآن المجيد هو حضرة عثمان بل حضرة الصّدّيق وحضرة الفاروق رضي الله تعالى عنهم فلو كان هؤلاء مطعونا فيهم ومسلوبي العدالة أيّ اعتماد يبقى على القرآن وبأيّ شيء يكون الدين قائما ينبغي أن يتأمّل في شناعة هذا الامر أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كلّهم عدول وكلّ ما بلغنا بتبليغهم حقّ وصدق والمخالفات والمنازعات الواقعة في زمن خلافة عليّ رضي الله تعالى عنه لم تكن من جهة الهوى والهوس ولا لأجل حبّ الجاه والرّياسة بل كانت على وجه الاجتهاد والاستنباط وإن كان في اجتهاد واحد منهم خطأ واستنباطه بعيدا عن الصّواب ومن المقرّر عند علماء أهل السّنّة والجماعة رضي الله تعالى عنهم أنّ المحقّ في تلك المحاربات والمشاجرات كان عليّا كرّم الله وجهه ومخالفوهم كانوا على خطإ ولكن لمّا كان منشأ هذا الخطإ الاجتهاد كان صاحبه بعيدا عن الطّعن والملامة عليه والمقصود حقّيّة جانب عليّ وخطأ جانب مخالفيه وأهل السّنّة قائلون بذلك واللّعن والطّعن زيادة بلا فائدة بل متضمّنة لاحتمال الضّرر فإنّهم أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ورضي عنهم وبعضهم مبشّر بالجنّة وبدريّ مغفور له والعذاب الاخرويّ مرفوع عنه كما ورد في الاحاديث الصّحاح " إنّ الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإنّي غفرت لكم».

قسم V02/P265–V02/P266

وبعضهم تشرّف ببيعة الرّضوان وقد قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " لا يدخل النّار أحد ممّن بايع تحت الشّجرة " بل قال العلماء: يفهم من القرآن المجيد أنّ جميع الصّحابة من أهل الجنّة لقوله تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وَعَدَ الله الْحُسْنى والله بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ والحسنى هي الجنّة فكلّ صحابيّ أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده موعود له بالجنّة قالوا: إنّ صفة الإنفاق والقتال ليست للتّقييد بل للمدح فإنّ جميع الصّحابة كانوا متّصفين بهاتين الصّفتين فكلّهم يكونون موعودا لهم بالجنّة فينبغي الملاحظة إن ذكر أمثال هؤلاء الاكابر بشرّ وسوء الظّنّ بهم فكيف يكون من الإنصاف والديانة. (فإن قيل) قال جماعة: إنّ بعض الأصحاب الكرام لم يبق بعد ارتحاله صلّى الله عليه وسلّم على ذلك الطّريق بل انحرف من طريق الحقّ بواسطة حبّ الخلافة وطلب الجاه والرّياسة وغصب عن عليّ كرّم الله وجهه منصب الخلافة بل يظنّون أنّ انحرافه بلغ حدّ الكفر والضّلالة فيكون هؤلاء المذكورون بزعم هذه الجماعة محرومين عمّا وعد به الأصحاب الكرام فإنّ نيل فضيلة الصّحبة فرع تحقّق الإسلام فإذا كان في إسلامهم كلام كيف يكون للصّحبة تأثير (أجيب) أنّ الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم مبشّرون بالجنّة ثبت ذلك بأحاديث صحيحة بلغت حدّ التّواتر المعنويّ فاحتمال الكفر والضّلالة مدفوع عنهم والشّيخان من أهل بدر وهم مغفور لهم مطلقا على ما في الاحاديث الصّحاح وأيضا إنّهم من أهل بيعة الرّضوان وهم من أهل الجنّة بأحاديث صحيحة كما مرّ وعثمان لم يحضر بدرا لانّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم تركه في المدينة لتمريض أهله بنت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قائلا " بأنّ لك من الأجر ما لأهل بدر " ولم يحضر بيعة الرّضوان " لانّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان أرسله إلى مكّة عند قريش وبايع عنه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بنفسه " كما هو مشهور وأيضا إنّ القرآن المجيد يشهد بجلالة شأن هؤلاء الاكابر ويخبر عن علوّ درجاتهم فمن أغمض عن الكتاب والسّنّة فهو خارج عن المبحث قال الشّيخ السعديّ رحمه الله. (شعر) من لم يقف عند الكتاب وسنّة . فجوابه أن لا تجيب وتسكتا أيّ بلاء وقع لو كان في الصّدّيق احتمال الكفر والضّلالة لما أجلسه الصّحابة مع عدالتهم وكثرتهم مكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفي تكذيب خلافة الصّدّيق تكذيب ثلاث وثلاثين الفا من أهل ذلك القرن الذي هو خير القرون ولا يجوّز ذلك من له أدنى دراية أيّ خير يبقى في قرن يجتمع من أهله ثلاث وثلاثون الفا على الباطل ويجلسون مكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ضالّا ومضلّا رزق الله سبحانه لهؤلاء الجماعة الإنصاف حتّى يكفّوا لسانهم عن الطّعن في أكابر الدين ويراعوا حقّ صحبة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " الله الله في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا من بعدي من أحبّهم فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم " ماذا أكتب زيادة على ذلك وكيف أجلى أجلى البديهات والقرآن المجيد مملوء بمدح الصّدّيق نزلت فيه سورة اللّيل وآيات أخر وروي في كمالاته وفضائله من الأحاديث الصّحاح ما لا يعدّ ولا يحصى وورد في كتب الانبياء المتقدّمين ذكر شمائله وأوصافه بل ذكر جميع الصّحابة كما قال الله تعالى مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ومَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ (ورأس) هذه الامّة المرحومة الّتي خير الامم ورئيسهم هو الصّدّيق فإذا رموه بالكفر والضّلالة بما يعتذرون في حقّ غيره وبأيّ طريق يتكلّمون اللهمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ والسّلام على من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات.

قسم V02/P266–V02/P268

المكتوب الخامس والعشرون إلى الملّا طاهر البدخشيّ في بيان النّتائج وترقّي المراتب التي تحصل من الذّكر وتلاوة القرآن وأداء الصّلوة الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى لا بدّ لمبتدئ طلبة هذه الطّريق من الذّكر فإنّ ترقّيه مربوط بتكرار الذّكر بشرط أن يأخذه من الشّيخ الكامل المكمّل فإن لم يكن بهذا الشّرط فكثيرا ما يكون من قبيل أوراد الأبرار الّتي نتيجتها الثواب لا درجة القرب الّتي تتعلّق بالمقرّبين وإنّما قلت: كثيرا ما يكون من قبيل أوراد الابرار فإنّه يجوز أن يربّي فضل الحقّ جلّ سلطانه الطّالب بلا توسّط شيخ ويجعله تكرار الذّكر من المقرّبين بل يجوز أن يشرّف بمراتب القرب من غير تكرار ذكر أيضا ويكون من أوليائه تعالى والشّرط المذكور إنّما هو باعتبار الأكثر الأغلب وعلى وفق الحكمة والعادة فإذا تمّت المعاملة الّتي كانت مربوطة بالذّكر بفضل الله سبحانه وتيسّر الخلاص من التّعلّق بآلهة الهوى وصارت الأمّارة مطمئنّة فحينئذ لا يحصل التّرقّي من الذّكر ويكون حكم الذّكر حكم أوراد الابرار وقطع مراتب القرب في ذلك الموطن مربوط بتلاوة القرآن وأداء الصّلاة بطول القنوت وما كان يتيسّر أوّلا بالذّكر يتيسّر حينئذ بتلاوة القرآن خصوصا إذا كانت في الصّلاة (وبالجملة) أنّ الذّكر حينئذ يكون حكمه حكم تلاوة القرآن في الابتداء في كونه من قبيل أوراد الابرار ويكون حكم التّلاوة حكم الذّكر في الابتداء والوسط حيث كان من المقرّبات والعجب أنّ الذّكر إذا كرّر في ذلك الوقت بعنوان تلاوة القرآن لكونه من كلمات الآيات القرآنيّة وشرع فيه بالاستعاذة يترتّب عليه من الفائدة ما يترتّب على تلاوة القرآن فإن لم يكرّر بعنوان القراءة يكون مثل عمل الابرار ولكلّ عمل مقام وموسم فإن أدّي في موسمه يكون له حسن وملاحة والّا فكثيرا ما يكون خطأ وإن كان حسنة في ذاته الا ترى أنّ قراءة الفاتحة في التّشهّد خطأ وإن كانت أمّ الكتاب فكان الشّيخ في هذا الطّريق من الضّروريّات وتعليمه من أهمّ المهمّات وبدونه خرط القتاد قال واحد من الاعزّة. (شعر) من أجل كونك في البداية أحولا . لا بدّ من شيخ يقودك أوّلا والسّلام على من اتّبع الهدى المكتوب السّادس والعشرون إلى السّيّد محمّد نعمان في بيان أنّ الحقّ سبحانه كما هو موجود بذاته لا بالوجود حيّ وعالم وموصوف بالصّفات الثمانية بذاته لا بصفات زائدة وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ الحقّ سبحانه كاف بذاته القدس في نفس الوجود وفي سائر كمالات الوجود وتوابعه من الحياة والعلم والقدرة والسّمع والبصر والإرادة والكلام والتّكوين ليس بمحتاج في حصول هذه الكمالات إلى صفات زائدة وإن كانت له سبحانه صفات كاملة زائدة أيضا فهو تعالى كما أنّه موجود بذاته الاقدس لا بالوجود حيّ بذاته لا بالحياة الّتي هي صفته تعالى عالم بذاته لا بصفة العلم بصير بذاته لا بصفة البصر سميع بذاته لا بصفة السّمع وقادر بذاته لا بصفة القدرة مريد بذاته لا بصفة الإرادة ومتكلّم بذاته لا بصفة الكلام ومبدأ إيجاد الكائنات بذاته لا بصفة التّكوين وإن كان وجود العالم بتوسّط التّكوين وسائر الصّفات كما سيجيء تحقيق هذا المعنى وهذا التّكوين وراء القدرة فإنّ في القدرة صحّة الفعل والتّرك وفي التّكوين جانب الفعل متعيّن وأيضا للقدرة تقدّم على الإرادة والتّكوين بعد الإرادة وهذا التّكوين شبيه باستطاعة العبد الّتي قال علماء أهل الحقّ إنّها مقرونة بالفعل ووراء القدرة والإرادة القدرة مصحّحة لكلا طرفي الفعل والتّرك والإرادة مرجّحة لأحد الطّرفين والإيجاد يتعلّق بالتّكوين بعد ترجيح الإرادة فلو لم تثبت القدرة الّتي هي مصحّحة الطّرفين يلزم الإيجاب ولو لم يثبت التّكوين يلزم الإيجاد من غير مستند فإنّ القدرة مصحّحة الإيجاد والتّكوين مباشر الإيجاد فلا بدّ إذا من إثبات التّكوين وقد اهتدى إليه علماء الماتريديّة ولمّا وجد الاشاعرة إضافته وتعلّقه إلى الاشياء أكثر ظنّوه من الصّفات الإضافيّة والله يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل وإرجاع التّخليق والتّرزيق والإحياء والإماتة وأمثالها إلى صفة التّكوين أحسن من القول بكون كلّ منها صفة قديمة برأسها لئلّا يلزم إثبات قدماء متكثّرة من غير ضرورة فلاح من هذا البيان أنّ ما يتيسّر لغيره تعالى بإيجاده سبحانه بواسطة الصّفات حاصل له تعالى بذاته من غير توسّط الصّفات فإنّ ذاته تعالى جامعة لجميع الكمالات من غير ملاحظة أمر واعتبار بل هي عين كلّ كمال فإنّ التّبعّض والتّجزّي مفقود في حضرته فهو سبحانه عالم بتمام ذاته وسميع بالتّمام وبصير بالتّمام على هذا القياس سائر الصّفات ومع ذلك له سبحانه وتعالى صفات سبعة بل ثمانية كما قال بها علماء أهل الحقّ شكر الله تعالى سعيهم وهذه الصّفات الكاملة القديمة ظلال تلك الكمالات الذّاتيّة ومظاهرها ويمكن أن يقال: إنّها نقاب تلك الكمالات وحجب انوارها المكنونة.

قسم V02/P268–V02/P269

(فإن قيل) إذا كان ذاته تعالى كافية في حصول جميع الكمالات فلايّ شيء تثبت الصّفات ولم يقال بوجود تعدّد القدماء ولهذا اكتفى الفلاسفة والمعتزلة بالذّات وهربوا من القول بتعدّد القدماء وقالوا بنفي الصّفات (أجيب) أنّ حضرة الذّات تعالت وتقدّست وإن كانت كافية في حصول الكمالات ولكن لا بدّ في تكوين الاشياء وتخليقها من الصّفات الزّائدة فإنّ ذاته تعالى في نهاية التّنزّه والتّقدّس وفي غاية العظمة وجلال الكبرياء وكمال الغناء لا مناسبة لها بالاشياء إنّ الله لغنيّ عن العالمين وبمقتضى الحكمة ووفق العادة لا بدّ في الإفادة والإفاضة من المناسبة للمستفيد والمستفيض والصّفات قد تنزّلت درجة واحدة وحصلت ظلّيّة ومناسبة بالاشياء ولو في الجملة فلو لم يكن توسّط الصّفات لما يتصوّر حصول شيء من الاشياء فإنّه لا نصيب للأشياء في سطوة أشعّة أنوار حضرة الذّات تعالت وتقدّست غير الهلاك والفناء والانمحاء والانعدام ولا فكر فيمن ينسب إيجاد الاشياء إلى الذّات البحت من غير إثبات الصّفات وما هو الصّادر الاوّل حتّى لا يكون مضمحلّا ومتلاشيا في سبحات وجه ذاته تعالى (فإن قيل) إنّ الفلاسفة والمعتزلة وإن لم يثبتوا الصّفات في الخارج ولكنّهم قائلون باعتبارات علميّة ومثبتون لكمالات ذاتيّة متمايزة في العلم فلم يكن إيجاد الاشياء منسوبا إلى الذّات البحت بل بتوسّط الاعتبارات (أجيب) انّ إيجاد العالم في الخارج والعالم موجود في الخارج فلا بدّ من الحجب الخارجيّة حتّى يمكن أن تكون وسيلة لوجود الاشياء في الخارج وحافظة إيّاها عن الانمحاء والاستهلاك والاعتبارات العلميّة لا تجدي شيئا في الوجودات الخارجيّة ولا يكفي الحجاب العلميّ في محافظة الموجودات الخارجيّة وبعض الصّوفيّة الذين لا يقولون بوجود العالم في غير العلم لعلّ الاعتبارات العلميّة تنفعهم ويمكن أن تكون وسيلة لوجودات علميّة ولكنّ العالم موجود في الخارج وإن كان هذا الخارج ظلّ ذلك الخارج وهذا الوجود ظلّ ذاك الوجود فلا بدّ من الحجب الخارجيّة حتّى يمكن أن تكون وسيلة لوجود العالم في الخارج فينبغي أن تكون الصّفات الحقيقيّة موجودة في الخارج ومربّية للأشياء ومجلية للكمالات الذّاتيّة بوساطة نفسها في مرايا العالم وموردة إيّاها في منصّة الظّهور والصّفات وإن كانت حجبا للذّات تعالت ولكنّ ظهور الكمالات الذّاتيّة مربوط بوجودها وحجابيّة الصّفات كحجابيّة المنظرة الّتي هي سبب للإراءة وهذا الظّهور وإن كان ظلّيّا ولكن ماذا نصنع قد جعل وجودنا مربوطا بالظّلّ وتحقّقنا منوطا بالحجاب ما بالذّات لا ينفكّ عن الذّات (ع) سياهي أز حبشى كى رود كه خود رنك است. (شعر) ومن بعد هذا ما يدقّ صفاته .

قسم V02/P269–V02/P270

وما كتمه أحظى لديّ وأجمل العبد لا يكون حقّا سبحانه ولكن بفضله تعالى لا ينفكّ عن الحقّ جلّ شأنه " المرء مع من أحبّ " وإن كانت له سبحانه نسبة المعيّة بجميع الاشياء ولكنّ هذه المعيّة الّتي منشؤها المحبّة غير تلك المعيّة ومن لا محبّة له لا معرفة له بتلك المعيّة وحيث أنّ الدرجات متفاوتة في المحبّة فالتّفاوت أيضا حاصل في المعيّة بقدر تفاوت المحبّة وهذه المعيّة هي السّبب للتخلّص عن الظّلّيّة والواسطة للاضمحلال بالكلّيّة وهي المزيلة للرّقّيّة والمثبتة للحرّيّة في عين العبديّة وهي المسقطة للأنانيّة بل الرّافعة للأنانيّة إلى الدرجات الكماليّة (ينبغي أن يعلم) أنّه سبحانه قال في المعيّة العامّة بالاشياء وهو معكم فأثبت المعيّة في طرفه سبحانه وفي المعيّة الخاصّة بحكم " المرء مع من أحبّ " أثبت المعيّة في هذا الطّرف بمقتضى المحبّة شتّان ما بين المعيّتين فإنّ في المعيّة الخاصّة إثبات المعيّة من الطّرفين وفي المعيّة العامّة من ذاك الطّرف فقط فيلزمها الحرمان في عين الوجدان يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله والعالم وإن كان ظلال الصّفات وعرض له الوجود والبقاء بتوسّط الصّفات ولكن محبّ حضرة الذّات تعالت وتقدّست بتوسّط المحبّة الذّاتيّة مع حضرة الذّات تعالت قد ترقّى من الصّفات الّتي هي أصوله بعروج لا كيفيّ واتّصل بأصل الاصول متجاوزا الاصول ولكنّ اتّصاله لا كيفيّ فلو لم يترقّ عن أصله فما تكون الفائدة في مجيئه يعني وجوده وما الحاجة إلى المحبّة فإنّه كان له اتّصال بأصله في جميع الاوقات وكان الوصل الظّلّيّ ميسّرا له دائما والامر هو جعل الأصل مرقاة كالظّلّ والتّرقّي بأجنحة المحبّة إلى ما فوقه وفهم هذا العروج ليس ممّا يحصل في حوصلة فهم كلّ أحد والتّرقّي عن نفسه تاركا لنفسه ليس ممّا يكون معقولا لأرباب النّظر والفكر بل الصّوفيّة أيضا يشرّف منهم بهذه الدولة واحد من ألوف وينكشف له سرّ هذا المعمّى. (شعر) هزار نكتهء باريك تر ز موئ اينجاست . نه هر كه سر بتراشد قلندرى داند (فإن قيل) إنّ هذا السّير هل هو آفاقيّ او أنفسيّ (أجيب) أنّه ليس بآفاقيّ ولا أنفسيّ فإنّ المراد من الآفاق والأنفس الداخل والخارج وهذه المعاملة وراء الدخول والخروج وإن كانت محالا عند أرباب النّظر فإنّه إذا كان المطلوب أقدس من الدخول والخروج وتكون النّسبة معه أيضا منزّهة عن الدخول والخروج بالضّرورة وهذا السّير مع هذا الاشكال ومع هذه الدقّة معلوم ومتميّز عند اربابه ان كان من ارباب العلم كسير الدهليّ وأكره وكلّ منزل ممتاز عن منزل آخر. (تنبيه) إنّ العالم وإن كان ظلال الصّفات والصّفات ظلال حضرة الذّات ولكن للظّلّيّة درجات ومراتب كلّ منها حجاب للمطلوب " إنّ لله سبعين الف حجاب من نور وظلمة " وما لم تخترق الحجب بالتّمام لا يتخلّص من الظّلّيّة والمراد من خرق الحجاب هنا خرق شهوديّ وما ورد في آخر هذا الخبر من منع خرق جميع الحجب فالمراد منه خرق وجوديّ وهو ممتنع لانّه مستلزم لرفع الصّفات القديمة وهو محال ولكن إذا حصلت المعيّة الغير المتكيّفة فلها حكم الخرق الوجوديّ ومع الحجب كأنّه لا حجب فإنّ للمعيّة دقّة بحيث لا تطيق الحائل رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعليهم وعلى آله الطّاهرين أجمعين.

قسم V02/P270–V02/P272

المكتوب السّابع والعشرون إلى الملّا عليّ الكشميّ في بيان أنّ اللّائق بالعبد أن يخرج عن مراداته بالتّمام وأن يكون على مراده سبحانه وتعالى مع بيان المرض الذّاتيّ والعرضيّ ينبغي للعبد أن لا يكون له مراد ومطلوب غير مولاه عزّ وجلّ وغير مراده أصلا فلو لم يكن كذلك فهو مخرج رأسه عن ربقة العبوديّة وقدمه عن قيد الرّقّيّة والعبد إذا كان في أسر مرادات نفسه ومنخدعا بهواه وهوسه فهو عبد نفسه وفي طاعة الشّيطان اللّعين وتلك الدولة المذكورة مربوط حصولها بحصول الولاية الخاصّة المربوط حصولها بالفناء الاتمّ والبقاء الأكمل (فإن قيل) ربّما تظهر المرادات والمقتضيات من الكمّل أيضا ويحسّ تمنّيات حصول مطالب شتّى من الكبراء الاول وكان إمام الانبياء وسلطان الأولياء عليه وعليهم أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات يحبّ الماء البارد والحلوى وحرصه على هداية الأمّة مبيّن في القرآن المجيد فما يكون وجه بقاء أمثال هذه المقتضيات في هؤلاء الاكابر (أجيب) انّ بعض المقتضيات منشؤها الطّبيعة فما دامت نشأة الطّبيعة قائمة فتلك المقتضيات باقية فإنّ الطّبيعة مائلة إلى البرودة وقت الحرارة من غير اختيار وراغبة إلى الحرارة وقت البرودة بالاضطرار ومثل هذا الاقتضاء لا ينافي العبوديّة ولا هو سبب التّعلّق بالهوى والهوس فإنّ ضروريّات الطّبيعة خارجة من دائرة التّكليف وليست هي من هوى النّفس الأمّارة فإنّ ميلان النّفس إمّا إلى فضول المباح أو إلى المشتبه والمحرّم وما هو ضروريّ لا مدخل فيه للنّفس فظهر أنّ منشأ التّعلّق والتّعوّق هو الاشتغال بفضوليّات الأفعال وإن كانت من قسم المباح فإنّ لفضول المباح نسبة قرب الجوار بالمحرّم فلو رفع قدمه منه بإغواء العدوّ اللّعين ليضع في المحرّم بلا اختيار فكان الاقتصار على المباح ضروريّا فإنّه لو رفع القدم منه يوضع في فضول المباح بخلاف ما إذا أقام في فضول المباح اوّلا فإنّه لو وقع القدم خارجه ليقع في المحرّم كما مرّ آنفا. (وظهور) بعض المرادات ربّما يكون بسبب من خارج مع خلوص الشّخص في نفسه عن المرادات وهذا السّبب الخارج إمّا واعظ الرّحمن فيلقى الخيرات فإنّ لله سبحانه واعظا في قلب كلّ مؤمن أو الشّيطان فيلقى الشّرور والعداوة يَعِدُهُمْ ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلّا غُرُورًا وهذا الفقير كان يوما بعد صلاة الصّبح قاعدا بطريق السّكوت كما هو شيمة أهل هذه الطّريقة العليّة أيّام إقامتي في القلعة فهجم على الخاطر تمنّيات لا طائل فيها وسلبت الحلاوة بهجومها ومنعت من الجمعيّة ثمّ رجعت الجمعيّة بعد لمحة بعناية الله سبحانه إلى حالها فرأيت أنّ تلك التّمنّيات خرجت من الخاطر وارتفعت كقطع السّحاب وخرجت من الباب مع ملقيها وخلّت البيت عنها فعلم في ذاك الوقت أنّ تلك المرادات إنّما ظهرت من خارج لا من داخل حتّى تنافي العبوديّة (وبالجملة) أنّ كلّ فساد منشؤه النّفس الامّارة فهو مرض ذاتيّ وسمّ قاتل ومناف لمقام العبوديّة وكلّ فساد حصل من خارج ولو كان بالقاء الشّيطان فهو من الأمراض العارضيّة الزّائلة بأدنى العلاج قال الله تبارك وتعالى إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا وبلاؤنا إنّما هو أنفسنا وعدوّ أرواحنا مصاحبنا السّوء والعدوّ الخارجيّ يستولى علينا بمدده إيّاه ويزيلنا عن منزلتنا بإعانته إليه وأشدّ الاشياء جهالة هو النّفس الامّارة فإنّها عدوّ نفسها ومريدة بالسّوء إيّاها وهمّتها إهلاك نفسها ومتمنّاها معصية ربّها الذي هو مولاها ووليّ نعمها وإطاعة الشّيطان الذي هو عدوّها (ينبغي أن يعلم) أنّ التّمييز بين المرض الذّاتيّ والعرضيّ ومعرفة الفساد الداخليّ والخارجيّ في غاية التّعذّر وربّما يظنّ النّاقص نفسه كاملا بزعم أنّ مرضه عارضيّ لا ذاتيّ فيبقى في الخسارة الابديّة ومن هذا الخوف لم أجترئ في تحرير هذا السّرّ ولم أستحسن إظهار هذا المعنى وكنت في هذا الاشتباه مدّة سبعة عشر سنة ووجدت الفساد الذّاتيّ مختلطا بالفساد العارضيّ وفي هذا الوقت ميّز الحقّ سبحانه الحقّ من الباطل وأبان الفساد الذّاتيّ من الفساد العارضيّ لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك وعلى جميع نعمائه وأحد اسباب إظهار أمثال هذه الأسرار وحكمة من حكمه الإشفاق على قاصر النّظر لئلّا يظنّ الكامل ناقصا بوجود أمثال هذه التمنّيات والمرادات الخارجيّة فيه فيحرم من بركاته وكان سبب حرمان الكفّار من دولة تصديق الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وجود أمثال هذه الصّفات فيهم فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وما قيل إنّ الحقّ سبحانه يجعل العارف بعد زوال المرادات والمقتضيات عنه صاحب إرادة واختيار فتفصيله يذكر ويحرّر بعناية الله تعالى في محلّ آخر وهذا الوقت لا يساعد ذلك والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات.

قسم V02/P272–V02/P273

المكتوب الثامن والعشرون إلى الملّا صالح التّرك في بيان كيفيّة التّصديق عن أرواح الموتى الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وقع يوما في الخاطر أن أتصدّق عن أرواح بعض الاقارب الموتى فظهر في ذلك الاثناء أنّه قد حصل الفرح والسّرور لذلك الميّت المرحوم بمجرّد هذه النّيّة وظهر في النّظر فرحا ومسرورا ولمّا جاء وقت إعطاء تلك الصّدقة قصدت بها أوّلا روحانيّة خاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام كما كان ذلك عادتي ثمّ روحانيّة ذلك الميّت فأحسست في ذلك الميّت في ذاك الوقت غمّا وحزنا وظهر بالوحشة والكدورة فحصل لى تعجّب تامّ من مشاهدة هذا الحال لانّه لم يظهر وجه تكدّره ووحشته مع أنّه كان محسوسا أنّه قد حصل له من تلك الصّدقة بركات عظيمة ولم يظهر فيه أثر فرح وسرور وكذلك نذرت يوما مبلغا لروحانيّته صلّى الله عليه وسلّم وأدخلت في ذلك النّذر سائر الانبياء الكرام على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام فلم يعلم مرضاه صلّى الله عليه وسلّم في ذلك الامر وكذلك إذا أشركت سائر الانبياء نبيّنا عليهم الصّلاة والسّلام في الصّلوات في بعض الاوقات لا يظهر رضاه صلّى الله عليه وسلّم مع أنّه قد علم أنّه إذا تصدّقت عن روحانيّة واحد وأشركت فيها جميع المؤمنين يصل ثوابها إلى الكلّ من غير أن ينقص شيء من ثواب الشّخص المنويّ عنه إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ فما يكون وجه التّكدّر وعدم الرّضاء في ذلك التّقدير وبقي هذا الإشكال مدّة فظهر آخر الامر بفضل الله سبحانه أنّ وجه التّكدّر والحزن هو أنّ الصّدقة إذا تصدّق بها عن الميّت بلا شركة يحمل ذلك الميّت تلك الصّدقة من جانبه إلى ملازمة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بطريق الهديّة ويأخذ عنه صلّى الله عليه وسلّم فيوضا وبركات بوساطتها بخلاف ما إذا قصد صاحب الصّدقة بصدقته النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإنّه لا نفع حينئذ للميّت سوى الثواب ففي صورة الشّركة إن قبلت الصّدقة فللميّت ثواب تلك الصّدقة وفي عدم الشّركة إن قبلت ثواب الصّدقة وبركات إتحاف تلك الصّدقة وفيوض إهدائها له صلّى الله عليه وسلّم وهذا المعنى كائن في كلّ صدقة يشرك فيها الميّت بالغير فإنّ في صورة الشّركة درجة واحدة من الثواب وفي صورة عدم الشّركة درجتان درجة الصّدقة ودرجة حملها من عنده إلى ذلك الغير وكذلك صار معلوما أنّ غريبا إذا حمل تحفة وهديّة إلى واحد من الاكابر الافضل أن يحملها إليه من غير شركة احد به ولو كان طفيليّا والمهديّ إليه يعطيها من عنده من شاء من إخوانه وغيرهم والآل والاصحاب الذين هم بمثابة عياله عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات فلو جعلهم داخلا في هديّته صلّى الله عليه وسلّم يكون ذلك مرضيّا ومقبولا نعم من المعروف أنّ من أهدى هديّات إلى واحد من الاعزّة وأشرك به فيها أقرانه يكون ذلك بعيدا من الادب والتماس رضا المهديّ إليه بخلاف ما إذا أهدى إلى خدمته بتبعيّته فإنّ ذلك يكون مرضيّا لانّ إعزاز خدمة شخص إعزاز ذلك الشّخص فعلم أنّ أكثر رضاء الموتى في إفراد الصّدقة لا في الإشراك ولكن إذا قصد التّصدّق عن ميّت ينبغي أن يهدى أوّلا شيء بنيّة روحانيّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على حدة ثمّ يتصدّق عن الميّت فإنّ حقوقه صلّى الله عليه وسلّم فوق حقوق سائر الخلق وأيضا إنّ في هذا التّقدير احتمال كون الصّدقة مقبولة ببركة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهذا الفقير إذا عجز عن تصحيح النّيّة في بعض الصّدقات عن الموتى لا يجد علاجا أفضل من أن أتصدّق بها بنيّته صلّى الله عليه وسلّم وأجعل ذلك الميّت طفيليّا له فإنّه يرجى أنّ تقبل ببركته صلّى الله عليه وسلّم وقد قال العلماء: إنّ الصّلاة على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مقبولة ولو صدرت رياء وسمعة وهي واصلة إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإن لم يحصل منها ثواب إلى المصلّي فإنّ حصول الثواب من الاعمال مربوط بتصحيح النّيّة وأمّا وصولها إلى النّبيّ الذي هو محبوب ربّ العالمين وكونها مقبولة في حقّه عليه الصّلاة والسّلام فتكفيه أدنى علّة وقوله تعالى وكانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيمًا نازل في حقّه صلّى الله عليه وعلى آله وعلى جميع إخوانه الكرام من الانبياء والملائكة العظام إلى يوم القيام.

قسم V02/P273–V02/P275

المكتوب التّاسع والعشرون إلى المير محبّ الله في بيان حصول فهم بعض الكلمات القدسيّة من الآيات القرآنيّة ولما ظهر سابقا تردّد في فهم بعض كلمات القرآن وعجزت عن تطبيقه لم أجد بعناية الله تعالى في دفع الوساوس علاجا أفضل من أن أقول لنفسي: إنّك تعترف بأنّ هذا النّظم القرآنيّ كلام الله عزّ وجلّ وتؤمن به أوّلا فلو لم تؤمن فأنت كافر وخارج عن المبحث فإن تؤمن فالقصور في فهمك لا في نظم القرآن الذي هو كلام خالق الارض والسّماوات ومبدع العقول والإدراكات ولمّا حصل الإيمان بفضل الله جلّ سلطانه بحقيقة كلام الله تعالى صارت تلك الوسوسة مضمحلّة ومتلاشية ونجوت من التّردّد وفي هذه الاوان بلغ الامر بفضل الله تعالى مبلغا إذا كان لي في محلّ من نظم القرآن مجال تردّد من قصور الإدراك صار ذلك المحلّ باعثا على ازدياد الإيمان بالقرآن وكان ذاك التّردّد واسطة لظهور الإعجاز في القرآن وصرت أتصوّر إغلاق ما فيه من شعب الإعجاز وأحمل الإشكال على كمال البلاغة والفصاحة الّتي البشر عاجز عن فهمها لكونها وراء الاختصار والإيجاز والإيمان الحاصل في عدم فهم القرآن ليس هو في فهمه فإنّ في عدم الفهم انكشاف طريق الإعجاز وهو مفقود في صورة الفهم سبحان الله إنّ عدم فهم القرآن يكون سببا لضلالة قوم وإنكارهم كلام الله تعالى ويصير لبعض آخر سببا لكمال الإيمان بالقرآن ويؤدّيهم إلى الهداية يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا والسّلام. المكتوب الثلاثون إلى المير محمّد نعمان في بيان العروج إلى مراتب الأصول ومراتب العبادات الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين: ومرتبة الإنسان في آخر الورى . لذلك عن عزّ الحضور تأخّرا فلو لم يعد من بعده واغترابه . فلا شيء محروم كأنس من الورى فإذا وقع له العروج بعناية الله تعالى إلى أصوله الّتي هو كالظّلّ لها يكون له في كلّ أصل من تلك الاصول فناء وبعده بقاء به وبهذا الفناء والبقاء يزول إطلاق لفظ أنا عن ذلك الظّلّ ويطلق على ذاك الاصل الذي كان فانيا فيه وباقيا به ويرى نفسه عين ذاك الاصل وكذلك إذا وقع له العروج بكرم الحقّ جلّ وعلا من ذاك الاصل يحصل لأصله الاوّل فناء وبقاء بالاصل الذي هو فوق ذاك الاصل وذاك الاصل كالظّلّ له يزول إطلاق أنا من الاصل الاوّل ويقع في الاصل الثاني ويجد نفسه عين ذلك الاصل الثاني وإذا وقع العروج من الاصل الثاني إلى الاصل الثالث يتقرّر إطلاق أنا على الاصل الثالث الذي الاصل الثاني ظلّه وهذه النّسبة كائنة في كلّ أصل تحتانيّ مع الاصل الفوقانيّ الذي الاصل التّحتانيّ كالظّلّ له يعني إذا وقع العروج بمحض فضل الله سبحانه من الظّلّ إلى الاصل يزول إطلاق أنا من ذلك الظّلّ ويقع على الاصل ويجد نفسه عين ذلك الاصل إلى ما شاء الله تعالى على تفاوت درجات الاستعداد وتصير تلك الاصول بتلك الكثرة والرّفعة أجزاءه وتجعل القطرة بحرا وتصير الذّرّة جبلا فإذا كانت هذه الاصول أجزاءه فلا جرم يكون من كمالاتها وبركاتها نصيب كامل له ويكون كماله جامعا لكمالات تلك الاجزاء فينبغي أن يعرف هنا فرق ما بين الإنسان الكامل وسائر أفراد الإنسان فإنّه بحر محيط وهؤلاء كقطراته المحقّرة فهؤلاء كيف يعرفونه وما يدركون من كماله ونعم ما قيل: إلهي ما هذا الذي جعلت أولياءك بحيث من عرفهم وجدك وما لم يجدك لم يعرفهم وكما أنّ بين الإنسان الكامل والإنسان النّاقص تفاوتا بقلّة الاجزاء وكثرتها بين طاعاتهما وحسناتهما أيضا تفاوت بقدرها إذا أعطي شخص مثلا مائة لسان فيذكر الحقّ سبحانه بكلّ لسان منها أيّ نسبة تكون له بمن أعطي لسانا واحدا يذكر الله تعالى به وينبغي أن يقيس الإيمان والمعرفة وسائر الكمالات على هذا المعنى رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الحمد لله ربّ العالمين أوّلا وآخرا والصّلاة والسّلام على رسوله دائما وسرمدا وعلى آله الكرام وصحبه العظام إلى يوم القيام.

قسم V02/P275–V02/P277

المكتوب الحادي والثلاثون إلى الملّا بدر الدين في تحقيق عالم الارواح وعالم المثال وعالم الاجساد الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. قد كتبتم أنّ الرّوح كان قبل تعلّقه بالبدن في عالم المثال ويذهب بعد مفارقته من البدن أيضا إلى عالم المثال فيكون عذاب القبر في عالم المثال كالم يحسّ به الإنسان في المنام في عالم المثال وكتبتم أنّ هذا الكلام له تشعّبات كثيرة فإن قبلتم نفرّع عليه فروعات كثيرة (اعلم) أنّ أمثال هذه الخيالات قليلة النّصيب من الصّدق نخاف من أن تدلّكم على طريق غير متعارف فلنكتب في تحقيق هذا المبحث كلمات بالضّرورة مع وجود الموانع والله سبحانه الهادي إلى سبيل الرّشاد (أيّها الاخ) إنّ عالم الممكنات منقسمة إلى ثلاثة أقسام عالم الارواح وعالم المثال وعالم الاجساد وقالوا: إنّ عالم المثال برزخ بين عالم الارواح وعالم الاجساد وقالوا أيضا: إنّ عالم المثال كالمرآة لمعاني العالمين المذكورين وحقائقهما وتظهر معاني عالم الارواح والاجساد في عالم المثال بصور لطيفة فإنّ لكلّ معنى وحقيقة هناك صورة وهيئة أخرى مناسبة لهما وذلك العالم ليس هو في حدّ ذاته متضمّنا للصّورة والهيئات والاشكال وإنّما ظهرت فيه الصّور والأشكال منعكسة من عوالم أخر كالمرآة الّتي ليست هي متضمّنة لصورة أصلا في حدّ ذاتها فإن كانت فيها صورة فهي حاصلة من خارج فإذا علم هذا الكلام فاعلم أنّ الرّوح كان قبل تعلّقه بالبدن في عالمه الذي هو فوق عالم المثال فإنّه تنزّل بعد التّعلّق بالبدن فنازل إلى عالم الاجسام بعلاقة حبّيّة لا شغل له بعالم المثال لا قبل التّعلّق ولا بعد التّعلّق وإنّما يطالع بعض أحواله بعناية الله تعالى في مرآة ذلك العالم في بعض الاوقات ويستعلم حسن أحواله وقبحها من هناك كما أنّ هذا المعنى واضح ولائح في صور الواقعات والمنامات وربّما يحسّ هذا المعنى من غير أن يغيب عن الحسّ وبعد المفارقة عن البدن فإن كان علويّا فمتوجّه إلى فوق وإن كان سفليّا فمأسور في السّفل لا شغل له بعالم المثال وعالم المثال إنّما هو للمشاهدة والرّؤية لا للكينونة فيه ومحلّ الكينونة إمّا عالم الارواح وإمّا عالم الاجساد وعالم المثال إنّما هو مرآة لهذين العالمين كما مرّ والالم الذي يرى في المنام في عالم المثال إنّما هو صورة العقوبة وشبحها الّتي استحقّها الرّائي ظهرت له للتّنبيه وعذاب القبر ليس من هذا القبيل فإنّه حقيقة العقوبة لا صورتها وشبحها وأيضا إنّ الألم الذي يحسّ في المنام لو كان له حقيقة فرضا فهو من قبيل الآلام الدنيويّة وعذاب القبر من جملة عذاب الآخرة شتّان ما بينهما فإنّ العذاب الدنيويّ لا مقدار له ولا اعتبار بالنّسبة إلى عذاب الآخرة - أعاذنا الله سبحانه - فلو وقعت في الدنيا شرارة من نار جهنّم لأحرقت الكلّ وجعلت متلاشيا وزعم عذاب القبر كعذاب المنام من عدم الاطّلاع على صورة العذاب وحقيقة العذاب وأيضا إنّ منشأ هذا الاشتباه هو توهّم مجانسة عذاب الدنيا بعذاب الآخرة وهذا توهّم باطل بيّن البطلان (فإن قيل) قد يفهم من قوله تعالى الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها إنّ توفّي الانفس كما هو في الموت كذلك هو في المنام أيضا فما وجه عدّ عذاب أحدهما من عذاب الدنيا وعذاب الآخر من عذاب الآخرة (أجيب) انّ التّوفّي في المنام من قبيل خروج شخص من وطنه المألوف بالشّوق والرّغبة للنّزاهة والنّظارة ليحصل له الفرح والسّرور فيرجع إلى وطنه فرحا مسرورا ومنتزهه عالم المثال الذي متضمّن لعجائب الملك والملكوت ولا كذلك التّوفّي حين الموت فإنّ فيه هدم الوطن المألوف وتخريب البناء المعمور ومن ههنا لا تحصل المحنة والكلفة في توفّي النّوم بل هو متضمّن للفرح والسّرور وفي توفّي الموت شدّة وكلفة فيكون وطن المتوفّي النّوميّ هو الدنيا وتكون المعاملة الّتي تظهر له من معاملات الدنيا والمتوفّي الموتيّ منتقل إلى الآخرة بعد تخريب وطنه المألوف وكانت المعاملة معه من معاملات الآخرة ولعلّكم سمعتم " من مات فقد قامت قيامته» (وإيّاكم) والانحراف عن اعتقادات اهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم اغترارا بالكشوف الخياليّة وظهور الصّور المثاليّة فإنّ النّجاة بدون متابعة هذه الفرقة النّاجية غير متصوّرة فعليكم بالاجتهاد في اتّباع هؤلاء الاكابر غاية الإمكان تاركين ما ينافيه كائنا ما كان ما عَلَى الرَّسُولِ إِلّاَ الْبَلاغُ وقد أوردني انبساطكم في العبارة في توهّم أنّ هذه التّخيّلات تكاد تخرجكم من تقليد هؤلاء الاكابر وتجعلكم ممّن يتبع كشفيّات نفسه نعوذ بالله سبحانه منها ومن شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا الشّيطان عدوّ قويّ ينبغي للإنسان أن يكون واقفا على نفسه حتّى لا يخرج من الصّراط المستقيم إلى سكك أخر أيّ بلاء وقع لم تنجرّ مدّة المفارقة إلى سنة حتّى وقع الذّهول عن الاحتياط والتزام متابعة السّنّة وأهل السّنّة وحصر النّجاة في تقليد هؤلاء الاكابر الّتي كانت فيكم وجعلتم متخيّلاتكم مقتداكم وفرّعتم عليها فروعات كثيرة واحتمال ملاقاتنا يرى بحسب الظّاهر بعيدا جدّا فعليكم المعيشة والمعاملة بحيث لا ينقطع حبل الرّجاء رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى .

قسم V02/P277–V02/P278

المكتوب الثاني والثلاثون إلى المقصود علي في بيان أنّ ما قيل إنّ كثرة الخطرات من أسباب الوصل إنّما هو على مقدار التّجلّي وفي تحقيق حقيقة الكثرة الوهميّة وما يناسب ذلك الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد كتبتم أنّ ساري طريق اشتكى إلى عالم طريق من هجوم الخطرات فقال حيث انّ إحاطة المطلوب وشموله بحكم " وهو بكلّ شيء محيط " معلوم ينبغي أن تعدّ الخطرة من أسباب الوصل لا من موجبات الفصل وأن يجعل أبواب المشاهدة مفتوحة وروزنة الغفلة مسدودة (هذا) الكلام صادق بحسب التّجلّي الصّوريّ الذي هو مقدّمة من مقدّمات هذا الطّريق فإن كان في هذا الموطن وصل فمع كونه في الحقيقة فصلا فهو باعتبار الصّورة وإن كانت مشاهدة ولو هي في الواقع مباعدة فهي أيضا بملاحظة الصّورة وهذا التّجلّي ساقط عن حيّز الاعتبار عند أكابر هذا الطّريق لانّه ليس بمفن لوجود السّالك والمحقّ والمبطل شريكان فيه فإنّ لجوكيّة الهند وفلاسفة اليونان خبرا عنه وهم محظوظون وملتذّون بعلومه ومعارفه غاية ما في الباب أنّ حصول هذه الدولة للمحقّ من طريق صفاء القلب وللمبطل من طريق صفاء النّفس فلا جرم أنّ ذاك يفضي إلى الهداية وهذا يجرّ إلى الضّلالة ولكن كلاهما في اسر الصّورة لا خبر لهما عن المعنى. (شعر) ما يعرف الغفلان عابد صورة . حسن المقنع عن جميع مؤانس ولكن في المحقّ احتمال النّجاة من أسر الصّورة والمبطل منهمك في الصّورة فإنّ الخلاص من أسر الصّورة من غير التزام ملّة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام محال (وأيضا) إنّ التّجلّي الصّوريّ داخل في دائرة العلم ولكن لمّا طرح الحال والذّوق فيه الشّعاع يرى مثل الحال (وأيضا) إنّ المشهود في التّجلّي الصّوريّ الكثرة لكن بعنوان المظهريّة للوحدة وشهود الكثرة بأيّ عنوان كان وبال في وبال ينبغي أن لا يبقى في نظر الباطن اسم من الكثرة وشهودها ولا رسم ولا يكون المشهود غير الواحد الحقيقيّ أصلا حتّى يتيسّر الفناء الذي هو قدم أوّل في هذا الطّريق فإنّ الفناء عبارة عن نسيان ما سوى الحقّ سبحانه وزواله من الباطن فكيف يكون للكثرة مجال في ذلك الموطن وما يكون شهود الكثرة فيه (وما) قال القائل من أنّ الخطرة من أسباب الوصل وأبواب المشاهدة فالمراد بذاك الوصل والمشاهدة الوصل والمشاهدة الصّوريّان وهما عين المفارقة والمباعدة فإنّ الوصل المعتبر عند أكابر هذه الطّائفة العليّة إنّما هو في مقام البقاء بالله الذي يحصل بعد الفناء ونسيان جميع ما سواه تعالى ووجود الخطرة مناف لتلك الدولة وحصول الوسوسة مانع لتلك المنزلة وفي مقام الفناء الذي هو دهليز ذلك الوصل يكون انتفاء الخواطر على نوع لو كلّف بتذكّر الاشياء لا يتذكّر بواسطة نسيان السّوى الذي حصل له وقد كتبتم وهو على كلّ شيء محيط بيان الإحاطة ما جاء بهذه العبارة يشبه أن تكون هذه من كلام المولّدين فإنّ تعدية الإحاطة بكلمة " على " كثيرة الوقوع في كلام العجم والمتعارف في العبارة العربيّة الفصيحة تعدية الإحاطة بالباء قال الله تبارك وتعالى وكانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا وقال تعالى إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ والظّاهر أنّ هذه العبّارة إنّما أوردت بطريق الاستشهاد بتخيّل أنّها من القرآن وليس كذلك فإنّ بيان هذا المعنى في الكلام المجيد بعبارة أخرى كما مرّ (وكتبتم) أيضا أنّ الكثرة الوهميّة والتّعدّد الاعتباريّ قد تراكمت على وجه وقع أكثر العلماء في الغلط بتوهّم تعدّد الوجود وقنعوا من اللّبّ بالقشر (اعلم) أنّ الكثرة والتّعدّد وإن كانت وهميّة واعتباريّة ولكن لمّا صدرت وظهرت بصنع الله جلّ سلطانه صارت متقنة ومستحكمة وكانت المعاملة الدنيويّة والاخرويّة مربوطة بها والآثار الخارجيّة مترتّبة عليها وارتفاعها ممنوع وإن ارتفع الوهم والاعتبار فإنّ العذاب والثواب الدائمين الاخرويين الذين أخبر عنهما المخبر الصّادق منوطان بالكثرة مربوطان بالتّعدّد والحكم بارتفاع الكثرة والتّعدّد دخول في الالحاد والزّندقة أعاذنا الله سبحانه من ذلك فالصّوفيّة العليّة والعلماء الكرام كلّهم قائلون بثبوت هذه الكثرة واستمرار هذا التّعدّد ويرون المعاملة الاخرويّة الدائميّة مربوطة بها ولكن لمّا كان من شأن هذه الكثرة الارتفاع من شهود الصّوفيّة وقت العروج يجدونها وهميّة واعتباريّة وحيث انّها لا ترتفع في نفس الامر وإن كانت مرتفعة من الشّهود يقول العلماء إنّها موجودة فنزاع الفريقين صار راجعا إلى اللّفظ بعد الاتّفاق في المعنى كلّ من الفريقين حكم بمقياس وجدانه فالصّوفيّة اعتبروا الشّهود وحكموا بالوهميّة والاعتباريّة بملاحظة الارتفاع الشّهوديّ وقال العلماء بوجودها بملاحظة ثبوتها واستقرارها في نفس الامر ولكلّ وجهة وقد بيّن هذا الفقير هذا المعنى في مكتوباته ورسائله بالتّفصيل وأرجع نزاع الفريقين إلى اللّفظ فإن بقي خفاء ينبغي أن يراجع فيها.

قسم V02/P278–V02/P279

نظر العلماء قريب من الصّواب لانّه مطابق لنفس الامر ونظر الصّوفيّة باعتبار السّكر وغلبة الحال الا ترى أنّ النّجوم مختفية في النّهار وثابتة في نفس الامر وإن كانت مستورة عن الشّهود فالحكم بثبوت النّجوم أقرب إلى الصّواب من الحكم بعدمها بملاحظة عدم شهودها ومقصود العلماء من القول بوجود الكثرة إبقاء الشّريعة الّتي مبناها على التّعدّد وإجراء وعد صاحب الشّريعة ووعيده فإنّه لا يتصوّر بدون الكثرة والصّوفيّة أيضا معترفون بهذا المعنى وإن أطبقوه على الشّريعة بالتّكلّف وما قاله العلماء صادق بلا تكلّف ومطابق بلا تمحّل لا غبار فيه أصلا ولا كدورة وإنّهم لا يثبتون وجودا مستقلّا مستبدّا حتّى يكون فيه مجال للكلام ويكون شركة بالواجب تعالى وإنّما يثبتون وجودا ضعيفا مفاضا ومستعارا من الغير كيف يجوز تخطئة العلماء فإنّهم أكابر الدين ونسبة الغلط إليهم غلط محض ومحض الغلط ونحن العاجزون المتعوّقون أخذنا الدين والشّريعة من العلماء واستفدنا المذهب والملّة من بركاتهم فلو كان فيهم مجال للطّعن لارتفع الاعتماد عن الشّريعة والملّة ولهذا قالوا: الطّاعن في السّلف ضالّ ومبتدع وعدوّا طعنه من أسباب التّضليل والتّشكيك في الدين وحكموا ببطلانه (وكتبتم) أيضا أنّهم قنعوا من اللّبّ بالقشر يشبه أنّكم تخيّلتم الصّور لبّا والتّنزيه قشرا فإنّ دعوة العلماء ودلالتهم إلى التّنزيه ومشهود صاحب التّجلّي الصّوريّ ومطلوبه الصّور والاشكال ينبغي الإنصاف أيّهما متشبّث باللّبّ وأيّهما منخدع بالقشر وإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا والسّلام أوّلا وآخرا. المكتوب الثالث والثلاثون إلى الملّا شمس الدين في تحقيق كلام الشّيخ شرف الدين يحيى المنيريّ من أنّ السّالك ما لم يكفر ولم يقطع رأس أخيه ولم يتزوّج بأمّه لا يكون مسلما. عليكم بالاستقامة يا ملّا شمس قد سألتم أنّ شيخ المشايخ الشّيخ شرف الدين يحيى المنيريّ كتب في رسالته إرشاد السّالكين " إنّ السّالك ما لم يكفر لا يكون مسلما وما لم يقطع رأس أخيه لا يكون مسلما وما لم يتزوّج بأمّه لا يكون مسلما " فما المراد بهذه الكلمات (اعلم) أنّ المراد بالكفر كفر الطّريقة الذي هو عبارة عن مرتبة الجمع الذي هو موطن الاستتار ومقام عدم الامتياز بين حسن الإسلام وقبح الكفر بل كما يرى الإسلام مستحسنا يجد للكفر أيضا حسنا فيه ويجد كليهما مظهرا للاسم الهادي والاسم المضلّ وينال من كلّ منهما حظّا ويكون بهما مستلذّا وهذا هو ذلك الكفر الذي أخبر عنه حسين بن منصور الحلّاج وكان فيه ومات عليه وقال (شعر) كفرت بدين الله والكفر واجب .

قسم V02/P279–V02/P281

لديّ وعند المسلمين قبيح والشّطحيّات مثل قول أنّا الحقّ وقول سبحاني وقول ليس في جبّتي سوى الله كلّها من اثمار شجرة الجمع الذي منشئوه استيلاء الحبّ وغلبة محبّة المحبوب الحقيقيّ لم يبق في نظر شهودهم غير المحبوب بل صار مختفيا ومستورا وهذا المقام مقام الجهل والحيرة أيضا ولكنّ جهل هذا المقام محمود وحيرته ممدوحة فإن وقع سير إلى أعلى من مقام الجمع بعناية الله سبحانه واجتمع العلم بالجهل واقترنت المعرفة بالحيرة وظهر الفرق والتّميّز وتبدّل السّكر بالصّحو فحينئذ يحصل الإسلام الحقيقيّ وتتيسّر حقيقة الإيمان وهذان الإسلام والإيمان محفوظان من الزّوال ومأمونان من طريان الكفر والاستبدال والمراد بما ورد في بعض الادعية المأثورة من قوله صلّى الله عليه وسلّم " اللهمّ إنّي أسالك إيمانا ليس بعده كفر " هو هذا الإيمان لانّه محفوظ عن الزّوال وقوله تعالى أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ الله لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ بيان لعلامة حال أهل هذا الإيمان فإنّ الولاية لا تتصوّر بدون هذا الإيمان وإن كان يمكن إطلاق اسم الولاية في مرتبة الجمع أيضا ولكنّ النّقص والقصور لازم تلك المرتبة دائما فإنّ الكمال في الإيمان والمعرفة لا في الكفر والجهل أيّ كفر وأيّ جهل كان فصحّ ما قال الشّيخ فإنّه ما لم يتحقّق بكفر الطّريقة لا يشرّف بإسلام الحقيقة (وما) قال إنّه ما لم يقطع رأس أخيه لا يكون مسلما فالمراد من الاخ الشّيطان الذي يولد معه ويكون قرينه ويدلّه على الشّرّ والفساد دائما كما ورد في الحديث على قائله الصّلاة والسّلام " ما من ابن آدم إلّا ومعه قرين من الجنّ قالوا: ومعك يا رسول الله؟ قال: نعم ولكن أعانني الله عليه فأسلم " يعني من شرّه إن كان بصيغة المتكلّم أو فأسلم شيطاني إن كانت الرّواية بصيغة الماضي وهذه الرّواية الاخيرة مشهورة وقتل هذا القرين عبارة عن عدم الانقياد إليه واستحقاره واسترذاله. (فإن قيل) إنّ الإنسان مع وجود العقل والفراسة فيه لم يكن مغلوبا للشّيطان ويرتكب غير مرضاته تعالى. (أجيب) انّ الشّيطان فتنة وبلاء سلّطه الله سبحانه على عباده للابتلاء والامتحان وجعله مستورا عن نظرهم ولم يطلعهم على أحواله وجعله بصيرا بأحوالهم وأجراه مجرى الدم منهم والسّعيد من يكون محفوظا بعناية الله تعالى من كيد مثل هذا البلاء ومكره ومع ذلك ذكر الله سبحانه كيده في القرآن المجيد بالضّعف وجرّأ السّعداء وشجّعهم نعم إنّ حكم الشّيطان بهذا التّسلّط مع إعانة الله لعبده حكم الثعلب وبدون إمداد فضله أسد مفترس. (شعر) الا فأعطني قلبا ترى من جسارة . الاسود وإن الفيتني قبل ثعلبا (والجواب الآخر) انّ الشّيطان ربّما يجيئ من طرق أهواء النّفس ويدلّه على المشتبهات فيجد النّصرة عليه بالضّرورة بإعانة النّفس الأمّارة الّتي هي عدوّ المنزل ويجعلها منقادة لنفسه وكيد الشّيطان ضعيف في حدّ ذاته وإنّما يفعل ما يفعل بإعانة من يؤوي العدوّ إليه وبلاؤنا في الحقيقة هو النّفس الامّارة الّتي هي عدوّة أرواحنا لا أحد عدوّ لنفسه الّا هذه الخسيسة والعدوّ الخارجيّ إنّما يصنع ما يصنع بإمدادها فينبغي أوّلا أن يقطع رأس النّفس وأن يمتنع عن الانقياد إليها والازدراء بها وإهانتها ورأس الاخ يقطع في ضمن هذا الجهاد ويصير حقيرا وذليلا وحجاب طريق السّالك وسدّه هو نفسه والاخ خارج عن المبحث فإنّه يدعو إلى الشّرّ من بعد ومن صراط مستقيم إلى سبل معوجّة ودفع العدوّ الخارجيّ بعد التّخلّص من انقياد النّفس متصوّر بإمداد الله تعالى بأسهل الوجوه إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ بشارة للعباد الذين تخلّصوا من رقّيّة النّفس وأخلصوا العبادة للمعبود الحقيقيّ والله سبحانه الموفّق (وما قال) من أنّه ما لم تتزوّج بأمّه لا يكون مسلما (يمكن) أن يكون مراده بأمّه عينه الثابت الذي هو سبب ظهور وجوده في الخارج وورد التّعبير عن العين الثابت بالامّ في اصطلاح هذه الطّائفة قال واحد من الاعزّة. (شعر) ولدت أمّي أباها .

قسم V02/P281–V02/P282

إنّ ذا من عجبات أراد بالأمّ عينه الثابت وبأبيها اسما من الاسماء الإلهيّة الذي العين الثابت ظلّ ذلك الاسم وعكسه ولمّا كان ظهور ذلك الاسم في الخارج بتوسّط ذاك العين الثابت عبّر عن ذلك الظّهور بالولادة (وبالجملة) يقولون " الامّ " ويريدون به العين الثابت ويقال لهذا العين الثابت تعيّنا وجوبيّا فإنّ التّعيّنات عند هذه الطّائفة العليّة خمسة يقال لها التّنزّلات الخمسة والحضرات الخمس أيضا يثبتون منها في مرتبة الوجوب تعيّنين وثلاثة في مرتبة الإمكان والتّعيّنان الوجوبيّان هما تعيّن الوحدة وتعيّن الواحديّة وكلاهما في مرتبة العلم والفرق بالإجمال والتّفصيل العلميّين والتّعيّنات الثلاثة الإمكانيّة هي التّعيّن الرّوحيّ والتّعيّن المثاليّ والتّعيّن الجسديّ ولمّا كان العين الثابت في مرتبة الواحديّة يكون تعيّنه وجوبيّا بالضّرورة وحيث انّ حقيقة الممكن عينه الثابت الذي له وجه إلى التّعيّن الوجوبيّ وذلك الممكن كالظّلّ له فيكون أمّ ذلك الممكن من عالم الوجوب الذي أظهرته في عالم الإمكان والتّزوّج بالامّ بمعنى أنّ تعيّن الممكن الإمكانيّ يتّحد مع تعيّنه الوجوبيّ. (شعر) لو نفض الممكن أغبرة الإم? . كان لا يبقى سوى واجب يعني يكون تعيّنه الإمكانيّ مختفيا عن نظره ويطلق لفظ " أنا " على التّعيّن الوجوبيّ لا بمعنى أنّ التّعيّن الإمكانيّ يتّحد بالتّعيّن الوجوبيّ في نفس الامر فإنّه محال والقول به مستلزم للالحاد والزّندقة لانّ المعاملة هنا بحسب الشّهود فإن كان زوال تعيّن فباعتبار الشّهود وإن اتّحاد فبالشّهود أيضا. (شعر) وهذا لا يصير قطّ ذاكا . وذاكم لا يصير قطّ هذا فإذا وجد السّالك تعيّنه متّحدا بذاك التّعيّن صار مستحقّا لأن يتخلّص عن التّلوّثات الإمكانيّة وأن يشرّف بدولة الإسلام والانقياد لمرتبة الوجوب (ينبغي أن يعلم) أنّ التّنزّلات الخمسة الّتي قال بها الصّوفيّة مجرّد اعتبارات في الوجود وتتعلّق بالكشف والشّهود لا أنّه في الحقيقة تنزّل هناك وتغيّر وتبدّل فسبحان من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا في أسمائه بحدوث الاكوان وربّما يورد الصّوفيّة على السنتهم أشياء على قدر وجدانهم الذي متضمّن للسّكر وغلبة الحال فلا ينبغي حملها على الظّاهر بل ينبغي ان يصرفها عن الظّاهر إلى التّأويل والتّوجيه فانّ كلام السّكارى يحمل ويصرف عن الظّاهر والله سبحانه أعلم بحقائق الامور كلّها ولمّا نقلت هذه الكلمات الموجبة للقلق والاضطراب عن شخص عظيم كتبنا في حلّها أشياء بالضّرورة وإلّا فهذا الفقير لا يلتفت إلى أمثال هذه الكلمات المشعرة بالمخالفة ولا يحرّك شفتيه بالرّدّ والقبول رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ الحمد لله ربّ العالمين أوّلا وآخرا والصّلاة والسّلام على رسوله دائما وسرمدا وعلى آله الكرام وصحبه العظام إلى يوم القيام.

قسم V02/P282–V02/P283

المكتوب الرّابع والثلاثون إلى والدة المير محمّد أمين في النّصيحة النّصيحة الّتي أنصح بها هي تصحيح العقائد أوّلا بموجب آراء أهل السّنّة والجماعة الذين هم الفرقة النّاجية شكر الله تعالى سعيهم والعمل بمقتضى الاحكام الفقهيّة بعد تصحيح الاعتقاد أيضا ضروريّ لا بدّ من امتثال ما نحن مأمورون به ولا مهرب من الانتهاء والاجتناب عمّا نحن منهيّون عنه ينبغي أداء الصّلوات الخمس من غير كسل ولا فتور مع رعاية الشّرائط وتعديل الاركان ولا بدّ من أداء الزّكاة أيضا على تقدير حصول النّصاب وعند الإمام الاعظم رضي الله عنه تجب الزّكاة في حليّ النّساء أيضا ولا ينبغي صرف الاوقات في اللهو واللّعب وإتلاف العمر فيما لا يعني فضلا عن صرفها في أمور منهيّ عنها وإيّاكم والرّغبة في الغناء والنّغمة والانخداع بالالتذاذ بها فإنّها سمّ مطلىّ بالعسل وعليكم بالاجتناب عن الغيبة والنّميمة بين النّاس فإنّه قد ورد في ارتكاب هاتين الذّميمتين وعيد شديد والاجتناب عن الكذب والبهتان أيضا ضروريّ وهاتان الرّذيلتان حرامان في جميع الاديان ومرتكبهما موعود عليه بوعيدات كثيرة وستر عيوب الخلق وذنوب الخلائق والعفو والتّجاوز عن زلّاتهم من عزائم الامور وينبغي الشّفقة والمرحمة على المماليك والاتباع والإغماض عن تقصيراتهم دون أن يؤاخذهم بها وضرب هؤلاء المساكين بوجه وبلا وجه وشتمهم وإيذاؤهم غير مناسب وغير ملائم ينبغي للإنسان أن ينظر إلى تقصيراته الواقعة في كلّ ساعة بالنّسبة إلى جناب قدسه تعالى وهو تعالى لا يعجّل في المؤاخذة عليها ولا يمنع الرّزق بسببها وبعد تصحيح الاعتقاد وإتيان الاحكام الفقهيّة ينبغي استغراق الاوقات بذكر الله تعالى على نهج أخذتموه وكلّ ما ينافيه ينبغي أن يجتنب عنه. (شعر) كلّ شيء غير ذكر الله لو . أكل قند فهو سمّ قاتل وقد قيل في الحضور أيضا: إنّه كلّما يحتاط في الامور الشّرعيّة يزيد في المشغوليّة وإذا وقعت المساهلة في الاحكام الشّرعيّة يزول الحلاوة والالتذاذ بالمشغوليّة وما أكتب زيادة على ذلك والله سبحانه أعلم. المكتوب الخامس والثلاثون إلى الميرزا منوجهر في التّعزية والنّصيحة واغتنام الشّباب أدام الله سبحانه وتعالى جمعيّة ذاك السّعيد والمحتشم وطيّب أوقاته وتلافى في حقّه حزن ما مضى وفات بأحسن الوجوه وأفاض عليه من إنعاماته (أيّها الولد) انّ زمان عنفوان الشّباب كما هو اوان الهوى والهوس كذلك هو زمان تحصيل العلم واكتساب العمل أيضا والعمل الذي يوجد في هذه الاوان بمقتضى الشّريعة الغرّاء مع وجود استيلاء الموانع الشّهوانيّة والاغراض النّفسانيّة له أضعاف مزيّة واعتبار واعتداد على العمل الذي يقع في غير هذه الاوان فإنّ وجود المانع الذي هو باعث على المشقّة والمحنة رفع شأنه إلى السّماء وعدم المانع الذي هو مستلزم لعدم الكدّ والعنا طرح معاملته إلى الارض ومن ههنا كان خواصّ البشر أفضل من خواصّ الملائكة فإنّ طاعة البشر مقرونة بالموانع وعبادة الملك بلا مزاحمة الموانع الا ترى أنّ وقت اعتبار العساكر إنّما يكون في أوان استيلاء الاعداء الذين هم موانع الدولة ويكون لحركتهم اليسيرة في ذلك الوقت أضعاف مزيّة واعتبار على حركتهم الكثيرة في غير هذا الوقت ومعلوم أنّ الهوى والهوس مرضىّ أعداء الله تعالى النّفس والشّيطان والعلم والعمل بمقتضى الشّريعة الغرّاء مرضىّ حضرة الرّحمن جلّ سلطانه وإرضاء أعداء المولى وإسخاط المولى الذي هو مولى النّعم بعيد عن الفطانة والذّكاوة والله سبحانه الموفّق.

قسم V02/P283–V02/P285

المكتوب السّادس والثلاثون إلى جناب المير محمّد نعمان في رفع شبهات منكري عذاب القبر الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ لجماعة تردّدا في عذاب القبر الذي ثبت بأحاديث مشهورة صحيحة بل بآيات قرآنيّة بل يكادون ينكرونه ويجزمون باستحالته ومقتداهم في هذا الاشتباه إحساس أحوال الموتى الغير المدفونة من الاستدامة على نهج واحد الّتي هي منافية للتّعذيب والإيلام الذي من لوازمه التّذبذب والاضطراب والجواب في حلّ هذا الإشكال هو أنّ حياة عالم البرزخ الذي هو موطن القبر ليست من قبيل الحياة الدنيويّة الّتي الحركة الإراديّة والإحساس كلاهما من لوازمها فإنّ انتظام هذه النّشأة مربوط بهذين الامرين وفي حياة البرزخ لا حاجة إلى حركة أصلا بل هي منافية لتلك النّشأة البرزخيّة والإحساس فقط كاف هناك لوجدان الم العذاب فحياة البرزخ كأنّها نصف الحياة الدنيويّة وتعلّق الرّوح هناك بالبدن نصف التّعلّق به في النّشأة الدنيويّة فالاموات الغير المدفونة يحسّون الم العذاب بحياة برزخيّة ولا يوجد منهم شيء من الحركة والاضطراب بتلك الحياة أصلا وما أخبر عنه المخبر الصّادق عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات يكون صادقا (أو نقول) حسما لمادّة هذا الإشكال وأمثاله: إنّ طور النّبوّة وراء طور العقل والفكر والامور الّتي العقل قاصر في إدراكها تثبت بطور النّبوّة فإن كان العقل كافيا فلأيّ شيء يكون بعثة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام ولأيّ شيء يكون العذاب الاخرويّ مربوطا ببعثتهم قال الله تبارك وتعالى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا العقل وإن كان حجّة ولكنّه ليس بحجّة بالغة كاملة والحجّة البالغة إنّما تحقّقت ببعثة الانبياء عليهم السّلام وبها انقطعت السنة أعذار المكلّفين قال الله تبارك وتعالى رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا فإذا ثبت للعقل قصور في إدراك بعض الامور فوزن جميع الاحكام الشّرعيّة بميزان العقل لا يكون مستحسنا والتزام تطبيقها على العقل حكم في الحقيقة باستقلال العقل وإنكار بطور النّبوّة أعاذنا الله سبحانه من ذلك ينبغي أوّلا فكر الإيمان برسول الله وتصديق رسالته صلّى الله عليه وسلّم حتّى يصدّق في جميع الاحكام وبوساطته يتيسّر الخلاص من ظلمات الشّكوك والشّبهات ينبغي أن يتعقّل الاصل حتّى يتعلّق الفرع بعد ذلك ويعلم من غير تكلّف وتعقّل كلّ فرع بلا إثبات أصل متعسّر جدّا وأقرب طرق الوصول إلى ذلك التّصديق وحصول اطمئنان القلب بذكر الله جلّ سلطانه قال الله تبارك وتعالى أَلا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وحُسْنُ مَآبٍ والوصول إلى هذا المطلب العالي من طريق النّظر والاستدلال بعيد جدّا. (شعر) أقدام أهل نظر من خزف . وما الذي تمكينه يا لهفى ينبغي أن يعلم: أنّ مقلّدي الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام بعد إثبات نبوّتهم وبعد تصديق رسالتهم من المستدلّين وتقليدهم إيّاهم وتصديق كلامهم ح عين الاستدلال مثلا إذا أثبت شخص أصلا من الاصول باستدلال فجميع الفروع الّتي تنشأ وتتشعّب من هذا الاصل تكون مستندة إلى الاستدلال وباستدلال الاصل يكون مستدلّا في جميع فروعه الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى . المكتوب السّابع والثلاثون إلى مولانا محمّد طاهر البدخشيّ في بيان أنّ: «كلّ ما يصدر عن الجميل المطلق فهو جميل مطلقا» الحمد لله ربّ العالمين دائما وعلى كلّ حال إيّاكم والتّوحّش والتّضجّر من سماع الاخبار الموحشة فإنّ كلّ ما يصدر عن الجميل المطلق يكون حسنا ومليحا وإن كان ظهوره بصورة الجلال ولكنّه في الحقيقة من الجمال لا تحملنّ هذا الكلام على التّقوّل ولا تصرفنّه إلى الفتوّة بل له تمام الحقيقة وكمال اللّبّ لا يصحّ بالتّكلّم والكتابة فإن تيسّرت الملاقاة في الدنيا فبها وإلّا فمعاملة الآخرة قريبة وبشارة " المرء مع من أحبّ " مورّثة التّسلّي للمهجورين ووصلت الصّحيفة الشّريفة المرسلة مع الدرويش محمّد علي الكشميريّ وإطّلعنا على ما كتبتم وكتبنا في جوابه ما يسعه الوقت ليكن الاولاد والاحباب على جمعيّة ثابتين في مكانهم راضين بقضاء الله تعالى.

قسم V02/P285–V02/P286

المكتوب الثامن والثلاثون إلى الملّا إبراهيم في جواب سؤاله عن معنى حديث «ستفترق أمّتي» الحديث ودرجة أرباب الفقر ينبغي أن يعلم: أنّ المراد من قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " كلّهم في النّار إلّا واحدة " الواقع في حديث «ستفترق أمّتي إلى اثنين وسبعين فرقة " دخولهم في النّار ومكثهم في عذابها مدّة لا خلودهم في النّار ودوامهم في عذابها فإنّ ذلك مناف للإيمان ومخصوص بالكفّار غاية ما في الباب أنّه لمّا كان الباعث على دخولهم في النّار معتقداتهم السّوء يدخل كلّهم فيها بالضّرورة ويعذّبون على مقدار خبث اعتقادهم بخلاف الفرقة الواحدة المستثناة فانّ اعتقادهم موجب للنّجاة من عذاب النّار سبب لفلاحهم ولكن اذا ارتكب بعض منهم الأعمال السّيّئة ولم يعف عنه بالتّوبة أو الشّفاعة يجوز أن يعذّب بالنّار بقدر ذنبه ويتحقّق الدخول في النّار في حقّه فدخول النّار في سائر الفرق شامل لجميع الأفراد وإن انتفى الخلود وفي حقّ الفرقة النّاجية مخصوص ببعض مرتكب المعصية وفي كلمة " كلّهم " رمز إلى هذا البيان كما لا يخفى وحيث انّ هذه الفرق المبتدعة من أهل القبلة لا ينبغي الجراءة في تكفيرهم ما لم ينكروا لضّروريّات الدين ولم يردّوا ما ثبت من الاحكام الشّرعيّة بالتّواتر وقبلوا ما علم مجيئة من الدين بالضّرورة قال العلماء: لو وجد في مسالة تسعة وتسعون وجها توجب التّكفير ووجه واحد ينفيه ينبغي تصحيح هذا الوجه وأن لا يحكم بالكفر والله سبحانه أعلم وكلمته أحكم (وأيضا ينبغي أن يعلم) أن المراد من نصف اليوم الذي يدخل فقراء هذه الامّة قبل الاغنياء بتلك المدّة في الجنّة هو خمسمائة سنة من سني الدنيا فإنّ اليوم عند الله تعالى الف سنة وإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ شاهد لهذا المعنى وكيفيّة تقدير تلك المدّة مفوّضة إلى علم الله جلّ شأنه من غير أن يكون هناك ليل ولا نهار ولا سنة ولا قمر متغارفة والمراد من الفقير الفقير الصّابر الذي هو ملتزم لإتيان الاحكام الشّرعيّة ومجتنب عن المنهيّات الشّرعيّة وللفقراء درجات ومراتب بعضها فوق بعض وأعلى مراتبه إنّما يتصوّر في مقام الفناء الذي يكون فيه غير الحقّ سبحانه مضمحلّا ومتلاشيا ومنسيّا ومن هو جامع لجميع مراتب الفقير أفضل ممّن يتحقّق ببعضها دون بعض فمن فيه فقر ظاهر مع وجود الفناء أفضل ممّن له الفناء فقط دون الفقر الظّاهر فافهم. المكتوب التّاسع والثلاثون إلى الخواجه حسام الدين أحمد في جواب مشاورته لسفر الحجّ مع توابعه الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد: انّ أحوال فقراء هذه الحدود وأوضاعهم مستوجبة للحمد المسئول من الله سبحانه سلامتكم وعافيتكم وقد تشرّفت بمطالعة الصّحيفة الشّريفة المرسلة باسم هذا الفقير على وجه الشّفقة والمرحمة وقد اظهرتم اشتياق التّوطّن في أحد الحرمين الشّريفين مع الاهل والعيال والموت فيه (أيّها المخدوم المكرّم) إنّ ذهاب الاهل والعيال لا يظهر في النّظر بل يكاد يفهم المنع وذهابكم وحدكم يظهر في النّظر مستحسنا ونرجو وصولكم بالسّلامة والامر إلى الله سبحانه (وكتبتم) أيضا في مادّة السّيّد أنّ الاطبّاء حاكمون بضرره (أيّها المشفق) إنّه كلّما يمعن النّظر لا يشاهد فيه الضّرر بيد أنّه يحسّ ظلمة غير ظلمه الضّرر ولم ندر ما وجهها (وبالجملة) انّ ضرر الاطبّاء مفقود والله سبحانه أعلم والسّلام.

قسم V02/P286–V02/P288

المكتوب الاربعون إلى مولانا محمّد صادق الكشميريّ في بيان علم اليقين الحاصل للصّوفيّة وعلم اليقين الكائن لأرباب المعقول الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ علم اليقين عبارة عند الصّوفيّة عن يقين حاصل من الاستدلال بالاثر على المؤثّر وهذا المعنى ميسّر لأهل النّظر والاستدلال فما يكون الفرق بين علم اليقين المخصوص بالصّوفيّة وعلم اليقين الحاصل لأرباب المعقول ولم يكون علم اليقين المختصّ بالصّوفيّة داخلا في الكشف والشّهود ولا يكون ما للعلماء خارجا عن مضيق النّظر والفكر (ينبغي أن يعلم) أنّ شهود الاثر لازم في علم كلتا الطّائفتين حتّى ينتقل منه إلى المؤثّر الذي هو غير مشهود غاية ما في الباب أنّه لمّا كان بين الاثر والمؤثّر ارتباط كان ذلك سببا للانتقال من وجود الاثر إلى وجود المؤثّر وذلك الارتباط أيضا مكشوف ومشهود في علم اليقين المختصّ بالصّوفيّة دون ما للعلماء فإنّه نظريّ وفكريّ فيه فيكون الانتقال أيضا نظريّا وفكريّا بالضّرورة فيكون يقين الطّائفة الاولى داخلا في الكشف والشّهود دون يقين الطّائفة الثانية فإنّه لا يكون خارجا من مضيق الاستدلال وإطلاق الاستدلال على يقين الصّوفيّة مبنيّ على الظّاهر والصّورة لكونه متضمّنا للانتقال من الاثر إلى المؤثّر وإلّا ففي الحقيقة داخل في الكشف والشّهود بخلاف يقين العلماء فإنّ فيه حقيقة الاستدلال ولمّا كان هذا الفرق الدقيق مخفيّا على الاكثرين بقوا في مرتبة الحيرة بالضّرورة وأطال جماعة منهم من قصوره لسان الاعتراض على بعض الاعزّة الذي فسّر علم اليقين المختصّ بالصّوفيّة بالاستدلال من الاثر إلى المؤثّر كلّ ذلك لعدم الاطّلاع على حقيقة الامر والله يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى . المكتوب الحادي والاربعون إلى واحدة من النّساء الصّالحات في النّصائح الضّروريّة لطائفة النّساء قال الله تبارك وتعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِالله شَيْئًا الآية " نزلت هذه الآية يوم فتح مكّة ولمّا فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من بيعة الرّجال شرع في بيعة النّساء " وكانت بيعة النّساء بمجرّد القول لم تمسّ يد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يد النّساء البايعات أصلا ولمّا كانت الذّمايم والاخلاق الرّديّة في النّساء أكثر منها في الرّجال بيّن في بيعة النّساء شرائط زائدة على ما في بيعة الرّجال ونهى النّساء عن تلك الذّمايم في ذلك الوقت لامتثال أمر الله تعالى الشّرط الاوّل عدم اشراك شيء بالله تعالى لا في وجوب الوجود ولا في استحقاق العبادة ومن لم يكن عمله مبرّأ عن شائبة الرّياء والسّمعة ومظنّة طلب الاجر من غير الله تعالى ولو بالقول والذّكر الجميل فليس هو بخارج من دائرة الشّرك ولا هو موحّد مخلص قال عليه وعلى آله وصحبه الصّلاة والسّلام " الشّرك في أمّتي أخفى من دبيب النّملة الّتي تدبّ في ليلة ظلماء على صخرة سوداء» (شعر) لاف بي شركى مزن كان از نشان ? ائى مور . در شب تاريك بر سنك سياه نازكتر است وقال عليه الصّلاة والسّلام «واتّقوا الشّرك الاصغر قالوا: ما الشّرك الاصغر؟

قسم V02/P288–V02/P289

قال: الرّياء " ولتعظيم مراسم الشّرك ومواسم الكفر كلّها قدم راسخ في الشّرك والمصدّق للدّينين من أهل الشّرك والمتشبّث بمجموع أحكام الإسلام والكفر مشرك والتّبرّي من الكفر شرط الإسلام والاجتناب عن شائبة الشّرك توحيد واستمداد من الاصنام والطّاغوت في دفع الامراض والاسقام كما هو شائع فيما بين جهلة أهل الإسلام عين الشّرك والضّلالة وطلب الحوائج من الاحجار المنحوتة نفس الكفر وإنكار على واجب الوجود تعالى وتقدّس قال الله تبارك وتعالى شكاية عن حال بعض أهل الضّلال يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (وأكثر النّساء) مبتليات بهذا الاستمداد الممنوع عنه بواسطة كمال الجهل فيهنّ يطلبن دفع البليّة من هذه الاسماء الخالية عن المسمّيات ومفتونات بأداء مراسم الشّرك وأهل الشّرك خصوصا وقت عروض مرض الجدريّ المعروف فيما بين نساء الهنود بالسّتيلة فإنّ ذلك الفعل مشهود ومحسوس من خيارهنّ وشرارهنّ في ذلك الوقت بحيث لا تكاد توجد امرأة خالية من دقائق هذا الشّرك وتاركة للإقدام عليه برسم من رسومه إلّا من عصمها الله تعالى وتعظيم الايّام المعظّمة عند الهنود وأداء رسوم الايّام المتعارفة عند اليهود مستلزم للشّرك ومستوجب للكفر كما أنّ جهلة أهل الإسلام خصوصا طائفة نسائهم يؤدّون رسوم أهل الكفر في أيّام دوالي الكفّار ويجعلونها عيدهم ويرسلون إلى بيوت بناتهم وإخوانهم هدايا كهدايا أهل الشّرك ويصبغون في ذلك الموسم ظروفهم مثل الكفّار ويملئونها بالارزّ الاحمر ثمّ يرسلونها هدايا ويعتنون بهذا الموسم كمال الاعتناء وكلّ ذلك شرك وكفر بدين الإسلام قال الله تبارك وتعالى وما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلّا وهُمْ مُشْرِكُونَ وما يفعلونه من ذبح الحيوانات المنذورة للمشائخ عند قبور المشائخ المنذورة لهم جعله الفقهاء أيضا في الرّوايات الفقهيّة داخلا في الشّرك وبالغوا في هذا الباب والحقوه بجنس ذبائح الجنّ الممنوع عنها شرعا والداخل في دائرة الشّرك فينبغي الاجتناب عن هذا العمل أيضا لكون شائبة الشّرك فيه فإنّ وجوه النّذر غير ذلك كثيرة فلأيّ شيء يرتكب ذبح الحيوان ويجعل ملحقا بذبائح الجنّ ويتشبّه به بعبدة الجنّ ومثل ذلك صيام نساء بنيّة المشايخ وبلا بيان وينحتن أكثر أساميهم من عند أنفسهنّ ويصمن بنيّتهم ويعيّنّ لكلّ إفطار يوم وضعا مخصوصا ويعيّنّ الايّام أيضا للصّيام ويجعلن مطالبهنّ ومقاصدهنّ مربوطة بتلك الصّيام ويطلبن حوائجهنّ منهم بواسطة تلك الصّيام ويزعمن قضاء حوائجهنّ منهم وذلك الفعل إشراك للغير في عبادة الله تعالى وطلب لقضاء الحوائج عن الغير بواسطة العبادة إليه (ينبغي أن يعلم) شناعة هذا الفعل وقد ورد في الحديث القدسيّ قال الله تعالى: «الصّوم لى وأنا أجزي به " يعني أنّ الصّوم مخصوص بي لا شركة للغير بي في الصّوم وإن لم يجز إشراك أحد به تعالى في جميع العبادات ولكنّ تخصيص الصّوم للاهتمام به والتّأكيد في نفي الشّركة عنه وقول بعض النّساء وقت إظهار شناعة هذا الفعل نحن نصوم هذه الصّيام لله تعالى وإنّما نهدي ثوابها لأرواح المشائخ حيلة منهنّ فإن كنّ صادقات في ذلك فلأيّ شيء يحتاج إلى تعيين الايّام للصّيام وتخصيص الطّعام وتعيين أوضاع شنيعة مختلفة في الإفطار وكثيرا ما يرتكبن المحرّمات وقت الإفطار ويفطرن بشيء حرام ويسألن شيئا من غير حاجة ويفطرن به ويزعمن قضاء حوائجهنّ مخصوصا بارتكاب هذا المحرّم وهذا عين الضّلالة وتسويل الشّيطان اللّعين والله العاصم (والشّرط) الثاني المذكور في بيعة النّساء: النّهي عن السّرقة وهي من كبائر السّيّئات وحيث كانت هذه الذّميمة متحقّقة في أكثر أفراد النّساء حتّى لا تكاد توجد امرأة خالية عنها جعل النّهي من شرائط بيعتهنّ واللّاتي يتصرّفن في أموال أزواجهنّ من غير إذنهم ويتلفنها بلا تحاش داخلات في جملة السّارقات وهذا المعنى يمكن أن نقول إنّه ثابت في عموم النّساء وهذه الخيانة تكاد توجد في جميع أفرادهنّ إلّا من عصمها الله سبحانه وليتهنّ يعددن ذلك سيّئة وخيانة وخوف استحلال هذه السّيّئة غالب في حقّهنّ وخوف الكفر من جهة هذا الاستحلال أزيد في شأنهنّ والحكيم المطلق جلّ شأنه نهى النّساء عن السّرقة بعد النّهي عن الشّرك بعلاقة أنّ لهذه الذّميمة قدما راسخا في الكفر في حقّهنّ وذلك بواسطة شيوع استحلالهنّ إيّاها وإنّها انكر من سائر كبائر السّيّئات في حقّهنّ فإذا حصل للنّساء بواسطة تكرّر أخذ أموال أزواجهنّ ملكة الخيانة وزال قبح التّصرّف في أموال الغير عن نظرهنّ لا يبعد أن يتعدّى تصرّفهنّ في أموال غير أزواجهنّ فيسرقن أموال الغير ويخنّ فيها بلا تحاش يكاد يكون هذا المعنى واضحا بأدنى تأمّل فتحقّق أنّ نهي النّساء عن السّرقة من أهمّ مهمّات الإسلام وتعيّن كون قبحها بعد قبح الشّرك بالنّسبة إليهنّ (تذييل) قال نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم يوما للأصحاب: «أتدرون ما أسوأ السّرقة؟

الأسئلة