Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V09/P558–V09/P561

[الأنعام: 129] القول في تأويل قوله تعالى: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} [الأنعام: 129] اختلف أهل التأويل في تأويل {نولي} [الأنعام: 129] ، فقال بعضهم: معناه: نجعل بعضهم لبعض وليا على الكفر بالله ذكر من قال ذلك حدثنا يونس، قال: ثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون } [الأنعام: 129] «وإنما يولي الله بين الناس بأعمالهم. فالمؤمن ولي المؤمن أي كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان. ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي» وقال آخرون: معناه: نتبع بعضهم بعضا في النار، من الموالاة، وهو المتابعة بين الشيء والشيء، من قول القائل: واليت بين كذا وكذا: إذا تابعت بينهما ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة 09P559 : {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} [الأنعام: 129] : «في النار يتبع بعضهم بعضا» وقال آخرون: معنى ذلك: نسلط بعض الظلمة على بعض ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} [الأنعام: 129] قال: " ظالمي الجن وظالمي الإنس. وقرأ: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} [الزخرف: 36] ، قال: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس " وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: وكذلك نجعل بعض الظالمين لبعض أولياء. لأن الله ذكر قبل هذه الآية ما كان من قول المشركين، فقال جل ثناؤه: {وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض} [الأنعام: 128] ، وأخبر جل ثناؤه أن بعضهم أولياء بعض، ثم عقب خبره ذلك بخبره عن أن ولاية بعضهم بعضا بتوليته إياهم، فقال: وكما جعلنا بعض هؤلاء المشركين من الجن والإنس أولياء بعض يستمتع بعضهم ببعض، كذلك نجعل بعضهم أولياء بعض في كل الأمور بما كانوا يكسبون من معاصي الله ويعملونه 09P559 [الأنعام: 130] القول في تأويل قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} [الأنعام: 130] وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء العادلين به من مشركي الإنس والجن، يخبر أنه يقول لهم تعالى ذكره يومئذ: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي} [الأنعام: 130] ؟ يقول: يخبرونكم بما أوحي إليهم من تنبيهي إياكم على مواضع حججي، وتعريفي لكم أدلتي على توحيدي وتصديق أنبيائي، والعمل بأمري والانتهاء إلى حدودي. {وينذرونكم لقاء يومكم هذا} [الأنعام: 130] يقول: يحذرونكم لقاء عذابي في يومكم هذا، وعقابي على معصيتكم إياي، فتنتهوا عن معاصي. وهذا من الله جل ثناؤه تقريع وتوبيخ لهؤلاء الكفرة على ما سلف منهم في الدنيا من الفسوق والمعاصي، ومعناه: قد أتاكم رسل منكم ينبهونكم على خطأ ما كنتم عليه مقيمين بالحجج البالغة، وينذرونكم وعيد الله على مقامكم على ما كنتم عليه مقيمين، فلم تقبلوا ذلك ولم تتذكروا ولم تعتبروا. واختلف أهل التأويل في الجن، هل أرسل منهم إليهم أم لا؟ فقال بعضهم: قد أرسل إليهم رسل كما أرسل إلى الإنس منهم رسل ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سئل الضحاك عن الجن: هل كان فيهم نبي قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ألم تسمع إلى قول الله: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي} [الأنعام: 130] ، يعني بذلك: " رسلا من الإنس ورسلا من الجن؟ فقالوا: بلى " وقال آخرون: لم يرسل منهم إليهم رسول، ولم يكن له من الجن قط رسول مرسل، وإنما الرسل من الإنس خاصة. فأما من الجن فالنذر. قالوا: وإنما قال الله: {ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام: 130] والرسل من أحد الفريقين، كما قال: {مرج البحرين يلتقيان} [الرحمن: 19] ، ثم قال: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 22] ، وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من الملح دون العذب منهما، وإنما معنى ذلك: يخرج من بعضهما أو من أحدهما. قال: وذلك كقول القائل لجماعة أدؤر: إن في هذه الدور لشرا، وإن كان الشر في واحدة منهن، فيخرج الخبر عن جميعهن والمراد به الخبر عن بعضهن، وكما يقال: أكلت خبزا ولبنا: إذا اختلطا، ولو قيل: أكلت لبنا، كان الكلام خطأ، لأن اللبن يشرب ولا يؤكل ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ، قوله: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام: 130] قال: " جمعهم كما جمع قوله: {ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها} [فاطر: 12] ، ولا يخرج من الأنهار حلية " قال ابن جريج. قال ابن عباس: «هم الجن لقوا قومهم، وهم رسل إلى قومهم» فعلى قول ابن عباس هذا، أن من الجن رسلا كالإنس إلى قومهم. فتأويل الآية على هذا التأويل الذي تأوله ابن عباس: ألم يأتكم أيها الجن والإنس رسل منكم؟ فأما رسل الإنس، فرسل من الله إليهم، وأما رسل الجن، فرسل رسل الله من بني آدم، وهم الذين إذ سمعوا القرآن ولوا إلى قومهم منذرين. وأما الذين قالوا بقول الضحاك، فإنهم قالوا: إن الله تعالى ذكره أخبر أن من الجن رسلا أرسلوا إليهم، كما أخبر أن من الإنس رسلا أرسلوا إليهم. قالوا: ولو جاز أن يكون خبره عن رسل الجن بمعنى أنهم رسل الإنس، جاز أن يكون خبره عن رسل الإنس بمعنى أنهم رسل الجن. قالوا: وفي فساد هذا المعنى ما يدل على أن الخبرين جميعا بمعنى الخبر عنهم أنهم رسل الله، لأن ذلك هو المعروف في الخطاب دون غيره 09P562

قسم V09/P561–V09/P563

[الأنعام: 130] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} [الأنعام: 130] وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن قول مشركي الجن والإنس عند تقريعه إياهم بقوله لهم: {ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا} [الأنعام: 130] ؟ أنهم يقولون: {شهدنا على أنفسنا} [الأنعام: 130] بأن رسلك قد أتتنا بآياتك، وأنذرتنا لقاء يومنا هذا، فكذبناها وجحدنا رسالتها، ولم نتبع آياتك ولم نؤمن بها. قال الله خبرا مبتدأ: وغرت هؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام وأولياءهم من الجن {الحياة الدنيا} [البقرة: 85] يعني: زينة الحياة الدنيا، وطلب الرياسة فيها، والمنافسة عليها، أن يسلموا لأمر الله فيطيعوا فيها رسله، فاستكبروا وكانوا قوما عالين. فاكتفى بذكر الحياة الدنيا من ذكر المعاني التي غرتهم وخدعتهم فيها، إذ كان في ذكرها مكتفى عن ذكر غيرها لدلالة الكلام على ما ترك ذكره، يقول الله تعالى: {وشهدوا على أنفسهم} [الأنعام: 130] يعني هؤلاء العادلين به يوم القيامة أنهم كانوا في الدنيا كافرين به وبرسله، لتتم حجة الله عليهم بإقرارهم على أنفسهم بما يوجب عليهم عقوبته وأليم عذابه 09P562 [الأنعام: 131] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} [الأنعام: 131] يقول تعالى ذكره: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} [الأنعام: 131] : أي إنما أرسلنا الرسل يا محمد إلى من وصفت أمره، وأعلمتك خبره من مشركي الإنس والجن يقصون عليهم آياتي وينذرونهم لقاء معادهم إلي، من أجل أن ربك لم يكن مهلك القرى بظلم. وقد يتجه من التأويل في قوله: (بظلم) وجهان: أحدهما: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} [الأنعام: 131] : أي بشرك من أشرك، وكفر من كفر من أهلها، كما قال لقمان: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] . {وأهلها غافلون} [الأنعام: 131] يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسلا تنبههم على حجج الله عليهم، وتنذرهم عذاب الله يوم معادهم إليه، ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة فيقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير. والآخر: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} [الأنعام: 131] يقول: لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك، والله غير ظلام للعبيد. وأولى القولين بالصواب عندي القول الأول، أن يكون معناه: أن لم يكن ليهلكهم بشركهم دون إرسال الرسل إليهم والإعذار بينه وبينهم، وذلك أن قوله: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} [الأنعام: 131] عقيب قوله: {ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي} [الأنعام: 130] ، فكان في ذلك الدليل الواضح على أن نص قوله: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم} [الأنعام: 131] إنما هو إنما فعلنا ذلك من أجل أنا لا نهلك القرى بغير تذكير وتنبيه. وأما قوله: {ذلك} [البقرة: 2] فإنه يجوز أن يكون نصبا بمعنى: فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون رفعا بمعنى الابتداء، كأنه قال: ذلك كذلك. وأما (أن) فإنها في موضع نصب بمعنى: فعلنا ذلك من أجل أن لم يكن ربك مهلك القرى، فإذا حذف ما كان يخفضها تعلق بها الفعل فنصب 09P564 [الأنعام: 132] القول في تأويل قوله تعالى: {ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون} [الأنعام: 132] يقول تعالى ذكره: ولكل عامل في طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله، يبلغه الله إياها، ويثيبه بها، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا. {وما ربك بغافل عما يعملون} [الأنعام: 132] يقول جل ثناؤه: وكل ذلك من عملهم يا محمد بعلم من ربك يحصيها ويثبتها لهم عنده ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه 09P564

قسم V09/P563–V09/P565

[الأنعام: 133] القول في تأويل قوله تعالى: {وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} [الأنعام: 133] يقول جل ثناؤه: وربك يا محمد الذي أمر عباده بما أمرهم به، ونهاهم عما نهاهم عنه، وأثابهم على الطاعة وعاقبهم على المعصية، الغني عن عباده، الذين أمرهم بما أمر ونهاهم عما نهى، وعن أعمالهم وعبادتهم إياه، وهم المحتاجون إليه، 09P565 لأنه بيده حياتهم ومماتهم وأرزاقهم وأقواتهم ونفعهم وضرهم، يقول عز ذكره: فلم أخلقهم يا محمد، ولم آمرهم بما أمرتهم به وأنههم عما نهيتهم عنه، لحاجة لي إليهم ولا إلى أعمالهم، ولكن لأتفضل عليهم برحمتي وأثيبهم على إحسانهم إن أحسنوا، فإني ذو الرأفة والرحمة وأما قوله: {إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء} [الأنعام: 133] فإنه يقول: إن يشأ ربك يا محمد الذي خلق خلقه لغير حاجة منه إليهم وإلى طاعتهم إياه {يذهبكم} [النساء: 133] يقول: يهلك خلقه هؤلاء الذين خلقهم من ولد آدم {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} [الأنعام: 133] يقول: ويأت بخلق غيركم وأمم سواكم يخلفونكم في الأرض، {من بعدكم} [الأنعام: 133] يعني: من بعد فنائكم وهلاككم. {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} [الأنعام: 133] ، كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم. ومعنى (من) في هذا الموضع: التعقيب، كما يقال في الكلام: أعطيتك من دينارك ثوبا، بمعنى: مكان الدينار ثوبا، لا أن الثوب من الدينار بعض، كذلك الذين خوطبوا بقوله: {كما أنشأكم} [الأنعام : 133] لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنهم أنشئوا مكان خلق خلف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم. والذرية من قول القائل: ذرأ الله الخلق، بمعنى خلقهم فهو يذرؤهم، ثم ترك الهمزة فقيل: ذرا الله، ثم أخرج الفعيلة بغير همز على مثال العلية. وقد روي عن بعض المتقدمين أنه كان يقرأ: (من ذريئة قوم آخرين) على مثال فعيلة. وعن آخر أنه كان يقرأ: (ومن ذرية) على مثال علية. والقراءة التي عليها القراء في الأمصار: {ذرية} [البقرة: 266] بضم الذال وتشديد الياء على مثال علية. وقد بينا اشتقاق ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته ههنا. وأصل الإنشاء: الإحداث، يقال: قد أنشأ فلان يحدث القوم، بمعنى: ابتدأ وأخذ فيه 09P566 [الأنعام: 134] القول في تأويل قوله تعالى: {إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين} [الأنعام: 134] يقول تعالى ذكره للمشركين به: أيها العادلون بالله الأوثان والأصنام، إن الذي يوعدكم به ربكم من عقابه على إصراركم على كفركم واقع بكم، {وما أنتم بمعجزين} [الأنعام: 134] يقول: لن تعجزوا ربكم هربا منه في الأرض فتفوتوه، لأنكم حيث كنتم في قبضته، وهو عليكم وعلى عقوبتكم بمعصيتكم إياه قادر، يقول: فاحذروه، وأنيبوا إلى طاعته قبل نزول البلاء بكم 09P566

قسم V09/P565–V09/P567

[الأنعام: 135] القول في تأويل قوله تعالى: {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون} [الأنعام: 135] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لقومك من قريش، الذين يجعلون مع الله إلها آخر: {اعملوا على مكانتكم} [الأنعام: 135] يقول: اعملوا على حيالكم وناحيتكم كما حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {يا قوم اعملوا على مكانتكم} [الأنعام: 135] «يعني على ناحيتكم» يقال منه: هو يعمل على مكانته ومكينته. وقرأ ذلك بعض الكوفيين: (على مكاناتكم) على جمع المكانة. والذي عليه قراء الأمصار: {على مكانتكم} [الأنعام: 135] على التوحيد . {إني عامل} [الأنعام: 135] يقول جل ثناؤه لنبيه: قل لهم: اعملوا ما أنتم عاملون، فإني عامل ما أنا عامله مما أمرني به ربي. {فسوف تعلمون} [الأنعام: 135] يقول: فسوف تعلمون عند نزول نقمة الله بكم، أينا كان المحق في عمله، والمصيب سبيل الرشاد، أنا أم أنتم؟ وقوله تعالى ذكره لنبيه: قل لقومك: {يا قوم اعملوا على مكانتكم} [الأنعام: 135] أمر منه له بوعيدهم وتهديدهم، لا إطلاق لهم في عمل ما أرادوا من معاصي الله 09P567 [الأنعام: 135] القول في تأويل قوله تعالى: {من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون} [الأنعام: 135] يعني بقوله جل ثناؤه: {من تكون له عاقبة الدار} [الأنعام: 135] : فسوف تعلمون أيها الكفرة بالله عند معاينتكم العذاب، من الذي تكون له عاقبة الدار منا ومنكم، يقول: من الذي يعقب دنياه ما هو خير له منها أو شر منها بما قدم فيها من صالح أعماله أو سيئها. ثم ابتدأ الخبر جل ثناؤه فقال: {إنه لا يفلح الظالمون} [الأنعام: 21] يقول: إنه لا ينجح ولا يفوز بحاجته عند الله من عمل بخلاف ما أمره الله به من العمل في الدنيا، وذلك معنى ظلم الظالم في هذا الموضع. وفي (من) التي في قوله: {من تكون} [الأنعام: 135] له وجهان من الإعراب: الرفع على الابتداء، والنصب بقوله: {تعلمون} [البقرة: 22] لإعمال العلم فيه، والرفع فيه أجود، لأن معناه: فسوف تعلمون أينا له عاقبة الدار، فالابتداء في من أصح وأفصح من إعمال العلم فيه 09P568

قسم V09/P567–V09/P568

[الأنعام: 136] القول في تأويل قوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام لربهم {مما ذرأ} [الأنعام: 136] 09P569 خالقهم، يعني: مما خلق من الحرث والأنعام، يقال منه: ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرأ وذروا: إذا خلقهم. نصيبا: يعني قسما وجزءا. ثم اختلف أهل التأويل في صفة النصيب الذي جعلوا لله والذي جعلوه لشركائهم من الأوثان والشيطان، فقال بعضهم: كان ذلك جزءا من حروثهم وأنعامهم يقررونه لهذا، وجزءا لهذا ذكر من قال ذلك حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: {فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله} [الأنعام: 136] الآية، قال: " كانوا إذا أدخلوا الطعام فجعلوه حزما جعلوا منها لله سهما، وسهما لآلهتهم، وكان إذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لآلهتهم إلى الذي جعلوه لله ردوه إلى الذي جعلوه لآلهتهم، وإذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لله إلى الذي جعلوه لآلهتهم أقروه ولم يردوه، فذلك قوله: {ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} [الأنعام: 136] قال: " جعلوا لله من ثمراتهم ومالهم نصيبا، وللشيطان والأوثان نصيبا، فإن سقط من ثمرة ما جعلوا لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن سقط مما جعلوه للشيطان في نصيب الله التقطوه 09P570 وحفظوه وردوه إلى نصيب الشيطان، وإن انفجر من سقي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدوه، فهذا ما جعلوا من الحروث وسقي الماء. وأما ما جعلوا للشيطان من الأنعام، فهو قول الله: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} [المائدة: 103] حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم} [الأنعام: 136] الآية، " وذلك أن أعداء الله كانوا إذا احترثوا حرثا أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منها جزءا، وللوثن جزءا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، فإن سقط منه شيء فيما سمي لله ردوه إلى ما جعلوا للوثن، وإن سبقهم الماء إلى الذي جعلوه للوثن فسقى شيئا جعلوه لله، جعلوا ذلك للوثن، وإن سقط شيء من الحرث والثمرة التي جعلوا لله فاختلط بالذي جعلوا للوثن، قالوا: هذا فقير، ولم يردوه إلى ما جعلوا لله. وإن سبقهم الماء الذي جعلوا لله فسقى ما سمي للوثن تركوه للوثن. وكانوا يحرمون من أنعامهم: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه لله، فقال الله في ذلك: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} [الأنعام: 136] الآية " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام 09P571 نصيبا} [الأنعام: 136] ، قال: يسمون لله جزءا من الحرث، ولشركائهم وأوثانهم جزءا. فما ذهبت به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم تركوه، وما ذهب من جزء أوثانهم إلى جزء الله ردوه وقالوا: الله عن هذا غني. والأنعام: السائبة والبحيرة التي سموا " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} [الأنعام: 136] الآية، " عمد ناس من أهل الضلالة فجزءوا من حروثهم ومواشيهم جزءا لله وجزءا لشركائهم.

قسم V09/P568–V09/P572

وكانوا إذا خالط شيء مما جزءوا لله فيما جزءوا لشركائهم خلوه، فإذا خالط شيء مما جزءوا لشركائهم فيما جزءوا لله ردوه على شركائهم. وكانوا إذا أصابتهم السنة استعانوا بما جزءوا لله، وأقروا ما جزءوا لشركائهم. قال الله: {ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} [الأنعام: 136] قال: " كانوا يجزئون من أموالهم شيئا، فيقولون: هذا لله، وهذا للأصنام التي يعبدون. فإذا ذهب ما جعلوا لشركائهم فخالط ما جعلوا لله ردوه، وإن ذهب مما جعلوه لله فخالط شيئا مما جعلوه لشركائهم تركوه. وإن أصابتهم سنة، أكلوا ما جعلوا لله، وتركوا ما جعلوا لشركائهم ، فقال الله: {ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} [الأنعام: 136] إلى {يحكمون} [الأنعام: 136] ، قال: " كانوا يقسمون من أموالهم قسما فيجعلونه لله، ويزرعون زرعا فيجعلونه لله، ويجعلون لآلهتهم مثل ذلك، فما خرج للآلهة أنفقوه عليها، وما خرج لله تصدقوا به فإذا هلك الذي يصنعون لشركائهم وكثر الذي لله، قالوا: ليس بد لآلهتنا من نفقة، وأخذوا الذي لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي لله وكثر الذي لآلهتهم، قالوا: لو شاء أزكى الذي له، فلا يردون عليه شيئا مما للآلهة. قال الله: لو كانوا صادقين فيما قسموا لبئس إذا ما حكموا أن يأخذوا مني ولا يعطوني. فذلك حين يقول: {ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] وقال آخرون: النصيب الذي كانوا يجعلونه لله فكان يصل منه إلى شركائهم، أنهم كانوا لا يأكلون ما ذبحوا لله حتى يسموا الآلهة، وكانوا ما ذبحوه للآلهة يأكلونه ولا يسمون الله عليه ذكر من قال ذلك حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} [الأنعام: 136] حتى بلغ: {وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} [الأنعام: 136] ، قال: " كل شيء جعلوه لله من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبدا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة، وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه. وقرأ الآية حتى بلغ: {ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] 09P573 وأولى التأويلين بالآية، ما قال ابن عباس، ومن قال بمثل قوله في ذلك، لأن الله جل ثناؤه أخبر أنهم جعلوا لله من حرثهم وأنعامهم قسما مقدرا، فقالوا: هذا لله، وجعلوا مثله لشركائهم، وهم أوثانهم بإجماع من أهل التأويل عليه، فقالوا: هذا لشركائنا، وإن نصيب شركائهم لا يصل منه إلى الله، بمعنى: لا يصل إلى نصيب الله، وما كان لله وصل إلى نصيب شركائهم. فلو كان وصول ذلك بالتسمية وترك التسمية، كان أعيان ما أخبر الله عنه أنهم لم يصل جائزا أن تكون قد وصلت، وما أخبر عنه أنه قد وصل لم يصل، وذلك خلاف ما دل عليه ظاهر الكلام، لأن الذبيحتين تذبح إحداهما لله والأخرى للآلهة، جائز أن تكون لحومهما قد اختلطت وخلطوهما، إذ كان المكروه عندهم تسمية الله على ما كان مذبوحا للآلهة دون اختلاط الأعيان واتصال بعضها ببعض وأما قوله: {ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] ، فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن فعل هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم. يقول جل ثناؤه: وقد أساءوا في حكمهم إذ أخذوا من نصيبي لشركائهم، ولم يعطوني من نصيب شركائهم. وإنما عنى بذلك تعالى ذكره الخبر عن جهلهم وضلالتهم وذهابهم عن سبيل الحق بأنهم لم يرضوا أن عدلوا بمن خلقهم وغذاهم وأنعم عليهم بالنعم التي لا تحصى ما لا يضرهم ولا ينفعهم، حتى فضلوه في إقسامهم عند أنفسهم بالقسم عليه 09P573

قسم V09/P572–V09/P576

[الأنعام: 137] القول في تأويل قوله تعالى: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون} [الأنعام: 137] يقول تعالى ذكره: وكما زين شركاء هؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام لهم ما زينوا لهم، من تصييرهم لربهم من أموالهم قسما بزعمهم، وتركهم ما وصل من القسم الذي جعلوه لله إلى قسم شركائهم في قسمهم، وردهم ما وصل من القسم الذي جعلوه لشركائهم إلى قسم نصيب الله إلى قسم شركائهم، {كذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} [الأنعام: 137] من الشياطين، فحسنوا لهم وأد البنات، {ليردوهم} [الأنعام: 137] يقول: ليهلكوهم، {وليلبسوا عليهم دينهم} [الأنعام: 137] ، فعلوا ذلك بهم ليخلطوا عليهم دينهم فيلتبس، فيضلوا ويهلكوا بفعلهم ما حرم عليهم الله. ولو شاء الله أن لا يفعلوا ما كانوا يفعلون من قتلهم لم يفعلوه، بأن كان يهديهم للحق ويوفقهم للسداد، فكانوا لا يقتلونهم، ولكن الله خذلهم عن الرشاد فقتلوا أولادهم وأطاعوا الشياطين التي أغوتهم. يقول الله لنبيه متوعدا لهم على عظيم فريتهم على ربهم فيما كانوا يقولون في الأنصباء التي يقسمونها: هذا لله، وهذا لشركائنا، وفي قتلهم أولادهم: ذرهم يا محمد وما يفترون وما يتقولون علي من الكذب والزور، فإني لهم بالمرصاد، ومن وراء العذاب والعقاب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل 09P575 أولادهم شركاؤهم ليردوهم} [الأنعام: 137] : «زينوا لهم، من قتل أولادهم» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {قتل أولادهم شركاؤهم} [الأنعام: 137] : «شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خيفة العيلة» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم} [الأنعام: 137] الآية، قال: «شركاؤهم زينوا لهم ذلك» ، {ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون} [الأنعام: 112] حدثني يونس، قال: أخبرنا وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} [الأنعام: 137] قال: «شياطينهم التي عبدوها زينوا لهم قتل أولادهم» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم} [الأنعام: 137] : «أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات» وأما {ليردوهم} [الأنعام: 137] فيهلكوهم. وأما {ليلبسوا عليهم دينهم} [الأنعام: 137] فيخلطوا عليهم دينهم. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته قراء الحجاز والعراق: {وكذلك زين} [الأنعام: 137] بفتح الزاي من (زين) ، {لكثير من المشركين قتل أولادهم} [الأنعام: 137] بنصب القتل، {شركاؤهم} [الأنعام: 137] بالرفع. بمعنى أن شركاء هؤلاء المشركين الذين زينوا لهم قتل أولادهم، فيرفعون الشركاء بفعلهم، وينصبون القتل لأنه مفعول به. وقرأ ذلك بعض قراء أهل الشام: (وكذلك زين) بضم الزاي، (لكثير من المشركين قتل) بالرفع (أولادهم) بالنصب، (شركائهم) بالخفض، بمعنى: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، ففرقوا بين الخافض والمخفوض بما عمل فيه من الاسم، وذلك في كلام العرب قبيح غير فصيح. وقد روي عن بعض أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرت من قراءة أهل الشام، رأيت رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه، وذلك قول قائلهم: [+البحر الكامل] فزججته متمكنا زج القلوص أبي مزادة والقراءة التي لا أستجيز غيرها: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} [الأنعام: 137] بفتح الزاي من «زين» ونصب «القتل» بوقوع «زين» عليه، وخفض «أولادهم» بإضافة «القتل» إليهم، ورفع «الشركاء» بفعلهم، لأنهم هم الذين زينوا للمشركين قتل أولادهم على ما ذكرت من التأويل.

قسم V09/P576

وإنما قلت: لا أستجيز القراءة بغيرها لإجماع الحجة من القراء عليه، وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد، ففي ذلك أوضح البيان على فساد ما خالفها من القراءة. ولولا أن تأويل جميع أهل التأويل بذلك ورد ثم قرأ قارئ: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم) بضم الزاي من (زين) ، ورفع (القتل) ، وخفض (الأولاد) (والشركاء) ، على أن (الشركاء) مخفوضون بالرد على (الأولاد) بأن (الأولاد) شركاء آبائهم في النسب والميراث كان جائزا. ولو قرأه كذلك قارئ، غير أنه رفع (الشركاء) وخفض (الأولاد) كما يقال: ضرب عبد الله أخوك، فيظهر الفاعل بعد أن جرى الخبر بما لم يسم فاعله، كان ذلك صحيحا في العربية جائزا 09P577

قسم V09/P576–V09/P579

[الأنعام: 138] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون} [الأنعام: 138] 09P578 وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء الجهلة من المشركين أنهم كانوا يحرمون ويحللون من قبل أنفسهم من غير أن يكون الله أذن لهم بشيء من ذلك. يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء العادلون بربهم من المشركين جهلا منهم، لأنعام لهم وحرث: هذه أنعام، وهذا حرث حجر، يعني بالأنعام والحرث ما كانوا جعلوه لله ولآلهتهم التي قد مضى ذكرها في الآية قبل هذه. وقيل: إن الأنعام: السائبة والوصيلة والبحيرة التي سموا حدثني بذلك محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " الأنعام: السائبة والبحيرة التي سموا " والحجر في كلام العرب: الحرام، يقال: حجرت على فلان كذا: أي حرمت عليه، ومنه قول الله: {ويقولون حجرا محجورا} [الفرقان: 22] . ومنه قول المتلمس: [+البحر البسيط] حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها حجر حرام ألا ثم الدهاريس وقول رؤبة: [+البحر الرجز] وجارة البيت لها حجري يعني: المحرم. ومنه قول الآخر: [+البحر البسيط] 09P579 فبت مرتفقا والعين ساهرة كأن نومي علي الليل محجور أي حرام، يقال: حجر وحجر، بكسر الحاء وضمها. وبضمها كان يقرأ فيما ذكر الحسين وقتادة حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن الحسين، عن قتادة، " أنه كان يقرؤها: (وحرث حجر) يقول: حرام، مضمومة الحاء " وأما القراء من الحجاز والعراق والشام فعلى كسرها، وهي القراءة التي لا أستجيز خلافها لإجماع الحجة من القراء عليها، وأنها اللغة الجودى من لغات العرب وروي عن ابن عباس " أنه كان يقرؤها: (وحرث حرج) بالراء قبل الجيم حدثني بذلك الحرث، قال: ثني عبد العزيز قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس، أنه كان يقرؤها كذلك وهي لغة ثالثة معناها ومعنى الحجر واحد، وهذا كما قالوا: جذب وجبذ، 09P580 وناء ونأى، ففي الحجر إذن لغات ثلاث: (حجر) بكسر الحاء والجيم قبل الراء، (وحجر) بضم الحاء والجيم قبل الراء، و (حرج) بكسر الحاء والراء قبل الجيم. وبنحو الذي قلنا في تأويل الحجر قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث، عن حميد، عن مجاهد، وأبي عمرو: {وحرث حجر} [الأنعام: 138] يقول: «حرام» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وحرث حجر} [الأنعام: 138] «فالحجر ما حرموا من الوصيلة، وتحريم ما حرموا» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وحرث حجر} [الأنعام: 138] قال: «حرام» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هذه أنعام وحرث حجر} [الأنعام: 138] الآية، «تحريم كان عليهم من الشياطين في أموالهم وتغليظ وتشديد، وكان ذلك من الشياطين ولم يكن من الله» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن 09P581 السدي، أما قوله: {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر} [الأنعام: 138] ، فيقولون: «حرام أن نطعم إلا من شئنا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {هذه أنعام وحرث حجر} [الأنعام: 138] " نحتجرها على من نريد وعمن لا نريد، لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم، قال: إنما احتجروا ذلك لآلهتهم، وقالوا: {لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم} [الأنعام: 138] ، قالوا: نحتجرها عن النساء، ونجعلها للرجال " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله. {أنعام وحرث حجر} [الأنعام: 138] " أما حجر يقول: محرم.

قسم V09/P579

وذلك أنهم كانوا يصنعون في الجاهلية أشياء لم يأمر الله بها، كانوا يحرمون من أنعامهم أشياء لا يأكلونها، ويعزلون من حرثهم شيئا معلوما لآلهتهم، ويقولون: لا يحل لنا ما سمينا لآلهتنا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {أنعام وحرث حجر} [الأنعام: 138] : «ما جعلوه لله ولشركائهم» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله 09P581

قسم V09/P579–V09/P583

[الأنعام: 138] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون} [الأنعام: 138] 09P582 يقول تعالى ذكره: وحرم هؤلاء الجهلة من المشركين ظهور بعض أنعامهم، فلا يركبون ظهورها، وهم ينتفعون برسلها ونتاجها، وسائر الأشياء منها غير ظهورها للركوب. وحرموا من أنعامهم أنعاما أخر، فلا يحجون عليها ولا يذكرون اسم الله عليها إن ركبوها بحال، ولا إن حلبوها ولا إن حملوا عليها. وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا سفيان، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم ، قال: قال لي أبو وائل: " أتدري ما أنعام لا يذكرون اسم الله عليها؟ قال: قلت: لا، قال: أنعام لا يحجون عليها " حدثنا محمد بن عباد بن موسى قال: ثنا شاذان قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم قال: قال لي أبو وائل: أتدري ما قوله: {حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} [الأنعام: 138] ؟ قال: قلت: لا، قال: «هي البحيرة كانوا لا يحجون عليها» حدثنا أحمد بن عمرو البصري، قال: ثنا محمد بن سعيد الشهيد، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل: {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} [الأنعام: 138] قال: «لا يحجون عليها» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن 09P583 السدي: أما: {أنعام حرمت ظهورها} [الأنعام: 138] فهي البحيرة والسائبة والحام، وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها قال: إذا ولدوها، ولا إن نحروها " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} [الأنعام: 138] قال: «كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من شأنها، لا إن ركبوها، ولا إن حلبوا، ولا إن حملوا، ولا إن منحوا، ولا إن عملوا شيئا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأنعام حرمت ظهورها} [الأنعام: 138] قال: " لا يركبها أحد، {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} [الأنعام: 138] وأما قوله: {افتراء} [الأنعام: 138] على الله، فإنه يقول: فعل هؤلاء المشركون ما فعلوا من تحريمهم ما حرموا، وقالوا ما قالوا من ذلك، كذبا على الله، وتخرصا الباطل عليه، لأنهم أضافوا ما كانوا يحرمون من ذلك على ما وصفه عنهم جل ثناؤه في كتابه إلى أن الله هو الذي حرمه، فنفى الله ذلك عن نفسه، وأكذبهم، وأخبر نبيه والمؤمنين أنهم كذبة فيما يزعمون. ثم قال عز ذكره: {سيجزيهم} [الأنعام: 138] يقول: سيثيبهم ربهم {بما كانوا يفترون} [الأنعام: 138] على الله الكذب ثوابهم، ويجزيهم بذلك جزاءهم 09P583

قسم V09/P583–V09/P585

[الأنعام: 139] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم} [الأنعام: 139] اختلف أهل التأويل في المعني بقوله: {ما في بطون هذه الأنعام} [الأنعام: 139] ، فقال بعضهم: عنى بذلك اللبن ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن ابن عباس: " {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا} [الأنعام: 139] " قال: «اللبن» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يحيى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ابن أبي الهذيل، عن ابن عباس مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} [الأنعام: 139] : «ألبان البحائر كانت للذكور دون النساء، وإن كانت ميتة اشترك فيها ذكورهم وإناثهم» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} [الأنعام: 139] قال: " ما في بطون البحائر: يعني ألبانها، كانوا يجعلونه للرجال دون النساء " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن زكريا، عن 09P585 عامر، قال: البحيرة لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا} [الأنعام: 139] الآية، «فهو اللبن كانوا يحرمونه على إناثهم ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركب فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء. فنهى الله عن ذلك» وقال آخرون: بل عنى بذلك ما في بطون البحائر والسوائب من الأجنة ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} [الأنعام: 139] «فهذه الأنعام ما ولد منها من حي فهو خالص للرجال دون النساء، وأما ما ولد من ميت فيأكله الرجال والنساء» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج،، عن مجاهد: {ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا} [الأنعام: 139] : «السائبة والبحيرة» 09P586 حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الكفرة أنهم قالوا في أنعام بأعيانها: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا دون إناثنا. واللبن مما في بطونها، وكذلك أجنتها، ولم يخصص الله بالخبر عنهم أنهم قالوا: بعض ذلك حرام عليهن دون بعض. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يقال: إنهم قالوا ما في بطون تلك الأنعام من لبن وجنين حل لذكورهم خالصة دون إناثهم، وإنهم كانوا يؤثرون بذلك رجالهم، إلا أن يكون الذي في بطونها من الأجنة ميتا فيشترك حينئذ في أكله الرجال والنساء. واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله أنثت الخالصة، فقال بعض نحويي البصرة وبعض الكوفيين: أنثت لتحقيق الخلوص، كأنه لما حقق لهم الخلوص أشبه الكثرة، فجرى مجرى راوية ونسابة. وقال بعض نحويي الكوفة: أنثت لتأنيث الأنعام، لأن ما في بطونها مثلها، فأنثت لتأنيثها. ومن ذكره فلتذكير (ما) ، قال: وهي في قراءة عبد الله: (خالص) ، قال: وقد تكون الخالصة في تأنيثها مصدرا، كما تقول: العافية والعاقبة، وهو مثل قوله: {إنا أخلصناهم بخالصة} [ص: 46] .

قسم V09/P585–V09/P588

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: أريد بذلك المبالغة في خلوص ما 09P587 في بطون الأنعام التي كانوا حرموا ما في بطونها على أزواجهم، لذكورهم دون إناثهم، كما فعل ذلك بالراوية والنسابة والعلامة، إذا أريد بها المبالغة في وصف من كان ذلك من صفته، كما يقال: فلان خالصة فلان وخلصانه وأما قوله: {ومحرم على أزواجنا} [الأنعام: 139] ، فإن أهل التأويل اختلفوا في المعني بالأزواج، فقال بعضهم: عنى بها النساء ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {ومحرم على أزواجنا} [الأنعام: 139] قال: «النساء» وقال آخرون: بل عنى بالأزواج البنات ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {ومحرم على أزواجنا} [الأنعام: 139] قال: " الأزواج: البنات " وقالوا: ليس للبنات منه شيء. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يقولون لما في بطون هذه الأنعام، يعني أنعامهم: هذا محرم على أزواجنا. والأزواج إنما هي نساؤهم في كلامهم، وهن لا شك بنات من هن أولاده، وحلائل من هن أزواجه. وفي قول الله عز وجل: {ومحرم على أزواجنا} [الأنعام: 139] الدليل الواضح على أن تأنيث (الخالصة) كان لما وصفت من المبالغة في وصف ما في بطون الأنعام بالخلوصة للذكور، لأنه لو كان لتأنيث الأنعام لقيل: ومحرمة على أزواجنا، ولكن لما كان التأنيث في الخالصة لما ذكرت، ثم لم يقصد في المحرم ما قصد في الخالصة من المبالغة، رجع فيها إلى تذكير (ما) ، واستعمال ما هو أولى به من صفته وأما قوله: {وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} [الأنعام: 139] فاختلفت القراء في قراءة ذلك فقرأه يزيد بن القعقاع وطلحة بن مصرف في آخرين: (وإن تكن ميتة) بالتاء في (تكن) ، ورفع (ميتة) ، غير أن يزيد كان يشدد الياء من ميتة، ويخففها طلحة حدثني بذلك المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي حماد، قال: ثنا عيسى، عن طلحة بن مصرف،. وحدثنا أحمد بن يوسف، عن القاسم، وإسماعيل بن جعفر، عن يزيد وقرأ ذلك بعض قراء المدينة والكوفة والبصرة: {وإن يكن ميتة} [الأنعام: 139] بالياء، وميتة بالنصب وتخفيف الياء. وكأن من قرأ: {وإن يكن} [الأنعام: 139] بالياء {ميتة} [الأنعام: 139] بالنصب، أرادوا إن يكن ما في بطون تلك الأنعام، فذكر (يكن) لتذكير (ما) ، ونصب (الميتة) لأنه خبر (يكن) . وأما من قرأ: (وإن تكن ميتة) فإنه إن شاء الله أراد: وإن يكن ما في بطونها ميتة، فأنث (تكن) لتأنيث (ميتة) . وقوله: {فهم فيه شركاء} [الأنعام: 139] ، فإنه يعني أن الرجال وأزواجهم شركاء في أكله لا يحرمونه على أحد منهم، كما ذكرنا عمن ذكرنا ذلك عنه قبل من أهل التأويل. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} [الأنعام: 139] قال: " تأكل النساء مع الرجال، إن كان الذي يخرج من بطونها ميتة فهم فيه شركاء، وقالوا: إن شئنا جعلنا للبنات فيه نصيبا، وإن شئنا لم نجعل " وظاهر التلاوة بخلاف ما تأوله ابن زيد، لأن ظاهرها يدل على أنهم قالوا: إن لم يكن ما في بطونها ميتة فنحن فيه شركاء بغير شرط مشيئة. وقد زعم ابن زيد أنهم جعلوا ذلك إلى مشيئتهم 09P589

قسم V09/P588–V09/P591

[الأنعام: 139] القول في تأويل قوله تعالى: {سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم} [الأنعام: 139] يقول جل ثناؤه: سيجزي: أي سيثيب ويكافئ هؤلاء المفترين عليه الكذب في تحريمهم ما لم يحرمه الله، وتحليلهم ما لم يحلله الله، وإضافتهم كذبهم في ذلك إلى الله. وقوله: {وصفهم} [الأنعام: 139] يعني بوصفهم الكذب على الله، وذلك كما قال جل ثناؤه في موضع آخر من كتابه: {وتصف ألسنتهم الكذب} [النحل: 62] ، والوصف والصفة في كلام العرب واحد، وهما مصدران مثل الوزن والزنة. 09P590 وبنحو الذي قلنا في معنى (الوصف) قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن نجيح، عن مجاهد، في قوله: {سيجزيهم وصفهم} [الأنعام: 139] قال: «قولهم الكذب في ذلك» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: {سيجزيهم وصفهم} [الأنعام: 139] أي «كذبهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {سيجزيهم وصفهم} [الأنعام: 139] : «أي كذبهم» وأما قوله: {حكيم عليم} [الأنعام: 83] ، فإنه يقول جل ثناؤه: إن الله في مجازاتهم على وصفهم الكذب وقيلهم الباطل عليه، {حكيم} [البقرة: 209] في سائر تدبيره في خلقه، {عليم} [البقرة: 29] بما يصلحهم وبغير ذلك من أمورهم 09P590 [الأنعام: 140] القول في تأويل قوله تعالى: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين} [الأنعام: 140] يقول تعالى ذكره: قد هلك هؤلاء المفترون على ربهم الكذب، العادلون به الأوثان والأصنام، الذين زين لهم شركاؤهم قتل أولادهم، وتحريم ما أنعمت عليهم من أموالهم، فقتلوا طاعة لها أولادهم، وحرموا ما أحل الله لهم وجعله لهم رزقا من أنعامهم سفها منهم، يقول: فعلوا ما فعلوا من ذلك جهالة منهم بما لهم وعليهم، ونقص عقول، وضعف أحلام منهم، وقلة فهم بعاجل ضره وآجل مكروهه من عظيم عقاب الله عليه لهم. {افتراء على الله} [الأنعام: 140] يقول: تكذيبا على الله وتخرصا عليه الباطل. {قد ضلوا} [النساء: 167] يقول: قد تركوا محجة الحق في فعلهم ذلك، وزالوا عن سواء السبيل. {وما كانوا مهتدين} [البقرة: 16] يقول: ولم يكن فاعلو ذلك على هدى واستقامة في أفعالهم التي كانوا يفعلون قبل ذلك، {وما كانوا مهتدين} [البقرة: 16] للصواب فيها ولا موفقين له. ونزلت هذه الآية في الذين ذكر الله خبرهم في هذه الآيات، من قوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} [الأنعام: 136] الذين كانوا يبحرون البحائر، ويسيبون السوائب، ويئدون البنات كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عكرمة: قوله: {الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم} [الأنعام: 140] قال: " نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر، كان الرجل يشترط على امرأته أن تستحيي جارية وتئد أخرى، فإذا كانت الجارية التي توأد غدا الرجل أو راح من عند امرأته وقال لها: أنت علي كظهر أمي إن رجعت إليك ولم تئديها، فتخد لها في الأرض خدا، وترسل إلى نسائها فيجتمعن عندها، ثم يتداولنها، حتى إذا 09P592 أبصرته راجعا دستها في حفرتها، ثم سوت عليها التراب " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " ثم ذكر ما صنعوا في أولادهم وأموالهم، فقال: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله} [الأنعام: 140] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم} [الأنعام: 140] فقال: " هذا صنيع أهل الجاهلية، كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء والفاقة ويغذو كلبه. وقوله: {وحرموا ما رزقهم الله} [الأنعام: 140] الآية، وهم أهل الجاهلية جعلوا بحيرة وسائبة ووصيلة وحاميا، تحكما من الشياطين في أموالهم " حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: " إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما بعد المائة من سورة الأنعام، قوله: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم} [الأنعام: 140] الآية وكان أبو رزين يتأول قوله: {قد ضلوا} [الأنعام: 140] أنه معني به قد ضلوا قبل هؤلاء الأفعال من قتل الأولاد وتحريم الرزق الذي رزقهم الله بأمور غير ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي رزين، في قوله: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم} [الأنعام: 140] إلى قوله: {قد 09P593 ضلوا} [الأنعام: 140] ، قال: «قد ضلوا قبل ذلك» 09P592

قسم V09/P591–V09/P594

[الأنعام: 141] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141] وهذا إعلام من الله تعالى ذكره ما أنعم به عليهم من فضله، وتنبيه منه لهم على موضع إحسانه، وتعريف منه لهم ما أحل وحرم وقسم في أموالهم من الحقوق لمن قسم له فيها حقا. يقول تعالى ذكره: وربكم أيها الناس {أنشأ} [الأنعام: 141] أي أحدث وابتدع خلقا، لا الآلهة والأصنام، {جنات} [البقرة: 25] يعني: بساتين، {معروشات} [الأنعام: 141] وهي ما عرش الناس من الكروم، {وغير معروشات} [الأنعام: 141] : غير مرفوعات مبنيات، لا ينبته الناس ولا يرفعونه، ولكن الله يرفعه وينبته وينميه كما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {معروشات } [الأنعام: 141] يقول: «مسموكات» وبه عن ابن عباس: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات} [الأنعام: 141] " فالمعروشات: ما عرش الناس، وغير معروشات: ما خرج في البر والجبال من الثمرات " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " أما (جنات) فالبساتين، وأما (المعروشات) : فما عرش كهيئة 09P594 الكرم " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات} [الأنعام: 141] قال: " ما يعرش من الكروم. {وغير معروشات} [الأنعام: 141] قال: «ما لا يعرش من الكرم» 09P594 [الأنعام: 141] القول في تأويل قوله تعالى: {والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر} [الأنعام: 141] يقول جل ثناؤه: وأنشأ النخل والزرع مختلفا أكله، يعني بالأكل: الثمر، يقول: وخلق النخل والزرع مختلفا ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر والحب والزيتون والرمان، متشابها وغير متشابه في الطعم، منه الحلو والحامض والمز كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {متشابها وغير متشابه} [الأنعام: 141] قال: «متشابها في المنظر، وغير متشابه في الطعم» وأما قوله: {كلوا من ثمره إذا أثمر} [الأنعام: 141] فإنه يقول: كلوا من رطبه ما كان رطبا ثمره كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو همام الأهوازي، قال: 09P595 ثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، في قوله: {كلوا من ثمره إذا أثمر} [الأنعام: 141] قال: «من رطبه وعنبه» حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا محمد بن الزبرقان، قال: ثنا موسى بن عبيدة، في قوله: {كلوا من ثمره إذا أثمر} [الأنعام: 141] قال: «من رطبه وعنبه» 09P595

قسم V09/P594–V09/P595

[الأنعام: 141] القول في تأويل قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: هذا أمر من الله بإيتاء الصدقة المفروضة من الثمر والحب ذكر من قال ذلك حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال : «الزكاة» حدثنا عمرو، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا يزيد بن درهم، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «الزكاة المفروضة» حدثنا عمرو، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا الحجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: {وآتوا 09P596 حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «العشر ونصف العشر» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا هانئ بن سعيد، عن حجاج، عن محمد بن عبيد الله، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «العشر ونصف العشر» حدثنا عمرو بن علي، وابن وكيع، وابن بشار، قالوا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إبراهيم بن نافع المكي، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «الزكاة» حدثنا عمرو، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو هلال، عن حيان الأعرج، عن جابر بن زيد: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «الزكاة» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «هي الصدقة» . قال: ثم سئل عنها مرة أخرى، فقال: «هي الصدقة من الحب والثمار» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الله، عن عمرو بن سليمان، وغيره، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «الصدقة المفروضة» حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «هي الصدقة من الحب والثمار» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] " يعني بحقه: زكاته المفروضة، يوم يكال أو يعلم كيله " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] : «وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده، وهو أن يعلم ما كيله وحقه، فيخرج من كل عشرة واحدا، وما يلتقط الناس من سنبله» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] : " وحقه يوم حصاده: الصدقة المفروضة، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سن فيما سقت السماء أو العين السائحة، أو سقاه الطل والطل: الندى أو كان 09P598 بعلا، العشر كاملا، وإن سقي برشاء: نصف العشر قال قتادة: وهذا فيما يكال من الثمرة، وكان هذا إذا بلغت الثمرة خمسة أوسق، وذلك ثلاث مائة صاع، فقد حق فيها الزكاة، وكانوا يستحبون أن يعطوا مما لا يكال من الثمرة على قدر ذلك حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، وطاوس: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ، قالا: «هو الزكاة» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن الحجاج، عن سالم المكي، عن محمد ابن الحنفية، قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «يوم كيله، يعطي العشر أو نصف العشر» حدثني المثنى قال: ثنا الحماني قال: ثنا شريك، عن سالم المكي، عن محمد ابن الحنفية، قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «العشر، ونصف العشر» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، وعن قتادة: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قالا: «الزكاة» حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا أبو معاوية الضرير، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «العشر ونصف العشر» حدثني المثنى قال: ثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن الحكم بن عتيبة، عن ابن عباس، مثله حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] يعني: " يوم كيله ما كان من بر أو تمر أو زبيب.

قسم V09/P595–V09/P600

وحقه: زكاته " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: " كل منه، وإذا حصدته فآت حقه. وحقه: عشوره " حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن يونس بن عبيد، عن الحسن أنه قال في هذه الآية: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: « 09P600 الزكاة إذا كلته» حدثنا عمرو قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء قال: سألت الحسن عن قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ، قال: «الزكاة» حدثني ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سألت ابن زيد بن أسلم عن قول الله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] فقلت له: «هو العشور» ؟ قال: «نعم» فقلت له: عن أبيك؟ قال: عن أبي وغيره وقال آخرون: بل ذلك حق أوجبه الله في أموال أهل الأموال، غير الصدقة المفروضة ذكر من قال ذلك حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عبد الوهاب قال: ثنا محمد بن جعفر، عن أبيه: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: " شيئا سوى الحق الواجب قال: وكان في كتابه: عن علي بن الحسين حدثنا عمرو، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا عبد الملك، عن عطاء، في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «القبضة من الطعام» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، عن عطاء: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «من النخل والعنب والحب كله» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: " أرأيت ما حصدت من الفواكه؟ قال: ومنها أيضا تؤتي، وقال: من كل شيء حصدت تؤتي منه حقه يوم حصاده، من نخل أو عنب أو حب أو فواكه أو خضر أو قصب، من كل شيء من ذلك. قلت لعطاء: أواجب على الناس ذلك كله؟ قال: نعم، ثم تلا: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ، قال: قلت لعطاء: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ، هل في ذلك شيء مؤقت معلوم؟ قال: لا حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الملك، عن عطاء، في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «يعطي من حصاده يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا عيسى بن يونس، عن عبد الملك، عن عطاء: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «ليس بالزكاة، ولكن يطعم من حضره ساعتئذ حصده» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن العلاء بن المسيب، عن حماد: {وآتوا 09P602 حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «كانوا يعطون رطبا» حدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه، وإذا أنقيته وأخذت في كيله حثوت لهم منه، وإذا علمت كيله عزلت زكاته، وإذا أخذت في جداد النخل طرحت لهم من الثفاريق، وإذا أخذت في كيله حثوت لهم منه، وإذا علمت كيله عزلت زكاته» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «سوى الفريضة» حدثنا ابن حميد قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: " يلقي إلى السؤال عند الحصاد من السنبل، فإذا طبن أو طين الشك من أبي جعفر ألقى إليهم. فإذا حمله فأراد أن يجعله 09P603 كدسا ألقى إليهم، وإذا داس أطعم منه، وإذا فرغ وعلم كم كيله عزل زكاته.

قسم V09/P600–V09/P604

وقال: في النخل عند الجداد يطعم من الثمرة والشماريخ، فإذا كان عند كيله أطعم من التمر، فإذا فرغ عزل زكاته " حدثنا عمرو بن علي، ومحمد بن بشار، قالا: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «إذا حصد الزرع ألقى من السنبل، وإذا جد النخل ألقى من الشماريخ، فإذا كاله زكاه» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: «عند الحصاد، وعند الدياس، وعند الصرام يقبض لهم منه، فإذا كاله عزل زكاته» وبه عن سفيان، عن مجاهد مثله، إلا أنه قال: سوى الزكاة حدثنا عمرو بن علي قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «شيء سوى الزكاة في 09P604 الحصاد والجداد، إذا حصدوا وإذا جدوا» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، في قول الله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «واجب حين يصرم» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد أنه قال: قال في هذه الآية: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «إذا حصد أطعم، وإذا أدخله البيدر، وإذا داسه أطعم منه» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أشعث، عن ابن عمر، قال: «يطعم المعتر سوى ما يعطي من العشر ونصف العشر» وبه عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: «قبضة عند الحصاد، وقبضة عند الجداد» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال: «كانوا يعطون من اعتر بهم الشيء» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، قال: «الضغث» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، قال: «يعطي مثل الضغث» حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا حماد، عن إبراهيم: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «مثل هذا من الضغث» ووضع يحيى إصبعه الإبهام على المفصل الثاني من السبابة حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم قال: «نحو الضغث» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم قال: «يعطي ضغثا» حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا كثير بن هشام، قال: ثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، قال: " كان النخل إذا صرم يجيء الرجل بالعذق من نخله 09P606 فيعلقه في جانب المسجد، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه، فإذا تناثر أكل منه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه حسن أو حسين، فتناول تمرة، فانتزعها من فيه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل الصدقة، ولا أهل بيته.

قسم V09/P604–V09/P610

فذلك قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا خالد بن حيان، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، ويزيد بن الأصم، قالا: " كان أهل المدينة إذا صرموا يجيئون بالعذق فيضعونه في المسجد، ثم يجيء السائل فيضربه بعصاه، فيسقط منه، وهو قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] حدثنا علي بن سهل قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن جعفر، عن يزيد وميمون، في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ، قالا: «كان الرجل إذا جد النخل يجيء بالعذق فيعلقه في جانب المسجد، فيأتيه المسكين فيضربه بعصاه، فيأكل ما يتناثر منه» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «لقط السنبل» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد، قال: «كانوا يعلقون العذق في المسجد عند الصرام، فيأكل منه الضعيف» وبه عن معمر قال: قال مجاهد: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] «يطعم الشيء عند صرامه» حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: الضغث، وما يقع من السنبل " وبه عن سالم، عن سعيد: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «العلف» حدثني المثنى قال: ثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد، في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «كان هذا قبل الزكاة للمساكين، القبضة والضغث لعلف دابته» حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا محمد بن رفاعة، عن محمد بن كعب، في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده } [الأنعام: 141] قال: «ما قل منه أو كثر» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «عند الزرع 09P608 يعطي القبض، وعند الصرام يعطي القبض، ويتركهم فيتتبعون آثار الصرام» وقال آخرون: كان هذا شيئا أمر الله به المؤمنين قبل أن تفرض عليهم الصدقة المؤقتة، ثم نسخته الصدقة المعلومة، فلا فرض في مال كائنا ما كان، زرعا كان أو غرسا، إلا الصدقة التي فرضها الله فيه ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: «نسخها العشر ونصف العشر» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن الحجاج، عن الحكم، عن ابن عباس، قال: «نسخها العشر ونصف العشر» وبه عن حجاج، عن سالم، عن ابن الحنفية، قال: «نسخها العشر ونصف العشر» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سالم، عن سعيد 09P609 بن جبير: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «هذا قبل الزكاة، فلما نزلت الزكاة نسختها، فكانوا يعطون الضغث» حدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن مغيرة، عن شباك، عن إبراهيم: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «كانوا يفعلون ذلك حتى سن العشر ونصف العشر، فلما سن العشر ونصف العشر ترك» حدثنا عمرو بن علي قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن شباك، عن إبراهيم: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «هي منسوخة، نسختها العشر ونصف العشر» حدثنا ابن بشار قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «نسختها العشر ونصف العشر» حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن مغيرة، عن شباك، عن إبراهيم قال: «نسختها العشر ونصف العشر» وبه عن سفيان، عن يونس، عن الحسن، قال: «نسختها الزكاة» وبه عن سفيان، عن السدي، قال: " نسختها الزكاة: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] حدثني يعقوب قال : ثنا هشيم قال: أخبرنا مغيرة، عن شباك، عن إبراهيم، في قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: " هذه السورة مكية نسختها العشر ونصف العشر، قلت: عمن؟

قسم V09/P610

قال: عن العلماء " وبه عن سفيان، عن مغيرة، عن شباك، عن إبراهيم قال: «نسختها العشر ونصف العشر» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، أما: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] «فكانوا إذا مر بهم أحد يوم الحصاد أو الجداد أطعموه منه، فنسخها الله عنهم بالزكاة، وكان فيما أنبتت الأرض العشر ونصف العشر» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن، قال: «كانوا يرضخون لقرابتهم من المشركين» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال: «نسخه العشر ونصف العشر، كانوا يعطون إذا حصدوا وإذا 09P611 ذروا، فنسختها العشر ونصف العشر» وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: كان ذلك فرضا فرضه الله على المؤمنين في طعامهم وثمارهم التي تخرجها زروعهم وغروسهم، ثم نسخه الله بالصدقة المفروضة، والوظيفة المعلومة من العشر ونصف العشر، وذلك أن الجميع مجمعون لا خلاف بينهم أن صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدياس والتنقية والتذرية، وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجفاف. فإذا كان ذلك كذلك، وكان قوله جل ثناؤه: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ينبئ عن أنه أمر من الله جل ثناؤه بإيتاء حقه يوم حصاده، وكان يوم حصاده هو يوم جده وقطعه، والحب لا شك أنه في ذلك اليوم في سنبله، والثمر وإن كان ثمر نخل أو كرم غير مستحكم جفوفه ويبسه، وكانت الصدقة من الحب إنما تؤخذ بعد دياسه وتذريته وتنقيته كيلا، والتمر إنما تؤخذ صدقته بعد استحكام يبسه وجفوفه كيلا، علم أن ما يؤخذ صدقة بعد حين حصده غير الذي يجب إيتاؤه المساكين يوم حصاده. فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون ذلك إيجابا من الله في المال حقا سوى الصدقة المفروضة؟ قيل: لأنه لا يخلو أن يكون ذلك فرضا واجبا أو نفلا، 09P612 فإن يكن فرضا واجبا فقد وجب أن يكون سبيله سبيل الصدقات المفروضات التي من فرط في أدائها إلى أهلها كان بربه آثما ولأمره مخالفا، وفي قيام الحجة بأن لا فرض لله في المال بعد الزكاة يجب وجوب الزكاة سوى ما يجب من النفقة لمن يلزم المرء نفقته ما ينبئ عن أن ذلك ليس كذلك. أو يكون ذلك نفلا، فإن يكن ذلك كذلك فقد وجب أن يكون الخيار في إعطاء ذلك إلى رب الحرث والثمر، وفي إيجاب القائلين بوجوب ذلك ما ينبئ عن أن ذلك ليس كذلك. وإذا خرجت الآية من أن يكون مرادا بها الندب، وكان غير جائز أن يكون لها مخرج في وجوب الفرض بها في هذا الوقت، علم أنها منسوخة. ومما يؤيد ما قلنا في ذلك من القول دليل على صحته، أنه جل ثناؤه أتبع قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141] ، ومعلوم أن من حكم الله في عباده مذ فرض في أموالهم الصدقة المفروضة المؤقتة القدر، أن القائم بأخذ ذلك ساستهم ورعاتهم. وإذا كان ذلك كذلك، فما وجه نهي رب المال عن الإسراف في إيتاء ذلك، والآخذ مجبر، وإنما يأخذ الحق الذي فرض الله فيه؟ فإن ظن ظان أن ذلك إنما هو نهي من الله القيم بأخذ ذلك من الرعاة عن التعدي في مال رب المال والتجاوز إلى أخذ ما لم يبح له أخذه، فإن آخر الآية، وهو قوله: {ولا تسرفوا} [الأنعام: 141] معطوف على أوله وهو قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ، فإن كان المنهي عن الإسراف القيم بقبض ذلك، فقد يجب أن يكون المأمور بإتيانه المنهي عن الإسراف فيه، وهو السلطان. 09P613 وذلك قول إن قاله قائل، كان خارجا من قول جميع أهل التأويل ومخالفا المعهود من الخطاب، وكفى بذلك شاهدا على خطئه.

الأسئلة