Taberî — Câmiü'l-Beyân
قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب، فهلكت فيمن هلك قال الزهري بن شهاب: هذا الذي انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، وعن علقمة بن وقاص الليثي، عن سعيد بن المسيب، وعن عروة بن الزبير، وعن عبيد الله بن عتبة بن مسعود قال الزهري: كل قد حدثني بعض هذا الحديث، وبعض القوم كان له أوعى من بعض قال: وقد جمعت لك كل الذي قد حدثني. وحدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة قال: وثني محمد بن إسحاق قال: ثنا 17P205 يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة. قال: ثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت؛ وكل قد اجتمع في حديثه قصة خبر عائشة عن نفسها، حين قال أهل الإفك فيها ما قالوا، وكله قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا، ويحدث بعضهم ما لم يحدث بعض، وكل كان عنها ثقة، وكل قد حدث عنها ما سمع. قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فلما كانت غزاة بني المصطلق، أقرع بين نسائه كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهن، فخرج بي رسول الله صلى الله عليه وسلم معه. قالت: وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق، لم يهيجهن اللحم فيثقلن. قالت: وكنت إذا رحل بعيري جلست في هودجي، ثم يأتي القوم الذين يرحلون بي بعيري ويحملوني، فيأخذون بأسفل الهودج، يرفعونه فيضعونه على ظهر البعير، فينطلقون به. قالت: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك وجه قافلا، حتى إذا كان قريبا من المدينة، نزل منزلا فبات بعض الليل، ثم أذن في الناس بالرحيل. فلما ارتحل الناس، خرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي من جزع 17P206 ظفار، فلما فرغت، انسل من عنقي وما أدري؛ فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل. قالت: فرجعت عودي إلى بدئي، إلى المكان الذي ذهبت إليه، فالتمسته حتى وجدته؛ وجاء القوم خلافي الذين كانوا يرحلون بي البعير. ثم ذكر نحو حديث ابن عبد الأعلى عن ابن ثور حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها قالت: " لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا وما علمت، فتشهد، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي، والله ما علمت على أهلي سوءا قط، وأبنوهم بمن؟ والله ما علمت عليه سوءا قط، ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا أغيب في سفر إلا غاب معي» فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، نرى أن نضرب أعناقهم فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال: كذبت، أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج في المسجد شر؛ وما علمت به. فلما كان مساء ذلك اليوم، خرجت لبعض حاجتي، ومعي أم مسطح، فعثرت، 17P207 فقالت: تعس مسطح فقلت: علام تسبين ابنك؟ فسكتت، ثم عثرت الثانية، فقالت: تعس مسطح قلت: علام تسبين ابنك؟ فسكتت الثانية. ثم عثرت الثالثة، فقالت: تعس مسطح فانتهرتها، وقلت: علام تسبين ابنك؟ قالت: والله ما أسبه إلا فيك، قلت: في أي شأني، فبقرت لي الحديث، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله. قالت: فرجعت إلى بيتي، فكأن الذي خرجت له لم أخرج له، ولا أجد منه قليلا ولا كثيرا. ووعكت، فقلت: يا رسول الله، أرسلني إلى بيت أبي فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار فإذا أنا بأمي أم رومان، قالت: ما جاء بك يا بنية؟
فأخبرتها، فقالت: خفضي عليك الشأن، فإنه والله ما كانت امرأة جميلة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا حسدنها، وقلن فيها. قلت: وقد علم بها أبي؟ قالت: نعم. قلت: ورسول الله؟ قالت: نعم. فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ، فنزل فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الذي ذكر من أمرها. ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك إلا رجعت إلى بيتك فرجعت فأصبح أبواي عندي، فلم يزالا عندي حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بعد العصر، وقد اكتنفني أبواي، عن يميني، وعن شمالي، فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد يا عائشة، إن كنت قارفت 17P208 سوءا أو ألممت فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده» . وقد جاءت امرأة من الأنصار وهي جالسة، فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تقول شيئا؟ فقلت لأبي: أجبه فقال: أقول ماذا؟ قلت لأمي: أجيبيه فقالت: أقول ماذا؟ فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله، وأثنيت عليه بما هو أهله، ثم قلت: أما بعد، فوالله لئن قلت لكم إني لم أفعل، والله يعلم إني لصادقة ماذا بنافعي عندكم؟ لقد تكلم به، وأشربته قلوبكم؛ وإن قلت: إني قد فعلت والله يعلم أني لم أفعل لتقولن: قد باءت به على نفسها، وايم الله، ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18] . وأنزل الله على رسوله ساعتئذ، فرفع عنه، وإني لأتبين السرور في وجهه، وهو يمسح جبينه يقول: «أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك» فكنت أشد ما كنت غضبا، فقال لي أبواي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمده، ولا أحمدكما، لقد سمعتموه فما أنكرتموه، ولا غيرتموه، ولكني أحمد الله الذي أنزل براءتي. ولقد جاء رسول الله بيتي، فسأل الجارية عني، فقالت: والله ما أعلم عليها عيبا، إلا أنها كانت تنام حتى كانت تدخل الشاة فتأكل حصيرها أو عجينها، فانتهرها بعض أصحابه، وقال لها: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عروة: فعتب على من قاله، فقال: لا، والله، ما أعلم عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر. وبلغ ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله ما كشفت كنف أنثى قط. فقتل شهيدا في سبيل الله. قالت 17P209 عائشة: فأما زينب بنت جحش، فعصمها الله بدينها، فلم تقل إلا خيرا؛ وأما حمنة أختها، فهلكت فيمن هلك. وكان الذين تكلموا فيه: المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره، ومسطحا، وحسان بن ثابت، فحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحا بنافعة، فأنزل الله: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة} . يعني أبا بكر، {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين} [النور: 22] يعني: مسطحا، {ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} [النور: 22]، قال أبو بكر: بلى والله، إنا لنحب أن يغفر الله لنا وعاد أبو بكر لمسطح بما كان يصنع به " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن علقمة بن وقاص، وغيره، أيضا، قال: خرجت عائشة تريد المذهب، ومعها أم مسطح. وكان مسطح بن أثاثة ممن قال ما قال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس قبل ذلك، فقال: «كيف ترون فيمن يؤذيني في أهلي ويجمع في بيته من يؤذيني؟ » فقال سعد بن معاذ: أي رسول الله، إن كان منا معشر الأوس جلدنا رأسه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا فأطعناك. فقال سعد بن عبادة: يا ابن معاذ، والله ما بك نصرة رسول الله، ولكنها قد كانت ضغائن في الجاهلية وإحن لم تحلل لنا من صدوركم بعد 17P210 فقال ابن معاذ: الله أعلم ما أردت.
فقام أسيد بن حضير، فقال: يا ابن عبادة، إن سعدا ليس شديدا، ولكنك تجادل عن المنافقين وتدفع عنهم. وكثر اللغط في المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على المنبر، فما زال النبي صلى الله عليه وسلم يومئ بيده إلى الناس هاهنا، وهاهنا، حتى هدأ الصوت وقالت عائشة: كان الذي تولى كبره، والذي يجمعهم في بيته، عبد الله بن أبي ابن سلول. قالت: فخرجت إلى المذهب ومعي أم مسطح، فعثرت، فقالت: تعس مسطح فقلت: غفر الله لك، أتقولين هذا لابنك، ولصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت ذلك مرتين، وما شعرت بالذي كان. فحدثت، فذهب عني الذي خرجت له، حتى ما أجد منه شيئا. ورجعت على أبوي أبي بكر، وأم رومان، فقلت: أما اتقيتما الله في، وما وصلتما رحمي؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال، وتحدث الناس بالذي تحدثوا به، ولم تعلماني فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: أي بنية، والله لقلما أحب رجل قط امرأته إلا قالوا لها نحو الذي قالوا لك أي بنية ارجعي إلى بيتك حتى نأتيك فيه فرجعت، وارتكبني صالب من حمى، فجاء أبواي فدخلا، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس على سريري وجاهي، فقالا: أي بينة، إن كنت صنعت ما قال الناس فاستغفري الله، وإن لم تكوني صنعتيه فأخبري رسول الله بعذرك قلت: ما أجد لي ولكم إلا كأبي يوسف {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18] . قالت: فالتمست اسم يعقوب، فما قدرت، أو فلم أقدر عليه. فشخص بصر رسول الله إلى السقف، وكان إذا نزل عليه وجد، قال الله: {إنا سنلقي 17P211 عليك قولا ثقيلا} [المزمل: 5]، فوالذي هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما زال يضحك حتى إني لأنظر إلى نواجذه سرورا، ثم مسح عن وجهه، فقال: «يا عائشة أبشري، قد أنزل الله عذرك» قلت: بحمد الله، لا بحمدك، ولا بحمد أصحابك. قال الله: {إن الذين جاءوا بالإفك} عصبة منكم. حتى بلغ: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة}، وكان أبو بكر حلف أن لا ينفع مسطحا بنافعة، وكان بينهما رحم، فلما أنزلت: {ولا يأتل أولو الفضل منكم} . حتى بلغ: {والله غفور رحيم} [البقرة: 218] قال أبو بكر: بلى، أي رب فعاد إلى الذي كان لمسطح {إن الذين يرمون المحصنات} [النور: 23] . حتى بلغ: {أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} . قالت عائشة: والله ما كنت أرجو أن ينزل في كتاب، ولا أطمع به، ولكن أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا تذهب ما في نفسه. قالت: وسأل الجارية الحبشية، فقالت: والله لعائشة أطيب من طيب الذهب، وما بها عيب إلا أنها ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنك الله قال: فعجب الناس من فقهها " 17P209
[النور: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم 17P212 خيرا وقالوا هذا إفك مبين} [النور: 12] وهذا عتاب من الله تعالى ذكره أهل الإيمان به فيما وقع في أنفسهم من إرجاف من أرجف في أمر عائشة بما أرجف به. يقول لهم تعالى ذكره: هلا أيها الناس إذ سمعتم ما قال أهل الإفك في عائشة ظن المؤمنون منكم والمؤمنات بأنفسهم خيرا يقول: ظننتم بمن قرف بذلك منكم خيرا، ولم تظنوا به أنه أتى الفاحشة. وقال {بأنفسهم} [الأنعام: 123] لأن أهل الإسلام كلهم بمنزلة نفس واحدة، لأنهم أهل ملة واحدة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبيه، عن بعض، رجال بني النجار أن أبا أيوب، خالد بن زيد قالت له امرأته أم أيوب: " أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله، ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك. قال: فلما نزل القرآن، ذكر الله من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون} [النور: 12] الآية: أي: كما قال أبو أيوب وصاحبته " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون، والمؤمنات، بأنفسهم خيرا} [النور: 12] ما هذا الخير؟ ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن ليفجر بأمه، وأن الأم لم تكن لتفجر بابنها، إن أراد أن يفجر فجر بغير أمه يقول: " إنما كانت عائشة أما، والمؤمنون بنون لها، محرما عليها، وقرأ: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} الآية " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} [النور: 12] قال لهم خيرا، ألا ترى أنه يقول : {لا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] . يقول: بعضكم بعضا، وسلموا على أنفسكم قال: يسلم بعضكم على بعض " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون، والمؤمنات، بأنفسهم خيرا} [النور: 12] يعني بذلك المؤمنين والمؤمنات " وقوله: {وقالوا هذا إفك مبين} [النور: 12] يقول: وقال المؤمنون والمؤمنات: هذا الذي سمعناه من القوم الذي رمي به عائشة من الفاحشة: كذب وإثم، يبين لمن عقل وفكر فيه أنه كذب، وإثم، وبهتان كما حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: أخبرنا عوف، عن الحسن: { 17P214 وقالوا هذا إفك مبين} [النور: 12] قالوا: إن هذا لا ينبغي أن يتكلم به إلا من أقام عليه أربعة من الشهود وأقيم عليه حد الزنا " 17P213 [النور: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13] يقول تعالى ذكره: هلا جاء هؤلاء العصبة الذين جاءوا بالإفك، ورموا عائشة بالبهتان، بأربعة شهداء يشهدون على مقالتهم فيها، وما رموها به فإذا لم يأتوا بالشهداء الأربعة على حقيقة ما رموها به {فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13] يقول: فالعصبة الذين رموها بذلك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك 17P214
[النور: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم} [النور: 14] يقول تعالى ذكره: {ولولا فضل الله عليكم} [النساء: 83] أيها الخائضون في أمر عائشة، المشيعون فيها الكذب والإثم، بتركه تعجيل عقوبتكم {ورحمته} [البقرة: 64] إياكم، لعفوه عنكم {في الدنيا والآخرة} [البقرة: 217] بقبول توبتكم مما كان منكم في ذلك، {لمسكم فيما} [الأنفال: 68] خضتم فيه من أمرها عاجلا في الدنيا {عذاب عظيم} [البقرة: 7] . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ولولا 17P215 فضل الله عليكم ورحمته} [النور: 10] هذا للذين تكلموا فنشروا ذلك الكلام، {لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم} [النور: 14] " 17P214 [النور: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} [النور: 15] يقول تعالى ذكره: لمسكم فيما أفضتم فيه من شأن عائشة عذاب عظيم، حين تلقونه بألسنتكم. و {إذ} [البقرة: 131] من صلة قوله {لمسكم} [الأنفال: 68] . ويعني بقوله: {تلقونه} [النور: 15] تتلقون الإفك الذي جاءت به العصبة من أهل الإفك، فتقبلونه، ويرويه بعضكم عن بعض؛ يقال: تلقيت هذا الكلام عن فلان، بمعنى أخذته منه؛ وقيل ذلك لأن الرجل منهم فيما ذكر يلقى آخر فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ ليشيع عليها بذلك الفاحشة. وذكر أنها في قراءة أبي: «إذ تتلقونه» بتاءين، وعليها قراءة الأمصار، غير أنهم قرءوها: {تلقونه} [النور: 15] بتاء واحدة، لأنها كذلك في مصاحفهم. وقد روي عن عائشة في ذلك ما حدثني به محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: ثنا خالد بن نزار، عن نافع، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها كانت تقرأ هذه الآية: «إذ تلقونه بألسنتكم» تقول: " إنما هو ولق الكذب، 17P216 وتقول: إنما كانوا يلقون الكذب. قال ابن أبي مليكة: وهي أعلم بما فيها أنزلت. قال نافع: وسمعت بعض العرب يقول: الليق: الكذب " حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح قال: ثنا نافع بن عمر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، أنها " كانت تقرأ: «إذ تلقونه بألسنتكم» وهي أعلم بذلك، وفيها أنزلت، قال ابن أبي مليكة: هو من ولق الكذب " قال أبو جعفر: وكأن عائشة وجهت معنى ذلك بقراءتها «تلقونه» بكسر اللام، وتخفيف القاف، إلى: إذ تستمرون في كذبكم عليها ، وإفككها بألسنتكم، كما يقال: ولق فلان في السير فهو يلق: إذا استمر فيه؛ وكما قال الراجز: [+البحر الرجز] إن الجليد زلق وزملق جاءت به عنس من الشأم تلق مجوع البطن كلابي الخلق وقد روي عن العرب في الولق: الكذب: الألق، والإلق: بفتح الألف 17P217 وكسرها، ويقال في فعلت منه: ألقت، فأنا ألق؛ وقال بعضهم: [+البحر الرجز] من لي بالمزرر اليلامق صاحب أدهان وألق آلق والقراءة التي لا أستجيز غيرها: {إذ تلقونه} [النور: 15] على ما ذكرت من قراءة الأمصار، لإجماع الحجة من القراء عليها. وبنحو الذي قلنا من التأويل في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {إذ تلقونه بألسنتكم} [النور: 15] قال: تروونه بعضكم عن بعض " حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إذ تلقونه} [النور: 15] قال: «تروونه بعضكم عن بعض» قوله: {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم} [النور: 15] يقول تعالى ذكره: وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم من الأمر الذي تروونه، فتقولون: سمعنا أن عائشة فعلت كذا وكذا، ولا تعلمون حقيقة ذلك، ولا صحته. وتظنون أن قولكم ذلك وروايتكموه بألسنتكم، وتلقيكموه بعضكم عن بعض، هين سهل، لا إثم عليكم فيه ولا حرج. {وهو عند الله عظيم} [النور: 15] يقول: وتلقيكم ذلك كذلك، وقولكموه بأفواهكم، عند الله عظيم من الأمر؛ لأنكم كنتم تؤذون به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحليلته 17P218
[النور: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور: 16] يقول تعالى ذكره: {فلولا} [البقرة: 64] أيها الخائضون في الإفك الذي جاءت به عصبة منكم، {إذ سمعتموه} [النور: 12] ممن جاء به، {قلتم} [البقرة: 55] ما يحل لنا أن نتكلم بهذا، وما ينبغي لنا أن نتفوه به {سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور: 16] تنزيها لك يا رب، وبراءة إليك مما جاء به هؤلاء؛ {هذا بهتان عظيم} [النور: 16] يقول: هذا القول بهتان عظيم 17P218 [النور: 17_18] القول في تأويل قوله تعالى: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم} [النور: 17_18] يقول تعالى ذكره: يذكركم الله، وينهاكم بآي كتابه، لئلا تعودوا لمثل فعلكم الذي فعلتموه في أمر عائشة من تلقيكم الإفك الذي روي عليها بألسنتكم، وقولكم بأفواهكم ما ليس لكم به علم فيها أبدا {إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] . يقول: إن كنتم 17P219 تتعظون بعظات الله، وتأتمرون لأمره، وتنتهون عما نهاكم عنه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم} [النور: 18] قال: " والذي هو خير لنا من هذا، أن الله أعلمنا هذا لكيلا نقع فيه، لولا أن الله أعلمنا لهلكنا كما هلك القوم، أن يقول الرجل: أنا سمعته، ولم أخترقه، ولم أتقوله، فكان خيرا حين أعلمناه الله، لئلا ندخل في مثله أبدا، وهو عند الله عظيم " وقوله: {ويبين الله لكم الآيات} [النور: 18] ويفصل الله لكم حججه عليكم بأمره ونهيه، ليتبين المطيع له منكم من العاصي، والله عليم بكم، وبأفعالكم، لا يخفى عليه شيء، وهو مجاز المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته، حكيم في تدبير خلقه، وتكليفه ما كلفهم من الأعمال، وفرضه ما فرض عليهم من الأفعال 17P219 [النور: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النور: 19] يقول تعالى ذكره: إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا بالله ورسوله، ويظهر ذلك فيهم، {لهم عذاب أليم} [آل عمران: 91] يقول: لهم عذاب وجيع في الدنيا، بالحد الذي جعله الله حدا لرامي المحصنات والمحصنين إذا رموهم بذلك، وفي 17P220 الآخرة عذاب جهنم إن مات مصرا على ذلك غير تائب كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {يحبون أن تشيع الفاحشة} [النور: 19] قال: «تظهر في شأن عائشة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم} [النور: 19] قال: الخبيث عبد الله بن أبي ابن سلول، المنافق، الذي أشاع على عائشة ما أشاع عليها من الفرية، {لهم عذاب أليم} [النور: 19] " حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {أن تشيع الفاحشة} [النور: 19] قال: تظهر؛ يتحدث عن شأن عائشة " وقوله: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216] يقول تعالى ذكره: والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك من صدقهم، وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك؛ لأنكم لا تعلمون الغيب، وإنما يعلم ذلك علام الغيوب. يقول: فلا ترووا ما لا علم لكم به من الإفك على أهل الإيمان بالله، ولا سيما على حلائل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتهلكوا 17P220
[النور: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم} [النور: 20] 17P221 يقول تعالى ذكره: ولولا أن تفضل الله عليكم أيها الناس ورحمكم، وأن الله ذو رأفة، ذو رحمة بخلقه، لهلكتم فيما أفضتم فيه، وعاجلتكم من الله العقوبة. وترك ذكر الجواب لمعرفة السامع بالمراد من الكلام بعده، وهو قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان} [النور: 21] الآية 17P220 [النور: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ...} [النور: 21] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه، ولا تقتفوا آثاره، بإشاعتكم الفاحشة في الذين آمنوا، وإذاعتكموها فيهم، وروايتكم ذلك عمن جاء به، فإن الشيطان يأمر بالفحشاء وهي الزنا والمنكر من القول. وقد بينا معنى الخطوات والفحشاء فيما مضى بشواهد ذلك، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 17P221 [النور: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {... ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم} [النور: 21] يقول تعالى ذكره: ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته لكم، ما تطهر منكم من أحد أبدا من دنس ذنوبه وشركه، ولكن الله يطهر من يشاء من خلقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا} [النور: 21] يقول: «ما اهتدى منكم من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئا من الشر يدفعه عن نفسه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا} [النور: 21] قال: " ما زكى: ما أسلم " وقال: «كل شيء في القرآن من زكى أو تزكى فهو الإسلام» وقوله: {والله سميع عليم} [البقرة: 224] يقول: والله سميع لما تقولون بأفواهكم، وتلقونه بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله، وبغيره من أموركم، محيط به، محصيه عليكم، ليجازيكم بكل ذلك 17P222
[النور: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} [النور: 22] يقول تعالى ذكره: ولا يحلف بالله ذوو الفضل منكم، يعني ذوي التفضل والسعة؛ يقول: وذوو الجدة. واختلف القراء في قراءة قوله: {ولا يأتل} [النور: 22] ؛ فقرأته عامة قراء الأمصار. {ولا يأتل} [النور: 22] بمعنى: يفتعل، من الألية، وهي القسم بالله؛ سوى أبي جعفر، وزيد بن أسلم. فإنه ذكر عنهما أنهما قرآ ذلك: (ولا يتأل) بمعنى: يتفعل، من الألية. والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ: {ولا يأتل} [النور: 22] بمعنى يفتعل، من الألية؛ وذلك أن ذلك في خط المصحف كذلك، والقراءة الأخرى مخالفة خط المصحف، فاتباع المصحف، مع قراءة جماعة القراء، وصحة المقروء به أولى من خلاف ذلك كله. وإنما عني بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه في حلفه بالله، لا ينفق على مسطح، فقال جل ثناؤه: ولا يحلف من كان ذا فضل من مال وسعة منكم أيها المؤمنون بالله، ألا يعطوا ذوي قرابتهم فيصلوا به أرحامهم، كمسطح، وهو ابن خالة أبي بكر {والمساكين } [البقرة: 83] يقول: وذوي خلة الحاجة، وكان مسطح منهم، لأنه كان فقيرا محتاجا. {والمهاجرين في سبيل الله} [النور: 22] وهم الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم في جهاد أعداء الله، وكان مسطح منهم؛ لأنه كان ممن هاجر من مكة إلى المدينة، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا {وليعفوا} [النور: 22] يقول: وليعفوا عما كان منهم إليهم من جرم، وذلك كجرم مسطح إلى أبي بكر في إشاعته على ابنته عائشة ما أشاع من الإفك {وليصفحوا} [النور: 22] يقول: وليتركوا عقوبتهم على ذلك، بحرمانهم ما كانوا يؤتونهم قبل ذلك، ولكن ليعودوا لهم إلى مثل الذي كانوا لهم عليه من الإفضال عليهم. {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} [النور: 22] يقول: ألا تحبون أن يستر الله عليكم ذنوبكم بإفضالكم عليهم، فيترك عقوبتكم عليها. {والله غفور} [البقرة: 218] لذنوب من أطاعه، واتبع أمره، {رحيم} [البقرة: 143] رحيم بهم أن يعذبهم مع اتباعهم أمره، وطاعتهم إياه، على ما كان لهم من زلة وهفوة قد استغفروه منها، وتابوا إليه من فعلها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن علقمة بن وقاص الليثي، وعن سعيد بن المسيب، وعن عروة بن الزبير، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قال: وثني ابن إسحاق قال: ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، قال: وثني ابن إسحاق قال: ثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: " لما نزل هذا يعني قوله: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} في عائشة، وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، وأدخل عليها ما أدخل قالت: فأنزل الله في ذلك: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة} . الآية . قالت: فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: 17P225 والله لا أنزعها منه أبدا " حدثني علي، قال ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة} يقول: «لا تقسموا ألا تنفعوا أحدا» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة} .
إلى آخر الآية قال: " كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رموا عائشة بالقبيح ، وأفشوا ذلك، وتكلموا به، فأقسم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم أبو بكر، ألا يتصدق على رجل تكلم بشيء من هذا ولا يصله، فقال: لا يقسم أولو الفضل منكم والسعة أن يصلوا أرحامهم، وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك. فأمر الله أن يغفر لهم، وأن يعفى عنهم " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة} لما أنزل الله تعالى ذكره عذر عائشة من السماء قال أبو بكر وآخرون من المسلمين: والله لا نصل رجلا منهم تكلم بشيء من شأن عائشة، ولا ننفعه فأنزل الله: {ولا يأتل 17P226 أولو الفضل منكم والسعة} يقول: ولا يحلف " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى} قال: " كان مسطح ذا قرابة. {والمساكين} [النور: 22] قال: كان مسكينا. {والمهاجرين في سبيل الله} [النور: 22] كان بدريا " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة} قال: " أبو بكر حلف أن لا ينفع يتيما في حجره كان أشاع ذلك. فلما نزلت هذه الآية قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، فلأكونن ليتيمي خير ما كنت له قط " 17P226
[النور: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} [النور: 23] يقول تعالى ذكره: {إن الذين يرمون} [النور: 23] بالفاحشة {المحصنات} [النساء: 25] يعني العفيفات {الغافلات} [النور: 23] عن الفواحش {المؤمنات} [النساء: 25] بالله ورسوله، وما جاء به من عند الله {لعنوا في الدنيا والآخرة} [النور: 23] يقول: أبعدوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة. {ولهم} [البقرة: 7] في الآخرة {عذاب عظيم} [البقرة: 7] وذلك عذاب جهنم. واختلف أهل التأويل في المحصنات اللاتي هذا حكمهن، فقال بعضهم: إنما ذلك لعائشة خاصة، وحكم من الله فيها وفيمن رماها، دون سائر نساء أمة نبينا صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف، قال: قلت لسعيد بن جبير: " الزنا أشد أم قذف المحصنة؟ فقال: الزنا. فقلت: أليس الله يقول: {إن الذين يرمون المحصنات} [النور: 23] . الآية؟ قال سعيد: إنما كان هذا لعائشة خاصة " حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: ثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: قالت عائشة: " رميت بما رميت به وأنا غافلة، فبلغني بعد ذلك ، قالت: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي جالس، إذ أوحي إليه، وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات. وإنه أوحي إليه وهو جالس عندي، ثم استوى جالسا يمسح عن وجهه، وقال: «يا عائشة أبشري» قالت: فقلت: بحمد الله لا بحمدك فقرأ: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} [النور: 23] . حتى بلغ: {أولئك مبرءون مما يقولون} وقال آخرون: بل ذلك لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر النساء غيرهن ذكر من قال ذلك حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت 17P228 الضحاك، يقول في قوله: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} [النور: 23] الآية، أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة " وقال آخرون: نزلت هذه الآية في شأن عائشة، وعني بها كل من كان بالصفة التي وصف الله هذه الآية. قالوا: فذلك حكم كل من رمى محصنة لم تقارف سوءا ذكر من قال ذلك حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا زيد، عن جعفر بن برقان، قال: " سألت ميمونا، قلت: الذي ذكر الله: {الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] . إلى قوله: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} [آل عمران: 89] فجعل في هذه توبة، وقال في الأخرى: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات} [النور: 23] . إلى قوله: {لهم عذاب عظيم} [النور: 23] قال ميمون: أما الأولى، فعسى أن تكون قد قارفت، وأما هذه ، فهي التي لم تقارف شيئا من ذلك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن شيخ، من بني أسد، عن ابن عباس، قال: فسر سورة النور، فلما أتى على هذه الآية: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} [النور: 23] . الآية قال: هذا في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مبهمة، وليست لهم توبة. ثم قرأ: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] . إلى قوله: {إلا الذين تابوا من 17P229 بعد ذلك وأصلحوا} [آل عمران: 89] . الآية، قال: فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لمن قذف أولئك توبة.
قال: فهم بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن ما فسر سورة النور " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} [النور: 23] قال: هذا في عائشة، ومن صنع هذا اليوم في المسلمات فله ما قال الله، ولكن عائشة كانت إمام ذلك " وقال آخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة فأوجب الجلد، وقبل التوبة. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ، قوله: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} [النور: 23] . إلى {عذاب عظيم} [النور: 23] يعني أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، رماهن أهل النفاق، فأوجب الله لهم اللعنة والغضب، وباءوا بسخط من الله. وكان ذلك في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نزل بعد ذلك: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] . إلى قوله: {فإن الله غفور رحيم} [البقرة: 192] فأنزل الله الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل، والشهادة ترد " 17P230 وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في شأن عائشة، والحكم بها عام في كل من كان بالصفة التي وصفه الله بها فيها. وإنما قلنا ذلك أولى تأويلاته بالصواب، لأن الله عم بقوله: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} [النور: 23] كل محصنة غافلة مؤمنة رماها رام بالفاحشة، من غير أن يخص بذلك بعضا دون بعض، فكل رام محصنة بالصفة التي ذكر الله جل ثناؤه في هذه الآية فملعون في الدنيا والآخرة، وله عذاب عظيم، إلا أن يتوب من ذنبه ذلك قبل وفاته، فإن الله دل باستثنائه بقوله: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} [آل عمران: 89] على أن ذلك حكم رامي كل محصنة بأي صفة كانت المحصنة المؤمنة المرمية، وعلى أن قوله: {لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} [النور: 23] معناه: لهم ذلك إن هلكوا ولم يتوبوا 17P229
[النور: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} [النور: 24] يقول تعالى ذكره: ولهم عذاب عظيم {يوم تشهد عليهم ألسنتهم} [النور: 24] ف اليوم الذي في قوله: {يوم تشهد عليهم} [النور: 24] من صلة قوله: {ولهم عذاب عظيم} [البقرة: 7] . وعني بقوله: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم} [النور: 24] يوم القيامة؛ وذلك حين يجحد أحدهما ما اكتسب في الدنيا من الذنوب عند تقرير الله إياه بها، فيختم الله على أفواههم، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. فإن قال قائل: وكيف تشهد عليهم ألسنتهم حين يختم على أفواههم؟ قيل: عني بذلك أن ألسنة بعضهم تشهد على بعض، لا أن ألسنتهم تنطق وقد 17P231 ختم على الأفواه وقد حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله، فجحد وخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا فيقول: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا فيقول: أتحلفون؟ فيحلفون. ثم يصمتهم الله، وتشهد ألسنتهم، ثم يدخلهم النار " 17P231 [النور: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين} [النور: 25] يقول تعالى ذكره: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} [النور: 24] يوفيهم الله حسابهم وجزاءهم الحق على أعمالهم. والدين في هذا الموضع: الحساب والجزاء كما حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق} [النور: 25] يقول «حسابهم» واختلفت القراء في قراءة قوله: {الحق} [النور: 25] فقرأته عامة قراء الأمصار 17P232 . {دينهم الحق} [النور: 25] نصبا على النعت للدين، كأنه قال: يوفيهم الله أعمالهم حقا. ثم أدخل في الحق الألف واللام، فنصب بما نصب به الدين. وذكر عن مجاهد أنه قرأ ذلك: «يوفيهم الله دينهم الحق» برفع الحق، على أنه من نعت الله حدثنا بذلك، أحمد بن يوسف قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن حميد، عن مجاهد، «أنه قرأها» الحق «بالرفع. قال جرير. وقرأتها في مصحف أبي بن كعب يوفيهم الله الحق دينهم» والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار، وهو نصب الحق على إتباعه إعراب الدين لإجماع الحجة عليه وقوله: {ويعلمون أن الله هو الحق المبين} [النور: 25] يقول: ويعلمون يومئذ أن الله هو الحق الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، ويزول حينئذ الشك فيه عن أهل النفاق الذين كانوا فيما كان يعدهم في الدنيا يمترون 17P232
[النور: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} [النور: 26] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معناه الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات} [النور: 26] يقول: «الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول» وقوله: {والطيبات للطيبين} [النور: 26] يقول: الطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول. نزلت في الذين قالوا في زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا من البهتان. ويقال: الخبيثات للخبيثين: الأعمال الخبيثة تكون للخبيثين، والطيبات من الأعمال تكون للطيبين حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد: «الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس» حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى،؛ عن ابن أبي 17P234 نجيح، في قول الله: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} [النور: 26] قال: الطيبات: القول الطيب يخرج من الكافر والمؤمن فهو للمؤمن؛ والخبيثات: القول الخبيث يخرج من المؤمن والكافر فهو للكافر. {أولئك مبرءون مما يقولون} وذلك أنه برأ كليهما مما ليس بحق من الكلام " حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} [النور: 26] يقول: الخبيثات والطيبات: القول السيئ والحسن؛ للمؤمنين الحسن، وللكافرين السيئ. {أولئك مبرءون مما يقولون} وذلك بأنه ما قال الكافرون من كلمة طيبة فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من كلمة خبيثة فهي للكافرين، كل بريء مما ليس بحق من الكلام " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {الخبيثات للخبيثين} [النور: 26] قال: «الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، 17P235 والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلام» حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {الخبيثات للخبيثين} [النور: 26] . الآية، يقول: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول. فهذا في الكلام، وهم الذين قالوا لعائشة ما قالوا، هم الخبيثون.
والطيبون هم المبرءون مما قال الخبيثون " حدثنا أبو زرعة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سلمة يعني ابن نبيط الأشجعي، عن الضحاك: {الخبيثات للخبيثين} [النور: 26] قال: «الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس» قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، وعثمان بن الأسود، عن مجاهد: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} [النور: 26] قال: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس ، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس ، والطيبون من الناس للطيبات من القول " قال: ثنا سفيان، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، قال: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} [النور: 26] قال: «الخبيثات من القول للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول» قال: ثني محمد بن بكر بن مقدم قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك، يعني ابن أبي سليمان، عن القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير، عن مجاهد: {والخبيثون للخبيثات} [النور: 26] قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس " قال: ثنا عباس بن الوليد النرسي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} [النور: 26] يقول: الخبيثات من القول والعمل للخبيثين من الناس ، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والعمل " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، قال: " { 17P237 الطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات} [النور: 26] قال: «الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول، والخبيثات من القول للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول» وقال آخرون: بل معنى ذلك: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} [النور: 26] قال: " نزلت في عائشة حين رماها المنافق بالبهتان والفرية، فبرأها الله من ذلك. وكان عبد الله بن أبي هو خبيث، وكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبا، وكان أولى أن تكون له الطيبة. وكانت عائشة الطيبة، وكان أولى أن يكون لها الطيب. {أولئك مبرءون مما يقولون} قال: هاهنا برئت عائشة. {لهم مغفرة ورزق كريم} [الأنفال: 74] " وأولى هذه الأقوال في تأويل الآية قول من قال: عنى بالخبيثات: الخبيثات من القول وذلك قبيحه وسيئه للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول؛ هم بها أولى، لأنهم أهلها. والطيبات من القول وذلك حسنه 17P238 وجميله للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول؛ لأنهم أهلها وأحق بها. وإنما قلنا: هذا القول أولى بتأويل الآية، لأن الآيات قبل ذلك إنما جاءت بتوبيخ الله للقائلين في عائشة الإفك، والرامين المحصنات الغافلات المؤمنات، وإخبارهم ما خصهم به على إفكهم، فكان ختم الخبر عن أولى الفريقين بالإفك من الرامي والمرمي به أشبه من الخبر عن غيرهم وقوله: {أولئك مبرءون} يقول: الطيبون من الناس مبرءون من خبيثات القول، إن قالوها فإن الله يصفح لهم عنها، ويغفرها لهم، وإن قيلت فيهم ضرت قائلها ولم تضرهم، كما لو قال الطيب من القول الخبيث من الناس لم ينفعه الله به، لأن الله لا يتقبله، ولو قيلت له لضرته، لأنه يلحقه عارها في الدنيا، وذلها في الآخرة كما حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أولئك مبرءون مما يقولون} فمن كان طيبا فهو مبرأ من كل قول خبيث، يقول: يغفره الله؛ ومن كان خبيثا فهو مبرأ من كل قول صالح، فإنه يرده الله عليه لا يقبله منه " وقد قيل: عني بقوله: {أولئك مبرءون مما يقولون} عائشة، وصفوان بن المعطل الذي رميت به.
فعلى هذا القول قيل {أولئك} [النور: 26] فجمع، والمراد: ذانك، كما قيل: {فإن كان له إخوة} [النساء: 11] ، والمراد أخوان وقوله: {لهم مغفرة} [المائدة: 9] يقول: لهؤلاء الطيبين من الناس مغفرة من الله لذنوبهم، والخبيث من القول إن كان منهم {ورزق كريم} [الأنفال: 4] يقول: ولهم أيضا مع المغفرة عطية من الله كريمة، وذلك الجنة، وما أعد لهم فيها من الكرامة كما حدثنا أبو زرعة، قال: ثنا العباس بن الوليد النرسي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لهم مغفرة ورزق كريم} [الأنفال: 74] مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم في الجنة " 17P239
[النور: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون} [النور: 27] اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: تأويله يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه " كان يقرأ: «لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها» قال: وإنما {تستأنسوا} [النور: 27] وهم من الكتاب " حدثنا ابن بشار قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} [النور: 27] وقال: إنما هي خطأ من الكاتب: «حتى تستأذنوا وتسلموا» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا وهب بن جرير قال : ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، بمثله، غير أنه قال: إنما هي «حتى تستأذنوا» ولكنها سقط من الكاتب حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا معاذ بن سليمان، عن جعفر بن إياس، عن سعيد، عن ابن عباس: {حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} [النور: 27] قال: أخطأ الكاتب وكان ابن عباس يقرأ: «حتى تستأذنوا وتسلموا» وكان يقرؤها على قراءة أبي بن كعب " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، أنه " كان يقرؤها: «حتى تستأذنوا وتسلموا» قال سفيان: وبلغني أن ابن عباس " كان يقرؤها: «حتى تستأذنوا وتسلموا» وقال: إنها خطأ من الكاتب حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} [النور: 27] قال: " الاستئناس: الاستئذان " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني هشيم قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، قال: " في مصحف ابن مسعود: «حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا» قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا جعفر بن إياس، عن سعيد، عن ابن عباس أنه " كان يقرؤها: «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا» قال: وإنما {تستأنسوا} [النور: 27] وهم من الكتاب " قال: ثنا هشيم،، قال مغيرة: قال مجاهد: " جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه الرمضاء، فأتى فسطاط امرأة من قريش، فقال: السلام عليكم، أدخل؟ فقالت: ادخل بسلام فأعاد، فأعادت، وهو يراوح بين قدميه قال: قولي ادخل قالت: ادخل فدخل " قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن ابن سيرين، وأخبرنا يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد الثقفي، أن رجلا، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ألج أو أنلج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة " قومي إلى هذا فكلميه، فإنه لا يحسن يستأذن، فقولي له يقول: السلام عليكم، أدخل؟
" فسمعها الرجل، 17P242 فقالها، فقال: «ادخل» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: {حتى تستأنسوا} [النور: 27] قال: الاستئذان، ثم نسخ ، واستثنى: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة} [النور: 29] " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن المغيرة، عن إبراهيم، قوله: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم} [النور: 27] قال: «حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {حتى تستأنسوا} [النور: 27] قال: «حتى تستأذنوا وتسلموا» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أشعث بن سوار، عن كردوس، عن ابن مسعود، قال: «عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم» قال أشعت، عن عدي بن ثابت: أن امرأة من الأنصار قالت: " يا رسول الله، إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها والد ولا ولد، وأنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال؟ قال: فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على 17P243 أهلها} [النور: 27] . الآية " وقال آخرون: معنى ذلك: حتى تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح والتنخم وما أشبهه، حتى يعلموا أنكم تريدون الدخول عليهم ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} [النور: 27] قال: «حتى تتنحنحوا وتتنخموا» حدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {حتى تستأنسوا} [النور: 27] قال: «حتى تجرسوا وتسلموا» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {حتى تستأنسوا} [النور: 27] قال: «تنحنحوا وتنخموا» قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح، يخبر عن ابن عباس، قال: " ثلاث آيات قد جحدهن الناس، قال الله: {إن أكرمكم عند 17P244 الله أتقاكم} [الحجرات: 13] . قال: ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم شأنا. قال: والإذن كله قد جحده الناس؛ فقلت له: أستأذن على أخواتي؟ أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال: نعم، فرددت على من حضرني، فأبى قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قلت: لا. قال: فاستأذن فراجعته أيضا قال: أتحب أن تطيع الله؟ قلت: نعم قال: فاستأذن فقال لي سعيد بن جبير: إنك لتردد عليه قلت: أردت أن يرخص لي " قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس، عن أبيه، قال: " ما من امرأة أكره إلي أن أرى كأنه يقول: عريتها أو عريانة من ذات محرم. قال: وكان يشدد في ذلك قال ابن جريج، وقال عطاء بن أبي رباح: " وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا، فواجب على الناس أجمعين إذا احتلموا أن يستأذنوا على من كان من الناس قلت لعطاء: أواجب على الرجل أن يستأذن على أمه، ومن وراءها من ذات قرابته؟ قال: نعم. قلت: أبر وجب؟ قال قوله: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا} [النور: 59] قال ابن جريج: وأخبرني ابن زياد أن صفوان مولى لبني زهرة، أخبره عن عطاء بن يسار: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أستأذن على أمي؟ قال: «نعم» . قال: 17P245 إنها ليس لها خادم غيري، أفأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: «أتحب أن تراها عريانة؟ » قال الرجل: لا. قال: «فاستأذن عليها» قال ابن جريج: عن الزهري قال: سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى، أنه سمع ابن مسعود يقول: «عليكم الإذن على أمهاتكم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: " أيستأذن الرجل على امرأته؟
قال: لا " حدثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن خازم، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود، عن زينب، قالت: «كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق، كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا} [النور: 27] قال: " الاستئناس: التنحنح والتجرس، حتى يعرفوا أن قد جاءهم أحد. قال: والتجرس: كلامه وتنحنحه " والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الاستئناس: الاستفعال من الأنس، وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم، مخبرا بذلك من فيه، وهل فيه أحد؟ وليؤذنهم أنه داخل عليهم، فليأنس إلى إذنهم له في ذلك، ويأنسوا إلى استئذانه إياهم وقد حكي عن العرب سماعا: اذهب فاستأنس، هل ترى أحدا في الدار؟ بمعنى: انظر هل ترى فيها أحدا؟ فتأويل الكلام إذن، إذا كان ذلك معناه: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تسلموا وتستأذنوا، وذلك أن يقول أحدكم: السلام عليكم، أدخل؟ وهو من المقدم الذي معناه التأخير، إنما هو: حتى تسلموا وتستأذنوا، كما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس وقوله: {ذلكم خير لكم} [البقرة: 54] يقول: استئناسكم وتسليمكم على أهل البيت الذي تريدون دخوله، فإن دخولكموه خير لكم؛ لأنكم لا تدرون أنكم إذا دخلتموه بغير إذن، على ماذا تهجمون؟ على ما يسوءكم أو يسركم؟ وأنتم إذا دخلتم بإذن، لم تدخلوا على ما تكرهون، وأديتم بذلك أيضا حق الله عليكم في الاستئذان والسلام وقوله: {لعلكم تذكرون} [الأنعام: 152] يقول: لتتذكروا بفعلكم ذلك أو الله عليكم، واللازم لكم من طاعته، فتطيعوه 17P246
[النور: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم} [النور: 28] يقول تعالى ذكره: فإن لم تجدوا في البيوت التي تستأذنون فيها أحدا يأذن لكم بالدخول إليها، فلا تدخلوها، لأنها ليست لكم، فلا يحل لكم دخولها إلا بإذن أربابها، فإن أذن لكم أربابها أن تدخلوها فادخلوها. {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا} [النور: 28] يقول: وإن قال لكم أهل البيوت التي تستأذنون فيها: ارجعوا فلا تدخلوها، فارجعوا عنها ولا تدخلوها؛ {هو أزكى لكم} [النور: 28] يقول: رجوعكم عنها إذا قيل لكم ارجعوا، ولم يؤذن لكم بالدخول فيها، أطهر لكم عند الله، وقوله: {هو} [البقرة: 29] كناية من اسم الفعل، أعني من قوله: {فارجعوا} [النور: 28] . وقوله: {والله بما تعملون عليم} [البقرة: 283] يقول جل ثناؤه: والله بما تعملون من رجوعكم بعد استئذانكم في بيوت غيركم إذا قيل لكم ارجعوا وترك رجوعكم عنها وطاعتكم الله فيما أمركم ونهاكم في ذلك وغيره من أمره ونهيه ذو علم محيط بذلك كله محص جميعه عليكم حتى يجازيكم على جميع ذلك وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فإن لم تجدوا فيها أحدا} [النور: 28] قال: " إن لم يكن لكم فيها متاع، فلا تدخلوها إلا بإذن {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا} [النور: 28] حدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله قال: ثنا الحسن، قال: ثنا هاشم بن القاسم المزني، عن قتادة، قال: قال رجل من المهاجرين: " لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها: أن أستأذن على بعض إخواني، فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط، لقوله: {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم} [النور: 28] " وهذا القول الذي قاله مجاهد في تأويل قوله: {فإن لم تجدوا فيها أحدا} [النور: 28] بمعنى: إن لم يكن لكم فيها متاع، قول بعيد من مفهوم كلام العرب؛ لأن العرب لا تكاد تقول: ليس بمكان كذا أحد، إلا وهي تعني: ليس بها أحد من بني آدم وأما الأمتعة وسائر الأشياء غير بني آدم ومن كان سبيله سبيلهم، فلا تقول ذلك فيها وقوله: {والله بما تعملون عليم} [البقرة: 283] يقول جل ثناؤه: والله بما تعملون من رجوعكم بعد استئذانكم في بيوت غيركم إذا قيل لكم ارجعوا، وترك رجوعكم عنها، وطاعتكم الله فيما أمركم ونهاكم في ذلك وغيره، من أمره ونهيه، ذو علم محيط بذلك كله، محص جميعه عليكم، حتى يجازيكم على جميع ذلك 17P248
[النور: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} [النور: 29] يقول تعالى ذكره: ليس عليكم أيها الناس إثم وحرج أن تدخلوا بيوتا لا ساكن بها بغير استئذان. ثم اختلفوا في ذلك: أي البيوت عنى؟ فقال بعضهم: عنى بها الخانات والبيوت المبنية بالطرق التي ليس بها سكان معروفون، وإنما بنيت لمارة الطريق والسابلة ليأووا إليها، ويؤووا إليها أمتعتهم ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن سالم المكي، عن محمد ابن الحنفية، في قوله: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة} [النور: 29] قال: هي الخانات التي تكون في الطرق " حدثني عباس بن محمد، قال: ثنا مسلم، قال: ثنا عمر بن فروخ، قال: سمعت قتادة، يقول: {بيوتا غير مسكونة} [النور: 29] قال: «هي الخانات تكون لأهل الأسفار» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} [النور: 29] قال: كانوا يضعون في بيوت في طرق المدينة متاعا وأقتابا، فرخص لهم أن يدخلوها " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {بيوتا غير مسكونة} [النور: 29] قال: «هي البيوت التي ينزلها السفر، لا يسكنها أحد» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {بيوتا غير مسكونة} [النور: 29] قال: «كانوا يصنعون أو يضعون بطريق المدينة أقتابا ، وأمتعة في بيوت ليس فيها أحد، فأحل لهم أن يدخلوها بغير إذن» حدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله، إلا أنه قال: كانوا يضعون بطريق المدينة ؛ بغير شك حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، غير أنه قال: كانوا يضعون بطريق المدينة أقتابا وأمتعة حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله: {أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة} [النور: 29] هي البيوت التي ليس لها أهل، وهي البيوت التي تكون بالطرق والخربة. {فيها متاع} [النور: 29] منفعة للمسافر في الشتاء والصيف، يأوي إليها " وقال آخرون: هي بيوت مكة ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن سعيد بن سائق، عن الحجاج بن أرطاة، عن سالم، عن محمد ابن الحنفية، في: {بيوتا غير مسكونة} [النور: 29] 17P251 قال: «هي بيوت مكة» وقال آخرون: هي البيوت الخربة. والمتاع الذي قال الله فيها لكم: قضاء الحاجة من الخلاء والبول فيها ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سمعت عطاء، يقول: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} [النور: 29] قال: «الخلاء والبول» حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا حسن بن عيسى بن زيد، عن أبيه، في هذه الآية: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} [النور: 29] قال: «التخلي في الخراب» وقال آخرون: بل عنى بذلك بيوت التجار التي فيها أمتعة الناس ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} [النور: 29] قال: " بيوت التجار، ليس عليكم جناح أن تدخلوها بغير إذن، الحوانيت التي بالقيساريات والأسواق.