Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V02/P443–V02/P445

وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فما يصده، وقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق " وفي قوله: {وسعى في خرابها} [البقرة: 114] قالوا: إذ قطعوا من يعمرها بذكره ويأتيها للحج والعمرة. وأولى التأويلات التي ذكرتها بتأويل الآية قول من قال: عنى الله عز وجل بقوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} [البقرة: 114] النصارى؛ وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس، وأعانوا بختنصر على ذلك، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده. والدليل على صحة ما قلنا في ذلك: قيام الحجة بأن لا قوم في معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرناها، وأن لا مسجد عنى الله عز وجل بقوله: {وسعى في خرابها} [البقرة: 114] إلا أحد المسجدين، إما مسجد بيت المقدس، وإما المسجد الحرام. وإذ كان ذلك كذلك، وكان معلوما أن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام، وإن كانوا قد منعوا في بعض الأوقات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فيه؛ صح وثبت أن الذين وصفهم الله عز وجل بالسعي في خراب مساجده غير الذين وصفهم الله بعمارتها، إذ كان مشركو قريش بنوا المسجد الحرام في الجاهلية، وبعمارته كان افتخارهم، وإن كان بعض أفعالهم فيه كان منهم على غير الوجه الذي يرضاه الله منهم. وأخرى أن الآية التي قبل قوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} [البقرة: 114] مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذم أفعالهم، والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم، ولم يجر لقريش ولا لمشركي العرب ذكر، ولا للمسجد الحرام قبلها، فيوجه الخبر بقول الله عز وجل: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} [البقرة: 114] إليهم وإلى المسجد الحرام. وإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بالآية أن يوجه تأويلها إليه، هو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها، إذ كان خبرها لخبرهما نظيرا وشكلا، إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك وإن اتفقت قصصها فاشتبهت. فإن ظن ظان أن ما قلنا في ذلك ليس كذلك، إذ كان المسلمون لم يلزمهم قط فرض الصلاة في المسجد المقدس، فمنعوا من الصلاة فيه، فيجوز توجيه قوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} [البقرة: 114] إلى أنه معني به مسجد بيت المقدس؛ فقد أخطأ فيما ظن من ذلك. وذلك أن الله جل ذكره إنما ذكر ظلم من منع من كان فرضه الصلاة في بيت المقدس من مؤمني بني إسرائيل، وإياهم قصد بالخبر عنهم بالظلم والسعي في خراب المسجد، وإن كان قد دل بعموم قوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} [البقرة: 114] أن كل مانع مصليا في مسجد لله فرضا كانت صلاته فيه أو تطوعا، وكل ساع في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين 02P446

قسم V02/P445–V02/P447

[البقرة: 114] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} [البقرة: 114] وهذا خبر من الله عز وجل عمن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، أنه قد حرم عليهم دخول المساجد التي سعوا في تخريبها ومنعوا عباد الله المؤمنين من ذكر الله عز وجل فيها ما داموا على مناصبة الحرب إلا على خوف ووجل من العقوبة على دخولهموها كالذي حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} [البقرة: 114] وهم اليوم كذلك، لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا نهك ضربا وأبلغ إليه في العقوبة " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " قال الله عز وجل: {ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} [البقرة: 114] وهم 02P447 النصارى، فلا يدخلون المسجد إلا مسارقة، إن قدر عليهم عوقبوا " حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} [البقرة: 114] فليس في الأرض رومي يدخلها اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} [البقرة: 114] قال: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» قال: فجعل المشركون يقولون: اللهم إنا منعنا أن ننزل " وإنما قيل: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} [البقرة: 114] فأخرج على وجه الخبر عن الجميع وهو خبر عمن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه؛ لأن «من» في معنى الجميع، وإن كان لفظه واحدا 02P447 [البقرة: 114] القول في تأويل قوله تعالى: {لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [البقرة: 114] أما قوله عز وجل: {لهم} [البقرة: 11] فإنه يعني الذين أخبر عنهم أنهم منعوا مساجد الله أن 02P448 يذكر فيها اسمه. وأما قوله: {لهم في الدنيا خزي} [البقرة: 114] فإنه يعني بالخزي: العار والشر والذلة إما القتل والسباء، وإما الذلة والصغار بأداء الجزية كما حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " {لهم في الدنيا خزي} [البقرة: 114] قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون " حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " قوله: {لهم في الدنيا خزي} [البقرة: 114] أما خزيهم في الدنيا: فإنهم إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم، فذلك الخزي؛ وأما العذاب العظيم: فإنه عذاب جهنم الذي لا يخفف عن أهله، ولا يقضى عليهم فيها فيموتوا " وتأويل الآية: لهم في الدنيا الذلة والهوان والقتل والسبي، على منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعيهم في خرابها. ولهم - على معصيتهم وكفرهم بربهم وسعيهم في الأرض فسادا - عذاب جهنم، وهو العذاب العظيم 02P448

قسم V02/P447–V02/P450

[البقرة: 115] القول في تأويل قوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم} [البقرة: 115] يعني جل ثناؤه بقوله: {ولله المشرق والمغرب} [البقرة: 115] لله ملكهما وتدبيرهما، كما يقال: لفلان هذه الدار، يعني بها أنها له ملكا، فذلك قوله: {ولله المشرق والمغرب} [البقرة: 115] يعني أنهما له ملكا وخلقا. والمشرق: هو موضع شروق الشمس، وهو موضع طلوعها، كما يقال لموضع طلوعها منه مطلع بكسر اللام وكما بينا في معنى المساجد آنفا. فإن قال قائل: أوما كان لله إلا مشرق واحد ومغرب واحد حتى قيل: {ولله المشرق والمغرب} [البقرة: 115] ؟ قيل: إن معنى ذلك غير الذي ذهبت إليه، وإنما معنى ذلك: ولله المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم، والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم. فتأويله إذا كان ذلك معناه: ولله ما بين قطري المشرق، وما بين قطري المغرب، إذ كان شروق الشمس كل يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلى الحول الذي بعده، وكذلك غروبها كل يوم. فإن قال: أو ليس وإن كان تأويل ذلك ما ذكرت فلله كل ما دونه الخلق خلقه؟ قيل: بلى. فإن قال: فكيف خص المشارق والمغارب بالخبر عنها أنها له في هذا الموضع دون سائر الأشياء غيرها؟ قيل: قد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله خص الله ذكر ذلك بما خصه به في هذا الموضع، ونحن مبينو الذي هو أولى بتأويل الآية بعد ذكرنا أقوالهم في ذلك. فقال بعضهم: خص الله جل ثناؤه ذلك بالخبر من أجل أن اليهود كانت توجه في صلاتها وجوهها قبل بيت المقدس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مدة، ثم حولوا إلى الكعبة، فاستنكرت اليهود ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] فقال الله تبارك وتعالى لهم: المشارق والمغارب كلها لي أصرف وجوه عبادي كيف أشاء منها، فحيثما تولوا فثم وجه الله ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس، قال: " كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة. وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم عليه السلام فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله تبارك وتعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] إلى قوله: {فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] فأنزل الله عز وجل: {قل لله المشرق والمغرب} [البقرة: 142] وقال: {أينما تولوا فثم وجه الله} " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي نحوه 02P451 وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين به التوجه شطر المسجد الحرام.

قسم V02/P450

وإنما أنزلها عليه معلما نبيه عليه الصلاة والسلام بذلك وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب، لأنهم لا يوجهون وجوههم وجها من ذلك وناحية، إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية؛ لأن له المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال جل وعز: {ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا} قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم في التوجه شطر المسجد الحرام ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله جل وعز: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] ثم نسخ ذلك بعد ذلك، فقال الله: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 149] " حدثت عن الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] قال: هي القبلة، ثم نسختها القبلة إلى المسجد الحرام " حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا همام، قال: ثنا يحيى، قال: سمعت قتادة: " في قول الله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] قال: كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة، وبعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم وجه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام، فنسخها الله في آية أخرى: {فلنولينك قبلة ترضاها} [البقرة: 144] إلى: {وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} قال: فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر القبلة " حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعته - يعني زيدا - يقول: " قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم} [البقرة: 115] قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هؤلاء قوم يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله لو أنا استقبلناه» فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرا. فبلغه أن يهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم. فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ورفع وجهه إلى السماء، فقال الله عز وجل: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] " الآية وقال آخرون: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم إذنا من الله عز وجل له أن يصلي التطوع حيث توجه وجهه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة، وفي شدة الخوف، والتقاء الزحوف في الفرائض.

قسم V02/P450–V02/P454

وأعلمه أنه حيث وجه وجهه فهو هنالك، بقوله: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر: " أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته، ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] " حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيل، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، أنه قال: " إنما نزلت هذه الآية: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في السفر تطوعا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوعا يومئ برأسه نحو المدينة " وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قوم عميت عليهم القبلة فلم يعرفوا شطرها، فصلوا على أنحاء مختلفة ، فقال الله عز وجل لهم: لي المشارق والمغارب، فأنى وليتم وجوهكم فهنالك وجهي، وهو قبلتكم؛ معلمهم بذلك أن صلاتهم ماضية ذكر من قال ذلك حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا أبو الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا يصلي فيه. فلما أصبحنا، إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة. فأنزل الله عز وجل: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم} [البقرة: 115] " حدثني المثنى، قال: حدثني الحجاج، قال: ثنا حماد، قال: قلت للنخعي: إني كنت استيقظت أو قال أوقظت، شك الطبري فكان في السماء سحاب، فصليت لغير القبلة. قال: " مضت صلاتك، يقول الله عز وجل: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] " حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أشعث السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة في سفر، فلم ندر أين القبلة فصلينا، فصلى كل واحد منا على حياله. ثم أصبحنا فذكرنا للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: {فأينما تولوا فثم 02P455 وجه الله} [البقرة: 115] " وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تنازعوا في أمره من أجل أنه مات قبل أن يصلي إلى القبلة، فقال الله عز وجل: المشارق والمغارب كلها لي، فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريدني به ويبتغي به طاعتي، وجدني هنالك. يعني بذلك أن النجاشي وإن لم يكن صلى إلى القبلة، فإنه قد كان يوجه إلى بعض وجوه المشارق والمغارب وجهه، يبتغي بذلك رضا الله عز وجل في صلاته ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال : ثنا هشام بن معاذ، قال: حدثني أبي، عن قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه» قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم.

قسم V02/P454–V02/P457

قال: فنزلت: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} [آل عمران: 199] قال قتادة: فقالوا إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله عز وجل: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] " قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك: أن الله تعالى ذكره إنما خص الخبر عن المشرق والمغرب في هذه الآية بأنهما له ملكا وإن كان لا شيء إلا وهو له 02P456 ملك؛ إعلاما منه عباده المؤمنين أن له ملكهما وملك ما بينهما من الخلق، وأن على جميعهم إذ كان له ملكهم طاعته فيما أمرهم ونهاهم، وفيما فرض عليهم من الفرائض، والتوجه نحو الوجه الذي وجهوا إليه، إذ كان من حكم المماليك طاعة مالكهم. فأخرج الخبر عن المشرق والمغرب، والمراد به من بينهما من الخلق، على النحو الذي قد بينت من الاكتفاء بالخبر عن سبب الشيء من ذكره والخبر عنه، كما قيل: {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93] وما أشبه ذلك. ومعنى الآية إذا: ولله ملك الخلق الذي بين المشرق والمغرب يتعبدهم بما شاء، ويحكم فيهم ما يريد عليهم طاعته؛ فولوا وجوهكم أيها المؤمنون نحو وجهي، فإنكم أينما تولوا وجوهكم فهنالك وجهي. فأما القول في هذه الآية ناسخة أم منسوخة، أم لا هي ناسخة ولا منسوخة؟ فالصواب فيه من القول أن يقال: إنها جاءت مجيء العموم، والمراد الخاص؛ وذلك أن قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] محتمل: أينما تولوا في حال سيركم في أسفاركم، في صلاتكم التطوع، وفي حال مسايفتكم عدوكم، في تطوعكم ومكتوبتكم، فثم وجه الله؛ كما قال ابن عمر والنخعي ومن قال ذلك ممن ذكرنا عنه آنفا. ومحتمل: فأينما تولوا من أرض الله فتكونوا بها فثم قبلة الله التي توجهون 02P457 وجوهكم إليها؛ لأن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها. كما قال أبو كريب قال ثنا وكيع، عن أبي سنان، عن الضحاك، والنضر بن عربي، عن مجاهد: " في قول الله عز وجل: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] قال: قبلة الله، فأينما كنت من شرق أو غرب فاستقبلها " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني إبراهيم، عن ابن أبي بكر، عن مجاهد، قال: " حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها، قال: الكعبة " ومحتمل: فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج ، قال مجاهد: " لما نزلت: {ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] قالوا: إلى أين؟ فنزلت: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] " فإذا كان قوله عز وجل: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] محتملا ما ذكرنا من الأوجه، لم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلا بحجة يجب التسليم لها؛ لأن 02P458 الناسخ لا يكون إلا بمنسوخ، ولم تقم حجة يجب التسليم لها بأن قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] معني به: فأينما توجهوا وجوهكم في صلاتكم فثم قبلتكم. ولا أنها نزلت بعد صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس أمرا من الله عز وجل لهم بها أن يتوجهوا نحو الكعبة، فيجوز أن يقال: هي ناسخة الصلاة نحو بيت المقدس؛ إذ كان من أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة التابعين من ينكر أن تكون نزلت في ذلك المعنى. ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بأنها نزلت فيه، وكان الاختلاف في أمرها موجودا على ما وصفت. ولا هي إذ لم تكن ناسخة لما وصفنا قامت حجتها بأنها منسوخة، إذ كانت محتملة ما وصفنا بأن تكون جاءت بعموم، ومعناها: في حال دون حال إن كان عني بها التوجه في الصلاة، وفي كل حال إن كان عني بها الدعاء، وغير ذلك من المعاني التي ذكرنا.

قسم V02/P457–V02/P459

وقد دللنا في كتابنا : «كتاب البيان عن أصول الأحكام» ، على أن لا ناسخ من آي القرآن وأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما نفى حكما ثابتا، وألزم العباد فرضه غير محتمل بظاهره وباطنه غير ذلك. فأما إذا ما احتمل غير ذلك من أن يكون بمعنى الاستثناء أو الخصوص والعموم، أو المجمل، أو المفسر، فمن الناسخ والمنسوخ بمعزل، بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع. ولا منسوخ إلا المنفي الذي كان قد ثبت حكمه وفرضه، ولم يصح واحد من هذين المعنيين لقوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] بحجة يجب التسليم لها، فيقال فيه: هو ناسخ أو منسوخ وأما قوله: {فأينما} [البقرة: 115] فإن معناه: حيثما وأما قوله: {تولوا} [البقرة: 115] فإن الذي هو أولى بتأويله أن يكون تولون نحوه وإليه، كما يقول القائل: وليت وجهي نحوه ووليته إليه، بمعنى: قابلته وواجهته. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية لإجماع الحجة على أن ذلك تأويله وشذوذ من تأوله بمعنى: تولون عنه فتستدبرونه، فالذي تتوجهون إليه وجه الله، بمعنى قبلة الله وأما قوله: {فثم} [البقرة: 115] فإنه بمعنى: هنالك واختلف في تأويل قوله: {فثم وجه الله} [البقرة: 115] فقال بعضهم: تأويل ذلك: فثم قبلة الله، يعني بذلك: وجهه الذي وجههم إليه ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن النضر بن عربي، عن مجاهد: " {فثم وجه الله} [البقرة: 115] قال: قبلة الله " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني إبراهيم، عن مجاهد قال: «حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها» وقال آخرون: معنى قول الله عز وجل {فثم وجه الله} [البقرة: 115] فثم الله 02P460 تبارك وتعالى. وقال آخرون: معنى قوله: {فثم وجه الله} [البقرة: 115] فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله الذي له الوجه الكريم. وقال آخرون: عنى بالوجه: ذا الوجه، وقال قائلو هذه المقالة: وجه الله صفة له. فإن قال قائل: وما هذه الآية من التي قبلها؟ قيل: هي لها مواصلة، وإنما معنى ذلك: ومن أظلم من النصارى الذين منعوا عباد الله مساجده أن يذكر فيها اسمه، وسعوا في خرابها، ولله المشرق والمغرب، فأينما توجهوا وجوهكم فاذكروه، فإن وجهه هنالك يسعكم فضله وأرضه وبلاده، ويعلم ما تعملون، ولا يمنعكم تخريب من خرب مسجد بيت المقدس، ومنعهم من منعوا من ذكر الله فيه أن تذكروا الله حيث كنتم من أرض الله تبتغون به وجهه 02P459

قسم V02/P459–V02/P463

[البقرة: 115] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله واسع عليم} [البقرة: 115] يعني جل ثناؤه بقوله: {واسع} [البقرة: 115] يسع خلقه كلهم بالكفاية والأفضال والجود والتدبير. وأما قوله: {عليم} [البقرة: 29] فإنه يعني أنه عليم بأفعالهم لا يغيب عنه منها شيء ولا يعزب عن علمه، بل هو بجميعها عليم 02P460 [البقرة: 116] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون} [البقرة: 116] 02P460 يعني بقوله جل ثناؤه: {وقالوا اتخذ الله ولدا} [البقرة: 116] الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، {وقالوا} [البقرة: 80] معطوف على قوله: {وسعى في خرابها} [البقرة: 114] . وتأويل الآية: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، وقالوا اتخذ الله ولدا وهم النصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله؟ فقال الله جل ثناؤه مكذبا قيلهم ما قالوا من ذلك ومنتفيا مما نحلوه وأضافوا إليه بكذبهم وفريتهم: {سبحانه} [البقرة: 116] يعني بها: تنزيها وتبريئا من أن يكون له ولد، وعلوا وارتفاعا عن ذلك. وقد دللنا فيما مضى على معنى قول القائل: «سبحان الله» بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. ثم أخبر جل ثناؤه أن له ما في السموات والأرض ملكا وخلقا، ومعنى ذلك: وكيف يكون المسيح لله ولدا، وهو لا يخلو إما أن يكون في بعض هذه الأماكن إما في السموات، وإما في الأرض، ولله ملك ما فيهما؟ ولو كان المسيح ابنا كما زعمتم لم يكن كسائر ما في السموات والأرض من خلقه وعبيده في ظهور آيات الصنعة فيه 02P461 [البقرة: 116] القول في تأويل قوله تعالى: {كل له قانتون} [البقرة: 116] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: مطيعون ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {كل له قانتون} [البقرة: 116] مطيعون " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله عز وجل: {كل له قانتون} [البقرة: 116] قال: مطيعون قال: طاعة الكافر في سجود ظله " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بمثله، إلا أنه زاد: بسجود ظله وهو كاره حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {كل له قانتون} [البقرة: 116] يقول: كل له مطيعون يوم القيامة " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق قال: حدثني يحيى بن سعيد، عمن ذكره عن عكرمة: " {كل له قانتون} [البقرة: 116] قال: الطاعة " حدثت عن المنجاب بن الحارث، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " {قانتون} [البقرة: 116] مطيعون " وقال آخرون: معنى ذلك كل له مقرون بالعبودية ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة: " {كل له قانتون} [البقرة: 116] كل مقر له بالعبودية " وقال آخرون بما حدثني به المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " قوله: {كل له قانتون} [البقرة: 116] قال: كل له قائم يوم القيامة " والقنوت في كلام العرب معان: أحدها الطاعة، والآخر القيام، والثالث الكف عن الكلام والإمساك عنه. وأولى معاني القنوت في قوله: {كل له قانتون} [البقرة: 116] الطاعة والإقرار لله عز وجل بالعبودية بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة، والدلالة على وحدانية الله عز وجل، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها. وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب الذين زعموا أن لله ولدا بقوله: بل له ما في السموات والأرض ملكا وخلقا. ثم أخبر عن جميع ما في السموات والأرض أنها مقرة بدلالتها على ربها وخالقها، وأن الله تعالى بارئها وصانعها. وإن جحد ذلك بعضهم فألسنتهم مذعنة له بالطاعة بشهادتها له بآثار الصنعة التي فيها بذلك، وأن المسيح أحدهم، فأنى يكون لله ولدا وهذه صفته؟ 02P464 وقد زعم بعض من قصرت معرفته عن توجيه الكلام وجهته أن قوله: {كل له قانتون} [البقرة: 116] خاصة لأهل الطاعة وليست بعامة. وغير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها إلا بحجة يجب التسليم لها لما قد بينا في كتابنا: «كتاب البيان عن أصول الأحكام» وهذا خبر من الله جل وعز عن أن المسيح الذي زعمت النصارى أنه ابن الله مكذبهم هو والسموات والأرض وما فيها، إما باللسان، وإما بالدلالة؛ وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن جميعهم بطاعتهم إياه وإقرارهم له بالعبودية عقيب قوله: {وقالوا اتخذ الله ولدا} [البقرة: 116] فدل ذلك على صحة ما قلنا 02P463

قسم V02/P463–V02/P465

[البقرة: 117] القول في تأويل قوله تعالى: {بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117] 02P464 يعني جل ثناؤه بقوله: {بديع السموات والأرض} مبدعها. وإنما هو مفعل صرف إلى فعيل، كما صرف المؤلم إلى أليم، والمسمع إلى سميع. ومعنى المبدع: المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد؛ ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعا لإحداثه فيه ما لم يسبقه إليه غيره. وكذلك كل محدث فعلا أو قولا لم يتقدمه فيه متقدم، فإن العرب تسميه مبتدعا. ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة في مدح هوذة بن علي الحنفي: [+البحر البسيط] يرعى إلى قول سادات الرجال إذا أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا أي يحدث ما شاء. ومنه قول رؤبة بن العجاج: [+البحر الرجز] فأيها الغاشي القذاف الأتيعا إن كنت لله التقي الأطوعا فليس وجه الحق أن تبدعا يعني: أن تحدث في الدين ما لم يكن فيه. فمعنى الكلام: سبحان الله أنى يكون له ولد وهو مالك ما في السموات والأرض، تشهد له جميعا بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له بالطاعة؛ وهو بارئها وخالقها، وموجدها من غير أصل، ولا مثال احتذاها عليه. وهذا إعلام من الله جل ثناؤه عباده أن مما يشهد له بذلك المسيح الذي أضافوا إلى الله جل ثناؤه بنوته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال هو الذي ابتدع المسيح من غير والد بقدرته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {بديع السموات والأرض} يقول: ابتدع خلقها، ولم يشركه في خلقها أحد " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {بديع 02P466 السموات والأرض} يقول: ابتدعها فخلقها، ولم يخلق مثلها شيئا فتتمثل به " 02P465

قسم V02/P465–V02/P467

[البقرة: 117] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117] يعني جل ثناؤه بقوله: {وإذا قضى أمرا} [البقرة: 117] وإذا أحكم أمرا وحتمه. وأصل كل قضاء أمر الإحكام والفراغ منه؛ ومن ذلك قيل للحاكم بين الناس: القاضي بينهم، لفصله القضاء بين الخصوم، وقطعه الحكم بينهم وفراغه منه ومنه قيل للميت: قد قضى، يراد به قد فرغ من الدنيا، وفصل منها. ومنه قيل: ما ينقضي عجبي من فلان، يراد: ما ينقطع. ومنه قيل: تقضي النهار: إذا انصرم. ومنه قول الله عز وجل: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] أي فصل الحكم فيه بين عباده بأمره إياهم بذلك، وكذلك قوله: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب} [الإسراء: 4] أي أعلمناهم بذلك وأخبرناهم به، ففرغنا إليهم منه. ومنه قول أبي ذؤيب: [+البحر الكامل] وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع ويروى: وتعاورا مسرودتين قضاهما. ويعني بقوله: قضاهما: أحكمهما. ومنه قول الآخر في مدح عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [+البحر الطويل] قضيت أمورا ثم غادرت بعدها بوائق في أكمامها لم تفتق ويروى: بوائج وأما قوله: {فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117] فإنه يعني بذلك: وإذا أحكم أمرا فحتمه، فإنما يقول لذلك الأمر كن، فيكون ذلك الأمر على ما أمره الله أن يكون وأراده. فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117] ؟ وفي أي حال يقول للأمر الذي يقضيه: كن؟ أفي حال عدمه، وتلك حال لا يجوز فيها أمره، إذ كان محالا أن يأمر إلا المأمور، فإذا لم يكن المأمور استحال الأمر؛ وكما محال الأمر من غير آمر، فكذلك محال الأمر من آمر إلا لمأمور. أم يقول له ذلك في حال وجوده، وتلك حال لا يجوز أمره فيها بالحدوث، لأنه حادث موجود، ولا يقال للموجود: كن موجودا إلا بغير معنى الأمر بحدوث عينه؟ قيل: قد تنازع المتأولون في معنى ذلك، ونحن مخبرون بما قالوا فيه، والعلل التي اعتل بها كل فريق منهم لقوله في ذلك: قال بعضهم: ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن أمره المحتوم على وجه القضاء لمن قضى عليه قضاء من خلقه الموجودين أنه إذا أمره بأمر نفذ فيه قضاؤه، ومضى فيه أمره، نظير أمره من أمر من بني إسرائيل بأن يكونوا قردة خاسئين، وهم موجودون في حال أمره إياهم بذلك، وحتم قضاءه عليهم بما قضى فيهم، وكالذي خسف به وبداره الأرض، وما أشبه ذلك من أمره وقضائه فيمن كان موجودا من خلقه في حال أمره المحتوم عليه. فوجه قائلو هذا القول قوله: {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117] إلى الخصوص دون العموم. وقال آخرون: بل الآية عام ظاهرها، فليس لأحد أن يحيلها إلى باطن بغير حجة يجب التسليم لها، وقال: إن الله عالم بكل ما هو كائن قبل كونه. فلما كان ذلك كذلك كانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة لعلمه بها قبل كونها، نظائر التي هي موجودة، فجاز أن يقول لها: كوني، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود، لتصور جميعها له، ولعلمه بها في حال العدم. وقال آخرون: بل الآية وإن كان ظاهرها ظاهر عموم، فتأويلها الخصوص؛ لأن الأمر غير جائز إلا لمأمور على ما وصفت قبل. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، فالآية تأويلها: وإذا قضى أمرا من إحياء ميت، أو إماتة حي، ونحو ذلك، فإنما يقول لحي كن ميتا، أو لميت كن حيا، وما أشبه ذلك من الأمر. وقال آخرون: بل ذلك من الله عز وجل خبر عن جميع ما ينشئه ويكونه أنه إذا قضاه وخلقه وأنشأه كان ووجد. ولا قول هنالك عند قائلي هذه المقالة إلا وجود المخلوق، وحدوث المقضي؛ وقالوا: إنما قول الله عز وجل: {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117] نظير قول القائل: قال فلان برأسه، وقال بيده؛ إذا حرك رأسه أو أومأ بيده ولم يقل شيئا.

قسم V02/P467–V02/P471

وكما قال أبو النجم: [+البحر الرجز] وقالت الأنساع للبطن الحق قدما فآضت كالفنيق المحنق ولا قول هنالك، وإنما عنى أن الظهر قد لحق بالبطن. وكما قال عمرو بن حممة الدوسي: [+البحر الطويل] فأصبحت مثل النسر طارت فراخه إذا رام تطيارا يقال له قع ولا قول هناك، وإنما معناه: إذا رام طيرانا ووقع، وكما قال الآخر: [+البحر الرجز] امتلأ الحوض وقال قطني سيلا رويدا قد ملأت بطني وأولى الأقوال بالصواب في قوله: {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117] أن يقال: هو عام في كل ما قضاه الله وبرأه، لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم، وغير جائز إحالة الظاهر إلى الباطن من التأويل بغير برهان لما قد بينا في كتابنا: «كتاب البيان عن أصول الأحكام» وإذ كان ذلك كذلك، فأمر الله جل وعز لشيء إذا أراد تكوينه موجودا بقوله: {كن} [البقرة: 117] في حال إرادته إياه مكونا، لا يتقدم وجود الذي أراد إيجاده وتكوينه إرادته إياه، ولا أمره بالكون والوجود، ولا يتأخر عنه. فغير جائز أن يكون الشيء مأمورا بالوجود مرادا كذلك إلا وهو موجود، ولا أن يكون موجودا إلا وهو مأمور بالوجود مراد كذلك. ونظير قوله: {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117] قوله: {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} [الروم: 25] بأن خروج القوم من قبورهم لا يتقدم دعاء الله، ولا يتأخر عنه. ويسأل من زعم أن قوله: {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة : 117] خاص في التأويل اعتلالا بأن أمر غير الموجود غير جائز، عن دعوة أهل القبور قبل خروجهم من قبورهم، أم بعده؟ أم هي في خاص من الخلق؟ فلن يقول في ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله. ويسأل الذين زعموا أن معنى قوله جل ثناؤه: {فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117] نظير قول القائل: قال فلان برأسه أو بيده، إذا حركه وأومأ، ونظير قول الشاعر: [+البحر الوافر] تقول إذا درأت لها وضيني أهذا دينه أبدا وديني وما أشبه ذلك؟ فإنهم لا صواب اللغة أصابوا، ولا كتاب الله وما دلت على صحته الأدلة اتبعوا. فيقال لقائلي ذلك: إن الله تعالى ذكره أخبر عن نفسه أنه إذا قضى أمرا قال له: كن، أفتنكرون أن يكون قائلا ذلك؟ فإن أنكروه كذبوا بالقرآن، وخرجوا من الملة، وإن قالوا: بل نقر به، ولكنا نزعم أن ذلك نظير قول القائل: قال الحائط فمال ولا قول هنالك، وإنما ذلك خبر عن ميل الحائط. قيل لهم: أفتجيزون للمخبر عن الحائط بالميل أن يقول: إنما قول الحائط إذا أراد أن يميل أن يقول هكذا فيميل؟ فإن أجازوا ذلك خرجوا من معروف كلام العرب، وخالفوا منطقها وما يعرف في لسانها. وإن قالوا: ذلك غير جائز، قيل لهم: إن الله تعالى ذكره أخبرهم عن نفسه أن قوله للشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون، فأعلم عباده قوله الذي يكون به الشيء ووصفه ووكده. وذلك عندكم غير جائز في العبارة عما لا كلام له ولا بيان في مثل قول القائل: قال الحائط فمال. فكيف لم يعلموا بذلك فرق ما بين معنى قول الله: {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117] وقول القائل: قال الحائط فمال؟ وللبيان عن فساد هذه المقالة موضع غير هذا نأتي فيه على القول بما فيه الكفاية إن شاء الله. وإذا كان الأمر في قوله جل ثناؤه: {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 117] هو ما وصفنا من أن حال أمره الشيء بالوجود حال وجود المأمور بالوجود، فتبين بذلك أن الذي هو أولى بقوله: {فيكون} [البقرة: 117] رفع على العطف على قوله: {يقول} [البقرة: 8] لأن القول والكون حالهما واحد. وهو نظير قول القائل: تاب فلان فاهتدى، واهتدى فلان فتاب؛ لأنه لا يكون تائبا إلا وهو مهتد، ولا مهتديا إلا وهو تائب.

قسم V02/P471–V02/P472

فكذلك لا يمكن أن يكون الله آمرا شيئا بالوجود إلا وهو موجود، ولا موجودا إلا وهو آمره بالوجود؛ ولذلك استجاز من استجاز نصب «فيكون» من قرأ: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن يقول له كن فيكون) بالمعنى الذي وصفنا على معنى: أن نقول فيكون. وأما رفع من رفع ذلك، فإنه رأى أن الخبر قد تم عند قوله: {إذا أردناه أن نقول له كن} [النحل: 40] إذ كان معلوما أن الله إذا حتم قضاءه على شيء كان المحتوم عليه موجودا، ثم ابتدأ بقوله: فيكون، كما قال جل ثناؤه: {لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء} [الحج: 5] ، وكما قال ابن أحمر: [+البحر الوافر] يعالج عاقرا أعيت عليه ليلقحها فينتجها حوارا يريد: فإذا هو ينتجها حوارا. فمعنى الآية إذا: وقالوا اتخذ الله ولدا، سبحانه أن يكون له ولد. بل هو مالك السموات والأرض وما فيهما، كل ذلك مقر له بالعبودية بدلالته على وحدانيته. وأنى يكون له ولد، وهو الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل، كالذي ابتدع المسيح من غير والد بقدرته وسلطانه، الذي لا يتعذر عليه به شيء أراده. بل إنما يقول له إذا قضاه فأراد تكوينه: «كن» ، فيكون موجودا كما أراده وشاءه. فكذلك كان ابتداعه المسيح وإنشاءه إذ أراد خلقه من غير والد 02P473

قسم V02/P472–V02/P475

[البقرة: 118] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون} [البقرة: 118] اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله} [البقرة: 118] فقال بعضهم: عنى بذلك النصارى ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله جل وعز: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية} [البقرة: 118] قال: النصارى تقوله " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله؛ وزاد فيه {وقال الذين لا يعلمون} [البقرة: 118] النصارى وقال آخرون: بل عنى الله بذلك اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قالا جميعا: ثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن كنت رسولا من عند الله كما تقول، فقل لله عز وجل فليكلمنا حتى نسمع كلامه. فأنزل الله عز وجل في ذلك من قوله: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية} [البقرة: 118] الآية كلها " وقال آخرون: بل عنى بذلك مشركي العرب ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية} [البقرة: 118] وهم كفار العرب " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله} [البقرة: 118] قال: هم كفار العرب " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله} [البقرة: 118] أما الذين لا يعلمون: فهم العرب " وأولى هذه الأقوال بالصحة والصواب قول القائل: إن الله تعالى عنى بقوله: {وقال الذين لا يعلمون} [البقرة: 118] النصارى دون غيرهم؛ لأن ذلك في سياق خبر الله عنهم، وعن افترائهم عليه وادعائهم له ولدا. فقال جل ثناؤه، مخبرا عنهم فيما أخبر عنهم من ضلالتهم أنهم مع افترائهم على الله الكذب بقوله: {اتخذ الله ولدا} [البقرة : 116] تمنوا على الله الأباطيل، فقالوا جهلا منهم بالله وبمنزلتهم عنده وهم بالله مشركون: لولا يكلمنا الله كما يكلم رسوله وأنبياءه، أو تأتينا آية كما أتتهم. ولا ينبغي الله أن يكلم إلا أولياءه، ولا يؤتي آية معجزة على دعوى مدع إلا لمن كان محقا في دعواه وداعيا إلى الله وتوحيده. فأما من كان كاذبا في دعواه وداعيا إلى الفرية عليه وادعاء البنين والبنات له، فغير جائز أن يكلمه الله جل ثناؤه، أو يؤتيه آية معجزة تكون مؤيدة كذبه وفريته عليه. وقال الزاعم: إن الله عنى بقوله: {وقال الذين لا يعلمون} [البقرة: 118] العرب، فإنه قائل قولا لا خبر بصحته ولا برهان على حقيقته في ظاهر الكتاب. والقول إذا صار إلى ذلك كان واضحا خطؤه، لأنه ادعى ما لا برهان على صحته، وادعاء مثل ذلك لن يتعذر على أحد. وأما معنى قوله: {لولا يكلمنا الله} [البقرة: 118] فإنه بمعنى: هلا يكلمنا الله. كما 02P476 قال الأشهب بن رميلة: [+البحر الطويل] تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا بمعنى: فهلا تعدون الكمي المقنع؟ كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {لولا يكلمنا الله} [البقرة: 118] قال: فهلا يكلمنا الله " قال أبو جعفر: فأما الآية فقد ثبت فيما قبل معنى الآية أنها العلامة.

قسم V02/P475

وإنما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: هلا تأتينا آية على ما نريده ونسأل، كما أتت الأنبياء والرسل. فقال عز وجل: {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} [البقرة: 118] 02P476

قسم V02/P475–V02/P478

[البقرة: 118] القول في تأويل قوله تعالى: {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم} [البقرة: 118] اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} [البقرة: 118] فقال بعضهم في ذلك بما حدثني به، محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} [البقرة: 118] هم 02P477 اليهود " حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {قال الذين من قبلهم} [البقرة: 118] اليهود " وقال آخرون: هم اليهود والنصارى، لأن الذين لا يعلمون هم العرب ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: " {قال الذين من قبلهم} [البقرة: 118] يعني اليهود والنصارى وغيرهم " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " قالوا: يعني العرب، كما قالت اليهود والنصارى من قبلهم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} [البقرة: 118] يعني اليهود والنصارى " قال أبو جعفر: قد دللنا على أن الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله} [البقرة: 118] هم النصارى، والذين قالت مثل قولهم هم اليهود، وسألت موسى صلى الله عليه وسلم أن يريهم ربهم جهرة، وأن يسمعهم كلام ربهم، كما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا، وسألوا من الآيات ما ليس لهم مسألته تحكما منهم على ربهم، وكذلك تمنت النصارى على ربها تحكما منها عليه أن يسمعهم كلامه ويريهم ما أرادوا من الآيات. فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا من القول في ذلك مثل الذي قالته اليهود وتمنت على ربها مثل أمانيها، وأن قولهم الذي قالوه من ذلك إنما يشابه قول اليهود من أجل تشابه قلوبهم في الضلالة والكفر بالله. فهم وإن اختلفت مذاهبهم في كذبهم على الله وافترائهم عليه، فقلوبهم متشابهة في الكفر بربهم والفرية عليه، وتحكمهم على أنبياء الله ورسله عليهم السلام. وبنحو ما قلنا في ذلك قال مجاهد حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {تشابهت قلوبهم} [البقرة: 118] قلوب النصارى واليهود " وقال غيره: معنى ذلك تشابهت قلوب كفار العرب واليهود والنصارى وغيرهم ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {تشابهت قلوبهم} [البقرة: 118] يعني العرب واليهود والنصارى وغيرهم " حدثني المثنى، ثنا إسحاق ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {تشابهت قلوبهم} [البقرة: 118] يعني العرب واليهود والنصارى وغيرهم " وغير جائز في قوله: {تشابهت} [البقرة: 118] التثقيل، لأن التاء التي في أولها زائدة أدخلت في قوله: تفاعل، وإن ثقلت صارت تاءين؛ ولا يجوز إدخال تاءين زائدتين علامة لمعنى واحد، وإنما يجوز ذلك في الاستقبال لاختلاف معنى دخولهما، لأن إحداهما تدخل علما للاستقبال، والأخرى منها التي في تفاعل، ثم تدغم إحداهما في الأخرى فتثقل فيقال: تشابه بعد اليوم قلوبنا. فمعنى الآية: وقالت النصارى الجهال بالله وبعظمته: هلا يكلمنا الله ربنا كما كلم أنبياءه ورسله، أو تجيئنا علامة من الله نعرف بها صدق ما نحن عليه على ما نسأل ونريد؟ قال الله جل ثناؤه: فكما قال هؤلاء الجهال من النصارى وتمنوا على ربهم قال من قبلهم من اليهود، فسألوا ربهم أن يريهم الله نفسه جهرة، ويؤتيهم آية، واحتكموا عليه وعلى رسله، وتمنوا الأماني. فاشتبهت قلوب اليهود والنصارى في تمردهم على الله وقلة معرفتهم بعظمته وجرأتهم على أنبيائه ورسله، كما اشتبهت أقوالهم التي قالوها 02P479

قسم V02/P478–V02/P480

[البقرة: 118] القول في تأويل قوله تعالى: {قد بينا الآيات لقوم يوقنون} [البقرة: 118] يعني جل ثناؤه بقوله: {قد بينا الآيات لقوم يوقنون} [البقرة: 118] قد بينا العلامات التي من أجلها غضب الله على اليهود وجعل منهم القردة والخنازير، وأعد لهم العذاب المهين في معادهم، والتي من أجلها أخزى الله النصارى في الدنيا، وأعد لهم الخزي والعذاب الأليم في الآخرة، والتي من أجلها جعل سكان الجنان الذين أسلموا وجوههم لله وهم محسنون في هذه السورة وغيرها. فأعلموا الأسباب التي من أجلها استحق كل فريق منهم من الله ما فعل به من ذلك، وخص الله بذلك القوم الذين يوقنون؛ لأنهم أهل التثبت في الأمور، والطالبون معرفة حقائق الأشياء على يقين وصحة. فأخبر الله جل ثناؤه أنه بين لمن كانت هذه الصفة صفته ما بين من ذلك ليزول شكه، ويعلم حقيقة الأمر؛ إذ كان ذلك خبرا من الله جل ثناؤه، وخبر الله الخبر الذي لا يعذر سامعه بالشك فيه. وقد يحتمل غيره من الأخبار ما يحتمل من الأسباب العارضة فيه من السهو والغلط والكذب، وذلك منفي عن خبر الله عز وجل 02P480 [البقرة: 119] القول في تأويل قوله تعالى: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} [البقرة: 119] ومعنى قوله جل ثناؤه: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا} [البقرة: 119] إنا أرسلناك يا محمد بالإسلام الذي لا أقبل من أحد غيره من الأديان - وهو الحق - مبشرا من اتبعك فأطاعك وقبل منك ما دعوته إليه من الحق، بالنصر في الدنيا، والظفر بالثواب في الآخرة، والنعيم المقيم فيها؛ ومنذرا من عصاك فخالفك ورد عليك ما دعوته إليه من الحق بالخزي في الدنيا، والذل فيها، والعذاب المهين في الآخرة 02P480

قسم V02/P480–V02/P482

[البقرة: 119] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} [البقرة: 119] وقال أبو جعفر: قرأت عامة القراء: {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} [البقرة: 119] بضم التاء من «تسأل» ورفع اللام منها على الخبر، بمعنى: يا محمد إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا، فبلغت ما أرسلت به، وإنما عليك البلاغ والإنذار، ولست مسئولا عمن كفر بما أتيته به من الحق وكان من أهل الجحيم. وقرأ ذلك بعض أهل المدينة: (ولا تسأل) جزما بمعنى النهي مفتوح التاء من تسأل، وجزم اللام منها. ومعنى ذلك على قراءة هؤلاء: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا لتبلغ ما أرسلت به، لا لتسأل عن أصحاب الجحيم، فلا تسأل عن حالهم وتأول الذين قرءوا هذه القراءة ما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليت شعري ما فعل أبواي» . «فنزلت (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) » حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليت شعري ما فعل أبواي. ليت شعري ما فعل أبواي. ليت شعري ما فعل أبواي»، ثلاثا، فنزلت: (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ) فما ذكرهما حتى توفاه الله " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني داود بن أبي عاصم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «ليت شعري أين أبواي؟ » فنزلت: (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) " والصواب عندي من القراءة في ذلك قراءة من قرأ بالرفع على الخبر؛ لأن الله جل ثناؤه قص قصص أقوام من اليهود والنصارى، وذكر ضلالتهم وكفرهم بالله وجراءتهم على أنبيائه، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: إنا أرسلناك يا محمد بشيرا من آمن بك واتبعك ممن قصصت عليك أنباءه ومن لم أقصص عليك أنباءه، ونذيرا من كفر بك وخالفك، فبلغ رسالتي، فليس عليك من أعمال من كفر بك بعد إبلاغك إياه رسالتي تبعة، ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك. ولم يجر لمسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه عن أصحاب الجحيم ذكر، فيكون لقوله: {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} [البقرة: 119] وجه يوجه إليه. وإنما الكلام موجه معناه إلى ما دل عليه ظاهره المفهوم، حتى تأتي دلالة بينة تقوم بها الحجة على أن المراد به غير ما دل عليه ظاهره؛ فيكون حينئذ مسلما للحجة الثابتة بذلك. ولا خبر تقوم به الحجة على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن أن يسأل في هذه الآية عن أصحاب الجحيم، ولا دلالة تدل على أن ذلك كذلك في ظاهر التنزيل. والواجب أن يكون تأويل ذلك الخبر على ما مضى ذكره قبل هذه الآية وعمن ذكر بعدها من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، دون النهي عن المسألة عنهم. فإن ظن ظان أن الخبر الذي روي عن محمد بن كعب صحيح، فإن في استحالة الشك من الرسول عليه السلام في أن أهل الشرك من أهل الجحيم، وأن أبويه كانا منهم، ما يدفع صحة ما قاله محمد بن كعب إن كان الخبر عنه صحيحا، مع أن ابتداء الله الخبر بعد قوله: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا} [البقرة : 119] بالواو بقوله: ولا تسأل عن أصحاب الجحيم، وتركه وصل ذلك بأوله بالفاء، وأن يكون: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا} [البقرة: 119] ، ولا تسأل عن أصحاب الجحيم، أوضح الدلائل على أن الخبر بقوله: {ولا تسأل} [البقرة: 119] ، أولى من النهي، والرفع به أولى من الجزم. وقد ذكر أنها في قراءة أبي: «وما تسأل» وفي قراءة ابن مسعود: «ولن تسأل» وكلتا هاتين القراءتين تشهد بالرفع، والخبر فيه دون النهي.

قسم V02/P482–V02/P483

وقد كان بعض نحويي البصرة يوجه قوله: {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} [البقرة: 119] إلى الحال، كأنه كان يرى أن معناه: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير مسئول عن أصحاب الجحيم. وذلك إذا ضم التاء، وقرأه على معنى الخبر، وكان يجيز على ذلك قراءته: «ولا تسأل» ، بفتح التاء وضم اللام على وجه الخبر بمعنى: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا، غير سائل عن أصحاب الجحيم. وقد بينا الصواب عندنا في ذلك. وهذان القولان اللذان ذكرتهما عن البصري في ذلك يدفعهما ما روي عن ابن مسعود وأبي من القراءة؛ لأن إدخالهما ما أدخلا من ذلك من ما، ولن يدل على انقطاع الكلام عن أوله وابتداء قوله: {ولا تسأل} [البقرة: 119] وإذا كان ابتداء لم يكن حالا. وأما أصحاب الجحيم، فالجحيم هي النار بعينها إذا شبت وقودها، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [+البحر الوافر] إذا شبت جهنم ثم دارت وأعرض عن قوابسها الجحيم 02P484

قسم V02/P483–V02/P485

[البقرة: 120] القول في تأويل قوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير} [البقرة: 120] يعني بقوله جل ثناؤه: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} [البقرة: 120] وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق. فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم. ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتباع ملتهم؛ لأن اليهودية ضد النصرانية، والنصرانية ضد اليهودية، ولا تجتمع النصرانية واليهودية في شخص واحد في حال واحدة، واليهود والنصارى لا تجتمع على الرضا بك، إلا أن تكون يهوديا نصرانيا، وذلك مما لا يكون منك أبدا، لأنك شخص واحد، ولن يجتمع فيك دينان متضادان في حال واحدة. وإذا لم يكن إلى اجتماعهما فيك في وقت واحد سبيل، لم يكن لك إلى إرضاء الفريقين سبيل. وإذا لم يكن لك إلى ذلك سبيل، فألزم هدى الله الذي لجمع الخلق إلى الألفة عليه سبيل، وأما الملة فإنها الدين وجمعها الملل. ثم قال جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء النصارى واليهود الذين قالوا: {لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} [البقرة: 111] : {إن هدى الله هو الهدى} [البقرة: 120] يعني أن بيان الله هو البيان المقنع والقضاء الفاصل بيننا، فهلموا إلى كتاب الله وبيانه الذي بين فيه لعباده ما اختلفوا فيه، وهو التوراة التي تقرون جميعا بأنها من عند الله، يتضح لكم فيها المحق منا من المبطل، وأينا أهل الجنة، وأينا أهل النار، وأينا على الصواب، وأينا على الخطأ. وإنما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى هدى الله وبيانه، لأن فيه تكذيب اليهود والنصارى فيما قالوا من أن الجنة لن يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، وبيان أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأن المكذب به من أهل النار دون المصدق به 02P485 [البقرة: 120] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير} [البقرة: 120] يعني جل ثناؤه بقوله: {ولئن اتبعت} [البقرة: 120] يا محمد هوى هؤلاء اليهود والنصارى، فيما يرضيهم عنك من تهود وتنصر، فصرت من ذلك إلى إرضائهم، ووافقت فيه محبتهم من بعد الذي جاءك من العلم بضلالتهم وكفرهم بربهم، ومن بعد الذي اقتصصت عليك من نبئهم في هذه السورة، {ما لك من الله من ولي} [البقرة: 120] . يعني بذلك: ليس لك يا محمد من ولي يلي أمرك، وقيم يقوم به، ولا نصير ينصرك من الله، فيدفع عنك ما ينزل بك من عقوبته، ويمنعك من ذلك أن أحل بك ذلك ربك. وقد بينا معنى الولي والنصير فيما مضى قبل. وقد قيل: إن الله تعالى ذكره أنزل هذه الآية على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن اليهود والنصارى دعته إلى أديانها، وقال كل حزب منهم: إن الهدى هو ما نحن عليه دون ما عليه غيرنا من سائر الملل. فوعظه الله أن يفعل ذلك، وعلمه الحجة الفاصلة بينهم فيما ادعى كل فريق منهم 02P486

قسم V02/P485–V02/P486

[البقرة: 121] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون} [البقرة: 121] اختلف أهل التأويل في الذين عناهم الله جل ثناؤه بقوله: {الذين آتيناهم الكتاب} [البقرة: 121] فقال بعضهم: هم المؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من أصحابه ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: " قوله: {الذين آتيناهم الكتاب} [البقرة: 121] هؤلاء أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم، آمنوا بكتاب الله وصدقوا به " وقال آخرون: بل عنى الله بذلك علماء بني إسرائيل الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله، فأقروا بحكم التوراة، فعملوا بما أمر الله فيها من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمان به، والتصديق بما جاء به من عند الله ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون} [البقرة: 121] قال: 02P487 من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم من يهود فأولئك هم الخاسرون " وهذا القول أولى بالصواب من القول الذي قاله قتادة؛ لأن الآيات قبلها مضت بأخبار أهل الكتابين، وتبديل من بدل منهم كتاب الله، وتأولهم إياه على غير تأويله، وادعاؤهم على الله الأباطيل. ولم يجر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الآية التي قبلها ذكر، فيكون قوله: {الذين آتيناهم الكتاب} [البقرة: 121] موجها إلى الخبر عنهم، ولا لهم بعدها ذكر في الآية التي تتلوها، فيكون موجها ذلك إلى أنه خبر مبتدأ عن قصص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء قصص غيرهم، ولا جاء بأن ذلك خبر عنهم أثر يجب التسليم له. فإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بمعنى الآية أن يكون موجها إلى أنه خبر عمن قص الله جل ثناؤه في الآية قبلها والآية بعدها، وهم أهل الكتابين: التوراة والإنجيل. وإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: الذين آتيناهم الكتاب الذي قد عرفته يا محمد، وهو التوراة، فقرءوه واتبعوا ما فيه، فصدقوك وآمنوا بك، وبما جئت به من عندي، أولئك يتلونه حق تلاوته. وإنما أدخلت الألف واللام في الكتاب لأنه معرفة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عرفوا أي الكتب عنى به 02P486

الأسئلة