Taberî — Câmiü'l-Beyân
[العنكبوت: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين} [العنكبوت: 31] يقول تعالى ذكره: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} [العنكبوت: 31] من الله بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، {قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية} [العنكبوت: 31] يقول: قالت رسل الله لإبراهيم: إنا مهلكو أهل هذه القرية، قرية سدوم، وهي قرية قوم لوط {إن أهلها كانوا ظالمين} [العنكبوت: 31] يقول: إن أهلها كانوا ظالمي أنفسهم بمعصيتهم الله، وتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله " {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} [العنكبوت: 31] إلى قوله {نحن أعلم بمن فيها} [العنكبوت: 32] قال: فجادل إبراهيم الملائكة في قوم لوط أن يتركوا، قال: فقال: أرأيتم إن كان فيها عشرة أبيات من المسلمين ، أتتركونهم؟ فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة أبيات، ولا خمسة، ولا أربعة، 18P394 ولا ثلاثة، ولا اثنان؛ قال: فحزن على لوط وأهل بيته، فقال {إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها، لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} [العنكبوت: 32] فذلك قوله: {يجادلنا في قوم لوط، إن إبراهيم لحليم أواه منيب} [هود: 75]، فقالت الملائكة: {يا إبراهيم أعرض عن هذا، إنه قد جاء أمر ربك، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود} [هود: 76] فبعث الله إليهم جبرائيل صلى الله عليه وسلم، فانتسف المدينة وما فيها بأحد جناحيه، فجعل عاليها سافلها، وتتبعهم بالحجارة بكل أرض " 18P393 [العنكبوت: 32] القول في تأويل قوله تعالى: {قال إن فيها لوطا، قالوا نحن أعلم بمن فيها، لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} [العنكبوت: 32] يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم للرسل من الملائكة، إذ قالوا له: {إنا مهلكو أهل هذه القرية، إن أهلها كانوا ظالمين} [العنكبوت: 31] فلم يستثنوا منهم أحدا، إذ وصفوهم بالظلم: إن فيها لوطا، وليس من الظالمين، بل هو من رسل الله، وأهل الإيمان به، والطاعة له، فقالت الرسل له: {نحن أعلم بمن فيها} [العنكبوت: 32] من الظالمين الكافرين بالله منك، وإن لوطا ليس منهم، بل هو كما قلت من أولياء الله، لننجينه وأهله من الهلاك الذي هو نازل بأهل قريته {إلا امرأته كانت من الغابرين} [الأعراف: 83] الذين أبقتهم الدهور والأيام، وتطاولت أعمارهم وحياتهم، وإنها هالكة من بين أهل لوط مع قومها. 18P394 [العنكبوت: 33] القول في تأويل قوله تعالى: {ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا ...} [العنكبوت: 33] يقول تعالى ذكره: {ولما أن جاءت رسلنا لوطا} [العنكبوت: 33] من الملائكة {سيء بهم} [هود: 77] يقول: ساءته الملائكة بمجيئهم إليه، وذلك أنهم تضيفوه، فساءه بذلك، فقوله {سيء بهم} [هود: 77] فعل بهم من ساءه بذلك. وذكر عن قتادة كان يقول: ساء ظنه بقومه، وضاق بضيفه ذرعا. حدثنا بذلك الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عنه " {وضاق بهم ذرعا} [هود: 77] يقول: وضاق ذرعه بضيافتهم لما علم من خبث فعل قومه " كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا} [العنكبوت: 33] قال: بالضيافة، مخافة عليهم مما يعلم من شر قومه " وقوله: {وقالوا لا تخف ولا تحزن} [العنكبوت: 33] يقول تعالى ذكره: قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك، ولا تحزن مما أخبرناك من 18P396 أنا مهلكوهم، وذلك أن الرسل قالت له: {يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل} [هود: 81] {إنا منجوك} [العنكبوت: 33] من العذاب الذي هو نازل بقومك {وأهلك} [هود: 40] يقول: ومنجو أهلك معك {إلا امرأتك} [هود: 81] فإنها هالكة فيمن يهلك من قومها، كانت من الباقين الذين طالت أعمارهم. 18P395
[العنكبوت: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون} [العنكبوت: 34] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الرسل للوط {إنا منزلون} [العنكبوت: 34] يا لوط {على أهل هذه القرية} [العنكبوت: 34] سدوم {رجزا من السماء} [البقرة: 59] يعني عذابا. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا} [العنكبوت: 34] أي عذابا ". وقد بينا معنى الرجز وما فيه من أقوال أهل التأويل فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقوله: {بما كانوا يفسقون} [البقرة: 59] يقول: بما كانوا يأتون من معصية الله، ويركبون من الفاحشة. 18P396 [العنكبوت: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون} [العنكبوت: 35] يقول تعالى ذكره: ولقد أبقينا من فعلتنا التي فعلنا بهم آية، يقول: 18P397 عبرة بينة، وعظة واعظة، لقوم يعقلون عن الله حججه، ويتفكرون في مواعظه، وتلك الآية البينة هي عندي عفو آثارهم، ودروس معالمهم. وذكر عن قتادة ذلك ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون} [العنكبوت: 35] قال: هي الحجارة التي أمطرت عليهم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله " {منها آية بينة} [العنكبوت: 35] قال: عبرة " 18P397 [العنكبوت: 36] القول في تأويل قوله تعالى: {وإلى مدين أخاهم شعيبا، فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [العنكبوت: 36] يقول تعالى ذكره: وأرسلت إلى مدين أخاهم شعيبا، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده، وذلوا له بالطاعة، واخضعوا له بالعبادة {وارجوا اليوم الآخر} [العنكبوت: 36] يقول: وارجوا بعبادتكم إياي جزاء اليوم الآخر، وذلك يوم القيامة {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [البقرة: 60] يقول: ولا تكثروا في الأرض معصية الله، ولا تقيموا عليها، ولكن توبوا إلى الله منها، وأنيبوا. وقد كان بعض أهل العلم بكلام العرب يتأول قوله: {وارجوا اليوم الآخر} [العنكبوت: 36] بمعنى: واخشوا اليوم الآخر. وكان غيره من أهل العلم بالعربية ينكر ذلك، ويقول: لم نجد الرجاء بمعنى الخوف في كلام العرب إلا إذا قارنه الجحد. 18P398 [العنكبوت: 37] القول في تأويل قوله تعالى: {فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين} [العنكبوت: 37] يقول تعالى ذكره: فكذب أهل مدين شعيبا فيما أتاهم به عن الله من الرسالة، فأخذتهم رجفة العذاب فأصبحوا في دارهم جاثمين جثوما، بعضهم على بعض موتى. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {فأصبحوا في دارهم جاثمين} [العنكبوت: 37] أي: ميتين " 18P398
[العنكبوت: 38] القول في تأويل قوله تعالى: {وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين} [العنكبوت: 38] يقول تعالى ذكره: واذكروا أيها القوم عادا وثمود، وقد تبين لكم من مساكنهم خرابها وخلاؤها منهم بوقائعنا بهم، وحلول سطوتنا بجميعهم {وزين لهم الشيطان أعمالهم} [النمل: 24] يقول: وحسن لهم الشيطان كفرهم بالله، وتكذيبهم رسله {فصدهم عن السبيل} [النمل: 24] يقول: فردهم بتزيينه لهم ما زين لهم من الكفر، عن سبيل الله، التي هي الإيمان به ورسله، وما جاءوهم به من عند 18P399 ربهم {وكانوا مستبصرين} [العنكبوت: 38] يقول: وكانوا مستبصرين في ضلالتهم، معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى وصواب، وهم على الضلال. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله " {فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين} [العنكبوت: 38] يقول: كانوا مستبصرين في دينهم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {وكانوا مستبصرين} [العنكبوت: 38] في الضلالة " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {وكانوا مستبصرين} [العنكبوت: 38] في ضلالتهم، معجبين بها " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد ، قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله " {وكانوا مستبصرين} [العنكبوت: 38] يقول: في دينهم " 18P399 [العنكبوت: 39_40] القول في تأويل قوله تعالى: {وقارون وفرعون وهامان، ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكلا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [العنكبوت: 39_40] يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد قارون وفرعون وهامان، ولقد جاء جميعهم موسى بالبينات، يعني بالواضحات من الآيات، فاستكبروا في الأرض عن التصديق بالبينات من الآيات، وعن اتباع موسى صلوات الله عليه {وما كانوا سابقين} [العنكبوت: 39] يقول تعالى ذكره: وما كانوا سابقينا بأنفسهم فيفوتونا، بل كنا مقتدرين عليهم. 18P400 [العنكبوت: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {فكلا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا} [العنكبوت: 40] يقول تعالى ذكره: فأخذنا جميع هذه الأمم التي ذكرناها لك يا محمد بعذابنا {فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا} [العنكبوت: 40] وهم قوم لوط، الذين أمطر الله عليهم حجارة من سجيل منضود، والعرب تسمي الريح العاصف التي فيها الحصى الصغار أو الثلج أو البرد والجليد حاصبا؛ ومنه قول الأخطل: [+البحر الكامل] ولقد علمت إذا العشار تروحت هدج الرئال يكبهن شمالا ترمي العضاه بحاصب من ثلجها حتى يبيت على العضاه جفالا وقال الفرزدق: [+البحر البسيط] مستقبلين شمال الشأم تضربنا بحاصب كنديف القطن منثور وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا} [العنكبوت: 40] قوم لوط " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا} [العنكبوت: 40] وهم قوم لوط " {ومنهم من أخذته الصيحة} [العنكبوت: 40] اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بذلك، فقال بعضهم: هم ثمود قوم صالح. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ، قال: قال ابن عباس، " {ومنهم من أخذته الصيحة} [العنكبوت: 40] ثمود ". وقال آخرون: بل هم قوم شعيب. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {ومنهم من أخذته 18P402 الصيحة} [العنكبوت: 40] قوم شعيب ". والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله قد أخبر عن ثمود وقوم شعيب من أهل مدين أنه أهلكهم بالصيحة في كتابه في غير هذا الموضع، ثم قال جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم: فمن الأمم التي أهلكناهم من أرسلنا عليهم حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، فلم يخصص الخبر بذلك عن بعض من أخذته الصيحة من الأمم دون بعض، وكلا الأمتين أعني ثمود ومدين قد أخذتهم الصيحة. وقوله: {ومنهم من خسفنا به الأرض} [العنكبوت: 40] يعني بذلك قارون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " {ومنهم من خسفنا به الأرض} [العنكبوت: 40] قارون {ومنهم من أغرقنا} [العنكبوت: 40] يعني: قوم نوح، وفرعون وقومه ". واختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: عني بذلك: قوم نوح عليه السلام. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال 18P403 ابن عباس: " {ومنهم من أغرقنا} [العنكبوت: 40] قوم نوح ". وقال آخرون: بل هم قوم فرعون. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {ومنهم من أغرقنا} [العنكبوت: 40] قوم فرعون ". والصواب من القول في ذلك، أن يقال: عني به قوم نوح، وفرعون وقومه، لأن الله لم يخصص بذلك إحدى الأمتين دون الأخرى، وقد كان أهلكهما قبل نزول هذا الخبر عنهما، فهما معنيتان به. وقوله: {وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [العنكبوت: 40] يقول تعالى ذكره: ولم يكن الله ليهلك هؤلاء الأمم الذين أهلكهم بذنوب غيرهم، فيظلمهم بإهلاكه إياهم بغير استحقاق، بل إنما أهلكهم بذنوبهم، وكفرهم بربهم، وجحودهم نعمه عليهم، مع تتابع إحسانه عليهم، وكثرة أياديه عندهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بتصرفهم في نعم ربهم، وتقلبهم في آلائه، وعبادتهم غيره، ومعصيتهم من أنعم عليهم. 18P403
[العنكبوت: 41] القول في تأويل قوله تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ...} [العنكبوت: 41] يقول تعالى ذكره: مثل الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون 18P404 الله أولياء يرجون نصرها ونفعها عند حاجتهم إليها في ضعف احتيالهم، وقبح رواياتهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم، كمثل العنكبوت في ضعفها، وقلة احتيالها لنفسها، اتخذت بيتا لنفسها، كيما يكنها، فلم يغن عنها شيئا عند حاجتها إليه، فكذلك هؤلاء المشركون لم يغن عنهم حين نزل بهم أمر الله، وحل بهم سخطه أولياؤهم الذين اتخذوهم من دون الله شيئا، ولم يدفعوا عنهم ما أحل الله بهم من سخطه بعبادتهم إياهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله " {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا} [العنكبوت: 41] إلى آخر الآية، قال: ذلك مثل ضربه الله لمن عبد غيره، إن مثله كمثل بيت العنكبوت " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت} [العنكبوت: 41] قال: هذا مثل ضربه الله للمشرك، مثل إلهه الذي يدعوه من دون الله كمثل بيت العنكبوت: واهن، ضعيف، لا ينفعه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله " {مثل 18P405 الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا} [العنكبوت: 41] قال: هذا مثل ضربه الله، لا يغني أولياؤهم عنهم شيئا كما لا يغني العنكبوت بيتها هذا " وقوله: {وإن أوهن البيوت} [العنكبوت: 41] يقول: وإن أضعف البيوت {لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} [العنكبوت: 41] يقول تعالى ذكره: لو كان هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أولياء، يعلمون أن أولياءهم الذين اتخذوهم من دون الله في قلة غنائهم عنهم، كغناء بيت العنكبوت عنها، لكنهم يجهلون ذلك، فيحسبون أنهم ينفعونهم، ويقربونهم إلى الله زلفى. 18P405 [العنكبوت: 42_43] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء ...} [العنكبوت: 42_43] اختلف القراء في قراءة قوله: {إن الله يعلم ما يدعون} [العنكبوت: 42] فقرأته عامة قراء الأمصار (تدعون) بالتاء، بمعنى الخطاب لمشركي قريش {إن الله} [البقرة: 20] أيها الناس يعلم ما تدعون إليه من دونه من شيء. وقرأ ذلك أبو عمرو: (إن الله يعلم ما يدعون) بالياء، بمعنى الخبر عن الأمم، إن الله يعلم ما يدعو هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمم من دونه من شيء. والصواب من القراءة في ذلك عندنا، قراءة من قرأ بالتاء، لأن ذلك لو كان خبرا عن الأمم الذين ذكر الله أنه أهلكهم، لكان الكلام: إن الله يعلم ما كانوا يدعون، لأن القوم في حال نزول هذا الخبر على نبي الله لم يكونوا موجودين، إذ كانوا قد هلكوا فبادوا، وإنما يقال: إن الله يعلم ما تدعون إذا أريد به الخبر عن موجودين، لا عمن قد هلك. فتأويل الكلام إذ كان الأمر كما وصفنا: إن الله يعلم أيها القوم حال ما تعبدون من دونه من شيء، وإن ذلك لا ينفعكم ولا يضركم، إن أراد الله بكم سوءا، ولا يغني عنكم شيئا؛ وإن مثله في قلة غنائه عنكم، مثل بيت العنكبوت في غنائه عنها. وقوله: {وهو العزيز الحكيم} [إبراهيم: 4] يقول: والله العزيز في انتقامه ممن كفر به، وأشرك في عبادته معه غيره، فاتقوا أيها المشركون به عقابه بالإيمان به قبل نزوله بكم، كما نزل بالأمم الذين قص الله قصصهم في هذه السورة عليكم، فإنه إن نزل بكم عقابه لم تغن عنكم أولياؤكم الذين اتخذتموهم من دونه أولياء، كما لم يغن عنهم من قبلكم أولياؤهم الذين اتخذوهم من دونه، {الحكيم} [البقرة: 32] في تدبيره خلقه، فمهلك من استوجب الهلاك في الحال التي هلاكه صلاح، والمؤخر من أخر هلاكه من كفرة خلقه به إلى الحين الذي في هلاكه الصلاح. وقوله: {وتلك الأمثال نضربها للناس} [العنكبوت: 43] يقول تعالى ذكره: وهذه الأمثال، وهي الأشباه والنظائر {نضربها للناس} [العنكبوت: 43]، يقول: نمثلها ونشبهها، ونحتج بها للناس، كما قال الأعشى: [+البحر المنسرح] 18P407 هل تذكر العهد من تنمص إذ تضرب لي قاعدا بها مثلا {وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43] يقول تعالى ذكره: وما يعقل أنه أصيب بهذه الأمثال التي نضربها للناس منهم الصواب والحق فيما ضربت له مثلا إلا العالمون بالله وآياته. 18P406
[العنكبوت: 44] القول في تأويل قوله تعالى: {خلق الله السموات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين} [العنكبوت: 44] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: خلق الله يا محمد السماوات والأرض وحده منفردا بخلقها، لا يشركه في خلقها شريك {إن في ذلك لآية} [البقرة: 248] يقول: إن في خلقه ذلك لحجة لمن صدق بالحجج إذا عاينها، والآيات إذا رآها. 18P407
[العنكبوت: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب، وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون} [العنكبوت: 45] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {اتل} [العنكبوت: 45] يعني اقرأ {ما أوحي إليك من الكتاب} [العنكبوت: 45] يعني: ما أنزل إليك من هذا القرآن {وأقم الصلاة} [هود: 114] يعني: وأد الصلاة التي فرضها الله عليك بحدودها {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] اختلف أهل التأويل في معنى الصلاة التي ذكرت في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى بها القرآن الذي يقرأ في موضع 18P408 الصلاة، أو في الصلاة. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أبي الوفاء، عن أبيه، عن ابن عمر، " {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] قال: القرآن الذي يقرأ في المساجد ". وقال آخرون: بل عنى بها الصلاة. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله " {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء، والمنكر} [العنكبوت: 45] يقول: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن العلاء بن المسيب، عمن ذكره، عن ابن عباس، في قول الله " {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء} [العنكبوت: 45] والمنكر من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا خالد، قال: قال العلاء بن المسيب: عن سمرة بن عطية، قال: قيل لابن مسعود: إن فلانا كثير الصلاة، قال: « 18P409 فإنها لا تنفع إلا من أطاعها» قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، قال: «من لم تأمره صلاته بالمعروف، وتنهه عن المنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعدا» قال: ثنا الحسين، قال: ثنا علي بن هاشم بن البريد، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر» قال: قال سفيان، " {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك} [هود: 87] قال: فقال سفيان: إي والله، تأمره وتنهاه " قال علي: وحدثنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن، قال: " الصلاة إذا لم تنهه عن الفحشاء والمنكر، قال: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعدا " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة والحسن، قالا: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فإنه لا يزداد من الله بذلك إلا بعدا» . والصواب من القول في ذلك أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال ابن عباس وابن مسعود. فإن قال قائل: وكيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر إن لم يكن معنيا بها ما يتلى فيها؟ قيل: تنهى من كان فيها، فتحول بينه وبين إتيان الفواحش، لأن شغله بها يقطعه عن الشغل بالمنكر، ولذلك قال ابن مسعود: «من لم يطع صلاته لم يزدد من الله إلا بعدا» وذلك أن طاعته لها إقامته إياها بحدودها، وفي طاعته لها مزدجر عن الفحشاء والمنكر.
حدثنا أبو حميد الحمصي، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطار، قال: ثنا أرطأة، عن ابن عون، في قول الله " {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] قال: إذا كنت في صلاة، فأنت في معروف، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر، والفحشاء: هو الزنا والمنكر: معاصي الله، ومن أتى فاحشة 18P411 أو عصى الله في صلاته بما يفسد صلاته، فلا شك أنه لا صلاة له " وقوله: {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة، قال: قال لي ابن عباس: " هل تدري ما قوله {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] ؟ قال: قلت: نعم، قال. فما هو؟ قال: قلت: التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة، وقراءة القرآن، ونحو ذلك، قال: لقد قلت قولا عجبا، وما هو كذلك، ولكنه إنما يقول: ذكر الله إياكم عندما أمر به أو نهى عنه إذا ذكرتموه أكبر من ذكركم إياه " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن ابن ربيعة، عن ابن عباس قال: «ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عبد الله بن ربيعة، قال: سألني ابن عباس عن قول الله " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] فقلت: ذكره بالتسبيح، والتكبير، والقرآن حسن، وذكره عند المحارم فيحتجز عنها، فقال: لقد قلت قولا عجيبا، وما هو كما قلت، ولكن ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة، عن ابن عباس " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] قال: ذكر الله للعبد أفضل من ذكره إياه " حدثنا محمد بن المثنى، وابن وكيع، قال ابن المثنى: ثني عبد الأعلى، وقال ابن وكيع: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن محمد بن أبي موسى، قال: كنت قاعدا عند ابن عباس، فجاءه رجل فسأل ابن عباس عن " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] ، فقال ابن عباس: الصلاة والصوم، قال: ذاك ذكر الله، قال رجل: إني تركت رجلا في رحلي يقول غير هذا، قال: {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] قال: ذكر الله العباد أكبر من ذكر العباد إياه، فقال ابن عباس: صدق والله صاحبك " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: حدثني عن قول الله " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] ، قال: ذكر الله لكم أكبر من ذكركم له " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن داود، عن عكرمة، " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] قال: ذكر الله للعبد أفضل من ذكره إياه " حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا ابن فضيل، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] قال: هو قوله: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152]، وذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه " حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، " {ولذكر الله} [العنكبوت: 45] لعباده إذا ذكروه {أكبر} [العنكبوت: 45] من ذكركم إياه " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] قال: ذكر الله عبده أكبر من ذكر العبد ربه في الصلاة أو غيرها " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، عن ابن عباس، قال: «ذكر الله إياكم إذا ذكرتموه أكبر من ذكركم إياه» .
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عامر، عن أبي قرة، عن سلمان، مثله حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثني عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، قال: سمعت أبا الدرداء، يقول: " أخبركم بخير أعمالكم، وأحبها إلى مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير من أن تغزوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، وخير من إعطاء 18P414 الدنانير والدراهم؟ قالوا: ما هو؟ قال: ذكركم ربكم، وذكر الله أكبر " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي قال: ثنا سفيان، عن جابر، عن عامر، عن أبي قرة، عن سلمان، " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] قال: قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه " قال: ثني أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، قال: سألت أبا قرة عن قوله " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] ، قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه " قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد، وعكرمة، قالا: «ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه» قال: ثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن عطية، عن ابن عباس، قال: هو كقوله: " {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152]، فذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه " قال: ثنا حسن بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن شقيق، عن عبد الله: " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] قال: ذكر الله العبد أكبر من ذكر العبد لربه " قال: ثنا أبو يزيد الرازي، عن يعقوب، عن جعفر، عن شعبة، قال: «ذكر الله 18P415 لكم أكبر من ذكركم له» . وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولذكركم الله أفضل من كل شيء. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عمر بن أبي زائدة، عن العيزار بن حريث، عن رجل، عن سلمان، أنه سئل: " أي العمل أفضل؟ قال: أما تقرأ القرآن {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] ؟ لا شيء أفضل من ذكر الله " حدثنا ابن حميد أحمد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا علي بن عياش، قال: ثنا الليث، قال: ثني معاوية، عن ربيعة بن يزيد، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، أنها قالت: " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] فإن صليت فهو من ذكر الله، وإن صمت فهو من ذكر الله، وكل خير تعمله فهو من ذكر الله، وكل شر تجتنبه فهو من ذكر الله، وأفضل ذلك تسبيح الله " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] قال: لا شيء أكبر من ذكر الله، قال: أكبر الأشياء كلها، وقرأ {أقم الصلاة لذكري} [طه: 14]، قال: لذكر الله: وإنه لم يصفه عند القتال إلا أنه أكبر " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، قال: قال 18P416 رجل لسلمان: " أي العمل أفضل، قال: ذكر الله ". وقال آخرون: هو محتمل للوجهين جميعا، يعنون القول الأول الذي ذكرناه والثاني. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] قال: لها وجهان: ذكر الله أكبر مما سواه، وذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس في: " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] قال: لها وجهان: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه، وذكر الله عند ما حرم ". وقال آخرون: بل معنى ذلك: لذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك، في قوله " {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] قال: ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة ".
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وللصلاة التي أتيت أنت بها، وذكرك الله فيها 18P417 أكبر مما نهتك الصلاة من الفحشاء والمنكر. حدثني أحمد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطار، قال: ثنا أرطأة، عن ابن عون، في قول الله " {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر ". قال أبو جعفر: وأشبه هذه الأقوال بما دل عليه ظاهر التنزيل قول من قال: ولذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه. وقوله: {والله يعلم ما تصنعون} [العنكبوت: 45] يقول: والله يعلم ما تصنعون أيها الناس في صلاتكم من إقامة حدودها، وترك ذلك وغيره من أموركم، وهو مجازيكم على ذلك، يقول: فاتقوا أن تضيعوا شيئا من حدودها، والله أعلم. 18P417
[العنكبوت: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} [العنكبوت: 46] يقول تعالى ذكره: {ولا تجادلوا} [العنكبوت: 46] أيها المؤمنون بالله وبرسوله اليهود والنصارى، وهم {أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت: 46] يقول: إلا بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه على حججه. وقوله: {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] اختلف أهل التأويل في تأويله؛ فقال بعضهم: معناه: إلا الذين أبوا أن يقروا لكم بإعطاء الجزية، ونصبوا دون ذلك لكم 18P418 حربا، فإنهم ظلمة، فأولئك جادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن سهل، قال: ثنا يزيد، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد، في قوله: " {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} [العنكبوت: 46] قال: من قاتل ولم يعط الجزية ". حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد، بنحوه. إلا أنه قال: من قاتلك ولم يعطك الجزية حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت: 46] قال: إن قالوا شرا، فقولوا خيرا، {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] فانتصروا منهم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله " {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] قال: قالوا مع الله إله، أو له ولد، أو له شريك، أو يد الله مغلولة، أو الله فقير، أو آذوا محمدا صلى الله عليه وسلم، قال: هم أهل 18P419 الكتاب " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سالم، عن سعيد، " {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} [العنكبوت: 46] قال: أهل الحرب، من لا عهد له، جادله بالسيف ". وقال آخرون: معنى ذلك: {ولا تجادلوا أهل الكتاب} [العنكبوت: 46] الذين قد آمنوا به، واتبعوا رسوله فيما أخبروكم عنه مما في كتبهم {إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} [العنكبوت: 46] فأقاموا على كفرهم، وقالوا: هذه الآية محكمة، وليست بمنسوخة. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت: 46] قال: ليست بمنسوخة، لا ينبغي أن تجادل من آمن منهم، لعلهم يحسنون شيئا في كتاب الله، لا تعلمه أنت، فلا تجادله، ولا ينبغي أن تجادل إلا الذين ظلموا، المقيم منهم على دينه. فقال: هو الذي يجادل ويقال له بالسيف. قال: وهؤلاء يهود. قال: ولم يكن بدار الهجرة من النصارى أحد، إنما كانوا يهودا، هم الذي كلموا وحالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغدرت النضير يوم أحد، وغدرت قريظة يوم الأحزاب ". 18P420 وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية قبل أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقتال، وقالوا: هي منسوخة نسخها قوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] . ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت: 46] ثم نسخ بعد ذلك، فأمر بقتالهم في سورة براءة، ولا مجادلة أشد من السيف أن يقاتلوا حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يقروا بالخراج ". وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: عني بقوله {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] إلا الذين امتنعوا من أداء الجزية، ونصبوا دونها الحرب. فإن قال قائل: أو غير ظالم من أهل الكتاب، إلا من لم يؤد الجزية؟
قيل: إن جميعهم وإن كانوا لأنفسهم بكفرهم بالله، وتكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، ظلمة، فإنه لم يعن بقوله {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] ظلم أنفسهم. وإنما عنى به: إلا الذين ظلموا منهم أهل الإيمان بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فإن أولئك جادلوهم بالقتال. وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب، لأن الله تعالى ذكره أذن للمؤمنين 18P421 بجدال ظلمة أهل الكتاب بغير الذي هو أحسن، بقوله {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] فمعلوم إذ كان قد أذن لهم في جدالهم، أن الذين لم يؤذن لهم في جدالهم إلا بالتي هي أحسن، غير الذين أذن لهم بذلك فيهم، وأنهم غير المؤمن، لأن المؤمن منهم غير جائز جداله إلا في غير الحق، لأنه إذا جاء بغير الحق، فقد صار في معنى الظلمة في الذي خالف فيه الحق. فإذ كان ذلك كذلك، تبين أن لا معنى لقول من قال: عنى بقوله {ولا تجادلوا أهل الكتاب} [العنكبوت: 46] أهل الإيمان منهم، وكذلك لا معنى لقول من قال: نزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال، وزعم أنها منسوخة، لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر، ولا دلالة على صحته من فطرة عقل. وقد بينا في غير موضع من كتابنا، أنه لا يجوز أن يحكم على حكم الله في كتابه بأنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل. وقوله: {وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} [العنكبوت: 46] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله، الذين نهاهم أن يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن: إذا حدثكم أهل الكتاب أيها القوم عن كتبهم، وأخبروكم عنها بما يمكن ويجوز أن يكونوا فيه صادقين، وأن يكونوا فيه كاذبين، ولم تعلموا أمرهم وحالهم في ذلك، فقولوا لهم {آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم} [العنكبوت: 46] مما في التوراة والإنجيل {وإلهنا وإلهكم واحد} [العنكبوت: 46] 18P422 يقول: ومعبودنا ومعبودكم واحد {ونحن له مسلمون} [البقرة: 133] يقول: ونحن له خاضعون متذللون بالطاعة فيما أمرنا ونهانا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الرواية بذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا علي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية. فيفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار، قال: كان ناس من اليهود يحدثون ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم " ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن سليمان، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير، عن عبد الله، قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق، أو تصدقوا بباطل، فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال» وكان مجاهد يقول في ذلك ما: حدثنا به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: " {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] قال: قالوا مع الله إله، أو له ولد، أو له شريك، أو يد الله مغلولة. أو الله فقير، أو آذوا محمدا، {وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم} [العنكبوت: 46] لمن لم يقل هذا من أهل الكتاب " 18P423
[العنكبوت: 47] القول في تأويل قوله تعالى: {وكذلك أنزلنا إليك الكتاب، فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به، ومن هؤلاء من يؤمن به} [العنكبوت: 47] يقول تعالى ذكره: كما أنزلنا الكتب على من قبلك يا محمد من الرسل {كذلك أنزلنا إليك} [العنكبوت: 47] هذا {الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب} [العنكبوت: 47] من قبلك من بني إسرائيل {يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به} [العنكبوت: 47] يقول: ومن هؤلاء الذين هم بين ظهرانيك اليوم من يؤمن به كعبد الله بن سلام، ومن آمن برسوله من بني إسرائيل. وقوله: {وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون} [العنكبوت: 47] يقول تعالى ذكره: وما يجحد بأدلتنا وحججنا إلا الذي يجحد نعمنا عليه، وينكر توحيدنا، وربوبيتنا على علم منه عنادا لنا. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون} [العنكبوت: 47] قال: إنما يكون الجحود بعد المعرفة " 18P424 [العنكبوت: 48] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون} [العنكبوت: 48] يقول تعالى ذكره: {وما كنت} [آل عمران: 44] يا محمد {تتلو} [يونس: 61] يعني تقرأ {من قبله} [البقرة: 198] يعني من قبل هذا الكتاب الذي أنزلته إليك {من كتاب ولا تخطه بيمينك} [العنكبوت: 48] يقول: ولم تكن تكتب بيمينك، ولكنك كنت أميا {إذا لارتاب المبطلون} [العنكبوت: 48] يقول: ولو كنت من قبل أن يوحى إليك تقرأ الكتاب، أو تخطه بيمينك، إذن لارتاب: يقول: إذن لشك بسبب ذلك في أمرك، وما جئتهم به من عند ربك من هذا الكتاب الذي تتلوه عليهم المبطلون ، القائلون: إنه سجع وكهانة، وإنه أساطير الأولين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 18P425 أبيه، عن ابن عباس، قوله " {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون} [العنكبوت: 48] قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم أميا لا يقرأ شيئا ولا يكتب " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} [العنكبوت: 48] قال: كان نبي الله لا يقرأ كتابا قبله، ولا يخطه بيمينه، قال: كان أميا، والأمي: الذي لا يكتب " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن إدريس الأودي، عن الحكم، عن مجاهد، " {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} [العنكبوت: 48] قال: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخط بيمينه، ولا يقرأ كتابا، فنزلت هذه الآية ". وبنحو الذي قلنا أيضا في قوله {إذا لارتاب المبطلون} [العنكبوت: 48] قالوا. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {إذا لارتاب المبطلون} [العنكبوت: 48] إذن لقالوا: إنما هذا شيء تعلمه محمد صلى الله عليه وسلم وكتبه " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله " {إذا لارتاب المبطلون} [العنكبوت: 48] قال: قريش " 18P426
[العنكبوت: 49] القول في تأويل قوله تعالى: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} [العنكبوت: 49] اختلف أهل التأويل في المعني بقوله: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} [العنكبوت: 49] فقال بعضهم: عنى به نبي الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: معنى الكلام: بل وجود أهل الكتاب في كتبهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقرأ، وأنه أمي، آيات بينات في صدورهم. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثتي عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله " {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} [العنكبوت: 49] قال: كان الله تعالى أنزل شأن محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل لأهل العلم وعلمه لهم، وجعله لهم آية، فقال لهم: إن آية نبوته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتابا، ولا يخطه بيمينه، وهي الآيات البينات " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله " {وما كنت تتلو من قبله من كتاب} [العنكبوت: 48] 18P427 قال: كان نبي الله لا يكتب ولا يقرأ، وكذلك جعل الله نعته في التوراة والإنجيل، أنه نبي أمي، لا يقرأ ولا يكتب، وهي الآية البينة في صدور الذين أوتوا العلم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} [العنكبوت: 49] من أهل الكتاب، صدقوا بمحمد ونعته ونبوته " حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، " {بل هو آيات بينات} [العنكبوت: 49] قال: أنزل الله شأن محمد في التوراة والإنجيل لأهل العلم، بل هو آية بينة في صدور الذين أوتوا العلم، يقول: النبي صلى الله عليه وسلم ". وقال آخرون: عنى بذلك القرآن، وقالوا: معنى الكلام: بل هذا القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، قال: قال الحسن، في قوله: " {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} [العنكبوت: 49] القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، يعني المؤمنين ". وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك: بل العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابا، ولا تخطه بيمينك، آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. 18P428 وإنما قلت: ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن قوله: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} [العنكبوت: 49] بين خبرين من أخبار الله عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فهو بأن يكون خبرا عنه أولى من أن يكون خبرا عن الكتاب الذي قد انقضى الخبر عنه قبل. وقوله: {وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون} [العنكبوت: 49] يقول تعالى ذكره: ما يجحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأدلته، وينكر العلم الذي يعلم من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، ببعث محمد صلى الله عليه وسلم، ونبوته، ومبعثه إلا الظالمون، يعني الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله عز وجل. 18P428 [العنكبوت: 50] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه، قل إنما الآيات عند الله، وإنما أنا نذير مبين} [العنكبوت: 50] يقول تعالى ذكره: وقالت المشركون من قريش: هلا أنزل على محمد آية من ربه تكون حجة لله علينا، كما جعلت الناقة لصالح، والمائدة آية لعيسى، قل يا محمد: إنما الآيات عند الله، لا يقدر على الإتيان بها غيره {وإنما أنا نذير مبين} [العنكبوت: 50] وإنما أنا نذير لكم، أنذركم بأس الله وعقابه على كفركم برسوله. وما جاءكم به من عند ربكم {مبين} [البقرة: 168] يقول: قد أبان لكم إنذاره. 18P428
[العنكبوت: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} [العنكبوت: 51] 18P429 يقول تعالى ذكره: أو لم يكف هؤلاء المشركين يا محمد، القائلين: لولا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم آية من ربه، من الآيات والحجج {أنا أنزلنا عليك} [العنكبوت: 51] هذا {الكتاب يتلى عليهم} [العنكبوت: 51] يقول: يقرأ عليهم {إن في ذلك لرحمة} [العنكبوت: 51] يقول: إن في هذا الكتاب الذي أنزلنا عليهم لرحمة للمؤمنين به، وذكرى يتذكرون بما فيه من عبرة وعظة، وذكر أن هذه الآية نزلت من أجل أن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتسخوا شيئا من بعض كتب أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، أن ناسا من المسلمين أتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم بكتب قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلما أن نظر فيها ألقاها، ثم قال: «كفى بها حماقة قوم، أو ضلالة قوم، أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم، إلى ما جاء به غير نبيهم، إلى قوم غيرهم» ، فنزلت: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} [العنكبوت: 51] " 18P429 [العنكبوت: 52] القول في تأويل قوله تعالى: {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السموات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم 18P429 الخاسرون} [العنكبوت: 52] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للقائلين لك: لولا أنزل عليك آية من ربك، الجاحدين بآياتنا من قومك: كفى الله يا هؤلاء بيني وبينكم شاهدا لي وعلي، لأنه يعلم المحق منا من المبطل، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض، لا يخفى عليه شيء فيهما، وهو المجازي كل فريق منا بما هو أهله ، المحق على ثباته على الحق، والمبطل على باطله، بما هو أهله {والذين آمنوا بالباطل} [العنكبوت: 52] يقول: صدقوا بالشرك، فأقروا به {وكفروا بالله} [العنكبوت: 52] يقول: وجحدوا الله {أولئك هم الخاسرون} [البقرة: 27] يقول: هم المغبونون في صفقتهم. وبنحو الذي قلنا في قوله {والذين آمنوا بالباطل} [العنكبوت: 52] قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {والذين آمنوا بالباطل} [العنكبوت: 52] الشرك " 18P430 [العنكبوت: 53] القول في تأويل قوله تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون} [العنكبوت: 53] يقول تعالى ذكره: ويستعجلك يا محمد هؤلاء القائلون من قومك: لولا أنزل عليه آية من ربه بالعذاب، ويقولون: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} [الأنفال: 32] ولولا أجل سميته لهم 18P431 فلا أهلكهم حتى يستوفوه ويبلغوه، لجاءهم العذاب عاجلا. وقوله: {وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون} [العنكبوت: 53] يقول: وليأتينهم العذاب فجأة وهم لا يشعرون بوقت مجيئه قبل مجيئه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {ويستعجلونك بالعذاب} [العنكبوت: 53] قال: قال ناس من جهلة هذه الأمة {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] الآية " 18P431 [العنكبوت: 54] القول في تأويل قوله تعالى: {يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} [العنكبوت: 54] يقول تعالى ذكره: يستعجلك يا محمد هؤلاء المشركون بمجيء العذاب ونزوله بهم، والنار بهم محيطة، لم يبق إلا أن يدخلوها. وقيل: إن ذلك هو البحر. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، قال: سمعت عكرمة، يقول في هذه الآية " {وإن جهنم لمحيطة 18P432 بالكافرين} [العنكبوت: 54] قال: البحر ". أخبرنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة، مثله 18P431
[العنكبوت: 55] القول في تأويل قوله تعالى: {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون} [العنكبوت: 55] يقول تعالى ذكره: {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} [التوبة: 49] يوم يغشى الكافرين العذاب من فوقهم في جهنم، ومن تحت أرجلهم. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم} [العنكبوت: 55] أي في النار " وقوله: {ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون} [العنكبوت: 55] يقول جل ثناؤه: ويقول الله لهم: ذوقوا ما كنتم تعملون في الدنيا من معاصي الله، وما يسخطه فيها. وبالياء في {ويقول ذوقوا} [العنكبوت: 55] قرأت عامة قراء الأمصار خلا أبي جعفر، وأبي عمرو، فإنهما قرآ ذلك بالنون: (ونقول) . والقراءة التي هي القراءة عندنا بالياء لإجماع الحجة من القراء عليها. 18P432 [العنكبوت: 56] القول في تأويل قوله تعالى: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي 18P433 فاعبدون} [العنكبوت: 56] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من عباده: يا عبادي الذين وحدوني وآمنوا بي وبرسولي محمد صلى الله عليه وسلم {إن أرضي واسعة} [العنكبوت: 56] واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أريد من الخبر عن سعة الأرض، فقال بعضهم: أريد بذلك أنها لم تضق عليكم فتقيموا بموضع منها لا يحل لكم المقام فيه، ولكن إذا عمل بمكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره، فاهربوا منه. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، في قوله: " {إن أرضي واسعة} [العنكبوت: 56] قال: إذا عمل فيها بالمعاصي، فاخرج منها " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، في قوله " {إن أرضي واسعة} [العنكبوت: 56] قال: إذا عمل فيها بالمعاصي، فاخرج منها " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن رجل، عن سعيد بن جبير، قال: «اهربوا فإن أرضي واسعة» حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن منصور، عن عطاء، قال: «إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا، فإن أرضي واسعة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن عطاء، " {إن أرضي واسعة } [العنكبوت: 56] قال: مجانبة أهل المعاصي " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله " {إن أرضي واسعة} [العنكبوت: 56] فهاجروا وجاهدوا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله " {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} [العنكبوت: 56] فقلت: يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين؟ فقال: نعم ". وقال آخرون: معنى ذلك: إن ما أخرج من أرضي لكم من الرزق واسع لكم. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثني زيد بن الحباب، عن شداد بن سعيد بن مالك أبي طلحة الراسبي، عن غيلان بن جرير المعولي، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير العامري، في قول الله: " {إن أرضي واسعة} [العنكبوت: 56] قال: إن رزقي لكم واسع " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن شداد، عن غيلان بن جرير، عن مطرف بن الشخير، " {إن أرضي واسعة} [العنكبوت: 56] قال: رزقي لكم واسع ". وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك: إن أرضي واسعة، فاهربوا ممن منعكم من العمل بطاعتي لدلالة قوله {فإياي فاعبدون} [العنكبوت: 56] على ذلك، وأن ذلك هو أظهر معنييه، وذلك أن الأرض إذا وصفها بسعة، فالغالب من وصفه إياها بذلك، أنها لا تضيق جميعها على من ضاق عليه منها موضع، لا أنه وصفها بكثرة الخير والخصب. وقوله: {فإياي فاعبدون} [العنكبوت: 56] يقول: فأخلصوا لي عبادتكم وطاعتكم، ولا تطيعوا في معصيتي أحدا. 18P435
[العنكبوت: 57_58_59] القول في تأويل قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} [العنكبوت: 57_58_59] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب نبيه: هاجروا من أرض الشرك من مكة، إلى أرض الإسلام المدينة، فإن أرضي واسعة، فاصبروا على عبادتي، وأخلصوا طاعتي، فإنكم ميتون، وصائرون إلي، لأن كل نفس حية ذائقة الموت، ثم إلينا بعد الموت تردون. ثم أخبرهم جل ثناؤه عما أعد للصابرين منهم على طاعته، من كرامته عنده، فقال: {والذين آمنوا} [البقرة: 9] يعني: صدقوا الله ورسوله، فيما جاء به من عند الله، {وعملوا الصالحات} [البقرة: 25] يقول: وعملوا بما أمرهم الله فأطاعوه فيه، وانتهوا عما نهاهم عنه {لنبوئنهم من الجنة غرفا} [العنكبوت: 58] يقول: لننزلنهم من الجنة علالي. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: {لنبوئنهم} [النحل: 41] بالباء ، وقرأته عامة قراء الكوفة بالثاء: (لنثوينهم) . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قراء الأمصار، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أن قوله: {لنبوئنهم} [النحل: 41] من بوأته منزلا: أي أنزلته، وكذلك ، لنثوينهم؛ إنما هو من أثويته مسكنا، إذا أنزلته منزلا، من الثواء، وهو المقام. وقوله: {تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] يقول: تجري من تحت أشجارها الأنهار. {خالدين فيها} [البقرة: 162] يقول: ماكثين فيها إلى غير نهاية {نعم أجر العاملين} [العنكبوت: 58] يقول: نعم جزاء العاملين بطاعة الله هذه الغرف التي يثويهموها الله في جناته، تجري من تحتها الأنهار {الذين صبروا} [هود: 11] على أذى المشركين في الدنيا، وما كانوا يلقون منهم، وعلى العمل بطاعة الله وما يرضيه، وجهاد أعدائه {وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: 2] في أرزاقهم وجهاد أعدائهم، فلا ينكلون عنهم ثقة منهم بأن الله معلي كلمته، وموهن كيد 18P437 الكافرين، وأن ما قسم لهم من الرزق فلن يفوتهم. 18P436 [العنكبوت: 60] القول في تأويل قوله تعالى: {وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم} [العنكبوت: 60] يقول تعالى ذكره للمؤمنين به، وبرسوله من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: هاجروا وجاهدوا في الله أيها المؤمنون أعداءه، ولا تخافوا عيلة ولا إقتارا، فكم من دابة ذات حاجة إلى غذاء ومطعم ومشرب لا تحمل رزقها، يعني: غذاءها لا تحمله، فترفعه في يومها لغدها لعجزها عن ذلك {الله يرزقها وإياكم} [العنكبوت: 60] يوما بيوم {وهو السميع} [البقرة: 137] لأقوالكم: نخشى بفراقنا أوطاننا العيلة {العليم } [البقرة: 32] ما في أنفسكم، وما إليه صائر أمركم، وأمر عدوكم من إذلال الله إياهم، ونصرتكم عليهم، وغير ذلك من أموركم، لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {وكأين من دابة لا تحمل رزقها} [العنكبوت: 60] قال: الطير والبهائم لا تحمل الرزق " حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عمران، 18P438 عن أبي مجلز، في هذه الآية " {وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم} [العنكبوت: 60] قال: من الدواب ما لا يستطيع أن يدخر لغد، يوفق لرزقه كل يوم حتى يموت " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن علي بن الأقمر، " {وكأين من دابة لا تحمل رزقها} [العنكبوت: 60] قال: لا تدخر شيئا لغد " 18P438
[العنكبوت: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون} [العنكبوت: 61] يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله: من خلق السماوات والأرض فسواهن، وسخر الشمس والقمر لعباده، يجريان دائبين لمصالح خلق الله، ليقولن: الذي خلق ذلك وفعله الله {فأنى يؤفكون} [العنكبوت: 61] يقول جل ثناؤه: فأنى يصرفون عمن صنع ذلك، فيعدلون عن إخلاص العبادة له؟ كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {فأنى يؤفكون} [العنكبوت: 61] أي يعدلون " 18P438 [العنكبوت: 62] القول في تأويل قوله تعالى: {الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم} [العنكبوت: 62] يقول تعالى ذكره: الله يوسع من رزقه لمن يشاء من خلقه، ويضيق فيقتر لمن يشاء منهم. يقول: فأرزاقكم وقسمتها بينكم أيها الناس بيدي، دون كل أحد 18P439 سواي؛ أبسط لمن شئت منها، وأقتر على من شئت، فلا يخلفنكم عن الهجرة وجهاد عدوكم خوف العيلة {إن الله بكل شيء عليم} [الأنفال: 75] يقول : إن الله عليم بمصالحكم، ومن لا يصلح له إلا البسط في الرزق، ومن لا يصلح له إلا التقتير عليه، وهو عالم بذلك. 18P438 [العنكبوت: 63] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله، قل الحمد لله، بل أكثرهم لا يعقلون} [العنكبوت: 63] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك: من نزل من السماء ماء، وهو المطر الذي ينزله الله من السحاب {فأحيا به الأرض} [البقرة: 164] يقول: فأحيا بالماء الذي نزل من السماء الأرض، وإحياؤها: إنباته النبات فيها {من بعد موتها} [العنكبوت: 63] من بعد جدوبها وقحوطها، وقوله: {ليقولن الله} [العنكبوت: 61] يقول: ليقولن: الذي فعل ذلك الله الذي له عبادة كل شيء، وقوله: {قل الحمد لله} [النمل: 59] يقول: وإذا قالوا ذلك، فقل الحمد لله {بل أكثرهم لا يعقلون} [العنكبوت: 63] يقول: بل أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعقلون ما لهم فيه النفع من أمر دينهم، وما فيه الضر، فهم لجهلهم يحسبون أنهم لعبادتهم الآلهة دون الله، ينالون بها عند الله زلفة وقربة، ولا يعلمون أنهم بذلك هالكون مستوجبون الخلود في النار. 18P439 [العنكبوت: 64] القول في تأويل قوله تعالى: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار 18P440 الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون} [العنكبوت: 64] يقول تعالى ذكره: {وما هذه الحياة الدنيا} [العنكبوت: 64] التي يتمتع منها هؤلاء المشركون {إلا لهو ولعب} [العنكبوت: 64] يقول: إلا تعليل النفوس بما تلتذ به، ثم هو منقض عن قريب، لا بقاء له ولا دوام {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} [العنكبوت: 64] يقول: وإن الدار الآخرة لفيها الحياة الدائمة التي لا زوال لها، ولا انقطاع، ولا موت معها. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون} [العنكبوت: 64] حياة لا موت فيها " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قالا: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله " {لهي الحيوان} [العنكبوت: 64] قال: لا موت فيها " حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله " {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} [العنكبوت: 64] يقول: باقية " وقوله: {لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] يقول: لو كان هؤلاء المشركون يعلمون أن ذلك كذلك، لقصروا عن تكذيبهم بالله، وإشراكهم غيره في عبادته، ولكنهم لا يعلمون ذلك. 18P440
[العنكبوت: 65] القول في تأويل قوله تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} [العنكبوت: 65] 18P441 يقول تعالى ذكره: فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر، فخافوا الغرق والهلاك فيه {دعوا الله مخلصين له الدين} [يونس: 22] يقول: أخلصوا لله عند الشدة التي نزلت بهم التوحيد، وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بالعبودة، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم، ولكن بالله الذي خلقهم {فلما نجاهم إلى البر} [العنكبوت: 65] يقول: فلما خلصهم مما كانوا فيه وسلمهم، فصاروا إلى البر إذا هم يجعلون مع الله شريكا في عبادتهم، ويدعون الآلهة والأوثان معه أربابا. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} [العنكبوت: 65] فالخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك " 18P441 [العنكبوت: 66_67] القول في تأويل قوله تعالى: {ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون} [العنكبوت: 66_67] يقول تعالى ذكره: فلما نجى الله هؤلاء المشركين مما كانوا فيه من البحر من الخوف والحذر من الغرق إلى البر، إذا هم بعد أن صاروا إلى البر يشركون بالله الآلهة والأنداد {ليكفروا بما آتيناهم} [النحل: 55] يقول: ليجحدوا نعمة الله التي أنعمها عليهم في أنفسهم وأموالهم، {وليتمتعوا} [العنكبوت: 66] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: {وليتمتعوا} [العنكبوت: 66] بكسر اللام، بمعنى: وكي يتمتعوا آتيناهم ذلك. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: (وليتمتعوا) ، بسكون اللام على وجه الوعيد والتوبيخ: أي: اكفروا، فإنكم سوف تعلمون ماذا يلقون من عذاب الله بكفرهم به. وأولى القراءتين عندي في ذلك بالصواب، قراءة من قرأه بسكون اللام على وجه التهديد والوعيد، وذلك أن الذين قرءوه بكسر اللام زعموا أنهم إنما اختاروا كسرها عطفا بها على اللام التي في قوله: {ليكفروا} [النحل: 55] وأن قوله {ليكفروا} [النحل: 55] لما كان معناه: كي يكفروا كان الصواب في قوله {وليتمتعوا} [العنكبوت: 66] أن يكون: وكي يتمتعوا، إذ كان عطفا على قوله: ليكفروا عندهم، وليس الذي ذهبوا من ذلك بمذهب، وذلك لأن لام قوله {ليكفروا} [النحل: 55] صلحت أن تكون بمعنى كي، لأنها شرط لقوله: إذا هم يشركون بالله ، كي يكفروا بما آتيناهم من النعم، وليس ذلك كذلك في قوله {وليتمتعوا} [العنكبوت: 66] لأن إشراكهم بالله كان يكفروا بنعمته، وليس إشراكهم به تمتعا بالدنيا، وإن كان الإشراك به يسهل لهم سبيل التمتع بها، فإذ كان ذلك كذلك، فتوجيهه إلى معنى الوعيد أولى وأحق من توجيهه إلى معنى: وكي يتمتعوا. وبعد فقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي: «وتمتعوا» وذلك دليل على صحة من قرأه بسكون اللام بمعنى الوعيد. وقوله: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا} [العنكبوت: 67] يقول تعالى ذكره مذكرا هؤلاء 18P443 المشركين من قريش، القائلين: لولا أنزل عليه آية من ربه، نعمته عليهم التي خصهم بها دون سائر الناس غيرهم مع كفرهم بنعمته، وإشراكهم في عبادته الآلهة والأنداد: أو لم ير هؤلاء المشركون من قريش، ما خصصناهم به من نعمتنا عليهم دون سائر عبادنا، فيشكرونا على ذلك، وينزجروا عن كفرهم بنا، وإشراكهم ما لا ينفعهم ولا يضرهم في عبادتنا، أنا جعلنا بلدهم حرما ، حرمنا على الناس أن يدخلوه بغارة أو حرب، {آمنا} [البقرة: 8] يأمن فيه من سكنه، فأوى إليه من السباء والخوف والحرام الذي لا يأمنه غيرهم من الناس {ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت: 67] يقول: وتسلب الناس من حولهم قتلا وسباء. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله " {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت: 67] قال: كان لهم في ذلك آية، أن الناس يغزون ويتخطفون وهم آمنون " وقوله: {أفبالباطل يؤمنون} [النحل: 72] يقول: أفبالشرك بالله يقرون بألوهة الأوثان بأن يصدقوا، {وبنعمة الله} [العنكبوت: 67] التي خصهم بها من أن جعل بلدهم حرما آمنا يكفرون؟ يعني بقوله {يكفرون} [البقرة: 61] : يجحدون. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {أفبالباطل يؤمنون} [العنكبوت: 67] أي بالشرك {وبنعمة الله يكفرون} [العنكبوت: 67] أي يجحدون " 18P443
[العنكبوت: 68] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه، أليس في جهنم مثوى للكافرين} [العنكبوت: 68] يقول تعالى ذكره: ومن أظلم أيها الناس ممن اختلق على الله كذبا، فقالوا إذا فعلوا فاحشة: وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها، والله لا يأمر بالفحشاء {أو كذب بالحق لما جاءه} [العنكبوت: 68] يقول: أو كذب بما بعث الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من توحيده، والبراءة من الآلهة والأنداد لما جاءه هذا الحق من عند الله {أليس في جهنم مثوى للكافرين} [العنكبوت: 68] يقول: أليس في النار مثوى ومسكن لمن كفر بالله، وجحد توحيده، وكذب رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وهذا تقرير، وليس باستفهام، إنما هو كقول جرير: [+البحر الوافر] ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح إنما أخبر أن للكافرين بالله مسكنا في النار، ومنزلا يثوون فيه. 18P444 [العنكبوت: 69] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين} [العنكبوت: 69] يقول تعالى ذكره: والذين قاتلوا هؤلاء المفترين على الله كذبا من كفار قريش، المكذبين بالحق لما جاءهم فينا، مبتغين بقتالهم علو كلمتنا، ونصرة ديننا {لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] يقول: لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم {وإن الله لمع المحسنين} [العنكبوت: 69] يقول: وإن الله لمع من أحسن من خلقه، فجاهد فيه أهل الشرك، مصدقا رسوله فيما جاء به من عند الله بالعون له، والنصرة على من جاهد من أعدائه. 18P445 وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله {والذين جاهدوا فينا } [العنكبوت: 69] قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله " {والذين جاهدوا فينا} [العنكبوت: 69] فقلت له: قاتلوا فينا؟ قال: نعم " [030] سورة الروم مكية وآياتها ستون بسم الله الرحمن الرحيم 18P446
[الروم: 1_2_3_4_5] القول في تأويل قوله تعالى: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم} [الروم: 1_2_3_4_5] قال أبو جعفر: اختلفت تراجمة القرآن في تأويل قول الله تعالى ذكره: {الم} [البقرة: 1] فقال بعضهم: هو اسم من أسماء القرآن. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن الحسن الجفري، عن سليط، قال: سمعت ابن عمر، " يقرأ {الم غلبت الروم} [الروم: 2] فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، على أي شيء غلبوا؟ قال: على ريف الشام ". والصواب من القراءة في ذلك عندنا الذي لا يجوز غيره {الم. 18P447 غلبت الروم} [الروم: 1] بضم الغين، لإجماع الحجة من القراء عليه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: غلبت فارس الروم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن سعيد أبو سعيد الثعلبي الذي يقال له أبو سعد من أهل طرسوس، قال: ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن سفيان بن سعيد 18P448 الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان المسلمون يحبون أن تغلب الروم أهل الكتاب، وكان المشركون يحبون أن يغلب أهل فارس، لأنهم أهل الأوثان، قال: فذكروا ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «وأما إنهم سيهزمون» ، قال: فذكر ذلك أبو بكر للمشركين، قال: فقالوا: أفنجعل بيننا وبينكم أجلا، فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن غلبنا كان لنا كذا وكذا، قال: فجعلوا بينهم وبينه أجلا خمس سنين، قال: فمضت فلم يغلبوا؛ قال: فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «وأفلا جعلته دون العشر» . قال سعيد: والبضع ما دون العشر، قال: فغلب الروم، ثم غلبت، قال: فذلك قوله: {الم. غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} [الروم: 2] قال: البضع: ما دون العشر، {لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله} [الروم: 4] ، قال سفيان: فبلغني أنهم غلبوا يوم بدر حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، قال: ثنا موسى بن هارون البردي، قال: ثنا معن بن عيسى، قال: ثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض} [الروم: 2] ، ناحب أبو بكر قريشا، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: إني قد 18P449 ناحبتهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هلا احتطت، فإن البضع ما بين الثلاثة إلى التسع» . قال الجمحي: المناحبة: المراهنة، وذلك قبل أن يكون تحريم ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {الم غلبت الروم} [الروم: 2] إلى قوله: {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله} [الروم: 4] ، قال: قد مضى، كان ذلك في أهل فارس والروم، وكانت فارس قد غلبتهم، ثم غلبت الروم بعد ذلك، ولقي نبي الله صلى الله عليه وسلم مشركي العرب، يوم التقت الروم وفارس، فنصر الله النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين على مشركي العرب، ونصر أهل الكتاب على مشركي العجم، ففرح المؤمنون بنصر الله إياهم، ونصر أهل الكتاب على العجم.