Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

قسم V02/P379–V02/P381

(أجيب) انّ الفناء والبقاء اللّذين الولاية مربوطة بهما الفناء والبقاء الشّهوديّان فإن كان هناك فناء وزوال فباعتبار النّظر وإن بقاء وثبات فهما أيضا باعتبار النّظر وهناك استتار الصّفات البشريّة لا زوالها وفناء هذا التّعيّن ليس كذلك بل هنا تحقّق الزّوال الوجوديّ للصّفات البشريّة والانخداع من الجسمانيّة إلى الرّوحانيّة وفي جانب البقاء أيضا وإن لم يكن العبد حقّا ولم تنفكّ عنه العبوديّة ولكنّه يقع إلى الحقّ سبحانه أقرب وتحصل له زيادة المعيّة ويكون عن نفسه أبعد ويكون ارتفاع الاحكام البشريّة عنه أزيد (ينبغي) أن يعلم أنّ هذا العروج المحمّديّ الذي هو مربوط بانتفاء الصّفات البشريّة وإن رقّت معاملته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام إلى الذّروة العليا وخلّصته من جذبات الغير والغيريّة ولكن صارت المعاملة إلى أمّته صلّى الله عليه وسلّم أضيق وقلّ نور هدايته الذي كان بواسطة المناسبة البشريّة وقلّ أيضا توجّهه إلى أحوال هؤلاء المتأخّرين العاجزين وتوجّه بكلّيّته إلى القبلة الحقيقيّة ويل لرعايا لا يلتفت السّلطان إلى حالهم ويكون بكلّيّته متوجّها إلى محبوبه ومن ههنا استولت ظلمات الكفر والبدعة بعد الف سنة ونقص نور الإسلام والسّنّة رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ المكتوب السّابع والتّسعون إلى الصّوفىّ قربان الجديد في سرّ كون العالم موهوما قال الصّوفيّة العالم موهوم لا بمعنى أنّه محض مخترع الوهم ومنحوته فإنّ ذلك مذهب السّوفسطائيّة الحمقي بل هو موهوم بمعنى أنّه مخلوق بخلق الله سبحانه في مرتبة الوهم وحصل له في تلك المرتبة بصنعه سبحانه ثبوت واستقرار ولكنّ الخير والكمال اللّذين فيه مستعار من حضرة الوجود تعالى وتقدّس وظلّ من ظلال كمالات تلك المرتبة الاقدس والشّرّ والنّقص اللّذين فيه مستعار من العدم وظلّ من ظلال الشّرور والنّقائص المخزونة في ذلك العدم الذي هو منشأ جميع الشّرّ والنّقص فإذا أدّى السّالك المستعدّ للمسالك - بحكم تربيته تعالى - هذه الامانات إلى أهلها بأن ردّ الخير والكمال إلى أهلهما وأحال الشّرّ أيضا إلى صاحبه يصير متحقّقا بدولة الفناء بالضّرورة ولا يبقى منه رسم لا يكون فيه أثر من الخير ولا يتوقّع له ضرر من الشّرّ فإنّ جميع ما فيه من الخير والشّرّ كان مستعارا من الوجود والعدم فإنّه ما جاء من بيت أبيه بشيء وما كان عمله غير حمل الامانة فإذا ردّ الامانات إلى أهلها بالتّمام فلا جرم يتخلّص من مزاحمة أنا ونحن ويكون ملحقا بالفناء والعدم. المكتوب الثامن والتّسعون إلى الحاجّ عبد اللّطيف الخوارزميّ في بيان ضرر الالتذاذ من الحسن الصّوريّ اعلم أنّ كلّا من الخير والكمال والحسن والجمال في أيّ مكان كان أثر الوجود الذي هو خير محض ومخصوص بواجب الوجود جلّ سلطانه فكما أنّ الوجود منعكس في الممكن من تلك الحضرة بطريق الظّلّيّة جاء الحسن والجمال أيضا من تلك المرتبة بطريق الظّلّيّة وذات الممكن بواسطة عدمه الذّاتيّ شرّ محض وقبح ونقص ولكنّ هذا الحسن والجمال اللّذين مشهودين في الممكن وإن جاء من الوجود ولكن لمّا ظهرا في مرآة العدم أخذا حكم المرآة ونالا نصيبا من القبح وعرض لهما النّقص ولمّا كان في الممكن قبح ذاتيّ لا يجد من الحسن الخالص لذّة مقدار ما يجد من هذا الحسن مع كون ذاك مبدأ لهذا فإنّ مناسبته بهذا أزيد ككنّاس يجد من الرّائحة المنتنة بواسطة أنسيّته والفته بها لذّة لا يجد مثلها من الرّائحة الطّيّبة كما ورد في قصّة مشهورة: أن كنّاسا مرّ مرة من محلّة العطّارين فسقط مغشيّا عليه من فرط الرّائحة الطّيّبة فمرّ به واحد من الاكابر فلمّا اطّلع على سرّ معاملته أمر بأن يحشوا في أنفه قطعة روث ففعلوا فأفاق وقام ومضى لسبيله.

قسم V02/P381–V02/P382

المكتوب التّاسع والتّسعون إلى جناب السّيّد المير مؤمن البلخيّ في إظهار شكر النّعم الظّاهريّة والباطنيّة المفاضة من بركات أكابر ما وراء النّهر رحمهم الله تعالى الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى " من لم يشكر النّاس لم يشكر الله " إن حقوق علماء ما وراء النّهر ومشائخها - شكر الله تعالى سعيهم - في ذمّة أمثالنا العاجزين المتأخّرين بل في ذمّة كافّة أهل الإسلام في بلاد الهند ليست ممّا يدرج بيانها في ضمن التّقرير وحيّز التّحرير فإنّا قد اكتسبنا الاعتقاد الصّحيح على وفق آراء أهل السّنّة والجماعة كثّر الله أمثالهم في الامصار من تحقيقات هؤلاء الاكابر وحصّلنا صحّة العمل بموجب أقوال العلماء الحنفيّة رضي الله تعالى عنهم من تدقيقاتهم وسلوك طريقة الصّوفيّة العليّة - قدّس الله أسرارهم - في هذه الديار أيضا مستفاد من بركات تلك البقعة الشّريفة وتحقيق مقام الجذبة والسّلوك والفناء والبقاء والسّير إلى لله والسّير في الله الّتي كلّها مربوطة بمرتبة الولاية الخاصّة مفاضة من فيوض أكابر هذه العرصة المتبرّكة (وبالجملة) ما به صلاح الظّاهر وفلاح الباطن مأخوذ من هناك. (شعر) شكر فيض تو ? من كند اى ابر بهار . كه أكر خاروا كر كل همه ? رودهء تست حرسها الله سبحانه وأهاليها من الآفات والبليّات بحرمة سيّد السّادات عليه وعلى آله الصّلاة والتّسليمات والاصحاب الذين يردون من تلك الديار العليا إلى هذه الديار السّفلى لحاجة ما يظهرون الطاف الحضرات ذوي البركات القاطنين هناك بالنّسبة إلى هذا الحقير خصوصا إشفاق ملازمي حضرة معدن الإرشاد والهداية ومنبع الإفادة والإفاضة سلّمه الله تعالى ويقولون إنّ لجنابه العالي حسن ظنّ بك وإنّه طالع بعض علومك ومعارفك المحرّرة واستحسنها ومثل هذه البشارات من الاكابر يكون باعثا على ازدياد الرّجاء والجراءة على تحرير بعض الاذواق والمواجيد ولمّا ورد الشّيخ أبو المكارم الصّوفيّ في هذه الايّام واظهر أنواع الطافكم وأصناف إشفاقكم اجترأنا على التّصديع بكلمات اعتمادا على كرمكم وحيث انّ الاخ محمّد هاشم الذي هو من الاحباب المخلصين أرسل بعض نقول مسوّدات هذا الفقير في صحبة الصّوفيّ المشار إليه اكتفينا بذلك ولم ندرج في هذه الصّحيفة حرفا من علوم هذه الطّائفة العليّة ومعارفهم ونرجو من عناية الحضرة وإشفاقه أن لا يجعله منسيّا من الدعاء بسلامة الخاتمة رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا ونخصّ كلّا من الحضرات العالية الدرجات جناب النّقيب النّجيب ملاذ أهل الله السّيّد ميرك شاه وجناب علّامة الورى ومولانا حسن وجناب ناصر الشّريعة وحافظ الملّة القاضي تولك أدام الله بركاتهم بالدّعوات ويسلّم أولاد الفقير أيضا إلى مخاديمنا الكرام ويلتمسون منهم الدعاء. المكتوب الموفي مائة إلى الشّيخ نور الحقّ في كشف سرّ محبّة يعقوب ليوسف عليهما السّلام مع بيان بعض أسرار عجيبة وعلوم غريبة الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد استفسر أخي الاعزّ الشّيخ نور الحقّ عن محبّة يعقوب ليوسف على نبيّنا وعليهما الصّلوات والتّسليمات بالاهتمام والشّوق التّامّ وكان شوق انكشاف هذا المعنى في هذا الفقير أيضا منذ مدّة ولمّا كان شوقه علاوة على شوق هذا الفقير صرت متوجّها بكلّيتي إلى كشف هذه الدقيقة بلا اختيار فظهر في بادى النّظر أنّ خلقته وحسنه وجماله - على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام - ليست من جنس خلقة النّشأة الدنيويّة وحسنها وجمالها بل إنّ جماله من جنس جمال أهل الجنّة وصار مشهودا أن صباحته مع كونها في هذه النّشأة لها مشابهة بحسن الحور والغلمان ثمّ كتبت ما كان مفاضا في هذا الباب بعد ذلك بكرم الله وفضله تعالى بالتّفصيل وأرسلته إليكم سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا (شعر) وأمسكوني ورى المرأىّ كدرّتهم . أقول ما قال لي أستاذي الازليّ (فإن قيل) ما وجه إفراط محبّة يعقوب ليوسف عليهما السّلام وقد قال الله تعالى في حقّه وحقّ آبائه الكرام أُولِي الْأَيْدِي والْأَبْصارِ إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ وإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (فكيف) يكون التّعلّق بما دون الحقّ جلّ وعلا مناسبا لشأن الانبياء أولي الايدي والابصار؟ وكيف يسع المصطفين المخلصين محبّة المخلوقين؟

قسم V02/P382–V02/P384

لا يقال أنّ ذلك ليس بتعلّق بما دون الحقّ تعالى فإنّ المخلوق ليس إلّا مرآة حسنه وجماله تعالى كما قالت الصّوفيّة وجوّزوا شهود الوحدة في مرآة الكثرة وأثبتوا المشاهدات والمكشوفات في مجالي صور الممكنات ومظاهرها في هذه النّشأة سوى الرّؤية الاخرويّة لانّ مثال هذا الكشف والشّهود ممّا يظهر للسّالكين في هذه النّشأة الفانية وقت غلبات التّوحيد وخواصّ الامّة يكادون يستنكفون عنها ويتحاشون فإذا كانت معاملة خواصّ الامّة هكذا فكيف يتحمّل ثبوت هذه الأحوال في حقّ الانبياء المصطفين الاخيار؟ بل تصوّر هذا المعنى في حقّهم عين الوبال (قلت) إنّ جواب هذا السّؤال مبنيّ على مقدّمة وهي: انّ حسن الآخرة وجمالها وكذلك التّلذّذات والتّنعّمات في ذلك الموطن ليست كحسن الدنيا وجمالها ولا كالتّلذّذات والتّنعّمات فيها فإنّ ذاك الحسن والجمال خير في خير وذاك التّلذّذ والتّنعّم مرضيّ عند المولى جلّ شأنه ومقبول وكلّ هذا الحسن والجمال شرّ ونقص وجميع هذا التّلذّذ والتّنعّم غير مقبول وغير مستحسن ولهذا كانت دار الآخرة دار الرّضا ودار الدنيا دار غضب المولى (فإن قيل) إذا كان الحسن والجمال في الممكن مستعارا من مرتبة حضرة الوجوب - تعالت وتقدّست - ولم يكن الممكن شيئا غير أن يكون مرآة ومظهرا لذلك الحسن والجمال فإنّ الممكن ليس له شيء بل كلّ ما فيه مستعار من حضرة الوجوب فمن أين جاء التّفاوت بين الموطنين؟ ولم كان أحدهما مرضيّا ومقبولا والآخر غير مقبول وغير مستحسن؟ (قلت) جواب هذا مبنيّ على مقدّمات (المقدّمة الاولى) انّ العالم بتمامه مجالي أسماء الواجب ومظاهر صفاته جلّ شأنه ومرايا كمالاته الاسمائيّة والصّفاتيّة (المقدّمة الثانية) انّ صفات الواجب وإن كانت داخلة في دائرة الوجوب ولكن لمّا ثبت لها الاحتياج في الوجود والقيام إلى حضرة الذّات تعالت كانت فيها رائحة من الإمكان والوجوب الذّاتيّ غير مقطوع في حقّها فإنّ وجوبها ليس لنفسها بل لذات الواجب وإن لم يقولوا لها غير الذّات ولكن لا بدّ من الغيريّة فإنّ الاثنينيّة كائنة بينهما. الاثنان متغايران قضيّة مقرّرة من قضايا أرباب المعقول ومع ذلك لا ينبغي إطلاق الإمكان في حقّها لكونه موهما للحدوث لانّ كلّ ممكن حادث عندهم ولا ينبغي تجويز الوجوب بالغير أيضا في ذلك الموطن لانّه موهم لانفكاكها عن حضرة الذّات تعالت وتقدّست (المقدّمة الثالثة) انّ كلّ ما فيه رائحة الإمكان فيه مجال للعدم في حدّ ذاته وإن كان حصوله محالا فإنّ استحالته ما جاءت من نفسه بل من محلّ آخر (المقدّمة الرّابعة) انّ أسماء الواجب وصفاته تعالى كما أنّ لها في جانب وجودها حسنا وجمالا كذلك لها في جانب احتمالها للعدم أيضا حسن وجمال وإن كان ثبوت هذا الحسن في مرتبة الوهم والحسّ ومناسبا للعدم وكان مستعارا من الجوار لانّ العدم لا نصيب له في حدّ ذاته غير الشّرّ والقبح والوجود هو الذي بكلّيّته خير وكمال وبتمامه حسن وجمال (ينبغي) أن يعلم أنّ الحسن الذي يحسّ في العدم كحنظل غلّف بالسّكّر وأوهم أنّه حلو (المقدّمة الخامسة) انّه قد لاح بكرم الله تعالى بالنّظر الكشفيّ أنّ جانب عدم الممكن قد حصلت له التّربية في هذه النّشأة بكمال الاقتدار وثبت له في مرتبة الحسّ والوهم بالصّنع الكامل ثبات واستقرار وجعل مظهرا لحسن الصّفات وجمالها الكائنين في جانب احتمالها للعدم واتّضح أيضا أنّ جانب وجود الممكن يرجّح في النّشأة الاخرويّة ويجعل مظهرا لحسن الصّفات وجمالها الكائنين في جانب وجودها فإذا علمت هذه المقدّمات الخمس صار التّفاوت بين حسن هذه النّشأة وجمالها وبين حسن تلك النّشأة وجمالها واضحا وكان حسن إحدى النّشأتين وقبح الاخرى لائحا وصار المرضيّ متميّزا من غير المرضيّ ومن هذه التّحقيقات انحلّ هذا السّؤال واتّضحت المقدّمة الّتي كان السّؤال الاوّل مبنيّا عليها كما لا يخفى على الفطن المتأمّل فإذا اتّضحت هذه المقدّمة أقول في جواب السّؤال الاوّل بفضل الله جلّ شأنه: إنّه قد صار معلوما بالكشف الصّريح أنّ وجود يوسف على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وإن ظهر في هذه النّشأة ولكنّ وجوده من النّشأة الاخرويّة على خلاف وجود سائر موجودات هذه النّشأة وأنّه قد رجح جانب وجوده وجعل مظهرا للحسن والجمال المتعلّقين بوجود الاسماء والصّفات وانتفى عنه تعلّق شائبة العدمية بنفسه أو بأصله وجعل هو وأصله طاهرا من علّة العدم الذي هو منشأ كلّ قبح ونقص ولم يترك فيه غير استيلاء نور جانب الوجود الذي هو نصيب أهل الجنّة فكان التّعلّق بحسنه وجماله كالتّعلّق بحسن الجنّة وجمالها وحسن أهلها وجمالهم محمودا بالضّرورة ونصيبا للكلّ وكلّ ما كان المحبّ أكمل يكون تعلّقه بحسن تلك النّشأة وجمالها أزيد ويكون قدمه في مراضي المولى جلّ شأنه أسبق فإنّ التّعلّق بتلك النّشأة ومحبّتها عين التّعلّق بصاحب تلك النّشأة ومحبّته فإنّ تلك النّشأة ليست إلّا طلسم حكمته ونقاب جماله كرداء الكبرياء والله يَدْعُوا إلى دارِ السَّلامِ نصّ قاطع في هذا الامر والله يُرِيدُ الْآخِرَةَ حجّة واضحة لهذا المعنى والذى جعل التّعلّق بالآخرة كالتّعلّق بالدّنيا مذموما وجعله مغايرا للتّعلّق بالمولى جلّ شأنه فهو لم يعلم حقيقة الآخرة كما هي وقاس الغائب على الشّاهد مع وجود الفارق البيّن فلو اطّلعت رابعة المسكينة على حقيقة الجنّة كما هي لما كانت في فكر إحراق الجنّة ولما اعتقدت التّعلّق بها مغايرا للتّعلّق بمولاها وقال آخر إن في آية مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ شكاية من الفريقين أعطاهم الله سبحانه الإنصاف كيف يتصوّر أن يدعو الله تعالى إلى جنّة ثمّ يشكو ممّن يجيب دعوته؟

قسم V02/P384–V02/P385

فلو كان التّعلّق بذلك الموطن المقدّس مذموما أو كانت فيه شائبة الذّمّ لما كانت الجنّة دار الرّضا والرّضا هو نهاية مراتب القبول بل كانت مثل الدنيا مغضوبا عليها وعلّة الغضب وباعث الذّمّ العدم الذي هو أصل كلّ قبح ونقص وصار نصيبا للدّنيا وسببا لكونها ملعونة ولمّا حصل التّبرّي من العدم زالت شائبة الذّمّ والقبح وكان عدم الرّضا وعدم المقبوليّة نصيب الاعداء ولم يبق غير الرّضا والقبول والوجود والنّور وغير الوصل والرّاحة والسّرور أصلا قال المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " إنّ الجنّة قيعان وإنّ غرسها قولك: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر " والمعنى التّنزيهيّ الذي ظهر ههنا في كسوة الحروف والكلمات يتمثّل هناك بصورة الشّجر فيكون التّعلّق بذلك الشّجر والتّلذّذ منه عين التّعلّق والتّلذّذ بالمعنى التّنزيهيّ وعلى هذا القياس وما بيّنه الصّوفيّة العليّة من الأسرار والدقائق في التّوحيد والاتّحاد ونزلوا على المظاهر الجميلة في هذه النّشأة وعشقوها وأثبتوا في ضمن ذلك شهودا ومشاهدة واعتقدوا حسن تلك المظاهر وجمالها عين حسن المولى وجماله حتّى قال بعضهم ذقتك في كلّ طعام لذيذ وقال الآخر (شعر) امروز ? ون جمال تو در ? رده ظاهرست . در حيرتم كه وعدهء فردا برأي ? يست وقال الثالث: (شعر) ما همّ قوم بشرب الماء من عطش . الّا رأوا ما هو المقصود في قدح صدق أمثال هذه الكلمات بعيد عن فهم هذا الفقير ووجدانه في هذه النّشأة ولا أجد هنا طاقة تحمل هذه الدقائق ولا أراها قابلة لقبول هذه الدولة فلو كانت فيها طاقة وقابليّة لما كانت مغضوبا عليها ولما قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الدنيا ملعونة " واللّائق بالكرامات والقابل لهذه المقامات هو الجنّة ذقتك في كلّ طعام لذيذ صادق على طعام الجنّة لا على طعام الدنيا الذي هو مخلوط بماء العدم المسموم ولهذا لم يستحسن ارتكاب ذلك (وعند هذا الفقير) جنّة كلّ شخص عبارة عن ظهور الاسم الإلهيّ الذي هو مبدأ تعيّن ذلك الشّخص وظهر ذلك الاسم بصورة الاشجار والانهار وبصورة الحور والقصور وبصورة الولدان والغلمان فكما أنّ في الاسماء الإلهيّة تفاوتا باعتبار العلوّ والسّفل وباعتبار الجامعيّة وعدمها كذلك في الجنّات أيضا تفاوت بمقدارها فلئن أثبت الشّهود والمشاهدة في ضمن ذلك الظّهور فهو حسن ومستحسن ووضع شيء في موضعه وأمّا إطلاق أمثال هذه الكلمات في غير هذا الموضع فجراءة ووضع شيء في غير موضعه وكأنّ الصّوفيّة العليّة من فرط محبّتهم للمطلوب وكمال اشتياقهم إليه اغتنموا كلّ ما وصل إلى مشامّ أرواحهم من رائحة المطلوب وظنّوه من استيلاء سكر المحبّة عين المطلوب والمقصود وعاملوا معه معاملة العشّاق الّتي تليق بنفس المطلوب واحتظّوا منه بحظوظ وافرة وأثبتوا المشاهدة والمكاشفة قال واحد من الاكابر: (شعر) ببوى تو از جا جهم مست بيخود . ز هر سو كه أو از ?

قسم V02/P385–V02/P387

اى برآيد نعم أمثال هذه المعاملات مجوّزة في العاشقيّة وعدم القرار والاستراحة من غلبة المحبّة بل مستحسنة لأنّها لأجل الله سبحانه وتعالى وناش من شوق لقاء المطلوب المتفرّد ولخطاءهم حكم الصّواب ولسكرهم حكم الصّحو وورد في الخبر " سين بلال عند الله شين " (شعر) بر اشهد تو خنده زند اسهد بلال (ينبغي) أن يعلم أنّ مكشوف هذا الفقير هو أنّ رؤية كلّ شخص جنّتيّ في الجنّة أيضا على مقدار ذلك الاسم الإلهيّ الذي هو مبدأ تعيّنه وشخصه ويظهر ذلك الاسم في كسوة الاشجار والانهار والحور والغلمان بمعنى أنّ تلك الاشجار والانهار وغيرها ممّا كان مظاهر ذلك الاسم المقدّس يكون حكمها زمانا بكرم الله تعالى حكم النّاظور وتصير وسيلة إلى رؤية ذلك الشّخص الغير المتكيّفة ثمّ تعود إلى حالتها الاصليّة وتشغله بأنفسها وهكذا إلى أبد الآبدين كالتّجلّي البرقيّ الذّاتيّ الذي أثبتوه في هذه النّشأة فإنّ تجلّي الذّات في حجب الاسماء والصّفات دائميّ في حقّ المستعدّين لتلك الدولة وبعد مدّة ترتفع حجب الاسماء والصّفات وتتجلّى حضرة الذّات بلا حجب الاسماء والصّفات وحيث انّ ذلك الاسم الإلهيّ اعتبار من اعتبارات الذّات تعالت يكون متعلّق رؤية كلّ شخص ذلك الاعتبار الذّاتيّ الذي هو ربّ ذلك الشّخص بالضّرورة (ولا يتوهّم) هنا أحد تبعّضا وتجزّيا فإنّ الذّات تعالت بتمامها ذلك الاعتبار لا إنّ بعض الذّات ذلك الاعتبار وبعض آخر منها اعتبار آخر فإنّ ذلك علامة النّقص والحدوث تعالى الله عن ذلك (قالوا) إنّ ذات الله تعالى تمامها علم وتمامها قدرة وتمامها إرادة وإن كان كلّ اعتبار تمام الذّات ولكنّ المرئيّ هو ذلك الاعتبار لا اعتبارات أخر ينبغي أن يطلب سرّ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ من ههنا لا يقال إذا لم يكن تميّز بين الاعتبارات وكان كلّ واحد منها عين الذّات فما معنى جعل متعلّق الرّؤية اعتبارا من بين اعتبارات كثيرة لأنّا نقول انّ هذه الاعتبارات وإن كانت عين الذّات بل كلّ واحد منها عين الآخر وليس بينها التّميّز والامتياز الكيفيّين المعتبرين عند مأسوري عالم الكيف ولكنّ بينها امتياز لا كيفيّ والذين تخلّصوا من العالم الكيفيّ واتّصلوا بالعالم اللّاكيفيّ باتّصال لا كيفيّ لا يخفى عليهم هذا الامتياز اللّاكيفيّ بل هو واضح عندهم ويجدونه كامتياز الاذن من العين نعم من كان مبدأ تعيّنه اسم جامع فله من جميع اعتبارات الذّات تعالت وتقدّست نصيب على سبيل الاعتدال على تفاوت الدرجات ولو على سبيل الإجمال ورؤيته متعلّقة بجميعها ولكن لمّا كان ضيق جامعيّة الإجمال الذي هو نصيبه لازما له دائما يكون الإدراك والإحاطة مفقودين في حقّه ويكون لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ صادقا ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثًا (ينبغي) أن يعلم أنّه إذا شرّف الله سبحانه عبدا بدولة الفناء الاتمّ بكرمه وخلّصه من قيد العدم الذي كان هو ماهيّته ولم يترك منه عينا ولا أثرا يهب له بعد مثل هذا الفناء وجودا شبيها بوجود النّشأة الاخرويّة ومتعلّقا بترجيح جانب وجود الممكن ويكون مظهر الكمالات جانب وجود الاسماء والصّفات الإلهيّة وقد ذكر تحقيق وجه ذلك فيما سبق وكان يوسف على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام مشرّفا بهذه الدولة بوجوده الاوّل وهذا العارف تشرّف بها بوجوده الثاني بالولادة الثانية ولمّا كان ذاك جبليّا أعطاه الحسن الظّاهر أيضا وهذا لمّا حصل بعد تجشّم الكسب اكتفى فيه بنور الباطن وادّخر له الحسن الظّاهر في الآخرة ومثل هذا العارف بعد الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام عزيز الوجود وأقلّ قليل ومثل هذا العارف وإن لم يكن نبيّا ولكن له بتبعيّة الانبياء شركة في دولة خاصّة بالأنبياء عليهم الصّلوات وهو وإن كان طفيليّا ولكنّه جالس على سفرة نعمتهم وإن كان خادما ولكنّه جالس مع المخدومين وإن كان تابعا ولكنّه مصاحب بالمتبوعين وربّما يمنح أسرارا يغبطه الانبياء عليهم السّلام فيها كما أخبر به المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ولكنّ مثل هذه المعاملة داخل في فضل جزئيّ والفضل الكلّيّ إنّما هو للأنبياء عليهم السّلام وهذا الفضل أيضا لمّا تيسّر له بسبب متابعته إيّاهم كان منهم وليس العارف غير حامل أماناتهم وآية ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ نصّ القرآن رفع شأن هؤلاء الاكابر فوق شأن غيرهم ونصرهم على الكلّ وجعلهم غالبين (فإن قيل) إنّ هذا العارف الذي وهب له هذا الوجود بعد الفناء الاتمّ هل هو بهذا الوجود أيضا في مرتبة الحسّ والوهم كسائر موجودات هذه النّشأة أو خرج من هذه المرتبة؟

قسم V02/P387–V02/P389

فإن خرج فهل عرض له وجود خارجيّ أو لا؟ ومن المقرّر عند القوم أنّه لا موجود في الخارج غير الحقّ سبحانه وتعالى (قلت) إنّ ما هو صار معلوما في آخر الامر انّه خرج وصار منسوبا إلى نفس الامر ومرتبة الوهم وإن كان حكمها حكم نفس الامر باعتبار الثبات والتّقرّر ولكنّها في الحقيقة لم تكن نفس الامر فإنّ نفس الامر وراء تلك المرتبة وكأنّ هذه المرتبة برزخ بين الوهم والخارج وموجودات النّشأة الاخرويّة كلّها كائنة في مرتبة نفس الامر بل الصّفات الواجبيّة سوى الصّفات الثمانية الحقيقيّة كلّها في تلك المرتبة ولا موجود في مرتبة الخارج غير الذّات الاقدس وغير صفاته الثمانية فظهر للموجودات ثلاث مراتب: مرتبة الوهم الّتي هي نصيب أكثر أفراد هذه النّشأة والانبياء عليهم الصّلاة والسّلام خارجون بأجمعهم عن هذه المرتبة وكذلك الملائكة الكرام عليهم السّلام فإنّ وجودهم مناسب لوجود النّشأة الاخرويّة وصار أقل أولياء العظام مشرّفا بهذه الدولة أيضا وتخلّص من مرتبة الوهم وصار ملحقا بنفس الامر (المرتبة الثانية) مرتبة نفس الامر وفيها صفات الواجب وأفعاله تعالى والملائكة الكرام أيضا موجودون في تلك المرتبة ووجود النّشأة الاخرويّة أيضا ثابت في تلك المرتبة وكذلك الانبياء والاقلّ من الأولياء أيضا خرجوا إلى تلك المرتبة وإنّما الفرق أنّ صفات الواجب جلّ شأنه في مركز ذلك المقام الذي هو أشرف أجزائه وسائر الموجودات في أطراف ذلك المركز وأكنافه على حسب الاستعداد (والمرتبة الثالثة) مرتبة الخارج والموجود هناك الذّات وصفات الواجب الثمانية فإن كان فرق فإنّما هو باعتبار المركز وغير المركز فإنّ الاشرف أنسب بالاقدس (فإن قيل) ما مزيّة الخروج من مرتبة الوهم إلى مرتبة نفس الامر؟ وأيّ قرب مربوط به؟ (قلت) إنّ منشأ كلّ خير وكمال وحسن وجمال هو الوجود وكلّما يكون حصول القوّة والاستقرار للوجود أزيد تكون تلك الصّفات أكمل ولا شكّ انّ الوجود النّفسيّ الامريّ اقوى واثبت من الوجود الوهميّ فيكون الخير والكمال فيه اتمّ واكمل بالضّرورة وأيّ كلام في قرب من كان موجودا في مرتبة صفاته وأفعاله تعالى وحصل له جوار صفات الخالقيّة والرّازقيّة وغيرهما (ينبغي أن يعلم) أنّ ثبوت العدم وكذلك ثبوت الكمالات الّتي ملحوظ فيها شائبة العدم وإن كانت تلك الكمالات من الكمالات الصّفاتيّة كلّه في مرتبة الحسّ والوهم فإنّه ما لم يحصل التّبرّي من العدم بالكلّيّة ولم يزل عين العدم وأثره لا يكون لائقا بالوصول إلى مرتبة نفس الامر وإن كان في الثبوت الوهميّ باعتبار القوّة والضّعف درجات فإنّه كلّ ما كان العدم أقوى يكون التّعلّق بمرتبة الوهم أتمّ وإذا ضعف يكون التّعلّق أقلّ وكثير من الأولياء الذين جاوزوا مراتب العدم ولم يبق فيهم شيء من العدم غير الاثر وإن لم يكونوا داخلين في مرتبة نفس الامر ما دام هذا الاثر باقيا ولكنّهم يتجاوزون مرتبة الوهم ويصلون إلى نقطتها الأخيرة ويصيرون من نظّار مرتبة نفس الامر ويحصّلون نصيبا من هذا المقام ويكون محسوسا أنّ الانبياء الكرام والملائكة العظام عليهم الصّلاة والسّلام وكذلك بعض متابعي الانبياء وإن كان أقلّ وصلوا إلى نهاية مرتبة نفس الامر ولكلّ منهم هناك موطن خاصّ ومقام على حدة على تفاوت درجاتهم ويشاهد الحروف والكلمات القرآنيّة أيضا هناك يرى مقام هؤلاء فوق مقام الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وكأنّها خرجت من هذا المقام وصارت برزخا بين هذا المقام وبين مقام فوقه قبل الوصول إليه واختارت الإقامة هناك فإنّ المقام الفوقانيّ مخصوص بذات الواجب وصفاته تعالى ولا موجود في الخارج غيره سبحانه وتعالى ولمّا كانت في هذه الحروف والكلمات سمات الحدوث ليست فيها قابليّة الوصول إلى ذلك المقام ولكنّها أسبق قدما من جميع موجودات تلك المرتبة ولها تمسّك بأذيال مدلولاتها والكبراء الذين يقيمون في منتهى مرتبة نفس الامر ناظرون إلى مرتبة فوقانيّة وكأنّهم بكلّيّتهم صاروا أبصارا من كمال شوقهم إليها والعجب أنّ هؤلاء الاكابر مع وجود هذا التّوطّن والإقامة لهم بحكم " المرء مع من أحبّ " معيّة مع محبوبهم مجهولة الكيفيّة وهم معه بلا أنفسهم ومأنوسون ومألوفون به بلا اتّحاد الاثنينيّة ولمّا لوحظ في ذلك الاثناء معيّة الحروف والكلمات القرآنيّة بتلك المرتبة المقدّسة علم أنّه لا نسبة لهذه المعيّة بمعيّة الآخرين وأنّها عالية جدّا لا يمكن إدراكها لكونها مربوطة بابطن البطون وأين المجال هناك لفهم المخلوقين ومن علوّ شأن هذه الحروف والكلمات المقدّسة ورد القرآن كلام الله غير مخلوق ويعلم أنّ الكلام النّفسيّ هو هذه الحروف والكلمات كما حقّقه القاضي عضد وقال: إنّ هذه الحروف والكلمات هي الكلام القديم النّفسيّ بلا تقديم وتأخير وجعل التّقديم والتّأخير عائدا إلى قصور الآلات الحادثة.

قسم V02/P389–V02/P390

(فإن قيل) لو كانت هذه الحروف والكلمات كلاما نفسيّا ينبغي أن تكون داخلة في مرتبة الخارج وقد مرّ آنفا أنّها لا تكون داخلة في ذلك المقام فما وجه ذلك؟ (قلت) إنّ هذه الحروف والكلمات حيث كانت مركوزة في الاذهان بالتّقديم والتّأخير يظهر بهذه الملاحظة في النّظر الكشفيّ عدم دخولها في مرتبة الخارج بالضّرورة ولما لوحظت مرّة ثانية بلا ملاحظة التّقديم والتّأخير شوهدت داخلة فيها وملحقة بأصلها بل متّحدة بها فأيّ نسبة لمعيّتها بمعيّة الآخرين فإنّ فيها اتّحادا ولا مجال للاتّحاد في معيّة الآخرين سبحان الله إذا كان هذه الحروف والكلمات القرآنيّة نفس الكلام القديم السّبحانيّ يكون ظهوره في هذه النّشأة بخلاف سائر الصّفات القديمة بنفسه فإنّ الحروف والكلمات على هذا التّقدير نفسه وليس له نقاب غير التّقديم والتّأخير العارضين من جهة قصور آلة التّكلّم فأقرب الاشياء إلى جناب قدس الحقّ جلّ وعلا الذي هو القرآن المجيد أجلى وأظهر في عالم الظّلال بأصالته من غير أن يصيبه غبار الظّلّيّة وجعل التّقديم والتّأخير حجابا لعيون المحجوبين ولهذا كان أفضل العبادة تلاوة القرآن المجيد وكانت شفاعته أسرع قبولا من شفاعة الآخرين سواء كانت شفاعة ملك مقرّب أو نبيّ مرسل ولا يمكن تفصيل النّتائج والثمرات المترتّبة على تلاوة القرآن وكثيرا ما توصل التّالي إلى محلّ لا مجال فيه لذرّة (فإن قيل) هل هذه الدولة مخصوصة بالحروف والكلمات القرآنيّة واشتركت معها في هذه الدولة حروف سائر الكتب المنزّلة وكلماتها وكانت كلاما نفسيّا كمثلها؟ (قلت) للكلّ شركة في هذه الدولة والفرق الذي يتمثّل في نظر كشفيّ هو أنّ القرآن المجيد كأنّه مركز الدائرة وسائر الكتب المنزّلة بل جميع ما يقع به التّكلّم من الازل إلى الابد كأنّه محيط تلك الدائرة وسائر النّقط كأنّها تفصيله وهو إجمالها قال الله تعالى وإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (فإن قيل) قد علم من التّحقيق السّابق أنّ الشّهود والمشاهدة في ضمن المظاهر الجميلة - كما قالوا - غير واقع في هذه النّشأة ولا قابليّة في هؤلاء لمظهريّة تلك المرتبة المقدّسة فهل لها تحقّق في هذه النّشأة في غير هذه المظاهر أو لا؟ (قلت) إنّ معتقد هذا الفقير هو أنّ نصيب هذه النّشأة الإيقان فقط والرّؤية البصريّة والمشاهدة الّتي هي عبارة عن الرّؤية القلبيّة على تفاوت الدرجات نتيجة ذلك الإيقان وثمراته المربوطة بالآخرة نقل صاحب التّعرّف الذي هو من أكابر هذه الطّائفة العليّة في كتابه إجماع المشائخ في هذا الباب وقال: وأجمعوا على أنّه تعالى لا يرى في الدنيا بالابصار ولا بالقلوب إلّا من جهة الإيقان (فإن قيل) إنّ من المقرّر عند هذه الطّائفة العليّة أنّ لليقين مراتب ثلاثا: علم اليقين وعين اليقين وحقّ اليقين وقالوا: إنّ علم اليقين عبارة عن الاستدلال بالاثر على المؤثّر كيقين حاصل بوجود النّار مثلا من طريق الاستدلال بالعلم بوجود الدخان وعين اليقين عبارة عن رؤية النّار نفسها مثلا وحقّ اليقين عبارة عن التّحقّق بالنّار مثلا فإذا فقدت الرّؤية القلبيّة أيضا كيف يتحقّق عين اليقين؟ وكيف يصدق إجماع المشائخ على عدم الرّؤية مطلقا؟

قسم V02/P390–V02/P391

(قلت) لعلّ مراده بالإجماع إجماع المشائخ المتقدّمين والمتأخّرون حكموا على خلاف ذلك وجوّزوا الرّؤية القلبيّة وهذا الحكم لم يثبت عند هذا الفقير وهذه الدرجات الثلاث الّتي بيّنوها لليقين كلّها داخلة في علم اليقين لم تخرج بعد من الاستدلال ولم تتحوّل من العلم إلى العين وما قالوا في تمثيل عين اليقين من رؤية النّار ليس هو رؤية النّار بل رؤية الدخان الّتي استدلّوا بها على وجود النّار فكما أنّه كان في علم اليقين استدلال من العلم بوجود الدخان على وجود النّار كذلك هنا استدلال من رؤية الدخان على وجود النّار وهذا اليقين الثاني أتمّ من اليقين الاوّل لقوّة دليله فإنّ هناك علما بالدّليل وهنا رؤية الدليل وكذلك في حقّ اليقين تحقّق بالدّخان لا بالنّار واستدلال به على النّار وهذا اليقين أتمّ من كلّ من اليقينين السّابقين وأكمل فإنّه استدلال بنفسه الذي صار دخانا على وجود النّار وبين الانفس والآفاق فرق واضح قال الله تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ وقال الله تعالى وفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وكلّ ما يرى في الآفاق والانفس آيات المطلوب لأنفس المطلوب فكان المرئيّ في الآفاق والانفس هو الدخان الذي هو آية النّار لا النّار فتكون المعاملة في الآفاق والانفس هي الاستدلال الذي هو حقيقة علم اليقين وأمّا حقّ اليقين فينبغي تشخيصها فيما وراء الآفاق والانفس سبحان الله كيف قرّر الاكابر وجدان المطلوب في الانفس واعتقدوا خارج الانفس ممّا لا حاصل فيه قال واحد منهم (شعر) لا تطف في كلّ صوب مثل أع? . مى فإنّ الكلّ معك في العبا وقال الآخر (شعر) ? ون جلوهء ان جمال بيرون ز تو نيست . ? ا در دامن وسر در جيب اندر كش وقال الثالث (شعر) فلو سعت ذرّة في عمرها طلبا . خيرا وشرّا ترى في نفسها اكتمانا قال صاحب الفصوص: التّجلّي من الذّات لا يكون إلّا بصورة المتجلّى له وقال غيره من الاكابر إنّ أهل الله كلّ ما يرون بعد الفناء والبقاء يرون في أنفسهم وكما يعرفون يعرفونه في أنفسهم وحيرتهم في وجود أنفسهم وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (وعند هذا الفقير) الانفس أيضا كالآفاق ممّا لا حاصل فيه خالية عن وجدان المطلوب فيها ولا نصيب منه لها والذى في الآفاق والانفس هو الاستدلال على المطلوب والدلالة على المقصود والوصول إلى المطلوب مربوط بما وراء الآفاق والانفس ومنوط بما سوى السّلوك والجذبة فإنّ السّلوك سير آفاقيّ والجذبة سير أنفسيّ فيكون السّلوك والجذبة والسّير الآفاقيّ والانفسيّ كلّها داخلة في السّير إلى الله وما قالوا: إنّ السّلوك والسّير الآفاقيّ في السّير إلى الله والجذبة والسّير الأنفسيّ في السّير في الله ماذا نصنع ظهر لهم كذلك وظهر لي هكذا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمْتَنا (وأين القدرة) لمثلي المسكين الآكل من فضلتهم أن يتكلّم على خلاف مذاقهم ولكن لمّا ترقّت المعاملة من التّقليد قال ما ناله خالف القوم أو وافقهم والتزام أبى يوسف بعد ترقّيه من التّقليد موافقة أبي حنيفة الذي هو أستاذه خطأ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (فإن قيل) إذا كان هذه الدرجات الثلاث من اليقين داخلة في علم اليقين فما يكون عين اليقين عندك؟ (قلت) إنّ عين اليقين عبارة عن تلك الحالة الّتي هي للدّخان مع النّار فإذا انتهى المستدلّ إلى منتهى درجة الدليل الذي هو الدخان تحدث فيه أيضا حالة ثابتة للدّخان مع النّار وعند هذا الفقير هذه الحالة معبّر عنها بعين اليقين فإنّه فوق علم الاستدلال ووراء الآفاق والانفس ولمّا ارتفع حجاب الاستدلال من البين الذي هو نهاية مرتبة العلم خرج الامر من العلم إلى الكشف بالضّرورة وانجرّ من الغيب إلى الشّهود والحضور. (ينبغي أن يعلم) أنّ الشّهود والحضور غير الرّؤية والإحساس الا ترى أنّ شهود الشّمس لضعيف البصر وقت انتشار شعاعها حاصل بخلاف الرّؤية فإنّها غير متحقّقة؟

قسم V02/P391–V02/P392

(تنبيه) أنّ للتّحقّق بالدّخان درجتين وأنّه شامل لعلم اليقين وعين اليقين على التّحقيق الذي ذكرناه فإنّه ما لم يطو جميع نقط الدخان في التّحقّق به ولم ينته إلى نقطته الاخيرة فهو علم اليقين فإنّ كلّ نقطة بقيت حجاب مستلزم للاستدلال فإذا تحقّق بجميع النّقط وانتهى إلى النّقطة الاخيرة خرج من الاستدلال لانّ الحجب قد ارتفعت بالتّمام وثبت له عين اليقين كنفس الدخان فافهم وما ذا أكتب من حقّ اليقين فإنّ كمال تحقّقه مربوط بالنّشأة الاخرويّة فإن كان منه نصيب في الدنيا فهو مخصوص بأخصّ الخواصّ الذي كان السّير الانفسيّ الذي له مشابهة بحقّ اليقين داخلا عنده في علم اليقين وكان الانفس لديه في حكم الآفاق وصار علمه الحضوريّ المتعلّق بالانفس علما حصوليّا وحصل له عين اليقين فيما وراء الآفاق والانفس وقليل ما هم (خاتمة حسنة) في بيان الحسن والجمال المحمّديّين على صاحبهما الصّلاة والسّلام الذين هما متعلّق محبّة ربّ العالمين وأنّه صلّى الله عليه وسلّم كان بذلك الجمال محبوب ربّ العالمين جلّ شأنه. (اعلم) أنّ يوسف على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وإن كان بالصّباحة الّتي كانت فيه محبوب يعقوب عليه السّلام ولكنّ نبيّنا خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بالملاحة الّتي هي فيه محبوب خالق الارض والسّماوات وخلق الارض والسّماء والمكان والزّمان بطفيليّته صلّى الله عليه وسلّم كما ورد (ينبغي أن يعلم) أنّ الخلق المحمّديّ ليس كخلق سائر أفراد الإنسان بل لا مناسبة له بخلق فرد من أفراد العالم وهو صلّى الله عليه وسلّم مع وجود النّشأة العنصريّة خلق من نور الحقّ جلّ وعلا كما قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام: «خلقت من نور الله " وهذه الدولة لم تتيسّر لغيره صلّى الله عليه وسلّم وبيان هذه الدقيقة هو أنّه قد مرّ فيما سبق أنّ الصّفات الثمانية الحقيقيّة الواجبيّة وإن كانت داخلة في دائرة الوجوب ولكن فيها بواسطة احتياجها إلى حضرة الذّات رائحة الإمكان فإذا كان في الصّفات الحقيقيّة القديمة مجال لرائحة الإمكان يكون في الصّفات الإضافيّة الواجبيّة ثبوت الإمكان بالطّريق الاولى وعدم قدمها أوّل دليل على الإمكانيّة فيها وقد علم بالكشف الصّريح أنّ خلقته صلّى الله عليه وسلّم ناشئة من الإمكان الذي هو متعلّق بالصّفات الإضافيّة لا الإمكان الذي هو كائن في سائر أفراد العالم وكلّ ما يطالع صحيفة ممكنات العالم بدقّة النّظر لا يشاهد وجوده صلّى الله عليه وسلّم فيها بل يكون منشأ خلقته وإمكانه صلّى الله عليه وسلّم في عالم الممكنات بل يكون فوق هذا العالم فلا جرم لا يكون له ظلّ وأيضا إنّ ظلّ كلّ شخص في عالم الشّهادة الطف من ذلك الشّخص فإذا لم يكن الطف منه صلّى الله عليه وسلّم في العالم كيف يتصوّر له ظلّ (اسمع) انّ صفة العلم من الصّفات الحقيقيّة وداخلة في دائرة الموجود الخارجيّ فإذا عرضت لها الإضافة وانقسمت بها على العلم الإجماليّ والعلم التّفصيليّ مثلا تكون تلك الاقسام من الصّفات الإضافيّة وداخلة في مرتبة نفس الأمر الّتي هي مقرّ الصّفات الإضافيّة ويشاهد أنّ العلم الإجماليّ الذي صار من الصّفات الإضافيّة نور ظهر في النّشأة العنصريّة بعد الانصباب من الاصلاب إلى الارحام المتكثّرة بمقتضى حكم ومصالح بصورة الإنسان الذي هو على أحسن تقويم وصار مسمّى بمحمّد وأحمد (ينبغي) أن يستمع كمال الاستماع انّ هذا القدر من الإجمال وإن جعل العلم المطلق مقيّدا وأخرجه من الحقيقة إلى الإضافة ولكن لم تحصل منه زيادة في المقسّم أصلا ولم يقيّده شيء قطعا فإنّ إجمال العلم نفس العلم لا إنّه أمر زائد منضمّ إلى العلم بخلاف تفصيل العلم فإنّه يقتضي جزئيّات متكثّرة حتّى يتصوّر التّفصيل والعجب من قيد كان مظهرا للإطلاق والعجب من مقيّد صار نفس المطلق ينبغي أن يلاحظ مثل هذه اللّطافة في مطلق العلم بالنسبة إلى الذّات فإنّه يمكن أن يكون العلم نفس العالم ونفس المعلوم كما أنّه كائن في العلم الحضوريّ بخلاف صفات اخر فإنّها ليست فيها هذه القابليّة فإنّه لا يمكن أن يقال: إنّ القدرة عين القادر وعين المقدور والإرادة عين المريد وعين المراد فللعلم اتّحاد مع ذات العالم واضمحلال فيه ليس ذلك لغيره ينبغي أن يدرك من ههنا قرب أحمد من الاحد فإنّ الواسطة بينهما صفة العلم الّتي له اتّحاد بالمطلوب فكيف يكون للحجابيّة فيها مجال؟

قسم V02/P392–V02/P393

وأيضا في العلم حسن ذاتيّ ليس هو لغيره من الصّفات ولهذا أحبّ صفات الواجب عند الحقّ جلّ وعلا بزعم هذا الفقير هو صفة العلم وحيث انّ في حسنه شائبة اللّاكيفيّة فالحسّ قاصر عن إدراكه وإدراك ذاك الحسن على وجه التّمام مربوط بالنّشأة الاخرويّة الّتي هي موطن الرّؤية فإذا رأوا الله عزّ وجلّ يدركون جمال محمّد صلّى الله عليه وسلّم وإن أعطى يوسف عليه السّلام في هذه النّشأة ثلثي الحسن وقسم الثلث الباقي للكلّ ولكنّ الحسن في النّشأة الاخرويّة هو الحسن المحمّديّ والجمال هو الجمال المحمّديّ عليه الصّلاة والسّلام فإنّه محبوب الحقّ جلّ سلطانه وكيف يكون لحسن الآخرين مشاركة بحسن صفة العلم فإنّ حسنها بواسطة اتّحادها بالمطلوب عين حسن المطلوب ولمّا لم يكن هذا الاتّحاد لغيرها ليس فيه هذا الحسن فالخلقة المحمّديّة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام مع وجود الحدوث مستندة إلى قدم الذّات تعالت وكانت أحكامها أيضا منتهية إلى وجوب الذّات وكان حسنه حسن الذّات من حيث انّه ليس فيه شائبة غير الحسن فلمّا كان كذلك صار متعلّق المحبّة الجميل المطلق وكان محبوبه " أنّ الله جميل يحبّ الجمال». (فإن قيل) إنّ قوله تعالى يُحِبُّهُمْ يدلّ على أنّ محبّة الحقّ سبحانه متعلّق بغيره صلّى الله عليه وسلّم أيضا ويكون الآخرون أيضا محبوبيه سبحانه وتعالى فما وجه تخصيصه صلّى الله عليه وسلّم مع كونها موجودة في غيره؟ (قلت) المحبّة قسمان: قسم يتعلّق بذات المحبّ وقسم يتعلّق بغير ذاته والقسم الاوّل محبّة ذاتيّة وهي أعلى أقسام المحبّة فإنّه لا يحبّ أحد شيئا مثل حبّه لنفسه وأيضا هذا القسم من المحبّة أحكم وأوثق فإنّها لا تزول بعروض عارض وأيضا متعلّق هذا القسم محبوب صرف ليست فيه شائبة المحبيّة بخلاف القسم الثاني فإنّها عرضيّة وقابلة للزّوال ومتعلّقه وإن كان من وجه محبوبا ولكن فيه محبّيّة أيضا من وجوه متعدّدة وحيث كان حسن خاتم الرّسل وجماله عليه الصّلاة والسّلام مستندين إلى حسن حضرة الذّات تعالت وجمالها كما مرّ يكون القسم الاوّل الذي هو متعلّق بالذّات متعلّقا به عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بالضّرورة ويكون صلّى الله عليه وسلّم بتعلّق المحبّة كالذّات محبوبا صرفا ولمّا لم تكن هذه الدولة ميسّرة لغيره وقل نصيبهم من الحسن الذّاتيّ يتعلّق بهم من المحبّة القسم الثاني ويجعلهم محبوبا من وجه والمحبوب المطلق هو النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإنّه كذات المحبّ محبوب دائما ويكون محسوسا انّ غلبة المحبّة الّتي هي في موسى للحقّ سبحانه وكان هو بتلك المحبّة رئيس المحبّين مثلها في الحقّ سبحانه لحضرة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وكلّما يغوص هذا الفقير في بحر هاتين المحبّتين ليدرك التّفاوت بينهما قوّة وضعفا ويجد المحبّة الّتي هي في الخالق أشدّ من محبّة المخلوق بحكم فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغالِبُونَ لا يظهر التّفاوت أصلا وكأنّ هاتين المحبّتين وزنت بميزان العدالة متساويتين ولم يقع بينهما تفاوت بالزّيادة والنّقصان مقدار شعرة. (فإن قيل) إنّ الصّوفيّة العليّة حكموا بكون تمام أفراد العالم مظاهر الاسماء الإلهيّة ومجاليها ووجدوا حقائق الاشياء عين تلك الاسماء واعتقدوا أنّ الاشياء ظلال الاسماء فجعلوا تمام العالم ظهور الاسماء الإلهيّة فما وجه تخصيص ظهور بعض الاسماء بخلقته صلّى الله عليه وسلّم كما مرّ؟

قسم V02/P393–V02/P395

(قلت) إنّ حقائق الاشياء عند الصّوفيّة هي الاعيان الثابتة الّتي هي عبارة عن الصّور العلميّة للأسماء الإلهيّة لا الاسماء الإلهيّة أنفسها وقالوا: إنّ هذا العالم هو ظهور تلك الصّور العلميّة وإن قالوا إنّه ظهور الاسماء أيضا على سبيل التّجوّز بل الصّورة العلميّة للشّيء عندهم عين ذلك الشّيء لا شبح ذلك الشّيء ومثاله وما قاله هذا الفقير في خلقته صلّى الله عليه وسلّم ظهور نفس الاسم الإلهيّ جلّ شأنه لا ظهور الصّورة العلميّة لذلك الاسم شتّان ما بين نفس الشّيء وبين صورته العلميّة الا ترى أنّ النّار إذا تصوّرت في الاذهان أين لها الاشراق والإضاءة وقد كان كمال النّار وجمالها هو الإشراق والإضاءة وليس في صورتها العلميّة غير شبحها ومثالها قبله أرباب المعقول أو لا بل قالوا إنّها عين النّار ولكنّ كشفنا الصّريح مكذّب لقول من قال بالعينيّة وصورة النّار العلميّة ليست غير شبح النّار الموجودة في الخارج ويكون محسوسا أنّ كلّ ما هو ظهور الصّور العلميّة للأسماء إمكانه ووجوده من قبيل إمكان العالم ووجوده الذي تحقّق له ثبات وتقرّر بصنع الله تعالى في مرتبة الوهم وما هو ظهور الاسم الإلهيّ كما مرّ في خلقته صلّى الله عليه وسلّم إمكانه من قبيل إمكان الصّفات الإضافيّة ووجوده أيضا مثل وجود تلك الصّفات في نفس الامر ولا يقع النّظر على أحد يكون ظهورا للاسم الإلهيّ جلّ سلطانه غير النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلّا القرآن المجيد فإنّه أيضا ظهور نفس اسم إلهيّ كما ذكرت شمّة منه فيما سبق (غاية ما في الباب) أنّ منشأ الظّهور القرآنيّ من الصّفات الحقيقيّة ومنشأ الظّهور المحمّديّ من الصّفات الإضافيّة فبالضّرورة قالوا لذلك قديما وغير مخلوق ولهذا حادثا ومخلوقا ومعاملة الكعبة الرّبّانيّة أعجب من هذين الظّهورين الاسميّين فإنّ هناك ظهور معنى تنزيهيّ بلا كسوة الصّور والاشكال فإنّ الكعبة الّتي هي مسجود إليها لجميع الخلائق ليست بعبارة عن الحجر والمدر وليست هي أيضا سقفا وجدرا فإنّه لو لم تكن هذه فرضا تكون الكعبة كعبة باقية على حالها ومسجودا إليها فهناك ظهور ولا صورة أصلا وهذا من أعجب العجائب (اسمع اسمع) انّه وإن لم يكن لأحد شركة في هذه الدولة الخاصّة المحمّديّة ولكن يدرك هذا القدر أنّه قد بقيت بقيّة من تلك الدولة وهي الخاصّة به بعد تخليقه وتكميله عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فإنّ الزّيادة والفضلة من لوازم خوان ضيافة الكرماء لتكون نصيبا للخدّم وحصّة فأعطيها واحد من أمّته صلّى الله عليه وسلّم وجعلت خمير طينته وجعل بتبعيّته ووراثته شريك دولته الخاصّة به عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام (ع) لا عسر في أمر مع الكرام وهذه البقيّة كبقيّة طينة آدم عليه السّلام حيث كانت نصيبا لخلقة النّخلة كما قال عليه وعلى آله الصّلاة " أكرموا عمّتكم النّخلة فإنّها خلقت من بقيّة طينة آدم " بلى (ع) وللأرض من كأس الكرام نصيب (فإن قيل) قد جعل الشّيخ محيي الدين بن عربيّ وأتباعه الحقيقة المحمّديّة عبارة عن حضرة إجمال العلم وقالوا له تعيّنا أوّلا وتجلّيا ذاتيّا واعتقدوا ما فوقه اللّاتعيّن الذي هو حضرة الذّات البحت وأنت جعلته قسما من العلم وأدخلته في الصّفات الإضافيّة الّتي هي دون الصّفات الحقيقيّة فما وجه ذلك؟

قسم V02/P395–V02/P396

(قلت) إنّ الشّيخ محيي الدين بن العربيّ لا يقول بوجود موجود في الخارج غير أحديّة الذّات المجرّدة ولا يثبت الوجود للصّفات ولو كانت حقيقيّة في غير العلم فيكون التّعيّن الاوّل عنده بالضّرورة علما إجماليّا ويتصوّر ثبوت الصّفات بعده فإنّ ثبوتها فرع ثبوت العلم فإنّه لا يقول بثبوتها في غير العلم فيكون العلم أسبق من الكلّ وجامعا لجميع الكمالات والذي صار مكشوفا لدى الفقير هو أنّ الصّفات الحقيقيّة الثمانية كالذّات موجودة في الخارج والتّفاوت إنّما هو باعتبار المركزيّة وعدم المركزيّة كما مرّ وهذا القول موافق لآراء علماء أهل السّنّة والجماعة شكر الله سعيهم حيث قالوا: إنّ وجود الصّفات زائدة على وجود الذّات وعلى هذا التّقدير لا معنى لجعل التّعيّن الاوّل عبارة عن العلم الإجماليّ بل لا مجال لإطلاق التّعيّن أيضا وأسبق جميع الصّفات صفة الحياة وصفة العلم تابعة لها فتقديم العلم عليها غير متصوّر خصوصا إذا انضمّ قيد إلى العلم فإنّه أدون من مطلق العلم وداخل في الإضافيّة كما مرّ نعم إذا قالوا للعلم الإجماليّ إنّه تعيّن أوّل للعلم فله مساغ ويكون تعيّنه الثانيّ علما تفصيليّا (فإن قيل) إنّ الشّيخ محيي الدين قال للعلم الإجماليّ إنّه حقيقة محمّديّة واعتقد هذه النّشأة العنصريّة ظهوره فله مراده من الظّهور ظهور نفس الاسم كما قلت انت أو ظهور صورة ذلك الاسم كما هو في سائر الممكنات (قلت) مراده ظهور صورة الاسم فإنّ التّعيّن الاوّل عنده قدّس سرّه تعيّن علميّ فإنّه قال للتّعيّنين الاوّلين تعيّنا علميّا وللتّعيّنات الثلاثة الاخيرة تعيّنا خارجيّا والتّعيّن العلميّ هو صورة شأن العلم الذي قال: إنّه عين الذّات في الخارج وأثبت صورته في العلم وتلك الصّورة العلميّة الّتي هي الحقيقة المحمّديّة ظهرت في النّشأة العنصريّة بصورة إنسانيّة محمّديّة (وبالجملة) أنّ كلّ مقام فيه ظهور فهو ظهور الصّورة العلميّة عند الشّيخ وإن كانت صفات الواجب جلّ شأنه فالصّفات لا وجود لها عنده في غير العلم ولا موجود عنده في الخارج غير الذّات البحت (فإن قيل) في تلك المرتبة اتّحاد العلم والعالم والمعلوم وحاصل ذلك هو العلم الحضوريّ فلا يكون لصورة الاسم هناك مجال لانّ حصول الصّورة إنّما هو في العلم الحصوليّ والحاضر في العلم الحضوريّ هو نفس المعلوم لا صورته (قلت) إنّ تلك المرتبة ليست هي مرتبة الذّات البحت ولهذا قال لها تعيّنا وتنزّلا فلا تكون موجودة في الخارج فإذا لم تكن موجودة في الخارج لا بدّ لها من الثبوت العلميّ ولهذا قال لها تعيّنا علميّا ولا بدّ للثّبوت العلميّ من صورة المعلوم فلزم من هذا البيان أنّ في العلم الحضوريّ أيضا صورة للمعلوم مع وجود حضور نفس المعلوم وأنّ الحاضر ليس هو المعلوم الخالص بل تطرّق إليه الاعتبار وأخرجه من النّفس إلى الصّورة ولا يدرك فهم كلّ أحد هذه الدقّة ومن لم يصل إلى الذّات البحت بوصول لا كيفيّ لا يدرك هذه الدقيقة سبحان الله أيّ قدرة واستطاعة لمثلي الفقير العاجز المتأخّر أن يتكلّم بمعارف أكابر الانبياء أولي العزم بعد الف سنة من بعثة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ويبيّن دقائق كمالات المبدأ في شفير المعاد. (شعر) ولكن سيّدي أعلى مقامي . فحقّت لي مباهاتي الهلال كأنّي تربة فيها سحاب ال? . رّبيع ممطر ماء زلالا فلو لي الف السنة وأثني . بها ما ازددت إلّا انفعالا الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدانا لِهذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا الله لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ .

قسم V02/P396–V02/P397

وقد كان في خاطري أن أكتب شمّة من بيان الصّباحة والملاحة الواردتين في الحديث النّبويّ: «أخي يوسف أصبح وأنا أملح " وأن أتكلّم في هذا الباب بالرّمز والإشارة ولكن رأيت أنّ الرّمز والإشارة قاصر في أداء المقصود والمستمعون عاجزون عن فهمه ومقطّعات الحروف القرآنيّة كلّها رموز وإشارات إلى حقائق الأحوال ودقائق الأسرار الكائنة بين المحبّ والمحبوب ولكن من الذي يدركها ويفهمها والعلماء الرّاسخون الذين حكمهم حكم خدّام حبيب ربّ العالمين وغلمانه وإن كان لهم اطّلاع عليها لما أنّه يجوز أن يكون للخدّام اطّلاع على بعض أسرار مخاديمهم الخفيّة بل يجوز أن تكون بين الخادم والمخدوم معاملة بطريق تبعيّته للمخدوم وأن يكون الخادم شريكا له في دولته الخاصّة به بتطفّله ولكنّهم لو أظهروا شمّة من هذا البيان يكونون خونة ومهلكين أنفسهم ويصدق في حقّهم قطع البلعوم الذي قاله أبو هريرة رضي الله عنه " يضيق صدري ولا ينطلق لساني " نقد الوقت رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله وأصحابه البررة التّقىّ. المكتوب الحادي والمائة إلى الشّيخ عبد الله في المنع من تفسير آيات القرآن وتأويلها على طبق مذاق الفلاسفة سلّمكم الله سبحانه وعافاكم عن البليّات قد أرسلت كتاب تبصرة الرّحمن الذي كنتم أرسلتموه وقد طالعت بعض مواضعها فوجدت أنّ لمصنّفه ميلا عظيما إلى مذهب الفلاسفة بحيث يكاد يجعل الحكماء مساوين للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ووقع النّظر على آية في سورة هود قد فسّرها على طرز الحكماء خلاف طور الانبياء وسوّى بين قول الحكماء والانبياء عليهم السّلام وقال في بيان معنى هذه الآية أولئك الذين ليس لهم باتّفاق الانبياء والحكماء إلّا النّار الحسيّ أو العقليّ إلخ وأين المجال لاتّفاق الحكماء مع وجود إجماع الانبياء وأيّ اعتبار في قولهم في العذاب الاخرويّ خصوصا إذا كان مخالفا لقول الانبياء عليهم السّلام ومقصود الفلاسفة من إثبات العذاب العقليّ هو رفع العذاب الحسّيّ الذي وقع إجماع الانبياء على ثبوته وبيّن الآيات القرآنيّة موافقا لمذاق الحكماء في مواضع أخر أيضا وإن لم يكن مخالفا للمذهب المبيّن فمطالعة هذا الكتاب لا يخلو عن مضرّات خفيّة بل جليّة واعتقدنا إظهار هذا المعنى لازما وكتبنا في ذلك كلمات وإن كانت تصديعا والسّلام. المكتوب الثاني والمائة إلى جناب المير محمّد نعمان في التّرغيب في المجاهدات والانزواء وتربية طالبي الحقّ جلّ وعلا الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (اعلم) أنّ أحوال هذه الحدود وأوضاعها مستوجبة للحمد لله سبحانه الحمد والمنّة دائما وعلى كلّ حال ولم أطّلع على أحوالكم من مدّة مديدة والمرجوّ أنّكم قلبتم ذلك الورق وبدّلتم الكسل بالعمل وتوجّهتم من الفراغ إلى المجاهدة فإنّ الوقت وقت العمل والاشتغال لا موسم الاكل والمنام ينبغي إعداد نصف اللّيل للنّوم والنّصف الآخر للطّاعة والعبادة فإن لم يكن قدرة اختيار هذه الهمّة ينبغي أن يلتزم ثلث اللّيل من النّص إلى السّدس ينبغي أن يسعى لئلّا يقع فتور في دوام هذه الدولة وينبغي أن يختلط بالنّاس وأن ينبسط إليهم مقدار ما تؤدّى به حقوقهم " الضّرورة تقدّر بقدرها " والانبساط إلى الخلائق زيادة على قدر الحاجة من الفضول وداخل فيما لا يعني وربّما يتفرّع عليه مضرّات كثيرة ويصير داخلا في محظورات الشّريعة والطّريقة والشّيخ الذي يفرّط في الانبساط إلى المريدين يخرجهم من الإرادة بالضّرورة ويوقع الفتور في طلبهم عياذا بالله سبحانه من ذلك ينبغي أن يدرك قبح هذا المعنى وأن يسلك بالطّالبين على وجه يكون سببا لانسهم والفتهم لا موجبا لنكرتهم ونفرتهم والانزواء من الخلائق ضروريّ فإنّ الاختلاط والائتلاف معهم بلا داع ولا حاجة سمّ قاتل وهذا المعنى ميسّر لكم بتوفيق الله تعالى بالسّهولة وماذا يصنع أرباب الابتلاء فإنّهم مشغولون مع أرباب التّفرقة دائما؟ ينبغي لكم أن تعرفوا قدر هذه النّعمة والعمل بمقتضاها وعليكم بكمال الاستخبار عن حال الطّالبين وبالتّوجّه إلى تربيتهم ظاهرا وباطنا وما أكتب أزيد من ذلك.

قسم V02/P397–V02/P399

المكتوب الثالث والمائة إلى الشّيخ حميد الأحمديّ في التّرهيب عن قصور الأحوال والتّرغيب في حصول التّكميل والكمال الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد سرّ مكتوب أخي الاعزّ الشّيخ حميد بوصوله ما أعظم نعمة حصول الرّغبة في جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه والبرودة عمّا سواه تعالى لجماعة في صحبة شخص في مثل هذا الزّمان المملوء من الفتن ومع ذلك لا يغترّ ذلك الاخ بهذه الدولة ولا يكون فارغا من شغله (هنوز دهلى دور است) مثل مشهور يعني الدهليّ بعيد بعد ولا يعلم: هل تمّ واحد من المائة أم لا؟ وهذه الأحوال الّتي تحصل للطّالبين في الابتداء وتورثهم ذوقا ولذّة من قبيل تمرين الاطفال بتعليم الف وبا والامر أن يجاوز التهجّي والوصول إلى مرتبة المولويّة والتّرقّي من الاذواق والالتذاذات والدخول إلى الولاية الخاصّة. (شعر) وذا إيوان الاستعلاء عال . فإيّاكم واخطار الوصال وعليكم بتعمير الاوقات والتّحلّي بالشّريعة والطّريقة ظاهرا وباطنا واعلم أنّ تكميل الغير فرع كمال الإنسان نفسه وهو درجة الولاية الخاصّة ولكن إذا ظهر في الصّحبة رشد في الطّالبين وحصلت لهم أحوال ومواجيد فهي أيضا غنيمة وإن لم يبلغوا حدّ الفناء والبقاء وحكمها في هذا الوقت حكم الكبريت الاحمر إن فعل ذلك أيضا ولكنّ تعليم الطّريق أيّا من كان بعد الاستخارات والتّوجّهات مناسب بل لازم وينبغي أن تكونوا على خوف وخشية من هذا العمل حذرا من تسلّط الشّيطان من هذه الجهة اعاذنا الله سبحانه من شرّه فإن أتممتم العدد الذي أمرتكم به اشتغلوا بضعفه ثمّ أخبروني بعد ذلك حتّى يصدر الاعلام بما يناسب الحال وسلّموا منّا على الاصحاب عندكم ووصلت أيضا الصّحيفة الشّريفة الّتي كتبها السّيّد يحيى حمدا لله سبحانه على كون قلوب النّاس منجذبة إلى حضرة الحقّ سبحانه وتعالى وكونهم والهين مشتاقين إلى ذلك الجناب الاقدس جلّ سلطانه في مثل هذا الوقت الذي له كمال القرب من القيامة وقد ورد في الخبر " وتقوم السّاعة على أشرار النّاس " والمتوقّع من الاحبّة الدعاء على ظهر الغيب بسلامة الخاتمة رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ والسّلام أوّلا وآخرا. المكتوب الرّابع والمائة إلى الحضرات ذوي البركات حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد وحضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد معصوم في بشارتهما بالوصول إلى بعض المراتب الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى لم يكتب الاولاد الكرام منذ مدّة شيئا من أحوالهم الظّاهرة والباطنة ولعلّ ذلك بسبب طروّ النّسيان والذّهول عن حال المهجورين بواسطة تمادي أيّام المفارقة ولنا أيضا أرحم الرّاحمين أَلَيْسَ الله بِكافٍ عَبْدَهُ مورّث التّسلّي للغرباء المحرومين والعجب أنّ الخاطر متوجّه إلى أحوالكم دائما مع عدم التفاتكم هذا كلّه ومريد لكمالكم وقد كنت أمس عقدت مجلس السّلوك بعد صلاة الصّبح فظهر أنّ الخلعة الّتي كانت لى انفصلت عنّي وتوجّهت إلى خلعة أخرى مكانها فوق في الخاطر أنّ هذه الخلعة الزّائلة هل يعطاها شخص أم لا؟ وكنت أتمنّى أنّها أعطيها ولدي الارشد محمّد معصوم فرأيت بعد لمحة أنّ ولدي قد أعطيها وألبسها بالتّمام وكانت تلك الخلعة الزّائلة كناية عن معاملة القيّوميّة الّتي تتعلّق التّربية والتّكميل وكانت هي الباعثة على ارتباط هذه العرصة المجتمعة فإذا انتهت معاملة هذه الخلعة الجديدة إلى آخرها وصارت مستحقّة للخلع نرجو من كمال الكرم أن يعطيها ولدي الاعزّ محمّد سعيد وهذا الفقير يسال ذلك بالتّضرّع على الدوام ويفهم أثر الإجابة ويجد ولدي مستحقّا لهذه الدولة (ع) لا عسر في أمر مع الكرام والاستعداد أيضا من عطائه سبحانه وتعالى. (شعر) ما جئت من بيتي بشيء أوّلا .

قسم V02/P399–V02/P400

ومنحتني ما بي وإنّي بعض ذا قال الله تعالى اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (واعلموا) أنّ الشّكر عبارة عن صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من الجوارح والقوى الظّاهريّة والباطنيّة إلى ما خلقها الله وأعطاه لأجله لولاه لما حصل الشّكر والله الموفّق ومثل هذه العلوم من الأسرار الخفيّة وإن قلناه جهارا ولكنّه لازم الخفاء لئلّا يفتتن النّاس ثمّ إنّ ذاك المشكل الذي كان فيّ من أنّ تلك المعاملة لعلّها في عالم المثال قد انحلّ في هذه الايّام ولم يبق فيه خفاء أصلا ولعلّ لروحانيّة الخواجه معين الدين أيضا مدخلا في هذا المعنى ولعلّ ذلك المشكل باق في خاطر محمّد معصوم. المكتوب الخامس والمائة إلى الشيخ حسن البركيّ في جواب كتابه الذي كتبه لبيان أحواله وفي الحثّ على إحياء السّنّة والتّحذير عن ارتكاب البدعة الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد سرّت صحيفة أخي الاعزّ الشّيخ حسن أحسن الله حاله بوصولها وقد اندرج فيها من العلوم والمعارف فزادت مطالعتها فرحا على فرح حمدا لله سبحانه كلّها علوم صحيحة ومعارف صادقة مطابقة للكتاب والسّنّة موافقة لإعتقاد الفرقة النّاجية رزق الله سبحانه الاستقامة وأوصل إلى منتهى المقاصد العليّة وكتبت من رفع البدع شمّة يا لها من نعمة عظيمة لو وفّق شخص لرفع بدعة من البدع في مثل هذا الوقت الذي تراكمت فيه ظلمات البدعة وأحيا سنّة من السّنن وقد ورد في الاحاديث الصّحيحة " من أحيا سنّة ميّتة فله ثواب مائة شهيد " فليعلم درجة هذا العلم من ههنا ولكن ينبغي أن يراعي دقيقة وهي أن لا ينجرّ الامر إلى إيقاظ الفتنة وأن لا تكون الحسنة الواحدة باعثة على سيّئات كثيرة فإنّ الزّمان آخر الزّمان وأوان ضعف الإسلام والإيمان وحصل الافراح والمسرّات أيضا من مطالعة الرّسالة الّتي أرسلتها الحمد لله سبحانه الموافقة في العلوم لهذا الفقير كثيرة وفي الكشف مطابقة والانظار أيضا عالية وقد كنت فوّضت كتابك الذي كان متضمّنا للأحوال والعلوم والاستفسارات إلى أخي محمّد هاشم الكشميّ ليحضّره وقت تحريره الجواب فأضاعه اتّفاقا ولهذا وقع التّوقّف في تفصيل الاجوبة وما بقي منها في الخاطر كتبت جوابه ومجملها أنّها أحوال مستحسنة وعلوم صحيحة ثمّ إنّه ينبغي لكم السّعي البليغ في تربية أولاد المرحوم المغفور له مولانا أحمد وتعليمهم ورعاية الهداية بالآداب الظّاهريّة والباطنيّة وعليكم بدلالة سائر الاصحاب الفقراء بل جميع أهل الإسلام الكائنين في تلك البقعة على الشّريعة والتزام السّنّة وتهديدهم وتحذيرهم عن ارتكاب البدعة والله سبحانه الموفّق وقد أرسل إليكم الخواجه محمّد هاشم نقول بعض مكاتيب الجلد الثالث نفعكم الله بها وأوقات الفقير مختلفة فأحيانا تظهر الرّغبة في تسويد العلوم والمعارف بلا اختيار وفي بعض الاوقات تظهر النّفرة من الكتابة مع إفاضة الأسرار الغريبة بحيث لا يستطاب أخذ القلم باليد فبناء على ذلك يقع الفتور في تفصيل جواب كتبكم الّتي وصلت ولا أقدر أن أكتب شيئا بالتّكلّف وبقيّة الأحوال مستوجبة للحمد وقد تيسّر التّخلّص بعناية الله سبحانه من رفاقة العسكر أدام الله لنا الاستقامة ولجميع الاصحاب الكائنين هناك دعوات مخصوصة والسّلام.

قسم V02/P400–V02/P401

المكتوب السّادس والمائة إلى حضرات المخاديم سلّمهم الله سبحانه في بيان واقعته الّتي رأى فيها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ونال منه البشارات العليا قد وصلت الصّحيفة الشّريفة من أولادي الكرام حمدا لله سبحانه على ما كانوا على الصّحّة والعافية وأكتب المعاملة الّتي ظهرت اليوم جديدة ينبغي استماعها بكمال الإصغاء كنت البارحة الّتي هي ليلة السّبت ذهبت إلى مجلس السّلطان فلمّا رجعت منه بعد مضيّ مقدار ثلاث ساعات من اللّيل وسمعت من الحافظ ثلثة اجزاء من القرآن ومضي من اللّيل ازيد من ستّ ساعات تيسّر النّوم وحيث كان بي تعب اللّيل نمت بعد حلقة الصّبح فرأيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد كتب الإجازة للفقير كما هو عادة المشايخ من كتابة الإجازة للخلفاء وواحد من أصحابي المخلصين متصدّ لهذه المعاملة فظهر في تلك الأثناء أنّ في إمضاء الإجازة نحوا من الفتور ووجه الفتور أيضا معلوم في ذلك الوقت فحمل الذي هو متصدّ لهذه الخدمة من أصحابي تلك الإجازة إلى ملازمته صلّى الله عليه وسلّم مرّة ثانية وكتب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على ظهرها إجازة أخرى او امر الغير بكتابتها لم أقدر على تشخيص ذلك ولكنّه بالنّسبة إليه صلّى الله عليه وسلّم معلوم وبعد الكتابة زيّنها بختمه عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام مضمون تلك الإجازة هو أنّه قد أعطيت إجازة الآخرة عوضا عن إجازة الدنيا وأعطيت نصيبا من مقام الشّفاعة والكاغد أيضا طولانيّ وكتب فيه سطور كثيرة وأنا أسال من المتصدّي لتلك الخدمة أنّ أيّا منهما الاولى وأيّا منهما الثانية؟ وأنا أجدني في ذلك الوقت في محلّ واحد مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأعاشره كالولد مع الوالد وليس حضوره وحضور أهل بيته غريبا لي وأنا أخذت ذلك الكاغد بيدي ولففته وكنت داخلا في حرمه الشّريف كالاولاد المحاريم وتأمرني أمّهات المؤمنين في حضوره صلّى الله عليه وسلّم ببعض الخدمات بالاهتمام التّامّ وتقول كنت منتظرة لك ينبغي أن تفعل كذا وكذا فعرضت الإفاقة في تلك الاثناء وارتفع من الخاطر وجه ذلك الفتور وبالقدر اليسير من فتح العين زالت خصوصيّات تلك الواقعة من الخاطر معاينة ولعلّه بقي في خاطركم انّي قد كنت ذكرت كلاما في هذا الباب أكثر من ذلك من أنّ العجب أنّ هذه النّسبة العليا لا تظهر على مقدارها وكان يخطر في الخاطر أنّ ظهورها لعلّه يكون ذخيرة لأجل الآخرة ويتيسّر نعم البدل فحصل من هذه الواقعة التّشفّي من تلك التّردّدات الوقت وقت قرب القيامة ووقت تراكم الظّلمات فأيّ خيريّة فيه؟ وأيّ نورانيّة إلّا أن يروّجها الحضرة المهديّ عليه الرّضوان مؤيّدا بالخلافة الظّاهريّة وقد أمرت اليوم شكرا للنّعمة بطبخ أطعمة متنوّعة لروحانيّته صلّى الله عليه وسلّم وأن يعقدوا مجلس السّرور ولعلّ رافعي الكتب أيضا يأكلون من تلك الاطعمة ثمّ إنّي قد كنت كتبت في مكتوب في بيان واقعة ظهرت أنّه لم يقبل واحد من الاصحاب معكما لملازمة السّلطان ثمّ ظهر بعد زمان أنّه قد قبل هو أيضا بمحض الكرم وظهر آثار القبول لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك وعلى جميع النّعماء وفي هذه الايّام تظهر معارف غريبة وعلوم عجيبة وكأنّ ذلك الورق صار مرقوما وظهرت المعاملة للآخر الاولاد بعيدون ومعاملة العمر قريبة وإلى ما ينجرّ الامر ونصبر قائلين: الخير فيما صنع الله؟ رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى .

قسم V02/P401–V02/P403

المكتوب السّابع والمائة إلى الخواجه محمّد أشرف في بيان سبب وقوع الفتور في نسبة الرّابطة والالتذاذ بالطّاعة بعد الحمد لله والصّلاة وتبليغ الدعوات أنهى انّه قد وصلت صحيفة أخي الاعزّ حمدا لله سبحانه على ما كانوا على الصّحّة والعافية (وقد سئلتم) أنّه ما السّبب في أنّه إذا طرأ الفتور في نسبة الرّابطة لا يوجد الالتذاذ بسائر الطّاعات (اعلموا) أنّ الوجه الذي صار سببا لفتور نسبة الرّابطة مانع عن الالتذاذ بالطّاعات وسبب الفتور أحيانا يكون قبضا وأحيانا كدورة طارية بواسطة ارتكاب زلّات وإن كانت قليلة والوجه الاوّل ليس بمذموم بل هو من لوازم سلوك الطّريقة وينبغي تدارك عروض الوجه الثاني بالتّوبة والاستغفار إلى أن يرتفع أثره بكرم الله سبحانه وحيث انّ التّمييز بين القبض والكدورة يستدعي دقّة النّظر فالتّوبة نافعة على كلّ حال أدام الله سبحانه استقامتكم والسّلام. المكتوب الثامن والمائة إلى الملّا طاهر الخادم في بيان المعاملات المتعلّقة بأصل الاصل وهذه المعرفة منقولة بالمعنى إنّ المعاملة الّتي تتعلّق بأصل الاصل على نوعين: نوع يمكن معرفتها بصورة مثاليّة أو بأمر آخر وهذه المعاملة موقّتة بوقت كون السّير في مقامات لها مناسبة أو مشاكلة بالعالم ولو بالوجه والاسم وذلك إلى نهاية مقام الرّضا فإذا تيسّر السّير لشخص فوق مقام الرّضا لا يكون له شيء معلوما لا بصورة مثاليّة ولا بأمر آخر فحينئذ يكون لذلك العارف علم بمحض حصول مقامات فوقانيّة من غير أن يكون له شيء منها معلوما حتّى إنّ اسم النّبوّة والرّسالة وأمثالهما أيضا مفقودة في هذه المقامات وأظنّ أنّ الحقّ سبحانه سيعطي في دار الخلد علم تلك المقامات ونهاية هذا السّير إلى مرتبة مخصوصة لا تخفى على أربابها والسّلام. المكتوب التّاسع والمائة إلى حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد معصوم سلّمه الله سبحانه في بيان أنّ إيجاد العالم في مرتبة الوهم ولكنّه بواسطة الاستقرار وتعلّق الإيجاد به صار منسوبا إلى نفس الامر وهذه المرتبة وراء مرتبة العلم والخارج وبيان أنّ الوحدة والكثرة كلتيهما في نفس الامر وتحقيق أنّ فناء السّالك مع وجود الثابت والاستقرار بأيّ معنى يكون وهذا المكتوب بقي غير تامّ بواسطة حوادث الايّام اعلم أنّ مرتبة الوهم عبارة عن مرتبة يكون فيها ظهور بلا وجود كما أنّ صورة زيد مثلا إذا كانت متوهّمة في المرآة فهناك ظهور بلا وجود لانّه لا صورة في المرآة أصلا وليس لها ثبوت فيها غير الظّهور الوهميّ وقد لاح بالكشف الصّحيح والشّهود الصّادق أنّ الحقّ سبحانه خلق العالم من كمال اقتداره في تلك المرتبة وأعطاه بصنعه الكامل ظهورا محضا وإن كان في تلك المرتبة ظهورا بلا كون ووجود ولكن لمّا صار العالم مخلوقا في تلك المرتبة كان ظهورا مع وجود فإنّ إيجاده تعالى يكون مثبتا وموجدا ولمّا كان ظهورا مع وجود كان في مرتبة نفس الامر وترتّبت عليه أحكام وآثار صادقة ومرتبة الوهم هذه وراء مرتبة العلم والخارج ومشابهتها ومناسبتها بمرتبة الخارج أزيد من مناسبة مرتبة العلم بها وثبوتها شبيه بثبوت خارجيّ بخلاف الثبوت العلميّ الذي يقال له وجودا ذهنيّا فإنّه في الطّرف المقابل للوجود الخارجيّ والظّهور الذي هو في مرتبة الوهم له أيضا شبه تامّ بالظّهور الخارجيّ بخلاف مرتبة العلم فإنّ هناك بطونا وكمونا وكأنّه وقع في مرتبة الوهم ظلّ من مرتبة الخارج فأوجد العالم فيها بظلّ الخارج فلا يكون في نفس الخارج موجود غير الذّات الاحديّة ويكون العالم مع هذا التّعدّد والتّكثّر موجودا في ظلّ الخارج بإيجاد الله تعالى بوجود ظلّيّ وفي خارج نفس الامر وحدة وفي ظلّ خارج نفس الامر كثرة كما أنّ المطابق لنفس الامر في العلم أيضا كثرة فتكون الوحدة والكثرة كلتاهما في نفس الامر ويكون لكلّ منهما اعتبار على حدة ولا محذور فيه كما أنّ هذا الخارج والوجود للعالم ظلّيّان كذلك سائر صفاته من الحياة والعلم والقدرة وغيرها أيضا ظلال صفات الواجب جلّ سلطانه بل نفس الامر الذي يثبت في إثبات العالم أيضا ظلّ نفس الامر الكائن في مرتبة الخارج. (شعر) ما جئت من بيتى بشيء أوّلا .

قسم V02/P403–V02/P404

ومنحتني ما بي وإنّي بعض ذا قال الله تعالى وتقدّس أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ (فإن قيل) إنّك كتبت في رسائلك أنّ ما في الظّلّ كلّه من الاصل وليس في يد الظّلّ شيء غير حمل أمانات الاصل فإذا ردّ السّالك المستعدّ جميع ما في يده من الخير والكمال والوجود وتوابع الوجود بحكم الظّلّيّة إلى أصله ووجد نفسه خاليا من جميع الكمالات يصير متحقّقا بالفناء والاضمحلال بالضّرورة ولا يبقى منه اسم ولا رسم فما حاصل هذا الكلام؟ وما معنى ردّ الكمالات إلى الاصل؟ وبأيّ اعتبار يكون فناء السّالك واضمحلاله مع وجود ثباته واستقراره؟ (قلت) إنّ هذا الفناء يشبه حال شخص لبس أثواب العارية ويعلم أنّها ليس له بل لغيره وإنّما لبسها بطريق العارية فإذا غلبت هذه الرّؤية واستولت استيلاء تامّا يمكن أن يعطى تلك الاثواب مع وجود التّلبّس بها لصاحبها ويجد نفسه عريانا حتّى ينفعل ويستحي من جلسائه بسبب عريه من الثياب ويجرّ نفسه إلى زاوية وحيث انّ السّالك صار مخلوقا في مرتبة التّوهّم والتّخيّل يكفيه الفناء التّخيّليّ أيضا فإنّ استيلاء هذا التّخيّل يوصله إلى اليقين القلبيّ ويجعله ذوقيّا وجدانيّا فيوجد ما هو المقصود من الفناء والاضمحلال لانّ المقصود من الفناء زوال التّعلّق بالظّلّ وحصول التّعلّق بالاصل ولمّا صار رجوع الظّلّ إلى الاصل يقينا وذوقيّا ووجدانيّا زال التّعلّق بالظّلّ بالضّرورة وجاء مكانه التّعلّق بالاصل فلو لم يحصل هذا التّخيّل لما تيسّرت دولة زوال التّعلّق بالظّلّ بل مدار سلوك هذا الطّريق على التّوهّم والتّخيّل والأحوال والمواجيد الّتي هي المعاني الجزئيّة في هذا الطّريق إنّما تدرك بالوهم والتّجلّيات والتّلوينات إنّما تشاهد للسّالكين في مرآة الخيال فلو لا الوهم لقصر الفهم ولو لا الخيال لاستتر الحال لم يوجد في هذا الطّريق شيء أنفع من الوهم والخيال وجاء أكثر إدراكهما وانكشافهما مطابقا للواقع والذي يقطع مسافة خمسين الف سنة كائنة بين العبد والرّبّ في مدّة قليلة بكرم الله تعالى ويوصل العبد إلى درجات عالية هو الوهم والذى يجعل دقائق غيب الغيب وأسراره منكشفة في مرآته ويطلع السّالك المستعدّ عليها هو الخيال ومن شرافة الوهم اختار الحقّ سبحانه خلق العالم في تلك المرتبة وجعلها محلّا لظهور كمالاته ومن جلالة الخيال جعله الله أنموذجا لعالم المثال الذي هو أوسع جميع العوالم حتّى قالوا بوجود صورة فيه لمرتبة الوجوب أيضا وحكموا بأنّ الله سبحانه ليس له مثل ولكن له مثال ولله المثل الاعلى والذى يحسّه العارف في مرآة خياله ويترقّى بذوق وجدانه هو صور الاحكام الوجوبيّة (فإن قيل) قد اتّضح من التّحقيق السّابق أنّ الفناء باعتبار التّخيّل وإن كان موصّلا إلى اليقين قلبيّ وجعله ذوقيّا ووجدانيّا وترتّبت عليه أحكام صادقة لا باعتبار التّحقّق وأنت بنفسك كتبت في بعض رسائلك أنّ هذا الفناء باعتبار الوجود وأنّه زوال العين والاثر فما حقيقة هذه المعاملة؟ (قلت) لمّا كان رجوع وجود الظّلّ إلى الاصل يقينيّا وذوقيّا ووجدانيّا حكم بزوال الوجود أيضا بالضّرورة وقيل بارتفاع العين والاثر (فإن قيل) إنّ هذا الحكم بالفناء الوجوديّ مع ثبوت الفاني واستقراره هل هو صادق أو كاذب؟

قسم V02/P404–V02/P405

المكتوب العاشر والمائة إلى المخدوم زاده محمّد معصوم أيضا سلّمه الله في بيان أنّ معاملة العارف تبلغ مبلغا لا تحصل فيه صورة معلوم أصلا فحينئذ تكون له كلّ ذرّة من الذّرّات طريقا سلطانيّا إلى المطلوب وبيان أنّ حبّ مثل هذا العارف ينجرّ إلى حبّ الحقّ وبغضه إلى بغضه سبحانه وهكذا حكم تعظيم آل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإهانتهم بالنّسبة إليه صلّى الله عليه وسلّم وهذه المعارف نقلت بالمعنى إذا بلّغ العارف معاملته إلى الاصل بعد طيّ مقامات الظّلّ يكون ح علمه المتعلّق بالاشياء مبرّأ من قيد الظّلّيّة يعني تكون الاشياء معلومة له من غير أن يحصل فيه منها شيء فإنّه كلّ ما حصل فيه شيء يكون ظلّ ذلك الشّيء في العقل وصورته لا عين ذلك الشّيئ كما قيل في تعريف العلم: هو حصول صورة الشّيء في العقل لا شكّ أنّ الصّور الحاصلة من الشّيء في العقل شبح ومثال لذلك الشّيء لا عينه كما يشهد به الكشف الصّريح والالهام الصّحيح فحينئذ لا يثبت هذا العارف للعالم نسبة بالحقّ سبحانه سوى نسبة الصّانعيّة والمصنوعيّة ويتحاشى من القول بالظّلّيّة والعينيّة والمرآتيّة وهذه المعاملة مربوطة بالكمالات الذّاتيّة فإنّ للذّات غنى ذاتيّا عن العالم انّ الله لغنىّ عن العالمين بخلاف بعض مراتب الاسماء والصّفات فإنّ هذه النّسبة متصوّرة فيها فما لم يتعدّ العارف من تلك المقامات ولم يصل إلى أصل الاصل ليس له نصيب من هذه النّسبة وكلّ ذرّة من الذّرّات تكون للعارف في هذا المقام طريقا سلطانيّا إلى جناب قدس الحقّ جلّ شأنه بخلاف العلم الحصوليّ فإنّ العالم في تلك الصّورة يجذب كلّ شيء إلى جناب نفسه ويصير بنفسه مرآة لجميع الاشياء وكذلك في صورة الظّلّيّة والمرآتيّة يجذب كلّ شيء صاحب ذلك العلم إلى نفسه ولا يترك نظر بصيرته ينفذ إلى ما وراءه فإذا تخلّص بكرم الله سبحانه عن قيد حصول الظّلّيّة تصير له كلّ ذرّة من ذرّات الموجودات عرضا كانت أو جوهرا آفاقيّة كانت أو أنفسيّة باب غيب الغيب (ينبغي أن يعلم) أنّ ذلك الشّخص كما أنّه كان سابقا مرآة لجميع الاشياء وكلّ ما فعل فعله لاجل نفسه وكلّ ما صدر عنه كان راجعا إليه بالضّرورة نوى أو لم ينو ولمّا منع الآن مرآة نفسه عن المرآتيّة وامتنع من التّقيّد بالظّلّ وصار مثل صندوق الرّحى كلّ ما يلقى فيه لا يبقى فلا جرم كلّ ما يفعل لا يفعله لنفسه بل يفعله لأجل الحقّ سبحانه نوى أو لم ينو فإنّ النّيّة إنّما هي في أمر محتمل لا في أمر متيقّن فحينئذ ينجرّ حبّ هذا العارف إلى حبّه تعالى وبغضه إلى بغضه سبحانه وكذلك تعظيمه وتوقيره تعظيم وتوقير للحقّ سبحانه وإهانته وإساءة الادب معه تنجرّ إلى إهانة الله سبحانه وإساءة الادب معه وكانت هذه النّسبة لأصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم معه صلّى الله عليه وسلّم على تفاوت درجاتهم حيث انّ حبّهم وبغضهم مثمران لحبّه وبغضه صلّى الله عليه وسلّم قال عليه الصّلاة والسّلام: «من أحبّهم فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم " وهذه النّسبة أيضا ثابتة في آل النّبيّ معه صلّى الله عليه وسلّم ولكنّ ظهور هذه النّسبة في عليّ المرتضى وفاطمة الزّهراء والحسنين رضي الله عنهم أتمّ ويشاهد سرايتها في بقيّة الائمّة الاثني عشر أيضا ولا يحسّ هذه النّسبة فيما وراءهم والسّلام.

قسم V02/P405–V02/P406

المكتوب الحادي عشر والمائة إلى الشّيخ نور محمّد التّهاريّ في بيان بعض الأسرار المتعلّقة بمقام قاب قوسين أو أدنى وبيان سرّ عدم وجدان العارف الكامل شماله وهذه المعارف أيضا منقولة بالمعنى اعلم أنّ في معاملة قابَ قَوْسَيْنِ في الظّاهر لونا من المظهر وذلك لعدم حصول ذهاب العين والاثر من السّالك للسّالك بخلاف معاملة أَوْ أَدْنى فإنّه لا يبقى فيها حكم ولا أثر من المظهر أصلا فيكون المظهر في هذه المرتبة الثانية أمرا مستفادا من مرتبة الوجوب بالضّرورة وهو خلق للعارف خاصّ به أعطيه بعد إتمام معاملة الاصل ويمكن أن يعبّر عنه بإفاضة الصّورة أيضا وهذا سرّ غامض جدّا ولعلّ تفصيله يثبت في موضع آخر إن شاء الله تعالى فيكون المظهر في هذه المعاملة أمرا لم يتطرّق إليه رائحة من العدم وليس لشائبة الإمكان فيه مجال فلو أثبتنا انفعالا في تلك المرتبة يكون ذلك من نفسه لنفسه لا من الغير فإنّه لم يبق فيها رسم من الغير. (شعر) ولوجهه من وجهه قمر . ولعينه من عينه كحل وإن كان الانفعال الذي يثبت في مرتبة قاب قوسين أيضا حقّا والظّهور فيها ظهور الاصل ولكنّه ليس خاليا من شائبة الظّلّيّة ولائقا بتلك المرتبة العليا والانفعال الذي يليق بتلك المرتبة المقدّسة هو ما لا يكون لرائحة الظّلّيّة إليه سبيل ولا يكون للغير مدخل في البين بوجه من الوجوه فإنّ الغير غير خال عن لوث العدم ونقص الإمكان فلو كانت انفعالات مراتب الظّلال لذلك لساغ فيما هنالك (ينبغي أن يعلم) أنّ في معاملة " أو أدنى " الذي ذكرت شمّة منها لا يجد العارف الكامل شماله وسرّه أنّ شماله أخذ حكم اليمين لانّ الشّمال كان من مقتضيات العدم فلمّا زالت أحكام العدم ما بقي إلّا الوجود الصّرف وليس ثمّة شمال بل كلتا يديه سبحانه يمين فافهم ولا تقع في الزّندقة فإذا عرفت هذه الأسرار الغامضة والمعارف الغريبة فاسمع قال الله تعالى: «ثمّ دنى فتدلّى " اعلم انّ تحقّق هذا الدنوّ بعد تحقيق أسرار " او ادنى " الذى ذكر فيما سبق فإنّه ما بقي حكم وأثر في العارف ولم يتبرّأ من لوث العدم ليست له لياقة بهذا الدنوّ وبعد تحقّق هذا الدنوّ تدلّ وهو متوجّه إلى النّزول فاذا تحقّق التّدلّى ورجع العارف إلى الخلق فح تظهر صورة قوسين وإن لم يبق من القوس الاوّل أثر وحكم ولكن لمّا تشرّف بالتّدلّي بتوهّم في ذلك الوقت صورة القوسين وإنّما قال بعد التّدلّي فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ باعتبار أنّ الثابت ح صورة القوسين لا حقيقتهما أَوْ أَدْنى بل أدنى إذا ما بقي من القوس الثاني هناك أثر ولا حكم فليس قوسين ههنا حقيقة وهذه المعارف من أسرار الله سبحانه يظهرها على أخصّ الخواصّ من عباده والسّلام على من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والبركات العلا. المكتوب الثاني عشر والمائة إلى القاضي أسلم في بيان أنّ صفاته تعالى لا عين ذاته سبحانه ولا غير ذاته الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ما أحسن ما قال علماء أهل السّنّة شكر الله تعالى سعيهم من أنّ الصّفات الثمانية الحقيقيّة لواجب الوجود لا هو ولا غيره وهذه المعرفة وراء طور العقل وإنّما وجدوها بنور الفراسة وببركة متابعة الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وأرباب المعقول يفهمون من هذه العبارة ارتفاع النّقيضين ولم يعلموا أنّ اتّحاد المكان والزّمان من شروط حصول التّناقض فإذا لم يكن للزّمان والمكان مجال في تلك الحضرة كيف يتصوّر فيها التّناقض؟

الأسئلة