Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V14/P289–V14/P291

حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس} [النحل: 69] قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: " شفاءان: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {فيه شفاء للناس} [النحل: 69] العسل " وهذا القول، أعني قول قتادة، أولى بتأويل الآية لأن قوله: {فيه} [النحل: 69] في سياق الخبر عن العسل، فأن تكون الهاء من ذكر العسل، إذ كانت في سياق الخبر عنه أولى من غيره وقوله: {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} [النحل: 11] يقول تعالى ذكره: إن في إخراج الله من بطون هذه النحل: الشراب المختلف، الذي هو شفاء للناس، لدلالة وحجة واضحة على من سخر النحل وهداها لأكل الثمرات التي تأكل، واتخاذها البيوت التي تنحت من الجبال والشجر والعروش، وأخرج من بطونها ما أخرج من الشفاء للناس، أنه الواحد الذي ليس كمثله شيء، وأنه لا ينبغي أن يكون له شريك، ولا تصح الألوهة إلا له 14P291

قسم V14/P291–V14/P293

[النحل: 70] القول في تأويل قوله تعالى: {والله خلقكم ثم يتوفاكم، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا، إن الله عليم قدير} [النحل: 70] يقول تعالى ذكره: والله خلقكم أيها الناس وأوجدكم ولم تكونوا شيئا، لا الآلهة التي تعبدون من دونه، فاعبدوا الذي خلقكم دون غيره {ثم يتوفاكم} [النحل: 70] يقول: ثم يقبضكم {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} [النحل: 70] يقول: ومنكم من يهرم فيصير إلى أرذل العمر، وهو أردؤه، يقال منه: رذل الرجل وفسل، يرذل رذالة ورذولة ورذلته أنا وقيل: إنه يصير كذلك في خمس وسبعين سنة حدثني محمد بن إسماعيل الفزاري، قال: أخبرنا محمد بن سوار، قال: ثنا أسد بن عمران، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي، في قوله: {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} [النحل: 70] قال: «خمس وسبعون سنة» وقوله: {لكي لا يعلم بعد علم شيئا} [النحل: 70] يقول: إنما نرده إلى أرذل العمر ليعود جاهلا كما كان في حال طفولته وصباه {بعد علم شيئا} [النحل: 70] يقول: لئلا يعلم شيئا بعد علم كان يعلمه في شبابه، فذهب ذلك بالكبر ونسي، فلا يعلم منه شيئا، وانسلخ من عقله، فصار من بعد عقل كان له لا يعقل شيئا. {إن الله عليم قدير} [النحل: 70] يقول: إن الله لا ينسى ولا يتغير علمه، عليم بكل ما كان ويكون، قدير على ما شاء، لا يجهل شيئا ولا يعجزه شيء أراده 14P292 [النحل: 71] القول في تأويل قوله تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق، فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء، أفبنعمة الله يجحدون} [النحل: 71] يقول تعالى ذكره: والله أيها الناس فضل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا، فما الذين فضلهم الله على غيرهم بما رزقهم {برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم} [النحل: 71] يقول: بمشركي مماليكهم فيما رزقهم من الأموال والأزواج {فهم فيه سواء} [النحل: 71] يقول: حتى يستووا هم في ذلك وعبيدهم، يقول تعالى ذكره: فهم لا يرضون بأن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقتهم سواء، وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني وهذا مثل ضربه الله تعالى ذكره للمشركين بالله وقيل: إنما عنى بذلك الذين قالوا: إن المسيح ابن الله من النصارى وقوله: {أفبنعمة الله يجحدون} [النحل: 71] يقول تعالى ذكره: أفبنعمة الله التي أنعمها على هؤلاء المشركين من الرزق الذي رزقهم في الدنيا يجحدون بإشراكهم غير الله من خلقه في سلطانه وملكه؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم} [النحل: 71] يقول: " لم يكونوا يشركون عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟ فذلك قوله: {أفبنعمة الله يجحدون} [النحل: 71] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " هذه الآية في شأن عيسى ابن مريم، يعني بذلك نفسه، إنما عيسى عبد، فيقول الله: والله ما تشركون عبيدكم في الذي لكم فتكونوا أنتم وهم سواء، فكيف ترضون لي بما لا ترضون لأنفسكم؟ " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم} [النحل: 71] قال: «مثل آلهة الباطل مع الله تعالى ذكره» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق، فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء، أفبنعمة الله يجحدون} [النحل: 71] «وهذا مثل ضربه الله، فهل منكم من أحد شارك مملوكه في زوجته، وفي فراشه، فتعدلون بالله خلقه وعباده؟ فإن لم ترض لنفسك هذا، فالله أحق أن ينزه منه من نفسك، ولا تعدل بالله أحدا من عباده وخلقه» حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم} [النحل: 71] قال: " هذا الذي فضل في المال والولد، لا يشرك عبده في ماله وزوجته، يقول: قد رضيت بذلك لله ولم ترض به لنفسك، فجعلت لله شريكا في ملكه وخلقه " 14P295

قسم V14/P293–V14/P298

[النحل: 72] القول في تأويل قوله تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات، أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون} [النحل: 72] يقول تعالى ذكره: {والله} [البقرة: 19] الذي {جعل لكم} [البقرة: 22] أيها الناس {من أنفسكم أزواجا} [النحل: 72] يعني أنه خلق من آدم زوجته حواء، {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} [النحل: 72] ، كما: حدثنا بشر ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا} [النحل: 72] أي والله خلق آدم، ثم خلق زوجته منه، ثم جعل لكم بنين وحفدة ". واختلف أهل التأويل في المعنيين بالحفدة، فقال بعضهم: هم الأختان، أختان الرجل على بناته ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، وابن وكيع، قالا: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا أبان بن تغلب، عن المنهال بن عمرو، عن ابن حبيش، عن عبد الله: {بنين وحفدة} [النحل: 72] قال: «الأختان» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، عن ورقاء، سألت عبد الله: " ما تقول في الحفدة؟ هم حشم الرجل يا أبا عبد الرحمن؟ قال: «لا، ولكنهم الأختان» حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عبد الرحمن، وحدثنا أحمد بن إسحاق قال: ثنا أبو أحمد قالا جميعا: ثنا سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله قال: " الحفدة: الأختان ". حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان بإسناده عن عبد الله، مثله حدثنا ابن بشار، وأحمد بن الوليد القرشي، وابن وكيع، وسوار بن عبد الله العنبري، ومحمد بن خلف بن خراش، والحسن بن خلف الواسطي، قالوا: ثنا يحيى بن 14P297 سعيد القطان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، قال: " الحفدة: الأختان " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: " الحفدة: الأختان " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: {بنين وحفدة} [النحل: 72] قال: " الحفدة: الأختان " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: " الحفدة: الختن " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: «الأختان» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «الأختان» وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وحفدة} [النحل: 72] قال: «الأصهار» حدثني المثنى قال: ثنا الحجاج قال : ثنا حماد، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود، قال: " الحفدة: الأختان " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، قال: قال لي عبد الله بن مسعود: " ما الحفدة يا زر؟ قال: قلت: هم أحفاد الرجل من ولده وولد ولده، قال: «لا، هم الأصهار» .

قسم V14/P298–V14/P301

وقال آخرون: هم أعوان الرجل وخدمه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال: ثني سلم بن قتيبة، عن وهب بن حبيب الأسدي، عن أبي حمزة، عن ابن عباس، سئل عن قوله: {بنين وحفدة} [النحل: 72] قال: " من أعانك فقد حفدك، أما سمعت قول الشاعر: [+البحر الكامل] حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الأجمال حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: {بنين وحفدة} [النحل: 72] قال: " الحفدة: الخدام " حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال: ثني سلم بن قتيبة، عن حازم بن إبراهيم البجلي، عن سماك، عن عكرمة، قال: قال: " الحفدة: الخدام " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن عكرمة، قال: «هم الذين يعينون الرجل من ولده وخدمه» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: {وحفدة} [النحل: 72] قال: " الحفدة: من خدمك من ولدك " حدثنا ابن وكيع قال: ثنا يحيى بن آدم، عن سلام بن سليم، وقيس، عن سماك، عن عكرمة قال: «هم الخدم» . حدثنا أحمد قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سلام أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، مثله حدثني محمد بن خالد، قال: ثني سلمة، عن أبي هلال، عن الحسن، في قوله: {بنين وحفدة} [النحل: 72] قال: «البنين وبني البنين، من أعانك من أهل وخادم فقد حفدك» حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، قال: «هم الخدم» حدثني محمد بن خالد، وابن وكيع، ويعقوب بن إبراهيم، قالوا: ثنا إسماعيل ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " الحفدة: الخدم " حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، جميعا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {بنين وحفدة} [النحل: 72] قال: «ابنه وخادمه» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {بنين وحفدة} [النحل: 72] قال: «أنصارا، وأعوانا، وخداما» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا زمعة، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: " الحفدة: الخدم ". حدثنا ابن بشار، مرة أخرى قال: «ابنه وخادمه» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} [النحل: 72] مهنة يمهنونك ويخدمونك من ولدك، كرامة أكرمكم الله بها " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك: " الحفدة، قال: الأعوان " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حصين، عن عكرمة، قال: «الذين يعينونه» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، في قوله: {بنين وحفدة} [النحل: 72] قال: " الحفدة: من خدمك من ولدك وولد ولدك " حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن التيمي، عن أبيه، عن الحسن قال: " الحفدة: الخدم " حدثني المثنى قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن عكرمة: {بنين وحفدة} [النحل: 72] قال: «ولده الذين يعينونه» . وقال آخرون: هم ولد الرجل وولد ولده ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وحفدة} [النحل: 72] قال: «هم الولد، وولد الولد» حدثنا ابن بشار قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية: {بنين وحفدة} [النحل: 72] قال: " الحفدة: البنون ".

قسم V14/P301–V14/P304

14P302 حدثنا ابن وكيع قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «بنوك حين يحفدونك، ويرفدونك، ويعينونك، ويخدمونك» قال حميد: [+البحر الكامل] حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الأجمال حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} [النحل: 72] قال: " الحفدة: الخدم من ولد الرجل هم ولده، وهم يخدمونه، قال: وليس تكون العبيد من الأزواج، كيف يكون من زوجي عبد؟ إنما الحفدة: ولد الرجل وخدمه " حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {بنين وحفدة} [النحل: 72] يعني: «ولد الرجل يحفدونه ويخدمونه، وكانت العرب إنما تخدمهم أولادهم الذكور» . وقال آخرون: هم بنو امرأة الرجل من غيره ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} [النحل: 72] يقول: « بنو امرأة الرجل ليسوا منه» ويقال: الحفدة: الرجل يعمل بين يدي الرجل، يقول: فلان يحفد لنا، ويزعم رجال أن الحفدة أختان الرجل. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى أخبر عباده معرفهم نعمه عليهم، فيما جعل لهم من الأزواج والبنين، فقال تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} [النحل: 72] فأعلمهم أنه جعل لهم من أزواجهم بنين وحفدة، والحفدة في كلام العرب: جمع حافد، كما الكذبة: جمع كاذب، والفسقة: جمع فاسق، والحافد في كلامهم: هو المتخفف في الخدمة والعمل، والحفد: خفة العمل، يقال: مر البعير يحفد حفدانا: إذا مر يسرع في سيره ومنه، قولهم: «إليك نسعى ونحفد» : أي نسرع إلى العمل بطاعتك، يقال منه: حفد له يحفد حفدا وحفودا وحفدانا، ومنه قول الراعي : [+البحر البسيط] كلفت مجهولها نوقا يمانية إذا الحداة على أكسائها حفدوا وإذ كان معنى الحفدة ما ذكرنا من أنهم المسرعون في خدمة الرجل المتخففون فيها، وكان الله تعالى ذكره أخبرنا أن مما أنعم به علينا أن جعل لنا حفدة تحفد لنا، وكان أولادنا وأزواجنا الذين يصلحون للخدمة منا ومن غيرنا، وأختاننا الذين هم أزواج بناتنا من أزواجنا، وخدمنا من مماليكنا، إذا كانوا يحفدوننا فيستحقون اسم حفدة، ولم يكن الله تعالى دل بظاهر تنزيله ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ولا بحجة عقل، على أنه عنى بذلك نوعا من الحفدة دون نوع منهم، وكان قد أنعم بكل ذلك علينا، لم يكن لنا أن نوجه ذلك إلى خاص من الحفدة دون عام، إلا ما اجتمعت الأمة عليه أنه غير داخل فيهم، وإذا كان ذلك كذلك فلكل الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا وجه في الصحة، ومخرج في التأويل، وإن كان أولى بالصواب من القول ما اخترنا لما بينا من الدليل وقوله: {ورزقكم من الطيبات} [الأنفال: 26] يقول: ورزقكم من حلال المعاش والأرزاق والأقوا {أفبالباطل يؤمنون} [النحل: 72] يقول تعالى ذكره: يحرم عليهم أولياء الشيطان من البحائر والسوائب والوصائل، فيصدق هؤلاء المشركون بالله {وبنعمة الله هم يكفرون} يقول: وبما أحل الله لهم من ذلك وأنعم عليهم بإحلاله، {يكفرون} [البقرة: 61] يقول: ينكرون تحليله، ويجحدون أن يكون الله أحله 14P304

قسم V14/P304–V14/P306

[النحل: 73_74] القول في تأويل قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال، إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النحل: 73_74] يقول تعالى ذكره: ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه أوثانا لا تملك لهم رزقا من السماوات، لأنها لا تقدر على إنزال قطر منها لإحياء موتان الأرضين {والأرض} [البقرة: 33] يقول: ولا تملك لهم أيضا رزقا من الأرض لأنها لا تقدر على إخراج شيء من نباتها وثمارها لهم ولا شيئا مما عدد تعالى في هذه الآية أنه أنعم بها عليهم {ولا يستطيعون} [الأعراف: 192] يقول: ولا تملك أوثانهم شيئا من السماوات والأرض، بل هي وجميع ما في السماوات والأرض لله ملك، {ولا يستطيعون} [الأعراف: 192] يقول: ولا تقدر على شيء وقوله: {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74] يقول: فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه، فإنه لا مثل له ولا شبه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: «الأمثال الأشباه» وحدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74] " يعني اتخاذهم الأصنام، يقول: لا تجعلوا معي إلها غيري، فإنه لا إله غيري " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويعبدون من 14P306 دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون} قال: " هذه الأوثان التي تعبد من دون الله، لا تملك لمن يعبدها رزقا، ولا ضرا، ولا نفعا، ولا حياة، ولا نشورا، وقوله: {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74] فإنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد " {إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النحل: 74] يقول: والله أيها الناس يعلم خطأ ما تمثلون وتضربون من الأمثال وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه. واختلف أهل العربية في الناصب قوله: «شيئا» فقال بعض البصريين: هو منصوب على البدل من الرزق، وهو في معنى: لا يملكون رزقا قليلا ولا كثيرا وقال بعض الكوفيين: نصب «شيئا» بوقوع الرزق عليه، كما قال تعالى ذكره: {ألم نجعل الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا} [المرسلات: 26] ، أي تكفت الأحياء والأموات، ومثله قوله تعالى ذكره: {أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيما ذا مقربة. أو مسكينا ذا متربة} [البلد: 14] ، قال: ولو كان الرزق مع الشيء لجاز خفضه، لا يملك لكم رزق شيء من السماوات، ومثله: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] 14P307

قسم V14/P306–V14/P309

[النحل: 75] القول في تأويل قوله تعالى: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا، هل يستوون، الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون} [النحل: 75] يقول تعالى ذكره: وشبه لكم شبها أيها الناس للكافر من عبيده، والمؤمن به منهم، فأما مثل الكافر: فإنه لا يعمل بطاعة الله، ولا يأتي خيرا، ولا ينفق في شيء من سبيل الله ماله لغلبة خذلان الله عليه، كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء فينفقه، وأما المؤمن بالله فإنه يعمل بطاعة الله، وينفق في سبيله ماله، كالحر الذي آتاه الله مالا فهو ينفق منه سرا وجهرا، يقول: بعلم من الناس وغير علم {هل يستوون} [النحل: 75] يقول: هل يستوي العبد الذي لا يملك شيئا ولا يقدر عليه، وهذا الحر الذي قد رزقه الله رزقا حسنا فهو ينفق كما وصف؟ فكذلك لا يستوي الكافر العامل بمعاصي الله المخالف أمره والمؤمن العامل بطاعته. وبنحو ما قلنا في ذلك كان بعض أهل العلم يقول ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ضرب الله مثلا 14P308 عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} [النحل: 75] " هذا مثل ضربه الله للكافر، رزقه مالا فلم يقدم فيه خيرا، ولم يعمل فيه بطاعة الله، قال الله تعالى ذكره: {ومن رزقناه منا رزقا حسنا} [النحل: 75] فهذا المؤمن أعطاه الله مالا، فعمل فيه بطاعة الله، وأخذ بالشكر ومعرفة حق الله، فأثابه الله على ما رزقه الرزق المقيم الدائم لأهله في الجنة، قال الله تعالى ذكره: {هل يستويان مثلا} [هود: 24] ، والله ما يستويان: {الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون} [النحل: 75] " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} [النحل: 75] قال: " هو الكافر، لا يعمل بطاعة الله، ولا ينفق خيرا {ومن رزقناه منا رزقا حسنا} [النحل: 75] قال: «المؤمن يطيع الله في نفسه وماله» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} [النحل: 75] يعني: الكافر أنه لا يستطيع أن ينفق نفقة في سبيل الله {ومن رزقناه منا رزقا حسنا، فهو ينفق منه سرا وجهرا} [النحل: 75] يعني المؤمن، وهذا المثل في النفقة " وقوله: {الحمد لله} [الفاتحة: 2] يقول: الحمد الكامل لله خالصا دون ما تدعون أيها القوم من دونه من الأوثان فإياه فاحمدوا دونها. وقوله: {بل أكثرهم لا يعلمون} [النحل: 75] يقول: ما الأمر كما تفعلون، ولا القول كما تقولون، ما للأوثان عندهم من يد ولا معروف فتحمد عليه، إنما الحمد لله، ولكن أكثر هؤلاء الكفرة الذين يعبدونها لا يعلمون أن ذلك كذلك، فهم بجهلهم بما يأتون ويذرون يجعلونها لله شركاء في العبادة والحمد وكان مجاهد يقول: «ضرب الله هذا المثل، والمثل الآخر بعده لنفسه، والآلهة التي تعبد من دونه» 14P309

قسم V14/P309–V14/P311

[النحل: 76] القول في تأويل قوله تعالى: {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} [النحل: 76] وهذا مثل ضربه الله تعالى لنفسه والآلهة التي تعبد من دونه، فقال تعالى ذكره: {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء} [النحل: 76] يعني بذلك الصنم أنه لا يسمع شيئا ولا ينطق، لأنه إما خشب منحوت، وإما نحاس مصنوع، لا يقدر على نفع لمن خدمه، ولا دفع ضر عنه {وهو كل على مولاه} [النحل: 76] يقول: وهو عيال على ابن عمه وحلفائه وأهل ولايته، فكذلك الصنم كل على من يعبده، يحتاج أن يحمله ويضعه ويخدمه، كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شيء، فهو كل على أوليائه من بني أعمامه وغيرهم {أينما يوجهه لا يأت بخير} [النحل: 76] يقول: حيثما يوجهه لا يأت بخير، لأنه لا يفهم ما يقال له، ولا يقدر أن يعبر عن نفسه ما يريد، فهو لا يفهم ولا يفهم عنه، فكذلك الصنم لا يعقل ما يقال له فيأتمر لأمر من أمره، ولا ينطق فيأمر وينهى ، يقول الله تعالى: {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل} [النحل: 76] يعني: هل يستوي هذا الأبكم الكل على مولاه الذي لا يأتي بخير حيث توجه، ومن هو ناطق متكلم يأمر بالحق ويدعو إليه، وهو الله الواحد القهار، الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته؟ يقول: لا يستوي هو تعالى ذكره، والصنم الذي صفته ما وصف، وقوله: {وهو على صراط مستقيم} [النحل: 76] يقول: وهو مع أمره بالعدل، على طريق من الحق في دعائه إلى العدل وأمره به مستقيم، لا يعوج عن الحق، ولا يزول عنه. وقد اختلف أهل التأويل في المضروب له هذا المثل، فقال بعضهم في ذلك بنحو الذي قلنا فيه ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {لا يقدر على شيء} [النحل: 75] قال: " هو الوثن {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل} [النحل: 76] قال: " الله يأمر بالعدل {وهو على صراط مستقيم} [النحل: 76] ". 14P311 وكذلك كان مجاهد يقول، إلا أنه كان يقول: «المثل الأول أيضا ضربه الله لنفسه وللوثن» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره: {عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، ومن رزقناه منا رزقا حسنا} [النحل: 75] {رجلين أحدهما أبكم} [النحل: 76] ، {ومن يأمر بالعدل} [النحل: 76] قال: «كل هذا مثل إله الحق، وما يدعى من دونه من الباطل» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك: {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم} [النحل: 76] قال: «إنما هذا مثل ضربه الله» .

قسم V14/P311

وقال آخرون: بل كلا المثلين للمؤمن والكافر، وذلك قول يروى عن ابن عباس، وقد ذكرنا الرواية عنه في المثل الأول في موضعه وأما في المثل الآخر: فحدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال : ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس: " {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه} [النحل: 76] إلى آخر الآية، يعني بالأبكم: الذي هو كل على مولاه الكافر، وبقوله: {ومن يأمر 14P312 بالعدل} [النحل: 76] المؤمن، وهذا المثل في الأعمال " حدثنا الحسن بن الصباح البزار، قال: ثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، قال: ثنا حماد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إبراهيم، عن عكرمة، عن يعلى بن أمية، عن ابن عباس، في قوله: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا} [النحل: 75] قال: " نزلت في رجل من قريش وعبده، وفي قوله: {مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء} [النحل: 76] إلى قوله: {وهو على صراط مستقيم} [النحل: 76] قال: «هو عثمان بن عفان» قال: «والأبكم الذي أينما يوجه لا يأت بخير، ذاك مولى عثمان بن عفان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المئونة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما» 14P313 وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في المثل الأول لأنه تعالى ذكره مثل مثل الكافر بالعبد الذي وصف صفته، ومثل مثل المؤمن بالذي رزقه رزقا حسنا، فهو ينفق مما رزقه سرا وجهرا، فلم يجز أن يكون ذلك لله مثلا، إذ كان الله إنما مثل الكافر الذي لا يقدر على شيء بأنه لم يرزقه رزقا ينفق منه سرا، ومثل المؤمن الذي وفقه الله لطاعته فهداه لرشده فهو يعمل بما يرضاه الله، كالحر الذي بسط له في الرزق فهو ينفق منه سرا وجهرا، والله تعالى ذكره هو الرازق غير المرزوق، فغير جائز أن يمثل إفضاله وجوده بإنفاق المرزوق الرزق الحسن، وأما المثل الثاني، فإنه تمثيل منه تعالى ذكره من مثله الأبكم الذي لا يقدر على شيء، والكفار لا شك أن منهم من له الأموال الكثيرة، ومن يضر أحيانا الضر العظيم بفساده، فغير كائن ما لا يقدر على شيء، كما قال تعالى ذكره مثلا، لمن يقدر على أشياء كثيرة، فإذا كان ذلك كذلك، كان أولى المعاني به تمثيل ما لا يقدر على شيء كما قال تعالى ذكره بمثله ما لا يقدر على شيء، وذلك الوثن الذي لا يقدر على شيء، بالأبكم الكل على مولاه الذي لا يقدر على شيء كما قال ووصف 14P312

قسم V14/P311–V14/P316

[النحل: 77] القول في تأويل قوله تعالى: {ولله غيب السموات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير} [النحل: 77] يقول تعالى ذكره: ولله أيها الناس ملك ما غاب عن أبصاركم في السماوات والأرض دون آلهتكم التي تدعون من دونه، ودون كل ما سواه، لا يملك ذلك أحد سواه {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر} [النحل: 77] يقول: وما أمر قيام القيامة والساعة التي تنشر فيها الخلق للوقوف في موقف القيامة، إلا كنظرة من البصر، لأن ذلك إنما هو أن يقال له كن فيكون، كما: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {إلا كلمح البصر أو هو أقرب} [النحل: 77] «والساعة كلمح البصر، أو أقرب» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر} [النحل: 77] قال: " هو أن يقول: كن، فهو كلمح البصر، فأمر الساعة كلمح البصر أو أقرب، يعني يقول: أو هو أقرب من لمح البصر " وقوله: {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] يقول: إن الله على إقامة الساعة في أقرب من لمح البصر قادر، وعلى ما يشاء من الأشياء كلها، لا يمتنع عليه شيء أراده 14P314 [النحل: 78] القول في تأويل قوله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع، والأبصار، والأفئدة، لعلكم تشكرون} [النحل: 78] يقول تعالى ذكره: والله تعالى أعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من بعد ما أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعقلون شيئا ولا تعلمون، فرزقكم عقولا تفقهون بها وتميزون بها الخير من الشر، وبصركم بها ما لم تكونوا تبصرون، وجعل لكم السمع الذي تسمعون به الأصوات، فيفقه بعضكم عن بعض ما تتحاورون به بينكم، والأبصار التي تبصرون بها الأشخاص فتتعارفون بها وتميزون بها بعضا من بعض {والأفئدة} [النحل: 78] يقول: والقلوب التي تعرفون بها الأشياء فتحفظونها وتفكرون فتفقهون بها {لعلكم تشكرون} [البقرة: 52] يقول: فعلنا ذلك بكم، فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم من ذلك، دون الآلهة والأنداد، فجعلتم له شركاء في الشكر، ولم يكن له فيما أنعم به عليكم من نعمه شريك. وقوله: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} [النحل: 78] كلام متناه، ثم ابتدئ الخبر، فقيل: وجعل الله لكم السمع والأبصار والأفئدة وإنما قلنا ذلك كذلك، لأن الله تعالى ذكره جعل العبادة والسمع والأبصار والأفئدة قبل أن يخرجهم من بطون أمهاتهم، وإنما أعطاهم العلم والعقل بعدما أخرجهم من بطون أمهاتهم 14P315 [النحل: 79] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء، ما يمسكهن إلا الله، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} [النحل: 79] يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين: ألم تروا أيها المشركون بالله إلى الطير مسخرات في جو السماء، يعني: في هواء السماء بينها وبين الأرض، كما قال إبراهيم بن عمران الأنصاري: [+البحر البسيط] ويلمها من هواء الجو طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب يعني: في هواء السماء. {ما يمسكهن إلا الله} [النحل: 79] يقول: ما طيرانها في الجو إلا بالله وبتسخيره إياها بذلك، ولو سلبها ما أعطاها من الطيران لم تقدر على النهوض ارتفاعا. وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} [النحل: 79] يقول: إن في تسخير الله الطير وتمكينه لها الطيران في جو السماء، لعلامات ودلالات على أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأنه لا حظ للأصنام والأوثان في الألوهة {لقوم يؤمنون} [الأنعام: 99] يعني: لقوم يقرون بوجدان ما تعاينه أبصارهم، وتحسه حواسهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {مسخرات في 14P317 جو السماء} [النحل: 79] أي في كبد السماء " 14P316

قسم V14/P316–V14/P319

[النحل: 80] القول في تأويل قوله تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين} [النحل: 80] يقول تعالى ذكره: {والله جعل لكم} [النحل: 72] أيها الناس {من بيوتكم} [النحل: 80] التي هي من الحجر والمدر، {سكنا} [الأنعام: 96] تسكنون أيام مقامكم في دوركم وبلادكم {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا} [النحل: 80] وهي البيوت من الأنطاع والفساطيط من الشعر والصوف والوبر {تستخفونها} [النحل: 80] يقول: تستخفون حملها ونقلها، {يوم ظعنكم} [النحل: 80] من بلادكم وأمصاركم لأسفاركم، {ويوم إقامتكم} [النحل: 80] في بلادكم وأمصاركم. ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا. وبنحو الذي قلنا في معنى السكن قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {من بيوتكم سكنا} [النحل: 80] قال: «تسكنون فيه» . 14P318 حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. أما الأشعار فجمع شعر تثقل عينه وتخفف، وواحد الشعر شعرة، وأما الأثاث فإنه متاع البيت لم يسمع له بواحد، وهو في أنه لا واحد له مثل المتاع، وقد حكي عن بعض النحويين أنه كان يقول: واحد الأثاث أثاثة، ولم أر أهل العلم بكلام العرب يعرفون ذلك. ومن الدليل على أن الأثاث هو المتاع، قول الشاعر: [+البحر الوافر] أهاجتك الظعائن يوم بانوا بذي الرئي الجميل من الأثاث ويروى: «بذي الزي» وأنا أرى أصل الأثاث اجتماع بعض المتاع إلى بعض حتى يكثر، كالشعر الأثيث وهو الكثير الملتف، يقال منه، أث شعر فلان يئث أثا: إذا كثر والتف واجتمع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن 14P319 أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أثاثا} [النحل: 80] " يعني بالأثاث: المال " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {أثاثا} [النحل: 80] قال: «متاعا» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {أثاثا} [النحل: 80] قال: «هو المال» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن حرب الرازي، قال: أخبرنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن حميد بن عبد الرحمن، في قوله: {أثاثا} [النحل: 80] قال: «الثياب» وقوله: {ومتاعا إلى حين} [النحل: 80] فإنه يعني: أنه جعل ذلك لهم بلاغا، يتبلغون ويكتفون به إلى حين آجالهم للموت كما: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {ومتاعا إلى حين} [النحل: 80] فإنه يعني: زينة، يقول: «ينتفعون به إلى حين» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ومتاعا إلى حين} [النحل: 80] قال: «إلى الموت» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: " {ومتاعا إلى حين} [النحل: 80] إلى أجل وبلغة " 14P320

قسم V14/P319–V14/P322

[النحل: 81] القول في تأويل قوله تعالى: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم، كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} [النحل: 81] يقول تعالى ذكره: ومن نعمة الله عليكم أيها الناس أن جعل لكم مما خلق من الأشجار وغيرها ظلالا تستظلون بها من شدة الحر، وهي جمع ظل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن قتادة، في قوله: {مما خلق ظلالا} [النحل: 81] قال: «الشجر» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {والله جعل لكم مما خلق ظلالا} [النحل: 81] إي والله، من الشجر ومن غيرها " وقوله: {وجعل لكم من الجبال أكنانا} [النحل: 81] يقول: وجعل لكم من الجبال مواضع تسكنون فيها، وهي جمع كن كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وجعل لكم من الجبال أكنانا} [النحل: 81] يقول: غيرانا من الجبال يسكن فيها " {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر} [النحل: 81] يعني ثياب القطن، والكتان، والصوف، وقمصها، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر} [النحل: 81] من القطن والكتان والصوف " حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {سرابيل تقيكم الحر} [النحل: 81] قال: «القطن والكتان» وقوله: {سرابيل تقيكم بأسكم} [النحل: 81] يقول: ودروعا تقيكم بأسكم، والبأس: هو الحرب، والمعنى: تقيكم في بأسكم السلاح أن يصل إليكم، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وسرابيل تقيكم بأسكم} [النحل: 81] من هذا الحديد " حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وسرابيل تقيكم بأسكم} [النحل: 81] قال: «هي سرابيل من حديد» وقوله: {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} [النحل: 81] يقول تعالى ذكره: كما أعطاكم ربكم هذه الأشياء التي وصفها في هذه الآيات نعمة منه بذلك عليكم، فكذا يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون يقول: لتخضعوا لله بالطاعة، وتذل منكم بتوحيده النفوس، وتخلصوا له العبادة وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: (لعلكم تسلمون) بفتح التاء حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، قال: ثنا ابن المبارك، عن حنظلة، عن شهر بن حوشب، قال: كان ابن عباس يقول: " (لعلكم تسلمون) ، قال: يعني من الجراح " حدثنا أحمد بن يوسف قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا عباد بن العوام، عن حنظلة السدوسي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، أنه قرأها: «لعلكم تسلمون» من الجراحات، قال أحمد بن يوسف: قال أبو عبيد: يعني بفتح التاء واللام فتأويل الكلام على قراءة ابن عباس هذه: كذلك يتم نعمته عليكم بما جعل لكم من السرابيل التي تقيكم بأسكم، لتسلموا من السلاح في حروبكم، 14P323 والقراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها بضم التاء من قوله: {لعلكم تسلمون} [النحل: 81] وكسر اللام من أسلمت تسلم يا هذا، لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليها. فإن قال لنا قائل: وكيف جعل لكم سرابيل تقيكم الحر، فخص بالذكر الحر دون البرد، وهي تقي الحر والبرد؟ أم كيف قيل: {وجعل لكم من الجبال أكنانا} [النحل: 81] وترك ذكر ما جعل لهم من السهل؟ قيل له: قد اختلف في السبب الذي من أجله جاء التنزيل كذلك، وسنذكر ما قيل في ذلك ثم ندل على أولى الأقوال في ذلك بالصواب.

قسم V14/P322–V14/P323

فروي عن عطاء الخراساني في ذلك ما: حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا محمد بن كثير، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، قال: " إنما نزل القرآن على قدر معرفتهم، ألا ترى إلى قول الله تعالى ذكره: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا، وجعل لكم من الجبال أكنانا} [النحل: 81] وما جعل لهم من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال، ألا ترى إلى قوله: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين} [النحل: 80] وما جعل لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر ألا ترى إلى قوله: {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} [النور: 43] ، يعجبهم من ذلك؟ وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون به، ألا ترى إلى قوله: {سرابيل تقيكم الحر} [النحل: 81] وما تقي من البرد، أكثر وأعظم؟ ولكنهم كانوا أصحاب حر ". فالسبب الذي من أجله خص الله تعالى ذكره السرابيل بأنها تقي الحر دون البرد على هذا القول، هو أن المخاطبين بذلك كانوا أصحاب حر، فذكر الله تعالى ذكره نعمته عليهم بما يقيهم مكروه ما به عرفوا مكروهه دون ما لم يعرفوا مبلغ مكروهه، وكذلك ذلك في سائر الأحرف الأخر. وقال آخرون: ذكر ذلك خاصة اكتفاء بذكر أحدهما من ذكر الآخر، إذ كان معلوما عند المخاطبين به معناه، وأن السرابيل التي تقي الحر تقي أيضا البرد وقالوا: ذلك موجود في كلام العرب مستعمل، واستشهدوا لقولهم بقول الشاعر: [+البحر الوافر] وما أدري إذا يممت وجها أريد الخير أيهما يليني فقال: أيهما يليني: يريد الخير أو الشر، وإنما ذكر الخير لأنه إذا أراد الخير فهو يتقي الشر. وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: إن القوم خوطبوا على قدر معرفتهم، وإن كان في ذكر بعض ذلك دلالة على ما ترك ذكره لمن عرف المذكور والمتروك، وذلك أن الله تعالى ذكره إنما عدد نعمه التي أنعمها على الذين قصدوا بالذكر في هذه السورة دون غيرهم، فذكر أياديه عندهم 14P324

قسم V14/P323–V14/P326

[النحل: 82_83] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون} [النحل: 82_83] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإن أدبر هؤلاء المشركون يا محمد عما 14P325 أرسلتك به إليهم من الحق، فلم يستجيبوا لك وأعرضوا عنه، فما عليك من لوم ولا عذل، لأنك قد أديت ما عليك في ذلك، إنه ليس عليك إلا بلاغهم ما أرسلت به، ويعني بقوله {المبين} [المائدة: 92] الذي يبين لمن سمعه حتى يفهمه وأما قوله: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} فإن أهل التأويل اختلفوا في المعني بالنعمة التي أخبر الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين أنهم ينكرونها مع معرفتهم بها، فقال بعضهم: هو النبي صلى الله عليه وسلم، عرفوا نبوته ثم جحدوها وكذبوه ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السدي: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} قال: «محمد صلى الله عليه وسلم» . حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن السدي، مثله. وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يعرفون أن ما عدد الله تعالى ذكره في هذه السورة من النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم بذلك عليهم، ولكنهم ينكرون ذلك، فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنا المثنى، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا، عن 14P326 ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} قال: " هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش، ثم تنكره بأن تقول: هذا كان لآبائنا، فروحونا إياه ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه، قال: «فورثونا إياها» وزاد في الحديث عن ابن جريج، قال ابن جريج: قال عبد الله بن كثير: «يعلمون أن الله خلقهم وأعطاهم ما أعطاهم، فهو معرفتهم نعمته، ثم إنكارهم إياها كفرهم بعد» وقال آخرون في ذلك، ما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا معاوية، عن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن ليث، عن عون بن عبد الله بن عتبة: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} قال: " إنكارهم إياها، أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا ". وقال آخرون: معنى ذلك أن الكفار إذا قيل لهم: من رزقكم، أقروا بأن الله هو الذي رزقهم، ثم ينكرون ذلك بقولهم: رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال: عني بالنعمة التي ذكرها الله في قوله {يعرفون نعمة الله} النعمة عليهم بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم داعيا إلى ما بعثه بدعائهم إليه، وذلك أن هذه الآية بين آيتين كلتاهما خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعما بعث به، فأولى ما بينهما أن يكون في معنى ما قبله وما بعده، إذ لم يكن معنى يدل على انصرافه عما قبله وعما بعده فالذي قبل هذه الآية قوله: {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها} وما بعده: {ويوم نبعث من كل أمة شهيدا} [النحل: 84] وهو رسولها فإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية: يعرف هؤلاء المشركون بالله نعمة الله عليهم يا محمد بك، ثم ينكرونك ويجحدون نبوتك {وأكثرهم الكافرون} [النحل: 83] يقول: وأكثر قومك الجاحدون نبوتك، لا المقرون بها 14P327

قسم V14/P326–V14/P329

[النحل: 84] القول في تأويل قوله تعالى: {ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون} [النحل: 84] يقول تعالى ذكره: يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها اليوم ويستنكرون {يوم نبعث من كل أمة شهيدا} [النحل: 84] وهو الشاهد عليها بما أجابت داعي الله، وهو رسولهم الذي أرسل إليهم {ثم لا يؤذن للذين كفروا} [النحل: 84] يقول: ثم لا يؤذن للذين كفروا في الاعتذار، فيعتذروا مما كانوا بالله وبرسوله يكفرون {ولا هم يستعتبون} [النحل: 84] فيتركوا الرجوع إلى الدنيا فينيبوا ويتوبوا، وذلك كما قال تعالى: {هذا يوم لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات: 36] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ويوم نبعث من كل أمة شهيدا} [النحل: 84] وشاهدها نبيها، على أنه قد بلغ رسالات ربه، قال الله تعالى 14P328 : {وجئنا بك شهيدا على هؤلاء} [النحل: 89] " 14P327 [النحل: 85] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون} [النحل: 85] يقول تعالى ذكره: وإذا عاين الذين كذبوك يا محمد وجحدوا نبوتك والأمم الذين كانوا على منهاج مشركي قومك عذاب الله، فلا ينجيهم من عذاب الله شيء، لأنهم لا يؤذن لهم فيعتذرون فيخفف عنهم العذاب بالعذر الذي يدعونه، {ولا هم ينظرون} [البقرة: 162] يقول: ولا يرجئون بالعقاب، لأن وقت التوبة والإنابة قد فات، فليس ذلك وقتا لهما، وإنما هو وقت للجزاء على الأعمال، فلا ينظر بالعتاب ليعتب بالتوبة 14P328 [النحل: 86] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك، فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون} [النحل: 86] يقول تعالى ذكره: وإذا رأى المشركون بالله يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله من الآلهة والأوثان وغير ذلك، قالوا: ربنا هؤلاء شركاؤنا في الكفر بك، والشركاء الذين كنا ندعوهم آلهة من دونك، قال الله تعالى ذكره: {فألقوا} [النحل : 28] يعني: شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله {القول} [النساء: 108] يقول: قالوا لهم: إنكم لكاذبون أيها المشركين، ما كنا ندعوكم إلى عبادتنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فألقوا إليهم القول} [النحل: 86] قال: «حدثوهم» . حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله 14P329 [النحل: 87] القول في تأويل قوله تعالى: {وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون} [النحل: 87] يقول تعالى ذكره: وألقى المشركون إلى الله يومئذ السلم يقول: استسلموا يومئذ وذلوا لحكمه فيهم، ولم تغن عنهم آلهتهم التي كانوا يدعون في الدنيا من دون الله، وتبرأت منهم، ولا قومهم، ولا عشائرهم الذين كانوا في الدنيا يدافعون عنهم، والعرب تقول: ألقيت إليه كذا تعني بذلك قلت له. وقوله: {وضل عنهم ما كانوا يفترون} [الأنعام: 24] يقول: وأخطأهم من آلهتهم ما كانوا يأملون من الشفاعة عند الله بالنجاة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وألقوا إلى الله يومئذ السلم} [النحل: 87] يقول: " ذلوا واستسلموا يومئذ {وضل عنهم ما كانوا يفترون} [الأنعام: 24] " 14P330

قسم V14/P329–V14/P332

[النحل: 88] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون} [النحل: 88] يقول تعالى ذكره: الذين جحدوا يا محمد نبوتك وكذبوك فيما جئتهم به من عند ربك، وصدوا عن الإيمان بالله وبرسوله ومن أراده، زدناهم عذابا يوم القيامة في جهنم فوق العذاب الذي هم فيه قبل أن يزادوه، وقيل: تلك الزيادة التي وعدهم الله أن يزيدهموها عقارب وحيات ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق ، عن عبد الله: {زدناهم عذابا فوق العذاب} [النحل: 88] قال: «عقارب لها أنياب كالنخل» . حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله مثله حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبو معاوية، وابن عيينة، عن الأعمش، عن عبد الله بن 14P331 مرة، عن مسروق، عن عبد الله: {زدناهم عذابا فوق العذاب} [النحل: 88] قال: «زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال» . حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال: ثنا جعفر بن عون قال: أخبرنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، مثله. حدثنا ابن المثنى قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، نحوه حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، قال: {زدناهم عذابا فوق العذاب} [النحل: 88] قال: «أفاعي» حدثنا ابن وكيع قال: ثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، قال: «أفاعي في النار» . حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مرة، عن عبد الله، مثله حدثنا مجاهد بن موسى، والفضل بن الصباح، قالا: ثنا جعفر بن عون، قال: 14P332 أخبرنا الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، قال: " إن لجهنم جبابا فيها حيات أمثال البخت، وعقارب أمثال البغال الدهم، يستغيث أهل النار إلى تلك الجباب أو الساحل، فتثب إليهم فتأخذ بشفاههم وشفارهم إلى أقدامهم، فيستغيثون منها إلى النار، فيقولون: النار النار فتتبعهم حتى تجد حرها فترجع، قال: وهي في أسراب " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قال: «إن لجهنم سواحل فيها حيات وعقارب أعناقها كأعناق البخت» وقوله: {بما كانوا يفسدون} [النحل: 88] يقول: زدناهم ذلك العذاب على ما بهم من العذاب بما كانوا يفسدون، بما كانوا في الدنيا يعصون الله ويأمرون عباده بمعصيته، فذلك كان إفسادهم، اللهم إنا نسألك العافية، يا مالك الدنيا والآخرة الباقية 14P332

قسم V14/P332–V14/P333

[النحل: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} [النحل: 89] يقول تعالى ذكره: {ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم} [النحل: 89] يقول: نسأل نبيهم الذي بعثناه إليهم للدعاء إلى طاعتنا وقال: {من أنفسهم} [البقرة: 265] لأنه تعالى ذكره كان يبعث إلى أمم أنبياءها منها: ماذا أجابوكم، وما ردوا عليكم؟ {وجئنا بك شهيدا على هؤلاء} [النحل: 89] يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وجئنا بك يا محمد شاهدا على قومك وأمتك الذين أرسلتك إليهم بما أجابوك وماذا عملوا فيما أرسلتك به إليهم. وقوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] يقول: نزل عليك يا محمد هذا القرآن بيانا لكل ما بالناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام، والثواب والعقاب {وهدى} [البقرة: 97] من الضلالة {ورحمة} [البقرة: 157] لمن صدق به، وعمل بما فيه من حدود الله وأمره ونهيه، فأحل حلاله وحرم حرامه {وبشرى للمسلمين} [النحل: 89] يقول: وبشارة لمن أطاع الله، وخضع له بالتوحيد، وأذعن له بالطاعة، يبشره بجزيل ثوابه في الآخرة، وعظيم كرامته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، قال: ثنا أبان بن تغلب، عن الحكم، عن مجاهد: {تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] قال: «مما 14P334 أحل وحرم» حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن أبان بن تغلب، عن مجاهد، في قوله: " {تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] مما أحل لهم وحرم عليهم " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، قوله: {تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] قال: «ما أمر به، وما نهى عنه» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل : 89] قال: «ما أمروا به، ونهوا عنه» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن رجل، قال: قال ابن مسعود: «أنزل في هذا القرآن كل علم، وكل شيء قد بين لنا في القرآن، ثم تلا هذه الآية» 14P334

قسم V14/P333–V14/P336

[النحل: 90] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء، والمنكر، والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون} [النحل: 90] يقول تعالى ذكره: إن الله يأمر في هذا الكتاب الذي أنزله إليك يا محمد بالعدل، وهو الإنصاف ومن الإنصاف: الإقرار بمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على إفضاله، وتولي الحمد أهله وإذا كان ذلك هو العدل ولم يكن 14P335 للأوثان والأصنام عندنا يد تستحق الحمد عليها، كان جهلا بنا حمدها وعبادتها، وهي لا تنعم فتشكر ولا تنفع فتعبد، فلزمنا أن نشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولذلك قال من قال: العدل في هذا الموضع: شهادة أن لا إله إلا الله ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، وعلي بن داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90] قال: «شهادة أن لا إله إلا الله» وقوله: {والإحسان} [النحل: 90] فإن الإحسان الذي أمر به تعالى ذكره مع العدل الذي وصفنا صفته: الصبر لله على طاعته فيما أمر ونهى، في الشدة والرخاء، والمكره والمنشط، وذلك هو أداء فرائضه، كما: حدثني المثنى، وعلي بن داود، قالا: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {والإحسان} [النحل: 90] يقول: أداء الفرائض " وقوله: {وإيتاء ذي القربى} [النحل: 90] يقول: وإعطاء ذي القربى الحق الذي أوجبه الله عليك بسبب القرابة والرحم، كما: حدثني المثنى، وعلي، قالا: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {وإيتاء ذي القربى} [النحل: 90] يقول: الأرحام " وقوله: {وينهى عن الفحشاء} [النحل: 90] قال: " الفحشاء في هذا الموضع: الزنا ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، وعلي بن داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، عن علي، عن ابن عباس: " {وينهى عن الفحشاء،} [النحل: 90] يقول: الزنا ". وقد بينا معنى الفحشاء بشواهده فيما مضى قبل. وقوله: {والبغي} [الأعراف: 33] قيل: عني بالبغي في هذا الموضع: الكبر والظلم ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، وعلي بن داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {والبغي} [الأعراف: 33] يقول: الكبر والظلم " وأصل البغي: التعدي ومجاوزة القدر والحد من كل شيء وقد بينا ذلك فيما مضى قبل.

قسم V14/P336

وقوله: {يعظكم لعلكم تذكرون} [النحل: 90] يقول: يذكركم أيها الناس ربكم لتذكروا فتنيبوا إلى أمره ونهيه، وتعرفوا الحق لأهله، كما: حدثني المثنى، وعلي بن داود، قالا: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " {يعظكم} [البقرة: 231] يقول: يوصيكم، {لعلكم تذكرون} [النحل: 90] " وقد ذكر، عن ابن عيينة أنه كان يقول في تأويل ذلك: " إن معنى العدل في هذا الموضع استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملا، وإن معنى الإحسان: أن 14P337 تكون سريرته أحسن من علانيته، وإن الفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته " وذكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في هذه الآية، ما: حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت منصور بن النعمان، عن عامر، عن شتير بن شكل، قال: سمعت عبد الله، يقول: " إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل: {إن الله يأمر بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى} [النحل: 90] إلى آخر الآية " حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الشعبي، عن شتير بن شكل قال: سمعت عبد الله يقول: " إن أجمع آية في القرآن لخير أو لشر، آية في سورة النحل: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90] الآية " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} [النحل: 90] الآية، «إنه ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيئ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق 14P338 ومذامها» 14P337

قسم V14/P336–V14/P341

[النحل: 91] القول في تأويل قوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون} [النحل: 91] يقول تعالى ذكره: وأوفوا بميثاق الله إذا واثقتموه، وعقده إذا عاقدتموه، فأوجبتم به على أنفسكم حقا لمن عاقدتموه به وواثقتموه عليه {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل: 91] يقول: ولا تخالفوا الأمر الذي تعاقدتم فيه الأيمان، يعني بعد ما شددتم الأيمان على أنفسكم، فتحنثوا في أيمانكم وتكذبوا فيها وتنقضوها بعد إبرامها، يقال منه: وكد فلان يمينه يوكدها توكيدا: إذا شددها، وهي لغة أهل الحجاز، وأما أهل نجد، فإنهم يقولون: أكدتها أؤكدها تأكيدا. وقوله: {وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} [النحل: 91] يقول: وقد جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه على أنفسكم راعيا يرعى الموفي منكم بعهد الله الذي عاهد على الوفاء به والناقض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف بينهم فيمن عني بهذه الآية وفيما أنزلت، فقال بعضهم: عني بها الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وفيهم أنزلت ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: 14P339 أخبرنا أبو ليلى، عن بريدة، قوله: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] قال: " أنزلت هذه الآية في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم، كان من أسلم بايع على الإسلام، فقالوا: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام، {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل: 91] البيعة، فلا يحملكم قلة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام، وإن كان فيهم قلة والمشركين فيهم كثرة ". وقال آخرون: نزلت في الحلف الذي كان أهل الشرك تحالفوا في الجاهلية، فأمرهم الله عز وجل في الإسلام أن يوفوا به ولا ينقضوه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل: 91] قال: «تغليظها في الحلف» . حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى قال: ثنا إسحاق قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل: 91] يقول: بعد تشديدها وتغليظها " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " هؤلاء قوم كانوا حلفاء لقوم تحالفوا وأعطى بعضهم العهد، فجاءهم قوم، فقالوا: نحن أكثر وأعز وأمنع، فانقضوا عهد هؤلاء وارجعوا إلينا، ففعلوا، فذلك قول الله تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} [النحل: 91] أن تكون أمة هي أربى من أمة، هي أربى أكثر، من أجل أن كان هؤلاء أكثر من أولئك، نقضتم العهد فيما بينكم وبين هؤلاء، فكان هذا في هذا " حدثني ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: سألت يحيى بن سعيد، عن قول الله: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل: 91] قال: «العهود» والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى أمر في هذه الآية عباده بالوفاء بعهوده التي يجعلونها على أنفسهم، ونهاهم عن نقض الأيمان بعد توكيدها على أنفسهم لآخرين بعقود تكون بينهم بحق مما لا يكرهه الله وجائز أن تكون نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهيهم عن نقض بيعتهم حذرا من قلة عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين، وأن تكون نزلت في الذين أرادوا الانتقال بحلفهم عن حلفائهم لقلة عددهم في آخرين لكثرة عددهم، وجائز أن تكون في غير ذلك ولا خبر تثبت به الحجة أنها نزلت في شيء من ذلك دون شيء، ولا دلالة في كتاب، ولا حجة عقل أي ذلك عني بها، ولا قول في ذلك أولى بالحق مما قلنا لدلالة ظاهره عليه، وأن الآية كانت قد نزلت لسبب من الأسباب، ويكون الحكم بها عاما في كل ما كان بمعنى السبب الذي نزلت فيه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} [النحل: 91] قال: «وكيلا» وقوله: {إن الله يعلم ما تفعلون} [النحل: 91] يقول تعالى ذكره: إن الله أيها الناس يعلم ما تفعلون في العهود التي تعاهدون الله من الوفاء بها والأحلاف والأيمان التي تؤكدونها على أنفسكم، أتبرون فيها أم تنقضونها وغير ذلك من أفعالكم، محص ذلك كله عليكم، وهو مسائلكم عنها وعما عملتم فيها، يقول: فاحذروا الله أن تلقوه وقد خالفتم فيها أمره ونهيه، فتستوجبوا بذلك منه ما لا قبل لكم به من ألم عقابه 14P341

الأسئلة