Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V13/P724–V13/P725

وبنحو ما قلنا في معنى: {وإن كان مكرهم} [إبراهيم: 46] قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن 13P725 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] يقول: «ما كان مكرهم لتزول منه الجبال» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن في قوله: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] «ما كان مكرهم لتزول منه الجبال» حدثني المثنى قال: ثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن عوف، عن الحسن قال: «ما كان مكرهم لتزول منه الجبال» حدثني الحرث قال: ثنا القاسم قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن يونس وعمرو، عن الحسن: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] قالا: وكان الحسن يقول: «وإن كان مكرهم لأوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال» قال: قال هارون: وأخبرني يونس، عن الحسن، قال: " أربع في القرآن: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] : «ما كان مكرهم لتزول منه الجبال» ، وقوله: {لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} [الأنبياء: 17] : " ما كنا فاعلين وقوله: {إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} [الزخرف: 81] : " ما كان للرحمن ولد وقوله: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم} [الأحقاف: 26] : «ما مكناكم فيه» قال هارون: وحدثني بهن عمرو بن أسباط، عن الحسن، وزاد فيهن واحدة: {فإن 13P726 كنت في شك} [يونس: 94] : " ما كنت في شك {مما أنزلنا إليك} [يونس: 94] " فالأولى من القول بالصواب في تأويل الآية، إذ كانت القراءة التي ذكرت هي الصواب لما بينا من الدلالة في قوله: {وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] وقد أشرك الذين ظلموا أنفسهم بربهم وافتروا عليه فريتهم عليه، وعند الله علم شركهم به وافترائهم عليه، وهو معاقبهم على ذلك عقوبتهم التي هم أهلها، وما كان شركهم وفريتهم على الله لتزول منه الجبال، بل ما ضروا بذلك إلا أنفسهم، ولا عادت بغية مكروهة إلا عليهم حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا وكيع بن الجراح، قال: ثنا الأعمش، عن شمر، عن علي، قال: «الغدر مكر، والمكر كفر» 13P726

قسم V13/P725–V13/P727

[إبراهيم: 47] القول في تأويل قوله تعالى: {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله، إن الله عزيز ذو انتقام} [إبراهيم: 47] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فلا تحسبن الله مخلف وعده} [إبراهيم: 47] الذي وعدهم من كذبهم، وجحد ما أتوهم به من عنده، وإنما قاله تعالى ذكره لنبيه تثبيتا وتشديدا لعزيمته، ومعرفة أنه منزل من سخطه بمن كذبه وجحد نبوته، ورد عليه ما أتاه به من عند الله، مثال ما أنزل بمن سلكوا سبيلهم من الأمم الذين كانوا قبلهم على مثل منهاجهم من تكذيب رسلهم، وجحود نبوتهم، ورد ما جاءوهم به من عند الله عليهم قوله: {إن الله عزيز ذو انتقام} [إبراهيم: 47] يعني بقوله: {إن الله عزيز} [البقرة: 220] : لا يمانع منه شيء أراد عقوبته، قادر على كل من طلبه، لا يفوته بالهرب منه {ذو انتقام} [آل عمران: 4] ممن كفر برسله وكذبهم، وجحد نبوتهم، وأشرك به واتخذ معه إلها غيره وأضيف قوله: {مخلف} [إبراهيم: 47] إلى الوعد، وهو مصدر، لأنه وقع موقع الاسم، ونصب قوله: {رسله} [البقرة: 285] بالمعنى، وذلك أن المعنى: فلا تحسبن الله مخلف رسله وعده، فالوعد وإن كان مخفوضا بإضافة «مخلف» إليه، ففي معنى النصب، وذلك أن الإخلاف يقع على منصوبين مختلفين، كقول القائل: كسوت عبد الله ثوبا، وأدخلته دارا، وإذا كان الفعل كذلك يقع على منصوبين مختلفين، جاز تقديم أيهما قدم، وخفض ما ولي الفعل الذي هو في صورة الأسماء ونصب الثاني، فيقال: أنا مدخل عبد الله الدار، وأنا مدخل الدار عبد الله، إن قدمت الدار إلى المدخل وأخرت عبد الله خفضت الدار، إذ أضيف مدخل إليها، ونصب عبد الله، وإن قدم عبد الله إليه، وأخرت الدار، خفض عبد الله بإضافة مدخل إليه، ونصب الدار، وإنما فعل ذلك كذلك، لأن الفعل، أعني مدخل، يعمل في كل واحد منهما نصبا نحو عمله في الآخر، ومنه قول الشاعر: [+البحر الطويل] ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه وسائره باد إلى الشمس أجمع أضاف مدخل إلى الظل، ونصب الرأس، وإنما معنى الكلام: مدخل رأسه الظل، ومنه قول الآخر: [+البحر ...] فرشني بخير لا أكون ومدحتي كناحت يوم صخرة بعسيل والعسيل: الريشة جمع بها الطيب، وإنما معنى الكلام: كناحت صخرة يوما بعسيل، وكذلك قول الآخر: [+البحر الرجز] رب ابن عم لسليمى مشمعل طباخ ساعات الكرى زاد الكسل وإنما معنى الكلام: طباخ زاد الكسل ساعات الكرى. فأما من قرأ ذلك: {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله} [إبراهيم: 47] فقد بينا وجه بعده من الصحة في كلام العرب في سورة الأنعام، عند قوله: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} [الأنعام: 137] بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 13P728

قسم V13/P727–V13/P728

[إبراهيم: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات، وبرزوا 13P729 لله الواحد القهار} [إبراهيم: 48] يقول تعالى ذكره: إن الله ذو انتقام {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} من مشركي قومك يا محمد من قريش، وسائر من كفر بالله وجحد نبوتك ونبوة رسله من قبلك ف «يوم» من صلة «الانتقام» . واختلف في معنى قوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] فقال بعضهم: معنى ذلك: يوم تبدل الأرض التي عليها الناس اليوم في دار الدنيا غير هذه الأرض، فتصير أرضا بيضاء كالفضة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت عمرو بن ميمون، يحدث، عن عبد الله، أنه قال في هذه الآية: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} قال: " أرض كالفضة نقية، لم يسل فيها دم، ولم يعمل فيها خطيئة، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حفاة عراة قياما، أحسب قال: كما خلقوا، حتى يلجمهم العرق قياما وحده ". قال شعبة: ثم سمعته يقول: سمعت عمرو بن ميمون، ولم يذكر عبد الله، ثم عاودته فيه، قال: حدثنيه هبيرة، عن عبد الله حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا يحيى بن عباد قال: أخبرنا شعبة قال: أخبرنا أبو إسحاق قال: سمعت عمرو بن ميمون وربما قال: قال عبد الله: وربما لم يقل، فقلت له: عن عبد الله؟ قال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] قال: " أرض كالفضة بيضاء نقية، لم يسل فيها دم، ولم يعمل فيها خطيئة، فينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفاة عراة كما خلقوا، قال: أراه قال: قياما حتى يلجمهم العرق " حدثنا الحسن، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود، في قوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} قال: «تبدل أرضا بيضاء نقية كأنها فضة، لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل فيها خطيئة» حدثني المثنى قال: ثنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله في قوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] قال: «أرض الجنة بيضاء نقية، لم يعمل فيها خطيئة، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حفاة عراة قياما، يلجمهم العرق» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن 13P731 أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] قال: «أرض بيضاء كالفضة، لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل فيها خطيئة» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا يحيى بن عباد، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: أخبرنا عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، أنه تلا هذه الآية: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار} قال: " يجاء بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة، قال: فأول ما يحكم بين الناس فيه في الدماء " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن سنان، عن جابر الجعفي، عن أبي جبيرة، عن زيد، قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهود، فقال: «هل تدرون لم أرسلت إليهم؟

قسم V13/P728–V13/P734

» قالوا: الله ورسوله أعلم قال: " فإني أرسلت إليهم أسألهم عن قول الله {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] ، إنها تكون يومئذ بيضاء مثل الفضة "، فلما جاءوا سألهم، فقالوا: تكون بيضاء مثل النقي " حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك، أنه تلا هذه الآية: { 13P732 يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] قال: «يبدلها الله يوم القيامة بأرض من فضة لم يعمل عليها الخطايا، ينزلها الجبار تبارك تعالى» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] قال: «أرض كأنها الفضة» زاد الحسن في حديثه عن شبابة: والسموات كذلك أيضا كأنها الفضة " حدثا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] قال: «أرض كأنها الفضة، والسموات كذلك أيضا» حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: ثني أبو حازم قال: سمعت سهل بن سعد، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي» . قال سهل أو غيره: «ليس فيها معلم لغيره» . وقال آخرون: تبدل نارا ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، قال: قال عبد الله: " الأرض كلها نار يوم القيامة، والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها، والذي نفس عبد الله بيده، إن الرجل ليفيض عرقا حتى يرشح في الأرض قدمه، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه وما مسه الحساب فقالوا: مم ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما يرى الناس ويلقون " حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا أبو سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة قال: قال عبد الله: «الأرض كلها يوم القيامة نار، والجنة من ورائها ترى كواعبها وأكوابها، ويلجم الناس العرق، أو يبلغ منهم العرق، ولم يبلغوا الحساب» . وقال آخرون: بل تبدل الأرض أرضا من فضة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت المغيرة بن مالك يحدث، عن المجاشع، أو المجاشعي، شك أبو موسى، عمن، سمع عليا، يقول في هذه الآية: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] قال: «الأرض من فضة، والجنة من ذهب» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن شعبة، عن المغيرة بن مالك قال: ثني رجل من بني مجاشع، يقال له عبد الكريم أو ابن عبد الكريم قال: ثني هذا الرجل أراه بسمرقند، أنه سمع علي بن أبي طالب قرأ هذه الآية: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] قال: «الأرض من فضة، والجنة من ذهب» . حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن شعبة، عن مغيرة بن مالك، عن رجل من بني مجاشع يقال له عبد الكريم أو يكنى أبا عبد الكريم، قال: أقامني على رجل بخراسان، فقال: حدثني هذا، أنه سمع علي بن أبي طالب، فذكر نحوه حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] الآية، فزعم أنها تكون فضة " حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك، قال: «يبدلها الله يوم القيامة بأرض من فضة» .

قسم V13/P734–V13/P735

وقال آخرون: يبدلها خبزة ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو سعيد بن دل من صغانيان، قال: ثنا الجارود بن معاذ الترمذي، قال: ثنا وكيع بن الجراح، عن عمر بن بشر الهمداني، عن سعيد بن جبير، في قوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] قال: «تبدل خبزة بيضاء، يأكل المؤمن من تحت قدميه» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا وكيع، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي، أو عن محمد بن قيس: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] قال: «خبزة يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم» . وقال آخرون: تبدل الأرض غير الأرض ذكر من قال ذلك: حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا حجاج بن محمد، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن كعب، في قوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} قال: " تصير السموات جنانا، ويصير مكان البحر النار قال: وتبدل الأرض غيرها " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل 13P736 بن رافع العدني، عن يزيد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يبدل الله الأرض غير الأرض والسموات، فيبسطها، ويسطحها، ويمدها مد الأديم العكاظي، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ثم يزجر الله الخلق زجرة، فإذا هم في هذه المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى، ما كان في بطنها ففي بطنها، وما كان على ظهرها كان على ظهرها، وذلك حين يطوي السموات كطي السجل للكتاب، ثم يدحو بهما، ثم تبدل الأرض غير الأرض والسموات» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: «يجمع الناس يوم القيامة في أرض بيضاء، لم يعمل فيها خطيئة، مقدار أربعين سنة، يلجمهم العرق» وقالت عائشة في ذلك ما: حدثنا ابن أبي الشوارب، وحميد بن مسعدة، وابن بزيع قالوا: ثنا يزيد بن زريع، عن داود، عن عامر، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، " إذا بدلت الأرض غير الأرض، وبرزوا لله الواحد القهار، أين الناس يومئذ قال: «على الصراط» . حدثنا حميد بن مسعدة، وابن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل قال: ثنا داود، عن عامر، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد، عن داود، عن عامر، عن مسروق، قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، أرأيت قول الله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار} ، أين الناس يومئذ؟ فقالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «على الصراط» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا الحسن بن عنبسة الوراق قال: ثنا عبد الرحيم يعني ابن سليمان الرازي، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] قلت: يا رسول الله، إذا بدلت الأرض غير الأرض، أين يكون الناس؟ قال: «على الصراط» . حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا عاصم بن علي قال: ثنا إسماعيل بن زكريا، عن داود، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة بنحوه. حدثنا ابن المثنى قال: ثنا عبد الأعلى قال: ثنا داود، عن عامر، عن عائشة أم المؤمنين قالت «أنا أول الناس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية» ثم ذكر نحوه حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا ربعي بن إبراهيم الأسدي أخو إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بن أبي هند، عن عامر قال: قالت عائشة: يا رسول الله، أرأيت إذا بدلت الأرض غير الأرض، أين الناس يومئذ؟ قال: «على الصراط» حدثنا الحسن، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أخبرني القاسم، قال: سمعت الحسن، قال: قالت عائشة: يا رسول الله {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] فأين الناس يومئذ؟

قسم V13/P735–V13/P740

قال: «إن هذا الشيء ما سألني عنه أحد» ، قال: «على الصراط يا عائشة» حدثنا الحسن قال: ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم قال: ثني الوليد، عن سعيد، عن قتادة، عن حسان بن بلال المزني، عن عائشة: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قول الله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} قال: " قالت: يا رسول الله، فأين الناس يومئذ؟ قال: «لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي، ذاك إذا الناس على جسر جهنم» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} : ذكر لنا، أن عائشة قالت: يا رسول الله: فأين الناس يومئذ؟ فقال: «لقد سألت عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي قبلك» ، قال: «هم يومئذ على جسر جهنم» . حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه، إلا أنه قال: «على الصراط» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، 13P739 عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: سأل حبر من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ قال: «هم في الظلمة دون الجسر» حدثني محمد بن عون قال: ثنا أبو المغيرة قال: ثنا ابن أبي مريم قال: ثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي، عن أبي أيوب الأنصاري قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم حبر من اليهود، وقال: أرأيت إذ يقول الله في كتابه: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات} ، فأين الخلق عند ذلك؟ قال: «أضياف الله، فلن يعجزهم ما لديه» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: يوم تبدل الأرض التي نحن عليها اليوم يوم القيامة غيرها، وكذلك السموات اليوم تبدل غيرها، كما قال جل ثناؤه، وجائز أن تكون المبدلة أرضا أخرى من فضة، وجائز أن تكون نارا، وجائز أن تكون خبزا، وجائز أن تكون غير ذلك، ولا خبر في ذلك عندنا من الوجه الذي يجب التسليم له أي ذلك يكون، فلا قول في ذلك يصح إلا ما دل عليه ظاهر التنزيل. وبنحو ما قلنا في معنى قوله: {والسموات} قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [إبراهيم: 48] قال: «أرضا كأنها الفضة {والسموات} كذلك أيضا» وقوله: {وبرزوا لله الواحد القهار} [إبراهيم: 48] يقول: وظهروا لله المنفرد بالربوبية، الذي يقهر كل شيء فيغلبه ويصرفه لما يشاء كيف يشاء، فيحيي خلقه إذا شاء، ويميتهم إذا شاء، لا يغلبه شيء، ولا يقهره شيء، من قبورهم أحياء لموقف القيامة 13P740

قسم V13/P740–V13/P743

[إبراهيم: 49_51] القول في تأويل قوله تعالى: {وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ليجزي الله كل نفس ما كسبت، إن الله سريع الحساب} [إبراهيم: 49_51] يقول تعالى ذكره: وتعاين الذين كفروا بالله، فاجترموا في الدنيا الشرك يومئذ، يعني: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات {مقرنين في الأصفاد} [إبراهيم: 49] ، يقول: مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد، وهي الوثاق من غل وسلسلة، واحدها: صفد، يقال منه: صفدته في الصفد صفدا وصفادا، والصفاد: القيد، ومنه قول عمرو بن كلثوم: [+البحر الوافر] فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبنا بالملوك مصفدينا ومن جعل الواحد من ذلك صفادا جمعه: صفدا لا أصفادا وأما من العطاء، فإنه يقال منه: أصفدته إصفادا، كما قال الأعشى: [+البحر الطويل] تضيفته يوما فأكرم مجلسي وأصفدني عند الزمانة قائدا وقد قيل في العطاء أيضا: صفدني صفدا، كما قال النابغة الذبياني: [+البحر البسيط] هذا الثناء فإن تسمع لقائله فما عرضت أبيت اللعن بالصفد وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {مقرنين في الأصفاد} [إبراهيم: 49] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثني عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {مقرنين في الأصفاد} [إبراهيم: 49] يقول: في وثاق " حدثني محمد بن عيسى الدامغاني، قال: ثنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، قال: " الأصفاد: السلاسل " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {مقرنين في الأصفاد} [إبراهيم: 49] قال: «مقرنين في القيود والأغلال» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا علي بن هاشم بن البريد، قال: سمعت الأعمش، يقول: " الصفد: القيد " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {مقرنين في الأصفاد} [إبراهيم: 49] قال: " صفدت فيها أيديهم وأرجلهم ورقابهم، والأصفاد: الأغلال " وقوله: {سرابيلهم من قطران} [إبراهيم: 50] يقول: قمصهم التي يلبسونها، واحدها: سربال، كما قال امرؤ القيس: [+البحر الطويل] لعوب تنسيني إذا قمت سربالي حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {سرابيلهم من قطران} [إبراهيم: 50] قال: " السرابيل: القمص " وقوله: {من قطران} [إبراهيم: 50] يقول: من القطران الذي يهنأ به الإبل، وفيه لغات ثلاث: يقال: قطران، وقطران بفتح القاف وتسكين الطاء منه، وقيل: إن عيسى بن عمر كان يقرأ: (من قطر آن) بكسر القاف وتسكين الطاء، ومنه قول أبي النجم: [+البحر الرجز] جون كأن العرق المنتوحا لبسه القطران والمسوحا بكسر القاف، وقال أيضا: 13P743 [+البحر . ] كأن قطرانا إذا تلاها ترمي به الريح إلى مجراها بالكسر . وبنحو ما قلناه في ذلك يقول من قرأ ذلك كذلك ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن: {من قطران} [إبراهيم: 50] " يعني: الخضخاض هناء الإبل " حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: {من قطران} [إبراهيم: 50] قال: «قطران الإبل» . وقال بعضهم: القطران: النحاس ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " قطران: نحاس " قال ابن جريج: قال ابن عباس: {من قطران} [إبراهيم: 50] : «نحاس» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة 13P744 : {من قطران} [إبراهيم: 50] قال: «هي نحاس» وبهذه القراءة: أعني بفتح القاف وكسر الطاء وتصيير ذلك كله كلمة واحدة، قرأ ذلك جميع قراء الأمصار، وبها نقرأ لإجماع الحجة من القراء عليه. وقد روي عن بعض المتقدمين أنه كان يقرأ ذلك: (من قطر آن) بفتح القاف وتسكين الطاء وتنوين الراء وتصيير «آن» من نعته، وتوجيه معنى «القطر» إلى أنه النحاس ومعنى «الآن» إلى أنه الذي قد انتهى حره في الشدة. وممن كان يقرأ ذلك كذلك فيما ذكر لنا عكرمة مولى ابن عباس.

قسم V13/P743–V13/P746

حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين عنه. ذكر من تأول ذلك على هذه القراءة التأويل الذي ذكرت فيه: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: (سرابيلهم من قطر آن) ، قال: " قطر، والآن: الذي قد انتهى حره ". حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا داود بن مهران، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير نحوه. حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا هشام قال: ثنا يعقوب القمي، عن 13P745 جعفر، عن سعيد، بنحوه حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، أنه كان يقرأ: (سرابيلهم من قطر آن) " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان، قال: ثنا المبارك بن فضالة، قال: سمعت الحسن، يقول: " كانت العرب تقول للشيء إذا انتهى حره: قد أنى حر هذا، قد أوقدت عليه جهنم منذ خلقت فأنى حرها " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعيد، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، في قوله: « (سرابيلهم من قطر آن) » ، قال: " القطر: النحاس، والآن: يقول: قد أنى حره، وذلك أنه يقول: حميم آن " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا ثابت بن يزيد، قال: ثنا هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، في هذه الآية: (سرابيلهم من قطر آن) " قال: " من نحاس، قال: آن أنى لهم أن يعذبوا به " حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن حصين، عن عكرمة، في قوله: (من قطر آن) " قال: " الآني: الذي قد انتهى حره " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن 13P746 ابن عباس، قوله: (من قطر آن) قال: «هو النحاس المذاب» حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة: (من قطر آن) «يعني الصفر المذاب» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن قتادة: (سرابيلهم من قطر آن) " قال: «من نحاس» حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا هشام قال: ثنا أبو حفص، عن هارون، عن قتادة أنه كان يقرأ: (من قطر آن) " قال: من صفر قد انتهى حره ". وكان الحسن يقرؤها: (من قطر آن) وقوله: {وتغشى وجوههم النار} [إبراهيم: 50] يقول: وتلفح وجوههم النار فتحرقها {ليجزي الله كل نفس ما كسبت} [إبراهيم: 51] يقول: فعل الله ذلك بهم جزاء لهم بما كسبوا من الآثام في الدنيا، كيما يثيب كل نفس بما كسبت من خير وشر، فيجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته {إن الله سريع الحساب} [آل عمران: 199] يقول: إن الله عالم بعمل كل عامل، فلا يحتاج في إحصاء أعمالهم إلى عقد كف ولا معاناة، وهو سريع حسابه لأعمالهم، قد أحاط بها علما، لا يعزب عنه منها شيء، وهو مجازيهم على جميع ذلك صغيره وكبيره 13P746

قسم V13/P746–V13/P747

[إبراهيم: 52] القول في تأويل قوله تعالى: {هذا بلاغ للناس ولينذروا به، وليعلموا أنما هو إله واحد، وليذكر أولو الألباب} [إبراهيم: 52] يقول تعالى ذكره: هذا القرآن بلاغ للناس، أبلغ الله به إليهم في الحجة عليهم، وأعذر إليهم بما أنزل فيه من مواعظه وعبره {ولينذروا به} [إبراهيم: 52] يقول: ولينذروا عقاب الله، ويحذروا به نقماته، أنزله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم {وليعلموا أنما هو إله واحد} [إبراهيم: 52] يقول: وليعلموا بما احتج به عليهم من الحجج فيه أنما هو إله واحد، لا آلهة شتى، كما يقوله المشركون بالله، وأن لا إله إلا هو الذي له ما في السموات وما في الأرض، الذي سخر لهم الشمس والقمر والليل والنهار وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لهم، وسخر لهم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لهم الأنهار {وليذكر أولو الألباب} يقول: وليتذكر فيتعظ بما احتج الله به عليه من حججه التي في هذا القرآن، فينزجر عن أن يجعل معه إلها غيره، ويشرك في عبادته شيئا سواه أهل الحجى والعقول، فإنهم أهل الاعتبار والادكار، دون الذين لا عقول لهم ولا أفهام، فإنهم كالأنعام، بل هم أضل سبيلا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {هذا بلاغ للناس} [إبراهيم: 52] قال: " القرآن {ولينذروا به} [إبراهيم: 52] : " قال: بالقرآن {وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب} " آخر تفسير سورة إبراهيم صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين [015] سورة الحجر مكية، وآياتها تسع وتسعون بسم الله الرحمن الرحيم 14P005 [الحجر: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {الر. تلك آيات الكتاب وقرآن مبين} [الحجر: 1] وأما قوله: {تلك آيات الكتاب} [الحجر: 1] فإنه يعني: هذه الآيات، آيات الكتب التي كانت قبل القرآن كالتوراة والإنجيل {وقرآن} [الحجر: 1] يقول: وآيات قرآن {مبين} [الحجر: 1] يقول: يبين من تأمله وتدبره رشده وهداه، كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وقرآن مبين} [الحجر: 1] قال: «تبين والله هداه ورشده وخيره» حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن مجاهد: {الر} [الحجر: 1] فواتح يفتتح بها كلامه " {تلك آيات الكتاب} [الحجر: 1] قال: «التوراة 14P006 والإنجيل» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة في قوله: {الر تلك آيات الكتاب} [الحجر: 1] قال: «الكتب التي كانت قبل القرآن» 14P006

قسم V13/P747–V14/P007

[الحجر: 2] القول في تأويل قوله تعالى: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] اختلفت القراء في قراءة قوله {ربما} [الحجر: 2] فقرأت ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض الكوفيين {ربما} [الحجر: 2] بتخفيف الباء، وقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة بتشديدها. والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنى واحد، قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب. واختلف أهل العربية في معنى «ما» التي مع «رب» ، فقال بعضنحويي البصرة: أدخل مع «رب» ما «ليتكلم بالفعل بعدها، وإن شئت جعلت» ما " بمنزلة شيء، فكأنك قلت: رب شيء يود: أي رب ود يوده الذين كفروا، وقد أنكر ذلك من قوله بعض نحويي الكوفة، وقال: المصدر لا يحتاج إلى عائد، والود قد وقع على «لو» ، ربما يودون لو كانوا: أن يكونوا قال: وإذا أضمر الهاء في «لو» فليس بمفعول، وهو موضع المفعول، ولا ينبغي أن يترجم المصدر بشيء، وقد ترجمه بشيء، ثم جعله ودا، ثم أعاد عليه عائدا فكان الكسائي والفراء يقولان: لا تكاد العرب توقع «رب» على مستقبل، وإنما يوقعونها على الماضي من الفعل كقولهم: ربما فعلت كذا، وربما جاءني أخوك، قالا: وجاء في القرآن مع المستقبل: ربما يود، وإنما جاز ذلك لأن ما كان في القرآن من وعد ووعيد وما فيه، فهو حق كأنه عيان، فجرى الكلام فيما لم يكن بعد مجراه فيما كان، كما قيل: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم} ، وقوله: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} [سبأ: 51] ، كأنه ماض وهو منتظر لصدقه في المعنى، وأنه لا مكذب له، وأن القائل لا يقول إذا نهى أو أمر فعصاه المأمور، يقول: أما والله لرب ندامة لك تذكر قولي فيها لعلمه بأنه سيندم، والله ووعده أصدق من قول المخلوقين وقد يجوز أن يصحب «ربما» الدائم وإن كان في لفظ يفعل، يقال: ربما يموت الرجل فلا يوجد له كفن، وإن أولت الأسماء كان معها ضمير كان، كما قال أبو دؤاد: [+البحر الخفيف] ربما الجامل المؤبل فيهم وعناجيج بينهن المهار فتأويل الكلام: ربما يود الذين كفروا بالله فجحدوا وحدانيته لو كانوا في دار الدنيا مسلمين كما: حدثنا علي بن سعيد بن مسروق الكندي، قال: ثنا خالد بن نافع الأشعري، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: بلغنا أنه: " إذا كان يوم القيامة، واجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم، وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فسمع الله ما قالوا، فأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار فأخرجوا، فقال من في النار من الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين.

قسم V14/P007

ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] " حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عمرو بن الهيثم أبو قطن القطعي، وروح القيسي، وعفان بن مسلم، واللفظ لأبي قطن قالوا: ثنا القاسم بن الفضل بن عبد الله بن أبي جروة، قال: كان ابن عباس، وأنس بن مالك يتأولان هذه الآية: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] قالا: «ذلك يوم يجمع الله أهل الخطايا من المسلمين والمشركين في النار» وقال عفان: حين يحبس أهل الخطايا من المسلمين والمشركين، فيقول المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون زاد أبو قطن: قد جمعنا وإياكم، وقال أبو قطن، 14P009 وعفان: فيغضب الله لهم بفضل رحمته، ولم يقله روح بن عبادة وقالوا جميعا: فيخرجهم الله، وذلك حين يقول: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] " حدثنا الحسن، قال: ثنا عفان، قال: ثنا أبو عوانة، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] قال: " يدخل الجنة ويرحم، حتى يقول في آخر ذلك: «من كان مسلما فليدخل الجنة» قال: فذلك قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] ذلك يوم القيامة، يتمنى الذين كفروا لو كانوا موحدين " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله، في قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] قال: «هذا في الجهنميين إذا رأوهم يخرجون من النار» حدثني المثنى قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: ثنا القاسم قال: ثنا ابن أبي فروة العبدي، أن ابن عباس، وأنس بن مالك كانا يتأولان هذه الآية: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] يتأولانها " يوم يحبس الله أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار، قال: فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا، قال: فيغضب الله لهم بفضل رحمته، فيخرجهم، فذلك حين يقول: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] " حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: " ما يزال الله يدخل الجنة، ويرحم ويشفع حتى يقول: «من كان من المسلمين فليدخل الجنة» فذلك قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، قال: ثنا حماد، قال: سألت إبراهيم عن هذه الآية: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] قال: حدثت أن المشركين قالوا لمن دخل النار من المسلمين: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون؟ قال: فيغضب الله لهم، فيقول للملائكة والنبيين: «اشفعوا» فيشفعون، فيخرجون من النار، حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج معهم، قال: فعند ذلك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " حدثني المثنى قال: ثنا حجاج قال: ثنا حماد، عن إبراهيم أنه قال في قول 14P011 الله عز وجل: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] قال: " يقول من في النار من المشركين للمسلمين: ما أغنت عنكم لا إله إلا الله؟ قال فيغضب الله لهم، فيقول: «من كان مسلما فليخرج من النار» قال: فعند ذلك: {يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن حماد، عن إبراهيم في قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] قال: " إن أهل النار يقولون: كنا أهل شرك وكفر، فما شأن هؤلاء الموحدين، ما أغنى عنهم عبادتهم إياه؟

قسم V14/P007

قال: فيخرج من النار من كان فيها من المسلمين قال: فعند ذلك {يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] " حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن حماد، عن إبراهيم، عن خصيف، عن مجاهد، قال: " يقول أهل النار للموحدين: ما أغنى عنكم إيمانكم؟ قال: فإذا قالوا ذلك قال: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة فعند ذلك {يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] " حدثني المثنى قال: ثنا مسلم قال: ثنا هشام، عن حماد قال: سألت إبراهيم عن قول الله عز وجل: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] قال: " الكفار يعيرون أهل التوحيد: ما أغنى عنكم لا إله إلا الله؟ فيغضب الله لهم، 14P012 فيأمر النبيين والملائكة فيشفعون، فيخرج أهل التوحيد، حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج، فذلك قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] " حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبد السلام، عن خصيف ، عن مجاهد، قال: " هذا في الجهنميين، إذا رأوهم يخرجون من النار {يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، قال: إذا فرغ الله من القضاء بين خلقه، قال: من كان مسلما فليدخل الجنة فعند ذلك {يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني الحسن، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] قال: «يوم القيامة» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] 14P013 قال: " فيها وجهان اثنان، يقولون: إذا حضر الكافر الموت ود لو كان مسلما، ويقول آخرون: بل يعذب الله ناسا من أهل التوحيد في النار بذنوبهم، فيعرفهم المشركون فيقولون: ما أغنت عنكم عبادة ربكم وقد ألقاكم في النار؟ فيغضب لهم فيخرجهم، فيقول: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] قال: «نزلت في الذين يخرجون من النار» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] «وذلك والله يوم القيامة، ودوا لو كانوا في الدنيا مسلمين» حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] " حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: " ما يزال الله يدخل الجنة ويشفع حتى يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فذلك حين يقول: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] " 14P013

قسم V14/P007–V14/P016

[الحجر: 3] القول في تأويل قوله تعالى: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل، فسوف يعلمون} [الحجر: 3] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ذر يا محمد هؤلاء المشركين يأكلوا في هذه الدنيا ما هم آكلوه، ويتمتعوا من لذاتها وشهواتهم فيها إلى أجلهم الذي 14P014 أجلت لهم، ويلههم الأمل عن الأخذ بحظهم من طاعة الله فيها، وتزودهم لمعادهم منها بما يقربهم من ربهم، فسوف يعلمون غدا إذا وردوا عليه وقد هلكوا على كفرهم بالله وشركهم، حين يعاينون عذاب الله، أنهم كانوا من تمتعهم بما كانوا يتمتعون فيها من اللذات والشهوات كانوا في خسار وتباب 14P013 [الحجر: 4] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} [الحجر: 4] يقول تعالى ذكره: {وما أهلكنا} [الحجر: 4] يا محمد {من} [البقرة: 4] أهل {قرية} [البقرة: 259] من أهل القرى التي أهلكنا أهلها فيما مضى {إلا ولها كتاب معلوم} [الحجر: 4] يقول: إلا ولها أجل مؤقت ومدة معروفة، لا نهلكهم حتى يبلغوها، فإذا بلغوها أهلكناهم عند ذلك، فيقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فكذلك أهل قريتك التي أنت منها وهي مكة، لا نهلك مشركي أهلها إلا بعد بلوغ كتابهم أجله، لأن من قضائي أن لا أهلك أهل قرية إلا بعد بلوغ كتابهم أجله 14P014 [الحجر: 5] القول في تأويل قوله تعالى: {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} [الحجر: 5] يقول تعالى ذكره: ما يتقدم هلاك أمة قبل أجلها الذي جعله الله أجلا لهلاكها، ولا يستأخر هلاكها عن الأجل الذي جعل لها أجلا، كما: حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، في قوله: {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} [الحجر: 5] قال: «نرى 14P015 أنه إذا حضر أجله فإنه لا يؤخر ساعة ولا يقدم، وأما ما لم يحضر أجله فإن الله يؤخر ما شاء، ويقدم ما شاء» 14P014 [الحجر: 6_7] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين} [الحجر: 6_7] يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون لك من قومك يا محمد: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر} [الحجر: 6] وهو القرآن الذي ذكر الله فيه مواعظ خلقه {إنك لمجنون} [الحجر: 6] في دعائك إيانا إلى أن نتبعك ونذر آلهتنا. {لو ما تأتينا بالملائكة} [الحجر: 7] قالوا: هلا تأتينا بالملائكة شاهدة لك على صدق ما تقول {إن كنت من الصادقين} [الأعراف: 70] يعني: إن كنت صادقا في أن الله تعالى بعثك إلينا رسولا وأنزل عليك كتابا، فإن الرب الذي فعل ما تقول بك لا يتعذر عليه إرسال ملك من ملائكته معك، حجة لك علينا، وآية لك على نبوتك وصدق مقالتك، والعرب تضع موضع «لو ما» لولا «، وموضع» لولا «لو ما» ، من ذلك قول ابن مقبل: [+البحر البسيط] لوما الحياء ولوما الدين عبتكما ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري يريد: لولا الحياء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {نزل عليه الذكر} [الحجر: 6] قال: «القرآن» 14P016

قسم V14/P016–V14/P018

[الحجر: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين} [الحجر: 8] اختلفت القراء في قراءة قوله: {ما ننزل الملائكة} [الحجر: 8] فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة: (ما تنزل الملائكة) بالتاء تنزل وفتحها ورفع «الملائكة» ، بمعنى: ما تنزل الملائكة، على أن الفعل للملائكة، وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: {ما ننزل الملائكة} [الحجر: 8] بالنون في ننزل وتشديد الزاي ونصب الملائكة، بمعنى: ما ننزلها نحن، و «الملائكة» حينئذ منصوب بوقوع «ننزل» عليها، وقرأه بعض قراء أهل الكوفة: (ما تنزل الملائكة) ، برفع الملائكة والتاء في «تنزل» وضمها على وجه ما لم يسم فاعله قال أبو جعفر: وكل هذه القراءات الثلاث متقاربات المعاني، وذلك أن الملائكة إذا نزلها الله على رسول من رسله تنزلت إليه، وإذا تنزلت إليه فإنما تنزل بإنزال الله إياها إليه، فبأي هذه القراءات الثلاث قرأ ذلك القارئ فمصيب، الصواب في ذلك، وإن كنت أحب لقارئه أن لا يعدو في قراءته إحدى القراءتين اللتين ذكرت من قراءة أهل المدينة والأخرى التي عليها جمهور قراء الكوفيين، لأن ذلك هو القراءة المعروفة في العامة، والأخرى: أعني قراءة من قرأ ذلك: (ما تنزل) ، بضم التاء من تنزل ورفع الملائكة شاذة قليل من قرأ بها. فتأويل الكلام: ما ننزل ملائكتنا إلا بالحق، يعني بالرسالة إلى رسلنا، أو بالعذاب لمن أردنا تعذيبه ولو أرسلنا إلى هؤلاء المشركين على ما يسألون إرسالهم معك آية فكفروا لم ينظروا فيؤخروا بالعذاب، بل عوجلوا به كما فعلنا ذلك بمن قبلهم من الأمم حين سألوا الآيات، فكفروا حين أتتهم الآيات، فعاجلناهم بالعقوبة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق} [الحجر: 8] قال: « 14P018 بالرسالة والعذاب» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله 14P017 [الحجر: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] يقول تعالى ذكره: {إنا نحن نزلنا الذكر} [الحجر: 9] وهو القرآن، {وإنا له لحافظون} [يوسف: 12] قال: " وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه والهاء في قوله: «له» من ذكر الذكر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء، وحدثني الحسن، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] قال: «عندنا» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنا نحن نزلنا 14P019 الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] ، قال في آية أخرى: {لا يأتيه الباطل} [فصلت: 42] والباطل: إبليس، {من بين يديه ولا من خلفه} [فصلت: 42] فأنزله الله ثم حفظه، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلا، ولا ينتقص منه حقا، حفظه الله من ذلك " حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] قال: «حفظه الله من أن يزيد فيه الشيطان باطلا، أو ينقص منه حقا» . وقيل: الهاء في قوله: {وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، بمعنى: وإنا لمحمد حافظون ممن أراده بسوء من أعدائه 14P019

قسم V14/P018–V14/P022

[الحجر: 10_11] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} [الحجر: 10_11] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولقد أرسلنا يا محمد من قبلك في الأمم الأولين رسلا وترك ذكر الرسل اكتفاء بدلالة قوله: {ولقد أرسلنا من قبلك} [الحجر: 10] عليه، وعنى بشيع الأولين: أمم الأولين، واحدتها شيعة، ويقال أيضا لأولياء الرجل: شيعته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين} [الحجر: 10] يقول: أمم الأولين " حدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، في قوله: {ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين} [الحجر: 10] قال: «في الأمم» وقوله: {وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} يقول: وما يأتي شيع الأولين من رسول من الله يرسله إليهم بالدعاء إلى توحيده والإذعان بطاعته {إلا كانوا به يستهزئون} يقول: إلا كانوا يسخرون بالرسول الذي يرسله الله إليهم، عتوا منهم وتمردا على ربهم 14P020 [الحجر: 12_13] القول في تأويل قوله تعالى: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين} [الحجر: 12_13] يقول تعالى ذكره: كما سلكنا الكفر في قلوب شيع الأولين بالاستهزاء بالرسل، كذلك نفعل ذلك في قلوب مشركي قومك الذين أجرموا بالكفر بالله، {لا يؤمنون به} [الحجر: 13] يقول: لا يصدقون: بالذكر الذي أنزل إليك، والهاء في قوله: {نسلكه} [الحجر: 12] من ذكر الاستهزاء بالرسل والتكذيب بهم، كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج 14P021 : {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} [الحجر: 12] قال: «التكذيب» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} [الحجر: 12] لا يؤمنون به قال: «إذا كذبوا سلك الله في قلوبهم أن لا يؤمنوا به» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن حميد، عن الحسن، في قوله: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} [الحجر: 12] قال: «الشرك» حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حميد، قال: قرأت القرآن كله على الحسن في بيت أبي خليفة، ففسره أجمع على الإثبات، فسألته عن قوله: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين} [الحجر: 12] ، قال: «أعمال سيعملونها لم يعملونها» حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، قال: قرأت القرآن كله على الحسن، فما كان يفسره إلا على الإثبات قال: وقفته على «نسلكه» ، قال: «الشرك» قال ابن المبارك: سمعت سفيان يقول في قوله: {نسلكه} [الحجر: 12] قال: «نجعله» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به} [الحجر: 13] قال: «هم كما قال الله، هو 14P022 أضلهم ومنعهم الإيمان» يقال منه: سلكه يسلكه سلكا وسلوكا، وأسلكه يسلكه إسلاكا، ومن السلوك قول عدي بن زيد: [+البحر الوافر] وكنت لزاز خصمك لم أعرد وقد سلكوك في يوم عصيب ومن الإسلاك قول الآخر: [+البحر البسيط] حتى إذا أسلكوهم في قتائدة شلا كما تطرد الجمالة الشردا وقوله: {وقد خلت سنة الأولين} [الحجر: 13] يقول تعالى ذكره: لا يؤمن بهذا القرآن قومك الذين سلكت في قلوبهم التكذيب، {حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 88] أخذا منهم سنة أسلافهم من المشركين قبلهم من قوم عاد، وثمود، وضربائهم من الأمم التي كذبت رسلها، فلم تؤمن بما جاءها من عند الله حتى حل بها سخط الله فهلكت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين} [الحجر: 13] «وقائع الله فيمن خلا قبلكم من الأمم» 14P022

قسم V14/P022–V14/P024

[الحجر: 14_15] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه 14P023 يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون} [الحجر: 14_15] اختلف أهل التأويل في المعنيين بقوله: {فظلوا فيه يعرجون} [الحجر: 14] فقال بعضهم: معنى الكلام: ولو فتحنا على هؤلاء القائلين لك يا محمد {لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين} [الحجر: 7] بابا من السماء فظلت الملائكة تعرج فيه وهم يرونهم عيانا، {لقالوا إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون} [الحجر: 15] ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون} [الحجر: 14] يقول: " لو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلت الملائكة تعرج فيه، لقال أهل الشرك: إنما أخذ أبصارنا، وشبه علينا، وإنما سحرنا فذلك قولهم: {لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين} [الحجر: 7] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس: {فظلوا فيه يعرجون} [الحجر: 14] " فظلت الملائكة يعرجون فيه يراهم بنو آدم عيانا، {لقالوا إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون} [الحجر: 15] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين} [الحجر: 7] قال: " ما بين ذلك إلى قوله: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون} [الحجر: 14] قال: " رجع إلى قوله: {لو ما تأتينا بالملائكة} [الحجر: 7] ، ما بين 14P024 ذلك. قال ابن جريج: قال ابن عباس: " فظلت الملائكة تعرج فنظروا إليهم، {لقالوا إنما سكرت أبصارنا} [الحجر: 15] قال: «قريش تقوله» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون} [الحجر: 14] قال: قال ابن عباس: " لو فتح الله عليهم من السماء بابا فظلت الملائكة تعرج فيه، يقول: يختلفون فيه جائين وذاهبين، {لقالوا إنما سكرت أبصارنا} [الحجر: 15] " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون} [الحجر: 14] يعني الملائكة، يقول: " لو فتحت على المشركين بابا من السماء، فنظروا إلى الملائكة تعرج بين السماء والأرض، لقال المشركون: {نحن قوم مسحورون} [الحجر: 15] سحرنا، وليس هذا بالحق، ألا ترى أنهم قالوا قبل هذه الآية: {لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين} [الحجر: 7] " حدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا هشام، عن عمر، عن نصر، عن الضحاك في قوله: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون} [الحجر: 14] قال: " لو أني فتحت بابا من السماء تعرج فيه الملائكة بين السماء والأرض، لقال المشركون: {بل نحن قوم مسحورون} [الحجر: 15] ألا ترى أنهم قالوا: {لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين} [الحجر: 7] ". وقال آخرون: إنما عنى بذلك بنو آدم.

قسم V14/P024–V14/P028

14P025 ومعنى الكلام عندهم: ولو فتحنا على هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بابا من السماء فظلوا هم فيه يعرجون {لقالوا إنما سكرت أبصارنا} [الحجر: 15] ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون} [الحجر: 14] قال قتادة: كان الحسن يقول: " لو فعل هذا ببني آدم فظلوا فيه يعرجون أي يختلفون، {لقالوا إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون} [الحجر: 15] " وأما قوله: {يعرجون} [الحجر: 14] فإن معناه: يرقون فيه ويصعدون، يقال منه: عرج يعرج عروجا إذا رقي وصعد، وواحدة المعارج: معرج ومعراج، ومنه قول كثير: [+البحر الطويل] إلى حسب عود بنا المرء قبله أبوه له فيه معارج سلم وقد حكي: عرج يعرج بكسر الراء في الاستقبال وقوله: {لقالوا إنما سكرت أبصارنا} [الحجر: 15] يقول: لقال هؤلاء المشركون الذين وصف جل ثناؤه صفتهم: ما هذا بحق إنما سكرت أبصارنا. واختلفت القراء في قراءة قوله: {سكرت} [الحجر: 15] فقرأ أهل المدينة والعراق: {سكرت} [الحجر: 15] بتشديد الكاف، بمعنى: غشيت وغطيت، هكذا كان يقول أبو عمرو بن العلاء فيما ذكر لي عنه، 14P026 وذكر عن مجاهد أنه كان يقرأ: (لقالوا إنما سكرت) " حدثني بذلك الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: سمعت الكسائي يحدث، عن حمزة، عن شبل، عن مجاهد، أنه قرأها: (سكرت أبصارنا) «خفيفة» وذهب مجاهد في قراءته ذلك كذلك إلى: حبست أبصارنا عن الرؤية والنظر، من سكور الريح، وذلك سكونها وركودها، يقال منه: سكرت الريح: إذا سكنت وركدت، وقد حكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: هو مأخوذ من سكر الشراب، وأن معناه: قد غشى أبصارنا السكر. وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معنى {سكرت} [الحجر: 15] سدت ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {سكرت أبصارنا} [الحجر: 15] قال: «سدت» . 14P027 حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا حجاج يعني: ابن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن كثير، قال: «سدت» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول : أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله: {سكرت أبصارنا} [الحجر: 15] يعني: «سدت» . فكأن مجاهدا ذهب في قوله وتأويله ذلك بمعنى: سدت، إلى أنه بمعنى: منعت النظر، كما يسكر الماء فيمنع من الجري بحبسه في مكان بالسكر الذي يسكر به. وقال آخرون: معنى سكرت: أخذت ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عباس: " {لقالوا إنما سكرت أبصارنا} [الحجر: 15] يقول: أخذت أبصارنا " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: «إنما أخذ أبصارنا، وشبه علينا، وإنما سحرنا» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة 14P028 : " {لقالوا إنما سكرت أبصارنا} [الحجر: 15] يقول: " سحرت أبصارنا، يقول: أخذت أبصارنا " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثنا شيبان، عن قتادة، قال: " من قرأ: {سكرت} [الحجر: 15] مشددة: يعني سدت، ومن قرأ (سكرت) مخففة، فإنه يعني سحرت ". وكأن هؤلاء وجهوا معنى قوله {سكرت} [الحجر: 15] إلى أن أبصارهم سحرت، فشبه عليهم ما يبصرون، فلا يميزون بين الصحيح مما يرون وغيره، من قول العرب: سكر على فلان رأيه: إذا اختلط عليه رأيه فيما يريد فلم يدر الصواب فيه من غيره، فإذا عزم على الرأي قالوا: ذهب عنه التسكير.

قسم V14/P028–V14/P029

وقال آخرون: هو مأخوذ من السكر، ومعناه: غشي على أبصارنا فلا نبصر، كما يفعل السكر بصاحبه، فذلك إذا دير به وغشي بصره كالسمادير فلم يبصر ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: «إنما سكرت أبصارنا» قال: سكرت، السكران الذي لا يعقل ". وقال آخرون: معنى ذلك: عميت ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن الكلبي: {سكرت} [الحجر: 15] قال: «عميت» وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: أخذت أبصارنا وسحرت، فلا تبصر الشيء على ما هو به ، وذهب حد أبصارنا وانطفأ نوره، كما يقال للشيء الحار إذا ذهبت فورته وسكن حد حره: قد سكر يسكر، قال المثنى بن جندل الطهوي: [+البحر الرجز] جاء الشتاء واجثأل القبر واستخفت الأفعى وكانت تظهر وجعلت عين الحرور تسكر أي تسكن وتذهب وتنطفئ، وقال ذو الرمة: [+البحر الرجز] قبل انصداع الفجر والتهجر وخوضهن الليل حين يسكر يعني: حين تسكن فورته، وذكر عن قيس أنها تقول: سكرت الريح تسكر سكورا، بمعنى: سكنت وإن كان ذلك عنها صحيحا، فإن معنى سكرت وسكرت بالتخفيف والتشديد متقاربان، غير أن القراءة التي لا أستجيز غيرها في القرآن: {سكرت} [الحجر: 15] بالتشديد لإجماع الحجة من القراء عليها، وغير جائز خلافها فيما جاءت به، مجمعة عليه 14P030

قسم V14/P029–V14/P033

[الحجر: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين} [الحجر: 16] يقول تعالى ذكره: ولقد جعلنا في السماء الدنيا منازل للشمس والقمر، وهي كواكب ينزلها الشمس والقمر {وزيناها للناظرين} [الحجر: 16] يقول: وزينا السماء بالكواكب لمن نظر إليها وأبصرها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، 14P031 وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ولقد جعلنا في السماء بروجا} [الحجر: 16] قال: «كواكب» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولقد جعلنا في السماء بروجا} [الحجر: 16] وبروجها: نجومها " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {بروجا} [الحجر: 16] قال: «الكواكب» 14P031 [الحجر: 17_18] القول في تأويل قوله تعالى: {وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين} [الحجر: 17_18] يقول تعالى ذكره: وحفظنا السماء الدنيا من كل شيطان لعين قد رجمه الله ولعنه {إلا من استرق السمع} [الحجر : 18] يقول: لكن قد يسترق من الشياطين السمع مما يحدث في السماء بعضها، فيتبعه شهاب من النار، {مبين} [البقرة: 168] يبين أثره فيه، إما بإخباله وإفساده، أو بإحراقه. وكان بعض نحويي أهل البصرة يقول في قوله: {إلا من استرق السمع} [الحجر: 18] هو استثناء خارج، كما قال: ما أشتكي إلا خيرا، يريد: لكن أذكر خيرا وكان ينكر ذلك من قيله بعضهم، ويقول: إذا كانت «إلا» بمعنى «لكن» عملت عمل «لكن» ، ولا يحتاج إلى إضمار «أذكر» ، ويقول: لو احتاج الأمر كذلك إلى إضمار «أذكر» احتاج قول القائل: قام زيد لا عمرو إلى إضمار «أذكر» . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " تصعد الشياطين أفواجا تسترق السمع، قال: فينفرد المارد منها فيعلو، فيرمى بالشهاب فيصيب جبهته أو جنبه أو حيث شاء الله منه فيلتهب، فيأتي أصحابه وهو يلتهب، فيقول: إنه كان من الأمر كذا وكذا، قال: فيذهب أولئك إلى إخوانهم من الكهنة، فيزيدون عليه أضعافه من الكذب، فيخبرونهم به، فإذا رأوا شيئا مما قالوا قد كان صدقوهم بما جاءوهم به من الكذب " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع} [الحجر: 18] قال: " أراد أن يخطف السمع، وهو كقوله: {إلا من خطف الخطفة} [الصافات: 10] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {إلا من استرق السمع} [الحجر: 18] وهو نحو قوله: {إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب} [الصافات: 10] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إلا من استرق السمع} [الحجر: 18] قال: «خطف الخطفة» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {إلا من استرق السمع} [الحجر: 18] هو كقوله : {إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب} [الصافات: 10] " كان ابن عباس يقول: «إن الشهب لا تقتل، ولكن تحرق وتخبل وتجرح من غير أن تقتل» حدثني الحرث، قال: ثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {من كل شيطان رجيم} [الحجر: 17] قال: " الرجيم: الملعون " قال: وقال القاسم، عن الكسائي أنه قال: " الرجم في جميع القرآن: الشتم " 14P033

قسم V14/P033–V14/P034

[الحجر: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} [الحجر: 19] يعني تعالى ذكره بقوله: {والأرض مددناها} [الحجر: 19] والأرض دحوناها فبسطناها، {وألقينا فيها رواسي} [الحجر: 19] يقول: وألقينا في ظهورها رواسي، يعني جبالا ثابتة، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {والأرض مددناها} [الحجر: 19] ، وقال في آية أخرى: {والأرض بعد ذلك دحاها} [النازعات: 30] 14P034 وذكر لنا أن أم القرى مكة، منها دحيت الأرض " قوله: {وألقينا فيها رواسي} [الحجر: 19] رواسيها: جبالها، وقد بينا معنى الرسو فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادته وقوله: {وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} [الحجر: 19] يقول: وأنبتنا في الأرض من كل شيء، يقول: من كل شيء مقدر، وبحد معلوم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} [الحجر: 19] يقول: معلوم " حدثني محمد بن سعد قال: ثنا أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} [الحجر: 19] يقول: معلوم " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، أو عن أبي مالك، في قوله: {من كل شيء موزون} [الحجر: 19] قال: «بقدر» . حدثنا المثنى قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح أو عن أبي مالك، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن 14P035 عكرمة: {من كل شيء موزون } [الحجر: 19] قال: «بقدر» حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا علي يعني ابن الجعد قال: أخبرنا شريك، عن خصيف، عن عكرمة: " {من كل شيء موزون} [الحجر: 19] قال: «بقدر» حدثنا أحمد بن إسحاق قال قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان، عن خصيف، عن عكرمة قال: «بقدر» حدثنا أحمد قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جبير: {من كل شيء موزون} [الحجر: 19] قال: «معلوم» حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا عبد الله بن يونس، قال: سمعت الحكم بن عتيبة، وسأله أبو مخزوم عن قوله: {من كل شيء موزون} [الحجر: 19] قال: «من كل شيء مقدور» حدثنا الحسن بن محمد قال: ثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الله بن يونس، قال: سمعت الحكم، وسأله أبو عروة عن قول الله عز وجل: {من كل شيء موزون} [الحجر: 19] قال: «من كل شيء مقدور» . هكذا قال الحسن: وسأله أبو عروة حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أبو حذيفة قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {من كل شيء موزون} [الحجر: 19] قال: «مقدور 14P036 بقدر» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {من كل شيء موزون} [الحجر: 19] قال: «مقدور بقدر» حدثني المثنى قال: ثنا علي بن الهيثم قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: «مقدور بقدر» حدثنا المثنى، قال: ثنا علي بن الهيثم، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: {من كل شيء موزون} [الحجر: 19] قال: «بقدر» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} [الحجر: 19] يقول: «معلوم» .

الأسئلة

Taberî — Câmiü'l-Beyân · 188 · Qur'an & Sunnah