Taberî — Câmiü'l-Beyân
الآية " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] " يعني: من بعد التسمية، يقول: لا يحل لك امرأة إلا ابنة عم أو ابنة عمة، أو ابنة خال أو ابنة خالة، أو امرأة وهبت نفسها لك، من كان منهن هاجر مع نبي الله صلى الله عليه وسلم " وفي حرف ابن مسعود: «واللاتي هاجرن معك» يعني بذلك: كل شيء هاجر معه ليس من بنات العم والعمة، ولا من بنات الخال والخالة وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يحل لك النساء من غير المسلمات؛ فأما اليهوديات والنصرانيات والمشركات فحرام عليك ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] «لا يهودية، ولا نصرانية، ولا كافرة» 19P150 وأولى الأقوال عندي بالصحة قول من قال: معنى ذلك: لا يحل لك النساء من بعد: بعد اللواتي أحللتهن لك بقولي: {إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} [الأحزاب: 50] إلى قوله: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} [الأحزاب: 50] وإنما قلت ذلك أولى بتأويل الآية، لأن قوله: {لا يحل لك النساء} [الأحزاب: 52] عقيب قوله: {إنا أحللنا لك أزواجك} [الأحزاب: 50] وغير جائز أن يقول: قد أحللت لك هؤلاء، ولا يحللن لك إلا بنسخ أحدهما صاحبه، وعلى أن يكون وقت فرض إحدى الآيتين، فعل الأخرى منهما فإذ كان ذلك كذلك ولا برهان ولا دلالة على نسخ حكم إحدى الآيتين حكم الأخرى، ولا تقدم تنزيل إحديهما قبل صاحبتها، وكان غير مستحيل مخرجهما على الصحة، لم يجز أن يقال: إحداهما ناسخة الأخرى وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن لقول من قال: معنى ذلك: لا يحل من بعد المسلمات يهودية ولا نصرانية ولا كافرة، معنى مفهوم، إذ كان قوله {من بعد} [البقرة: 27] إنما معناه: من بعد المسميات المتقدم ذكرهن في الآية قبل هذه الآية، ولم يكن في الآية المتقدم فيها ذكر المسميات بالتحليل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر إباحة المسلمات كلهن، بل كان فيها ذكر أزواجه وملك يمينه الذي يفيء الله عليه، وبنات عمه وبنات عماته، وبنات خاله وبنات خالاته ، اللاتي هاجرن معه، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، فتكون الكوافر مخصوصات بالتحريم، صح ما قلنا في ذلك، دون قول من خالف قولنا فيه واختلفت القراء في قراءة قوله {لا يحل لك النساء} [الأحزاب: 52] فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة {يحل} [الأحزاب: 52] بالياء، بمعنى: لا يحل لك شيء من النساء 19P151 بعد. وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة: (لا تحل لك النساء) بالتاء، توجيها منه إلى أنه فعل للنساء، والنساء جمع للكثير منهن.
وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأه بالياء للعلة التي ذكرت لهم، ولإجماع الحجة من القراء على القراءة بها، وشذوذ من خالفهم في ذلك وقوله: {ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن} [الأحزاب: 52] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: لا يحل لك النساء من بعد المسلمات، لا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة، ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من الكوافر ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {ولا أن تبدل بهن من أزواج} [الأحزاب: 52] «ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من النصارى واليهود والمشركين ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رزين، في قوله: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك} [الأحزاب: 52] قال: «لا يحل لك أن تتزوج من المشركات إلا من سبيت فملكته يمينك منهن» 19P152 وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا أن تبدل بأزواجك اللواتي هن في حبالك أزواجا غيرهن، بأن تطلقهن، وتنكح غيرهن ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن} [الأحزاب: 52] يقول: «لا يصلح لك أن تطلق شيئا من أزواجك ليس يعجبك ، فلم يكن يصلح ذلك له» وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا أن تبادل من أزواجك غيرك، بأن تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن} [الأحزاب: 52] قال: " كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم يعطي هذا امرأته هذا ويأخذ امرأته، فقال: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك} [الأحزاب: 52] لا بأس أن تبادل بجاريتك ما شئت أن تبادل، فأما الحرائر فلا؛ قال: وكان ذلك من أعمالهم في الجاهلية " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ولا أن تطلق أزواجك فتستبدل بهن غيرهن أزواجا وأنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لما قد بيننا قبل من أن قول الذي قال معنى قوله: {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] لا يحل لك اليهودية أو النصرانية والكافرة، قول لا وجه له فإذا كان ذلك كذلك فكذلك قوله: {ولا أن تبدل بهن} [الأحزاب: 52] كافرة لا معنى له، إذ كان من المسلمات من قد حرم عليه بقوله {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] الذي دللنا عليه قبل وأما الذي قاله ابن زيد في ذلك أيضا، فقول لا معنى له، لأنه لو كان بمعنى المبادلة، لكانت القراءة والتنزيل: ولا أن تبادل بهن من أزواج، أو: ولا أن تبدل بهن بضم التاء؛ ولكن القراءة المجمع عليها {ولا أن تبدل بهن} [الأحزاب: 52] بفتح التاء، بمعنى: ولا أن تستبدل بهن، مع أن الذي ذكر ابن زيد من فعل الجاهلية غير معروف في أمة نعلمه من الأمم: أن يبادل الرجل آخر بامرأته الحرة، فيقال: كان ذلك من فعلهم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فعل مثله فإن قال قائل: أفلم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج امرأة على نسائه اللواتي كن عنده، فيكون موجها تأويل قوله: {ولا أن تبدل بهن من أزواج} [الأحزاب: 52] إلى ما تأولت، أو قال: وأين ذكر أزواجه اللواتي كن عنده في هذا الموضع، فتكون الهاء من قوله: {ولا أن تبدل بهن} [الأحزاب: 52] من ذكرهن وتوهم أن الهاء في ذلك عائدة على النساء، في قوله: {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] قيل: قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج من شاء من النساء اللواتي كان الله أحلهن له على نسائه اللاتي كن عنده يوم نزلت هذه الآية، وإنما نهي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية أن يفارق من كان عنده بطلاق أراد به استبدال غيرها بها، لإعجاب حسن المستبدلة له بها إياه إذ كان الله قد جعلهن أمهات المؤمنين وخيرهن بين الحياة الدنيا والدار الآخرة، والرضا بالله ورسوله، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فحرمن على غيره بذلك، ومنع من فراقهن بطلاق؛ فأما نكاح غيرهن فلم يمنع منه، بل أحل الله له ذلك على ما بين في كتابه.
وقد روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبض حتى أحل الله له نساء أهل الأرض حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة، قالت: «ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء؛ تعني أهل الأرض» حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة، قالت: «ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء» حدثنا العباس بن أبي طالب، قال: ثنا معلى، قال: ثنا وهيب، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير الليثي، عن عائشة قالت: «ما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له أن يتزوج من النساء ما شاء» حدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء، 19P155 قال: أحسب عبيد بن عمير حدثني قال أبو زيد، وقال أبو عاصم مرة، عن عائشة، قالت: «ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء» قال: وقال أبو الزبير: شهدت رجلا يحدثه عن عطاء حدثنا أحمد بن منصور، قال: ثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا همام، عن ابن جريج، عن عطاء عن عبيد بن عمير، عن عائشة، قالت: «ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء» فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أن الله حرم على نبيه بهذه الآية طلاق نسائه اللواتي خيرهن فاخترنه، فما وجه الخبر الذي روي عنه أنه طلق حفصة ثم راجعها، وأنه أراد طلاق سودة حتى صالحته على ترك طلاقه إياها، ووهبت يومها لعائشة؟ قيل: كان ذلك قبل نزول هذه الآية والدليل على صحة ما قلنا، من أن ذلك كان قبل تحريم الله على نبيه طلاقهن، الرواية الواردة أن عمر دخل على حفصة معاقبها حين اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، كان من قيلة لها: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طلقك، فكلمته فراجعك، فوالله لئن طلقك، أولو كان طلقك لكلمته فيك وذلك لا شك قبل نزول 19P156 آية التخيير، لأن آية التخيير إنما نزلت حين انقضى وقت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على اعتزالهن وأما أمر الدلالة على أن أمر سودة كان قبل نزول هذه الآية، أن الله إنما أمر نبيه بتخيير نسائه بين فراقه والمقام معه على الرضا بأن لا قسم لهن، وأنه يرجي من يشاء منهن، ويؤوي منهن من يشاء، ويؤثر من شاء منهن على من شاء، ولذلك قال له تعالى ذكره: {ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن} [الأحزاب: 51] ، ومن المحال أن يكون الصلح بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم جرى على تركها يومها لعائشة في حال لا يوم لها منه وغير جائز أن يكون كان ذلك منها إلا في حال كان لها منه يوم هو لها حق كان واجبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أداؤه إليها، ولم يكن ذلك لهن بعد التخيير لما قد وصفت قبل فيما مضى من كتابنا هذا فتأويل الكلام: لا يحل لك يا محمد النساء من بعد اللواتي أحللتهن لك في الآية قبل، ولا أن تطلق نساءك اللواتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فتبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسن من أردت أن تبدل به منهن، إلا ما ملكت يمينك وأن في قوله {أن تبدل بهن} [الأحزاب: 52] رفعا، لأن معناها: لا يحل لك النساء من بعد، ولا الاستبدال بأزواجك، وإلا في قوله: {إلا ما ملكت يمينك} [الأحزاب: 52] استثناء من النساء ومعنى ذلك: لا يحل لك النساء من بعد اللواتي أحللتهن لك، إلا ما ملكت يمينك من الإماء، فإن لك أن تملك من أي أجناس الناس شئت من الإماء وقوله: {وكان الله على كل شيء رقيبا} [الأحزاب: 52] يقول: وكان الله على كل شيء ما أحل لك، وحرم عليك، وغير ذلك من الأشياء كلها، حفيظا لا يعزب عنه علم شيء من ذلك، ولا يؤوده حفظ ذلك كله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال.
ثنا سعيد، عن قتادة {وكان الله على كل شيء رقيبا} [الأحزاب: 52] «أي حفيظا» في قول الحسن وقتادة " 19P157
[الأحزاب: 53] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما} [الأحزاب: 53] يقول تعالى ذكره لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تدخلوا بيوت نبي الله إلا أن تدعوا إلى طعام تطعمونه {غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] يعني: غير منتظرين إدراكه وبلوغه؛ وهو مصدر من قولهم: قد أنى هذا الشيء يأني إني وأنيا وإناء؛ قال الحطيئة: [+البحر الوافر] وآنيت العشاء إلى سهيل أو الشعرى فطال بي الأناء وفيه لغة أخرى، يقال: قد آن لك: أي تبين لك أينا، ونال لك، وأنال لك؛ ومنه قول رؤبة بن العجاج: [+البحر الرجز] هاجت ومثلي نوله أن يربعا حمامة ناخت حماما سجعا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {إلى طعام غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] قال: «متحينين نضجه» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] يقول: «غير ناظرين الطعام أن يصنع» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] قال: «غير متحينين طعامه» حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله 19P159 ونصب {غير} [الأحزاب: 53] في قوله: {غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] على الحال من الكاف والميم في قوله: {إلا أن يؤذن لكم} [الأحزاب: 53] لأن الكاف والميم معرفة وغير نكرة، وهي من صفة الكاف والميم وكان بعض نحويي البصرة يقول: لا يجوز في «غير» الجر على الطعام، إلا أن تقول: أنتم، ويقول: ألا ترى أنك لو قلت: أبدى لعبد الله علي امرأة مبغضا لها، لم يكن فيه إلا النصب، إلا أن تقول: مبغض لها هو، لأنك إذا أجريت صفته عليها، ولم تظهر الضمير الذي يدل على أن الصفة له لم يكن كلاما، لو قلت: هذا رجل مع امرأة ملازمها، كان لحنا، حتى ترفع، فتقول ملازمها، أو تقول ملازمها هو، فتجر وكان بعض نحويي الكوفة يقول: لو جعلت «غير» في قوله: {غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] خفضا كان صوابا، لأن قبلها الطعام وهو نكرة، فيجعل فعلهم تابعا للطعام، لرجوع ذكر الطعام في إناه، كما تقول العرب: رأيت زيدا مع امرأة محسنا إليها ومحسن إليها، فمن قال محسنا جعله من صفة زيد، ومن خفضه فكأنه قال: رأيته مع التي يحسن إليها؛ فإذا صارت الصلة للنكرة أتبعتها وإن كانت فعلا لغير النكرة، كما قال الأعشى: [+البحر المتقارب] فقلت له هذه هاتها إلينا بأدماء مقتادها فجعل المقتاد تابعا لإعراب بأدماء، لأنه بمنزلة قولك: بأدماء تقتادها، فخفضه، لأنه صلة لها، قال: وينشد: «بأدماء مقتادها» بخفض الأدماء 19P160 لإضافتها إلى المقتاد، قال: ومعناه: هاتها على يدي من اقتادها وأنشد أيضا: [+البحر الطويل] وإن امرأ أهدى إليك ودونه من الأرض موماة وبيداء فيهق لمحقوقة أن تستجيبي لصوته وأن تعلمي أن المعان موفق وحكي عن بعض العرب سماعا ينشد: [+البحر الطويل] أرأيت إذ أعطيتك الود كله ولم يك عندي إن أبيت إباء أمسلمتي للموت أنت فميت وهل للنفوس المسلمات بقاء ولم يقل: فميت أنا، وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: يدك باسطها، يريدون أنت، وهو كثير في الكلام، قال: فعلى هذا يجوز خفض «غير» والصواب من القول في ذلك عندنا، القول بإجازة جر «غير» في «غير ناظرين» في الكلام، لا في القراءة، لما ذكرنا من الأبيات التي حكيناها؛ فأما في القراءة فغير جائز في «غير» غير النصب، لإجماع الحجة من القراء على نصبها وقوله: {ولكن إذا دعيتم فادخلوا} [الأحزاب: 53] يقول: ولكن إذا دعاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فادخلوا البيت الذي أذن لكم بدخوله {فإذا طعمتم فانتشروا} [الأحزاب: 53] يقول: فإذا أكلتم الطعام الذي دعيتم لأكله فانتشروا، يعني فتفرقوا واخرجوا من منزله {ولا مستأنسين لحديث} [الأحزاب: 53] فقوله: {ولا مستأنسين لحديث} [الأحزاب: 53] في موضع خفض عطفا به على ناظرين، كما يقال في الكلام: أنت غير ساكت ولا ناطق وقد يحتمل أن يقال: مستأنسين في موضع نصب عطفا على معنى ناظرين، لأن معناه: إلا أن يؤذن لكم إلى طعام لا ناظرين إناه، فيكون قوله: {ولا مستأنسين} [الأحزاب: 53] نصبا حينئذ، والعرب تفعل ذلك إذا حالت بين الأول والثاني، فترد أحيانا على لفظ الأول، وأحيانا على معناه ، وقد ذكر الفراء أن أبا القمقام أنشده: [+البحر الطويل] أجدك لست الدهر رائي رامة ولا عاقل إلا وأنت جنيب ولا مصعد في المصعدين لمنعج ولا هابطا ما عشت هضب شطيب فرد مصعد على أن رائي فيه باء خافضة، إذ حال بينه وبين المصعد مما حال بينهما من الكلام.
ومعنى قوله: {ولا مستأنسين لحديث} [الأحزاب: 53] ولا متحدثين بعد فراغكم من أكل الطعام إيناسا من بعضكم لبعض به كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {ولا مستأنسين لحديث} [الأحزاب: 53] «بعد أن تأكلوا» 19P162 واختلف أهل العلم في السبب الذي نزلت هذه الآية فيه، فقال بعضهم: نزلت بسبب قوم طعموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وليمة زينب بنت جحش، ثم جلسوا يتحدثون في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حاجة، فمنعه الحياء من أمرهم بالخروج من منزله ذكر من قال ذلك: حدثني عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، قال: " بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، فبعثت داعيا إلى الطعام، فدعوت، فيجيء القوم يأكلون ويخرجون ثم يجيء القوم يأكلون ويخرجون، فقلت: يا نبي الله قد دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، قال: «ارفعوا طعامكم» ، وإن زينب لجالسة في ناحية البيت، وكانت قد أعطيت جمالا، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون في البيت، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم منطلقا نحو حجرة عائشة، فقال: «السلام عليكم أهل البيت» فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ قال: فأتى حجر نسائه، فقالوا مثل ما قالت عائشة، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا الثلاثة يتحدثون في البيت، وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم منطلقا نحو حجرة عائشة، فلا أدري أخبرته ، أو أخبر أن الرهط قد خرجوا، فرجع حتى وضع رجله في أسكفة داخل البيت، والأخرى خارجه، إذ أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب " حدثني أبو معاوية بشر بن دحية، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن أنس بن 19P163 مالك، قال: " سألني أبي بن كعب عن الحجاب، فقلت: أنا أعلم الناس به، نزلت في شأن زينب؛ أولم النبي صلى الله عليه وسلم عليها بتمر وسويق، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} [الأحزاب: 53] إلى قوله: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} [الأحزاب: 53] حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثني عمي، قال: أخبرني يونس، عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك: «أنه كان ابن عشر سنين عند مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل في مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش؛ أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بها عروسا، فدعا القوم فأصابوا من الطعام حتى خرجوا، وبقي منهم رهط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطالوا المكث، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج، وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشيت معه، حتى جاء عتبة حجرة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، حتى دخل على زينب، فإذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب بيني وبينه سترا، وأنزل الحجاب» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، قال: «دعوت المسلمين إلى وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، صبيحة بنى بزينب بنت جحش، 19P164 فأوسعهم خبزا ولحما، ثم رجع كما كان يصنع، فأتى حجر نسائه فسلم عليهن، فدعون له، ورجع إلى بيته وأنا معه؛ فلما انتهينا إلى الباب إذا رجلان قد جرى بهما الحديث في ناحية البيت، فلما أبصرهما ولى راجعا؛ فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم ولى عن بيته، وليا مسرعين، فلا أدري أنا أخبرته، أو أخبر فرجع إلى بيته، فأرخى الستر بيني وبينه، ونزلت آية الحجاب» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو حجبت عن أمهات المؤمنين، فإنه يدخل عليك البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب» حدثني القاسم بن بشر بن معروف، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: أنا أعلم الناس بهذه الآية، آية الحجاب؛ لما أهديت زينب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع طعاما، ودعا القوم، فجاؤوا فدخلوا وزينب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت، وجعلوا يتحدثون، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج ثم يدخل وهم قعود، قال: فنزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} [الأحزاب: 53] .
. . إلى: {فاسألوهن من وراء حجاب} [الأحزاب: 53] قال: فقام القوم وضرب الحجاب " حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، قال: ثنا أبي، عن بيان، عن أنس بن مالك، قال: " بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من نسائه، فأرسلني، فدعوت قوما إلى الطعام؛ فلما أكلوا وخرجوا، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم منطلقا قبل بيت عائشة، فرأى رجلين جالسين، فانصرف راجعا، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} [الأحزاب: 53] " حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، قال: ثنا ابن نهشل، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: أمر عمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب، فقالت زينب: يا ابن الخطاب، إنك لتغار علينا، والوحي ينزل في بيوتنا، فأنزل الله: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} [الأحزاب: 53] حدثني محمد بن مرزوق، قال: ثنا أشهل بن حاتم، قال : ثنا ابن عون، عن عمرو بن سعد، عن أنس قال: " وكنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يمر على نسائه، قال: فأتى بامرأة عروس، ثم جاء وعندها قوم، فانطلق فقضى حاجته، واحتبس وعاد وقد خرجوا؛ قال: فدخل فأرخى بيني وبينه سترا " قال: فحدثت أبا طلحة، فقال: إن كان كما تقول: لينزلن في هذا شيء، قال: ونزلت آية الحجاب " وقال آخرون: كان ذلك في بيت أم سلمة ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث} [الأحزاب: 53] قال: " كان هذا في بيت أم سلمة، قال: أكلوا، ثم أطالوا الحديث، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدخل ويخرج ويستحيي منهم، والله لا يستحيي من الحق " قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} [الأحزاب: 53] قال: «بلغنا أنهن أمرن بالحجاب عند ذلك» وقوله: {إن ذلكم كان يؤذي النبي} [الأحزاب: 53] يقول: إن دخولكم بيوت النبي من غير أن يؤذن لكم، وجلوسكم فيها مستأنسين للحديث بعد فراغكم من أكل الطعام الذي دعيتم له، كان يؤذي النبي، فيستحيي منكم أن يخرجكم منها إذا قعدتم فيها للحديث بعد الفراغ من الطعام، أو يمنعكم من الدخول إذا دخلتم بغير إذن مع كراهيته لذلك منكم {والله لا يستحيي من الحق} [الأحزاب: 53] أن يتبين لكم، وإن استحيا نبيكم فلم يبين لكم كراهية ذلك حياء منكم {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} [الأحزاب: 53] يقول: وإذا سألتم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعا {فاسألوهن من وراء حجاب} [الأحزاب: 53] يقول: من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} [الأحزاب: 53] يقول تعالى ذكره: سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من أن لا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل وقد قيل: إن سبب أمر الله النساء بالحجاب، إنما كان من أجل أن رجلا كان يأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعائشة معهما، فأصابت يدها يد الرجل، فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن ليث، عن مجاهد: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت آية الحجاب» وقيل: نزلت من أجل مسألة عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، ويعقوب، قالا: ثنا هشيم، قال: ثنا حميد الطويل، عن أنس، قال: قال عمر بن الخطاب: قلت: " يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟
قال: فنزلت آية الحجاب " 19P168 حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا حميد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه حدثني أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثني عمرو بن عبد الله بن وهب، قال: ثني يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: " إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح، وكان عمر يقول: يا رسول الله، احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حرصا أن ينزل الحجاب، قال: فأنزل الله الحجاب " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجت سودة لحاجتها بعدما ضرب علينا الحجاب، وكانت امرأة تفرع النساء طولا، فأبصرها عمر، فناداها: يا سودة، إنك والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، أو كيف تصنعين؟ فانكفأت فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه ليتعشى، فأخبرته بما كان، وما قال لها ، وإن في يده لعرقا، فأوحي إليه، ثم رفع عنه، وإن العرق لفي يده، فقال: «لقد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن» حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا همام، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: " أمر عمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب، فقالت زينب: يا ابن الخطاب، إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟ فأنزل الله: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} [الأحزاب: 53] " حدثني أبو أيوب النهراني سليمان بن عبد الحميد، قال: ثنا يزيد بن عبد ربه، قال: ثني ابن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة " أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح؛ وكان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب، قالت عائشة: فأنزل الله الحجاب، قال الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا} [الأحزاب: 53] . . الآية " وقوله: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} [الأحزاب: 53] يقول تعالى ذكره: وما ينبغي لكم أن تؤذوا رسول الله، وما يصلح ذلك لكم {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا} [الأحزاب: 53] يقول: وما ينبغي لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا لأنهن أمهاتكم، ولا يحل للرجل أن يتزوج أمه وذكر أن ذلك نزل في رجل كان يدخل قبل الحجاب، قال: لئن مات محمد لأتزوجن امرأة من نسائه سماها، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك 19P170 : {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا} [الأحزاب: 53] ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما} [الأحزاب: 53] قال: " ربما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل يقول: لو أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي تزوجت فلانة من بعده، قال: فكان ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل القرآن: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} [الأحزاب: 53] . .
الآية " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر: " أن النبي صلى الله عليه وسلم مات، وقد ملك قيلة بنت الأشعث، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشق على أبي بكر مشقة شديدة، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله إنها ليست من نسائه إنها لم يخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحجبها، وقد برأها منه بالردة التي ارتدت مع قومها، فاطمأن أبو بكر وسكن " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وقد ملك بنت الأشعث بن قيس، ولم يجامعها، ذكر نحوه وقوله: {إن ذلكم كان عند الله عظيما} [الأحزاب: 53] يقول: إن أذاكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكاحكم أزواجه من بعده عند الله عظيم من الإثم 19P170
[الأحزاب: 54] القول في تأويل قوله تعالى: {إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما} [الأحزاب: 54] يقول تعالى ذكره: إن تظهروا بألسنتكم شيئا أيها الناس من مراقبة النساء، أو غير ذلك مما نهاكم عنه أو أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقول: لأتزوجن زوجته بعد وفاته، {أو تخفوه} [البقرة: 284] يقول: أو تخفوا ذلك في أنفسكم، فإن الله كان بكل شيء عليما، يقول: فإن الله بكل ذلك وبغيره من أموركم وأمور غيركم، عليم لا يخفى عليه شيء، وهو يجازيكم على جميع ذلك 19P171
[الأحزاب: 55] القول في تأويل قوله تعالى: {لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا} [الأحزاب: 55] يقول تعالى ذكره: لا حرج على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في آبائهن ولا إثم ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي وضع عنهن الجناح في هؤلاء، فقال بعضهم: وضع عنهن الجناح في وضع جلابيبهن عندهم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهد، في قوله: {لا جناح عليهن في آبائهن} [الأحزاب: 55] . . الآية كلها، قال: «أن تضع الجلباب» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {لا جناح عليهن في آبائهن} [الأحزاب: 55] «ومن ذكر معه أن يروهن» وقال آخرون: وضع عنهن الجناح فيهن في ترك الاحتجاب حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله {لا جناح عليهن} [الأحزاب: 55] . . إلى {شهيدا} [البقرة: 143] «فرخص لهؤلاء أن لا يحتجبن منهم» وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك وضع الجناج عنهن في هؤلاء المسلمين أن لا يحتجبن منهم، وذلك أن هذه الآية عقيب آية الحجاب، وبعد قول الله: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} [الأحزاب: 53] فلا يكون قوله: {لا جناح عليهن في آبائهن} [الأحزاب: 55] استثناء من جملة الذين أمروا بسؤالهن المتاع من وراء الحجاب إذا سألوهن ذلك أولى وأشبه من أن يكون خبر مبتدإ عن غير ذلك المعنى. فتأويل الكلام إذن: لا إثم على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وأمهات المؤمنين في إذنهن لآبائهن، وترك الحجاب منهن، ولا لأبنائهن ولا لإخوانهن، ولا لأبناء إخوانهن وعني بإخوانهن وأبناء إخوانهن إخوتهن وأبناء إخوتهن وخرج معهم جمع ذلك مخرج جمع فتى إذا جمع فتيان، فكذلك جمع أخ إذا جمع إخوان وأما إذا جمع إخوة، فذلك نظير جمع فتى إذا جمع فتية، ولا أبناء إخوانهن، ولم يذكر في ذلك العم على ما قال الشعبي حذرا من أن يصفهن لأبنائه حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن داود، عن الشعبي، وعكرمة، في قوله: {لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن} [الأحزاب: 55] قلت: ما شأن العم والخال لم يذكرا؟ قال: «لأنهما ينعتانها لأبنائهما، وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمها» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد، عن داود، عن عكرمة والشعبي نحوه، غير أنه لم يذكر ينعتانها وقوله: {ولا نسائهن} [الأحزاب: 55] يقول: ولا جناح عليهن أيضا في أن لا يحتجبن من نساء المؤمنين كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولا نسائهن} [الأحزاب: 55] قال: " نساء المؤمنات الحرائر ليس عليهن جناح أن يرين تلك الزينة، قال: وإنما هذا كله في الزينة، قال: ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى شيء من عورة المرأة، قال: ولو نظر الرجل إلى فخذ الرجل لم أر به بأسا، قال: {ولا ما ملكت أيمانهن} [الأحزاب: 55] فليس ينبغي لها أن تكشف قرطها للرجل، قال: وأما الكحل 19P174 والخاتم والخضاب، فلا بأس به، قال: والزوج له فضل، والآباء من وراء الرجل لهم فضل.
قال: والآخرون يتفاضلون، قال: وهذا كله يجمعه ما ظهر من الزينة، قال: وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتجبن من المماليك " وقوله: {ولا ما ملكت أيمانهن} [الأحزاب: 55] من الرجال والنساء وقال آخرون: من النساء وقوله: {واتقين الله} [الأحزاب: 55] يقول: وخفن الله أيها النساء أن تتعدين ما حد الله لكن، فتبدين من زينتكن ما ليس لكن أن تبدينه، أو تتركن الحجاب الذي أمركن الله بلزومه، إلا فيما أباح لكن تركه، والزمن طاعته {إن الله كان على كل شيء شهيدا} [النساء: 33] يقول تعالى ذكره: إن الله شاهد على ما تفعلنه من احتجابكن، وترككن الحجاب لمن أبحت لكن ترك ذلك له، وغير ذلك من أموركن؛ يقول: فاتقين الله في أنفسكن لا تلقين الله، وهو شاهد عليكم بمعصيته، وخلاف أمره ونهيه، فتهلكن، فإنه شاهد على كل شيء 19P174
[الأحزاب: 56] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56] يقول تعالى ذكره: إن الله وملائكته يبركون على النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه} [الأحزاب: 56] يقول: «يباركون على النبي» 19P175 وقد يحتمل أن يقال: إن معنى ذلك: أن الله يرحم النبي، وتدعو له ملائكته ويستغفرون، وذلك أن الصلاة في كلام العرب من غير الله إنما هو دعاء وقد بينا ذلك فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه} [الأحزاب: 56] يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا ادعوا لنبي الله محمد صلى الله عليه وسلم {وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56] يقول: وحيوه تحية الإسلام وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن عنبسة، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سمعت الله يقول: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} [الأحزاب: 56] . . الآية، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: " قل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد " حدثني جعفر بن محمد الكوفي، قال: ثنا يعلى بن الأجلح، عن الحكم بن 19P176 عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: لما نزلت: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56] قمت إليه، فقلت: السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: «قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا أبو إسرائيل، عن يونس بن خباب قال: خطبنا بفارس فقال: {إن الله وملائكته} [الأحزاب: 56] الآية، فقال: أنبأني من سمع ابن عباس يقول: هكذا أنزل، فقلنا: أو قالوا: يا رسول الله قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن زياد، عن إبراهيم، في قوله {إن الله وملائكته} [الأحزاب: 56] . . الآية، قالوا: يا رسول الله هذا السلام قد عرفناه، فكيف 19P177 الصلاة عليك؟ فقال: «قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد» حدثني يعقوب الدورقي، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشر بن مسعود الأنصاري، قال: لما نزلت: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56] قالوا: يا رسول الله هذا السلام قد عرفناه، فكيف الصلاة، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: " قولوا: اللهم صل على محمد كما صليت على آل إبراهيم، اللهم بارك على محمد كما باركت على آل إبراهيم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56] قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟
قال: " قولوا: اللهم صل على محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم " وقال الحسن: واللهم اجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم إنك حميد مجيد " 19P177
[الأحزاب: 57_58] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} [الأحزاب: 57_58] يعني بقوله تعالى ذكره: {إن الذين يؤذون الله} [الأحزاب: 57] إن الذين يؤذون ربهم بمعصيتهم إياه، وركوبهم ما حرم عليهم. وقد قيل: إنه عنى بذلك أصحاب التصاوير، وذلك أنهم يرومون تكوين خلق مثل خلق الله ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد القرشي، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سلمة بن الحجاج، عن عكرمة، قال: «الذين يؤذون الله ورسوله هم أصحاب التصاوير» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا} [الأحزاب: 57] قال: «يا سبحان الله ما زال أناس من جهلة بني آدم حتى تعاطوا أذى ربهم؛ وأما أذاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو طعنهم عليه في نكاحه صفية بنت حيي فيما ذكر» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 19P179 أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا} [الأحزاب: 57] قال: «نزلت في الذين طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم حين اتخذ صفية بنت حيي بن أخطب» وقوله: {لعنهم الله في الدنيا والآخرة} [الأحزاب: 57] يقول تعالى ذكره: أبعدهم الله من رحمته في الدنيا والآخرة وأعد لهم في الآخرة عذابا يهينهم فيه بالخلود فيه وقوله: {والذين يؤذون المؤمنين} [الأحزاب: 58] كان مجاهد يوجه معنى قوله {يؤذون} [التوبة: 61] إلى يقفون ذكر الرواية بذلك عنه: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {والذين يؤذون} [الأحزاب: 58] قال: يقفون " فمعنى الكلام على ما قال مجاهد: والذين يقفون المؤمنين والمؤمنات، ويعيبونهم طلبا لشينهم {بغير ما اكتسبوا} [الأحزاب: 58] يقول: بغير ما عملوا كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 19P180 في قوله: {بغير ما اكتسبوا} [الأحزاب: 58] قال عملوا " حدثنا نصر بن علي، قال: ثنا عثام بن علي، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: قرأ ابن عمر: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} [الأحزاب: 58] قال: «فكيف إذا أوذي بالمعروف، فذلك يضاعف له العذاب» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثام بن علي، عن الأعمش، عن ثور، عن ابن عمر {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} [الأحزاب: 58] قال: «كيف بالذي يأتي إليهم المعروف» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} [الأحزاب: 58] «فإياكم وأذى المؤمن، فإن الله يحوطه، ويغضب له» وقوله: {فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} [الأحزاب: 58] يقول: فقد احتملوا زورا وكذبا وفرية شنيعة؛ و {بهتانا} [النساء: 20] : أفحش الكذب {وإثما مبينا} [النساء: 20] يقول: وإثما يبين لسامعه أنه إثم وزور 19P180
[الأحزاب: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما} [الأحزاب: 59] 19P181 يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين، لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن، لئلا يعرض لهن فاسق، إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به، فقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههن ورءوسهن، فلا يبدين منهن إلا عينا واحدة ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} [الأحزاب: 59] «أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة، في قوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} [الأحزاب: 59] فلبسها عندنا ابن عون، قال: ولبسها عندنا محمد، قال محمد: ولبسها عندي عبيدة؛ قال ابن عون بردائه، فتقنع به، فغطى أنفه وعينه اليسرى، وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب " حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة، عن قوله: {قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} [الأحزاب: 59] قال: «فقال بثوبه، فغطى رأسه ووجهه، وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه» وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} [الأحزاب: 59] . . . . إلى قوله: {وكان الله غفورا رحيما} [النساء: 96] قال: " كانت الحرة تلبس لباس الأمة، فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن؛ وإدناء الجلباب: أن تقنع وتشد على جبينها " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين} [الأحزاب: 59] " أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب {ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} [الأحزاب: 59] وقد كانت المملوكة إذا مرت تناولوها بالإيذاء، فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {يدنين عليهن من جلابيبهن} [الأحزاب: 59] «يتجلببن فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض 19P183 لهن فاسق بأذى من قول ولا ريبة» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام ، عن عنبسة، عمن حدثه عن أبي صالح، قال: " قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على غير منزل، فكان نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن إذا كان الليل خرجن يقضين حوائجهن، وكان رجال يجلسون على الطريق للغزل، فأنزل الله: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} [الأحزاب: 59] «يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة» وقوله: {ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} [الأحزاب: 59] يقول تعالى ذكره: إدناؤهن جلابيبهن إذا أدنينها عليهن أقرب وأحرى أن يعرفن ممن مررن به، ويعلموا أنهن لسن بإماء، فيتنكبوا عن أذاهن بقول مكروه، أو تعرض بريبة {وكان الله غفورا} [النساء: 96] لما سلف منهن من تركهن إدناءهن الجلابيب عليهن {رحيما} [النساء: 16] بهن أن يعاقبهن بعد توبتهن بإدناء الجلابيب عليهن 19P183
[الأحزاب: 60_61] القول في تأويل قوله تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} [الأحزاب: 60_61] يقول تعالى ذكره: لئن لم ينته أهل النفاق، الذين يستسرون الكفر، ويظهرون الإيمان {والذين في قلوبهم مرض} [الأنفال: 49] يعني: ريبة من شهوة الزنا وحب الفجور وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو بن علي، قال: ثنا أبو عبد الصمد، قال: ثنا مالك بن دينار، عن عكرمة، في قوله: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض} [الأحزاب: 60] قال: «هم الزناة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {والذين في قلوبهم مرض} [الأنفال: 49] قال: شهوة الزنا " قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا أبو صالح التمار، قال: سمعت عكرمة في قوله: {في قلوبهم مرض} [البقرة: 10] قال: «شهوة الزنا» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عمن حدثه عن أبي صالح {والذين في قلوبهم مرض} [الأنفال: 49] قال: «الزناة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض } [الأحزاب: 60] . . . الآية، قال: " هؤلاء صنف من المنافقين {والذين في قلوبهم مرض} [الأنفال: 49] أصحاب الزنا، قال: أهل الزنا من أهل النفاق الذين يطلبون النساء فيبتغون الزنا. وقرأ: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه 19P185 مرض} [الأحزاب: 32] قال: والمنافقون أصناف عشرة في براءة، قال: فالذين في قلوبهم مرض، صنف منهم مرض من أمر النساء " وقوله: {والمرجفون في المدينة} [الأحزاب: 60] يقول: وأهل الإرجاف في المدينة بالكذب والباطل وكان إرجافهم فيما ذكر كالذي: حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة} [الأحزاب: 60] . . . . الآية، " الإرجاف: الكذب الذي كان نافقه أهل النفاق، وكانوا يقولون: أتاكم عدد وعدة وذكر لنا أن المنافقين أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق، فأوعدهم الله بهذه الآية، قوله: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض} [الأحزاب: 60] . . . . الآية؛ فلما أوعدهم الله بهذه الآية كتموا ذلك وأسروه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {والمرجفون في المدينة} [الأحزاب: 60] «هم أهل النفاق أيضا الذين يرجفون برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين» وقوله: {لنغرينك بهم} [الأحزاب: 60] يقول: لنسلطنك عليهم ولنحرشنك بهم " وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {لنغرينك بهم} [الأحزاب: 60] يقول: «لنسلطنك عليهم» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لنغرينك بهم} [الأحزاب: 60] «أي لنحملنك عليهم لنحرشنك بهم» قوله: {ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا} [الأحزاب: 60] يقول: ثم لننفينهم عن مدينتك فلا يسكنون معك فيها إلا قليلا من المدة والأجل، حتى تنفيهم عنها، فنخرجهم منها كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا} [الأحزاب: 60] «أي بالمدينة» وقوله: {ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا} [الأحزاب: 61] يقول تعالى ذكره: مطرودين منفيين {أينما ثقفوا} [الأحزاب: 61] يقول: حيثما لقوا من الأرض أخذوا وقتلوا لكفرهم بالله تقتيلا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ملعونين} [الأحزاب: 61] «على كل حال» {أينما ثقفوا} [الأحزاب: 61] أخذوا {وقتلوا تقتيلا} [الأحزاب: 61] «إذا هم أظهروا النفاق» ونصب قوله: {ملعونين} [الأحزاب: 61] على الشتم، وقد يجوز أن يكون القليل من صفة الملعونين، فيكون قوله ملعونين مردودا على القليل، فيكون معناه: ثم لا يجاورونك فيها إلا أقلاء ملعونين يقتلون حيث أصيبوا 19P186
[الأحزاب: 62] القول في تأويل قوله تعالى: {سنة الله في الذين خلوا ...} [الأحزاب: 62] من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا يقول تعالى ذكره: {سنة الله في الذين خلوا} [الأحزاب: 38] من قبل هؤلاء المنافقين الذين في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم معه من ضرباء هؤلاء المنافقين، إذا هم أظهروا نفاقهم أن يقتلهم تقتيلا، ويلعنهم لعنا كثيرا وبنحو الذي قولنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {سنة الله في الذين خلوا من قبل} [الأحزاب: 38] . . . الآية، يقول: «هكذا سنة الله فيهم إذا أظهروا النفاق» وقوله: {ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الأحزاب: 62] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولن تجد يا محمد لسنة الله التي سنها في خلقه تغييرا، فأيقن أنه غير مغير في هؤلاء المنافقين سنته 19P187 [الأحزاب: 63] القول في تأويل قوله تعالى: {يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا} [الأحزاب: 63] يقول تعالى ذكره: يسألك الناس يا محمد عن الساعة متى هي قائمة؟ قل لهم: إنما علم الساعة {عند الله} [البقرة: 79] لا يعلم وقت قيامها غيره {وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا} [الأحزاب: 63] يقول: وما أشعرك يا محمد لعل قيام الساعة يكون 19P188 منك قريبا، قد قرب وقت قيامها، ودنا حين مجيئها 19P187 [الأحزاب: 64_65] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا} [الأحزاب: 64_65] يقول تعالى ذكره: إن الله أبعد الكافرين به من كل خير، وأقصاهم عنه {وأعد لهم سعيرا} [الأحزاب: 64] يقول: وأعد لهم في الآخرة نارا تتقد وتتسعر ليصليهموها {خالدين فيها أبدا} [النساء: 57] يقول: ماكثين في السعير أبدا، إلى غير نهاية {لا يجدون وليا} [الأحزاب: 65] يتولاهم، فيستنقذهم من السعير التي أصلاهموها الله {ولا نصيرا} [النساء: 89] ينصرهم، فينجيهم من عقاب الله إياهم 19P188 [الأحزاب: 66] القول في تأويل قوله تعالى: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا} [الأحزاب: 66] يقول تعالى ذكره: لا يجد هؤلاء الكافرون وليا ولا نصيرا في يوم تقلب وجوههم في النار حالا بعد حال {يقولون} [البقرة: 79] وتلك حالهم في النار: {يا ليتنا أطعنا الله} [الأحزاب: 66] في الدنيا وأطعنا رسوله، فيما جاءنا به عنه من أمره ونهيه، فكنا مع أهل الجنة في الجنة، يا لها حسرة وندامة، ما أعظمها وأجلها 19P188 [الأحزاب: 67_68] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} [الأحزاب: 67_68] يقول تعالى ذكره: وقال الكافرون يوم القيامة في جهنم: ربنا إنا أطعنا أئمتنا في الضلالة وكبراءنا في الشرك {فأضلونا السبيلا} [الأحزاب: 67] يقول: فأزالونا عن 19P189 محجة الحق، وطريق الهدى، والإيمان بك، والإقرار بوحدانيتك، وإخلاص طاعتك في الدنيا {ربنا آتهم ضعفين من العذاب} [الأحزاب: 68] يقول: عذبهم من العذاب مثل عذابنا الذي تعذبنا {والعنهم لعنا كبيرا} [الأحزاب: 68] يقول: واخزهم. خزيا كبيرا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} [الأحزاب: 67] «أي رءوسنا في الشر والشرك» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} [الأحزاب: 67] قال: " هم رءوس الأمم الذين أضلوهم، قال: سادتنا وكبراؤنا واحد " وقرأت عامة قراء الأمصار: {سادتنا} [الأحزاب: 67] وروي عن الحسن البصري: (ساداتنا) على الجماع، والتوحيد في ذلك هي القراءة عندنا، لإجماع الحجة من القراء عليه واختلفوا في قراءة قوله: {لعنا كبيرا} [الأحزاب: 68] فقرأت ذلك عامة قراء الأمصار بالثاء: كثيرا من الكثرة، سوى عاصم، فإنه قرأه {لعنا كبيرا} [الأحزاب: 68] من 19P190 الكبر والقراءة في ذلك عندنا بالثاء لإجماع الحجة من القراء عليها 19P189
[الأحزاب: 69] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها} [الأحزاب: 69] يقول تعالى ذكره لأصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تؤذوا رسول الله بقول يكرهه منكم، ولا بفعل لا يحبه منكم، ولا تكونوا أمثال الذين آذوا موسى نبي الله، فرموه بعيب كذبا وباطلا {فبرأه الله مما قالوا} [الأحزاب: 69] فيه من الكذب والزور بما أظهر من البرهان على كذبهم {وكان عند الله وجيها} [الأحزاب: 69] يقول: وكان موسى عند الله مشفعا فيما يسأل، ذا وجه ومنزلة عنده بطاعته إياه ثم اختلف أهل التأويل في الأذى الذي أوذي به موسى الذي ذكره الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: رموه بأنه آدر وروى بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرا ذكر الرواية التي رويت عنه ومن قال ذلك: حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، وعبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، في قوله: {لا تكونوا كالذين آذوا موسى} [الأحزاب: 69] قال: " قال له قومه: إنك آدر، قال: فخرج ذات يوم يغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، وخرج يتبعها عريانا حتى انتهت به إلى مجالس بني إسرائيل، قال: فرأوه ليس بآدر، قال: فذلك قوله 19P191 : {فبرأه الله مما قالوا} [الأحزاب: 69] حدثني يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن جابر، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {لا تكونوا كالذين آذوا موسى} [الأحزاب: 69] قال: " قالوا: هو آدر "، قال: " فذهب موسى يغتسل، فوضع ثيابه على حجر، فمر الحجر بثيابه، فتبع موسى قفاه، فقال: ثيابي حجر، فمر بمجلس بني إسرائيل، فرأوه، فبرأه الله مما قالوا " {وكان عند الله وجيها} [الأحزاب: 69] حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى} [الأحزاب: 69] . . . إلى {وجيها} [آل عمران: 45] قال: " كان أذاهم موسى أنهم قالوا: والله ما يمنع موسى أن يضع ثيابه عندنا إلا أنه آدر، فآذى ذلك موسى؛ فبينما هو ذات يوم يغتسل وثوبه على صخرة؛ فلما قضى موسى غسله وذهب إلى ثوبه ليأخذه، انطلقت الصخرة تسعى بثوبه، وانطلق يسعى في إثرها حتى مرت على مجلس بني إسرائيل وهو يطلبها؛ فلما رأوا موسى صلى الله عليه وسلم متجردا لا ثوب عليه، قالوا: ولله ما نرى بموسى بأسا، وإنه لبريء مما كنا نقول له، فقال الله: {فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها} [الأحزاب: 69] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى} [الأحزاب: 69] . . .
الآية، قال: " كان موسى رجلا شديد 19P192 المحافظة على فرجه وثيابه، قال: فكانوا يقولون: ما يحمله على ذلك إلا عيب في فرجه يكره أن يرى؛ فقام يوما يغتسل في الصحراء، فوضع ثيابه على صخرة، فاشتدت بثيابه، قال: وجاء يطلبها عريانا، حتى اطلع عليهم عريانا، فرأوه بريئا مما قالوا، وكان عند الله وجيها قال: والوجيه في كلام العرب: المحب المقبول " وقال آخرون: بل وصفوه بأنه أبرص ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: " قال بنو إسرائيل: إن موسى آدر؛ وقالت طائفة: هو أبرص من شدة تستره، وكان يأتي كل يوم عينا، فيغتسل ويضع ثيابه على صخرة عندها، فعدت الصخرة بثيابه حتى انتهت إلى مجلس بني إسرائيل، وجاء موسى يطلبها؛ فلما رأوه عريانا ليس به شيء مما قالوا، لبس ثيابه ثم أقبل على الصخرة يضربها بعصاه، فأثرت العصا في الصخرة " حدثنا بحر بن حبيب بن عربي، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا عوف، عن محمد، عن أبي هريرة في هذه الآية {لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا} [الأحزاب: 69] . . . الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن موسى كان رجلا حييا ستيرا، لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، وقالوا: ما تستر هذا التستر إلا من عيب في جلده، إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله 19P193 أراد أن يبرئه مما قالوا، وإن موسى خلا يوما وحده، فوضع ثيابه على حجر، ثم اغتسل؛ فلما فرغ من غسله أقبل على ثوبه ليأخذه، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصا وطلب الحجر، وجعل يقول: ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملإ من بني إسرائيل، فرأوه عريانا كأحسن الناس خلقا، وبرأه الله مما قالوا، وإن الحجر قام، فأخذ ثوبه ولبسه، فطفق بالحجر ضربا بذلك، فوالله إن في الحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان موسى رجلا حييا ستيرا» ثم ذكر نحوا منه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: حدث الحسن، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن بني إسرائيل كانوا يغتسلون وهم عراة، وكان نبي الله موسى حييا، فكان يتستر إذا اغتسل، فطعنوا فيه بعورة» ، قال: " فبينا نبي الله يغتسل يوما، إذ وضع ثيابه على صخرة، فانطلقت الصخرة وأتبعها نبي الله ضربا بعصاه: ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر، حتى انتهت إلى ملإ من بني إسرائيل، أو توسطهم، فقامت، فأخذ نبي الله 19P194 ثيابه، فنظروا إلى أحسن الناس خلقا، وأعدله مروءة، فقال الملأ: قاتل الله أفاكي بني إسرائيل، فكانت براءته التي برأه الله منها " وقال آخرون: بل كان أذاهم إياه ادعاءهم عليه قتل هارون أخيه ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن مسلم الطوسي، قال: ثنا عباد، قال: ثنا سفيان بن حبيب، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في قول الله: {لا تكونوا كالذين آذوا موسى} [الأحزاب: 69] . . .