Taberî — Câmiü'l-Beyân
[البقرة: 126] القول في تأويل قوله تعالى: {وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} [البقرة: 126] وهذه مسألة من إبراهيم ربه أن يرزق مؤمني أهل مكة من الثمرات دون كافريهم. وخص بمسألة ذلك للمؤمنين دون الكافرين لما أعلمه الله عند مسألته إياه أن يجعل من ذريته أئمة يقتدى بهم أن منهم الكافر الذي لا ينال عهده، والظالم الذي لا يدرك ولايته. فلما أعلم أن من ذريته الظالم والكافر، خص بمسألته ربه أن يرزق من الثمرات من سكان مكة المؤمن منهم دون الكافر، وقال الله له: إني قد أجبت دعاءك، وسأرزق مع مؤمني أهل هذا البلد كافرهم، فأمتعه به قليلا. وأما «من» في قوله: {من آمن منهم بالله واليوم الآخر} [البقرة: 126] فإنه نصب على الترجمة والبيان عن الأهل، كما قال تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} [البقرة: 217] بمعنى: يسألونك عن قتال، في الشهر الحرام، وكما قال تعالى ذكره: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] بمعنى: ولله حج البيت على من استطاع إليه سبيلا. وإنما سأل إبراهيم ربه ما سأل من ذلك؛ لأنه حل بواد غير ذي زرع ولا ماء ولا أهل، فسأل أن يرزق أهله ثمرا، وأن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، فذكر أن إبراهيم لما سأل ذلك ربه نقل الله الطائف من فلسطين حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق بن الحجاج، قال: ثنا هشام، قال: قرأت على محمد بن مسلم " أن إبراهيم، لما دعا للحرم {وارزق أهله من الثمرات} [البقرة: 126] نقل الله الطائف من فلسطين " 02P544 [البقرة: 126] القول في تأويل قوله تعالى: {قال ومن كفر فأمتعه قليلا} [البقرة: 126] اختلف أهل التأويل في قائل هذا القول وفي وجه قراءته، فقال بعضهم: قائل 02P545 هذا القول ربنا تعالى ذكره، وتأويله على قولهم: {قال ومن كفر فأمتعه قليلا} [البقرة: 126] برزقي من الثمرات في الدنيا إلى أن يأتيه أجله. وقرأ قائل هذه المقالة ذلك: {فأمتعه قليلا} [البقرة: 126] بتشديد التاء ورفع العين ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: حدثني أبو العالية، عن أبي بن كعب: " في قوله: {ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار} [البقرة: 126] قال: هو قول الرب تعالى ذكره " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: " لما قال إبراهيم: {رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} [البقرة: 126] وعدل الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية، انقطاعا إلى الله ومحبة وفراقا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته حين عرف أنه كان منهم ظالم لا ينال عهده، بخبره عن ذلك حين أخبره فقال الله: {ومن كفر} [البقرة: 126] فإني أرزق البر والفاجر {فأمتعه قليلا} [البقرة: 126] " وقال آخرون: بل قال ذلك إبراهيم خليل الرحمن على وجه المسألة منه ربه أن يرزق الكافر أيضا من الثمرات بالبلد الحرام، مثل الذي يرزق به المؤمن ويمتعه بذلك قليلا، ثم أضطره إلى عذاب النار بتخفيف التاء وجزم العين وفتح الراء من اضطره، وفصل ثم اضطره بغير قطع ألفها، على وجه الدعاء من إبراهيم ربه لهم والمسألة ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: قال أبو العالية: كان ابن عباس يقول: «ذلك قول إبراهيم يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا» حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن ليث، عن مجاهد: " {ومن كفر فأمتعه قليلا} [البقرة: 126] يقول: ومن كفر فأرزقه أيضا ثم أضطره إلى عذاب النار " والصواب من القراءة في ذلك عندنا والتأويل، ما قاله أبي بن كعب وقراءته، لقيام الحجة بالنقل المستفيض دراية بتصويب ذلك، وشذوذ ما خالفه من القراءة. وغير جائز الاعتراض بمن كان جائزا عليه في نقله الخطأ والسهو، على من كان ذلك غير جائز عليه في نقله. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: قال الله: يا إبراهيم قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم متاعا لهم إلى بلوغ آجالهم، ثم أضطر كفارهم بعد ذلك إلى النار. وأما قوله: {فأمتعه قليلا} [البقرة: 126] يعني: فأجعل ما أرزقه من ذلك في حياته متاعا يتمتع به إلى وقت مماته. وإنما قلنا إن ذلك كذلك؛ لأن الله تعالى ذكره إنما قال ذلك لإبراهيم جوابا لمسألته ما سأل من رزق الثمرات لمؤمني أهل مكة، فكان معلوما بذلك أن الجواب إنما هو فيما سأله إبراهيم لا في غيره. وبالذي قلنا في ذلك قال مجاهد، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه. وقال بعضهم: تأويله: فأمتعه بالبقاء في الدنيا. وقال غيره: فأمتعه قليلا في كفره ما أقام بمكة، حتى أبعث محمدا صلى الله عليه وسلم فيقتله إن أقام على كفره أو يجليه عنها. وذلك وإن كان وجها يحتمله الكلام فإن دليل ظاهر الكلام على خلافه لما وصفنا 02P547
[البقرة: 126] القول في تأويل قوله تعالى: {ثم أضطره إلى عذاب النار} [البقرة: 126] يعني تعالى ذكره بقوله: {ثم أضطره إلى عذاب النار} [البقرة: 126] ثم أدفعه إلى عذاب النار وأسوقه إليها، كما قال تعالى ذكره: {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا} [الطور: 13] ومعنى الاضطرار: الإكراه، يقال: اضطررت فلانا إلى هذا الأمر: إذا ألجأته إليه وحملته عليه. فذلك معنى قوله: {ثم أضطره إلى عذاب النار} [البقرة: 126] أدفعه إليها، وأسوقه سحبا وجرا على وجهه 02P547 [البقرة: 126] القول في تأويل قوله تعالى: {وبئس المصير} [البقرة: 126] 02P548 قد دللنا على أن «بئس» أصله بئس من البؤس، سكن ثانيه ونقلت حركة ثانيه إلى أوله، كما قيل للكبد كبد، وما أشبه ذلك. ومعنى الكلام: وساء المصير عذاب النار، بعد الذي كانوا فيه من متاع الدنيا الذي متعتهم فيها. وأما المصير فإنه مفعل من قول القائل: صرت مصيرا صالحا، وهو الموضع الذي يصير إليه الكافر بالله من عذاب النار 02P547
[البقرة: 127] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] يعني تعالى ذكره بقوله: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} [البقرة: 127] واذكروا إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت. والقواعد جمع قاعدة، يقال للواحدة من قواعد البيت قاعدة، وللواحدة من قواعد النساء وعجائزهن قاعد، فتلغى هاء التأنيث؛ لأنها فاعل من قول القائل: قعدت عن الحيض، ولا حظ فيه للذكورة، كما يقال: امرأة طاهر وطامث؛ لأنه لا حظ في ذلك للذكور. ولو عنى به القعود الذي هو خلاف القيام لقيل قاعدة، ولم يجز حينئذ إسقاط هاء التأنيث. وقواعد البيت: إساسه. ثم اختلف أهل التأويل في القواعد التي رفعها إبراهيم وإسماعيل من البيت، أهما أحدثا ذلك، أم هي قواعد كانت له قبلهما؟ فقال قوم: هي قواعد بيت كان بناه آدم أبو البشر بأمر الله إياه بذلك، ثم درس مكانه وتعفى أثره بعده حتى بوأه الله إبراهيم عليه السلام، فبناه ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء ، قال: " قال آدم: يا رب إني لا أسمع أصوات الملائكة. قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض وابن لي بيتا، ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، وطور زيتا، وطور سينا، وجبل لبنان، والجودي، وكان ربضه من حراء؛ فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم بعد " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من 02P550 البيت} [البقرة: 127] قال: القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك " وقال آخرون: بل هي قواعد بيت كان الله أهبطه لآدم من السماء إلى الأرض، يطوف به كما كان يطوف بعرشه في السماء، ثم رفعه إلى السماء أيام الطوفان، فرفع إبراهيم قواعد ذلك البيت ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن عمرو، قال: " لما أهبط الله آدم من الجنة، قال: إني مهبط معك أو منزل معك بيتا يطاف حوله، كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده، كما يصلى عند عرشي. فلما كان زمن الطوفان رفع، فكانت الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه، حتى بوأه الله إبراهيم وأعلمه مكانه، فبناه من خمسة أجبل: من حراء، وثبير، ولبنان، وجبل الطور، وجبل الخمر " 02P551 حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا إسماعيل ابن علية قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: " لما أهبط آدم، ثم ذكر نحوه حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن سوار، عن عطاء بن أبي رباح، قال: " لما أهبط الله آدم من الجنة كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها، فخفضه إلى الأرض؛ فلما فقد ما كان يسمع منهم، استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته، فوجه إلى مكة، فكان موضع قدمه قرية وخطوه مفازة، حتى انتهى إلى مكة. وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم فبناه، فذلك قول الله: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} [الحج: 26] " حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: " وضع الله البيت مع آدم حين أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى 02P552 ستين ذراعا.
فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم فشكا ذلك إلى الله تعالى، فقال الله: يا آدم إني قد أهبت إليك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي. فانطلق إليه آدم فخرج، ومد له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفاوز بعد ذلك، فأتى آدم البيت وطاف به ومن بعده من الأنبياء " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبان: «أن البيت، أهبط ياقوتة واحدة أو درة واحدة، حتى إذا أغرق الله قوم نوح رفعه وبقي أساسه، فبوأه الله لإبراهيم، فبناه بعد ذلك» وقال آخرون: بل كان موضع البيت ربوة حمراء كهيئة القبة. وذلك أن الله لما أراد خلق الأرض علا الماء زبدة حمراء أو بيضاء، وذلك في موضع البيت الحرام، ثم دحا الأرض من تحتها، فلم يزل ذلك كذلك حتى بوأه الله إبراهيم، فبناه على أساسه. وقالوا: على أركان أربعة في الأرض السابعة ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال جرير بن حازم، حدثني حميد بن قيس، عن مجاهد، قال: «كان موضع البيت على الماء قبل 02P553 أن يخلق الله السماوات والأرض، مثل الزبدة البيضاء، ومن تحته دحيت الأرض» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء وعمرو بن دينار: " بعث الله رياحا فصفقت الماء، فأبرزت في موضع البيت عن حشفة كأنها القبة، فهذا البيت منها فلذلك هي أم القرى. قال ابن جريج: قال عطاء: ثم وتدها بالجبال كي لا تكفأ بميد، فكان أول جبل أبو قبيس " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «وضع البيت على أركان الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن هارون بن عنترة، عن عطاء بن أبي رباح، قال: " وجدوا بمكة حجرا مكتوبا عليه: «إني أنا الله ذو بكة بنيته يوم 02P554 صنعت الشمس والقمر، وحففته بسبعة أملاك حفا» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي يحيى، عن مجاهد، وغيره، من أهل العلم: " أن الله لما بوأ إبراهيم مكان البيت، خرج إليه من الشام، وخرج معه بإسماعيل وأمه هاجر، وإسماعيل طفل صغير يرضع، وحملوا - فيما حدثني - على البراق ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم. فخرج وخرج معه جبريل، فقال: كان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضه. حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عضاه سلم وسمر يربها أناس يقال لهم العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل: أههنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم. فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا، فقال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} [إبراهيم: 37] إلى قوله: {لعلهم يشكرون} [إبراهيم: 37] " قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: " ويزعمون والله أعلم أن ملكا من الملائكة أتى هاجر أم إسماعيل، حين أنزلهما إبراهيم مكة قبل 02P555 أن يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، فأشار لهما إلى البيت، وهو ربوة حمراء مدرة، فقال لهما: هذا أول بيت وضع في الأرض، وهو بيت الله العتيق، واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل هما يرفعانه.
فالله أعلم " حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا هشام بن حسان، قال: أخبرني حميد، عن مجاهد، قال: «خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، قال: أخبرني بشر بن عاصم، عن ابن المسيب، قال: حدثنا كعب: " أن البيت، كان غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين سنة، ومنه دحيت الأرض، قال: وحدثنا عن علي بن أبي طالب أن إبراهيم أقبل من أرمينية معه السكينة، تدله على تبوء البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتها، قال: فرفعت عن أحجار تطيقه أو لا تطيقه ثلاثون رجلا، قال: قلت يا أبا محمد، فإن الله يقول: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت} [البقرة: 127] ، قال: كان ذاك بعد " 02P556 والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن إبراهيم خليله أنه وابنه إسماعيل رفعا القواعد من البيت الحرام. وجائز أن يكون ذلك قواعد بيت كان أهبطه مع آدم، فجعله مكان البيت الحرام الذي بمكة. وجائز أن يكون ذلك كان القبة التي ذكرها عطاء مما أنشأه الله من زبد الماء. وجائز أن يكون كان ياقوتة أو درة أهبطا من السماء. وجائز أن يكون كان آدم بناه ثم انهدم حتى رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل. ولا علم عندنا بأي ذلك كان من أي؛ لأن حقيقة ذلك لا تدرك إلا بخبر عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بالنقل المستفيض، ولا خبر بذلك تقوم به الحجة فيجب التسليم لها، ولا هو إذ لم يكن به خبر على ما وصفنا مما يدل عليه بالاستدلال والمقاييس فيمثل بغيره، ويستنبط علمه من جهة الاجتهاد، فلا قول في ذلك هو أولى بالصواب ما قلنا. والله تعالى أعلم 02P555
[البقرة: 127] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا تقبل منا} [البقرة: 127] يعني تعالى ذكره بذلك: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} [البقرة: 127] يقولان: {ربنا تقبل منا} [البقرة: 127] وذكر أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود، وهو قول جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن 02P557 السدي، قال: " يبنيان وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى بها إبراهيم ربه، قال: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: 128] {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} [البقرة: 129] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن كثير، قال: ثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} [البقرة: 127] قال: هما يرفعان القواعد من البيت، ويقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] ، قال: وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته والشيخ يبني " فتأويل الآية على هذا القول: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل قائلين: ربنا تقبل منا. وقال آخرون: بل قائل ذلك كان إسماعيل. فتأويل الآية على هذا القول: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت، وإذ يقول إسماعيل: ربنا تقبل منا. فيصير حينئذ إسماعيل مرفوعا بالجملة التي بعده، ويقول حينئذ خبر له دون إبراهيم ثم اختلف أهل التأويل في الذي رفع القواعد بعد إجماعهم على أن إبراهيم كان ممن رفعها، فقال بعضهم: رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن 02P558 السدي: " {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين} [البقرة: 125] ، قال: فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحا يقال لها ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية. فكنست لهما ما حول الكعبة، وعن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس؛ فذلك حين يقول: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} [الحج: 26] فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني اطلب لي حجرا حسنا أضعه ههنا، قال : يا أبت إني كسلان تعب، قال: علي بذلك. فانطلق فطلب له حجرا فجاءه بحجر، فلم يرضه، فقال: ائتني بحجر أحسن من هذا. فانطلق فطلب له حجرا؛ وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبت من جاء بهذا؟ فقال: من هو أنشط منك. فبنياه " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن عبد الله بن عتبة، عن عبيد بن عمير الليثي، قال: «بلغني أن إبراهيم، 02P559 وإسماعيل هما رفعا قواعد البيت» وقال آخرون: بل رفع قواعد البيت إبراهيم، وكان إسماعيل يناوله الحجارة ذكر من قال ذلك حدثنا أحمد بن ثابت الرازي، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، يزيد أحدهما على الآخر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " جاء إبراهيم وإسماعيل يبري نبلا قريبا من زمزم. فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم، قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا.
وأشار إلى الكعبة، والكعبة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، قال: فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] حتى دور حول البيت " حدثنا ابن بشار القزاز، قال: ثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي، قال: ثنا إبراهيم بن نافع، قال: سمعت كثير بن كثير، يحدث عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " جاء يعني إبراهيم فوجد إسماعيل يصلح نبلا من وراء زمزم، 02P560 قال إبراهيم: يا إسماعيل إن الله ربك قد أمرني أن أبني له بيتا . فقال له إسماعيل: فأطع ربك فيما أمرك. فقال له إبراهيم: قد أمرك أن تعينني عليه، قال: إذا أفعل، قال: فقام معه، فجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] فلما ارتفع البنيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة، قام على حجر فهو مقام إبراهيم؛ فجعل يناوله ويقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] " وقال آخرون: بل الذي رفع قواعد البيت إبراهيم وحده وإسماعيل يومئذ طفل صغير ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي، قال: " لما أمر إبراهيم ببناء البيت، خرج معه إسماعيل وهاجر، قال: فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلمه، فقال: يا إبراهيم ابن على ظلي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص. فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر، فقالت 02P561 هاجر: يا إبراهيم إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله. قالت: انطلق فإنه لا يضيعنا، قال: فعطش إسماعيل عطشا شديدا، قال: فصعدت هاجر الصفا فنظرت فلم تر شيئا، ثم أتت المروة فنظرت فلم تر شيئا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئا، حتى فعلت ذلك سبع مرات، فقالت: يا إسماعيل مت حيث لا أراك. فأتته وهو يفحص برجله من العطش. فناداها جبريل، فقال لها: من أنت؟ فقالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم، قال: إلى من وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى الله، قال: وكلكما إلى كاف، قال: ففحص الأرض بأصبعه فنبعت زمزم، فجعلت تحبس الماء. فقال: دعيه فإنها رواء " حدثنا عبادة، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة: أن رجلا، قام إلى علي فقال: ألا تخبرني عن البيت؟ أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال: " لا، ولكن هو أول بيت وضع في البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا، وإن شئت أنبأتك كيف بني، إن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا في الأرض، قال: فضاق إبراهيم بذلك ذرعا، فأرسل الله السكينة وهي ريح خجوج، ولها رأسان، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة، فتطوت على موضع البيت 02P562 كتطوي الحجفة، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة. فبنى إبراهيم وبقي حجر، فذهب الغلام يبغي شيئا، فقال إبراهيم: لا، ابغ حجرا كما آمرك، قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجرا، فأتاه فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه، فقال: يا أبت من أتاك بهذا الحجر؟ قال: أتاني به من لم يتكل على بنائك جاء به جبريل من السماء، فأتماه " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن سماك، سمعت خالد بن عرعرة يحدث عن علي بنحوه حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص كلهم عن سماك، عن خالد بن عرعرة، عن علي بنحوه فمن قال: رفع القواعد إبراهيم وإسماعيل، أو قال: رفعها إبراهيم وكان إسماعيل يناوله الحجارة. فالصواب في قوله أن يكون المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل، ويكون الكلام حينئذ: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} [البقرة: 127] يقولان: {ربنا تقبل منا} [البقرة: 127] .
02P563 وقد كان يحتمل على هذا التأويل أن يكون المضمر من القول لإسماعيل خاصة دون إبراهيم، ولإبراهيم خاصة دون إسماعيل؛ لولا ما عليه عامة أهل التأويل من أن المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل جميعا. وأما على التأويل الذي روي عن علي أن إبراهيم هو الذي رفع القواعد دون إسماعيل، فلا يجوز أن يكون المضمر من القول عند ذلك إلا لإسماعيل خاصة. والصواب من القول عندنا في ذلك أن المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل، وأن قواعد البيت رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا؛ وذلك أن إبراهيم وإسماعيل إن كانا هما بنياها ورفعاها فهو ما قلنا، وإن كان إبراهيم تفرد ببنائها، وكان إسماعيل يناوله، فهما أيضا رفعاها؛ لأن رفعها كان بهما من أحدهما البناء ومن الآخر نقل الحجارة إليها ومعونة وضع الأحجار مواضعها. ولا تمتنع العرب من نسبة البناء إلى من كان بسببه البناء ومعونته. وإنما قلنا ما قلنا من ذلك لإجماع جميع أهل التأويل على أن إسماعيل معني بالخبر الذي أخبر الله عنه وعن أبيه أنهما كانا يقولانه، وذلك قولهما: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] فمعلوم أن إسماعيل لم يكن ليقول ذلك إلا وهو إما رجل كامل، وإما غلام قد فهم مواضع الضر من النفع، ولزمته فرائض الله وأحكامه. وإذا كان في حال بناء أبيه، ما أمره الله ببنائه ورفعه قواعد بيت الله 02P564 كذلك، فمعلوم أنه لم يكن تاركا معونة أبيه، إما على البناء، وإما على نقل الحجارة. وأي ذلك كان منه فقد دخل في معنى من رفع قواعد البيت، وثبت أن القول المضمر خبر عنه وعن والده إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فتأويل الكلام: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} [البقرة: 127] يقولان: ربنا تقبل منا عملنا وطاعتنا إياك وعبادتنا لك في انتهائنا إلى أمرك الذي أمرتنا به في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنائه إنك أنت السميع العليم. وفي إخبار الله تعالى ذكره أنهما رفعا القواعد من البيت وهما يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] دليل واضح على أن بناءهما ذلك لم يكن مسكنا يسكنانه ولا منزلا ينزلانه، بل هو دليل على أنهما بنياه ورفعا قواعده لكل من أراد أن يعبد الله تقربا منهما إلى الله بذلك؛ ولذلك قالا: {ربنا تقبل منا} [البقرة: 127] . ولو كانا بنياه مسكنا لأنفسهما لم يكن لقولهما: {تقبل منا} [البقرة: 127] وجه مفهوم، لأنه كانا يكونان لو كان الأمر كذلك سائلين أن يتقبل منهما ما لا قربة فيه إليه، وليس موضعهما مسألة الله قبول ما لا قربة إليه فيه 02P561
[البقرة: 127] القول في تأويل قوله تعالى: {إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] وتأويل قوله: {إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] إنك أنت السميع دعاءنا ومسألتنا إياك قبول ما سألناك قبوله منا من طاعتك في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنائه؛ العليم بما في ضمائر نفوسنا من الإذعان لك في الطاعة والمصير إلى ما فيه لك 02P565 الرضا والمحبة، وما نبدي ونخفي من أعمالنا كما حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني ابن كثير، قال: ثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] يقول: تقبل منا إنك سميع الدعاء " 02P565 [البقرة: 128] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم} [البقرة: 128] وهذا أيضا خبر من الله تعالى ذكره عن إبراهيم وإسماعيل أنهما كانا يرفعان القواعد من البيت وهما يقولان: {ربنا واجعلنا مسلمين لك} [البقرة: 128] يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدا سواك، ولا في العبادة غيرك. وقد دللنا فيما مضى على أن معنى الإسلام الخضوع لله بالطاعة وأما قوله: {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: 128] فإنهما خصا بذلك بعض الذرية؛ لأن الله تعالى ذكره قد كان أعلم إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم قبل مسألته هذه أن من ذريته من لا ينال عهده لظلمه وفجوره، فخصا بالدعوة بعض ذريتهما. وقد قيل إنهما عنيا بذلك العرب ذكر من قال ذلك حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن 02P566 السدي: " {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: 128] يعنيان العرب " وهذا قول يدل ظاهر الكتاب على خلافه؛ لأن ظاهره يدل على أنهما دعوا الله أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته والمستجيبين لأمره، وقد كان في ولد إبراهيم العرب وغير العرب، والمستجيب لأمر الله والخاضع له بالطاعة من الفريقين؛ فلا وجه لقول من قال: عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقا من ولده بأعيانهم دون غيرهم إلا التحكم الذي لا يعجز عنه أحد. وأما الأمة في هذا الموضع، فإنه يعني بها الجماعة من الناس، من قول الله: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق} [الأعراف: 159] 02P565
[البقرة: 128] القول في تأويل قوله تعالى: {وأرنا مناسكنا} [البقرة: 128] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: {وأرنا مناسكنا} [البقرة: 128] بمعنى رؤية العين، أي أظهرها لأعيننا حتى نراها. وذلك قراءة عامة أهل الحجاز والكوفة، وكان بعض من يوجه تأويل ذلك إلى هذا التأويل يسكن الراء من «أرنا» ، غير أنه يشمها كسرة. واختلف قائل هذه المقالة وقراء هذه القراءة في تأويل قوله: {مناسكنا} [البقرة: 128] فقال بعضهم: هي مناسك الحج ومعالمه ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {وأرنا مناسكنا،} [البقرة: 128] فأراهما الله مناسكهما الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والإفاضة من عرفات، والإفاضة من جمع، ورمي الجمار، حتى أكمل الله الدين أو دينه " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " في قوله: {وأرنا مناسكنا} [البقرة: 128] ، قال: أرنا نسكنا، وحجنا، " حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بنيان البيت أمره الله أن ينادي، فقال: {وأذن في الناس بالحج} [الحج: 27] فنادى بين أخشبي مكة: يا أيها الناس إن الله يأمركم أن تحجوا بيته، قال: فوقرت في قلب كل مؤمن، فأجابه كل من سمعه من جبل أو شجر أو دابة: لبيك لبيك. فأجابوه بالتلبية: لبيك اللهم لبيك. وأتاه من أتاه. فأمره الله أن يخرج إلى عرفات ونعتها فخرج؛ فلما بلغ الشجرة عند العقبة استقبله الشيطان، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، فطار فوقع على الجمرة الثانية أيضا، فصده فرماه وكبر، فطار فوقع على الجمرة الثالثة، فرماه وكبر. فلما رأى أنه 02P568 لا يطيقه، ولم يدر إبراهيم أين يذهب، انطلق حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر إليه فلم يعرفه جاز فلذلك سمي ذا المجاز. ثم انطلق حتى وقع بعرفات، فلما نظر إليها عرف النعت، قال: قد عرفت، فسميت عرفات، فوقف إبراهيم بعرفات، حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع، فسميت المزدلفة، فوقف بجمع، ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أول مرة فرماه بسبع حصيات سبع مرات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج وأمره. وذلك قوله: {وأرنا مناسكنا} [البقرة: 128] " وقال آخرون ممن قرأ هذه القراءة: المناسك المذابح. فكان تأويل هذه الآية على قول من قال ذلك: وأرنا كيف ننسك لك يا ربنا نسائكنا فنذبحها لك ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء: " {وأرنا مناسكنا،} [البقرة: 128] قال: ذبحنا " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: مذابحنا حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير، يقول: " {وأرنا مناسكنا،} [البقرة: 128] ، قال: أرنا مذابحنا، " وقال آخرون: (وأرنا مناسكنا) بتسكين الراء. وزعموا أن معنى ذلك: وعلمنا ودلنا عليها، لا أن معناها أرناها بالأبصار. وزعموا أن ذلك نظير قول حطائط بن يعفر أخي الأسود بن يعفر: [+البحر الطويل] أريني جوادا مات هزلا لأنني أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا يعني بقوله أريني: دليني عليه وعرفيني مكانه، ولم يعن به رؤية العين. وهذه قراءة رويت عن بعض المتقدمين ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء: " {وأرنا مناسكنا} [البقرة: 128] أخرجها لنا، علمناها " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: " لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: فعلت أي رب فأرنا مناسكنا، أبرزها لنا، علمناها.
فبعث الله جبريل فحج به « 02P570 والقول واحد، فمن كسر الراء جعل علامة الجزم سقوط الياء التي في قول القائل أرنيه، وأقر الراء مكسورة كما كانت قبل الجزم. ومن سكن الراء من» أرنا " توهم أن أعراب الحرف في الراء فسكنها في الجزم كما فعلوا ذلك في لم يكن ولم يك. وسواء كان ذلك من رؤية العين ، أو من رؤية القلب. ولا معنى لفرق من فرق بين رؤية العين في ذلك ورؤية القلب. وأما المناسك فإنها جمع منسك، وهو الموضع الذي ينسك لله فيه، ويتقرب إليه فيه بما يرضيه من عمل صالح إما بذبح ذبيحة له، وإما بصلاة أو طواف أو سعي، وغير ذلك من الأعمال الصالحة؛ ولذلك قيل لمشاعر الحج مناسكه، لأنها أمارات وعلامات يعتادها الناس، ويترددون إليها وأصل المنسك في كلام العرب: الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه، يقال: لفلان منسك، وذلك إذا كان له موضع يعتاده لخير أو شر؛ ولذلك سميت المناسك مناسك، لأنها تعتاد ويتردد إليها بالحج والعمرة، وبالأعمال التي يتقرب بها إلى الله وقد قيل: إن معنى النسك: عبادة الله، وأن الناسك إنما سمي ناسكا بعبادة ربه، فتأول قائل هذه المقالة قوله: {وأرنا مناسكنا} [البقرة: 128] وعلمنا عبادتك كيف نعبدك، وأين نعبدك، وما يرضيك عنا فنفعله. وهذا القول وإن كان مذهبا يحتمله الكلام، فإن الغالب على معنى المناسك ما وصفنا قبل من أنها مناسك الحج التي 02P571 ذكرنا معناها. وخرج هذا الكلام من قول إبراهيم وإسماعيل على وجه المسألة منهما ربهما لأنفسهما، وإنما ذلك منهما مسألة ربهما لأنفسهما وذريتهما المسلمين، فلما ضما ذريتهما المسلمين إلى أنفسهما صارا كالمخبرين عن أنفسهم بذلك. وإنما قلنا إن ذلك كذلك لتقدم الدعاء منهما للمسلمين من ذريتهما قبل في أول الآية، وتأخره بعد في الآية الأخرىفأما الذي في أول الآية فقولهما: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: 128] . ثم جمعا أنفسهما والأمة المسلمة من ذريتهما في مسألتهما ربهما أن يريهم مناسكهم فقالا: {وأرنا مناسكنا} [البقرة: 128] . وأما التي في الآية التي بعدها: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} [البقرة: 129] فجعلا المسألة لذريتهما خاصة. وقد ذكر أنها في قراءة ابن مسعود: «وأرهم مناسكهم» يعني بذلك: وأر ذريتنا المسلمة مناسكهم
[البقرة: 128] القول في تأويل قوله تعالى: {وتب علينا} [البقرة: 128] أما التوبة فأصلها الأوبة من مكروه إلى محبوب، فتوبة العبد إلى ربه: أوبته مما يكرهه الله منه بالندم عليه والإقلاع عنه ، والعزم على ترك العود فيه. وتوبة الرب على عبده: عوده عليه بالعفو له عن جرمه والصفع له عن عقوبة ذنبه، مغفرة له منه، وتفضلا عليه فإن قال لنا قائل: وهل كان لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة؟ قيل: إنه ليس أحد من خلق الله إلا وله من العمل فيما بينه وبين ربه ما يجب عليه الإنابة منه والتوبة. فجائز أن يكون ما كان من قبلهما ما قالا من ذلك، وإنما خصا به الحال التي كانا عليها من رفع قواعد البيت، لأن ذلك كان أحرى الأماكن أن يستجيب الله فيها دعاءهما، وليجعلا ما فعلا من ذلك سنة يقتدى بها بعدهما، وتتخذ الناس تلك البقعة بعدهما موضع تنصل من الذنوب إلى الله. وجائز أن يكونا عنيا بقولهما: {وتب علينا} [البقرة: 128] وتب على الظلمة من أولادنا وذريتنا، الذين أعلمتنا أمرهم من ظلمهم وشركهم، حتى ينيبوا إلى طاعتك. فيكون ظاهر الكلام على الدعاء لأنفسهما، والمعني به ذريتهما، كما يقال: أكرمني فلان في ولدي وأهلي، وبرني فلان: إذا بر ولده وأما قوله: {إنك أنت التواب الرحيم} [البقرة: 128] فإنه يعني به: إنك أنت العائد على عبادك بالفضل والمتفضل عليهم بالعفو والغفران، الرحيم بهم، المستنقذ من تشاء منهم برحمتك من هلكته، المنجي من تريد نجاته منهم برأفتك من سخطك 02P572 [البقرة: 129] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} [البقرة: 129] وهذه دعوة إبراهيم وإسماعيل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وهي الدعوة التي كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى» حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن ثور بن 02P573 يزيد، عن خالد بن معدان الكلاعي: أن نفرا، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال؛ «نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى صلى الله عليه وسلم» حدثني عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا أبو كريب، عن أبي مريم، عن سعيد بن سويد، عن العرباض بن سارية السلمي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إني عند الله في أم الكتاب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسوف أنبئكم بتأويل ذلك: أنا دعوة أبي عيسى قومه ورؤيا أمي " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني معاوية، وحدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، قال: حدثني أبي، قال: ثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح قالا جميعا، عن سعيد بن سويد، عن 02P574 عبد الله بن هلال السلمي، عن عرباض بن سارية السلمي، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن سعيد بن سويد، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن عرباض بن سارية أنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول؛ فذكر نحوه وبالذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} [البقرة: 129] ففعل الله ذلك، فبعث فيهم رسولا من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد " حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} [البقرة: 129] هو محمد صلى الله عليه وسلم " حدثنا عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} [البقرة: 129] هو محمد صلى الله عليه وسلم، فقيل له: قد استجيب ذلك، وهو في آخر الزمان " ويعني تعالى ذكره بقوله: {يتلو عليهم آياتك} [البقرة: 129] يقرأ عليهم كتابك الذي توحيه إليه 02P575
[البقرة: 129] القول في تأويل قوله تعالى: {ويعلمهم الكتاب والحكمة} [البقرة: 129] ويعني بالكتاب القرآن. وقد بينت فيما مضى لم سمي القرآن كتابا وما تأويله. وهو قول جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {ويعلمهم الكتاب} [البقرة: 129] القرآن " ثم اختلف أهل التأويل في معنى الحكمة التي ذكرها الله في هذا الموضع، 02P576 فقال بعضهم: هي السنة ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " {والحكمة} [البقرة: 129] : أي السنة " وقال بعضهم: الحكمة هي المعرفة بالدين والفقه فيه ذكر من قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: «المعرفة بالدين، والفقه في الدين، والاتباع له» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {والحكمة} [البقرة: 129] ، قال: الحكمة: الدين الذي لا يعرفونه إلا به صلى الله عليه وسلم يعلمهم إياها، قال: والحكمة: العقل في الدين؛ وقرأ: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} [البقرة: 269] . وقال لعيسى: {ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} [آل عمران: 48] . قال: وقرأ ابن زيد: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} [الأعراف: 175] . قال: لم ينتفع بالآيات حيث لم 02P577 تكن معها حكمة، قال: والحكمة شيء يجعله الله في القلب ينور له به " والصواب من القول عندنا في الحكمة، أنها العلم بأحكام الله التي لا يدرك علمها إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم والمعرفة بها، وما دل عليه ذلك من نظائره. وهو عندي مأخوذ من الحكم الذي بمعنى الفصل بين الحق والباطل بمنزلة الجلسة والقعدة من الجلوس والقعود، يقال منه: إن فلانا لحكيم بين الحكمة، يعني به أنه لبين الإصابة في القول والفعل. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم، وفصل قضائك، وأحكامك التي تعلمه إياها 02P576 [البقرة: 129] القول في تأويل قوله تعالى: {ويزكيهم} [البقرة: 129] قد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى التزكية: التطهير، وأن معنى الزكاة: النماء والزيادة. فمعنى قوله: {ويزكيهم} [البقرة: 129] في هذا الموضع: ويطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان وينميهم ويكثرهم بطاعة الله كما حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {يتلو عليهم آياتك ويزكيهم} ، قال: يعني بالزكاة، طاعة الله والإخلاص " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: " 02P578 قوله: {ويزكيهم} [البقرة: 129] ، قال: يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه " 02P577 [البقرة: 129] القول في تأويل قوله تعالى: {إنك أنت العزيز الحكيم} [البقرة: 129] يعني تعالى ذكره بذلك: إنك يا رب أنت العزيز القوي الذي لا يعجزه شيء أراده، فافعل بنا وبذريتنا ما سألناه وطلبناه منك. والحكيم: الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل، فأعطنا ما ينفعنا وينفع ذريتنا، ولا ينقصك ولا ينقص خزائنك 02P578
[البقرة: 130] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [البقرة: 130] يعني تعالى ذكره بقوله: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} [البقرة: 130] وأي الناس يزهد في ملة إبراهيم ويتركها رغبة عنها إلى غيرها. وإنما عنى الله بذلك اليهود والنصارى لاختيارهم ما اختاروا من اليهودية والنصرانية على الإسلام؛ لأن ملة إبراهيم هي الحنيفية المسلمة، كما قال تعالى ذكره: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما} [آل عمران: 67] فقال تعالى ذكره لهم: ومن يزهد عن ملة إبراهيم الحنيفية المسلمة إلا من سفه نفسه كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {ومن يرغب عن ملة، إبراهيم إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130] رغب عن ملته اليهود والنصارى، واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم يعني الإسلام حنيفا، كذلك بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بملة إبراهيم " حدثنا عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " في قوله: {ومن يرغب عن ملة، إبراهيم إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130] ، قال: رغبت اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم وابتدعوا اليهودية والنصرانية وليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم الإسلام " 02P579 [البقرة: 130] القول في تأويل قوله تعالى: {إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130] يعني تعالى ذكره بقوله : {إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130] إلا من سفهت نفسه، وقد بينا فيما مضى أن معنى السفه: الجهل. فمعنى الكلام: وما يرغب عن ملة إبراهيم الحنيفية إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها ويضرها في معادها كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130] ، قال: إلا من أخطأ حظه " وإنما نصب النفس على معنى المفسر؛ ذلك أن السفه في الأصل للنفس، فلما نقل إلى من نصبت النفس بمعنى التفسير، كما يقال: هو أوسعكم دارا، فتدخل الدار في الكلام على أن السعة فيه لا في الرجل. فكذلك النفس أدخلت، لأن السفه للنفس لا لمن؛ ولذلك لم يجز أن يقال سفه أخوك، وإنما جاز أن يفسر بالنفس وهي مضافة إلى معرفة لأنها في تأويل نكرة. وقال بعض نحويي البصرة: إن قوله: {سفه نفسه} [البقرة: 130] جرت مجرى سفه إذا كان الفعل غير متعد. وإنما عداه إلى نفسه ورأيه وأشباه ذلك مما هو في المعنى نحو سفه، إذا هو لم يتعد. فأما غبن وخسر فقد يتعدى إلى غيره، يقال: غبن خمسين، وخسر خمسين 02P580 [البقرة: 130] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد اصطفيناه في الدنيا} [البقرة: 130] يعني تعالى ذكره بقوله: {ولقد اصطفيناه في الدنيا} [البقرة: 130] ولقد اصطفينا إبراهيم، والهاء التي في قوله: {اصطفيناه} [البقرة: 130] من ذكر إبراهيم والاصطفاء: الافتعال من الصفوة، وكذلك اصطفينا افتعلنا منه، صيرت تاؤها طاء لقرب مخرجها من مخرج الصاد ويعني بقوله: {اصطفيناه} [البقرة: 130] اخترناه واجتبيناه للخلة، ونصيره في الدنيا لمن بعده إماما. وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خالف إبراهيم فيما سن لمن بعده فهو لله مخالف، وإعلام منه خلقه أن من خالف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو لإبراهيم مخالف؛ وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أنه اصطفاه لخلته، وجعله للناس إماما، وأخبر أن دينه كان الحنيفية المسلمة. ففي ذلك أوضح البيان من الله تعالى ذكره عن أن من خالفه فهو لله عدو لمخالفته الإمام الذي نصبه الله لعباده 02P580 [البقرة: 130] القول في تأويل قوله تعالى: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [البقرة: 130] يعني تعالى ذكره بقوله: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [البقرة: 130] وإن إبراهيم في الدار الآخرة لمن الصالحين. والصالح من بني آدم هو المؤدي حقوق الله عليه. فأخبر تعالى ذكره عن إبراهيم خليله أنه في الدنيا له صفي، وفي الآخرة ولي، وإنه وارد موارد أوليائه الموفين بعهده 02P580
[البقرة: 131] القول في تأويل قوله تعالى: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب 02P581 العالمين} [البقرة: 131] يعني تعالى ذكره بقوله: {إذ قال له ربه أسلم} [البقرة: 131] إذ قال له ربه: أخلص لي العبادة، واخضع لي بالطاعة، وقد دللنا فيما مضى على معنى الإسلام في كلام العرب، فأغنى عن إعادته صلى الله عليه وسلم وأما معنى قوله: {قال أسلمت لرب العالمين} [البقرة: 131] فإنه يعني تعالى ذكره: قال إبراهيم مجيبا لربه: خضعت بالطاعة، وأخلصت بالعبادة لمالك جميع الخلائق ومدبرها دون غيره. فإن قال قائل: قد علمت أن إذ وقت فما الذي وقت به، وما الذي صلته؟ قيل: هو صلة لقوله: {ولقد اصطفيناه في الدنيا} [البقرة: 130] . وتأويل الكلام: ولقد اصطفيناه في الدنيا حين قال له ربه أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين. فأظهر اسم الله في قوله: {إذ قال له ربه أسلم} [البقرة: 131] على وجه الخبر عن غائب، وقد جرى ذكره قيل على وجه الخبر عن نفسه، كما قال خفاف بن ندبة: [+البحر الطويل] أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا إنني أنا ذالكا فإن قال لنا قائل: وهل دعا الله إبراهيم إلى الإسلام؟ قيل له: نعم، قد دعاه إليه. فإن قال: وفي أي حال دعاه إليه؟ قيل: حين قال: {يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} وذلك هو الوقت الذي قال له ربه أسلم من بعد ما امتحنه بالكواكب والقمر والشمس 02P582 [البقرة: 132] القول في تأويل قوله تعالى: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] يعني تعالى ذكره بقوله: {ووصى بها} [البقرة: 132] ووصى بهذه الكلمة؛ أعني بالكلمة قوله: {أسلمت لرب العالمين} [البقرة: 131] وهي الإسلام الذي أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو إخلاص العبادة والتوحيد لله، وخضوع القلب والجوارح له ويعني بقوله: {ووصى بها إبراهيم بنيه} [البقرة: 132] عهد إليهم بذلك وأمرهم به وأما قوله: {ويعقوب} [البقرة: 132] فإنه يعني: ووصى بذلك أيضا يعقوب بنيه كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} [البقرة: 132] يقول: ووصى بها يعقوب بنيه بعد إبراهيم " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {ووصى بها إبراهيم بنيه} [البقرة: 132] وصاهم بالإسلام، ووصى يعقوب بمثل ذلك " 02P583 وقال بعضهم: قوله: {ووصى بها إبراهيم بنيه} [البقرة: 132] خبر منقض، وقوله: {ويعقوب} [البقرة: 132] خبر مبتدأ، فإنه، قال: ووصى بها إبراهيم بنيه بأن يقولوا: أسلمنا لرب العالمين، ووصى يعقوب بنيه أن: {يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] . ولا معنى لقول من قال ذلك؛ ولأن الذي أوصى به يعقوب بنيه نظير الذي أوصى به إبراهيم بنيه من الحث على طاعة الله والخضوع له والإسلام. فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أن معناه: ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب أن يا بني، فما بال أن محذوفة من الكلام؟ قيل: لأن الوصية قول فحملت على معناها، وذلك أن ذلك لو جاء بلفظ القول لم تحسن معه أن، وإنما كان يقال: وقال إبراهيم لبنيه ويعقوب: {يا بني} [البقرة: 132] ، فلما كانت الوصية قولا حملت على معناها دون قولها، فحذفت أن التي تحسن معها، كما قال تعالى ذكره: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] وكما قال الشاعر: [+البحر الرجز] إني سأبدي لك فيما أبدي لي شجنان شجن بنجد وشجن لي ببلاد السند 02P584 فحذفت أن إذ كان الإبداء باللسان في المعنى قولا، فحمله على معناه دون لفظه. وقد قال بعض أهل العربية: إنما حذفت أن من قوله: {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} [البقرة: 132] باكتفاء النداء، يعني بالنداء قوله: يا بني، وزعم أن علته في ذلك أن من شأن العرب الاكتفاء بالأدوات عن أن كقولهم: ناديت هل قمت؟ وناديت أين زيد؟ قال: وربما أدخلوها مع الأدوات فقالوا: ناديت أن هل قمت؟ وقد قرأ عهد إليهم عهدا بعد عهد، وأوصى وصية بعد وصية 02P582
[البقرة: 132] القول في تأويل قوله تعالى: {يا بني إن الله اصطفى لكم الدين} [البقرة: 132] يعني تعالى ذكره بقوله: {إن الله اصطفى لكم الدين} [البقرة: 132] إن الله اختار لكم هذا الدين الذي عهد إليكم فيه واجتباه لكم. وإنما أدخل الألف واللام في «الدين» ، لأن الذين خوطبوا من ولدهما وبنيهما بذلك كانوا قد عرفوه بوصيتهما إياهم به ووصيتهما إليهم فيه، ثم قالا لهم بعد أن عرفاهموه: إن الله اصطفى لكم هذا الدين الذي قد عهد إليكم فيه، فاتقوا الله أن تموتوا إلا وأنتم عليه 02P584 [البقرة: 132] القول في تأويل قوله تعالى: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] إن قال لنا قائل: أو إلى بني آدم الموت والحياة فينهى أحدهم أن يموت إلا على حالة دون حالة؟ 02P585 قيل له: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ظننت، وإنما معناه: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] أي فلا تفارقوا هذا الدين وهو الإسلام أيام حياتكم؛ وذلك أن أحدا لا يدري متى تأتيه منيته، فلذلك قالا لهم: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132] لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مناياكم من ليل أو نهار، فلا تفارقوا الإسلام فتأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم فتموتوا وربكم ساخط عليكم فتهلكوا 02P584 [البقرة: 133] القول في تأويل قوله تعالى: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب إلاها واحدا ونحن له مسلمون} [البقرة: 133] 02P585 يعني تعالى ذكره بقوله: {أم كنتم شهداء} [البقرة: 133] أكنتم، ولكنه استفهم ب أم إذ كان استفهاما مستأنفا على كلام قد سبقه، كما قيل: {الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه} [السجدة: 2] ، وكذلك تفعل العرب في كل استفهام ابتدأته بعد كلام قد سبقه تستفهم فيه ب (أم) ، والشهداء جمع شهيد كما الشركاء جمع شريك، والخصماء جمع خصيم. وتأويل الكلام: أكنتم يا معشر اليهود والنصارى المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم، الجاحدين نبوته، حضور يعقوب وشهوده إذ حضره الموت، أي أنكم لم تحضروا ذلك. فلا تدعوا على أنبيائي ورسلي الأباطيل، وتنحلوهم اليهودية والنصرانية، فإني ابتعثت خليلي إبراهيم وولده إسحاق وإسماعيل وذريتهم بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصوا بنيهم وبه عهدوا إلى أولادهم من بعدهم، فلو حضرتموهم فسمعتم منهم علمتم أنهم على غير ما تنحلوهم من الأديان والملل من بعدهم. وهذه آيات نزلت تكذيبا من الله تعالى لليهود والنصارى في دعواهم في إبراهيم وولده يعقوب أنهم كانوا على ملتهم، فقال لهم في هذه الآية: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت} [البقرة: 133] فتعلموا ما قال لولده وقال له ولده. ثم أعلمهم ما قال لهم وما قالوا له. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " قوله: {أم كنتم شهداء} [البقرة: 133] يعني أهل الكتاب " 02P586
[البقرة: 133] القول في تأويل قوله تعالى: {إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آباءك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} [البقرة: 133] يعني تعالى ذكره بقوله: {إذ قال لبنيه} [البقرة: 133] إذ قال يعقوب لبنيه. وإذ هذه مكررة إبدالا من إذ الأولى بمعنى: أم كنتم شهداء يعقوب إذ قال يعقوب لبنيه حين حضور موته. ومعني بقوله: {ما تعبدون من بعدي} [البقرة: 133] أي شيء تعبدون من بعدي، أي من بعد وفاتي. {قالوا نعبد إلهك} [البقرة: 133] يعني به: قال بنوه له: نعبد معبودك الذي تعبده، ومعبود آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا، أي نخلص له العبادة ونوحد له الربوبية فلا نشرك به شيئا ولا نتخذ دونه ربا. ويعني بقوله: {ونحن له مسلمون} [البقرة: 133] ونحن له خاضعون بالعبودية والطاعة. ويحتمل قوله: {ونحن له مسلمون} [البقرة: 133] أن تكون بمعنى الحال، كأنهم قالوا: نعبد إلهك مسلمين له بطاعتنا وعبادتنا إياه. ويحتمل أن يكون خبرا مستأنفا، فيكون بمعنى: نعبد إلهك بعدك، ونحن له الآن وفي كل حال مسلمون. وأحسن هذين الوجهين في تأويل ذلك أن يكون بمعنى الحال، وأن يكون بمعنى: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق مسلمين لعبادته. وقيل: إنما قدم ذكر إسماعيل على إسحاق لأن إسماعيل كان أسن من إسحاق ذكر من قال ذلك حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} ، قال: يقال بدأ بإسماعيل لأنه أكبر " وقرأ بعض المتقدمين: وإله أبيك إبراهيم ظنا منه أن إسماعيل إذ كان عما ليعقوب، فلا يجوز أن يكون فيمن ترجم به عن الآباء وداخلا في عدادهم. وذلك من قارئه كذلك قلة علم منه بمجاري كلام العرب. والعرب لا تمتنع من أن تجعل الأعمام بمعنى الآباء، والأخوال بمعنى الأمهات، فلذلك دخل إسماعيل فيمن ترجم به عن الآباء. وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ترجمة عن الآباء في موضع جر، ولكنهم نصبوا بأنهم لا يجرون. والصواب من القراءة عندنا في ذلك: {وإله آبائك} [البقرة: 133] لإجماع القراء على تصويب ذلك وشذوذ من خالفه من القراء ممن قرأ خلاف ذلك، ونصب قوله إلها على الحال من قوله إلهك 02P588 [البقرة: 134] القول في تأويل قوله تعالى: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} [البقرة: 134] يعني تعالى ذكره بقوله: {تلك أمة قد خلت} [البقرة: 134] إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وولدهم. يقول لليهود والنصارى: يا معشر اليهود والنصارى دعوا ذكر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والمسلمين من أولادهم بغير ما هم أهله ولا تنحلوهم كفر اليهودية والنصرانية فتضيفوها إليهم، فإنهم أمة ويعني بالأمة في هذا الموضع الجماعة، والقرن من الناس قد خلت: مضت لسبيلها. وإنما قيل للذي قد مات فذهب: قد خلا، لتخليه من الدنيا، وانفراده بما كان من الأنس بأهله وقرنائه في دنياه، وأصله من قولهم: خلا الرجل، إذا صار بالمكان الذي لا أنيس له فيه وانفرد من الناس، فاستعمل ذلك في الذي يموت على ذلك الوجه. ثم قال تعالى ذكره لليهود والنصارى: إن لمن نحلتموه بضلالكم وكفركم الذي أنتم عليه من أنبيائي ورسلي ما كسبت. والهاء والألف في قوله: {لها} [البقرة: 134] عائدة إن شئت على تلك، وإن شئت على الأمة ويعني بقوله: {لها ما كسبت} [البقرة: 134] أي ما عملت من خير، ولكم يا معشر اليهود والنصارى مثل ذلك ما عملتم. ولا تؤاخذون أنتم أيها الناحلون ما نحلتموهم من الملل، فسألوا عما كان إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وولدهم يعملون فيكسبون من خير وشر؛ لأن لكل نفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت. فدعوا انتحالهم وانتحال مللهم، فإن الدعاوى غير مغنيتكم عند الله، وإنما يغني عنكم عنده ما سلف لكم من صالح أعمالكم إن كنتم عملتموها وقدمتموها 02P589
[البقرة: 135] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [البقرة: 135] يعني تعالى ذكره بقوله: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} [البقرة: 135] وقالت اليهود لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المؤمنين: كونوا هودا تهتدوا، وقالت النصارى لهم: كونوا نصارى تهتدوا. تعني بقولها تهتدوا: أي تصيبوا طريق الحق كما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، جميعا، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: " قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله عز وجل فيهم: {وقالوا كونوا هودا أو 02P590 نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [البقرة: 135] " احتج الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ حجة وأوجزها وأكملها، وعلمها محمدا نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد قل للقائلين لك من اليهود والنصارى ولأصحابك: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، بل تعالوا نتبع ملة إبراهيم التي تجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه وأمر به، فإن دينه كان الحنيفية المسلمة، وندع سائر الملل التي نختلف فيها فينكرها بعضنا ويقر بها بعضنا، فإن ذلك على اختلافه لا سبيل لنا على الاجتماع عليه كما لنا السبيل إلا الاجتماع على ملة إبراهيم. وفي نصب قوله: {بل ملة إبراهيم} [البقرة: 135] أوجه ثلاثة: أحدها أن يوجه معنى قوله: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى} [البقرة: 135] إلى معنى: وقالوا اتبعوا اليهودية والنصرانية، لأنهم إذ قالوا: كونوا هودا أو نصارى إلى اليهودية والنصرانية دعوهم، ثم يعطف على ذلك المعنى بالملة، فيكون معنى الكلام حينئذ: قل يا محمد لا نتبع اليهودية والنصرانية، ولا نتخذها ملة، بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا، ثم يحذف نتبع الثانية، ويعطف بالملة على أعراب اليهودية والنصرانية. والآخر أن يكون نصبه بفعل مضمر بمعنى نتبع. والثالث أن يكون أريد: بل نكون أصحاب ملة إبراهيم، أو أهل ملة إبراهيم؛ ثم حذف الأهل والأصحاب، وأقيمت الملة مقامهم، إذ كانت مؤدية عن 02P591 معنى الكلام، كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] حسبت بغام راحلتي عناقا وما هي ويب غيرك بالعناق يعني صوت عناق، فتكون الملة حينئذ منصوبة عطفا في الإعراب على اليهود والنصارى. وقد يجوز أن يكون منصوبا على وجه الإغراء، باتباع ملة إبراهيم. وقرأ بعض القراء ذلك رفعا، فتأويله على قراءة من قرأ رفعا: بل الهدى ملة إبراهيم 02P589
[البقرة: 135] القول في تأويل قوله تعالى: {بل ملة إبراهيم حنيفا} [البقرة: 135] الملة: الدين. وأما الحنيف: فإنه المستقيم من كل شيء. وقد قيل: إن الرجل الذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى إنما قيل له أحنف نظرا له إلى السلامة، كما قيل للمهلكة من البلاد: المفازة، بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة؛ وكما قيل للديغ: السليم، تفاؤلا له بالسلامة من الهلاك، وما أشبه ذلك . فمعنى الكلام إذا: قل يا محمد بل نتبع ملة إبراهيم مستقيما. فيكون الحنيف حينئذ حالا من إبراهيم وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك، فقال بعضهم: الحنيف: الحاج. وقيل: إنما سمي دين إبراهيم الإسلام الحنيفية، لأنه أول إمام لزم العباد الذين كانوا في عصره والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة اتباعه في مناسك الحج، والائتمام به فيه. قالوا: فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته، فهو حنيف مسلم على دين إبراهيم ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا القاسم بن الفضل، عن كثير أبي سهل، قال: سألت الحسن عن الحنيفية، قال: «حج البيت» حدثني محمد بن عبادة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا فضيل، عن عطية: " في قوله: {حنيفا} [البقرة: 135] ، قال: الحنيف: الحاج " حدثني الحسين بن علي الصدائي، قال: ثنا أبي، عن الفضيل، عن عطية مثله حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، قال: " الحنيف: الحاج " حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن التيمي، عن كثير بن زياد، قال: سألت الحسن عن الحنيفية، قال: «هو حج هذا البيت» قال ابن التيمي: وأخبرني جويبر، عن الضحاك بن مزاحم مثله حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن مجاهد: " {حنفاء} [الحج: 31] ، قال: حجاجا " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " قوله: {حنيفا} [البقرة: 135] ، قال: حاجا " حدثنا عن وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن عبد الله بن القاسم، قال: " كان الناس من مضر يحجون البيت في الجاهلية يسمون حنفاء، فأنزل الله تعالى ذكره: {حنفاء لله غير مشركين به} [الحج: 31] " وقال آخرون: الحنيف: المتبع، كما وصفنا قبل من قول الذين قالوا: إن معناه الاستقامة ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {حنفاء} [الحج: 31] ، قال: متبعين " وقال آخرون: إنما سمي دين إبراهيم الحنيفية، لأنه أول إمام سن للعباد الختان، فاتبعه من بعده عليه. قالوا: فكل من اختتن على سبيل اختتان إبراهيم، فهو على ما كان عليه إبراهيم من الإسلام، فهو حنيف على ملة إبراهيم. 02P594 وقال آخرون: بل ملة إبراهيم حنيفا، بل ملة إبراهيم مخلصا، فالحنيفة على قولهم: المخلص دينه لله وحده ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {واتبع ملة إبراهيم حنيفا} [النساء: 125] يقول: مخلصا " وقال آخرون: بل الحنيفية الإسلام، فكل من ائتم بإبراهيم في ملته فاستقام عليها فهو حنيف. قال أبو جعفر: الحنيف عندي هو الاستقامة على دين إبراهيم واتباعه على ملته. وذلك أن الحنيفية لو كانت حج البيت لوجب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء، وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفا بقوله: {ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} [آل عمران: 67] فكذلك القول في الختان؛ لأن الحنيفية لو كانت هي الختان لوجب أن يكون اليهود حنفاء، وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما} [آل عمران: 67] .
فقد صح إذا أن الحنيفية ليست الختان وحده، ولا حج البيت وحده، ولكنه هو ما وصفنا من الاستقامة على ملة إبراهيم واتباعه عليها والائتمام به فيها. فإن قال قائل: فكيف أضيف الحنيفية إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم؟ قيل: إن كل من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفا متبعا طاعة الله، ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدا منهم إماما لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة، كالذي فعل من ذلك بإبراهيم، فجعله إماما فيما بينه من مناسك الحج والختان، وغير ذلك من شرائع الإسلام، تعبدا به أبدا إلى قيام الساعة، وجعل ما سن من ذلك علما مميزا بين مؤمني عباده وكفارهم والمطيع منهم له والعاصي، فسمي الحنيف من الناس حنيفا باتباعه ملته واستقامته على هديه ومنهاجه، وسمي الضال عن ملته بسائر أسماء الملل، فقيل: يهودي ونصراني ومجوسي، وغير ذلك من صنوف الملل وأما قوله: {وما كان من المشركين} [البقرة: 135] يقول: إنه لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان والأصنام. ولا كان من اليهود. ولا من النصارى، بل كان حنيفا مسلما 02P595