Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V20/P279–V20/P281

[غافر: 4_5] القول في تأويل قوله تعالى: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب} [غافر: 4_5] يقول تعالى ذكره: ما يخاصم في حجج الله وأدلته على وحدانيته بالإنكار لها، إلا الذين جحدوا توحيده وقوله: {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} [غافر: 4] يقول جل ثناؤه: فلا يخدعك يا محمد تصرفهم في البلاد وبقاؤهم ومكثهم فيها، مع كفرهم بربهم، 20P280 فتحسب أنهم إنما أمهلوا وتقلبوا، فتصرفوا في البلاد مع كفرهم بالله، ولم يعاجلوا بالنقمة والعذاب على كفرهم لأنهم على شيء من الحق فإنا لم نمهلهم لذلك، ولكن ليبلغ الكتاب أجله، ولتحق عليهم كلمة العذاب، عذاب ربك كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فلا يغررك تقلبهم في البلاد} [غافر: 4] «أسفارهم فيها، ومجيئهم وذهابهم» ثم قص على رسول الله صلى الله عليه وسلم قصص الأمم المكذبة رسلها، وأخبره أنهم كانوا من جدالهم لرسله على مثل الذي عليه قومه الذين أرسل إليهم، وإنه أحل بهم من نقمته عند بلوغهم أمدهم بعد إعذار رسله إليهم، وإنذارهم بأسه ما قد ذكر في كتابه إعلاما منه بذلك نبيه، أن سنته في قومه الذين سلكوا سبيل أولئك في تكذيبه وجداله سنته من إحلال نقمته بهم، وسطوته بهم، فقال تعالى ذكره: كذبت قبل قومك المكذبين لرسالتك إليهم رسولا، المجادليك بالباطل قوم نوح والأحزاب من بعدهم، وهم الأمم الذين تحزبوا وتجمعوا على رسلهم بالتكذيب لها، كعاد وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين وأشباههم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {كذبت 20P281 قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم} [غافر: 5] قال: الكفار " وقوله: {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه} [غافر: 5] يقول تعالى ذكره: وهمت كل أمة من هذه الأمم المكذبة رسلها، المتحزبة على أنبيائها، برسولهم الذي أرسل إليهم ليأخذوه فيقتلوه كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه} [غافر: 5] «أي ليقتلوه» وقيل برسولهم؛ وقد قيل: كل أمة، فوجهت الهاء والميم إلى الرجل دون لفظ الأمة، وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله «برسولها» ، يعني برسول الأمة وقوله: {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} [غافر: 5] يقول: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم إياه وخصومتهم له الحق الذي جاءهم به من عند الله، من الدخول في طاعته، والإقرار بتوحيده، والبراءة من عبادة ما سواه، كما يخاصمك كفار قومك يا محمد بالباطل وقوله: {فأخذتهم فكيف كان عقاب} [غافر: 5] يقول تعالى ذكره: 20P282 فأخذت الذين هموا برسولهم ليأخذوه بالعذاب من عندي، فكيف كان عقابي إياهم، ألم أهلكهم فأجعلهم للخلق عبرة، ولمن بعدهم عظة؟ وأجعل ديارهم ومساكنهم منهم خلاء، وللوحوش ثواء وقد: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فأخذتهم فكيف كان عقاب} [غافر: 5] قال: «شديد والله» 20P282

قسم V20/P281–V20/P285

[غافر: 6] القول في تأويل قوله تعالى: {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار} [غافر: 6] يقول تعالى ذكره: وكما حق على الأمم التي كذبت رسلها التي قصصت عليك يا محمد قصصها عذابي ، وحل بها عقابي بتكذيبهم رسلهم، وجدالهم إياهم بالباطل، ليدحضوا به الحق، كذلك وجبت كلمة ربك على الذين كفروا بالله من قومك، الذين يجادلون في آيات الله وقوله: {أنهم أصحاب النار} [غافر: 6] اختلف أهل العربية في موضع قوله {أنهم} [البقرة: 46] فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار: أي لأنهم، أو بأنهم، وليس أنهم في موضع مفعول ليس مثل قولك: أحققت أنهم لو كان كذلك كان أيضا 20P283 أحققت، لأنهم. وكان غيره يقول: أنهم بدل من الكلمة، كأنه أحقت الكلمة حقا أنهم أصحاب النار والصواب من القول في ذلك، أن قوله «أنهم» ترجمة عن الكلمة، بمعنى: وكذلك حق عليهم عذاب النار، الذي وعد الله أهل الكفر به 20P282 [غافر: 7] القول في تأويل قوله تعالى. {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم} [غافر: 7] يقول تعالى ذكره: الذين يحملون عرش الله من ملائكته، ومن حول عرشه، ممن يحف به من الملائكة {يسبحون بحمد ربهم} [الزمر: 75] يقول: يصلون لربهم بحمده وشكره {ويؤمنون به} [غافر: 7] يقول: ويقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويشهدون بذلك، لا يستكبرون عن عبادته {ويستغفرون للذين آمنوا} [غافر: 7] يقول: ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم من توحيد الله، والبراءة من كل معبود سواه ذنوبهم، فيعفوها عنهم كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويستغفرون للذين آمنوا} [غافر: 7] «لأهل لا أله إلا الله» وقوله: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} [غافر: 7] وفي هذا الكلام محذوف، وهو يقولون؛ ومعنى الكلام ويستغفرون للذين آمنوا يقولون: يا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ويعني بقوله: {وسعت كل شيء رحمة وعلما} [غافر: 7] وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك، فعلمت كل شيء، فلم يخف عليك شيء، ورحمت خلقك، ووسعتهم برحمتك وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب الرحمة والعلم، فقال بعض نحويي البصرة : انتصاب ذلك كانتصاب لك مثله عبدا، لأنك قد جعلت وسعت كل شيء، وهو مفعول له، والفاعل التاء، وجاء بالرحمة والعلم تفسيرا، وقد شغلت عنهما بالفعل كما شغلت المثل بالهاء، فلذلك نصبته تشبيها بالمفعول بعد الفاعل؛ وقال غيره: هو من المنقول، وهو مفسر، وسعت رحمته وعلمه، ووسع هو كل شيء رحمة، كما تقول: طابت به نفسي، وطبت به نفسا، وقال: أما لك مثله عبدا، فإن المقادير لا تكون إلا معلومة مثل عندي رطل زيتا، والمثل غير معلوم، ولكن لفظه لفظ المعرفة والعبد نكرة، فلذلك نصب العبد، وله أن يرفع، واستشهد لقيله ذلك بقول الشاعر: [+البحر الكامل] ما في معد والقبائل كلها قحطان مثلك واحد معدود وقال: رد الواحد على مثل لأنه نكرة، قال: ولو قلت: ما مثلك رجل، ومثلك رجل، ومثلك رجلا، جاز، لأن مثل يكون نكرة، وإن كان لفظها معرفة وقوله: {فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك} [غافر: 7] يقول: فاصفح عن جرم من تاب من الشرك بك من عبادك، فرجع إلى توحيدك، واتبع أمرك ونهيك كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فاغفر للذين 20P285 تابوا} [غافر: 7] «من الشرك» وقوله: {واتبعوا سبيلك} [غافر: 7] يقول: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه، ولزموا المنهاج الذي أمرتهم بلزومه، وذلك الدخول في الإسلام وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {واتبعوا سبيلك} [غافر: 7] أي طاعتك " وقوله: {وقهم عذاب الجحيم} [غافر: 7] يقول: واصرف عن الذين تابوا من الشرك، واتبعوا سبيلك عذاب النار يوم القيامة 20P285

قسم V20/P285–V20/P286

[غافر: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم} [غافر: 8] يقول تعالى ذكره مخبرا عن دعاء ملائكته لأهل الإيمان به من عباده، تقول: يا {ربنا وأدخلهم جنات عدن} [غافر: 8] يعني: بساتين إقامة {التي وعدتهم} [غافر: 8] يعني التي وعدت أهل الإنابة إلى طاعتك أن تدخلهموها {ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} [الرعد : 23] يقول: وأدخل مع هؤلاء الذين تابوا {واتبعوا سبيلك} [غافر: 7] جنات عدن من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، فعمل بما يرضيك عنه 20P286 من الأعمال الصالحة في الدنيا، وذكر أنه يدخل مع الرجل أبواه وولده وزوجته الجنة، وإن لم يكونوا عملوا عمله بفضل رحمة الله إياه كما: حدثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى بن يمان العجلي، قال: ثنا شريك، عن سعيد، قال: " يدخل الرجل الجنة، فيقول: أين أبي، أين أمي، أين ولدي، أين زوجتي، فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم، فيقال: أدخلوهم الجنة؛ ثم قرأ {جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} [غافر: 8] فمن إذن، إذ كان ذلك معناه، في موضع نصب عطفا على الهاء والميم في قوله {وأدخلهم} [غافر: 8] وجائز أن يكون نصبا على العطف على الهاء والميم في وعدتهم {إنك أنت العزيز الحكيم} [البقرة: 129] يقول: إنك أنت يا ربنا العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه 20P286 [غافر: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم} [غافر: 9] يقول تعالى ذكره بقوله مخبرا عن قيل ملائكته: وقهم: اصرف عنهم سوء عاقبة سيئاتهم التي كانوا أتوها قبل توبتهم وإنابتهم، يقولون: لا تؤاخذهم بذلك، فتعذبهم به {ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته} [غافر: 9] يقول: ومن 20P287 تصرف عنه سوء عاقبة سيئاته بذلك يوم القيامة، فقد رحمته، فنجيته من عذابك {وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111] لأنه من نجا من النار وأدخل الجنة فقد فاز، وذلك لا شك هو الفوز العظيم وبنحو الذي قلنا في معنى السيئات قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وقهم السيئات} [غافر: 9] «أي العذاب» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يعمر بن بشر، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة، عن مطرف، قال: " وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة وأغش العباد للعباد الشياطين، وتلا: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم} [غافر: 7] الآية حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال مطرف: «وجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشياطين، ووجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة» 20P287

قسم V20/P286–V20/P292

[غافر: 10_11] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر 20P288 من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل} [غافر: 10_11] يقول تعالى ذكره: إن الذين كفروا بالله ينادون في النار يوم القيامة إذا دخلوها، فمقتوا بدخولهموها أنفسهم حين عاينوا ما أعد الله لهم فيها من أنواع العذاب، فيقال لهم: لمقت الله إياكم أيها القوم في الدنيا، إذ تدعون فيها للإيمان بالله فتكفرون، أكبر من مقتكم اليوم أنفسكم لما حل بكم من سخط الله عليكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {لمقت الله أكبر} [غافر: 10] قال: «مقتوا أنفسهم حين رأوا أعمالهم، ومقت الله إياهم في الدنيا إذ يدعون إلى الإيمان فيكفرون أكبر» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم} [غافر: 10] أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون يقول: «لمقت الله أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا، فتركوه، وأبوا أن يقبلوا، أكبر مما مقتوا أنفسهم، حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم} [غافر: 10] «في النار» {إذ تدعون إلى الإيمان} [غافر: 10] «في الدنيا» {فتكفرون} [غافر: 10] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {ينادون لمقت الله} [غافر: 10] . . . الآية، قال: " لما دخلوا النار مقتوا أنفسهم في معاصي الله التي ارتكبوها، فنودوا: إن مقت الله إياكم حين دعاكم إلى الإسلام أشد من مقتكم أنفسكم اليوم حين دخلتم النار " واختلف أهل العربية في وجه دخول هذه اللام في قوله: {لمقت الله أكبر} [غافر: 10] فقال بعض أهل العربية من أهل البصرة: هي لام الابتداء، كأن ينادون يقال لهم، لأن في النداء قولا قال: ومثله في الإعراب يقال: لزيد أفضل من عمرو وقال بعض نحويي الكوفة: المعنى فيه: ينادون إن مقت الله إياكم، ولكن اللام تكفي من أن تقول في الكلام: ناديت أن زيدا قائم، قال: ومثله قوله: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} [يوسف: 35] اللام بمنزلة إن في كل كلام ضارع القول مثل ينادون ويخبرون، وأشباه ذلك وقال آخر غيره منهم: هذه لام اليمين، تدخل مع الحكاية، وما ضارع الحكاية لتدل على أن ما بعدها ائتناف قال: ولا يجوز في جوابات الإيمان أن تقوم مقام اليمين، لأن اللام كانت معها النون أولم تكن، فاكتفي بها من اليمين، لأنها لا تقع إلا معها وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: دخلت لتؤذن أن ما بعدها ائتناف وأنها لام اليمين وقوله: {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] قد أتينا عليه في سورة البقرة، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع ولكنا نذكر بعض ما قال بعضهم فيه: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] قال: «كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، فأحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان» وحدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] «هو قول الله» {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم 20P291 إليه ترجعون} [البقرة: 28] حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] قال: «هو كقوله» {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا } [البقرة: 28] الآية " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، في قوله: {أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] قال: " هي كالتي في البقرة {وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} [البقرة: 28] حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن أبي مالك، في هذه الآية {أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] قال: «خلقتنا ولم نكن شيئا ثم أمتنا، ثم أحييتنا» حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله: {أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] قالوا: «كانوا أمواتا فأحياهم الله، ثم أماتهم، ثم أحياهم» وقال آخرون فيه ما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] قال: «أميتوا في الدنيا، ثم أحيوا في قبورهم، فسئلوا أو خوطبوا، ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة» وقال آخرون في ذلك ما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] قال: «خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وقرأ» {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} [الأعراف: 172] فقرأ حتى بلغ {المبطلون} [الأعراف: 173] قال: " فنساهم الفعل، وأخذ عليهم الميثاق، قال: وانتزع ضلعا من أضلاع آدم القصرى، فخلق منه حواء، ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وذلك قول الله: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} [النساء: 1] قال: بث منهما بعد ذلك في الأرحام خلقا كثيرا، وقرأ: {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق} [الزمر: 6] قال: خلقا بعد ذلك، قال: فلما أخذ عليهم الميثاق أماتهم ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، فذلك قول الله: {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا} [غافر: 11] وقرأ قول الله: {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} [النساء: 154] قال: يومئذ، وقرأ قول الله: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} [المائدة: 7] وقوله: {فاعترفنا بذنوبنا} [غافر: 11] يقول: فأقررنا بما عملنا من الذنوب في 20P293 الدنيا {فهل إلى خروج من سبيل} [غافر: 11] يقول: فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، لنرجع إلى الدنيا، فنعمل غير الذي كنا نعمل فيها كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فهل إلى خروج من سبيل} [غافر: 11] «فهل إلى كرة إلى الدنيا» 20P293

قسم V20/P292–V20/P294

[غافر: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير} [غافر: 12] وفي هذا الكلام متروك استغنى بدلالة الظاهر من ذكره عليه؛ وهو: فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك هذا الذي لكم من العذاب أيها الكافرون {بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم} [غافر: 12] فأنكرتم أن تكون الألوهة له خالصة، وقلتم {أجعل الآلهة إلها واحدا} [ص: 5] {وإن يشرك به تؤمنوا} [غافر: 12] يقول: وإن يجعل لله شريك تصدقوا من جعل ذلك له {فالحكم لله العلي الكبير} [غافر: 12] يقول: فالقضاء لله العلي على كل شيء، الكبير الذي كل شيء دونه متصاغر له اليوم 20P293 [غافر: 13] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون} [غافر: 14] يقول تعالى ذكره: الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته وربوبيته {وينزل لكم من السماء رزقا} [غافر: 13] يقول ينزل لكم من أرزاقكم من 20P294 السماء بإدرار الغيث الذي يخرج به أقواتكم من الأرض، وغذاء أنعامكم عليكم {وما يتذكر إلا من ينيب} [غافر: 13] يقول: وما يتذكر حجج الله التي جعلها أدلة على وحدانيته، فيعتبر بها ويتعظ، ويعلم حقيقة ما تدل عليه، إلا من ينيب، يقول: إلا من يرجع إلى توحيده، ويقبل على طاعته كما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {إلا من ينيب} [غافر: 13] قال: «من يقبل إلى طاعة الله» وقوله: {فادعوا الله مخلصين له الدين} [غافر: 14] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به، فاعبدوا الله أيها المؤمنون له، مخلصين له الطاعة غير مشركين به شيئا مما دونه {ولو كره الكافرون} [التوبة: 32] يقول: ولو كره عبادتكم إياه مخلصين له الطاعة الكافرون المشركون في عبادتهم إياه الأوثان والأنداد 20P294

قسم V20/P294–V20/P297

[غافر: 15_16] القول في تأويل قوله تعالى: {رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} [غافر: 15_16] يقول تعالى ذكره: هو رفيع الدرجات؛ ورفع قوله: {رفيع الدرجات} [غافر: 15] على الابتداء؛ ولو جاء نصبا على الرد على قوله: فادعوا الله، كان صوابا. {ذو العرش} [غافر: 15] يقول: ذو السرير المحيط بما دونه وقوله: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} [غافر: 15] يقول: ينزل الوحي من أمره على من يشاء من عباده وقد اختلف أهل التأويل في معنى الروح في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به 20P295 الوحي ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يلقي الروح من أمره} [غافر: 15] قال: «الوحي من أمره» وقال آخرون: عني به القرآن والكتاب ذكر من قال ذلك: حدثني هارون بن إدريس الأصم، قال: ثنا عبد الرحمن بن المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} [غافر: 15] قال: " يعني بالروح: الكتاب ينزله على من يشاء " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} [غافر: 15] وقرأ: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] قال: «هذا القرآن هو الروح، أوحاه الله إلى جبريل، وجبريل روح نزل به على النبي صلى الله عليه وسلم» وقرأ: {نزل به الروح الأمين} [الشعراء: 193] «قال فالكتب التي أنزلها الله على أنبيائه هي الروح، لينذر بها ما قال الله يوم التلاق» {يوم يقوم الروح والملائكة صفا} [النبأ: 38] قال: " الروح: القرآن " كان أبي يقوله . قال ابن زيد: «يقومون له صفا بين السماء والأرض حين ينزل جل جلاله» وقال آخرون: عني به النبوة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قول الله: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} [غافر: 15] قال: «النبوة على من يشاء» وهذه الأقوال متقاربات المعاني، وإن اختلفت ألفاظ أصحابها بها وقوله: {لينذر يوم التلاق} [غافر: 15] يقول: لينذر من يلقى الروح عليه من عباده من أمر الله بإنذاره من خلقه عذاب يوم تلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، وهو يوم التلاق، وذلك يوم القيامة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {يوم التلاق} [غافر: 15] «من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذره عباده» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يوم التلاق} [غافر: 15] «يوم تلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، والخالق والخلق» حدثنا محمد، قال. ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {يوم التلاق} [غافر: 15] «تلتقي أهل السماء وأهل الأرض» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {يوم التلاق} [غافر: 15] قال: " يوم القيامة قال: يوم تتلاقى العباد " وقوله: {يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء} [غافر: 16] يعني بقوله {يوم هم بارزون} [غافر: 16] يعني المنذرين الذين أرسل الله إليهم رسله لينذروهم وهم ظاهرون يعني للناظرين لا يحول بينهم وبينهم جبل ولا شجر، ولا يستر بعضهم عن بعض ساتر، ولكنهم بقاع صفصف لا أمت فيه ولا عوج وهم من قوله: {يوم هم} [غافر: 16] في موضع رفع بما بعده، كقول القائل: فعلت ذلك يوم الحجاج أمير واختلف أهل العربية في العلة التي من أجلها لم تخفض هم بيوم وقد أضيف إليه؟

قسم V20/P297–V20/P298

فقال بعض نحويي البصرة: أضاف يوم إلى هم في المعنى، فلذلك لا ينون اليوم، كما قال: {يوم هم على النار يفتنون} [الذاريات: 13] وقال : {هذا يوم لا ينطقون} [المرسلات: 35] ومعناه: هذا يوم فتنتهم، ولكن لما ابتدأ بالاسم، وبنى عليه لم يقدر على جره، وكانت الإضافة في المعنى إلى الفتنة، وهذا إنما يكون إذا كان اليوم في معنى إذ، وإلا فهو قبيح؛ ألا ترى أنك تقول: ليتك زمن زيد أمير: أي إذ زيد أمير، ولو قلت: ألقاك زمن زيد أمير، لم يحسن وقال غيره: معنى ذلك: أن الأوقات جعلت بمعنى إذ وإذا، فلذلك بقيت على نصبها في الرفع والخفض والنصب، فقال: {ومن خزي يومئذ} [هود: 66] فنصبوا، والموضع خفض، وذلك دليل على أنه جعل موضع الأداة، ويجوز أن يعرب بوجوه الإعراب، لأنه ظهر ظهور الأسماء؛ ألا ترى أنه لا يعود عليه العائد كما يعود على الأسماء، فإن عاد العائد نون وأعرب ولم يضف، فقيل: أعجبني يوم فيه تقول، لما أن خرج من معنى الأداة، وعاد عليه الذكر صار اسما صحيحا وقال: وجائز في إذ أن تقول: أتيتك إذ تقوم، كما تقول: أتيتك يوم يجلس القاضي، فيكون زمنا معلوما، فأما أتيتك يوم تقوم فلا مؤنة فيه وهو جائز عند جميعهم، وقال: وهذه التي تسمى إضافة غير محضة والصواب من القول عندي في ذلك، أن نصب يوم وسائر الأزمنة في مثل هذا الموضع نظير نصب الأدوات لوقوعها مواقعها، وإذا أعربت بوجوه الإعراب، فلأنها ظهرت ظهور الأسماء، فعوملت معاملتها وقوله: {لا يخفى على الله منهم} [غافر: 16] أي ولا من 20P299 أعمالهم التي عملوها في الدنيا {شيء} [البقرة: 20] وكان قتادة يقول في ذلك ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء} [غافر: 16] «ولكنهم برزوا له يوم القيامة، فلا يستترون بجبل ولا مدر» وقوله: {لمن الملك اليوم} [غافر: 16] يعني بذلك: يقول الرب: لمن الملك اليوم؛ وترك ذكر يقول استغناء بدلالة الكلام عليه وقوله: {لله الواحد القهار} [إبراهيم: 48] وقد ذكرنا الرواية الواردة بذلك فيما مضى قبل؛ ومعنى الكلام: يقول الرب: لمن السلطان اليوم؟ وذلك يوم القيامة، فيجيب نفسه فيقول : {لله الواحد} [إبراهيم: 48] الذي لا مثل له ولا شبيه {القهار} [يوسف: 39] لكل شيء سواه بقدرته، الغالب بعزته

قسم V20/P298–V20/P299

[غافر: 17] القول في تأويل قوله تعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب} [غافر: 17] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيله يوم القيامة حين يبعث خلقه من قبورهم لموقف الحساب: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} [غافر: 17] يقول: اليوم يثاب كل عامل بعمله، فيوفى أجر عمله، فعامل الخير يجزى الخير، وعامل الشر يجزى جزاءه وقوله: {لا ظلم اليوم} [غافر: 17] يقول: لا بخس على أحد فيما استوجبه من أجر عمله في الدنيا، فينقص منه إن كان محسنا، ولا حمل على مسيء إثم ذنب لم 20P300 يعمله فيعاقب عليه {إن الله سريع الحساب} [آل عمران: 199] يقول: إن الله ذو سرعة في محاسبة عباده يومئذ على أعمالهم التي عملوها في الدنيا؛ ذكر أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الحنة، وأهل النار في النار، وقد فرغ من حسابهم، والقضاء بينهم 20P299

قسم V20/P299–V20/P303

[غافر: 18_19_20] القول في تأويل قوله تعالى: {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير} [غافر: 18_19_20] يقول تعالى ذكره لنبيه: وأنذر يا محمد مشركي قومك يوم الآزفة، يعني يوم القيامة، أن يوافوا الله فيه بأعمالهم الخبيثة، فيستحقوا من الله عقابه الأليم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {يوم الآزفة} [غافر: 18] قال: «يوم القيامة» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وأنذرهم يوم الآزفة} [غافر: 18] «يوم القيامة» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وأنذرهم يوم الآزفة} [غافر: 18] قال: «يوم القيامة» حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {وأنذرهم يوم الآزفة} [غافر: 18] قال: «يوم القيامة» وقرأ: {أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة} [النجم: 58] وقوله: {إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} [غافر: 18] يقول تعالى ذكره: إذ قلوب العباد من مخافة عقاب الله لدى حناجرهم قد شخصت من صدورهم، فتعلقت بحلوقهم كاظميها، يرومون ردها إلى مواضعها من صدورهم فلا ترجع، ولا هي تخرج من أبدانهم فيموتوا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {إذ القلوب لدى الحناجر} [غافر: 18] قال: «قد وقعت القلوب في الحناجر من المخافة، فلا هي تخرج ولا تعود إلى أمكنتها» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} [غافر: 18] قال: «شخصت أفئدتهم عن أمكنتها، فنشبت في حلوقهم، فلم تخرج من أجوافهم فيموتوا، ولم ترجع إلى أمكنتها فتستقر» واختلف أهل العربية في وجه النصب {كاظمين} [غافر: 18] فقال بعض نحويي البصرة: انتصابه على الحال، كأنه أراد: إذ القلوب لدى الحناجر في هذه الحال وكان بعض نحويي الكوفة يقول: الألف واللام بدل من الإضافة، كأنه قال: إذا قلوبهم لدى حناجرهم في حال كظمهم وقال آخر منهم: هو نصب على القطع من المعنى الذي يرجع من ذكرهم في القلوب والحناجر، المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين قال: فإن شئت جعلت قطعه من الهاء التي في قوله {وأنذرهم} [مريم: 39] قال: والأول أجود في العربية، وقد تقدم بيان وجه ذلك وقوله: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع} [غافر: 18] يقول جل ثناؤه: ما للكافرين بالله يومئذ من حميم يحم لهم، فيدفع عنهم عظيم ما نزل بهم من عذاب الله، ولا شفيع يشفع لهم عند ربهم فيطاع فيما شفع، ويجاب فيما سأل وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {ما للظالمين من حميم ولا شفيع} [غافر: 18] قال : «من يعنيه أمرهم، ولا شفيع لهم» وقوله: {يطاع} [غافر: 18] صلة للشفيع ومعنى الكلام: ما للظالمين من حميم ولا شفيع إذا شفع أطيع فيما شفع، فأجيب وقبلت شفاعته له وقوله: {يعلم خائنة الأعين} [غافر: 19] يقول جل ذكره مخبرا عن صفة نفسه: يعلم ربكم ما خانت أعين عباده، وما أخفته صدورهم، يعني: وما أضمرته قلوبهم؛ يقول: لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى ما يحدث به نفسه، ويضمره قلبه إذا نظر ماذا يريد بنظره، وما ينوي ذلك بقلبه {والله يقضي بالحق} [غافر: 20] يقول: والله تعالى ذكره يقضي في الذي خانته الأعين بنظرها، وأخفته الصدور عند نظر العيون بالحق، فيجزي الذين أغمضوا أبصارهم، وصرفوها عن محارمه حذار الموقف بين يديه، ومسألته عنه بالحسنى، والذين رددوا النظر، وعزمت قلوبهم على مواقعة الفواحش إذا قدرت، جزاءها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الله بن أحمد المروزي، قال: ثنا علي بن حسين بن واقد، قال: ثني أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، {يعلم خائنة} [غافر: 19] الأعين «إذا نظرت إليها تريد الخيانة أم لا» {وما تخفي الصدور} [غافر: 19] " إذا قدرت عليها أتزني بها أم لا؟

قسم V20/P303–V20/P304

قال: ثم سكت، ثم قال: ألا أخبركم بالتي تليها؟ قلت نعم " قال: {والله يقضي بالحق} [غافر: 20] «قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة» {إن الله هو السميع البصير} [غافر: 20] قال الحسن: فقلت للأعمش: حدثني الكلبي، إلا أنه قال: إن الله قادر على أن يجزي بالسيئة السيئة، وبالحسنة عشرا وقال الأعمش: إن الذي عند الكلبي عندي، ما خرج 20P304 مني إلا بحقير " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {يعلم خائنة الأعين} [غافر: 19] قال: «نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {خائنة الأعين} [غافر: 19] «أي يعلم همزه بعينه ، وإغماضه فيما لا يحب الله ولا يرضاه» وقوله: {والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء} [غافر: 20] يقول: والأوثان والآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون بالله من قومك من دونه لا يقضون بشيء، لأنها لا تعلم شيئا، ولا تقدر على شيء، يقول جل ثناؤه لهم: فاعبدو االذي يقدر على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فيجزي محسنكم بالإحسان، والمسيء بالإساءة، لا ما لا يقدر على شيء ولا يعلم شيئا، فيعرف المحسن من المسيء، فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء وقوله: {إن الله هو السميع البصير} [غافر: 20] يقول: إن الله هو السميع لما تنطق به ألسنتكم أيها الناس، البصير بما تفعلون من الأفعال، محيط بكل ذلك محصيه 20P305 عليكم، ليجازي جميعكم جزاءه يوم الجزاء واختلفت القراء في قراءة قوله: {والذين يدعون من دونه} [الرعد: 14] فقرأ ذلك، عامة قراء المدينة: (والذين تدعون من دونه) بالتاء على وجه الخطاب، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة بالياء على وجه الخبر والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب 20P304

قسم V20/P304–V20/P306

[غافر: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق} [غافر: 21] يقول تعالى ذكره: أولم يسر هؤلاء المقيمون على شركهم بالله، المكذبون رسوله من قريش، في البلاد، {فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم} [غافر: 21] يقول: فيروا ما الذي كان خاتمة أمم الذين كانوا من قبلهم من الأمم الذين سلكوا سبيلهم، في الكفر بالله، وتكذيب رسله {كانوا هم أشد منهم قوة} [غافر: 21] يقول: كانت تلك الأمم الذين كانوا من قبلهم أشد منهم بطشا، وأبقى في الأرض آثارا، فلم تنفعهم شدة قواهم، وعظم أجسامهم، إذ جاءهم أمر الله، وأخذهم بما أجرموا من معاصيه، واكتسبوا من الآثام، ولكنه أباد جمعهم، وصارت مساكنهم خاوية منهم بما ظلموا {وما كان لهم من الله من واق} [غافر: 21] يقول: وما كان لهم من عذاب الله إذ جاءهم، من واق يقيهم، فيدفعه عنهم كالذي: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وما كان لهم من الله من واق} [غافر: 21] «يقيهم، ولا ينفعهم» 20P306 [غافر: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب} [غافر: 22] يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعلت بهؤلاء الأمم الذين من قبل مشركي قريش من أهلكناهم بذنوبهم فعلنا بهم بأنهم كانت تأتيهم رسل الله إليهم بالبينات، يعني بالآيات الدالات على حقيقة ما تدعوهم إليه من توحيد الله، والانتهاء إلى طاعته {فكفروا} [الصافات: 170] يقول: فانكروا رسالتها، وجحدوا توحيد الله، وأبوا أن يطيعوا الله {فأخذهم الله} [آل عمران: 11] يقول: فأخذهم الله بعذابه فأهلكهم {إنه قوي شديد العقاب} [غافر: 22] يقول: إن الله ذو قوة لا يقهره شيء، ولا يغلبه، ولا يعجزه شيء أراده، شديد عقابه من عاقب من خلقه؛ وهذا وعيد من الله مشركي قريش، المكذبين رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم يقول لهم جل ثناؤه: فاحذروا أيها القوم أن تسلكوا سبيلهم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وجحود توحيد الله، ومخالفة أمره ونهيه فيسلك بكم في تعجيل الهلاك لكم مسلكهم 20P306 [غافر: 23_24] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب} [غافر: 23_24] يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، عما كان يلقى من مشركي قومه من قريش، بإعلامه ما لقي موسى ممن أرسل إليه من تكذيب، ومخبره أنه معليه 20P307 عليهم، وجاعل دائرة السوء على من حاده وشاقه، كسنته في موسى صلوات الله عليه، إذ أعلاه، وأهلك عدوه فرعون {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} [هود: 96] يعني بأدلته {وسلطان مبين} [هود: 96] كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وسلطان مبين} [هود: 96] «أي عذر مبين» يقول: وحججه المبينة لمن يراها أنها حجة محققة ما يدعو إليه موسى {إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب} [غافر: 24] يقول: فقال هؤلاء الذين أرسل إليهم موسى لموسى: هو ساحر يسحر العصا، فيرى الناظر إليها أنها حية تسعى، {كذاب} [غافر: 24] يقول: يكذب على الله، ويزعم أنه أرسله إلى الناس رسولا 20P307

قسم V20/P306–V20/P309

[غافر: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال} [غافر: 25] يقول تعالى ذكره: فلما جاء موسى هؤلاء الذين أرسله الله إليهم بالحق من عندنا، وذلك مجيئه إياهم بتوحيد الله، والعمل بطاعته، مع إقامة الحجة عليهم، بأن الله ابتعثه إليهم بالدعاء إلى ذلك {قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا} [غافر: 25] بالله {معه} [البقرة: 214] من بني إسرائيل {واستحيوا نساءهم} [غافر: 25] يقول: واستبقوا نساءهم للخدمة فإن قال قائل: وكيف قيل: فلما جاءهم موسى بالحق من عندنا قالوا: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم، وإنما كان قتل فرعون الولدان من بني إسرائيل حذار المولود الذي كان أخبر أنه على رأسه ذهاب ملكه، وهلاك قومه، وذلك كان فيما يقال قبل أن يبعث الله موسى نبيا؟ قيل: إن هذا الأمر بقتل أبناء الذين آمنوا مع موسى، واستحياء نسائهم، كان أمرا من فرعون وملئه من بعد الأمر الأول الذي كان من فرعون قبل مولد موسى كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم} [غافر: 25] قال: «هذا قتل غير القتل الأول الذي كان» وقوله: {وما كيد الكافرين إلا في ضلال} [غافر: 25] يقول: وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله إلا في جوز عن سبيل الحق، وصد عن قصد المحجة، وأخذ على غير هدى 20P308 [غافر: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} [غافر: 26] يقول تعالى ذكره: {وقال فرعون} [يونس: 79] لملئه: {ذروني أقتل موسى وليدع ربه} [غافر: 26] الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منا {إني أخاف أن يبدل دينكم} [غافر: 26] يقول: إني أخاف أن يغير دينكم الذي أنتم عليه بسحره واختلفت القراء في قراءة قوله: {أو أن يظهر في الأرض الفساد} [غافر: 26] فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والشام والبصرة: (وأن يظهر في الأرض الفساد) بغير ألف، وكذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: {أو أن} [هود: 87] بالألف، وكذلك ذلك في مصاحفهم يظهر في الأرض بفتح الياء ورفع الفساد، والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى، وذلك أن الفساد إذا أظهره مظهرا كان ظاهرا، وإذا ظهر فبإظهار مظهره يظهر، ففي القراءة بإحدى القراءتين في ذلك دليل واضح على صحة معنى الأخرى، وأما القراءة في: {أو أن يظهر} [غافر: 26] بالألف وبحذفها، فإنهما أيضا متقاربتا المعنى، وذلك أن الشيء إذا بدل إلى خلافه فلا شك أن خلافه المبدل إليه الأول هو الظاهر دون المبدل، فسواء عطف على خبره عن خوفه من موسى أن يبدل دينهم بالواو أو بأو، لأن تبديل دينهم كان عنده ظهور الفساد، وظهور الفساد كان عنده هو تبديل الدين فتأويل الكلام إذن: إني أخاف من موسى أن يغير دينكم الذي أنتم عليه، أو أن يظهر في أرضكم أرض مصر، عبادة ربه الذي يدعوكم إلى عبادته، وذلك كان عنده هو الفساد، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {إني أخاف أن يبدل دينكم} [غافر: 26] «أي أمركم الذي أنتم عليه» {أو أن يظهر في الأرض الفساد} [غافر: 26] «والفساد عنده أن يعمل بطاعة الله»

قسم V20/P309–V20/P312

[غافر: 27_28] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} [غافر: 27_28] يقول تعالى ذكره: وقال موسى لفرعون وملئه: إني استجرت أيها القوم بربي وربكم، من كل متكبر عليه، تكبر عن توحيده، والإقرار بألوهيته وطاعته، لا يؤمن بيوم يحاسب الله فيه خلقه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بما أساء؛ وإنما خص موسى صلوات الله وسلامه عليه، الاستعاذة بالله ممن لا يؤمن بيوم الحساب، لأن من لم يؤمن بيوم الحساب مصدقا، لم يكن للثواب على الإحسان راجيا، ولا للعقاب على الإساءة وقبيح ما يأتي من الأفعال خائفا، ولذلك كان استجارته من هذا الصنف من الناس خاصة وقوله: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} [غافر: 28] اختلف أهل العلم في هذا الرجل المؤمن، فقال بعضهم: كان من قوم فرعون، غير أنه كان قد آمن بموسى، وكان يسر إيمانه من فرعون وقومه خوفا على نفسه ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وقال رجل مؤمن من آل فرعون} [غافر: 28] قال: «هو ابن عم فرعون» ويقال: هو الذي نجا مع موسى، فمن قال هذا القول، وتأول هذا التأويل، كان صوابا الوقف إذا أراد القارئ الوقف على قوله: {من آل فرعون} [البقرة: 49] لأن ذلك خبر متناه قد تم وقال آخرون: بل كان الرجل إسرائيليا، ولكنه كان يكتم إيمانه من آل فرعون والصواب على هذا القول لمن أراد الوقف أن يجعل وقفه على قوله: {يكتم إيمانه} [غافر: 28] لأن قوله: {من آل فرعون} [البقرة: 49] صلة لقوله: {يكتم إيمانه} [غافر: 28] فتمامه قوله: يكتم إيمانه وقد ذكر أن " اسم هذا الرجل المؤمن من آل فرعون: جبريل " كذلك: حدثنا ابن 20P312 حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي القول الذي قاله السدي من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون، قد أصغى لكلامه، واستمع منه ما قاله، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله وقيله ما قاله وقال له: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، ولو كان إسرائيليا لكان حريا أن يعاجل هذا القاتل له، ولملئه ما قال بالعقوبة على قوله، لأنه لم يكن يستنصح بني إسرائيل، لاعتداده إياهم أعداء له، فكيف بقوله عن قتل موسى لو وجد إليه سبيلا؟ ولكنه لما كان من ملأ قومه، استمع قوله، وكف عما كان هم به في موسى وقوله: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} [غافر: 28] يقول: أتقتلون أيها القوم موسى لأن يقول ربي الله؟ فأن في موضع نصب لما وصفت {وقد جاءكم بالبينات} [غافر: 28] يقول: وقد جاءكم بالآيات الواضحات على حقيقة ما يقول من ذلك.

قسم V20/P312–V20/P313

وتلك البينات من الآيات يده وعصاه كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، {وقد جاءكم بالبينات من ربكم} [غافر: 28] «بعصاه وبيده» وقوله: {وإن يك كاذبا فعليه كذبه} [غافر: 28] يقول: وإن يك موسى كاذبا في قيله: إن الله أرسله إليكم يأمركم بعبادته، وترك دينكم الذي أنتم عليه، فإنما إثم كذبه عليه دونكم {وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم} [غافر: 28] يقول: وإن يك صادقا في قيله ذلك، أصابكم الذي وعدكم من العقوبة على مقامكم على الدين الذي أنتم عليه مقيمون، فلا حاجة بكم إلى قتله، فتزيدوا ربكم بذلك إلى سخطه عليكم بكفركم سخطا {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} [غافر: 28] يقول: إن الله لا يوفق للحق من هو متعد إلى فعل ما ليس له فعله، كذاب عليه يكذب، ويقول عليه الباطل وغير الحق وقد اختلف أهل التأويل في معنى الإسراف الذي ذكره المؤمن في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به الشرك، وأراد: إن الله لا يهدي من هو مشرك به مفتر عليه ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} [غافر: 28] «مشرك أسرف على نفسه بالشرك» وقال آخرون: عنى به من هو قتال سفاك للدماء بغير حق ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} [غافر: 28] قال: " المسرف: هو صاحب الدم، ويقال: هم المشركون " والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن هذا المؤمن أنه عم بقوله: {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} [غافر: 28] ، والشرك من الإسراف، 20P314 وسفك الدم بغير حق من الإسراف، وقد كان مجتمعا في فرعون الأمران كلاهما، فالحق أن يعم ذلك كما أخبر جل ثناؤه عن قائله، أنه عم القول بذلك

قسم V20/P313–V20/P315

[غافر: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} [غافر: 29] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض} [غافر: 29] يعني: أرض مصر، يقول: لكم السلطان اليوم والملك ظاهرين أنتم على بني إسرائيل في أرض مصر {فمن ينصرنا من بأس الله} [غافر: 29] يقول: فمن يدفع عنا بأس الله وسطوته إن حل بنا، وعقوبته إن جاءتنا، قال فرعون {ما أريكم إلا ما أرى} [غافر: 29] يقول: قال فرعون مجيبا لهذا المؤمن الناهي عن قتل موسى: ما رأيكم أيها الناس من الرأي والنصيحة إلا ما أرى لنفسي ولكم صلاحا وصوابا، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. يقول: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصواب في أمر موسى وقتله، فإنكم إن لم تقتلوه بدل دينكم، وأظهر في أرضكم الفساد 20P314 [غافر: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد} [غافر: 31] يقول تعالى ذكره: وقال المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: يا قوم إني أخاف عليكم بقتلكم موسى إن قتلتموه مثل يوم الأحزاب الذين تحزبوا 20P315 على رسل الله نوح وهود وصالح، فأهلكهم الله بتجرئهم عليه، فيهلككم كما أهلكهم وقوله: {مثل دأب قوم نوح} [غافر: 31] يقول: يفعل ذلك بكم فيهلككم مثل سنته في قوم نوح وعاد وثمود وفعله بهم وقد بينا معنى الدأب فيما مضى بشواهده، المغنية عن إعادته، مع ذكر أقوال أهل التأويل فيه وقد: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس {مثل دأب قوم نوح} [غافر: 31] يقول: «مثل حال» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {مثل دأب قوم نوح} [غافر: 31] قال: «مثل ما أصابهم» وقوله: {والذين من بعدهم} [إبراهيم: 9] يعني قوم إبراهيم، وقوم لوط، وهم أيضا من الأحزاب كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {والذين من بعدهم} [إبراهيم: 9] قال: «هم الأحزاب» وقوله: {وما الله يريد ظلما للعباد} [غافر: 31] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون لفرعون وملئه: وما أهلك الله هذه الأحزاب من هذه الأمم ظلما منه 20P316 لهم بغير جرم اجترموه بينهم وبينه، لأنه لا يريد ظلم عباده، ولا يشاؤه، ولكنه أهلكهم بإجرامهم وكفرهم به، وخلافهم أمره 20P315

قسم V20/P315–V20/P321

[غافر: 32_33] القول في تأويل قوله تعالى: {يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد} [غافر: 32_33] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا المؤمن لفرعون وقومه: {ويا قوم إني أخاف عليكم} [غافر: 32] بقتلكم موسى إن قتلتموه عقاب الله {يوم التناد} [غافر: 32] واختلفت القراء في قراءة قوله: {يوم التناد} [غافر: 32] فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: {يوم التناد} [غافر: 32] بتخفيف الدال، وترك إثبات الياء، بمعنى التفاعل، من تنادى القوم تناديا، كما قال جل ثناؤه: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم} [الأعراف: 44] وقال: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء} [الأعراف: 50] فلذلك تأوله قارئو ذلك كذلك ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أنه قال في هذه الآية {يوم التناد} [غافر: 32] قال: " يوم ينادي أهل النار أهل الجنة: أن أفيضوا علينا من الماء " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {ويا قوم إني 20P317 أخاف عليكم يوم التناد} [غافر: 32] «يوم ينادي أهل الجنة أهل النار» {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا} [الأعراف: 44] «وينادي أهل النار أهل الجنة» {أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} [الأعراف: 50] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يوم التناد} [غافر: 32] قال: «يوم القيامة ينادي أهل الجنة أهل النار» وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى ذلك على هذه القراءة تأويل آخر على غير هذا الوجه؛ وهو ما: حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: أنفخ نفخة الفزع، ففزع أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء الله، ويأمره الله أن يديمها ويطولها فلا يفتر، وهي التي يقول الله ": {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق} [ص: 15] «فيسير الله الجبال فتكون سرابا، فترج الأرض بأهلها رجا، وهي التي يقول الله» : {يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة} [النازعات: 7] " فتكون كالسفينة 20P318 المرتعة في البحر تضربها الأمواج تكفأ بأهلها، أو كالقنديل المعلق بالعرش ترجه الأرواح، فتميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار، فتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها، فترجع ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله: {يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم} [غافر: 32] فعلى هذا التأويل معنى الكلام: ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ينادي الناس بعضهم بعضا من فزع نفخة الفزع وقرأ ذلك آخرون: «يوم التناد» بتشديد الدال، بمعنى: التفاعل " من الند، وذلك إذا هربوا فندوا في الأرض، كما تند الإبل: إذا شردت على أربابها ذكر من قال ذلك كذلك، وذكر المعنى الذي قصد بقراءته ذلك كذلك: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأجلح، 20P319 قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، قال: " إذا كان يوم القيامة، أمر الله السماء الدنيا فتشققت بأهلها، ونزل من فيها من الملائكة، فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فصفوا صفا دون صف، ثم ينزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض ندوا فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا السبعة صفوف من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قول الله: " {إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين} [غافر: 33] وذلك قوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم} [الفجر: 22] وقوله: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} وذلك قوله: {وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها} [الحاقة: 16] حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله {يوم التناد} [غافر: 32] قال: «تندون» وروي عن الحسن البصري أنه قرأ ذلك: (يوم التنادي) بإثبات الياء وتخفيف الدال والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار، وهو تخفيف الدال وبغير إثبات الياء، وذلك أن ذلك هو القراءة التي عليها الحجة من قراء 20P320 الأمصار، وغير جائز خلافها فيما جاءت به نقلا فإذا كان ذلك هو الصواب، فمعنى الكلام: ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ينادي الناس بعضهم بعضا، إما من هول ما قد عاينوا من عظيم سلطان الله، وفظاعة ما غشيهم من كرب ذلك اليوم، وإما لتذكير بعضهم بعضا إنجاز الله إياهم الوعد الذي وعدهم في الدنيا، واستغاثة من بعضهم ببعض، مما لقي من عظيم البلاء فيه وقوله: {يوم تولون مدبرين} [غافر: 33] فتأويله على التأويل الذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوم يولون هاربين في الأرض حذار عذاب الله وعقابه عند معاينتهم جهنم وتأويله على التأويل الذي قاله قتادة في معنى {يوم التناد} [غافر: 32] يوم تولون منصرفين عن موقف الحساب إلى جهنم وبنحو ذلك روي الخبر عنه، وعمن قال نحو مقالته في معنى {يوم التناد} [غافر: 32] ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {يوم تولون مدبرين} [غافر: 33] «أي منطلقا بكم إلى النار» وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان الذي قاله قتادة في ذلك غير بعيد من الحق، وبه قال جماعة من أهل التأويل 20P321 ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا القول الذي روي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإن كان الذي قاله قتادة في ذلك غير بعيد من الحق، وبه قال جماعة من أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {يوم تولون مدبرين} [غافر: 33] قال: «فارين غير معجزين» وقوله: {ما لكم من الله من عاصم} [غافر: 33] يقول: ما لكم من الله مانع يمنعكم، وناصر ينصركم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ما لكم من الله من عاصم} [غافر: 33] «أي من ناصر» وقوله: {ومن يضلل الله فما له من هاد} [الرعد: 33] يقول: ومن يخذله الله فلم يوفقه لرشده، فما له من موفق يوفقه له 20P321

قسم V20/P321–V20/P323

[غافر: 34] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب} [غافر: 34] يقول تعالى ذكره: ولقد جاءكم يوسف بن يعقوب يا قوم من قبل موسى بالواضحات من حجج الله كما: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {ولقد جاءكم يوسف من قبل} [غافر: 34] قال: «قبل موسى» وقوله: {فما زلتم في شك مما جاءكم به} [غافر: 34] يقول: فلم تزالوا مرتابين فيما أتاكم به يوسف من عند ربكم غير موقني القلوب بحقيقته {حتى إذا هلك} [غافر: 34] يقول: حتى إذا مات يوسف قلتم أيها القوم: لن يبعث الله من بعد يوسف إليكم رسولا بالدعاء إلى الحق {كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب} [غافر: 34] يقول: هكذا يصد الله عن إصابة الحق وقصد السبيل من هو كافر به مرتاب، شاك في حقيقة أخبار رسله 20P322 [غافر: 35] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} [غافر: 35] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن من آل فرعون: {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} [غافر: 35] فقوله «الذين» مردود على من في قوله {من هو مسرف} [غافر: 28] وتأويل الكلام: كذلك يضل الله أهل الإسراف والغلو في ضلالهم بكفرهم بالله، واجترائهم على معاصيه، المرتابين في أخبار رسله، الذين يخاصمون في حججه التي أتتهم بها رسله ليدحضوها بالباطل من الحجج {بغير سلطان أتاهم} [غافر: 35] يقول: بغير حجة أتتهم من عند ربهم يدفعون بها حقيقة الحجج التي أتتهم بها الرسل؛ و «الذين» إذا كان معنى الكلام ما ذكرنا في موضع نصب ردا على «من» وقوله: {كبر مقتا عند الله} [غافر: 35] يقول: كبر ذلك الجدال الذي يجادلونه في آيات الله مقتا عند الله، {وعند الذين آمنوا} [غافر: 35] بالله؛ وإنما نصب قوله: {مقتا} [فاطر: 39] لما في قوله {كبر} [الأنعام: 35] من ضمير الجدال، وهو نظير قوله: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم} [الكهف: 5] فنصب كلمة من نصبها؛ لأنه جعل في قوله: {كبرت} [الكهف: 5] ضمير قولهم: {اتخذ الله ولدا} [البقرة: 116] وأما من لم يضمر ذلك فإنه رفع الكلمة وقوله: {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} [غافر: 35] يقول: كما طبع الله على قلوب المسرفين الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر على الله أن يوحده، ويصدق رسله جبار: يعني متعظم عن اتباع الحق واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار، خلا أبي عمرو بن العلاء، على: {كل قلب متكبر} [غافر: 35] بإضافة القلب إلى المتكبر، بمعنى الخبر عن أن الله طبع على قلوب المتكبرين كلها؛ ومن كان ذلك قراءته، كان قوله «جبار» من نعت «متكبر» وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك (كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر جبار) حدثني بذلك ابن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن هارون، « 20P324 أنه كذلك في حرف ابن مسعود» وهذا الذي ذكر عن ابن مسعود، من قراءته يحقق قراءة من قرأ ذلك بإضافة قلب إلى المتكبر، لأن تقديم «كل» قبل القلب وتأخيرها بعده لا يغير المعنى، بل معنى ذلك في الحالتين واحد وقد حكي عن بعض العرب سماعا: هو يرجل شعره يوم كل جمعة، يعني: كل يوم جمعة وأما أبو عمرو فقرأ ذلك بتنوين القلب وترك إضافته إلى متكبر، وجعل المتكبر والجبار من صفة القلب وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بإضافة القلب إلى المتكبر، لأن التكبر فعل الفاعل بقلبه، كما أن القاتل إذا قتل قتيلا وإن كان قتله بيده، فإن الفعل مضاف إليه، وإنما القلب جارحة من جوارح المتكبر، وإن كان بها التكبر، فإن الفعل إلى فاعله مضاف، نظير الذي قلنا في القتل، وذلك وإن كان كما قلنا، فإن الأخرى غير مدفوعة، لأن العرب لا تمنع أن تقول: بطشت يد فلان، ورأت عيناه كذا، وفهم قلبه، فتضيف الأفعال إلى الجوارح، وإن كانت في الحقيقة لأصحابها 20P323

قسم V20/P323–V20/P328

[غافر: 36_37] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب} [غافر: 36_37] يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لما وعظه المؤمن من آله بما وعظه به وزجره عن قتل موسى نبي الله وحذره من بأس الله على قيله اقتله ما حذره لوزيره 20P325 وزير السوء هامان: {يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} [غافر: 36] يعني بناء وقد بينا معنى الصرح فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع {لعلي أبلغ الأسباب} [غافر: 36] اختلف أهل التأويل في معنى الأسباب في هذا الموضع، فقال بعضهم: أسباب السموات: طرقها ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن هشام، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح، {أسباب السموات} قال: «طرق السموات» حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {أبلغ الأسباب أسباب السموات} قال: «طرق السموات» وقال آخرون: عني بأسباب السموات: أبواب السموات ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا} [غافر: 36] «وكان أول من بنى بهذا الآجر وطبخه» {لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات} «أي أبواب السموات» 20P326 وقال آخرون: بل عني به منزل السماء ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات} قال: «منزل السماء» وقد بينا فيما مضى قبل، أن السبب: هو كل ما تسبب به إلى الوصول إلى ما يطلب من حبل وسلم وطريق وغير ذلك فأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: معناه لعلي أبلغ من أسباب السموات أسبابا أتسبب بها إلى رؤية إله موسى، طرقا كانت تلك الأسباب منها، أو أبوابا، أو منازل، أو غير ذلك وقوله: {فأطلع إلى إله موسى} [غافر: 37] اختلف القراء في قراءة قوله: {فأطلع} [غافر: 37] فقرأت ذلك عامة قراء الأمصار: (فأطلع) بضم العين: ردا على قوله: {أبلغ الأسباب} [غافر: 36] وعطفا به عليه وذكر عن حميد الأعرج أنه قرأ {فأطلع} [غافر: 37] نصبا جوابا للعلي، وقد ذكر الفراء أن بعض العرب أنشده: [+البحر الرجز] 20P327 عل صروف الدهر أو دولاتها يدلننا اللمة من لماتها فتستريح النفس من زفراتها فنصب فتستريح على أنها جواب للعل، والقراءة التي لا أستجيز غيرها الرفع في ذلك، لإجماع الحجة من القراء عليه وقوله: {وإني لأظنه كاذبا} [غافر: 37] يقول: وإني لأظن موسى كاذبا فيما يقول ويدعي من أن له في السماء ربا أرسله إلينا وقوله: {وكذلك زين لفرعون سوء عمله} [غافر: 37] يقول الله تعالى ذكره: وهكذا زين الله لفرعون حين عتا عليه وتمرد، قبيح عمله، حتى سولت له نفسه بلوغ أسباب السموات، ليطلع إلى إله موسى وقوله: {وصد عن السبيل} [غافر: 37] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والكوفة: {وصد عن السبيل} [غافر: 37] بضم الصاد، على وجه ما لم يسم فاعله كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وصد عن السبيل} [غافر: 37] قال: «فعل ذلك به، زين له سوء عمله، وصد عن السبيل» 20P328 وقرأ ذلك حميد وأبو عمرو وعامة قراء البصرة (وصد) بفتح الصاد، بمعنى: وأعرض فرعون عن سبيل الله التي ابتعث بها موسى استكبارا والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وقوله: {وما كيد فرعون إلا في تباب} [غافر: 37] يقول تعالى ذكره: وما احتيال فرعون الذي يحتال للاطلاع إلى إله موسى، إلا في خسار وذهاب مال وغبن، لأنه ذهبت نفقته التي أنفقها على الصرح باطلا، ولم ينل بما أنفق شيئا مما أراده، فذلك هو الخسار والتباب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وما كيد فرعون إلا في تباب} [غافر: 37] يقول: «في خسران» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {في تباب} [غافر: 37] قال: «خسار» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وما كيد 20P329 فرعون إلا في تباب} [غافر: 37] «أي في ضلال وخسار» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وما كيد فرعون إلا في تباب} [غافر: 37] قال: «التباب والضلال واحد» 20P329

قسم V20/P328–V20/P330

[غافر: 38_39] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار} [غافر: 38_39] يقول تعالى ذكره مخبرا عن المؤمن بالله من آل فرعون {وقال الذي آمن} [غافر: 30] من قوم فرعون لقومه: {يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} [غافر: 38] يقول: إن اتبعتموني فقبلتم مني ما أقول لكم، بينت لكم طريق الصواب الذي ترشدون إذا أخذتم فيه وسلكتموه وذلك هو دين الله الذي ابتعث به موسى يقول: {إنما هذه الحياة الدنيا متاع} [غافر: 39] يقول لقومه: ما هذه الحياة الدنيا العاجلة التي عجلت لكم في هذه الدار إلا متاع تستمتعون بها إلى أجل أنتم بالغوه، ثم تموتون وتزول عنكم {وإن الآخرة هي دار القرار} [غافر: 39] يقول: وإن الدار الآخرة وهي دار القرار التي تستقرون فيها فلا تموتون ولا تزول عنكم، يقول: فلها فاعملوا، وإياها فاطلبوا وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {وإن الآخرة هي دار القرار} [غافر: 39] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وإن الآخرة هي دار القرار} [غافر: 39] «استقرت الجنة بأهلها، واستقرت النار بأهلها» 20P330 [غافر: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب} [غافر: 40] يقول: من عمل بمعصية الله في هذه الحياة الدنيا، فلا يجزيه الله في الآخرة إلا سيئة مثلها، وذلك أن يعاقبه بها؛ {ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى} [غافر: 40] يقول: ومن عمل بطاعة الله في الدنيا، وائتمر لأمره، وانتهى فيها عما نهاه عنه من رجل أو امرأة، وهو مؤمن بالله {فأولئك يدخلون الجنة } [النساء: 124] يقول: فالذين يعملون ذلك من عباد الله يدخلون في الآخرة الجنة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها} [غافر: 40] «أي شركا» السيئة عند قتادة شرك {ومن عمل صالحا} [الروم: 44] «أي خيرا» {من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} [النساء: 124] وقوله: {يرزقون فيها بغير حساب} [غافر: 40] يقول: يرزقهم الله في الجنة من 20P331 ثمارها، وما فيها من نعيمها ولذاتها بغير حساب كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {يرزقون فيها بغير حساب} [غافر: 40] قال: «لا والله ما هناكم مكيال ولا ميزان» 20P331

قسم V20/P330–V20/P334

[غافر: 41_42] القول في تأويل قوله تعالى: {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار} [غافر: 41_42] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هذا المؤمن لقومه من الكفرة: {ما لي أدعوكم إلى النجاة} [غافر: 41] من عذاب الله وعقوبته بالإيمان به، واتباع رسوله موسى، وتصديقه فيما جاءكم به من عند ربه {وتدعونني إلى النار} [غافر: 41] يقول: وتدعونني إلى عمل أهل النار وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ما لي أدعوكم إلى النجاة} [غافر: 41] قال: «الإيمان بالله» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ما لي 20P332 أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار} [غافر: 41] قال " هذا مؤمن آل فرعون، قال: يدعونه إلى دينهم والإقامة معهم " وقوله: {تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم} [غافر: 42] يقول: وأشرك بالله في عبادته أوثانا، لست أعلم أنه يصلح لي عبادتها وإشراكها في عبادة الله، لأن الله لم يأذن لي في ذلك بخبر ولا عقل وقوله : {وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار} [غافر: 42] يقول: وأنا أدعوكم إلى عبادة العزيز في انتقامه ممن كفر به، الذي لا يمنعه إذا انتقم عدو له شيء، الغفار لمن تاب إليه بعد معصيته إياه، لعفوه عنه، فلا يضره شيء مع عفوه عنه، يقول: فهذا الذي هذه الصفة صفته فاعبدوا، لا ما لا ضر عنده ولا نفع 20P332 [غافر: 43] القول في تأويل قوله تعالى: {لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار} [غافر: 43] يقول: حقا أن الذي تدعونني إليه من الأوثان، ليس له دعاء في الدنيا ولا في الآخرة، لأنه جماد لا ينطق، ولا يفهم شيئا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 20P333 قوله: {ليس له دعوة في الدنيا} [غافر: 43] قال: «الوثن ليس بشيء» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة} [غافر: 43] «أي لا ينفع ولا يضر» حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة} [غافر: 43] ؟ ؟ ؟ وقوله: {وأن مردنا إلى الله} [غافر: 43] يقول: وأن مرجعنا ومنقلبنا بعد مماتنا إلى الله {وأن المسرفين هم أصحاب النار} [غافر: 43] يقول: وإن المشركين بالله المتعدين حدوده، القتلة النفوس التي حرم الله قتلها، هم أصحاب نار جهنم عند مرجعنا إلى الله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في معنى المسرفين في هذا الموضع، فقال بعضهم: هم سفاكو الدماء بغير حقها ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: {وأن المسرفين هم أصحاب 20P334 النار} [غافر: 43] قال: «هم السفاكون الدماء بغير حقها» حدثنا علي بن شهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قول الله {وأن المسرفين هم أصحاب النار} [غافر: 43] قال: «هم السفاكون الدماء بغير حقها» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وأن المسرفين} [غافر: 43] قال: «السفاكون الدماء بغير حقها، هم أصحاب النار» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأن المسرفين هم أصحاب النار} [غافر: 43] قال: «سماهم الله مسرفين، فرعون ومن معه» وقال آخرون: هم المشركون ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأن المسرفين هم أصحاب النار} [غافر: 43] «أي المشركون» وقد بينا معنى الإسراف فيما مضى قبل بما فيه الكفاية من إعادته في هذا 20P335 الموضع وإنما اخترنا في تأويل ذلك في هذا الموضع ما اخترنا، لأن قائل هذا القول لفرعون وقومه، إنما قصد فرعون به لكفره، وما كان هم به من قتل موسى، وكان فرعون عاليا عاتيا في كفره، سفاكا للدماء التي كان محرما عليه سفكها، وكل ذلك من الإسراف، فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويل في ذلك 20P334

الأسئلة