Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V10/P630–V10/P631

قيل: قد دللنا فيما مضى على أن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة إذا لم تقصد واحدا بعينه ولم تسمه، كقوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] وإنما كان القائل ذلك واحدا، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة ؛ إذ لم يقصد قصده، وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها وأما قوله: {فتعالى الله عما يشركون} [الأعراف: 190] فتنزيه من الله تبارك وتعالى نفسه، وتعظيم لها عما يقول فيه المبطلون ويدعون معه من الآلهة والأوثان كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج 10P632 : " {فتعالى الله عما يشركون} [الأعراف: 190] قال: هو الإنكاف، أنكف نفسه جل وعز، يقول: عظم نفسه، وأنكفت الملائكة وما سبح له " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، قال: سمعت صدقة، يحدث عن السدي، قال: " هذا من الموصول والمفصول قوله: {جعلا له شركاء فيما آتاهما} [الأعراف: 190] في شأن آدم وحواء، ثم قال الله تبارك وتعالى: {فتعالى الله عما يشركون} [الأعراف: 190] قال: عما يشرك المشركون، ولم يعنهما " 10P632

قسم V10/P631–V10/P634

[الأعراف: 191] القول في تأويل قوله تعالى: {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون} [الأعراف: 191] يقول تعالى ذكره: أيشركون في عبادة الله، فيعبدون معه ما لا يخلق شيئا والله يخلقها وينشئها، وإنما العبادة الخالصة للخالق لا للمخلوق؟ وكان ابن زيد يقول في ذلك بما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: " ولد لآدم وحواء ولد، فسمياه عبد الله، فأتاهما إبليس فقال: ما سميتما يا آدم ويا حواء ابنكما؟ قال: وكان ولد لهما قبل ذلك ولد، فسمياه عبد الله، فمات، فقالا: سميناه عبد الله. فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟ لا والله ليذهبن به كما 10P633 ذهب بالآخر، ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما؟ فسمياه عبد شمس، قال: فذلك قول الله تبارك وتعالى: {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون} [الأعراف: 191] الشمس تخلق شيئا حتى يكون لها عبد؟ إنما هي مخلوقة " وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خدعهما مرتين: خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض " وقيل: {وهم يخلقون} [الأعراف: 191] ، فأخرج مكنيهم مخرج مكني بني آدم، وقد قال: {أيشركون ما} [الأعراف: 191] فأخرج ذكرهم ب ما لا ب من مخرج الخبر عن غير بني آدم؛ لأن الذي كانوا يعبدونه إنما كان حجرا أو خشبا أو نحاسا، أو بعض الأشياء التي يخبر عنها ب «ما» لا ب «من» ، فقيل: «وهم» ، فأخرجت كنايتهم مخرج كناية بني آدم؛ لأن الخبر عنها بتعظيم المشركين إياها نظير الخبر عن تعظيم الناس بعضهم بعضا 10P632 [الأعراف: 192] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون} [الأعراف: 192] يقول تعالى ذكره: أيشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله ما لا يخلق شيئا من خلق الله، ولا يستطيع أن ينصرهم إن أراد الله أو أحل بهم عقوبة، ولا هو قادر إن أراد به سوءا نصر نفسه ولا دفع ضر عنها. وإنما العابد يعبد ما يعبده لاجتلاب نفع منه أو لدفع ضر منه عن نفسه. وآلهتهم التي يعبدونها ويشركونها في عبادة الله لا تنفعهم ولا تضرهم، بل لا تجتلب 10P634 إلى نفسها نفعا ولا تدفع عنها ضرا، فهي من نفع غير أنفسها أو دفع الضر عنها أبعد. يعجب تبارك وتعالى خلقه من عظيم خطإ هؤلاء الذين يشركون في عبادتهم الله غيره 10P633 [الأعراف: 193] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون} [الأعراف: 193] يقول تعالى ذكره في وصفه وعيبه ما يشرك هؤلاء المشركون في عبادتهم ربهم إياه: ومن صفته أنكم أيها الناس إن تدعوهم إلى الطريق المستقيم، والأمر الصحيح السديد {لا يتبعوكم} [الأعراف: 193] لأنها ليست تعقل شيئا، فتترك من الطرق ما كان عن القصد منعدلا جائرا، وتركب ما كان مستقيما سديدا. وإنما أراد الله جل ثناؤه بوصف آلهتهم بذلك من صفتها تنبيههم على عظيم خطئهم، وقبح اختيارهم، يقول جل ثناؤه: فكيف يهديكم إلى الرشاد من إن دعي إلى الرشاد وعرفه لم يعرفه، ولم يفهم رشادا من ضلال، وكان سواء دعاء داعيه إلى الرشاد وسكوته؛ لأنه لا يفهم دعاءه، ولا يسمع صوته، ولا يعقل ما يقال له؟ يقول: فكيف يعبد من كانت هذه صفته أم كيف يشكل عظيم جهل من اتخذ ما هذه صفته إلها؟ وإنما الرب المعبود هو النافع من يعبده، الضار من يعصيه، الناصر وليه، الخاذل عدوه، الهادي إلى الرشاد من أطاعه، السامع دعاء من دعاه. وقيل: {سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون} [الأعراف: 193] فعطف بقوله: {صامتون} [الأعراف: 193] ، وهو اسم على قوله: {أدعوتموهم} [الأعراف: 193] ، وهو فعل ماض، ولم يقل: أم صمتم، كما قال الشاعر. [+البحر الطويل] سواء عليك القفر أم بت ليلة بأهل القباب من نمير بن عامر وقد ينشد: «أم أنت بائت» 10P635

قسم V10/P634–V10/P635

[الأعراف: 194] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} [الأعراف: 194] يقول جل ثناؤه لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان موبخهم على عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الأصنام: إن الذين تدعون أيها المشركون آلهة من دون الله، وتعبدونها شركا منكم وكفرا بالله، {عباد أمثالكم} [الأعراف: 194] يقول: هم أملاك لربكم، كما أنتم له مماليك. فإن كنتم صادقين أنها تضر وتنفع وأنها تستوجب منكم العبادة لنفعها إياكم، فليستجيبوا لدعائكم إذا دعوتموهم، فإن لم يستجيبوا لكم لأنها لا تسمع دعاءكم، فأيقنوا بأنها لا تنفع ولا تضر؛ لأن الضر والنفع إنما يكونان ممن إذا سئل سمع مسألة سائل وأعطى وأفضل، ومن إذا شكي إليه من شيء سمع فضر من استحق العقوبة ونفع من لا يستوجب الضر 10P635 [الأعراف: 195] القول في تأويل قوله تعالى: {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون} [الأعراف: 195] يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين عبدوا الأصنام من دونه معرفهم جهل ما هم عليه مقيمون: ألأصنامكم هذه أيها القوم {أرجل يمشون بها} [الأعراف: 195] فيسعون معكم ولكم في حوائجكم ويتصرفون بها في منافعكم. {أم لهم أيد يبطشون بها} [الأعراف: 195] فيدفعون عنكم وينصرونكم بها عند قصد من يقصدكم بشر ومكروه. {أم لهم أعين يبصرون بها} [الأعراف: 195] فيعرفوكم ما عاينوا وأبصروا مما تغيبون عنه فلا ترونه. {أم لهم آذان يسمعون بها} [الأعراف: 195] فيخبروكم بما سمعوا دونكم مما لم تسمعوه؟ يقول جل ثناؤه: فإن كانت آلهتكم التي تعبدونها ليس فيها شيء من هذه الآلات التي ذكرتها، والمعظم من الأشياء إنما يعظم لما يرجى منه من المنافع التي توصل إليه بعض هذه المعاني عندكم، فما وجه عبادتكم أصنامكم التي تعبدونها، وهي خالية من كل هذه الأشياء التي بها يوصل إلى اجتلاب النفع ودفع الضر؟ وقوله: {قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون} [الأعراف: 195] أنتم وهن. {فلا تنظرون} [الأعراف: 195] يقول: فلا تؤخرون بالكيد والمكر، ولكن عجلوا بذلك. يعلمه جل ثناؤه بذلك أنهم لم يضروه، وأنه قد عصمه منهم، ويعرف الكفرة به عجز أوثانهم عن نصرة من بغى أولياءهم بسوء 10P636 [الأعراف: 196] القول في تأويل قوله تعالى: {إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين} [الأعراف: 196] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للمشركين من عبدة الأوثان: إن وليي نصيري ومعيني وظهيري عليكم الله الذي نزل الكتاب علي بالحق، وهو الذي يتولى من صلح عمله بطاعته من خلقه 10P636 [الأعراف: 197] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون} [الأعراف: 197] 10P637 وهذا أيضا أمر من الله جل ثناؤه لنبيه أن يقوله للمشركين بقوله تعالى: قل لهم، إن الله نصيري وظهيري، والذين تدعون أنتم أيها المشركون من دون الله من الآلهة، لا يستطيعون نصركم، ولا هم مع عجزهم عن نصرتكم يقدرون على نصرة أنفسهم، فأي هذين أولى بالعبادة وأحق بالألوهة، أمن ينصر وليه ويمنع نفسه ممن أراده، أم من لا يستطيع نصر وليه ويعجز عن منع نفسه ممن أراده وبغاه بمكروه؟ 10P636

قسم V10/P635–V10/P637

[الأعراف: 198] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} [الأعراف: 198] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل للمشركين: وإن تدعوا أيها المشركون آلهتكم إلى الهدى، وهو الاستقامة إلى السداد، {لا يسمعوا} [الأعراف: 198] يقول: لا يسمعوا دعاءكم. {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} [الأعراف: 198] وهذا خطاب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، يقول: وترى يا محمد آلهتهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون. ولذلك وحد ، ولو كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم بخطاب المشركين لقال: وترونهم ينظرون إليكم وقد روي عن السدي في ذلك ما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} [الأعراف: 198] قال: هؤلاء المشركين " وقد يحتمل قول السدي هذا أن يكون أراد بقوله: هؤلاء المشركون قول 10P638 الله: {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا} [الأعراف: 198] وقد كان مجاهد يقول في ذلك ما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} [الأعراف: 198] ما تدعوهم إلى الهدى " وكأن مجاهدا وجه معنى الكلام إلى أن معناه: وترى المشركين ينظرون إليك وهم لا يبصرون. فهو وجه، ولكن الكلام في سياق الخبر عن الآلهة فهو بوصفها أشبه. قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما معنى قوله: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} [الأعراف: 198] ؟ وهل يجوز أن يكون شيء ينظر إلى شيء ولا يراه؟ قيل: إن العرب تقول للشيء إذا قابل شيئا أو حاذاه هو ينظر إلى كذا، ويقال: منزل فلان ينظر إلى منزلي إذا قابله. وحكي عنها: إذا أتيت موضع كذا وكذا، فنظر إليك الجبل، فخذ يمينا أو شمالا. وحدثت عن أبي عبيد، قال: قال الكسائي: الحائط ينظر إليك إذا كان قريبا منك حيث تراه، ومنه قول الشاعر: [+البحر الوافر] إذا نظرت بلاد بني تميم بعين أو بلاد بني صباح 10P639 يريد: تقابل نبتها وعشبها وتحاذى. فمعنى الكلام: وترى يا محمد آلهة هؤلاء المشركين من عبدة الأوثان يقابلونك ويحاذونك، وهم لا يبصرونك؛ لأنه لا أبصار لهم. وقيل: «وتراهم» ، ولم يقل: «وتراها» أنها صور مصورة على صور بني آدم 10P638

قسم V10/P637–V10/P641

[الأعراف: 199] القول في تأويل قوله تعالى: {خذ العفو} [الأعراف: 199] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله: خذ العفو من أخلاق الناس، وهو الفضل وما لا يجهدهم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام ، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن مجاهد، في قوله: " {خذ العفو} [الأعراف: 199] قال: من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس " حدثنا يعقوب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله: " {خذ العفو} [الأعراف: 199] قال: عفو أخلاق الناس، وعفو أمورهم " حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله: {خذ العفو} [الأعراف: 199] . الآية. قال عروة: «أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن الزبير، قال: " ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس: {خذ العفو} [الأعراف: 199] وأمر بالعرف " الآية حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني عن مجاهد: " {خذ العفو} [الأعراف: 199] من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس " قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن ابن الزبير: " {خذ العفو} [الأعراف: 199] قال: من أخلاق الناس، والله لآخذنه منهم ما صحبتهم " قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن الزبير، قال: " إنما أنزل الله {خذ العفو} [الأعراف: 199] من أخلاق الناس " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قاله ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {خذ العفو} [الأعراف: 199] قال: من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس أو تحسس، شك أبو عاصم " وقال آخرون: بل معنى ذلك: {خذ العفو} [الأعراف: 199] من أموال الناس، وهو الفضل. قالوا: وأمر بذلك قبل نزول الزكاة، فلما نزلت الزكاة نسخ ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله " {خذ العفو} [الأعراف: 199] يعني: خذ ما عفا لك من أموالهم، وما أتوك به من شيء فخذه. فكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت الصدقات إليه " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {خذ العفو} [الأعراف: 199] أما العفو: فالفضل من المال، نسختها الزكاة " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {خذ العفو} [الأعراف: 199] يقول: خذ ما عفا من أموالهم، وهذا قبل أن تنزل الصدقة المفروضة " 10P642 وقال آخرون: بل ذلك أمر من الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالعفو عن المشركين وترك الغلظة عليهم قبل أن يفرض قتالهم عليه ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {خذ العفو} [الأعراف: 199] قال: أمره فأعرض عنهم عشر سنين بمكة.

قسم V10/P641–V10/P644

قال: ثم أمره بالغلظة عليهم وأن يقعد لهم كل مرصد وأن يحصرهم، ثم قال: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة} [التوبة: 5] الآية كلها، وقرأ: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} [التوبة: 73] قال: وأمر المؤمنين بالغلظة عليهم، فقال: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة} [التوبة: 123] بعدما كان أمرهم بالعفو، وقرأ قول الله: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} [الجاثية: 14] ثم لم يقبل منهم بعد ذلك إلا الإسلام أو القتل، فنسخت هذه الآية العفو " قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: خذ العفو من أخلاق الناس، واترك الغلظة عليهم، وقال: أمر بذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم في المشركين. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك تعليمه نبيه صلى الله عليه وسلم محاجته المشركين في الكلام، وذلك قوله: {قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون} [الأعراف: 195] ، وعقبه بقوله: {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها} [الأعراف: 203] فما بين ذلك بأن يكون من تأديبه نبيه صلى الله عليه وسلم في عشرتهم به أشبه وأولى من الاعتراض 10P643 بأمره بأخذ الصدقة من المسلمين. فإن قال قائل: أفمنسوخ ذلك ؟ قيل: لا دلالة عندنا على أنه منسوخ؛ إذ كان جائزا أن يكون، وإن كان الله أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم في تعريفه عشرة من لم يؤمر بقتاله من المشركين، مرادا به تأديب نبي الله والمسلمين جميعا في عشرة الناس وأمرهم بأخذ عفو أخلاقهم، فيكون وإن كان من أجلهم نزل تعليما من الله خلقه صفة عشرة بعضهم بعضا، لم يجب استعمال الغلظة والشدة في بعضهم، فإذا وجب استعمال ذلك فيهم استعمل الواجب، فيكون قوله: {خذ العفو} [الأعراف: 199] أمرا بأخذه ما لم يجب غير العفو، فإذا وجب غيره أخذ الواجب وغير الواجب إذا أمكن ذلك، فلا يحكم على الآية بأنها منسوخة لما قد بينا ذلك في نظائره في غير موضع من كتبنا وأما قوله: {وأمر بالعرف} [الأعراف: 199] فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم بما: حدثني الحسن بن الزبرقان النخعي، قال: ثني حسين الجعفي، عن سفيان بن عيينة، عن رجل، قد سماه، قال: " لما نزلت هذه الآية: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا جبريل ما هذا» ؟ قال: ما أدري حتى أسأل العالم. قال: ثم قال جبريل: يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك " حدثني يونس، قال: أخبرنا سفيان، عن أبي، قال: " لما أنزل الله على نبيه 10P644 صلى الله عليه وسلم: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هذا يا جبريل» ؟ قال: إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك " وقال آخرون بما حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه: {وأمر بالعرف} [الأعراف: 199] يقول: بالمعروف " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وأمر بالعرف} [الأعراف: 199] قال: أما العرف: فالمعروف " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وأمر بالعرف} [الأعراف: 199] أي: بالمعروف " قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس بالعرف، وهو المعروف في كلام العرب، مصدر في معنى المعروف، يقال أوليته عرفا وعارفا وعارفة كل ذلك بمعنى المعروف. فإذا كان معنى العرف ذلك، فمن المعروف صلة رحم من قطع، وإعطاء من حرم، والعفو عمن ظلم. وكل ما أمر الله به من الأعمال أو ندب إليه فهو من العرف.

قسم V10/P644–V10/P645

ولم يخصص الله من 10P645 ذلك معنى دون معنى، فالحق فيه أن يقال: قد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباده بالمعروف كله لا ببعض معانيه دون بعض وأما قوله: {وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] فإنه أمر من الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعرض عمن جهل. وذلك وإن كان أمرا من الله لنبيه، فإنه تأديب منه عز ذكره لخلقه باحتمال من ظلمهم أو اعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جهل الواجب عليه من حق الله ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته، وهو للمسلمين حرب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] قال: أخلاق أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، ودله عليها " 10P645

قسم V10/P645

[الأعراف: 200] القول في تأويل قوله تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} [الأعراف: 200] يعني جل ثناؤه بقوله: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} [الأعراف: 200] وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهلين ويحملك على مجازاتهم. {فاستعذ بالله} [الأعراف: 200] يقول: فاستجر بالله من نزغه. {إنه سميع عليم} [الأعراف: 200] يقول: إن الله الذي تستعيذ به من نزع الشيطان سميع لجهل الجاهل عليك ولاستعاذتك به من نزغه ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيء، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور خلقه كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فكيف بالغضب يا رب» ؟ قال: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} [الأعراف: 200] " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} [الأعراف: 200] قال: علم الله أن هذا العدو منيع ومريد " وأصل النزغ: الفساد، يقول: نزغ الشيطان بين القوم إذا أفسد بينهم وحمل بعضهم على بعض، ويقال منه: نزغ ينزغ، ونغز ينغز 10P646

قسم V10/P645–V10/P649

[الأعراف: 201] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201] يقول تعالى ذكره: {إن الذين اتقوا} [الأعراف: 201] الله من خلقه، فخافوا عقابه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه {إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} [الأعراف: 201] يقول: إذا ألم بهم طيف من الشيطان من غضب أو غيره مما يصد عن واجب حق الله عليهم، تذكروا عقاب الله وثوابه ووعده ووعيده، وأبصروا الحق فعملوا به، وانتهوا إلى طاعة الله فيما فرض عليهم وتركوا فيه طاعة الشيطان. واختلفت القراء في قراءة قوله: (طيف) فقرأته عامة قراء أهل المدينة والكوفة: {طائف} [الأعراف: 201] على مثال فاعل، وقرأه بعض المكيين والبصريين والكوفيين: (طيف من الشيطان) واختلف أهل العلم بكلام العرب في فرق ما بين الطائف والطيف. قال بعض البصريين: الطائف والطيف سواء، وهو ما كان كالخيال والشيء يلم بك. قال: ويجوز أن يكون الطيف مخففا عن طيف مثل ميت وميت. وقال بعض الكوفيين: الطائف: ما طاف بك من وسوسة الشيطان، وأما الطيف: فإنما هو من اللمم والمس. وقال آخر منهم: الطيف: اللمم، والطائف: كل شيء طاف بالإنسان. وذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: الطيف: الوسوسة. قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ: {طائف من الشيطان} [الأعراف: 201] لأن أهل التأويل تأولوا ذلك بمعنى الغضب والزلة تكون من المطيف به. وإذا كان ذلك معناه كان معلوما إذ كان الطيف إنما هو مصدر من قول القائل: طاف يطيف، أن ذلك خبر من الله عما يمس الذين اتقوا من الشيطان، وإنما يمسهم ما طاف بهم من أسبابه، وذلك كالغضب والوسوسة. وإنما يطوف الشيطان بابن آدم ليستزله عن طاعة ربه أو ليوسوس له، والوسوسة والاستزلال هو الطائف من الشيطان، وأما الطيف فإنما هو الخيال، وهو مصدر من طاف يطيف، ويقول: لم أسمع في ذلك طاف يطيف، ويتأوله بأنه بمعنى الميت وهو من الواو. وحكى البصريون وبعض الكوفيين سماعا من العرب: طاف يطيف، وطفت أطيف، وأنشدوا في ذلك: [+البحر الكامل] أنى ألم بك الخيال يطيف ومطافه لك ذكرة وشعوف وأما أهل التأويل، فإنهم اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: ذلك الطائف هو الغضب ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، وابن وكيع، قالا: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد: " {إذا مسهم طائف} [الأعراف: 201] قال: الطيف: الغضب " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: (إذا مسهم طيف من الشيطان) قال: هو الغضب " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن 10P649 كثير، عن مجاهد، قال: «الغضب» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " (إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا) قال: هو الغضب " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {طائف من الشيطان} [الأعراف: 201] قال: الغضب " وقال آخرون: هو اللمة والزلة من الشيطان ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: " {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} [الأعراف: 201] الطائف: اللمة من الشيطان. {فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201] " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان} [الأعراف: 201] يقول: نزغ من الشيطان.

قسم V10/P649–V10/P650

{تذكروا} [الأعراف: 201] " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} [الأعراف: 201] يقول: إذا زلوا تابوا " قال أبو جعفر: وهذان التأويلان متقاربا المعنى؛ لأن الغضب من استزلال الشيطان، واللمة من الخطيئة أيضا منه، وكان ذلك من طائف الشيطان. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لخصوص معنى منه دون معنى، بل الصواب أن يعم كما عمه جل ثناؤه، فيقال: إن الذين اتقوا إذا عرض لهم عارض من أسباب الشيطان ما كان ذلك العارض، تذكروا أمر الله وانتهوا إلى أمره وأما قوله: {فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201] فإنه يعني: فإذا هم مبصرون هدى الله وبيانه وطاعته فيه، فمنتهون عما دعاهم إليه طائف الشيطان كما حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201] يقول: إذا هم منتهون عن المعصية، آخذون بأمر الله، عاصون للشيطان " 10P650

قسم V10/P650–V10/P653

[الأعراف: 202] القول في تأويل قوله تعالى: {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} [الأعراف: 202] يقول تعالى ذكره: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي. يعني بقوله: {يمدونهم} [الأعراف: 202] يزيدونهم. {ثم لا يقصرون} [الأعراف: 202] عما قصر عنه الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان. وإنما هذا خبر من الله عن فريقي الإيمان والكفر، بأن فريق الإيمان وأهل تقوى الله إذا استزلهم الشيطان تذكروا عظمة الله وعقابه، فكفتهم رهبته عن معاصيه وردتهم إلى التوبة والإنابة إلى الله مما كان منهم من زلة، وأن فريق الكافرين يزيدهم الشيطان غيا إلى غيهم إذا ركبوا معصية من معاصي الله، ولا يحجزهم تقوى الله ولا خوف المعاد إليه عن التمادي فيها والزيادة منها، فهو أبدا في زيادة من ركوب الإثم، والشيطان يزيده أبدا، لا يقصر الإنسي عن شيء من ركوب الفواحش ولا الشيطان من مده منه كما حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} [الأعراف: 202] قال: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} [الأعراف: 202] يقول: هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإنس، ثم لا يقصرون، يقول: لا يسأمون " حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وإخوانهم يمدونهم في الغي} [الأعراف: 202] إخوان الشياطين من المشركين، يمدهم الشيطان في الغي. {ثم لا يقصرون} [الأعراف: 202] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال عبد الله بن كثير: " وإخوانهم من الجن، يمدون إخوانهم من الإنس، ثم لا يقصرون، ثم يقول لا يقصر الإنسان. قال: والمد الزيادة، يعني أهل الشرك، يقول: لا يقصر أهل الشرك، كما يقصر الذين اتقوا لأنهم لا يحجزهم الإيمان " قال ابن جريج، قال مجاهد: {وإخوانهم} [الأنعام: 87] من الشياطين {يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} [الأعراف: 202] استجهالا يمدون أهل الشرك. قال ابن جريج: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} [الأعراف: 179] قال: فهؤلاء الإنس. يقول الله: {وإخوانهم يمدونهم في الغي} [الأعراف: 202] " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثني محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {وإخوانهم يمدونهم في الغي} [الأعراف: 202] ثم لا يقصرون قال: إخوان الشياطين: يمدهم الشياطين في الغي ثم لا يقصرون " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 10P653 نجيح، عن مجاهد: " {وإخوانهم} [الأنعام: 87] من الشياطين. {يمدونهم في الغي} [الأعراف: 202] استجهالا " وكان بعضهم يتأول قوله: {ثم لا يقصرون} [الأعراف: 202] بمعنى: ولا الشياطين يقصرون في مدهم إخوانهم من الغي ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وإخوانهم يمدونهم في الغي} [الأعراف: 202] ثم لا يقصرون عنهم، ولا يرحمونهم " قال أبو جعفر: وقد بينا أولى التأويلين عندنا بالصواب، وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك على ما بيناه لأن الله وصف في الآية قبلها أهل الإيمان به وارتداعهم عن معصيته وما يكرهه إلى محبته عند تذكرهم عظمته، ثم أتبع ذلك الخبر عن إخوان الشياطين وركوبهم معاصيه، وكان الأولى وصفهم بتماديهم فيها؛ إذ كان عقيب الخبر عن تقصير المؤمنين عنها وأما قوله: {يمدونهم} [الأعراف: 202] فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأه بعض المدنيين: (يمدونهم) بضم الياء من أمددت. وقرأته عامة قراء الكوفيين والبصريين: {يمدونهم} [الأعراف: 202] بفتح الياء من مددت.

قسم V10/P653

10P654 قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: {يمدونهم} [الأعراف: 202] بفتح الياء لأن الذي يمد الشياطين إخوانهم من المشركين إنما هو زيادة من جنس الممدود، وإذا كان الذي مد من جنس الممدود كان كلام العرب مددت لا أمددت وأما قوله: {يقصرون} [الأعراف: 202] فإن القراء على لغة من قال: أقصرت أقصر، وللعرب فيه لغتان: قصرت عن الشيء، وأقصرت عنه 10P654

قسم V10/P653–V10/P656

[الأعراف: 203] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [الأعراف: 203] يقول تعالى ذكره: وإذا لم تأت يا محمد هؤلاء المشركين بآية من الله {قالوا لولا اجتبيتها} [الأعراف: 203] يقول: قالوا: هلا اخترتها واصطفيتها، من قول الله تعالى: {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} [آل عمران: 179] يعني: يختار ويصطفي. وقد بينا ذلك في مواضعه بشواهده. ثم اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: هلا افتعلتها من قبل نفسك واختلقتها، بمعنى: هلا اجتبيتها اختلافا كما تقول العرب: لقد اختار فلان هذا الأمر وتخيره اختلافا ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها} [الأعراف: 203] أي: لولا أتيتنا بها من قبل نفسك، هذا قول كفار 10P655 قريش " حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قوله: " {وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها} [الأعراف: 203] قالوا: لولا اقتضبتها قالوا: تخرجها من نفسك " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها} [الأعراف: 203] قالوا: لولا تقولتها، جئت بها من عندك " حدثني المثنى، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {لولا اجتبيتها} [الأعراف: 203] يقول: لولا تلقيتها. وقال مرة أخرى: لولا أحدثتها فأنشأتها " حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {قالوا لولا اجتبيتها} [الأعراف: 203] يقول: لولا أحدثتها " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: " {لولا اجتبيتها} [الأعراف: 203] قال: لولا جئت بها من نفسك " 10P656 وقال آخرون: معنى ذلك: هلا أخذتها من ربك وتقبلتها منه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {لولا اجتبيتها} [الأعراف: 203] يقول: لولا تقبلتها من الله " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {لولا اجتبيتها} [الأعراف: 203] يقول: لولا تلقيتها من ربك " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {لولا اجتبيتها} [الأعراف: 203] يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء " قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، تأويل من قال تأويله: هلا أحدثتها من نفسك، لدلالة قول الله: {قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم} [الأعراف: 203] يبين ذلك أن الله إنما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم بالخبر عن نفسه أنه إنما يتبع ما ينزل عليه ربه ويوحيه إليه، لا أنه يحدث من قبل نفسه قولا وينشئه فيدعو الناس إليه وحكي عن الفراء أنه كان يقول: " اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته: إذا افتعلته من قبل نفسك " حدثني بذلك الحارث، قال: ثنا القاسم، عنه. 10P657 قال أبو عبيد: وكان أبو زيد يقول: إنما تقول العرب ذلك للكلام يبديه الرجل لم يكن أعده قبل ذلك في نفسه. قال أبو عبيد: واخترعه مثل ذلك 10P656

قسم V10/P656

[الأعراف: 203] القول في تأويل قوله تعالى: {قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [الأعراف: 203] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للقائلين لك إذا لم تأتهم بآية هلا أحدثتها من قبل نفسك: إن ذلك ليس لي ولا يجوز لي فعله لأن الله إنما أمرني باتباع ما يوحى إلي من عنده، فإنما أتبع ما يوحى إلي من ربي لأني عبده وإلى أمره أنتهي وإياه أطيع. {هذا بصائر من ربكم} [الأعراف: 203] يقول: هذا القرآن والوحي الذي أتلوه عليكم بصائر من ربكم، يقول: حجج عليكم، وبيان لكم من ربكم، واحدتها: بصيرة، كما قال جل ثناؤه: {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} وإنما ذكر هذا ووحد في قوله: {هذا بصائر من ربكم} [الأعراف: 203] لما وصفت من أنه مراد به القرآن والوحي. وقوله: {وهدى} [البقرة: 97] يقول: وبيان يهدي المؤمنين إلى الطريق المستقيم، ورحمة رحم الله به عباده المؤمنين، فأنقذهم به من الضلالة والهلكة. {لقوم يؤمنون} [الأنعام: 99] يقول: هو بصائر من الله وهدى ورحمة لمن آمن، يقول: لمن صدق بالقرآن أنه تنزيل الله ووحيه، وعمل بما فيه دون من كذب به وجحده وكفر به، بل هو على الذين لا يؤمنون به غم وخزي 10P657

قسم V10/P656–V10/P658

[الأعراف: 204] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا قرئ القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} يقول تعالى ذكره للمؤمنين به المصدقين بكتابه الذين القرآن لهم هدى ورحمة: {إذا قرئ} [الأعراف: 204] عليكم أيها المؤمنون، {القرآن فاستمعوا له} [الأعراف: 204] يقول: أصغوا له سمعكم لتتفهموا آياته وتعتبروا بمواعظه وأنصتوا إليه لتعقلوه وتتدبروه، ولا تلغوا فيه فلا تعقلوه. {لعلكم ترحمون} [آل عمران: 132] يقول: ليرحمكم ربكم باتعاظكم بمواعظه، واعتباركم بعبره، واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه في آيه. ثم اختلف أهل التأويل في الحال التي أمر الله بالاستماع لقارئ القرآن إذا قرأ والإنصات له، فقال بعضهم: ذلك حال كون المصلي في الصلاة خلف إمام يأتم به، وهو يسمع قراءة الإمام عليه أن يسمع لقراءته. وقالوا: في ذلك أنزلت هذه الآية ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، قال: كان عبد الله يقول: " كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، سلام على فلان، وسلام على فلان، قال: فجاء القرآن: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] " قال: ثنا حفص بن غياث، عن إبراهيم الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة، قال: " كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: {وإذا قرئ القرآن} [الأعراف: 204] والآية الأخرى، أمروا بالإنصات " حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن أشعث، عن الزهري، قال: " نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما قرأ شيئا قرأه، فنزلت: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن بشير بن جابر، قال: صلى ابن مسعود، فسمع ناسا، يقرءون مع الإمام، فلما انصرف، قال: " أما آن لكم أن تفقهوا؟ أما آن لكم أن تعقلوا؟ {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] كما أمركم الله " حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا الجريري، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، قال: رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاص يقص، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إلي ثم أقبلا على حديثهما. قال: فأعدت فنظرا إلي، ثم أقبلا على 10P660 حديثهما، قال: فأعدت الثالثة، قال: فنظرا إلي فقالا: " إنما ذلك في الصلاة: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] " حدثني العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال، سمعت الأوزاعي، قال: ثنا عبد الله بن عامر، قال: ثني زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن هذه الآية: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] قال: نزلت في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير، عن مجاهد، في قوله: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] قال: في الصلاة " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن رجل، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] قال: في الصلاة " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا ليث، عن مجاهد: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] قال: في الصلاة " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت 10P661 حميدا الأعرج، قال: سمعت مجاهدا يقول في هذه الآية: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] قال: في الصلاة ".

قسم V10/P658–V10/P663

قال: ثني عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا حميد، عن مجاهد بمثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير وابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] قال: في الصلاة المكتوبة " قال: ثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد، وعن حجاج، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، وعن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] قال: في الصلاة المكتوبة " قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد: «في الصلاة المكتوبة» قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، مثله قال: ثنا المحاربي، وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك، قال: «في الصلاة المكتوبة» قال: ثنا جرير، وابن فضيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: «في الصلاة المكتوبة» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] قال: كانوا يتكلمون في صلاتهم 10P662 بحوائجهم أول ما فرضت عليهم، فأنزل الله ما تسمعون: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] قال: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم: كم صليتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] وقال غيره: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار، فأنزل الله: {وإذا قرئ القرآن} [الأعراف: 204] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد، والمحاربي، عن أشعث، عن الزهري، قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ورجل يقرأ، فنزلت: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] " قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة، قال: " كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] قال: هذا في الصلاة " قال: ثنا أبي، عن حريث، عن عامر، قال: «في الصلاة المكتوبة» حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] قال: إذا قرئ في الصلاة " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له} [الأعراف: 204] يعني: في الصلاة المفروضة " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي هاشم، عن مجاهد قال: " هذا في الصلاة في قوله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له} [الأعراف: 204] " قال: أخبرنا الثوري، عن ليث، عن مجاهد: " أنه كره إذا مر الإمام بآية خوف أو بآية رحمة أن يقول أحد ممن خلفه شيئا، قال: السكوت " قال: أخبرنا الثوري، عن ليث، عن مجاهد، قال: «لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204] قال: هذا إذا قام الإمام للصلاة فاستمعوا له وأنصتوا " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، قال: " لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به من القراءة، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يسمعهم صوته، ولكنهم يقرءون فيما لم يجهر به سرا في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرا ولا علانية، قال الله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204] " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن ابن عباس، أنه كان يقول في هذه: " {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة} [الأعراف: 205] هذا في المكتوبة. وأما ما كان من قصص أو قراءة بعد ذلك، فإنما هي نافلة.

قسم V10/P663–V10/P665

إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة مكتوبة، وقرأ وراءه أصحابه، فخلطوا عليه، قال: فنزل القرآن: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204] فهذا في المكتوبة " وقال آخرون: بل عني بهذه الآية الأمر بالإنصات للإمام في الخطبة إذا قرئ القرآن في خطبة ذكر من قال ذلك: حدثنا تميم بن المنتصر، قال: ثنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن سعيد بن مسروق، عن مجاهد، في قوله: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] قال: الإنصات للإمام يوم الجمعة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد وابن أبي عتبة، عن العوام، عن مجاهد، قال: «في خطبة يوم الجمعة» وقال آخرون: عني بذلك الإنصات في الصلاة وفي الخطبة ذكر من قال ذلك: حدثني ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت إبراهيم بن أبي حمزة، يحدث أنه سمع مجاهدا، يقول في هذه الآية: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] قال: في الصلاة، والخطبة يوم الجمعة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عنبسة، عن جابر، عن عطاء، قال: " وجب الصموت في اثنتين: عند الرجل يقرأ القرآن وهو يصلي، وعند الإمام وهو يخطب " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد: " {وإذا قرئ القرآن} [الأعراف: 204] وجب الإنصات، قال : وجب في اثنتين: في الصلاة والإمام يقرأ، والجمعة والإمام يخطب " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال هشيم، أخبرنا من، سمع الحسن، يقول: «في الصلاة المكتوبة، وعند الذكر» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن جابر، عن مجاهد، قال: " وجب الإنصات في اثنتين: في الصلاة، ويوم الجمعة " حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن بقية بن الوليد، قال: سمعت ثابت بن عجلان، يقول: سمعت سعيد بن جبير، يقول في قوله: " {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] قال: الإنصات: يوم الأضحى، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: أخبرنا هشيم، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، قال: «في الصلاة، وعند الذكر» حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا يحيى بن أيوب، قال: ثني ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، قال: " أوجب الإنصات يوم الجمعة قول الله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204] وفي 10P667 الصلاة مثل ذلك " قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: أمروا باستماع القرآن في الصلاة إذا قرأ الإمام وكان من خلفه ممن يأتم به يسمعه، وفي الخطبة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا» وإجماع الجميع على أن من سمع خطبة الإمام ممن عليه الجمعة، الاستماع والإنصات لها، مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والإنصات لسامعه من قارئه إلا في هاتين الحالتين على اختلاف في إحداهما، وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به. وقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا من قوله: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا» فالإنصات خلفه لقراءته واجب على من كان به مؤتما سامعا قراءته بعموم ظاهر القرآن والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 10P666

قسم V10/P665–V10/P669

[الأعراف: 205] القول في تأويل قوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين} [الأعراف: 205] يقول تعالى ذكره: واذكر أيها المستمع المنصت للقرآن إذا قرئ في صلاة أو خطبة، {ربك في نفسك} [الأعراف: 205] يقول: اتعظ بما في آي القرآن، واعتبر به، 10P668 وتذكر معادك إليه عند سماعكه. {تضرعا} [الأنعام: 63] يقول: افعل ذلك تخشعا لله وتواضعا له. {وخيفة} [الأعراف: 205] يقول: وخوفا من الله أن يعاقبك على تقصير يكون منك في الاتعاظ به والاعتبار، وغفلة عما بين الله فيه من حدوده. {ودون الجهر من القول} [الأعراف: 205] يقول: ودعاء باللسان لله في خفاء لا جهار، يقول: ليكن ذكر الله عند استماعك القرآن في دعاء إن دعوت غير جهار، ولكن في خفاء من القول كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول} [الأعراف: 205] لا يجهر بذلك " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مجاهدا، يقول في قوله: " {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول} [الأعراف: 205] الآية، قال: أمروا أن يذكروه في الصدور تضرعا وخيفة " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن التيمي، عن أبيه، عن حيان بن عمير، عن عبيد بن عمير، في قوله: " {واذكر ربك في نفسك} [الأعراف: 205] قال: «يقول الله إذا ذكرني عبدي في نفسه، ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني عبدي وحده ذكرته وحدي، وإذا ذكرني في ملإ ذكرته في أحسن منهم وأكرم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة} [الأعراف: 205] قال: يؤمر بالتضرع في الدعاء والاستكانة، ويكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء " وأما قوله: {بالغدو والآصال} [الأعراف: 205] فإنه يعني بالبكر والعشيات. وأما الآصال فجمع. واختلف أهل العربية فيها فقال بعضهم: هي جمع أصيل، كما الأيمان جمع يمين، والأسرار جمع سرير. وقال آخرون منهم: هي جمع أصل، والأصل جمع أصيل. وقال آخرون منهم: هي جمع أصل وأصيل. قال: وإن شئت جعلت الأصل جمعا للأصيل، وإن شئت جعلته واحدا. قال: والعرب تقول: قد دنا الأصل فيجعلونه واحدا. وهذا القول أولى بالصواب في ذلك، وهو أنه جائز أن يكون جمع أصيل وأصل لأنهما قد يجمعان على أفعال. وأما الآصال فهي فيما يقال في كلام العرب ما بين العصر إلى المغرب وأما قوله: {ولا تكن من الغافلين} [الأعراف: 205] فإنه يقول: ولا تكن من اللاهين إذا قرئ القرآن عن عظاته وعبره، وما فيه من عجائبه، ولكن تدبر ذلك وتفهمه، وأشعره قلبك بذكر الله وخضوع له وخوف من قدرة الله 10P670 عليك، إن أنت غفلت عن ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {بالغدو والآصال} [الأعراف: 205] قال: بالبكر والعشي. {ولا تكن من الغافلين} [الأعراف: 205] " حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا معرف بن واصل السعدي، قال: سمعت أبا وائل، يقول لغلامه عند مغيب الشمس: «آصلنا بعد؟ » حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد، قوله: " {بالغدو والآصال} [الأعراف: 205] قال: الغدو: آخر الفجر صلاة الصبح، والآصال: آخر العشي صلاة العصر.

قسم V10/P669

قال: وكل ذلك لها وقت أول الفجر وآخره، وذلك مثل قوله في سورة آل عمران: {واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار} [آل عمران: 41] وقيل: العشي: ميل الشمس إلى أن تغيب، والإبكار: أول الفجر " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن محمد بن شريك، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، سئل عن صلاة الفجر، فقال: " إنها لفي كتاب الله، ولا يقوم عليها، ثم قرأ: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] الآية " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سويد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة} [الأعراف: 205] إلى قوله: {بالغدو والآصال} [الأعراف: 205] أمر الله بذكره، 10P671 ونهى عن الغفلة. أما بالغدو: فصلاة الصبح، والآصال: بالعشي " 10P670

قسم V10/P669–V10/P671

[الأعراف: 206] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} [الأعراف: 206] يقول تعالى ذكره: لا تستكبر أيها المستمع المنصت للقرآن عن عبادة ربك، واذكره إذا قرئ القرآن تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول، فإن الذين عند ربك من ملائكته لا يستكبرون عن التواضع له والتخشع، وذلك هو العبادة

الأسئلة