Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V12/P022

قال: وذكر لنا أن نبي الله قال: «أوحي إلي كلمات، فدخلن في أذني ووقرن في قلبي، أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركا، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على كفاف» واختلف أهل العربية في معنى قوله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} [التوبة: 113] 12P025 فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ما كان لهم الاستغفار، وكذلك معنى قوله: {وما كان لنفس أن تؤمن} [يونس: 100] وما كان لنفس الإيمان {إلا بإذن الله} [يونس: 100] وقال بعض نحويي الكوفة: معناه: ما كان ينبغي لهم أن يستغفروا لهم. قال: وكذلك إذا جاءت «أن» مع «كان» ، فكلها بتأويل «ينبغي» {ما كان لنبي أن يغل} [آل عمران: 161] ما كان ينبغي له ليس هذا من أخلاقه، قال: فلذلك إذا دخلت «أن» تدل على الاستقبال، لأن «ينبغي» تطلب الاستقبال وأما قوله: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} [التوبة: 114] فإن أهل العلم اختلفوا في السبب الذي أنزل فيه، فقال بعضهم: أنزل من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يستغفرون لموتاهم المشركين ظنا منهم أن إبراهيم خليل الرحمن قد فعل ذلك حين أنزل الله قوله خبرا عن إبراهيم، قال: {سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا} [مريم: 47] وقد ذكرنا الرواية عن بعض من حضرنا ذكره، وسنذكره عمن لم نذكره حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي، قال: " سمعت رجلا، يستغفر لوالديه وهما مشركان، فقلت: أيستغفر الرجل لوالديه وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم 12P026 لأبيه؟ قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فأنزل الله: {وما كان استغفار إبراهيم} [التوبة: 114] . . إلى {تبرأ منه} [التوبة: 114] " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر لأبويه وهما مشركان، حتى نزلت: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه} [التوبة: 114] إلى قوله: {تبرأ منه} [التوبة: 114] " وقيل: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة} [التوبة: 114] ، ومعناه: إلا من بعد موعدة، كما يقال: ما كان هذا الأمر إلا عن سبب كذا، بمعنى: من بعد ذلك السبب أو من أجله، فكذلك قوله: {إلا عن موعدة} [التوبة: 114] من أجل موعدة وبعدها وقد تأول قوم قول الله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} [التوبة: 113] . . الآية، أن النهي من الله عن الاستغفار للمشركين بعد مماتهم، لقوله: {من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة: 113] وقالوا: ذلك لا يتبينه أحد إلا بأن يموت على كفره، وأما هو حي فلا سبيل إلى علم ذلك، فللمؤمنين أن يستغفروا لهم 12P027 ذكر من قال ذلك حدثنا سليمان بن عمر الرقي، ثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن الشيباني، عن سعيد بن جبير، قال: مات رجل يهودي وله ابن مسلم، فلم يخرج معه، فذكر ذلك لابن عباس، فقال: " كان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاح ما دام حيا، فإذا مات وكله إلى شأنه ثم قال: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] لم يدع " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا فضيل، عن ضرار بن مرة، عن سعيد بن جبير، قال: مات رجل نصراني، فوكله ابنه إلى أهل دينه، فأتيت ابن عباس، فذكرت ذلك له فقال: " ما كان عليه لو مشى معه وأجنه واستغفر له ثم تلا {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} [التوبة: 114] . .

قسم V12/P022

الآية " وتأول آخرون الاستغفار في هذا الموضع بمعنى الصلاة ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنى إسحاق، قال: ثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، قال: ثنا حبيب بن أبي مرزوق، عن عطاء بن أبي رباح، قال: " ما كنت أدع الصلاة على أحد من أهل هذه القبلة ولو كانت حبشية حبلى من الزنا، لأني لم أسمع أن الله يحجب الصلاة إلا عن المشركين، يقول الله: {ما كان للنبي والذين 12P028 آمنوا أن يستغفروا للمشركين} [التوبة: 113] " وتأوله آخرون بمعنى الاستغفار الذي هو دعاء ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن عصمة بن راشد، عن أبيه، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: " رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمه قلت: ولأبيه؟ قال: لا إن أبي مات وهو مشرك " قال أبو جعفر: وقد دللنا على أن معنى الاستغفار: مسألة العبد ربه غفر الذنوب؛ وإذ كان ذلك كذلك، وكانت مسألة العبد ربه ذلك قد تكون في الصلاة وفي غير الصلاة، لم يكن أحد القولين اللذين ذكرنا فاسدا، لأن الله عم بالنهي عن الاستغفار للمشرك بعدما تبين له أنه من أصحاب الجحيم، ولم يخصص من ذلك حالا أباح فيها الاستغفار له وأما قوله: {من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة: 113] فإن معناه: ما قد بينت من أنه من بعد ما يعلمون بموته كافرا أنه من أهل النار. وقيل: {أصحاب الجحيم} [التوبة: 113] لأنهم سكانها وأهلها الكائنون فيها، كما يقال لسكان الدار: هؤلاء أصحاب هذه الدار، بمعنى سكانها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. 12P029 ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة: 113] قال: تبين للنبي صلى الله عليه وسلم أن أبا طالب حين مات أن التوبة قد انقطعت عنه " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: " تبين له حين مات، وعلم أن التوبة قد انقطعت عنه، يعني في قوله: {من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة: 113] " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، في قوله: " {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} [التوبة: 113] . .

قسم V12/P022–V12/P032

الآية، يقول: إذا ماتوا مشركين، يقول الله: {من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة} [المائدة: 72] " الآية واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] قال بعضهم: معناه: فلما تبين له بموته مشركا بالله تبرأ منه وترك الاستغفار له ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حبيب، 12P030 عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «مازال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «مازال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدو لله» حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات لم يستغفر له» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] يعني استغفر له ما كان حيا، فلما مات أمسك عن الاستغفار له " حدثني مطر بن محمد الضبي، قال: ثنا أبو عاصم، وأبو قتيبة مسلم بن قتيبة، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، في قوله: " {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] قال: لما مات " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {فلما تبين له أنه عدو لله} [التوبة: 114] قال: موته وهو كافر " حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله قال: ثنا البراء بن عتبة، عن أبيه، عن الحكم، " {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] قال: حين مات ولم يؤمن " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن عمرو بن دينار، " {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] موته وهو كافر " قال ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: " {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] قال: لما مات " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] لما مات على شركه تبرأ منه " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه} [التوبة: 114] كان إبراهيم صلوات الله عليه يرجو أن يؤمن أبوه ما دام حيا؛ فلما مات على شركه تبرأ منه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن 12P032 مجاهد، " {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] قال: موته وهو كافر " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدو له فلم يستغفر له» قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا أبو إسرائيل، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، " {فلما تبين له أنه عدو لله} [التوبة: 114] قال: فلما مات " وقال آخرون: معناه تبين له في الآخرة؛ وذلك أن أباه يتعلق به إذا أراد أن يجوز الصراط فيمر به عليه، حتى إذا كاد أن يجاوزه حانت من إبراهيم التفاتة فإذا هو بأبيه في صورة قرد أو ضبع، فخلى عنه وتبرأ منه حينئذ ذكر من قال ذلك حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا حفص بن غياث، قال: ثنا عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سمعت سعيد بن جبير، يقول: " إن إبراهيم يقول يوم القيامة: رب والدي رب والدي فإذا كان الثالثة أخذ بيده، فيلتفت إليه وهو ضبعان فيتبرأ 12P033 منه " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن عبيد بن عمير، قال: " إنكم مجموعون يوم القيامة في صعيد واحد يسمعكم الداعي وينفذكم البصر، قال: فتزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا وقع لركبتيه ترعد فرائصه.

قسم V12/P032

قال: فحسبته يقول: نفسي نفسي قال: ويضرب الصراط على جسر جهنم كحد السيف، وحضر من له؛ وفي جانبيه ملائكة معهم خطاطيف كشوك السعدان. قال: فيمضون كالبرق وكالريح وكالطير، وكأجاويد الركاب، وكأجاويد الرجال، والملائكة يقولون: رب سلم سلم فناج سالم، ومخدوش ناج، ومكدوس في النار. يقول إبراهيم لأبيه: إني آمرك في الدنيا فتعصيني ولست تاركك اليوم، فخذ بحقوي فيأخذ بضبعيه، فيمسخ ضبعا، فإذا رآه قد مسخ تبرأ منه " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول الله، وهو خبره عن إبراهيم أنه لما تبين له أن أباه لله عدو تبرأ منه، وذلك حال علمه ويقينه أنه لله عدو وهو به مشرك، وهو حال موته على شركه 12P033

قسم V12/P032–V12/P036

[التوبة: 114] القول في تأويل قوله تعالى: {إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة: 114] 12P034 اختلف أهل التأويل في الأواه، فقال بعضهم: هو الدعاء. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: " الأواه: الدعاء " حدثنا أبو كريب، وابن وكيع، قالا: ثنا أبو بكر، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: " الأواه: الدعاء " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني جرير بن حازم، عن عاصم ابن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: سألت عبد الله عن الأواه، فقال: «هو الدعاء» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، عن ابن أبي عروبة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله قال: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: " الأواه: الدعاء " قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، وإسرائيل، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علية، قال: ثنا 12P035 داود بن أبي هند، قال: نبئت عن عبيد بن عمير، قال: " الأواه: الدعاء " حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا داود، عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن أبيه، قال: " الأواه: الدعاء " وقال آخرون: بل هو الرحيم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين، قال: " سئل عبد الله عن الأواه، فقال: الرحيم " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثني محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت يحيى بن الجزار، يحدث عن أبي العبيدين، رجل ضرير البصر، أنه: " سأل عبد الله عن الأواه فقال: الرحيم " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربي؛ وحدثنا خلاد بن أسلم قال: أخبرنا النضر بن شميل جميعا، عن المسعودي، عن سلمة بن كهيل، عن أبي العبيدين: أنه سأل ابن مسعود، فقال: ما الأواه؟ قال: «الرحيم» حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن 12P036 الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين: أنه جاء إلى عبد الله، وكان ضرير البصر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، من نسأل إذا لم نسألك؟ فكأن ابن مسعود رق له، قال: أخبرني عن الأواه، قال: «الرحيم» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين، قال: سألت عبد الله عن الأواه، فقال: «هو الرحيم» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، قال: جاء أبو العبيدين إلى عبد الله، فقال له: «ما حاجتك؟ » قال: ما الأواه؟ قال: «الرحيم» قال: ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين رجل من بني سوأة، قال: جاء رجل إلى عبد الله فسأله عن الأواه، فقال له عبد الله: «الرحيم» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي وهانئ بن سعيد، عن حجاج، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين، عن عبد الله، قال: " الأواه: الرحيم " حدثني يعقوب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علية، عن شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار أن أبا العبيدين رجلا من بني نمير قال يعقوب: كان ضرير البصر؛ وقال ابن وكيع: كان مكفوف البصر، سأل ابن مسعود فقال: ما الأواه؟

قسم V12/P036–V12/P039

قال: «الرحيم» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال: " الأواه: الرحيم " قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، مثله حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: «هو الرحيم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «كنا نحدث أن الأواه، الرحيم» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {إن إبراهيم لأواه} [التوبة: 114] قال: رحيم " قال عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود مثل ذلك حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عبد الكريم، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: " الأواه: الرحيم " حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان، عن سلمة، عن مسلم 12P038 البطين، عن أبي العبيدين: أنه سأل عبد الله عن الأواه، فقال: «الرحيم» قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن شرحبيل، قال: " الأواه: الرحيم " حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مبارك، عن الحسن، قال: " الأواه: الرحيم بعباد الله " قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو خيثمة زهير، قال: ثنا أبو إسحاق الهمداني، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: " الأواه: الرحيم بلحن الحبشة " وقال آخرون: بل هو الموقن ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: " الأواه: الموقن " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن ابن مبارك، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " الأواه: الموقن بلسان الحبشة " قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن، عن مسلم، عن مجاهد، عن 12P039 ابن عباس قال: " الأواه: الموقن بلسان الحبشة " حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: سمعت سفيان، يقول: " الأواه: الموقن " وقال بعضهم: الفقيه الموقن حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن جابر، عن عطاء، قال: " الأواه: الموقن بلسان الحبشة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن رجل، عن عكرمة، قال: «هو الموقن بلسان الحبشة» قال: ثنا ابن نمير، عن الثوري، عن مجالد، عن أبي هاشم، عن مجاهد، قال: " الأواه: الموقن " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن مسلم، عن مجاهد، قال: " الأواه: الموقن " قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قابوس، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: " الأواه: الموقن " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 12P040 مجاهد، «أواه» : موقن " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " أواه، قال: مؤتمن موقن " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة: 114] قال: الأواه: الموقن " وقال آخرون: هي كلمة بالحبشية معناها: المؤمن.

قسم V12/P039

ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، " {لأواه حليم} [التوبة: 114] قال: الأواه: هو المؤمن بالحبشية " حدثنا علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {إن إبراهيم لأواه} [التوبة: 114] يعني: المؤمن التواب " حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا حسن بن صالح، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: " الأواه: المؤمن " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، " الأواه: 12P041 المؤمن بالحبشية " وقال آخرون: هو المسبح الكثير الذكر لله. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، قال: " الأواه: المسبح " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن حجاج، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم بن يناق: أن رجلا، كان يكثر ذكر الله ويسبح، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنه أواه» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن حيان، عن ابن لهيعة، عن الحرث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر، قال: " الأواه: الكثير الذكر لله " وقال آخرون: هو الذي يكثر تلاوة القرآن. ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا المنهال بن خليفة، عن حجاج بن أرطأة، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن ميتا، فقال: «يرحمك الله إن 12P042 كنت لأواها» يعني: تلاء للقرآن وقال آخرون: هو من التأوه. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي يونس القشيري، عن قاص، كان بمكة: أن رجلا، كان في الطواف، فجعل يقول: أوه قال: فشكاه أبو ذر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «دعه إنه أواه» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن أبي يونس الباهلي، قال: سمعت رجلا، بمكة كان أصله روميا يحدث عن أبي ذر، قال: كان رجل يطوف بالبيت ويقول في دعائه: أوه أوه فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إنه أواه» زاد أبو كريب في حديثه، قال: فخرجت ذات ليلة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفن ذلك الرجل ليلا ومعه المصباح حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن الحباب، عن جعفر بن سليمان، قال: ثنا أبو عمران، عن عبد الله بن رباح، عن كعب، قال: " الأواه: إذا ذكر النار قال: أوه " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح، عن كعب، قال: كان " إذا ذكر النار قال: أوه " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، قال: أخبرنا أبو عمران، قال سمعت عبد الله بن رباح الأنصاري يقول: سمعت كعبا يقول: " {إن إبراهيم لأواه} [التوبة: 114] قال: إذا ذكر النار قال: أوه من النار " وقال آخرون: معناه أنه فقيه. ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، " {إن إبراهيم لأواه} [التوبة: 114] قال: فقيه " وقال آخرون: هو المتضرع الخاشع. ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا عبد الحميد بن بهرام، قال: ثنا شهر بن حوشب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، قال رجل: يا رسول الله ما الأواه؟ قال: «المتضرع» .

قسم V12/P039

قال: «إن إبراهيم لأواه حليم» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن 12P044 عبد الحميد ، عن شهر عن عبد الله بن شداد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الأواه: الخاشع المتضرع " وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه زر أنه الدعاء وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله ذكر ذلك ووصف به إبراهيم خليله صلوات الله عليه بعد وصفه إياه بالدعاء والاستغفار لأبيه، فقال: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] وترك الدعاء والاستغفار له، ثم قال: إبراهيم لدعاء ربه شاك له حليم عمن سبه وناله بالمكروه؛ وذلك أنه صلوات الله عليه وعد أباه بالاستغفار له، ودعاء الله له بالمغفرة عند وعيد أبيه إياه، وتهدده له بالشتم بعد ما رد عليه نصيحته في الله، وقوله: {أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا} [مريم: 46] فقال له صلوات الله عليه: {سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا} [مريم: 48] فوفى لأبيه بالاستغفار له حتى تبين له أنه عدو لله، فوصفه الله بأنه دعاء لربه حليم عمن سفه عليه. وأصله من التأوه وهو التضرع والمسألة بالحزن والإشفاق، كما روى عبد الله بن شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكما روى عقبة بن عامر الخبر الذي: حدثنيه يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: ثنا أبي قال، ثنا ابن لهيعة، قال: ثني الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له ذو البجادين: « 12P045 إنه أواه» وذلك أنه رجل كان يكثر ذكر الله بالقرآن والدعاء ويرفع صوته " ولذلك قيل للمتوجع من ألم أو مرض: لم تتأوه؟ كما قال المثقب العبدي: [+البحر الوافر] إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين، ومنه قول الجعدي: [+البحر الطويل] ضروح مروح تتبع الورق بعدما يعرسن تشكو آهة وتذمرا . ولا تكاد العرب تنطق منه بفعل يفعل، وإنما تقول فيه: تفعل يتفعل، مثل تأوه يتأوه، وأوه يؤوه، كما قال الراجز: [+البحر الرجز] فأوه الراعي وضوضى أكلبه وقالوا أيضا: أوه منك ذكر الفراء أن أبا الجراح أنشده: [+البحر الطويل] فأوه من الذكرى إذا ما ذكرتها ومن بعد أرض بيننا وسماء 12P046 قال: وربما أنشدنا «فأو من الذكرى» بغير هاء. ولو جاء فعل منه على الأصل لكان آه يئوه أوها. ولأن معنى ذلك: توجع وتحزن وتضرع، اختلف أهل التأويل فيه الاختلاف الذي ذكرت، فقال من قال معناه الرحمة: أن ذلك كان من إبراهيم على وجه الرقة على أبيه والرحمة له ولغيره من الناس. وقال آخرون: إنما كان ذلك منه لصحة يقينه وحسن معرفته بعظمة الله وتواضعه له. وقال آخرون: كان لصحة إيمانه بربه. وقال آخرون: كان ذلك منه عند تلاوته تنزيل الله الذي أنزل عليه. وقال آخرون: كان ذلك منه عند ذكر ربه. وكل ذلك عائد إلى ما قلت، وتقارب معنى بعض ذلك من بعض؛ لأن الحزين المتضرع إلى ربه الخاشع له بقلبه، ينوبه ذلك عند مسألته ربه ودعائه إياه في حاجاته، وتعتوره هذه الخلال التي وجه المفسرون إليها تأويل قول الله: {إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة: 114] 12P044

قسم V12/P039–V12/P048

[التوبة: 115] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115] يقول تعالى ذكره: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم 12P047 المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركون الانتهاء عنه؛ فأما قبل أن يبين لكم كراهية ذلك بالنهي عنه ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، لأن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، فأما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعا أو عاصيا فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115] قال: بيان الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعته ومعصيته، فافعلوا أو ذروا " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن 12P048 مجاهد: " {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115] قال: بيان الله للمؤمنين أن لا يستغفروا للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعته ومعصيته عامة، فافعلوا أو ذروا " قال ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} [التوبة: 115] قال: يبين الله للمؤمنين في أن لا يستغفروا للمشركين في بيانه في طاعته وفي معصيته، فافعلوا أو ذروا " 12P048 [التوبة: 116] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} [التوبة: 116] يقول تعالى ذكره: إن الله أيها الناس له سلطان السموات والأرض وملكهما، وكل من دونه من الملوك فعبيده ومماليكه، بيده حياتهم وموتهم، يحيي من يشاء منهم ويميت من يشاء منهم، فلا تجزعوا أيها المؤمنون من قتال من كفر بي من الملوك، ملوك الروم كانوا أو ملوك فارس والحبشة أو غيرهم، واغزوهم وجاهدوهم في طاعتي، فإني المعز من أشاء منهم ومنكم والمذل من أشاء. وهذا حض من الله جل ثناؤه المؤمنين على قتال كل من كفر به من المماليك، وإغراء منه لهم بحربهم وقوله: {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} [البقرة: 107] يقول: وما لكم من أحد هو لكم حليف من دون الله يظاهركم عليه إن أنتم خالفتم أمر الله فعاقبكم على خلافكم أمره يستنقذكم من عقابه، ولا نصير ينصركم منه إن أراد بكم سوءا. يقول: فبالله فثقوا، وإياه فارهبوا، وجاهدوا في سبيله من كفر به، فإنه قد اشترى منكم أنفسكم وأموالكم بأن لكم الجنة، تقاتلون في سبيله فتقتلون وتقتلون 12P049

قسم V12/P048–V12/P051

[التوبة: 117] القول في تأويل قوله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم} [التوبة: 117] يقول تعالى ذكره: لقد رزق الله الإنابة إلى أمره وطاعته نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين ديارهم وعشيرتهم إلى دار الإسلام، وأنصار رسوله في الله، الذين اتبعوا رسول الله في ساعة العسرة منهم من النفقة والظهر والزاد والماء {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} [التوبة: 117] يقول: من بعد ما كاد يميل قلوب بعضهم عن الحق ويشك في دينه ويرتاب بالذي ناله من المشقة والشدة في سفره وغزوه {ثم تاب عليهم} [التوبة: 117] يقول: ثم رزقهم جل ثناؤه الإنابة والرجوع إلى الثبات على دينه وإبصار الحق الذي كان قد كاد يلتبس عليهم {إنه بهم رءوف رحيم} يقول: إن ربكم بالذين خالط قلوبهم ذلك لما نالهم في سفرهم من الشدة والمشقة، {رءوف} بهم، {رحيم} [البقرة: 143] أن يهلكهم، فينزع منهم الإيمان بعد ما قد أبلوا في الله ما أبلوا مع رسوله وصبروا عليه من البأساء والضراء وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {في ساعة العسرة} [التوبة: 117] في غزوة تبوك " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل: " {في ساعة العسرة} [التوبة: 117] قال: خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير، وخرجوا في حر شديد، وأصابهم يومئذ عطش شديد، فجعلوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها ويشربون ماءها، كان ذلك عسرة من الماء وعسرة من الظهر وعسرة من النفقة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن 12P051 مجاهد، " {ساعة العسرة} [التوبة: 117] قال : غزوة تبوك، قال: «العسرة» : أصابهم جهد شديد حتى أن الرجلين ليشقان التمرة بينهما وأنهم ليمصون التمرة الواحدة ويشربون عليها الماء " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {الذين اتبعوه في ساعة العسرة} [التوبة: 117] قال: غزوة تبوك " قال: ثنا زكريا بن علي، عن ابن مبارك، عن معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، " {الذين اتبعوه في ساعة العسرة} [التوبة: 117] قال: عسرة الظهر، وعسرة الزاد، وعسرة الماء " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} [التوبة: 117] . . الآية، الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قبل الشأم في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتناولون التمرة بينهم؛ يمصها هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوهم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه في شأن العسرة، فقال عمر: " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى أن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده؛ فقال أبو بكر: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع لنا قال: «تحب ذلك؟ » قال: نعم.

قسم V12/P051

فرفع يديه فلم يرجعهما حتى مالت السماء، فأظلت ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم رجعنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر " 12P053 حدثني إسحاق بن زياد العطار ، قال: ثنا يعقوب بن محمد، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: ثنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قيل لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه: حدثنا عن شأن جيش العسرة، فقال عمر: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه 12P052

قسم V12/P051–V12/P054

[التوبة: 118] القول في تأويل قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} [التوبة: 118] يقول تعالى ذكره: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثة الذين خلفوا وهؤلاء الثلاثة الذين وصفهم الله في هذه الآية بما وصفهم به فيما قبل، هم الآخرون الذين قال جل ثناؤه: {وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم} [التوبة: 106] فتاب عليهم عز ذكره وتفضل عليهم. وقد مضى ذكر من قال ذلك من أهل التأويل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. فتأويل الكلام إذا: ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خلفهم الله عن التوبة، فأرجأهم عمن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عمن سمع عكرمة، في قوله: " {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] قال: خلفوا عن التوبة " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أما قوله: " {خلفوا} [التوبة: 118] فخلفوا عن التوبة " {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} [التوبة: 118] يقول: بسعتها غما وندما على تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {وضاقت عليهم أنفسهم} [التوبة: 118] بما نالهم من الوجد والكرب بذلك {وظنوا أن لا ملجأ} [التوبة: 118] يقول: وأيقنوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يلجئون إليه مما نزل بهم من أمر الله من البلاء بتخلفهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينجيهم من كربه، ولا مما يحذرون من عذاب الله إلا الله. ثم رزقهم الإنابة إلى طاعته، والرجوع إلى ما يرضيه عنهم، لينيبوا إليه ويرجعوا إلى طاعته والانتهاء إلى أمره ونهيه. {إن الله هو التواب الرحيم} [التوبة: 118] يقول: إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته الموفق من أحب توفيقه منهم لما يرضيه عنه، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوب عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، في قوله: " {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] . قال. كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكلهم من الأنصار " حدثني عبيد بن الوراق، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بنحوه، إلا أنه قال: ومرارة بن الربيع، أو ابن ربيعة، شك أبو أسامة حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، وعامر، " {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] قال: أرجئوا في أوسط براءة " حدثنا القاسم، قال.

قسم V12/P054–V12/P057

ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، " {الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] قال: الذين أرجئوا في أوسط براءة قوله: {وآخرون مرجون لأمر الله} [التوبة: 106] هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] الذين أرجئوا في وسط براءة " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد: " {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] قال: كلهم من الأنصار: هلال بن أمية، ومرارة بن 12P056 ربيعة، وكعب بن مالك " قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] قال: الذين أرجئوا " قال: ثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: " {الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] كعب بن مالك وكان شاعرا، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وكلهم أنصار " قال: ثنا أبو خالد الأحمر، والمحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: " كلهم من الأنصار: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هاشم، عن جويبر، عن الضحاك، قوله: " {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] قال: هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع؛ كلهم من الأنصار " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] . . إلى قوله: {ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} [التوبة: 118] كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة؛ تخلفوا في غزوة تبوك. ذكر لنا أن كعب بن مالك أوثق نفسه إلى سارية، فقال: لا أطلقها أو لا أطلق نفسي حتى يطلقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله: «والله لا أطلقه حتى يطلقه ربه إن شاء» . وأما الآخر فكان تخلف على حائط له كان أدرك، فجعله 12P057 صدقة في سبيل الله، وقال: والله لا أطعمه وأما الآخر فركب المفاوز يتبع رسول الله ترفعه أرض وتضعه أخرى، وقدماه تشلشلان دما " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك، قال: " {الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة " قال: ثنا أبو داود الحفري، عن سلام أبي الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة، " {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] قال: هلال بن أمية، ومرارة، وكعب بن مالك " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا ابن عون، عن عمر بن كثير بن أفلح، قال: قال كعب بن مالك: " ما كنت في غزاة أيسر للظهر والنفقة مني في تلك الغزاة. قال كعب بن مالك: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: أتجهز غدا ثم ألحقه فأخذت في جهازي، فأمسيت ولم أفرغ؛ فلما كان اليوم الثالث أخذت في جهازي، فأمسيت ولم أفرغ، فقلت: هيهات، سار الناس ثلاثا فأقمت. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الناس يعتذرون إليه، فجئت حتى قمت بين يديه فقلت: ما كنت في غزاة أيسر للظهر والنفقة مني في هذه الغزاة. فأعرض عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الناس أن لا يكلمونا، وأمرت نساؤنا أن يتحولن عنا. قال: فتسورت حائطا ذات يوم فإذا أنا بجابر بن عبد الله، فقلت: أي جابر، نشدتك بالله هل علمتني غششت الله ورسوله يوما قط؟ فسكت عني، فجعل لا 12P058 يكلمني.

قسم V12/P057–V12/P059

فبينا أنا ذات يوم، إذ سمعت رجلا على الثنية يقول: كعب كعب حتى دنا مني، فقال: بشروا كعبا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: " غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك أقام بها بضع عشرة ليلة ولقيه بها وفد أذرح ووفد أيلة، صالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية. ثم قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ولم يجاوزها، وأنزل الله: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} [التوبة: 117] . . الآية، والثلاثة الذين خلفوا: رهط منهم: كعب بن مالك، وهو أحد بني سلمة، ومرارة بن ربيعة، وهو أحد بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية، وهو من بني واقف. وكانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة في بضعة وثمانين رجلا؛ فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، صدقه أولئك حديثهم واعترفوا بذنوبهم، وكذب سائرهم، فحلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما حبسهم إلا العذر، فقبل منهم رسول الله وبايعهم، ووكلهم في سرائرهم إلى الله. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلام الذين خلفوا، وقال لهم حين حدثوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم: «قد صدقتم فقوموا حتى يقضي الله فيكم» فلما أنزل الله القرآن تاب على الثلاثة، وقال للآخرين: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم} [التوبة: 95] . . حتى بلغ: {لا يرضى عن القوم الفاسقين} [التوبة: 96] . قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك، يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها؛ إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. فكان من خبري حين تخلفت عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز، واستقبل عدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا يظن أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من الله. وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وأنا إليهما أصعر. فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فلم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا. فلم يزل ذلك يتمادى حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، فلم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك؟ » فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه.

قسم V12/P059–V12/P061

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة» فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر، فلمزه المنافقون. قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني همي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي. فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه. وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس؛ فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله؛ حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ » قال: قلت يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله؛ والله ما كان في عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك» فقمت، وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني وقالوا: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا، لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني، حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي. قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج وأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي هل حرك شفتيه يرد السلام أم لا؟ ثم أصلي معه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني. حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فسكت، قال: فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار. فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا بنبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك؟

قسم V12/P061–V12/P064

قال: فطفق الناس يشيرون له حتى جاءني، فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك قال: فقلت حين قرأته: وهذا أيضا من البلاء. فتأممت به التنور فسجرته به. حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها فلا تقربها قال: وأرسل إلى صاحبي بذلك، قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك تكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر قال: فجاءت امرأة هلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ فقال: «لا، ولكن لا يقربنك» قالت: فقلت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه قال: فقلت لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ماذا يقول لي إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب. فلبثت بعد ذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا. قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عنا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج. قال: وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما. وانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، ويقولون: لتهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره - قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة - قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» فقلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: «لا بل من عند الله» . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمسك بعض مالك فهو خير لك» قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت قال: فوالله ما علمت أحدا من المسلمين ابتلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام أحسن مما ابتلاني، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني أرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: فأنزل الله: {لقد تاب الله على النبي} [التوبة: 117] . . حتى بلغ: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] . .

قسم V12/P064

إلى: {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون} [التوبة: 95] . . إلى قوله: {لا يرضى عن القوم الفاسقين،} [التوبة: 96] قال كعب: خلفنا أيها الثلاثة عن أمر، أولئك الذين قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم توبتهم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه، فقبل منهم " حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فذكر نحوه حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه، قال: لم أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة غزاها إلا بدرا، ولم يعاتب النبي صلى الله عليه وسلم أحدا تخلف عن بدر، ثم ذكر نحوه حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري ثم السلمي، عن أبيه. أن أباه عبد الله بن كعب، وكان قائد أبيه كعب حين أصيب بصره، قال: سمعت أبي كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وحديث صاحبيه قال: ما تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها، غير أني كنت تخلفت عنه في غزوة بدر، ثم ذكر نحوه 12P066

قسم V12/P064–V12/P069

[التوبة: 119] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] يقول تعالى ذكره للمؤمنين معرفهم سبيل النجاة من عقابه والخلاص من أليم عذابه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، اتقوا الله وراقبوه بأداء فرائضه وتجنب حدوده، وكونوا في الدنيا من أهل ولاية الله وطاعته، تكونوا في الآخرة مع الصادقين في الجنة. يعني مع من صدق الله الإيمان به فحقق قوله بفعله ولم يكن من أهل النفاق فيه الذين يكذب قيلهم فعلهم وإنما معنى الكلام: وكونوا مع الصادقين في الآخرة باتقاء الله في الدنيا، كما قال جل ثناؤه: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} [النساء: 69] وإنما قلنا ذلك معنى الكلام، لأن كون المنافق مع المؤمنين غير نافعه بأي وجوه الكون كان معهم إن لم يكن عاملا عملهم، وإذا عمل عملهم فهو منهم، وإذا كان منهم كان لا وجه في الكلام أن يقال: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. ولتوجيه الكلام إلى ما وجهنا من تأويله فسر ذلك من فسره من أهل التأويل بأن قال: معناه: وكونوا مع أبي بكر وعمر، أو مع النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين رحمة الله عليهم ذكر من قال ذلك أو غيره في تأويله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن زيد بن أسلم، عن نافع، في قول الله: " { 12P068 اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] قال: مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حبويه أبو يزيد، عن يعقوب القمي، عن زيد بن أسلم، عن نافع، قال: " قيل للثلاثة الذين خلفوا: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] محمد وأصحابه " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، عن عبد الرحمن المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: " {وكونوا مع الصادقين} [التوبة : 119] قال: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما رحمة الله عليهم " قال: ثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا إسحاق بن بشر الكاهلي، قال: ثنا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم الرماني، عن سعيد بن جبير، في قول الله: " {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] قال: مع أبي بكر وعمر رحمة الله عليهما " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] قال: مع المهاجرين الصادقين " وكان ابن مسعود فيما ذكر عنه يقرؤه: «وكونوا من الصادقين» 12P069 ويتأوله أن ذلك نهي من الله عن الكذب ذكر الرواية عنه بذلك حدثني المثنى، قال: ثنا آدم العسقلاني، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود، يقول: قال ابن مسعود: " إن الكذب لا يحل منه جد ولا هزل، اقرءوا إن شئتم: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا من الصادقين) قال: وكذلك هي قراءة ابن مسعود: (من الصادقين) ، فهل ترون في الكذب رخصة؟ " قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا عبيدة، عن عبد الله نحوه قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا عبيدة يحدث، عن عبد الله قال: «الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، اقرءوا إن شئتم. » يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا من الصادقين «وهي كذلك في قراءة عبد الله، فهل ترون من رخصة في الكذب؟

قسم V12/P069

» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: " لا يصلح الكذب في هزل ولا جد، ثم تلا عبد الله: {اتقوا الله وكونوا} [التوبة: 119] 12P070 ما أدري أقال «من الصادقين» أو {مع الصادقين} [التوبة: 119] وهو في كتابي: {مع الصادقين} [التوبة: 119] " قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله مثله قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله، مثله والصحيح من التأويل في ذلك هو التأويل الذي ذكرناه عن نافع والضحاك، وذلك أن رسوم المصاحف كلها مجمعة على: {وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] ، وهي القراءة التي لا أستجيز لأحد القراءة بخلافها، وتأويل عبد الله رحمة الله عليه في ذلك على قراءته تأويل غير صحيح، أن القراءة بخلافها. 12P069

قسم V12/P069–V12/P071

[التوبة: 120] القول في تأويل قوله تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع 12P070 أجر المحسنين} [التوبة: 120] يقول تعالى ذكره: لم يكن لأهل المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن حولهم من الأعراب سكان البوادي، الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وهم من أهل الإيمان به؛ أن يتخلفوا في أهاليهم ولا دارهم، ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه في صحبته في سفره والجهاد معه ومعاونته على ما يعانيه في غزوه ذلك. يقول: إنه لم يكن لهم هذا بأنهم من أجل أنهم وبسبب أنهم لا يصيبهم في سفرهم إذا كانوا معه ظمأ وهو العطش ولا نصب، يقول: ولا تعب، {ولا مخمصة في سبيل الله} [التوبة: 120] يعني: ولا مجاعة في إقامة دين الله ونصرته، وهدم منار الكفر {ولا يطئون موطئا} يعني أرضا، يقول: ولا يطئون أرضا يغيظ الكفار وطؤهم إياها {ولا ينالون من عدو نيلا} [التوبة: 120] يقول ولا يصيبون من عدو الله وعدوهم شيئا في أموالهم وأنفسهم وأولادهم إلا كتب الله لهم بذلك كله ثواب عمل صالح قد ارتضاه {إن الله لا يضيع أجر المحسنين} [التوبة: 120] يقول: إن الله لا يدع محسنا من خلقه أحسن في عمله فأطاعه فيما أمره وانتهى عما نهاه عنه، أن يجازيه على إحسانه ويثيبه على صالح عمله؛ فلذلك كتب لمن فعل ذلك من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ما ذكر في هذه الآية الثواب على كل ما فعل فلم يضيع له أجر فعله ذلك وقد اختلف أهل التأويل في حكم هذه الآية، فقال بعضهم: هي محكمة، وإنما كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، لم يكن لأحد أن يتخلف إذا غزا خلافه فيقعد عنه إلا من كان ذا عذر، فأما غيره من الأئمة والولاة فإن لمن شاء من المؤمنين أن يتخلف خلافه إذا لم يكن بالمسلمين إليه ضرورة. ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} [التوبة: 120] هذا إذا غزا نبي الله بنفسه، فليس لأحد أن يتخلف. ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت خلف سرية تغزو في سبيل الله، لكني لا أجد سعة فأنطلق بهم معي، ويشق علي أو أكره أن أدعهم بعدي» حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، والفزاري، والسبيعي، وابن جابر، وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية: " {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} [التوبة: 120] . . إلى آخر الآية. إنها لأول هذه الأمة وآخرها من المجاهدين في سبيل الله " وقال آخرون: هذه الآية نزلت وفي أهل الإسلام قلة، فلما كثروا نسخها الله 12P073 وأباح التخلف لمن شاء، فقال: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} [التوبة: 122] ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} [التوبة: 120] فقرأ حتى بلغ: {ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة: 121] قال: هذا حين كان الإسلام قليلا، فلما كثر الإسلام بعد قال: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122] . إلى آخر الآية " والصواب من القول في ذلك عندي، أن الله عنى بها الذين وصفهم بقوله: {وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم} [التوبة: 90] . .

الأسئلة