Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

قسم V01/P292–V01/P293

المكتوب الثّالث والأربعون والمائتان إلى الملّا أيّوب المحتسب في التّرغيب في الطّريقة النّقشبنديّة العليّة بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليكن معلوما لاخي الأعزّ أنّك قد طلبت النّصائح دفعات في مكاتيب متعدّدة ولكن لم يقدم هذا الحقير على إجابة ذلك المسئول نظرا إلى قبح أحوال نفسه وحيث تكرّر الطّلب أردت أن أكتب بالضّرورة فقرات غير مرتبطة (فاستمع واعلم) أنّ اللّازم للإنسان الّذي لا بدّ منه والمكلّف به امتثال الأوامر والإنتهاء عن المناهي (وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) شاهد لهذا المعنى حيث كان مأمورا بالإخلاص كما قال تعالى (أَلا لله الدِّينُ الْخالِصُ) وهو لا يتصوّر بدون الفناء والمحبّة الذّاتيّة فلا جرم كان سلوك طريق الصّوفيّة المحصّلة للفناء أيضا ضروريّا لتتحقّق حقيقة الإخلاص وحيث كانت طرق التّصرّف في مراتب الكمال والتّكميل متفاوتة كان الأولى والأنسب للاختيار طريق يكون ملتزما لمتابعة السّنّة وأوفق بإتيان الأحكام الشّرعيّة وذلك الطّريق هو طريق أكابر النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم العليّة. فإنّ هؤلاء الأكابر التزموا في هذا الطّريق السّنّة واجتنبوا البدعة بحيث لا يجوّزون العمل بالرّخصة مهما أمكن وإن وجدوها نافعة في الظّاهر والباطن ولا يتركون العمل بالعزيمة وإن علموا أنّها مضرّة بالصّورة في السّيرة وإنّهم جعلوا الأحوال والمواجيد تابعة للأحكام الشّرعيّة واعتقدوا الأذواق والمعارف خادمة للعلوم الدّينيّة الاصوليّة والفرعيّة لا يستبدلون الجواهر النّفيسة الدّينيّة بجوز الوجد وموز الحال مثل الأطفال ولا يغترّون بترّهات الصّوفيّة ولا يفتنون ولا يعدلون من النّصوص إلى الفصوص ولا يلتفتون إلى الفتوحات المكّيّة تاركين للفتوحات المدنيّة ومن ههنا كان حالهم على الدّوام ووقتهم على الإستمرار وتلاشت نقوش السّوى في لجّة بواطنهم على نهج لو تكلّفوا في استحضار السّوى ألف سنة لا يتيسّر. والتّجلّي الذّاتيّ الّذي هو لغيرهم كالبرق دائميّ لهؤلاء الكبراء والحضور الّذي في قفاه غيبة وغفلة ساقط عندهم عن حيّز الإعتبار (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) بيان لحالهم ومع ذلك كلّه انّ طريقهم أقرب الطّرق وموصّل ألبتّة ونهاية غيرهم مندرجة في بدايتهم ونسبتهم الّتي هي منسوبة إلى الصّدّيق رضي الله عنه فوق جميع نسب المشائخ ولكن لا يدرك فهم كلّ أحد مذاق هؤلاء الأكابر بل يكاد القاصرون من هذه الطّريقة العليّة أيضا ينكرون على بعض كمالاتهم، (شعر): إن عابهم قاصر طعنا بهم سفها . برأت ساحتهم من أفحش الكلم قال شاعر العرب يعني الفرزدق: (شعر) أولئك آبائى فجئني بمثلهم . إذا جمعتنا يا جرير المجامع قال الخواجه أحرار قدّس سرّه إنّ كبراء هذه السّلسلة العليّة قدّس الله أسرارهم لا يقاسون على كلّ زرّاق ورقّاص فإنّ معاملتهم عالية جدّا، (شعر): لست أبغي شرحه للخلق بل . حقّ أن يخفى كعشق في المثل غير أنّي صفته كي يرغبوا . فيه قبل الفوت كيلا يحزنوا فلو حرّرت دفاتر في بيان خصائص هؤلاء الكبراء وكمالاتهم لكان لها حكم قطرة في جنب بحر لا نهاية له (ع) دللتك يا هذا على كنز مقصد والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها المكتوب الرّابع والأربعون والمائتان إلى الملّا محمّد صالح الكولابيّ في جواب كتابه وصل المكتوب من أخي الأرشد الخواجة محمّد صالح وكتب فيه من خرابيّة أحواله المرجوّ أن تكون الأحوال أشدّ خرابا من ذلك ونهاية تلك الخرابيّة مندرجة في مكتوب محرّر باسم ولدي الأرشد في هذه الأيّام ينبغي الإطّلاع عليها طلبا منه فإن تبيّن لكم أنّ إقامتكم هناك أيّاما تكون سببا لجمعيّة الأصحاب ينبغي مكث أيّام أخر هناك إن علمتم فيه خيرا أو صلاحا وهذا الفقير أيضا يريد في هذه الأوقات سفر دهلى والإستخارات والتّوجّهات بواعث على هذا السّفر وفوّض هذا المحلّ إلى ولدي الأرشد عناية له، وجعل في قبضة ولايته والفقير قاعد هناك كالمسافر الغريب في ولايته والأصحاب الّذين دخلوا في الطّريقة مخصوصون بالدّعوات المتوافرة خصوصا السّيّد مرتضى ومولانا شكر الله والسّيّد نظام ويبلّغ ولدي الخواجه محمّد صادق وسائر الإخوان إيّاكم وسائر الإخوان الدّعاء.

قسم V01/P293–V01/P295

المكتوب الخامس والأربعون والمائتان إلى الملّا صالح في جواب استفساراته بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات ليعلم الأخ أنّ المكتوب الشّريف المرسل صحبة القاصد وصل وصار موجبا للفرح وكتبت أنّ ذكر النّفي والإثبات قد بلغ واحدا وعشرين ولكن لا تحصل المداومة وربّما تظهر الغيبة والإستغراق (أيّها المحبّ) الظّاهر إنّ شرطا من شرائط الذّكر مفقود حيث لم تترتّب النّتيجة عليه نستفسر عنه بالمشافهة إن شاء الله تعالى واستفسرت أيضا عن معنى هذا القول الّذي كتبته قال أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه بعد إتمام أمره: ذكر اللّسان لقلقة وذكر القلب وسوسة وذكر الرّوح شرك وذكر السّرّ كفر. (اعلم) أنّ الذّكر لمّا كان منبئا عن الذّاكر، والمذكور أيّ ذكر كان والمقصود فناء الذّاكر والذّكر في المذكور فلا جرم قال للذّكر لقلقة ووسوسة وشركا وكفرا، (شعر) دع ما يصدّك عن وصل الحبيب وما . يلهيك عنه قبيحا كان أو حسنا ولكن ينبغي أن يرى عروض هذه الأسامي للذّكر قبل حصول الفناء والبقاء فإنّ وجود الذّاكر وثبوت الذّكر له بعد حصول الفناء ليس بمذموم فإن بقي خفاء في هذا المعنى يستفسر عنه في الحضور فإنّ حوصلة الكتابة ضيّقة فنسبة هذا القول إلى الصّدّيق خصوصا بعد إتمام أمره غير مستحسنة. واستفسرت أيضا عن معنى ما كتبت أنّ الشّيخ أبا سعيد أبا الخير طلب من الشّيخ أبي عليّ بن سينا دليلا على المقصود فكتب في جوابه أن ادخل في الكفر الحقيقيّ واخرج من الإسلام المجازيّ فكتب الشّيخ أبو سعيد إلى عين القضاة أنّي لو عبدت الله ألف ألف سنة لما حصل منها ما حصل من كلمة أبي عليّ بن سينا هذه فكتب عين القضاة: أن لو فهموا لكانوا مثل ذلك المسكين ملومين مطعونا فيهم. (ينبغي أن يعلم) أنّ الكفر الحقيقيّ عبارة عن رفع الاثنينيّة واستتار الكثرة بالتّمام الّذي هو مقام الفناء وفوق ذلك الكفر الحقيقيّ مقام الإسلام الحقيقيّ الّذي هو موطن البقاء وفي الكفر الحقيقيّ منقصة تامّة بالنّسبة إلى الإسلام الحقيقيّ وعدم دلالة ابن سينا إلى الإسلام الحقيقيّ من قصور نظره وفي الحقيقة لم يكن له نصيب من الكفر الحقيقيّ أيضا بل قال ما قال وكتب ما كتب على وجه العلم والتّقليد بل لم يأخذ هو حظّا وافرا من الإسلام المجازيّ أيضا بل بقي في الخرافات الفلسفيّة حتّى كفّره الإمام الغزاليّ. والحقّ أنّ أصوله الفلسفيّة منافية للأصول الإسلاميّة وأيضا إنّ زمان الشّيخ أبي سعيد مقدّم على زمان عين القضاة بكثير فكيف يكتب إليه فإن بقيت شائبة الإشتباه يستفسر عنه في الحضور والسّلام. المكتوب السّادس والأربعون والمائتان إلى المير محمّد نعمان في بيان حصول مقام كان يتوقّعه ويترصّده في بيان مراتب الكمال والتّكميل وبيان وجه فقدان التّوفيق الّذي يطرأ في بعض الأوقات بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله وأصحابه الطّاهرين أجمعين أورثت الصّحائف الشّريفة الواصلة متوالية ومتواترة أفراحا متوافرة ولم يوجد من يتوجّه إلى تلك الحدود حتّى نكتب جواب كلّ منها على حدة فالمرجوّ مسامحتكم وبعد وصول مكتوب صحبة المير داد كنت يوما قاعدا في حلقة مع الأصحاب بعد صلاة الصّبح فظهر توجّه منّي إلى جانبكم بلا قصد وصرت في صدد رفع بقايا الآثار الّتي وقع النّظر عليها وكنت مشتغلا بكمال الإهتمام بدفع الظّلمات والكدورات المحسوسة حتّى صار هلال كمالكم بدر التّمام وانعكس على ذلك البدر ما أودع في شمس الهداية حتّى لم يبق في جانب الكمال شيء متوقّع ومنتظر الّا أن تتّسع الأطراف بعد ذلك ويأخذ بقدر سعته شيئا فشيئا وأدمت النّظر إلى صورة هذا المعنى المثاليّة زمانا طويلا إلى أن حصل اليقين بصدقه الحمد لله سبحانه على ذلك. وحصول هذه الدّولة هو تأويل تلك الواقعة الّتي رأيتها وسئلت حصولها بالمبالغة والتّأكيد لله سبحانه الحمد والمنّة قد حصل مقصودكم بالتّمام ونجّز الموعود ووفي بالعهود ونرجو أن يحصل التّكميل على مقدار هذا الكمال وينوّر أطراف تلك الحدود من وجودكم الشّريف.

قسم V01/P295–V01/P296

وكتبت شكاية من فقدان التّوفيق والظّاهر أنّ سببه قبض مفرط وحيث كان قبضكم مفرطا وطويل الذّيل يكون مسبّبه أيضا طويلا على قدر سببه. ومع ذلك ينبغي أن تكلّف نفسك بإتيان الأعمال وأداء العبادات وأن تكون على ذلك بالتّعمّل. وقد صدر في هذه السّنّة علوم عالية ومعارف سامية استصحب مولانا محمّد أمين من جملتها مسودّتين احديهما في حلّ شرح بعض رباعيّات شيخنا قدّس سرّه كتبته حين قراءة الأصحاب الفيروز آباديّين إيّاها واندرج في هذه الرّسالة علوم التّوحيد بمناسبة ما اندرجت في تلك الرّباعيّات وحصل فيها التّطبيق بين ما ذهب إليه العلماء وما حقّقه الصّوفيّة القائلون بوحدة الوجود وحرّرت هذه المسألة على نهج كان نزاع الفريقين راجعا إلى نزاع لفظيّ وثانيتهما من تينك المسوّدتين مكتوب حرّر إلى ولدي الأرشد بالبسط والإطناب يعرف علوّ درجة تلك العلوم وقت المطالعة فإن بقي أمر منه يستفسر عنه. المكتوب السّابع والأربعون والمائتان إلى العارف المرزا حسام الدّين أحمد في بيان أنّ الدّليل على وجود الحقّ سبحانه هو عين وجود الحقّ سبحانه لا غير وما يناسبه عرفت ربّي بفسخ العزائم لا بل عرفت فسخ العزائم بربّي جلّ وعلا فإنّه سبحانه الدّليل على ما سواه لا العكس فإنّ الدّليل أظهر من المدلول وأيّ شيء أظهر منه سبحانه لأنّ الأشياء إنّما ظهرت به ومنه سبحانه وتعالى فهو الدّليل على نفسه وعلى ما سواه فلا جرم عرفت ربّي بربّي وعرفت الأشياء به تعالى فالبرهان ههنا لمّىّ وزعم الأكثر أنّه إنّىّ والتّفاوت بتفاوت النّظر والإختلاف باختلاف النّظر بل لا مجال للاستدلال والبرهان ثمّة إذ لا خفاء في وجوده سبحانه ولا ريب في ظهوره تعالى فهو أجلى البديهيّات وما خفي ذلك على أحد الّا لمرض في قلبه وغشاوة على بصره والأشياء محسوسة بالحواسّ الظّاهرة ومعلوم أنّ وجودها منه تعالى وتقدّس وفقدان هذا العلم في البعض بواسطة عروض المرض لا يضرّ في المطلوب والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. المكتوب الثّامن والأربعون والمائتان إلى العالي الجناب المرزا حسام الدّين أحمد أيضا في بيان أن لكمّل اتباع الأنبياء عليهم السّلام نصيبا من جميع كمالاتهم بالتّبعيّة وأنّه لا يبلغ وليّ قطّ درجة نبيّ من الأنبياء وبيان معنى قولهم أنّ التّجلّي الذّاتيّ مخصوص بنبيّنا عليه الصّلاة والسّلام وغيره الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أنّ هدانا الله لقد جائت رسل ربّنا بالحقّ صلوات الله وسلامه سبحانه عليهم وعلى أتباعهم وأعوانهم وخزينة أسرارهم.

قسم V01/P296–V01/P298

اعلم انّ كمّل اتباع الأنبياء عليهم السّلام يجذبون إلى أنفسهم من جهة كمال المتابغة وفرط المحبّة بل بمحض العناية والموهبة جميع كمالات أنبيائهم المتبوعين وينصبغون بلونهم بالكلّيّة حتّى لا يبقى فرق بين المتبوع والتّابع الّا بالأصالة والتّبعيّة والأوّليّة والآخريّة ومع ذلك لا يبلغ تابع نبيّ قطّ وإن كان من اتباع أفضل الرّسل مرتبة نبيّ أصلا ولو كان من أدون الأنبياء ولهذا يكون رأس الصّدّيق رضي الله عنه الّذي هو أفضل البشر بعد الأنبياء عليهم السّلام تحت قدم نبيّ أسفل من جميع الأنبياء دائما ومن ههنا كانت مبادي تعيّنات الأنبياء وأربابهم من مقام الأصل ومبادي تعيّنات الأمم من الأعالي والأسافل وأربابهم من مقامات ظلال ذلك الأصل على تفاوت الدّرجات فكيف تتصوّر المساواة بين الأصل والظّلّ قال الله تبارك وتعالى (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنّهم لهم المنصورون وإنّ جندنا لهم الغالبون) وما قيل إنّ التّجلّي الذّاتيّ مخصوص من بين الأنبياء بخاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ولكمّل اتباعه صلّى الله عليه وسلّم نصيب من ذلك التّجلّي ليس معناه أنّ التّجلّي الذّاتيّ لا نصيب منه للأنبياء سواه وإنّ منه نصيبا لكمّل اتباعه بالتّبعيّة حاشا وكلّا من أن يتصوّر هذا المعنى فإنّ فيه إثبات المزيّة للأولياء على الأنبياء عليهم السّلام بل معناه أنّ حصول التّجلّي لغيره صلّى الله عليه وسلّم بتطفّله وتبعيّته عليه الصّلاة والسّلام فحصوله للأنبياء بتطفّله صلّى الله عليه وسلّم ولكمّل اتباعه بتبعيّته عليه الصّلاة والسّلام فالأنبياء جلساؤه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام على خوان هذه النّعمة العظمى المخصوصة به بتطفّله صلّى الله عليه وسلّم. والأولياء خدّامه النّائلون للحصّة منها وشتّان بين الجلساء المتطفّلين والخادمين النّائلين للحصّة وهذا المقام من مزالّ الأقدام وقد ذكرت في مكاتيبي ورسائلي في تحقيق هذه الشّبهة وجوها شتّى والحقّ ما حقّقت في هذه المسودّة بفضل الله وكرمه سبحانه وتعالى. (واعلم) أنّ سائر الأنبياء عليهم السّلام وإن كان لهم نصيب وافر من هذا التّجلّي بتطفّله عليه الصّلاة والسّلام ولكن يظهر أنّ هذه الولاية الخاصّة لم تسر إلى أولياء أممهم ولم يكن لهم حظّ وافر من هذا التّجلّي فإنّ حصول هذه الدّولة لاصولهم إذا كان بطريق التّطفّل والإنعكاس فماذا يحصل للفروع بطريق عكس العكس ومصداق هذا المعنى الكشف الصّريح لا الإستدلال العقليّ وما ذكر سابقا من أن كمّل الاتباع يجذبون كمالات المتبوعين بالتّمام فالمراد به الكمالات الأصليّة للمتبوعين لا مطلقا حتّى يتحقّق التّناقض بل هم محتظّون من ولاية مخصوصة بنبيّهم بالتّبعيّة وهذه الامّة مخصوصة من بين الامم بهذا التّجلّي بالتّبعيّة ومشرّفة بهذه الدّولة العظمى ولهذا كانت خير الامم وكان علماؤها كأنبياء بني إسرائيل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقد أردت أن أكتب نبذة من فضائل هذه الولاية الخاصّة وخصائصها ولكن لم يساعد الوقت ذلك لضيقه ولم يف الورق. ويفاض العلوم والمعارف بعناية الله سبحانه مثل مطر الرّبيع ويحصل الإطّلاع على عجائب وغرائب ومحارم هذه الأسرار. أولادي الكرام على قدر الإستعداد وبقيّة الأصحاب أيّاما في الحضور وأيّاما في الغيبة ولذا قيل: الوليّ وإن كان وليّا لا يبلغ مرتبة صحابيّ، وشوق نيل الملازمة فوق الحدّ وقد تشرّفت بورود الصّحيفة الكريمة المرسلة إلى هذا الحقير. اعلم أنّ رؤية القصور في الأعمال من أجل النّعم وأمّا الإقتصاد في الأحوال فمحمود في جميع الامور والأفعال والإفراط كالتّفريط خارج عن حدّ الإعتدال والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. المكتوب التّاسع والأربعون والمائتان إلى المرزا داراب في فضائل اتّباع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وما يترتّب عليه الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى اعلم أنّ الخلاص الاخرويّ والفلاح السّرمديّ منوط بمتابعة سيّد الأوّلين والآخرين عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات ولذا يوصل بمتابعته إلى مقام المحبوبيّة للحقّ سبحانه وبها يتشرّف بالتّجلّي الذّاتيّ وبها يمتاز بمرتبة العبديّة الّتي هي فوق جميع مراتب الكمال، وحصولها بعد حصول مقام المحبوبيّة وبها جعل كمّل اتباعه مثل أنبياء بني إسرائيل ويتمنّى الأنبياء أولو العزم متابعته لو كان موسى حيّا في زمنه ما وسعه الّا اتّباعه.

قسم V01/P298–V01/P299

وقصّة نزول روح الله ومتابعته حبيب الله معلومة ومشهودة وصارت أمّته بواسطة متابعته خير الامم وأكثر أهل الجنّة وبسبب متابعته يدخلون الجنّة غدا قبل جميع الامم ويتنعّمون فيها كذا وكذا ثمّ كذا وكذا فعليكم بمتابعته والتزام سنّته وإتيان شريعته عليه وعلى جميع إخوانه من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها وبقيّة المرام أنّي فوّضت إليك الشّيخ إسماعيل وهو من أحباب صاحب المعارف الحاجّ عبد الحقّ والسّلام. المكتوب الخمسون والمائتان إلى الملّا أحمد البركيّ في حلّ بعض استفساراته بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات أنهي أنّ أحوال فقراء هذه الحدود وأوضاعهم مستوجبة للحمد والمسئول من الله سبحانه عافيتكم والصّحيفة الشّريفة قد وصلت وكتبت فيها أنّ الذّوق والفرح الّذي كنت أجده أوّلا لا أجده الآن وأظنّ ذلك من تنزّلي وانحطاطي. (اعلم) أيّها الأخ أنّ الحالة الاولى كانت من قبيل حالة أهل الوجد والسّماع الّتي للجسد دخل تامّ فيها وأمّا الحالة الّتي تيسّرت الآن فالجسد قليل النّصيب منها بل تعلّقها بالقلب والرّوح أزيد وبيان هذه المعاملة يستدعي تفصيلا وبالجملة انّ الحالة الثّانية فوق الحالة الاولى بمراتب وعدم وجدان الذّوق وفقدان فرصة الفرح فوق وجدان الذّوق والفرح لأنّ النّسبة كلّما تنجرّ إلى الجهالة وتنتهي إلى الحيرة وتتباعد عن الجسد تكون أصيلة وأقرب إلى حصول المطلوب فإنّه لا مجال في ذلك الموطن لغير العجز والجهل ويعبّر عن هذا الجهل بالمعرفة ويسمّى هذا العجز إدراكا. وكتبت أيضا أنّ تأثير تلك النّسبة الّذي كان أوّلا لم يبق الآن نعم لم يبق التّأثير الجسديّ وأمّا التّأثير الرّوحيّ فقد زاد وإن لم يدركه كلّ أحد وقد كانت مدّة صحبتكم بهذا الفقير قليلة جدّا، وذكر العلوم والمعارف أيضا كان قليلا فإن كان الله سبحانه أراد ثبوت الصّحبة تحصل المصاحبة أيّاما واستفسرت أيضا عن فرضيّة الحجّ والذّهاب إلى مكّة مع وجود الزّاد والرّاحلة في هذا الزّمان وعدمه (أيّها المخدوم) إنّ في الرّوايات الفقهيّة اختلافات كثيرة في هذا الباب والمختار في هذه المسألة فتوى الفقيه أبي اللّيث حيث قال: فإن كان الغالب الأمن وعدم الهلاك في الطّريق فالفرضيّة ثابتة والّا فلا ولكنّ هذا الشّرط شرط وجوب الأداء لا شرط نفس الوجوب كما هو الصّحيح فتكون الوصيّة بالإحجاج في هذه الصّورة واجبة ولمّا لم يساعد الوقت جواب استفساراتكم الاخرى أخّرناه إلى وقت آخر والسّلام. المكتوب الحادي والخمسون والمائتان إلى مولانا الأشرف في بيان فضائل الخلفاء الرّاشدين خصوصا الشّيخين وتعظيم سائر الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان والكفّ عن ذكر مساويهم بعد الحمد والصّلاة وتبليغ الدّعوات ليعلم الأخ الأرشد الخواجه أشرف أنّي أريد أن أكتب العلوم الغريبة والأسرار العجيبة والمواهب اللّطيفة والمعارف الشّريفة على قدر الفهم القاصر وأكثرها يتعلّق بفضائل الشّيخين وذي النّورين وأبي الحسنين وكمالاتهم رضي الله عنهم أجمعين ينبغي الإستماع والإصغاء إليها بسمع العقل. اعلم أنّ حضرة الصّدّيق وحضرة الفاروق رضي الله عنهما مع وجود حصول الكمالات المحمّديّة فيهما وبلوغهما أقصى درجات الولاية المصطفويّة فيهما مناسبة في طرف الولاية من بين الأنبياء المتقدّمين لسيّدنا إبراهيم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام. وفي طرف الدّعوة الّتي هي مناسبة لمقام النّبوّة بهما مناسبة لسيّدنا موسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وبذي النّورين مناسبة في كلا الطّرفين لسيّدنا نوح صلوات الله وتسليماته على نبيّنا وعليه وبسيّدنا عليّ كرّم الله وجهه مناسبة في كلا الطّرفين لسيّدنا عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام وحيث كان عيسى روح الله وكلمته كان طرف ولايته غالبا على جانب نبوّته وطرف الولاية غالب أيضا في عليّ كرّم الله وجهه بهذه المناسبة. ومبادي تعيّنات الخلفاء الأربعة صفة العلم على اختلاف الجهات إجمالا وتفصيلا.

قسم V01/P299–V01/P300

وهذه الصّفة باعتبار الإجمال ربّ محمّد وباعتبار التّفصيل ربّ الخليل وباعتبار البرزخيّة بين الإجمال والتّفصيل ربّ نوح عليهم الصّلاة والسّلام كما أنّ ربّ موسى صفة الكلام وربّ عيسى صفة القدرة وربّ آدم صفة التّكوين عليهم السّلام (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول: إنّ الصّدّيق والفاروق هما حاملا ثقل النّبوّة المحمّديّة على اختلاف المزاتب وعليّا كرّم الله وجهه بواسطة مناسبته لعيسى وغلبة جانب ولايته حامل ثقل الولاية المحمّديّة وذا النّورين باعتبار برزخيّته قيل انّه حامل كلا الطّرفين ويمكن ان يكون اطلاق ذى النّورين عليه بهذا الاعتبار أيضا وحيث قالوا انّ الشّيخين حاملا ثقل النّبوّة تكون مناسبتهما بموسى عليه السّلام أزيد لأنّ مقام الدّعوة الّتي هي ناشئة من مرتبة النّبوّة أتمّ وأكمل فيه من بين الأنبياء بعد نبيّنا عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وكتابه أفضل الكتب المنزّلة بعد القرآن المجيد ولهذا تكون أمّته أكثر من يدخلون الجنّة من بين الامم المتقدّمين وإن كانت شريعة إبراهيم وملّته أفضل من جميع الشّرائع والملل ولهذا أمر أفضل الرّسل بمتابعة ملّته (ثمّ أوحينا إليك أن اتّبع ملّة إبراهيم حنيفا) شاهد لهذا المعنى والمهديّ الموعود أيضا ربّه صفة العلم وبه مناسبة لعيسى مثل عليّ وكان إحدى قدمي عيسى على رأس عليّ والاخرى على رأس المهديّ. اعلم أنّ ولاية موسى وقعت على يمين الولاية المحمّديّة والولاية العيسويّة على يسارها ولمّا كان عليّ المرتضى حامل ثقل الولاية كان أكثر سلاسل الأولياء منتسبا إليه وظهرت كمالاته لاكثر الأولياء العظام المختصّين بكمالات الولاية أزيد وأكثر من كمالات الشّيخين فلولا إجماع أهل السّنّة على أفضليّة الشّيخين لحكم كشف أكثر الأولياء العظام بأفضليّة عليّ المرتضى لأنّ كمالات الشّيخين تشبه كمالات الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام. وإدراك أرباب الولاية قاصر عن الوصول إلى ذيل هذه الكمالات وكشف أرباب الكشوف بواسطة علوّ درجاتهم باق في الطّريق غير واصل إليهم. وكمالات الولاية كالمطروح في الطّرق في جنب هذه الكمالات إنّما هي مدارج ومعارج للعروج إلى كمالات النّبوّة فكيف يكون للمقدّمات خبر عن المقاصد وماذا يكون شعور المبادي بالمطالب وهذا الكلام وإن كان ثقيلا على الأكثرين بواسطة بعد عهد النّبوّة وبعيدا عن القبول ولكن ماذا نصنع (شعر) قد أمسكوني ورى المرئىّ كدرّتهم . أقول ما قال لي أستاذي الأزليّ ولكن لله سبحانه الحمد والمنّة إنّي متّفق في هذا القيل والقال مع علماء أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم وقولي موافق بإجماعهم وجعل استدلاليّهم كشفيّا لي وإجماليّهم تفصيليّا وهذا الفقير ما لم يصل إلى كمالات مقام النّبوّة بمتابعة نبيّه ولم يحصل له نصيب تامّ من تلك الكمالات لم يطّلع على فضائل الشّيخين بطريق الكشف ولم يهتد إلى سبيل غير التّقليد الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ (قال) شخص يوما: قد كتب في الكتب أنّ اسم عليّ المرتضى مكتوب على باب الجنّة فوقع في الخاطر أنّه ماذا يكون لحضرة الشّيخين من خصائص ذلك الموطن فظهر بعد التّوجّه التّامّ أنّ دخول هذه الامّة إلى الجنّة إنّما يكون بإذن هذين الشّيخين الجليلين وتجويزهما وكان الصّدّيق قائما على باب الجنّة ويأذن للنّاس بالدّخول إلى الجنّة والفاروق يدخلهم الجنّة آخذا بأيديهم وكان مشهودا أنّ الجنّة بتمامها مملوءة بنور الصّدّيق وفي نظر هذا الحقير انّ للشّيخين شأنا على حدة فيما بين الأصحاب ودرجة ممتازة منفردة كأنّها لم يشاركهما فيها أحد وكان الصّدّيق في بيت واحد مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإن كان التّفاوت فإنّما هو بالعلوّ والسّفل والفاروق أيضا مشرّف بهذه الدّولة بتطفّل الصّدّيق ونسبة سائر الصّحابة إليه صلّى الله عليه وسلّم نسبة المساكنة في خان واحد أو في بلدة واحدة فما يكون حظّ سائر أولياء الامّة (ع) حسبي إذا جاء من بعد صدا جرسه فماذا يجد هؤلاء من كمالات الشّيخين وكلا هذين الشّيخين معدودان في عداد الأنبياء في العظمة وجلالة القدر ومحفوفان بفضائل الأنبياء عليهم السّلام قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لو كان بعدي نبيّ لكان عمر».

قسم V01/P300–V01/P302

وذكر الإمام الغزاليّ أنّ عبد الله بن عمر قال في أيّام مصيبة الفاروق في محضر من الصّحابة رضوان الله عليهم مات تسعة أعشار العلم ولمّا أحسّ من بعض النّاس توقّفا في فهم معنى هذا الكلام قال: المراد بالعلم العلم بالله لا علم الحيض والنّفاس وماذا يقال في الصّدّيق الّذي جميع حسنات عمر حسنته الواحدة كما أخبر به المخبر الصّادق ويحسّ أنّ انحطاط عمر الفاروق من الصّدّيق أكثر وأزيد من انحطاط الصّدّيق من النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام فقس على هذا انحطاط الباقين من الصّدّيق. والشّيخان لم يفارقا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعد الموت أيضا وسيكون حشرهما أيضا معه عليه الصّلاة والسّلام كما ورد ذلك فتكون الأفضليّة بواسطة الأقربيّة لهما وماذا يقول هذا الحقير قليل البضاعة من كمالاتهم وماذا يبيّن من فضائلهم وأين للذّرّة قدرة التّكلّم من الشّمس وأين للقطرة مجال التّحدّث من بحر عمّان والأولياء المرجوعون لدعوة الخلق المحتظّون من كلا طرفي الولاية والدّعوة بحظّ تامّ والعلماء المجتهدون من التّابعين وتبع التّابعين لمّا أدركوا كمالات الشّيخين بنور الكشف الصّحيح والفراسة الصّادقة والأخبار المتتابعة في الجملة ووجدوا نبذة من فضائلهما حكموا بأفضليّتهما بالضّرورة وأجمعوا على ذلك وما ظهر على خلاف هذا الإجماع من الكشف حملوه على عدم الصّحّة ولم يعتبروه كيف وقد صحّح في الصّدر الأوّل أفضليّتهما كما روى البخاريّ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنّا في زمن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا نعدل بأبي بكر أحدا ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ نترك أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا نفاضل بينهم وفي رواية لابي داود: كنّا نقول ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم حيّ: أفضل أمّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعده أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان رضي الله عنهم ومن قال إنّ الولاية أفضل من النّبوّة فهو من أرباب السّكر ومن الأولياء غير المرجوعين الّذين ليس لهم نصيب وافر من كمالات مقام النّبوّة ولعلّ نظركم وقع على ما حقّقه هذا الفقير في بعض رسائله من انّ النّبوّة افضل من الولاية وان كانت ولاية النّبىّ والحقّ هو هذا فمن قال بخلاف ذلك فهو من جهالة كمالات مقام النّبوّة كما مرّ آنفا ومن المعلوم أنّ سلسلة النّقشبنديّة منتسبة من بين سلاسل سائر الأولياء إلى الصّدّيق رضي الله عنه فتكون نسبة الصّحو غالبة فيهم وتكون دعوتهم أتمّ وتظهر كمالات الصّدّيق لهم أكثر وأزيد وتكون نسبتهم فوق نسب سائر السّلاسل بالضّرورة فماذا يدرك غيرهم من كمالاتهم وماذا يحسّون من حقيقة معاملتهم ولا أقول إنّ جميع مشائخ النّقشبنديّة سواسية في هذه المعاملة كيف بل لو وجد من ألوف على هذه الصّفة يكون غنيمة وأظنّ المهديّ الموعود الّذي بأكمليّة الولاية معهود يكون على هذه النّسبة ويتمّ هذه السّلسلة العليّة ويكملها فإنّ نسبة جميع الولايات دون هذه النّسبة العليّة لأنّ سائر الولايات قليلة النّصيب من كمالات مرتبة النّبوّة وهذه الولاية لها حظّ وافر منها بواسطة الإنتساب إلى الصّدّيق كما مرّ آنفا، (ع): وشتّان ما بين الطّريقين يا خلي أيّها الأخ إنّ الإمام عليّا كرّم الله وجهه لمّا كان حاملا لثقل الولاية المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة كان تربية مقام الأقطاب والأوتاد والأبدال الّذين هم من أولياء العزلة وغلب فيهم جانب كمالات الولاية مفوّضة إلى إمداده وإعانته ورأس قطب الأقطاب الّذي هو قطب المدار تحت قدمه ويجري أمره ويحصل مهمّه بحمايته ورعايته ويخرج به عن عهدة مداريّته والسّيّدة فاطمة وابناها الإمامان رضي الله عنهم هم أيضا شركاؤه في هذا المقام (واعلم) أنّ أصحاب النّبيّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام كلّهم كبراء عظماء ينبغي أن يذكر كلّهم بالتّعظيم. روى الخطيب عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الله اختارني واختار لي أصحابا واختار لي منهم أصهارا وأنصارا فمن حفظني فيهم حفظه الله ومن آذاني فيهم آذاه الله. وروى الطّبرانيّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: من سبّ أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين.

قسم V01/P302–V01/P303

وروى ابن عديّ عن عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ شرار أمّتي أجرؤهم على أصحابي وما وقع بينهم من المنازعات والمحاربات ينبغي صرفها وحملها على محامل حسنة وإبعادهم عن الهوى والتّعصّب فإنّ تلك المخالفات كانت مبنيّة على الإجتهاد والتّأويل لا على الهوى والهوس كما أنّ جمهور أهل السّنّة على ذلك. ولكن ينبغي أن يعلم أنّ مخالفي الإمام عليّ رضي الله عنه كانوا على الخطأ وكان الحقّ في جانبه ولكن لمّا كان هذا الخطأ خطا اجتهاديّا كان صاحبه بعيدا عن الملامة ومرفوعا عنه المؤاخذة كما نقل شارح المواقف عن الآمديّ أنّ وقعة الجمل والصّفّين كانت على وجه الإجتهاد. وصرّح الشّيخ أبو شكور السّالميّ في التّمهيد أنّ أهل السّنّة والجماعة ذاهبون إلى أنّ معاوية مع طائفة من الصّحابة الّذين كانوا معه كانوا على الخطأ وكان خطؤهم اجتهاديّا وقال الشّيخ ابن حجر في الصّواعق: إنّ منازعة معاوية لعليّ رضي الله عنهما كانت على وجه الإجتهاد. وجعل هذا القول من معتقدات اهل السّنّة وما قال شارح المواقف من أنّ كثيرا من أصحابنا ذهبوا إلى أنّ تلك المنازعة لم تكن على وجه الإجتهاد فمراده من الأصحاب أيّ طائفة هو فإنّ أهل السّنّة حاكمون بخلاف ذلك كما مرّ، وكتب القوم مشحونة بالقول بالخطأ الاجتهاديّ كما صرّح به الغزاليّ والقاضي أبو بكر وغيرهما فلا يجوز تفسيق مخالفي الإمام عليّ وتضليلهم. قال القاضي في الشّفاء قال مالك رضي الله عنه " من شتم أحدا من أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر وعمر وعثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص رضي الله عنهم فإن قال: كانوا على ضلال وكفر قتل وإن سبّهم بغير هذا من مشاتمة النّاس نكّل نكالا شديدا فلا يكون محاربو عليّ كفرة كما زعمت الغلاة من الرّفضة ولا فسقة كما زعم البعض ونسبه شارح المواقف إلى كثير من أصحابه كيف وقد كانت الصّدّيقة وطلحة والزّبير من الصّحابة منهم وقد قتل طلحة والزّبير في قتال الجمل مع ثلاثة عشر ألفا من القتلى قبل خروج معاوية فتضليلهم وتفسيقهم ممّا لا يجترئ عليه مسلم الّا أن يكون في قلبه مرض وفي باطنه خبث وما وقع في عبارة بعض الفقهاء من إطلاق لفظ الجور في حقّ معاوية حيث قال: كان معاوية إماما جائرا فمراده بالجور عدم حقّيّة خلافته في زمن خلافة عليّ لا الجور الّذي مآله فسق وضلالة ليكون موافقا لاقوال أهل السّنّة والجماعة ومع ذلك يجتنب أرباب الإستقامة إتيان الألفاظ الموهمة خلاف المقصود ولا يجوز الزّيادة على القول بالخطأ كيف يكون جائرا وقد صحّ أنّه كان إماما عادلا في حقوق الله سبحانه وحقوق المسلمين كما في الصّواعق وقد زاد مولانا عبد الرّحمن الجاميّ قدّس سرّه في قوله خطا منكرا يعني زاد على ما عليه الجمهور وكلّما زاد على لفظ الخطأ فهو خطأ وما قال بعده فإن كان هو مستحقّا للّعن إلخ فهو أيضا غير مناسب له أين محلّ التّرديد وأين محلّ الإشتباه فإن قال هذا الكلام في حقّ يزيد فله وجه ومساغ وأمّا قوله ذلك في حقّ معاوية فشنيع وقد ورد في الأحاديث النّبويّة بأسانيد الثّقات أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم دعا لمعاوية اللهمّ علّمه الكتاب والحساب وقه العذاب. وقال في محلّ آخر من دعائه: اللهمّ اجعله هاديا مهديّا. ودعاؤه عليه الصّلاة والسّلام مقبول والظّاهر أنّ هذا الكلام إنّما صدر عن مولانا بطريق السّهو والنّسيان وأيضا أنّه لم يصرّح باسم أحد في تلك الأبيات بل قال وصحابيّ آخر وهذه العبارة أيضا تنبئ عن الشّناعة ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. وما نقل عن الإمام الشّعبيّ من ذمّ معاوية وأنّه بالغ في مذمّته وأوصلها إلى ما فوق الفسق لم يبلغ مرتبة الثبوت والإمام الأعظم من تلامذته فعلى تقدير صدق هذا القول لكان هو أحقّ بنقله.

قسم V01/P303–V01/P304

وحكم الإمام مالك الّذي هو من تبع التّابعين ومعاصره بقتل شاتم معاوية وعمرو بن العاص كما مرّ آنفا فإن كان هو مستحقّا للشّتم فلم حكم بقتل شاتمه فعلم أنّه اعتقد شتمه من الكبائر فحكم بقتل شاتمه وأيضا أنّه جعل شتمه كشتم أبي بكر وعمر وعثمان كما مرّ سابقا فلا يكون معاوية مستحقّا للشّتم والذّمّ. (أيّها الأخ) إنّ معاوية ليس وحده في هذه المعاملة بل كان نصف الأصحاب الكرام تخمينا شريكا له فيها فإن كان محاربو عليّ كفرة أو فسقة زال الإعتماد عن شطر الدّين الّذي بلغنا من طريق تبليغهم ولا يجوّز ذلك الّا زنديق مقصوده إبطال الدّين. (أيّها الأخ) إنّ منشأ إثارة هذه الفتنة هو قتل عثمان رضي الله عنه وطلب القصاص من قتلته فإنّ طلحة وزبيرا إنّما خرجا أوّلا من المدينة بسبب تأخير القصاص ووافقتهم الصّدّيقة في هذا الأمر فوقع حرب الجمل الّتي قتل فيها ثلاثة عشر ألفا من الصّحابة وقتل فيها طلحة والزّبير اللّذان هما من العشرة المبشّرة ثمّ خرج معاوية من الشّام وصار شريكا لهم فوقع حرب الصّفّين. صرّح الإمام الغزاليّ أنّ تلك المنازعة لم تكن لامر الخلافة بل كانت لاستيفاء القصاص في بدء خلافة عليّ وعدّ ابن حجر هذا القول من معتقدات أهل السّنّة وقال الشّيخ أبو شكور السّالميّ الّذي هو من أكابر علماء الحنفيّة أنّ منازعة معاوية لعليّ كانت في أمر الخلافة فإنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لمعاوية: إذا ملكت النّاس فارفق بهم. فحصل لمعاوية الطّمع في الخلافة من هذا الكلام ولكن كان هو مخطئا في هذا الإجتهاد وعليّ محقّ فيه فإنّ الوقت كان وقت خلافة عليّ والتّوفيق بين هذين القولين هو أنّ منشأ المنازعة يمكن أن يكون أوّلا تأخير القصاص ثمّ بعد ذلك يقع في طمع الخلافة وعلى كلّ الإجتهاد واقع في محلّه فإن مخطئا فدرجة واحدة من الثّواب وللمحقّ درجتان بل عشر درجات. (أيّها الأخ) إنّ الطّريق الأسلم في هذا الموطن السّكوت عن ذكر مشاجرات أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والإعراض عن ذكر منازعتهم قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إيّاكم وما شجر بين أصحابي. وقال أيضا: إذا ذكر أصحابي فأمسكوا. وقال أيضا عليه الصّلاة والسّلام: الله الله في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا. يعني احذرو الله واتّقوه في حقّ أصحابي ولا تجعلوهم هدفا لسهم ملامتكم وطعنكم. قال الإمام الشّافعيّ وهو منقول عن عمر بن عبد العزيز أيضا: تلك دماء طهّر الله عنها أيدينا فلنطهّر عنها ألسنتنا.

قسم V01/P304–V01/P306

ويفهم من هذه العبارة أنّه لا ينبغي إجراء خطئهم على اللّسان أيضا وأن يذكرهم بغير الخير هذا ويزيد البعيد عن السّعادة من زمرة الفسقة والتّوقّف في لعنه إنّما هو على الأصل المقرّر عند أهل السّنّة من أنّه لا يجوز اللّعن على شخص معيّن ولو كان كافرا الّا أن يعلم موته على الكفر يقينا كأبي لهب الجهنّميّ وامرأته لا أنّه غير مستحقّ للّعن (إنّ الّذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدّنيا والآخرة) اعلم أنّ أكثر النّاس في هذا الزّمان لمّا اشتغلوا ببحث الإمامة وجعلوا التّكلّم في الخلافة ومنازعات الصّحابة عليهم الرّضوان نصب العين دائما وصاروا لا يذكرون الأصحاب الكرام بالخير تقليدا لجهلة الرّفضة ومردة أهل البدعة وينسبون إلى جنابهم أمورا غير مناسبة كتبت نبذة ممّا كان معلوما لي بالضّرورة وأرسلتها إلى الأحباب قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام: إذا ظهر الفتن أو قال البدع وسبّت أصحابي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين لا يقبل الله له صرفا ولا عدلا ولكن لله سبحانه الحمد والمنّة انّ سلطان الوقت يعدّ نفسه حنفيّ المذهب ومن أهل السّنّة والجماعة وإلّا فقد كان الأمر ضيّقا على المسلمين جدّا فينبغي أداء شكر هذه النّعمة العظمى كما ينبغي وأن يجعل مدار الإعتقاد على معتقدات أهل السّنّة والجماعة وأن لا يصغى إلى أقوال زيد وعمرو فإنّ جعل مدار الأمر على الخرافات الكاذبة تضييع الإنسان نفسه وتقليد الفرقة النّاجية ضروريّ حتّى يحصل رجاء النّجاة وبدونه خرط القتاد والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. المكتوب الثّاني والخمسون والمائتان إلى الشّيخ بديع الدّين في جواب استفساراته الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وصل مكتوب الأخ الأرشد فأورث فرحا وافرا واندرج فيه استفسارات فاعلم أنّ مبدأ تعيّن سيّدنا نوح وسيّدنا إبراهيم عليهما السّلام صفة العلم كما أنّ مبدأ التّعيّن المحمّديّ عليه الصّلاة والسّلام هو هذه الصّفة أيضا والتّفاوت إنّما هو بالجهات والإعتبارات فإنّ لهذه الصّفة وجها إلى العالم ووجها آخر إلى المعلوم والوجه الأوّل مناسب للوحدة. والثّاني للكثرة ولهذه الصّفة أيضا إجمال تفصيل وكلّ واحد من هذه الإعتبارات كان مبدأ تعيّن واحد من الكبراء والمعارف الّتي تتعلّق بتحمّل ثقل النّبوّة والولاية مندرجة في المكتوب الّذي حرّر إلى الخواجه محمّد أشرف تفصيلا فلم أكتبها الآن فتطلب منه وأردت أن أكتب جواب الإستفسار عن الفرق بين الغوث والقطب والخليفة ولكن ما وجدت الإذن بالكتابة فأخّرناه إلى وقت آخر والسّلام. المكتوب الثّالث والخمسون والمائتان إلى الشّيخ إدريس السّامانيّ في بيان جواب أسئلته وتفصيل بعض مقامات الطّريق ومنازله على طريق الرّمز والإجمال بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات أنهي أنّ أحوال فقراء هذه الحدود وأوضاعهم مستوجبة للحمد. المسئول من الله سبحانه سلامتكم واستقامتكم على الطّريقة المرضيّة المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة، وبيان الأحوال والمواجيد الّذي أحيل على مولانا عبد المؤمن واستفسرت عنها بيّنها مولانا كلّها بالتّفصيل وقال إنّه يقول: إذا نظرت إلى جانب الأرض لا أجد الأرض وإذا رميت نظري إلى جانب السّماء لا أجدها أيضا وإذا أتيت شخصا لا أجد له وجودا أيضا وكذلك لا أجد للعرش والكرسيّ والجنّة والنّار أيضا وجودا ولا أرى لنفسي أيضا وجودا. ووجود الحقّ سبحانه غير متناه لم يجد أحد له نهاية وتكلّم الأكابر أيضا إلى هذا المقام فقط ومتى وصلوا إليه عجزوا عن السّير ولم يقدروا على الزّيادة على ذلك فإن كان هذا كمالا عندكم أيضا وكنتم في هذا المقام فلأيّ شيء أحضر عندكم ولماذا أتعب وأتعب وإن كان وراء هذا الكمال أمر آخر فأطلعوني عليه حتّى أذهب إلى ديار يكثر فيها ألم الطّلب وكان سبب التّوقّف من المصير إليكم منذ سنين حصول هذا التّردّد.

قسم V01/P306–V01/P307

أيّها المخدوم، إنّ هذه الأحوال وأمثالها من تلوينات القلب ويكون مشهودا أنّ صاحب هذه الأحوال لم يطو بعد من مقامات القلب أزيد من الرّبع فيلزمه طيّ ثلاثة أرباع أخرى منها حتّى يطوى معاملة القلب بالتّمام وبعد القلب روح وبعد الرّوح سرّ وبعد السّرّ خفىّ وبعد الخفىّ أخفى ولكلّ واحدة من هذه اللّطائف الأربع الباقية أحوال ومواجيد على حدة ويلزم طيّ كلّ واحدة منها منفردة منفردة، والتّجلّي بكمالات كلّ منها وبعد مجاوزة هذه الخمسة الأمريّة وطيّ أصولها مرتبة بعد مرتبة، وقطع مدارج ظلال الأسماء والصّفات الّتي هي أصول تلك الأصول درجة بعد درجة تجلّيات الأسماء والصّفات وظهورات الشّئون والإعتبارات وبعد هذه التّجلّيات تجلّيات الذّات تعالت وتقدّست فتقع المعاملة حينئذ على اطمئنان النّفس ويتيسّر حصول رضا الحقّ جلّ وعلا والكمالات الّتي تحصل في هذا الموطن حكم الكمالات السّابقة في جنبها كحكم القطرة في جنب البحر المحيط الّذي لا قعر له وهنا يتيسّر شرح الصّدر ويتّصف بالإسلام الحقيقيّ، (ع) هذا هو الأمر والباقي خيالات وما يتوهّم أنّه من تجلّيات الأسماء والصّفات قبل قطع منازل هذه الخمسة الأمريّة مع الاصول وأصول الاصول فهو ظهورات بعض خواصّ عالم الأمر وله نصيب من اللّامثليّ واللّاكيفيّ ومن اللّامكانىّ وليس بتجلّيات الأسماء والصّفات قال واحد من السّالكين في هذا المقام: عبدت الرّوح ثلاثين سنة على ظنّ أنّها الحقّ سبحانه وتعالى فأين الوصول وإلى من السّير. (شعر) كيف الوصول إلى سعاد ودونها . قلل الجبال ودونهنّ خيوف. ولمّا طلبتم الكشف عن حقيقة هذا الطّريق على وجه الإلتفات كتبت نبذة منه على وجه الإجمال والأمر عند الله سبحانه والسّلام عليكم وعلى من لديكم. المكتوب الرّابع والخمسون والمائتان إلى الملّا أحمد البركيّ في جواب بعض أسئلته الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد كتبت أنّ بعض الأكابر قال: إنّ الإنسان ينبغي له أن يعمل ما يعمله بأمر صاحب الزّمان حتّى تترتّب عليه النّتيجة ولو كان أمرا مشروعا فإن كان هذا الكلام صحيحا نرجو الإذن والأمر في جميع المشروعات. (أيّها المخدوم) إنّ كلام الأكابر صحيح والإذن لك حاصل وأنت مأذون ولكن ينبغي أن يعلم أنّ المراد بالنّتيجة نتيجة معتدّ بها لا مطلقا. (وكتبت) أيضا أنّه قد حرّر في رسالة أنّ الخواجه أحرار قدّس سرّه قال: إنّ القرآن في الحقيقة من مرتبة عين الجمع يعني من أحديّة الذّات تعالت وتقدّست فما يكون معنى ما حرّر في رسالة المبدأ والمعاد أنّ حقيقة الكعبة الرّبّانيّة فوق الحقيقة القرآنيّة. (أيّها المخدوم) ليس المراد بأحديّة الذّات هناك الأحديّة المجرّدة الّتي لا يكون فيها شيء من الصّفة والشّأن ملحوظا لأنّ حقيقة القرآن ناشئة من صفة الكلام الّتي هي إحدى صفات الثّمانية وحقيقة الكعبة ناشئة عن مرتبة منزّهة عن تلوينات الصّفات والشّئونات فيكون التّفوّق لها. (وكتبت) أيضا أنّه قد ذكر في بعض التّفاسير لو قال شخص: أنا أسجد للكعبة يكفر فإنّ السّجدة ينبغي أن تكون إلى طرف الكعبة لا للكعبة. وذكر في موضع آخر كانوا في أوّل الإسلام يقولون في السّجدة لك سجدت ومدلول الضّمير نفس الذّات تعالت وتقدّست فما يكون معنى ما حرّر في رسالة المبدأ والمعاد من أنّ صورة الكعبة كما أنّها مسجودة صور الأشياء كذلك حقيقة الكعبة مسجودة حقائق الأشياء. (أيّها المخدوم) إنّ هذا من مسامحات العبارات كما يقال: إنّ آدم مسجود الملائكة مع أنّ السّجدة للخالق جلّ سلطانه لا لمخلوقه ومصنوعه أيّ مخلوق كان والسّلام عليكم وعلى أصحابكم وأحبابكم وعلى الملّا بابنده والملّا حسن.

قسم V01/P307–V01/P309

المكتوب الخامس والخمسون والمائتان إلى الملّا طاهر اللّاهوريّ في التّحريض على إحياء السّنّة السّنيّة ورفع البدعة الغير المرضيّة الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى وصل المكتوب الشّريف المرسل مع الحافظ بهاء الدّين وأورث فرحا وافرا حبّذا النّعمة توجّه المحبّين والمخلصين بجميع همّتهم إلى إحياء سنّة من السّنن المصطفويّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وإرادتهم بكلّيّتهم رفع بدعة من البدع غير المرضيّة فإنّ كلّا من السّنّة والبدعة ضدّ الاخرى ووجود احديهما مستلزم لانتفاء الاخرى فيكون احياء احديهما مستلزما لاماتة الاخرى فاحياء السّنّة موجب لاماتة البدعة وبالعكس فكيف تصحّ تسمية البدعة حسنة مع كونها مستلزمة لرفع السّنّة الّا أن يراد بالحسن الحسن النّسبيّ فإنّه لا مجال للحسن المظلق هنا؛ لأنّ جميع السّنن مراضي الحقّ سبحانه وتعالى وأضدادها مرضيّات الشّيطان وهذا الكلام وإن كان اليوم ثقيلا على الأكثرين بواسطة شيوع البدعة ولكنّهم سيعلمون غدا أنّنا على الهداية أو إيّاهم. وورد أنّ المهديّ الموعود إذا أراد ترويج الدّين وإحياء السّنّة في زمان سلطنته يقول عالم المدينة الّذي اعتاد على العمل بالبدعة وظنّها حسنة وألحقها بالدّين بهذا الظّنّ متعجّبا انّ هذا الرّجل يريد رفع ديننا وإزالة ملّتنا فيأمر المهديّ بقتله ويرى ما اعتقد أنّه حسن سيّئا ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم والسّلام عليكم وعلى سائر من لديكم. وقد غلب النّسيان على الفقير حتّى لا أعلم الآن إلى من فوّضت مكتوبكم فأكتب جواب الإستفسارات فيرجى مسامحتكم والشّيخ ميان أحمد الغرمليّ من المحبّين وحيث انّه واقع في جواركم ينبغي رعاية الإلتفات والتّوجّه في حقّه. المكتوب السّادس والخمسون والمائتان إلى الشّيخ بديع الدّين في جواب سؤاله عن القطب وقطب الأقطاب والغوث والخليفة وما يتعلّق بذلك الحمد لله والسّلام على عباده الّذين اصطفى وصل المكتوب الشّريف المرسل صحبة الدّرويش فأورث فرحا وافرا وسئلت عن معنى القطب وقطب الأقطاب والغوث والخليفة وعن خدمة كلّ منهم ووظيفته وأنّه هل لهم اطّلاع على خدمتهم أم لا والبشارة بقطبيّة الأقطاب الّتي تجيء من عالم الغيب هل لها أصل أو هي من اختراع الخيال والوهم. (ينبغي) أن يعلم أن كمّل اتباع نبيّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام إذا أتمّوا بالتّبعيّة مقام النّبوّة يشرّف بعضهم بمنصب الإمامة وبعضهم يكتفي بمجرّد حصول ذلك الكمال وهذان المعظّمان متساويان في نفس حصول ذلك الكمال وإنّما التّفاوت في حصول المنصب وعدمه وفي أمور تتعلّق بذلك المنصب وإذا أتمّ الاتباع الكمّل كمالات الولاية يشرّف بعضهم بمنصب الخلافة ويكتفي بعضهم بمجرّد حصول تلك الكمالات كما مرّ آنفا وكلّ من هذين المنصبين يتعلّق بالكمالات الأصليّة. وأمّا في الكمالات الظّلّيّة فالمناسب لمنصب الإمامة يعني لان يكون حذاءه وظلّه هو منصب قطب الإرشاد والمناسب لمنصب الخلافة منصب قطب المدار وكأنّ هذين المقامين التّحتانيّين ظلال ذينك المقامين الفوقانيّين. (والغوث) عند الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ قدّس سرّه هو قطب المدار المذكور وليست الغوثيّة عنده منصبا على حدة وممتازة عن منصب القطبيّة وما هو معتقد الفقير أنّ الغوث غير قطب المدار بل هو ممدّه ومعاونه في أموره وشئونه وقطب المدار يستمدّ منه في بعض الامور، وفي تعيين مناصب الأبدال ونصبهم له دخل أيضا ويقال للقطب باعتبار الأعوان والأنصار قطب الأقطاب أيضا لأنّ أعوان قطب الأقطاب وأنصاره حكّام ومن هنا قال صاحب الفتوحات المكّيّة: ما من قرية مؤمنة كانت أو كافرة الّا وفيها قطب. (واعلم) أنّ صاحب المنصب صاحب علم البتّة وأمّا الّذي فيه كمال ذلك المنصب دون نفس المنصب فلا يلزم كونه من أرباب العلم وكونه مطّلعا على خدماته.

قسم V01/P309–V01/P310

والبشارة الّتي تصل من عالم الغيب هي بشارة حصول كمالات ذلك المقام لا بشارة حصول منصب ذلك المقام الّتي هي منوطة بالعلم (وسألت) أيضا أنّه ما المراد بالإيمان الواقع في حديث (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أمّتي لرجح) وما سبب رجحان الإيمان بواسطة رجحان المؤمن به وحيث كان متعلّق إيمان أبي بكر فوق متعلّقات إيمان الامّة يكون راجحا ألبتّة (أيّها المخدوم) إنّ معاملة السّالك قد تبلغ في عروجاته مبلغا لو تفوّق منه مقدار نقطة تكون الكمالات الّتي تحصل بسبب هذا العروج والتّفوّق أزيد من جميع الكمالات السّابقة لأنّ تلك النّقطة أزيد من جميع ما تحتها وكذلك حال النّقطة الّتي فوق هذه النّقطة فإنّ هذه النّقطة حقيرة في جنبها وعلى هذا القياس فمن كان متعلّق إيمانه كمال الفوق وغايته يكون راجحا البتّة على جميع ما تحته. ومن هنا قالوا: تبلغ معاملة العارف مبلغا يكتسب في طرفة العين مثل جميع كمالاته المتقدّمة وعلى مقياس تحقيق الفقير يحصل في لمحة أزيد من جميع الكمالات المتقدّمة ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (وسألت) أيضا أنّه ذكر الشّيخ ابن عربيّ واتباعه: إنّ الأطفال الّذين قتلوا بسبب موسى على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام انتقلت استعدادات كلّهم إلى موسى عليه السّلام فنرجو تحرير حقيقة هذا الكلام بالتّفصيل؟ (اعلم) أنّ هذا الكلام أصيل لأنّه مكتوب بالتّحقيق فكما أنّ شخصا واحدا يجعل سببا لحصول الكمالات لجماعة كذلك نجعل الجماعة سببا لحصول الكمالات لشخص واحد فإنّ الشّيخ وإن كان سببا لحصول الكمالات للمريدين ولكنّ المريدين أيضا أسباب لحصول الكمالات للشّيخ وهذا الفقير أحسّ هذا المعنى في المأكولات والمشروبات الّتي صارت أجزاء بدنه بحيث كلّما تناوله من طعام أو شراب صار ذلك سببا لجامعيّة استعداده وظهرت به قابليّة أخرى فإذا قصد في بعض الأوقات ترك المأكولات اللّذيذة منع من ذلك بواسطة تحصيل هذه الجامعيّة ولم يؤذن له بترك ذلك الطّعام اللّذيذ بسبب حصول تلك القابليّة وكم من استعداد انتقل من شخص إلى آخر كلّا او بعضا وصار محسوسا أنّ ذلك الشّخص بقي خاليا وحصّل الآخر جمعيّة. وسألت أيضا أنّ الشّيخ نجم الدّين الكبرى أرسل واحدا من مريديه عند واحد من الأعزّة ليستفهم منه أنّه تحت قدم أيّ نبيّ فقال له الشّيخ المرسل إليه: في أيّ شغل جهودك؟ ففهم الشّيخ نجم الدّين من هذا الكلام أنّه تحت قدم موسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام بأيّ وجه يفهم هذا المعنى من هذه العبارة (اعلم) أنّ الجهود يطلق على اليهود وهم من أمّة موسى عليه السّلام (وسألت) أيضا أنّه كتب في النّفحات أنّ ولاية جميع الأولياء تسلب بعد الموت الّا ولاية أربعة منهم (اعلم) أنّه يمكن أن يكون مراده بالولاية التّصرّفات وظهور الكرامات لا أصل الولاية الّتي هي عبارة عن قرب إلهيّ جلّ سلطانه وأن يكون مراده بالسّلب أيضا سلب كثرة ظهور الكرامات لا سلب أصل الظّهور مع أنّ هذا الكلام كشفيّ ومجال الخطأ كثير في الكشف فلا يدرى ماذا رأى وماذا فهم (وطلبت) ظهور بعض كرامات الأولياء فكن منتظرا سيجعل الله بعد عسر يسرا. وسألت أنّه قال في تفسير النّيسابوريّ: إنّ شانيك هو الأبتر بالياء فما التّحقيق فيه بالياء أو بالهمزة؟ (اعلم) أنّه بالهمزة والّذي كتب بالياء يمكن أن يكون قراءة غير مشهورة. وكتبت أنّ بعض النّساء يطلبن الإشتغال بالطّريقة فإن كنّ محارم فما المانع والّا يقعدن وراء الحجاب ويأخذن الطّريقة (وسألت) أنّ أرباب الحديث أثبتوا في كلّ شهر أيّاما منهيّة ونقلوا الحديث في هذا الباب فماذا نفعل (قال) والد الفقير قدّس سرّه: إنّ الشّيخ عبد الله والشّيخ رحمة الله اللّذين كانا من أكابر المحدّثين ولقّبا في الحرمين بالشّيخين وردّا إلى الهند وقالا: إنّ هذا الحديث نقله الكرمانيّ شارح البخاريّ لكنّه ضعيف . والحديث الصّحيح في هذا الباب الأيّام أيّام الله والعباد عباد الله وقالا أيضا: إنّ نحوسة الأيّام زالت وارتفعت بولادة من أرسل رحمة للعالمين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وكانت نحوسة الأيّام بالنّسبة إلى الامم الماضية.

قسم V01/P310–V01/P312

وعمل الفقير أيضا على ذلك لا أرجّح يوما على يوم أصلا ما لم يعلم ترجيحه من الشّارع كيوم الجمعة وأيّام رمضان ونحوهما. (وكتبت) أيضا بأنّي ما وجدت المعارف المتعلّقة بتحمّل ثقل النّبوّة في مكتوب الخواجه محمّد أشرف من أين تجده فإنّه حرّر في هذه الأيّام ولم يبلغك ثقله والمكتوب طويل عريضا يزيد على كرّاسة وقد أمرت بإرسال نقله إليكم والسّلام. المكتوب السّابع والخمسون والمائتان إلى المير نعمان في بيان الطّرق على طريق الإجمال بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات أنهي أنّ المكتوب الشّريف المرسل صحبة الشّيخ أحمد الفرمليّ قد وصل وأورث بوصوله فرحا وافرا وطلبت رسالة في بيان الطّريق قد حرّرت المسوّدات فيه فإذا نقلت إلى البياض بتوفيق الله أرسلها والآن أكتب فقرات في بيان الطّريق بطريق الإجمال ينبغي استماعها بسمع العقل. أيّها السّيّد انّ الطّريق الّذي اخترناه نحن ابتداء مسيره من القلب الّذي هو من عالم الأمر وبعد القلب يقع السّير في مراتب الرّوح الّتي فوقه وبعد الرّوح تكون هذه المعاملة بالسّرّ الّذي فوقها وهكذا الحال في الخفيّ والأخفى وبعد طيّ منازل هذه اللّطائف الخمس وحصول العلوم المتعلّقة بكلّ منها على حدة وحصول المعارف كذلك وبعد تحقّق الأحوال والمواجيد المخصوصة بكلّ واحد من هذه الخمس منفردة منفردة يقع السّير في أصول هذه الخمس الّتي هي في العالم الكبير فإنّ كلّما هو في العالم الصّغير أصله في العالم الكبير. والمراد بالعالم الصّغير الإنسان وبالعالم الكبير سائر الكائنات وشروع السّير في أصول هذه الخمس من العرش المجيد الّذي هو أصل قلب الإنسان وفوقه أصل الرّوح الإنسانيّة وفوقه أصل السّرّ وفوقه أصل الخفيّ وفوقه أصل الأخفى فإذا طوي سير هذه الاصول الخمسة من العالم الكبير بالتّفصيل وانتهى إلى نقطة أخيرة فقد أتمّ سير دائرة الإمكان ووضع القدم على أوّل منزل من منازل الفناء فإن وقع التّرقّي بعد ذلك يكون السّير في ظلال الأسماء والصّفات الإلهيّة جلّ سلطانه. وهذه الظّلال كالبرازخ بين الواجب والإمكان وأصول لتلك الاصول الخمسة الّتي في العالم الكبير ويكون السّير في هذه الظّلال أيضا على التّرتيب المذكور في فروعها فإن طوى بفضل الله سبحانه المنازل المتكثّرة من هذه الظّلال وانتهى إلى نقطتها الأخيرة يكون شروعا في أسماء الواجب وصفاته جلّ سلطانه وتقع تجلّيات الأسماء والصّفات وظهورات الشّئون والإعتبارات فعند ذلك يكون قد أتمّ معاملة اللّطائف الخمس الأمريّة وأدّى حقّها فإن وقع التّرقّي بفضل الله سبحانه بعد ذلك من هذا المقام تقع المعاملة على اطمئنان النّفس ويتيسّر حصول مقام الرّضا الّذي هو نهاية مقامات السّلوك ويحصل في هذا المقام شرح الصّدر ويتشرّف فيه بالإسلام الحقيقيّ. والكمالات الّتي تحصل في هذا الموطن حكم الكمالات المتعلّقة بعالم الأمر في جنبها كحكم القطرة في جنب البحر المحيط وكلّ هذه الكمالات المذكورة متعلّقة باسم الظّاهر والكمالات المتعلّقة باسم الباطن هي غيرها ولها مناسبة بالإستتار والتّبطّن. فإذا حصلت كمالات هذين الإسمين المباركين بتمامها يتيسّر للسّالك جناحان للطّيران ليطير بقوّتهما إلى عالم القدس وتحصل له ترقّيات خارجة عن القياس. وتفصيل هذه المعاملة محرّر في المسوّدات وولدي الأرشد مجدّ في جمعه. (وينبغي) لك أن تجيء بنفسك هنا مرّة واحدة إن تيسّر لكن بشرط أن لا تترك مقامك خاليا حتّى لا تضيع المعاملة بل تجيء وحدك وتجعل مقتدى تلك الجماعة من تعلم أنّه أسبق قدما ثمّ تتوجّه إلى هذه الحدود فإنّه لا يدرى هل تعطى الفرصة في وقت آخر أو لا والسّلام. المكتوب الثّامن والخمسون والمائتان إلى شريف خان في بيان أقربيّته تعالى وتقدّس الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى قد حصل الإبتهاج والسّرور بورود الصّحيفة الشّريفة المسطورة إلى فقراء هذه الحدود على وجه الكرم جزاكم الله سبحانه خير الجزاء.

قسم V01/P312–V01/P313

(أيّها المخدوم) إنّ أقربيّة الحقّ سبحانه إلينا منّا وإن كانت ثابتة بنصّ قاطع ولكن ماذا نصنع إنّه سبحانه وراء وراء عقولنا وأفهامنا ووراء وراء علومنا وإدراكاتنا مع أنّا نعرف أنّ هذه الورائيّة في جانب القرب لا في جانب البعد فإنّه سبحانه أقرب من كلّ قريب حتّى أنّا نجد أحديّة ذاته سبحانه أقرب من الصّفات الّتي نحن من آثار تلك الصّفات وهذه المعرفة وراء نظر العقل وطوره فإنّ العقل لا يقدر أن يتصوّر شيئا أقرب إليه من نفسه. والمثال الّذي يوضّح هذا المبحث لم يوجد مع كثرة التّتبّع ومستند هذه المعرفة نصّ قطعيّ وكشف صحيح وقد تكلّم مشائخ الطّريقة في التّوحيد والاتّحاد وبيّنوا القرب والمعيّة واختاروا السّكوت في أقربيّته تعالى ولم يوجد منهم بيان شاف في هذا الباب. والعجب أنّ أقربيّته تعالى صارت سببا لا بعديّتنا هذا إلى أن يبلغ الكتاب أجله فافهم فإنّ كلامنا إشارات وبشارات والسّلام عليكم وعلى سائر من اتّبع الهدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله من الصّلاة أتمّها ومن التّسليمات أكملها. المكتوب التّاسع والخمسون والمائتان إلى المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد قدّس سرّه في بيان فوائد إرسال الرّسل وعدم استقلال العقل في معرفته تعالى وبيان الحكم الخاصّ فيمن نشأ في شاهق الجبل ومشركي زمن الفترة وأطفال مشركي دار الحرب وتحقيق بعثة الأنبياء في أرض الهند من الهند سابقا وما يناسبه الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ بأيّ لسان يؤدّي شكر نعمة إرسال الرّسل عليهم الصّلاة والتّسليمات وبأيّ قلب يعتقد المنعم بها وأين للجوارح أن تكافئها بالأعمال الحسنة فلولا هؤلاء الكبراء من كان يدلّ أمثالنا القاصرين على وجود الصّانع ووحدته جلّ سلطانه ولم يهتد قدماء فلاسفة اليونان إلى وجود الصّانع جلّ شأنه مع وجود الذّكاوة فيهم حتّى نسبوا إيجاد الكائنات إلى الدّهر ولما سطع أنوار دعوة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام يوما فيوما ردّ متأخّروهم ببركة تلك الأنوار مذهب قدمائهم وقالوا بوجود الصّانع جلّ شأنه وأثبتوا وحدانيّته تعالى فعقولنا بمعزل عن إدراك هذا المطلب العالي بلا تأييد من أنوار النّبوّة وأفهامنا بعيدة عن الوصول إلى هذه المعاملة بدون وساطة وجود الأنبياء عليهم الصّلوات والتّحيّات يا ليت شعري ماذا أراد أصحابنا الماتريديّة من قولهم باستقلال العقل في بعض الامور كإثبات وجود الصّانع تعالى ووحدانيّته سبحانه فكلّفوا من نشأ في شاهق الجبل وعبد الصّنم بهما وإن لم تبلغه دعوة الرّسول وحكموا بترك النّظر فيهما بكفره وخلوده في النّار ونحن لا نفهم الحكم بالكفر والخلود في النّار الّا بعد البلاغ المبين والحجّة البالغة المنوطة بإرسال الرّسل. نعم العقل حجّة من حجج الله تعالى ولكنّه ليس بحجّة بالغة في المحجّة حتّى يترتّب عليه أشدّ العذاب. فإن قلت: فإن لم يكن من نشأ في شاهق الجبل وعبد الصّنم مخلّدا في النّار يكون في الجنّة بالضّرورة وذا غير جائز فإنّ دخول المشركين الجنّة حرام ومأواهم النّار قال الله تعالى حاكيا عن عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام: إنّه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنّة ومأواه النّار. والواسطة بين الجنّة والنّار غير ثابتة وأصحاب الأعراف يدخلون الجنّة بعد مدّة فالخلود إمّا في الجنّة وإمّا في النّار. قلت: إنّ هذا السّؤال مستصعب جدّا وولدي الأرشد يعرف أنّه كرّر هذا السّؤال إلى هذا الفقير من مدّة كثيرة ولم يجد له جوابا شافيا وما قال صاحب الفتوحات المكّيّة في حلّ هذا السّؤال من إثبات بعثة نبيّ يوم القيامة لاجل دعوة هؤلاء القوم.

قسم V01/P313–V01/P314

والحكم بدخول الجنّة والنّار على حسب إنكارهم وإقرارهم غير مستحسن عند هذا الفقير؛ لأنّ الآخرة دار الجزاء لا دار التّكليف حتّى يبعث فيها نبيّ وبعد مدّة مديدة كانت عناية الحقّ جلّ سلطانه دليلا وهاديا وانحلّ هذا المعمّى وكشف أنّ تلك الجماعة لا يخلّدون لا في الجنّة ولا في النّار بل يعذّبون ويعاقبون بعد البعث والإحياء في الآخرة على قدر جريمتهم في مقام الحساب وتستوفى منهم الحقوق ثمّ يجعلون بعد ذلك معدوما مطلقا ولا شيئا محضا مثل حيوانات غير مكلّفة فلمن يكون الخلود ومن يكون مكلّفا ولمّا عرضت هذه المعرفة الغريبة في محضر من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام صدّقها جميعهم وقبلوها والعلم عند الله سبحانه وتعالى والحكم بإخلاد الحقّ سبحانه وتعالى عبده في النّار وتأبيد عذابه بمجرّد العقل الّذي مجال الخطإ والغلط كثير فيه جدّا من غير بلاغ بيّن بوساطة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام مع كمال رأفته ورحمته تعالى يثقل على هذا الفقير جدّا كما يثقل الحكم بالخلود في الجنّة مع وجود الشّرك كما يلزم ذلك على مذهب الأشعريّ لعدم القول بالواسطة بين الجنّة والنّار فالحقّ ما ألهمت به من إعدامه بعد استيفاء محاسبة يوم الحشر كما مرّ وهذا هو حكم أطفال مشركي دار الحرب عند الفقير أيضا قال فإنّ دخول الجنّة منوط بالإيمان إمّا بالأصالة وإمّا بالتّبعيّة وإن كانت تبعيّة دار الإسلام كما هو في أطفال أهل الذّمّة والإيمان مفقود في حقّهم مطلقا فلا يتصوّر دخولهم الجنّة ودخول النّار والخلود فيها مربوط بالشّرك بعد ثبوت التّكليف وهذا أيضا مفقود في حقّهم فحكمهم حكم البهائم من الإعدام بعد البعث والنّشور للحساب واستيفاء الحقوق وهذا هو الحكم أيضا في مشركي زمن فترة الرّسل الّذين لم تبلغهم دعوة نبيّ من الأنبياء. (أيّها الولد) إنّ هذا الفقير كلّما يلاحظ ويجيل النّظر لا يجد محلّا لم تبلغه دعوة نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بل يكون محسوسا أنّ نور دعوته صلّى الله عليه وسلّم بلغ كلّ محلّ مثل نور الشّمس حتّى اليأجوج والمأجوج الّذين حال بينهم السّدّ وان ألاحظ في الامم السّابقة لا أجد بقعة لم يبعث فيها نبيّ حتّى في أرض الهند الّتي ترى بعيدة عن هذه المعاملة أجد أنبياء كانوا مبعوثين من أهل الهند ودعوا إلى الحقّ جلّ شأنه ويشاهد في بعض بلاد الهند أنوار الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في ظلمات الشّرك كالمشاعل المسرّجة فإن شئت عيّنت تلك البلاد وأرى نبيّا لم يصدّقه أحد ولم يقبل دعوته ونبيّا آخر آمن به شخص وآخر صدّقه شخصان وصدّق البعض ثلاثة ولا يقع النّظر على أزيد من ثلاثة آمنوا بنبيّ في الهند ولا أرى نبيّا آمن به واتّبعه أربعة وما كتبه رؤساء كفرة الهنود من وجود الواجب وصفاته ومن تنزيهاته وتقديساته كلّ ذلك مقتبس من أنوار مشكاة النّبوّة لأنّه مضى في كلّ عصر من الامم السّابقة نبيّ من الأنبياء وأخبروا عن وجود الواجب وصفاته الثّبوتيّة ومن تنزيهاته وتقديساته سبحانه وتعالى. فلو لا وجود هؤلاء الكبراء كيف كان هؤلاء المخذولون بعقولهم القاصرة العمياء المتلوّثة بظلمات الكفر والمعاصي مهتدين إلى هذه الدّولة وعقول هؤلاء المخذولين النّاقصة حاكمة في حدّ ذاتها بالوهيّتهم ولا يثبتون إلها سواهم كما قال فرعون مصر (ما علمت لكم من إله غيري) وقال أيضا: لان اتّخذت إلها غيري لأجعلنّك من المسجونين. ولمّا علموا بإخبار الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام أنّ للعالم صانعا واجب الوجود اطّلع بعض هؤلاء المخذولين على قبح ادّعائه وأثبت الصّانع الواجب الوجود بالتّقليد والتّستّر وزعم أنّه سار فيه ومتّحد به ودعى الخلق إلى عبادته بهذه الحيلة تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا.

قسم V01/P314–V01/P315

(ولا يعترض) القاصر هنا أنّه لو بعث الأنبياء في أرض الهند لبلغنا خبر بعثته البتّة بل كان ينقل ذلك الخبر بالتّواتر لتوفّر الدّواعي وليس فليس (لأنّا نقول) إنّ دعوة هؤلاء الأنبياء لم تكن عامّة بل كانت دعوة بعضهم مخصوصة بقوم ودعوة بعضهم بقرية أو ببلدة ويمكن أن يشرّف الله سبحانه شخصا في قوم أو قرية بهذه الدّولة فيدعوهم إلى معرفة الصّانع ويمنعهم عن عبادة غيره تعالى فيكذّبونه وينسبونه إلى الجهالة والضّلالة فإذا انتهى إنكارهم وتكذيبهم إيّاهم إلى نهايته وغايته يهلكهم الله جلّ وعلا غيرة لنبيّه وكذلك يمكن أن يبعث نبيّ آخر بعد مدّة إلى قوم أو قرية فيعاملهم كما عامل الأوّل قومه فيفعل بهم كما فعل بأوائلهم وهكذا إلى ما شاء الله تعالى وآثار هلاك القرى والبلاد كثيرة في أرض الهند وهؤلاء القوم وإن هلكوا ولكن كلمة تلك الدّعوة باقية فيما بين أقرانهم وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلّهم يرجعون. وخبر نبوّة الأنبياء المبعوثة إنّما يبلغنا إذا صدّقهم جمع كثير وقوّى أمره وأمّا إذا جاء شخص ودعا أيّاما فمضى ولم يقبل دعوته أحد ثمّ جاء آخر وفعل مثل ما فعل الأوّل فصدّقه شخص واحد وصدّق الآخر اثنان أو ثلاثة فمن أين ينتشر الخبر وكان الكفّار كلّهم في مقام الإنكار وكانوا يردّون على من كان يخالف دين آبائهم فمن يكون النّاقل وإلى من ينقل. وأيضا إنّ الفاظ الرّسالة والنّبوّة و? يغمبر من لغات العرب والفارس بواسطة اتّحاد دعوة نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام وعمومها ولم تكن هذه الألفاظ في لغة الهند حتّى يقال للأنبياء المبعوثين من الهند رسولا أو نبيّا أو ? يغمبر أو يذكرون بهذه الأسامي. وأيضا نقول في جواب هذا السّؤال بطريق المعارضة: إنّه لو لم تبعث الأنبياء في الهند ولم يدعوهم بلسانهم لكان حكم هؤلاء القوم حكم من نشأ في شاهق الجبل فلا يدخلون النّار مع وجود التّمرّد ودعوى الالوهيّة ولا يكون لهم العذاب المخلّد وهذا ممّا لا يرتضيه العقل السّليم ولا يساعده الكشف الصّحيح فإنّا نشاهد بعض مردتهم في وسط الجحيم والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. المكتوب السّتّون والمائتان إلى المخدوم زاده الشّيخ محمّد صادق قدّس سرّه في بيان الطّريقة المختصّة به وبيان الولايات الثّلاث الصّغرى والكبرى والعليا وبيان أفضليّة النّبوّة من الولاية مطلقا وبيان اللّطائف العشر الإنسانيّة الّتي خمس منها من عالم الأمر وخمس من عالم الخلق مع كمالات مخصوصة بكلّ واحدة منها وبيان أفضليّة عالم الخلق من عالم الأمر مع بيان كمالات مخصوصة بعنصر التّراب وبيان العلوم والمعارف المناسبة لكلّ مقام وأمثال ذلك بسم الله الرّحمن الرّحيم. الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين عليه وعليهم وعلى آله وأصحابه الطّيّبين الطّاهرين (اعلم) أيّها الولد أسعدك الله سبحانه وتعالى أنّ لطائف عالم الأمر الخمس أعني القلب والرّوح والسّرّ والخفيّ والأخفى الّتي هي من أجزاء العالم الصّغير أعني الإنسان، أصولها في العالم الكبير كالعناصر الأربعة الّتي هي أجزاء الإنسان فإنّ أصولها في العالم الكبير.

قسم V01/P315–V01/P317

وظهور أصول الخمس فوق العرش حيث يوصف باللّامكانيّة ومن ههنا يقال لعالم الأمر: لا مكانيّا تتمّ دائرة الامكان خلقه وأمره وصغيره وكبيره بالوصول إلى نهاية تلك الأصول وإلى هذا الموطن ينتهي امتزاج العدم بالوجود الّذي هو منشأ الإمكان فإذا طوى السّالك الرّشيد محمّديّ المشرب هذه الخمس من عالم الأمر بالتّرتيب وشرع في السّير في أصولها من عالم الكبير وطوى كلّها بالتّرتيب والتّفصيل بعلوّ الفطرة بل بمحض فضل الحقّ سبحانه وانتهى إلى النّقطة الأخيرة فلا جرم يكون قد أتمّ دائرة الإمكان بالسّير إلى الله وصار مستحقّا لان يطلق عليه اسم الفناء يعني لان يوصف به وشرع في الولاية الصّغرى الّتي هي ولاية الأولياء فإن وقع السّير بعد ذلك في ظلال الأسماء والصّفات الوجوبيّة الّتي هي أصل الخمسة الّتي في العالم الكبير في الحقيقة ولم يتطرّق إليها شائبة العدم وطوى كلّها بفضل الله سبحانه بطريق السّير في الله وبلغ نهايتها فقد أتمّ دائرة ظلال الأسماء الواجبيّة أيضا وحصل له الوصول إلى مرتبة الأسماء والصّفات الواجبيّة ونهاية عروج الولاية الصّغرى إلى هذا المقام وفي هذا الموطن يتحقّق الشّروع في حقيقة الفناء ويوضع القدم في بداية الولاية الكبرى الّتي هي ولاية الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام. وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ هذه الدّائرة الظّلاليّة متضمّنة لمبادي تعيّنات الخلائق سوى الأنبياء الكرام والملائكة العظام عليهم الصّلاة والسّلام وظلّ كلّ اسم مبدأ تعيّن شخص من الأشخاص حتّى أنّ مبدا تعيّن الصّدّيق الأكبر الّذي هو أفضل البشر بعد الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام النّقطة الفوقانيّة من هذه الدّائرة وما قيل إنّ السّالك إذا انتهى إلى اسم هو مبدأ تعيّنه فقد أتمّ السّير إلى الله ينبغي أن يكون المراد به ظلّ الإسم الإلهيّ جلّ شأنه وجزئيّا من جزئيّاته لا أصله وعينه وهذه الدّائرة الظّلاليّة تفصيل مرتبة الأسماء والصّفات في الحقيقة فإنّ العلم مثلا صفة حقيقيّة ولها جزئيّات. وتفصيل تلك الجزئيّات ظلال هذه الصّفة الّتي لها مناسبة بالإجمال وكّلّ جزئيّ من تلك الجزئيّات مبدأ تعيّن شخص من الأشخاص غير الأنبياء الكرام والملائكة الفخام عليهم الصّلاة والسّلام. ومبادي تعيّنات الأنبياء والملائكة اصول هذه الظّلال يعنى كلّيّات تلك الجزئيّات المفصّلة كصفة العلم مثلا وصفة القدرة وصفة الارادة وغيرها ويشترك الكثيرون من الاشخاص في صفة واحدة كانت مبدأ تعيّن باعتبارات مختلفة وذلك أنّ مبدا تعيّن خاتم الرّسل مثلا شأن العلم وهذه الصّفة كانت مبدا تعيّن إبراهيم عليه السّلام باعتبار آخر وهي مبدأ تعيّن نوح عليه السّلام أيضا باعتبار آخر وتعيّن تلك الإعتبارات مذكور في مكتوب الخواجه محمّد أشرف وما قال بعض المشائخ من أنّ الحقيقة المحمّديّة هي التّعيّن الأوّل الّذي هو حضرة الإجمال ومسمّى بالوحدة فمراده به على ما ظهر لهذا الفقير من عالم الغيب والله سبحانه أعلم مركز هذه الدّائرة الظّلاليّة قد ظنّ هذه الدّائرة الظّلاليّة تعيّنا أوّلا وتخيّل مركزها إجمالا وسمّاه وحدة وزعم تفصيل ذلك المركز الّذي هو محيط تلك الدّائرة واحديّة وتصوّر ما فوق دائرة الظّلال الّذي هو دائرة الأسماء والصّفات ذاتا منزّهة ومبرأة عن التّعيّن وليس الأمر كذلك بل أقول: إنّ مركز هذه الدّائرة الظّلاليّة ظلّ مركز الدّائرة الفوقانيّة الّتي هي أصلها ومسمّاة بدائرة الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات. والحقيقة المحمّديّة هي مركز هذه الدّائرة الأصليّة في الحقيقة الّتي هي إجمال الأسماء والشّئونات وتفصيل الأسماء إنّما هو في هذه الدّائرة الّتي هي مرتبة الواحديّة وإطلاق الوحدة والاحديّة على مرتبة ظلال الأسماء مبنيّ على اشتباه الظّلّ بالأصل ومن هذا القبيل إطلاق السّير في الله في ذلك الموطن فإنّ السّير في ذلك الموطن داخل في الحقيقة في السّير إلى الله هذا. (فإن وقع) العروج بعد ذلك إلى دائرة الأسماء والصّفات الّتي هي أصل دائرة الظّلال بطريق السّير في الله يكون ذلك شروعا في كمالات الولاية الكبرى وهذه الولاية الكبرى مخصوصة بالأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام بالأصالة ووصل أصحابهم الكرام أيضا إلى هذه الدّولة بالتّبعيّة.

قسم V01/P317–V01/P318

والنّصف الأسفل من هذه الدّائرة متضمّن للأسماء والصّفات الزّائدة ونصفها الأعلى مشتمل على الشّئون والإعتبارات الذّاتيّة ونهاية عروج لطائف عالم الأمر الخمس إلى نهاية هذه الدّائرة يعني دائرة الأسماء والشّئونات (فإن وقع) التّرقّي بعد ذلك بمحض فضل الحقّ جلّ شأنه من مقام الصّفات والشّئونات يكون السّير في دائرة أصول تلك الصّفات والشّئونات وبعد المجاوزة والعبور عن دائرة تلك الأصول دائرة أصول تلك الاصول وبعد طيّ هذه الدّائرة يظهر من الدّائرة الفوقانيّة قوس ينبغي قطعه أيضا. وحيث لم يظهر من هذه الدّائرة الفوقانيّة غير القوس اقتصرنا على ذلك القوس ولا بدّ من أن يكون هنا سرّ ولم أطّلع عليه بعد. وهذه الاصول الثّلاثة المذكورة للأسماء والصّفات مجرّد اعتبارات في حضرة الذّات تعالت وتقدّست كانت مبادى الصّفات والشّئونات وحصول كمالات هذه الاصول الثّلاثة مخصوصة بالنّفس المطمئنّة ويتيسّر حصول الإطمئنان لها في ذلك الموطن وفي هذا المقام يحصل شرح الصّدر وفيه يتشرّف السّالك بالإسلام الحقيقيّ وهذا هو ذاك الموطن الّذي تجلس المطمئنّة فيه على تخت الصّدر وترتقي في مقام الرّضا وهذا الموطن هو نهاية الولاية الكبرى الّتي هي ولاية الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام. ولمّا انتهى بي السّير إلى هذا المقام توهّم لي أنّ الأمر قد تمّ فنوديت في سرّي أنّ كلّ ذلك كان تفصيل الإسم الظّاهر الّذي هو أحد جناحي الطّيران والإسم الباطن أمامك بعد وهو الجناح الثّاني للطّيران إلى عالم القدس فإذا أتممته بالتّفصيل فقد حصّلت جناحين للطّيران فلمّا تمّ سير الإسم الباطن بعناية الله سبحانه تيسّر الجناحان للطّيران. الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ. (أيّها الولد) ماذا أكتب من السّير في الباطن والمناسب لحال ذلك السّير الإستتار والتّبطّن ولنكشف نبذا يسيرا من هذا المقام: انّ السّير في الإسم الظّاهر سير في الصّفات من غير أن يلاحظ الذّات في ضمنها. والسّير في الإسم الباطن وإن كان سيرا في الأسماء ولكنّ الذّات ملحوظة في ضمنها وتلك الأسماء كالحجب ساترة لوجه حضرة الذّات تعالت وتقدّست فإنّ الذّات في صفة العلم مثلا ليست ملحوظة أصلا وفي اسم العليم الملحوظ هو الذّات من وراء حجاب الصّفات لأنّ العليم ذات ثبت لها العلم فالسّير في العلم سير في الإسم الظّاهر والسّير في العليم سير في الإسم الباطن وقس على هذا سائر الصّفات والأسماء وهذه الأسماء المتعلّقة بالإسم الباطن مبادى تعيّنات الملائكة الملأ الأعلى على نبيّنا وعليهم الصّلوات والتّحيّات. (والشّروع) في السّير في هذه الأسماء وضع القدم في الولاية العليا الّتي هي ولاية الملأ الأعلى والفرق المذكور بين العلم والعليم عند بيان الإسم الظّاهر والإسم الباطن لا تتخيّله شيئا يسيرا ولا تظنّ أنّ من العلم إلى العليم مسافة قليلة لا بل فرق ما بين مركز الأرض ومحدب العرش له بالنّسبة إلى هذا الفرق حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط وهو قريب في التّكلّم بعيد في الحصول ومن هذا القبيل ذكر المقامات المبيّنة على سبيل الإجمال كما قلنا مثلا فإذا طوى هذه الخمس من عالم الأمر وشرع في السّير في أصولها فقد أتمّ دائرة الإمكان فقد ذكر في هذه العبارة السّير إلى الله بالتّمام وقد قدّروا مدّة حصول هذا السّير بخمسين ألف سنة وفي قوله تعالى (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) رمز إلى هذا المعنى. غاية ما في الباب أنّ جذب عناية الحقّ جلّ سلطانه يكاد ييسّر أمر هذه المدّة المديدة في طرفة العين. (ع) لا عسر في أمر مع الكرام . وكذلك قلنا فإذا طوى دائرة الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات ووقع السّير في أصولها إلخ طيّ جميع الأسماء والصّفات سهل في التّلفّظ ولكن مشكل عند الطّيّ وأيّ مشكل ومن صعوبة هذا الطّيّ قال المشائخ: منازل الوصول لا تنقطع أبد الآبدين ومنعوا تماميّة السّير يعني انتهاء في هذه المراتب. (شعر) وليس لحسنه حدّ وغاية . ولا لمديحة السّعدي نهاية يموت من التّعطّش مستقيه .

قسم V01/P318–V01/P319

ويبقى البحر بحرا كالبداية (ولا تظنّنّ) أنّهم إنّما قالوا بعدم انقطاع مراتب الوصول باعتبار التّجلّيات الذّاتيّة لا باعتبار التّجلّيات الصّفاتيّة وأرادوا بالحسن الحسن الذّاتيّ لا الحسن الصّفاتيّ (لأنّا نقول) إنّ التّجلّيات الذّاتيّة. ليست هي بدون ملاحظة الشّئون والإعتبارات ولا ظهور الحسن الذّاتيّ من غير احتجاب بحجب الصّفات الجماليّة لأنّه لا مجال للقيل والقال في ذلك الموطن بدون توسّط الحجب والاستار من عرف الله كلّ لسانه والتّجلّي يستدعي نحوا من الظّلّيّة فلا بدّ في ذلك المقام من ملاحظة الشّئون فصارت منازل الوصول ومراتب الحسن داخلة في دائرة الأسماء والشّئونات والحال أنّ انقطاعها متعسّر عندهم والأمر الّذي ظهر لهذا الدّرويش فهو وراء التّجلّيات وغير الظّهورات سواء كان تجلّيا ذاتيّا أو تجلّيا صفاتيّا ووراء الحسن والجمال سواء كان حسنا ذاتيّا أو حسنا صفاتيّا وبالجملة قد نظّمت المطالب العالية والمقاصد السّامية في سلك عبارات محتقرة مختصرة بطريق الإجمال وملأت البحار العديمة النّهاية في كيزان معدودة فلا تكن من القاصرين. (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنقول: إنّه لمّا تيسّر الطّيران ووقعت العروجات بعد حصول جناحي الإسم الظّاهر والباطن علم أنّ هذه التّرقّيات بالأصالة نصيب العنصر النّاريّ والعنصر الهوائيّ والعنصر المائيّ الّتي للملائكة الكرام على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام أيضا نصيب منها كما ورد أنّ بعض الملائكة مخلوق من النّار والثّلج، تسبيحه سبحان من جمع بين النّار والثّلج وأريت في الواقعة في أثناء هذا السّير كأنّي ماش على طريق وقد حصلت لي غاية الإعياء من كثرة المشي وصرت ألتمس خشبة أو عصا للاتّكاء رجاء حصول قدرة على المشي بمددها فلم يتيسّر فصرت أتمسّك وأتشبّث بكلّ حشيش متمنّيا تقويته على المشي ولا أجد بدّا من المشي ولمّا سرت مدّة بهذا الحال ظهر فناء بلدة فدخلت البلدة بعد طيّ مسافة ذلك الفناء وأعلمت أنّ تلك البلدة عبارة عن التّعيّن الأوّل الّذي هو جامع لجميع مراتب الأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات. وجامع أيضا لاصول تلك المراتب ولاصول تلك الاصول ومنتهى الإعتبارات الذّاتيّة الّتي تمايزها يعني تمايز بعضها عن بعض مناسب للعلم الحصوليّ فإن وقع السّير بعد ذلك يكون مناسبا للعلم الحضوريّ. (أيّها الولد) إنّ إطلاق العلم الحصوليّ والحضوريّ في تلك الحضرة إنّما هو باعتبار التّمثيل والتّنظير فإنّ الصّفات الّتي وجودها زائد على وجود الذّات تعالت وتقدّست علمها مناسب بالعلم الحصوليّ والإعتبارات الذّاتيّة الّتي لا تتصوّر زيادتها على الذّات أصلا علمها مناسب بالعلم الحضوريّ والّا فليس ثمّة الّا تعلّق العلم بالمعلوم من غير أن يحصل من المعلوم فيه شيء فأفهم. (وهذا) التّعيّن الأوّل الّذي تلك البلدة الجامعة كناية عنه جامع لجميع ولايات الأنبياء الكرام والملائكة العظام عليهم الصّلاة والسّلام ومنتهى الولاية العليا الّتي هي مخصوصة بالملأ الأعلى بالأصالة ولوحظ في هذا المقام أنّ هذا التّعيّن الأوّل هل هو الحقيقة المحمّديّة أو لا ثمّ تبيّن أنّ الحقيقة المحمّديّة هي الّتي ذكرت فيما سبق وإطلاق التّعيّن الأوّل عليها أنّ ذلك المركز ظلّ هذا التّعيّن الأوّل باعتبار جامعيّته للأسماء والصّفات والشّئون والإعتبارات. (والسّير) الواقع فوق ذلك البلد يكون شروعا في الكمالات والنّبوّة. وحصول تلك الكمالات مخصوص بالأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وناش من مقام النّبوّة ولكمّل اتباع الأنبياء أيضا نصيب من تلك الكمالات بالتّبعيّة والحظّ الوافر من تلك الكمالات بالأصالة من بين اللّطائف الإنسانيّة للعنصر التّرابيّ. وسائر الأجزاء الإنسانيّة سواء كانت من عالم الأمر أو من عالم الخلق كلّها تابعة في هذا المقام لذلك العنصر التّرابيّ ومشرّفة بهذه الدّولة بتطفّله ولمّا كان هذا العنصر مخصوصا بالبشر كان خواصّ البشر أفضل من خواصّ الملائكة بالضّرورة لأنّه لم يتيسّر لاحد ما تيسّر لهذا العنصر وبعد الدّنوّ يظهر في هذا المقام حقيقة التّدلّي وهنا ينكشف سرّ قاب قوسين أو أدنى.

الأسئلة