Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V02/P627–V02/P636

فيقول الرب: صدقوا فذلك قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] والوسط: العدل {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] «قال ابن أنعم، فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من كان في قلبه حنة على أخيه» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] يعني بذلك الذين استقاموا على الهدى، فهم الذين يكونون شهداء على الناس يوم القيامة لتكذيبهم رسل الله، وكفرهم بآيات الله " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] يقول: " لتكونوا شهداء على الأمم الذين خلوا من قبلكم بما جاءتهم رسلهم، وبما كذبوهم، فقالوا يوم القيامة وعجبوا: أن أمة لم يكونوا في زماننا، فآمنوا بما جاءت به رسلنا، وكذبنا نحن بما جاءوا به. فعجبوا كل العجب " قوله: {ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] يعني بإيمانهم به، وبما أنزل عليه حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] يعني أنهم شهدوا على القرون بما سمى الله عز وجل لهم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قلت لعطاء، ما قوله: " {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] قال: «أمة محمد شهدوا على من ترك الحق حين جاءه الإيمان والهدى ممن كان قبلنا» - قالها عبد الله بن كثير قال -: وقال عطاء: شهداء على من ترك الحق ممن تركه من الناس أجمعين، جاء ذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم: {ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] على أنهم قد آمنوا بالحق حين جاءهم وصدقوا به حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] قال " رسول الله صلى الله عليه وسلم: شاهد على أمته، وهم شهداء على الأمم، وهم أحد الأشهاد الذي قال الله عز وجل: {ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51] الأربعة الملائكة الذين يحصون أعمالنا لنا وعلينا. وقرأ قوله: {وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد} [ق: 21] وقال: هذا يوم القيامة قال: والنبيون شهداء على أممهم " قال: وأمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء 02P638 على الأمم. قال: والأطوار: الأجساد والجلود " 02P637

قسم V02/P636–V02/P638

[البقرة: 143] القول في تأويل قوله تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} [البقرة: 143] يعني جل ثناؤه بقوله: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} [البقرة: 143] ولم نجعل صرفك عن القبلة التي كنت على التوجه إليها يا محمد فصرفناك عنها إلا لنعلم من يتبعك ممن لا يتبعك ممن ينقلب على عقبيه. والقبلة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها التي عناها الله بقوله: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} [البقرة: 143] هي القبلة التي كنت تتوجه إليها قبل أن يصرفك إلى الكعبة. كما حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} [البقرة: 143] يعني بيت المقدس " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء، " {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} [البقرة: 143] قال: القبلة: بيت المقدس " وإنما ترك ذكر الصرف عنها اكتفاء بدلالة ما قد ذكر من الكلام على معناه كسائر ما قد ذكرنا فيما مضى من نظائره. وإنما قلنا ذلك معناه؛ لأن محنة الله أصحاب رسوله في القبلة إنما كانت فيما تظاهرت به الأخبار عند التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة، حتى ارتد فيما ذكر رجال ممن كان قد أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم، وقالوا: ما بال محمد يحولنا مرة إلى ها هنا، ومرة إلى ها هنا؟ وقال المسلمون فيما مضى من إخوانهم المسلمين، وهم يصلون نحو بيت المقدس: بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت. وقال المشركون: تحير محمد صلى الله عليه وسلم في دينه. فكان ذلك فتنة للناس وتمحيصا للمؤمنين، فلذلك قال جل ثناؤه: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} [البقرة: 143] أي: وما جعلنا صرفك عن القبلة التي كنت عليها، وتحويلك إلى غيرها، كما قال جل ثناؤه: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60] بمعنى: وما جعلنا خبرك عن الرؤيا التي، أريناك؛ وذلك أنه لو لم يكن أخبر القوم بما كان أري لم يكن فيه على أحد فتنة، وكذلك القبلة الأولى التي كانت نحو بيت المقدس، لو لم يكن صرف عنها إلى الكعبة لم يكن فيها على أحد فتنة ولا محنة. ذكر الأخبار التي رويت في ذلك بمعنى ما قلنا حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قال: " 02P640 كانت القبلة فيها بلاء وتمحيص صلت الأنصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم نبي الله صلى الله عليه وسلم، وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة مهاجرا نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا، ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام، فقال في ذلك قائلون من الناس: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] لقد اشتاق الرجل إلى مولده قال الله عز وجل: {قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 142] فقال أناس لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى؟ فأنزل الله عز وجل: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] وقد يبتلي الله العباد بما شاء من أمره الأمر بعد الأمر، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. وكل ذلك مقبول إذا كان في إيمان بالله، وإخلاص له، وتسليم لقضائه " حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل بيت المقدس، فنسختها الكعبة. فلما وجه قبل المسجد الحرام، اختلف الناس فيها، فكانوا أصنافا؛ فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة زمانا، ثم تركوها وتوجهوا إلى غيرها؟ وقال المسلمون: ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس، هل تقبل الله منا ومنهم أو لا؟

قسم V02/P638–V02/P641

وقالت اليهود: إن محمدا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر. وقال المشركون من أهل مكة، تحير على محمد دينه، 02P641 فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه، ويوشك أن يدخل في دينكم. فأنزل الله جل ثناؤه في المنافقين: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] إلى قوله {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} [البقرة: 143] وأنزل في الآخرين الآيات بعدها " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء، {إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} [البقرة: 143] فقال عطاء «يبتليهم ليعلم من يسلم لأمره» قال ابن جريج: بلغني أن ناسا ممن أسلم رجعوا فقالوا مرة: هاهنا ومرة هاهنا فإن قال لنا قائل: أوما كان الله عالما بمن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه إلا بعد اتباع المتبع، وانقلاب المنقلب على عقبيه، حتى قال: ما فعلنا الذي فعلنا من تحويل القبلة إلا لنعلم المتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنقلب على عقبيه؟ قيل: إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قبل كونها وليس قوله: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} [البقرة: 143] يخبر أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجوده. فإن قال: فما معنى ذلك؟ قيل له: أما معناه عندنا فإنه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. فقال جل ثناؤه: {إلا لنعلم} [البقرة: 143] ومعناه: ليعلم رسولي وأوليائي، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولياؤه من حزبه، وكان من شأن العرب إضافة ما فعلته أتباع الرئيس إلى الرئيس، وما فعل بهم إليه نحو قولهم: فتح عمر بن الخطاب سواد العراق، وجبى خراجها، وإنما فعل ذلك أصحابه عن سبب كان منه في ذلك. وكالذي روي في نظيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقول الله جل ثناؤه: مرضت فلم يعدني عبدي، واستقرضته فلم يقرضني، وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد ، عن محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله: " استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني يقول: «وادهراه، وأنا الدهر، أنا الدهر» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه فأضاف تعالى ذكره الاستقراض، والعيادة إلى نفسه، وقد كان ذلك بغيره إذ كان ذلك عن سببه وقد حكي عن العرب سماعا: أجوع في غير بطني، وأعرى في غير ظهري، بمعنى جوع أهله، وعياله وعري ظهورهم، فكذلك قوله: {إلا لنعلم} [البقرة: 143] بمعنى 02P643 يعلم أوليائي وحزبي. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} [البقرة: 143] «قال ابن عباس،» لنميز أهل اليقين من أهل الشرك والريبة " وقال بعضهم: إنما قيل ذلك من أجل أن العرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم، كما قال جل ذكره: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} [الفيل: 1] فزعم أن معنى: {ألم تر} [الفيل: 1] ألم تعلم، وزعم أن معنى قوله: {إلا لنعلم} [البقرة: 143] بمعنى: إلا لنرى من يتبع الرسول.

قسم V02/P641–V02/P645

وزعم أن قول القائل: رأيت وعلمت وشهدت حروف تتعاقب فيوضع بعضها موضع بعض، كما قال جرير بن عطية: كأنك لم تشهد لقيطا، وحاجبا، وعمرو بن عمرو إذا دعا يال دارم بمعنى: كأنك لم تعلم لقيطا؛ لأن بين هلك لقيط، وحاجب وزمان جرير ما لا يخفى بعده من المدة؛ وذلك أن الذين ذكرهم هلكوا في الجاهلية، وجرير كان بعد برهة مضت من مجيء الإسلام، وهذا تأويل بعيد، من أجل أن الرؤية، وإن استعملت في موضع العلم من أجل أنه مستحيل أن يرى أحد شيئا ، فلا توجب رؤيته إياه علما بأنه قد رآه إذا كان صحيح الفطرة، فجاز من الوجه الذي أثبته رؤية أن يضاف إليه إثباته إياه علما، وصح أن يدل بذكر الرؤية على معنى العلم من أجل ذلك. فليس ذلك وإن كان في الرؤية لما وصفنا بجائز في العلم، فيدل بذكر الخبر عن العلم على الرؤية؛ لأن المرء قد يعلم أشياء كثيرة لم يرها، ولا يراها ويستحيل أن يرى شيئا إلا علمه، كما قد قدمنا البيان، مع أنه غير: موجود في شيء من كلام العرب أن يقال: علمت كذا بمعنى رأيته، وإنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب الله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم من الكلام إلى ما كان موجودا مثله في كلام العرب دون ما لم يكن موجودا في كلامها، فموجود في كلامها «رأيت» بمعنى «علمت» ، وغير موجود في كلامها «علمت» بمعنى «رأيت» ، فيجوز توجيه {إلا لنعلم} [البقرة: 143] إلى معنى: إلا لنرى. وقال آخرون: إنما قيل: {إلا لنعلم} [البقرة: 143] من أجل أن المنافقين واليهود وأهل الكفر بالله أنكروا أن يكون الله تعالى ذكره يعلم الشيء قبل كونه، وقالوا: إذ قيل لهم: إن قوما من أهل القبلة سيرتدون على أعقابهم، إذا حولت قبلة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة: ذلك غير كائن، أو قالوا: ذلك باطل. فلما فعل الله ذلك، وحول القبلة، وكفر من أجل ذلك من كفر، قال الله جل ثناؤه: ما فعلت إلا لنعلم ما عندكم أيها المشركون المنكرون علمي بما هو كائن من الأشياء قبل كونه، أني عالم بما هو كائن مما لم يكن بعد. فكأن معنى قائل هذا القول في تأويل قوله: {إلا لنعلم} [البقرة: 143] إلا لنبين لكم أنا نعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. وهذا، وإن كان وجها له مخرج، فبعيد من المفهوم. وقال آخرون: إنما قيل: {إلا لنعلم} [البقرة: 143] وهو بذلك عالم قبل كونه وفي كل حال على وجه الترفق بعباده، واستمالتهم إلى طاعته، كما قال جل ثناؤه: {قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ: 24] وقد علم أنه على هدى وأنهم على ضلال مبين، ولكنه رفق بهم في الخطاب، فلم يقل: إنا على هدى، وأنتم على ضلال. فكذلك قوله: {إلا لنعلم} [البقرة: 143] معناه عندهم: إلا لتعلموا أنتم إذ كنتم جهالا به قبل أن يكون؛ فأضاف العلم إلى نفسه رفقا بخطابهم. وقد بينا القول الذي هو أولى في ذلك بالحق. وأما قوله: {من يتبع الرسول} [البقرة: 143] فإنه يعني: الذي يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فيما يأمره الله به، فيوجه نحو الوجه الذي يتوجه نحوه محمد صلى الله عليه وسلم.

قسم V02/P645

وأما قوله: {ممن ينقلب على عقبيه} [البقرة: 143] فإنه يعني: من الذي يرتد عن دينه، فينافق، أو يكفر، أو يخالف محمدا صلى الله عليه وسلم في ذلك ممن يظهر اتباعه كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} [البقرة: 143] قال: «من إذا دخلته شبهة رجع عن الله، وانقلب كافرا على عقبيه» وأصل المرتد على عقبيه: هو المنقلب على عقبيه الراجع مستدبرا في الطريق الذي قد كان قطعه منصرفا عنه، فقيل ذلك لكل راجع عن أمر كان فيه من دين أو خير، ومن ذلك قوله: {فارتدا على آثارهما قصصا} [الكهف: 64] بمعنى رجعا في الطريق الذي كانا سلكاه. وإنما قيل للمرتد: مرتد لرجوعه عن دينه وملته التي كان عليها. وإنما قيل رجع على عقبيه لرجوعه دبرا على عقبه إلى الوجه الذي كان فيه بدء سيره قبل رجعه عنه، فيجعل ذلك مثلا لكل تارك أمرا وآخذ آخر غيره إذا انصرف عما كان فيه إلى الذي كان له تاركا فأخذه، فقيل ارتد فلان على عقبه، وانقلب على عقبيه 02P646

قسم V02/P645–V02/P648

[البقرة: 143] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} [البقرة: 143] 02P647 اختلف أهل التأويل في التي وصفها الله جل وعز بأنها كانت كبيرة إلا على الذين هدى الله. فقال بعضهم : عنى جل ثناؤه بالكبيرة: التولية من بيت المقدس شطر المسجد الحرام والتحويل، وإنما أنث الكبيرة لتأنيث التولية ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قال الله: " {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} [البقرة: 143] يعني تحويلها " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " في قول الله عز وجل: {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} [البقرة: 143] قال: «ما أمروا به من التحول إلى الكعبة من بيت المقدس» حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {لكبيرة إلا على الذين هدى الله} [البقرة: 143] قال: «كبيرة حين حولت القبلة إلى المسجد الحرام، فكانت كبيرة إلا على الذين هدى الله» وقال آخرون: بل الكبيرة هي القبلة بعينها التي كان صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها من بيت المقدس قبل التحويل ذكر من قال ذلك حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية: {وإن كانت لكبيرة} [البقرة: 143] أي قبلة بيت المقدس {إلا على الذين هدى الله} [البقرة: 143] " وقال بعضهم: بل الكبيرة: هي الصلاة التي كانوا يصلونها إلى القبلة الأولى ذكر من قال ذلك حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} [البقرة: 143] قال: «صلاتكم حتى يهديكم الله عز وجل القبلة» وقد حدثني به، يونس مرة أخرى قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، { 02P649 وإن كانت لكبيرة} [البقرة: 143] قال: صلاتك ها هنا يعني إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا وانحرافك ها هنا " وقال بعض نحويي البصرة: أنثت الكبيرة لتأنيث القبلة، وإياها عنى جل ثناؤه بقوله: {وإن كانت لكبيرة} [البقرة : 143] وقال بعض نحويي الكوفة: بل أنثت الكبيرة لتأنيث التولية والتحويلة، فتأويل الكلام على ما تأوله قائلو هذه المقالة: وما جعلنا تحويلتنا إياك عن القبلة التي كنت عليها، وتوليتناك عنها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت تحويلتنا إياك عنها وتوليتناك لكبيرة إلا على الذين هدى الله. وهذا التأويل أولى التأويلات عندي بالصواب، لأن القوم إنما كبر عليهم تحويل النبي صلى الله عليه وسلم وجهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى لا عين القبلة ولا الصلاة؛ لأن القبلة الأولى والصلاة قد كانت وهى غير كبيرة عليهم إلا أن يوجه موجه تأنيث الكبيرة إلى القبلة، ويقول: اجتزئ بذكر القبلة من ذكر التولية والتحويلة لدلالة الكلام على معنى ذلك، كما قد وصفنا لك في نظائره، فيكون ذلك وجها صحيحا ومذهبا مفهوما ومعنى قوله: {لكبيرة} [البقرة: 45] عظيمة، 02P650 كما حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} [البقرة: 143] قال: " كبيرة في صدور الناس فيما يدخل الشيطان به ابن آدم. قاله: ما لهم صلوا إلى ها هنا ستة عشر شهرا ثم انحرفوا فكبر ذلك في صدور من لا يعرف ولا يعقل والمنافقين. فقالوا: أي شيء هذا الدين؟ وأما الذين آمنوا فثبت الله جل ثناؤه ذلك في قلوبهم.

قسم V02/P648–V02/P649

وقرأ قول الله {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} [البقرة: 143] قال: صلاتكم حتى يهديكم إلى القبلة " قال أبو جعفر: وأما قوله: {إلا على الذين هدى الله} [البقرة: 143] فإنه يعنى به: وإن كان تقليبتناك عن القبلة التي كنت عليها لعظيمة إلا على من وفقه الله جل ثناؤه فهداه لتصديقك، والإيمان بك وبذلك، واتباعك فيه وفيما أنزل الله تعالى ذكره عليك كما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} [البقرة: 143] يقول: إلا على الخاشعين، يعني المصدقين بما أنزل الله تبارك وتعالى " 02P650

قسم V02/P649–V02/P650

[البقرة: 143] القول في تأويل قوله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] قيل: عنى بالإيمان في هذا الموضع الصلاة. ذكر الأخبار التي رويت بذلك وذكر قول من قاله حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وعبيد الله، وحدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، جميعا عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن 02P651 ابن عباس، قال: " لما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك وهم يصلون نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله جل ثناؤه: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] " حدثني إسماعيل بن موسى، قال: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء " في قول الله عز وجل: " {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] قال: صلاتكم نحو بيت المقدس " حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء نحوه وحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن نفيل، عن الحراني، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: " مات على القبلة قبل أن تحول إلى البيت رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى ذكره: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] " حدثنا بشر بن معاذ العقدي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، 02P652 قال: قال أناس من الناس لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا؟ فأنزل الله جل ثناؤه: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] " حدثني موسى بن هارون، قال: حدثني عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المسجد الحرام، قال المسلمون: ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس، هل تقبل الله منا ومنهم أم لا؟ فأنزل الله جل ثناؤه فيهم: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] قال: صلاتكم قبل بيت المقدس، يقول: إن تلك طاعة، وهذه طاعة " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " قال ناس لما صرفت القبلة إلى البيت الحرام: " كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى؟ فأنزل الله تعالى ذكره: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] الآية " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، أخبرني داود بن أبي عاصم، قال: " لما صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، قال المسلمون: هلك أصحابنا الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس فنزلت: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] " يقول: «صلاتكم التي صليتموها من قبل أن تكون القبلة فكان المؤمنون قد أشفقوا على من 02P653 صلى منهم أن لا تقبل صلاتهم» حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، " {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] صلاتكم " حدثنا محمد بن إسماعيل الفزاري، قال: أخبرنا المؤمل، قال: ثنا سفيان، ثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، في هذه الآية: " {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] قال: صلاتكم نحو بيت المقدس " قد دللنا فيما مضى على أن الإيمان التصديق، وأن التصديق قد يكون بالقول وحده وبالفعل وحده وبهما جميعا؛ فمعنى قوله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة: وما كان الله ليضيع تصديق رسوله عليه الصلاة والسلام بصلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره؛ لأن ذلك كان منكم تصديقا لرسولي، واتباعا لأمري، وطاعة منكم لي.

قسم V02/P650

قال: وإضاعته إياه جل ثناؤه لو أضاعه ترك إثابة أصحابه وعامليه عليه، فيذهب ضياعا ويصير باطلا كهيئة إضاعة الرجل ماله، وذلك إهلاكه إياه فيما لا يعتاض منه عوضا في عاجل ولا آجل، فأخبر الله جل ثناؤه أنه لم يكن يبطل عمل عامل عمل له عملا، وهو له طاعة فلا يثيبه عليه، وإن نسخ ذلك الفرض بعد عمل العامل إياه على ما كلفه من عمله. 02P654 فإن قال قائل: وكيف قال الله جل ثناؤه: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين، والقوم المخاطبون بذلك إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس، وفي ذلك من أمرهم أنزلت هذه الآية؟ قيل: إن القوم، وإن كانوا أشفقوا من ذلك، فإنهم أيضا قد كانوا مشفقين من حبوط ثواب صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة، وظنوا أن عملهم ذلك قد بطل وذهب ضياعا، فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية حينئذ، فوجه الخطاب بها إلى الأحياء، ودخل فيهم الموتى منهم؛ لأن من شأن العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب أن يغلبوا المخاطب، فيدخل الغائب في الخطاب، فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه، وعن آخر غائب غير حاضر: فعلنا بكما وصنعنا بكما كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران، ولا يستجيزون أن يقولوا: فعلنا بهما وهم يخاطبون أحدهما فيردوا المخاطب إلى عداد الغيب 02P653

قسم V02/P650–V02/P655

[البقرة: 143] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله بالناس لرءوف رحيم} [البقرة: 143] ويعني بقوله جل ثناؤه: {إن الله بالناس لرءوف رحيم} إن الله بجميع عباده ذو رأفة. والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة. وأما الرحيم، فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة على ما قد بينا فيما مضى قبل. وإنما أراد جل ثناؤه بذلك أن الله عز وجل أرحم بعباده من أن يضيع لهم طاعة أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها، وأرأف بهم من أن يؤاخذهم بترك ما لم يفرضه عليهم. أي ولا تأسوا على موتاكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فإني لهم على طاعتهم إياي بصلاتهم التي صلوها كذلك مثيب، لأني أرحم بهم من أن أضيع لهم عملا عملوه لي، ولا تحزنوا عليهم، فإني غير مؤاخذهم بتركهم الصلاة إلى الكعبة؛ لأني لم أكن فرضت ذلك عليهم، وأنا أرأف بخلقي من أن أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله. وفي الرءوف لغات: إحداها «رؤف» على مثال «فعل» كما قال الوليد بن عقبة: [+البحر الوافر] وشر الطالبين ولا ت‍كنه بقاتل عمه الرؤف الرحيم وهي قراءة عامة قراء أهل الكوفة والأخرى «رءوف» على مثال «فعول» ، وهي قراءة عامة قراء المدينة. و «رئف» وهي لغة غطفان، على مثال «فعل» مثل «حذر» . و «رأف» على مثال «فعل» بجزم العين، وهي لغة لبني أسد، والقراءة على أحد الوجهين الأولين 02P656

قسم V02/P655–V02/P657

[البقرة: 144] القول في تأويل قوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون} [البقرة: 144] يعني بذلك جل ثناؤه: قد نرى يا محمد نحن تقلب وجهك في السماء. ويعني بالتقلب: التحول والتصرف. ويعني بقوله: {في السماء} [البقرة: 144] نحو السماء وقبلها. وإنما قيل له ذلك صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا، لأنه كان قبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة يرفع بصره إلى السماء ينتظر من الله جل ثناؤه أمره بالتحويل نحو الكعبة كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] قال: «كان صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في السماء يحب أن يصرفه الله عز وجل إلى الكعبة حتى صرفه الله إليها» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] «فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي نحو بيت المقدس، يهوى ويشتهي القبلة نحو البيت الحرام، فوجهه الله جل ثناؤه لقبلة كان يهواها ويشتهيها» حدثنا المثنى، قال: حدثني إسحاق، قال: حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، 02P657 عن الربيع، في قوله: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] يقول: نظرك في السماء. «وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في الصلاة وهو يصلي نحو بيت المقدس، وكان يهوى قبلة البيت الحرام، فولاه الله قبلة كان يهواها» حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " كان الناس يصلون قبل بيت المقدس، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجره، كان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر، وكان يصلي قبل بيت المقدس. فنسختها الكعبة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يصلي قبل الكعبة فأنزل الله جل ثناؤه: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] الآية «ثم اختلف في السبب الذي من أجله كان صلى الله عليه وسلم يهوى قبلة الكعبة» قال بعضهم: كره قبلة بيت المقدس، من أجل أن اليهود قالوا. يتبع قبلتنا ويخالفنا في ديننا ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: " قالت اليهود: يخالفنا محمد، ويتبع قبلتنا فكان يدعو الله جل ثناؤه، ويستفرض للقبلة، فنزلت: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] وانقطع قول يهود: 02P658 يخالفنا ويتبع قبلتنا في صلاة الظهر. فجعل الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال " حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال: سمعته يعني ابن زيد، يقول: " قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هؤلاء قوم يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله» لبيت المقدس «لو أنا استقبلناه» ، فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرا، فبلغه أن يهود تقول: والله ما درى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم.

قسم V02/P657–V02/P659

فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ورفع وجهه إلى السماء، فقال الله جل ثناؤه: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] الآية " وقال آخرون: بل كان يهوى ذلك من أجل أنه كان قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام - ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله عز وجل: {قد نرى تقلب وجهك في 02P659 السماء} [البقرة: 144] الآية " فأما قوله: {فلنولينك قبلة ترضاها} [البقرة: 144] فإنه يعني: فلنصرفنك عن بيت المقدس إلى قبلة ترضاها تهواها وتحبها وأما قوله: {فول وجهك} [البقرة: 144] يعني اصرف وجهك وحوله وقوله: {شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] يعني بالشطر: النحو والقصد والتلقاء، كما قال الهذلي: [+البحر البسيط] إن العسير بها داء مخامرها فشطرها نظر العينين محسور يعني بقوله شطرها: نحوها. وكما قال ابن أحمر: [+البحر البسيط] تعدو بنا شطر جمع وهي عاقدة قد كارب العقد من إيفادها الحقبا 02P660 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن ابن أبي العالية {شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] يعني تلقاءه " وحدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] نحوه حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] نحوه. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: { 02P661 فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] أي تلقاء المسجد الحرام " حدثنا الحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] قال: نحو المسجد الحرام " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] أي تلقاءه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قال: شطره: نحوه حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء، " {فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] قال: قبله " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، {شطره} [البقرة: 144] ناحيته جانبه، قال: وجوانبه: شطوره " ثم اختلفوا في المكان الذي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يولي وجهه إليه من المسجد الحرام.

قسم V02/P659–V02/P664

فقال بعضهم: القبلة التي حول إليها النبي صلى الله عليه وسلم وعناها الله تعالى ذكره بقوله: {فلنولينك قبلة ترضاها} [البقرة: 144] حيال ميزاب الكعبة ذكر من قال ذلك حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثنا عثمان، قال: أنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن يحيى بن قمطة، عن عبد الله بن عمرو، " {فلنولينك قبلة ترضاها} [البقرة: 144] حيال ميزاب الكعبة " وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن يحيى بن قمطة، قال: «رأيت عبد الله بن عمرو» جالسا في المسجد الحرام بإزاء الميزاب، وتلا هذه الآية: {فلنولينك قبلة ترضاها} [البقرة: 144] قال: هذه القبلة هي هذه القبلة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، بإسناده عن عبد الله بن عمرو، نحوه، إلا أنه قال " استقبل الميزاب فقال: هذا القبلة التي قال الله لنبيه: {فلنولينك قبلة ترضاها} [البقرة: 144] " وقال آخرون: بل ذلك البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس «البيت كله قبلة، وهذه قبلة البيت، يعني التي فيها الباب» والصواب من القول في ذلك عندي ما قال الله جل ثناؤه: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] فالمولي وجهه شطر المسجد الحرام هو المصيب القبلة. وإنما على من توجه إليه النية بقلبه أنه إليه متوجه، كما أن على من ائتم بإمام فإنما عليه الائتمام به، وإن لم يكن محاذيا بدنه بدنه، وإن كان في طرف الصف والإمام في طرف آخر عن يمينه أو عن يساره، بعد أن يكون من خلفه مؤتما به مصليا إلى الوجه الذي يصلي إليه الإمام. فكذلك حكم القبلة، وإن لم يكن يحاذيها كل مصل ومتوجه إليها ببدنه غير أنه متوجه إليها، فإن كان عن يمينها أو عن يسارها مقابلها فهو مستقبلها بعد ما بينه وبينها، أو قرب من عن يمينها أو عن يسارها بعد أن يكون 02P664 غير مستدبرها، ولا منحرف عنها ببدنه ووجهه كما حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عميرة بن زياد الكندي، عن علي، {فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] قال: شطره قبله " قال أبو جعفر: وقبلة البيت: بابه كما حدثني يعقوب بن إبراهيم، والفضل بن الصباح، قالا: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، قال: قال أسامة بن زيد " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من البيت أقبل بوجهه إلى الباب فقال: «هذه القبلة، هذه القبلة» حدثنا ابن حميد، وسفيان بن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: حدثني أسامة بن زيد، قال: " خرج النبي صلى الله عليه وسلم من البيت، فصلى ركعتين مستقبلا بوجهه الكعبة، فقال: «هذه القبلة» مرتين " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا أبي قال: ثنا ابن جريج، 02P665 قال: قلت لعطاء، سمعت ابن عباس، يقول: " إنما أمرتم بالطواف، ولم تؤمروا بدخوله. قال: لم يكن ينهى عن دخوله، ولكني سمعته يقول: أخبرني أسامة بن زيد، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج، فلما خرج ركع في قبل القبلة ركعتين وقال: «هذه القبلة» قال أبو جعفر: فأخبر صلى الله عليه وسلم أن البيت هو القبلة، وأن قبلة البيت بابه 02P664

قسم V02/P664–V02/P668

[البقرة: 144] القول في تأويل قوله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] يعني جل ثناؤه بذلك: فأينما كنتم من الأرض أيها المؤمنون فحولوا وجوهكم في صلاتكم نحو المسجد الحرام وتلقاءه. والهاء التي في «شطره» عائدة إلى المسجد الحرام فأوجب جل ثناؤه بهذه الآية على المؤمنين فرض التوجه نحو المسجد الحرام في صلاتهم حيث كانوا من أرض الله تبارك وتعالى. وأدخلت الفاء في قوله: {فولوا} [البقرة: 144] جوابا للجزاء، وذلك أن قوله: {حيثما كنتم} جزاء، ومعناه: حيثما تكونوا فولوا وجوهكم شطره. [البقرة: 144] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم} [البقرة: 144] يعني بقوله جل ثناؤه: وإن الذين أوتوا الكتاب أحبار اليهود وعلماء النصارى. وقد قيل إنما عنى بذلك اليهود خاصة ذكر من قال ذلك حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وإن 02P666 الذين أوتوا الكتاب} [البقرة: 144] أنزل ذلك في اليهود. وقوله: {ليعلمون أنه الحق من ربهم} [البقرة: 144] يعني هؤلاء الأحبار، والعلماء من أهل الكتاب، يعلمون أن التوجه نحو المسجد الحق الذي فرضه الله عز وجل على إبراهيم وذريته، وسائر عباده بعده " ويعني بقوله: {من ربهم} [البقرة: 5] أنه الفرض الواجب على عباد الله تعالى ذكره، وهو الحق من عند ربهم فرضه عليهم 02P665 [البقرة: 144] القول في تأويل قوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 144] يعني بذلك تبارك وتعالى: وليس الله بغافل عما تعملون أيها المؤمنون في اتباعكم أمره وانتهائكم إلى طاعته فيما ألزمكم من فرائضه وإيمانكم به في صلاتكم نحو بيت المقدس ثم صلاتكم من بعد ذلك شطر المسجد الحرام، ولا هو ساه عنه، ولكنه جل ثناؤه يحصيه لكم ويدخره لكم عنده حتى يجازيكم به أحسن جزاء، ويثيبكم عليه أفضل ثواب 02P666 [البقرة: 145] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} [البقرة: 145] يعني بذلك تبارك اسمه: ولئن جئت يا محمد اليهود والنصارى بكل برهان، وحجة وهي الآية بأن الحق هو ما جئتهم به من فرض التحول من قبلة بيت المقدس في الصلاة إلى قبلة المسجد الحرام، ما صدقوا به ولا اتبعوا مع قيام الحجة عليهم بذلك قبلتك التي حولتك إليها وهي التوجه شطر المسجد الحرام. وأجيبت «لئن» بالماضي من الفعل وحكمها الجواب بالمستقبل تشبيها لها ب «لو» فأجيبت بما تجاب به لو لتقارب معنييهما؛ وقد مضى البيان عن نظير ذلك فيما مضى. وأجيبت «لو» بجواب الأيمان، ولا تفعل العرب ذلك إلا في الجزاء خاصة؛ لأن الجزاء مشابه اليمين في أن كل واحد منهما لا يتم أوله إلا بآخره، ولا يتم وحده، ولا يصح إلا بما يؤكد به بعده، فلما بدأ باليمين فأدخلت على الجزاء صارت اللام الأولى بمنزلة يمين، والثانية بمنزلة جواب لها، كما قيل: لعمرك لتقومن إذ كثرت اللام من لعمرك " حتى صارت كحرف من حروفه، فأجيب بما يجاب به الأيمان، إذ كانت اللام تنوب في الأيمان عن الأيمان دون سائر الحروف غير التي هي أحق به الأيمان، فتدل على الأيمان، وتعمل عمل الأجوبة، ولا تدل سائر أجوبة الأيمان لنا على الأيمان؛ فشبهت اللام التي في جواب الأيمان بالأيمان لما وصفنا، فأجيبت بأجوبتها. فكان معنى الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا: «لو أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك» وأما قوله: {وما أنت بتابع قبلتهم} [البقرة: 145] يقول: وما لك من سبيل يا محمد إلى 02P668 اتباع قبلتهم، وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها، وأن النصارى تستقبل المشرق، فأنى يكون لك السبيل إلى اتباع قبلتهم مع اختلاف وجوهها. يقول: فالزم قبلتك التي أمرت بالتوجه إليها، ودع عنك ما تقوله اليهود، والنصارى وتدعوك إليه من قبلتهم واستقبالها وأما قوله: {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} [البقرة: 145] فإنه يعني بقوله: وما اليهود بتابعة قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعة قبلة اليهود فمتوجهة نحوها كما حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} [البقرة: 145] " يقول: " ما اليهود بتابعي قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود. قال: وإنما أنزلت هذه الآية من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حول إلى الكعبة، قالت اليهود: إن محمدا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر فأنزل الله عز وجل فيهم: {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم} [البقرة: 144] إلى قوله: {ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146] " حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} [البقرة: 145] مثل ذلك وإنما يعني جل ثناؤه بذلك أن اليهود، والنصارى لا تجتمع على قبلة واحدة مع إقامة كل حزب منهم على ملتهم، فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد لا تشعر نفسك رضا هؤلاء اليهود، والنصارى، فإنه أمر لا سبيل إليه؛ لأنهم 02P669 مع اختلاف مللهم لا سبيل لك إلى إرضاء كل حزب منهم، من أجل أنك إن اتبعت قبلة اليهود أسخطت النصارى، وإن اتبعت قبلة النصارى أسخطت اليهود، فدع ما لا سبيل إليه، وادعهم إلى ما لهم السبيل إليه من الاجتماع على ملتك الحنيفية المسلمة، وقبلتك قبلة إبراهيم، والأنبياء من بعده 02P668

قسم V02/P668–V02/P670

[البقرة: 145] القول في تأويل قوله تعالي: {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} [البقرة: 145] يعني بقوله جل ثناؤه: {ولئن اتبعت أهواءهم} [البقرة: 120] ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء اليهود، والنصارى الذين قالوا لك ولأصحابك: {كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} [البقرة: 135] ، فاتبعت قبلتهم يعني فرجعت إلى قبلتهم. ويعني بقوله: {من بعد ما جاءك من العلم} [البقرة: 145] من بعد ما وصل إليك من العلم بإعلامي إياك أنهم مقيمون على باطل وعلى عناد منهم للحق ومعرفة منهم أن القبلة التي وجهتك إليها هي القبلة التي فرضت على أبيك إبراهيم عليه السلام، وسائر ولده من بعده من الرسل التوجه نحوها؛ {إنك إذا لمن الظالمين} [البقرة: 145] يعني أنك إذا فعلت ذلك من عبادي الظلمة أنفسهم المخالفين أمري، والتاركين طاعتي، وأحدهم، وفي عدادهم 02P669 [البقرة: 146] القول في تأويل قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146] يعني جل ثناؤه بقوله: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه} [البقرة: 146] أحبار اليهود، وعلماء النصارى. يقول: يعرف هؤلاء الأحبار من اليهود، والعلماء من النصارى أن البيت الحرام قبلتهم، وقبلة إبراهيم، وقبلة الأنبياء قبلك كما يعرفون أبناءهم كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] يقول: يعرفون أن البيت الحرام هو القبلة " حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قول الله عز وجل: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] يعني القبلة " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] عرفوا أن قبلة البيت الحرام هي قبلتهم التي أمروا بها، كما عرفوا أبناءهم " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] يعني بذلك الكعبة البيت الحرام " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] يعرفون الكعبة من قبلة الأنبياء، كما يعرفون أبناءهم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] قال: اليهود يعرفون أنها هي القبلة مكة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، في قوله: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] قال: القبلة، والبيت " 02P671

قسم V02/P670–V02/P673

[البقرة: 146] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146] يقول جل ثناؤه: وإن طائفة من الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود، والنصارى وكان مجاهد، يقول: " هم أهل الكتاب حدثني محمد بن عمرو يعني الباهلي، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، مثله قال أبو جعفر: وقوله: {ليكتمون الحق} [البقرة: 146] وذلك الحق هو القبلة التي وجه الله عز وجل إليها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، يقول: فول وجهك شطر المسجد الحرام التي كانت الأنبياء من قبل محمد صلى الله عليه وسلم يتوجهون إليها. فكتمتها اليهود، والنصارى، فتوجه بعضهم شرقا وبعضهم نحو بيت المقدس، ورفضوا ما أمرهم الله به، وكتموا مع ذلك أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. فأطلع الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته على خيانتهم الله تبارك وتعالى، وخيانتهم عباده، وكتمانهم ذلك، وأخبر أنهم يفعلون ما يفعلون من ذلك على علم منهم بأن الحق غيره، وأن الواجب عليهم من الله جل ثناؤه خلافه، فقال: ليكتمون الحق وهم يعلمون أن ليس لهم كتمانه، فيتعمدون معصية الله تبارك وتعالى كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146] فكتموا محمدا صلى الله عليه وسلم " حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146] قال: «يكتمون محمدا صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، والإنجيل» حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق بن الحجاج، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، {وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146] يعني القبلة " 02P673 [البقرة: 147] القول في تأويل قوله تعالى: {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} [البقرة: 147] يقول الله جل ثناؤه: اعلم يا محمد أن الحق ما أعلمك ربك وأتاك من عنده، لا ما يقول لك اليهود، والنصارى. وهذا من الله تعالى ذكره خبر لنبيه عليه الصلاة والسلام عن أن القبلة التي وجهه نحوها هي القبلة الحق التي كان عليها إبراهيم خليل الرحمن، ومن بعده من أنبياء الله عز وجل. يقول تعالى ذكره له: فاعمل بالحق الذي أتاك من ربك يا محمد ولا تكونن من الممترين، يعني بقوله {فلا تكونن من الممترين} [البقرة: 147] أي فلا تكونن من الشاكين في أن القبلة التي وجهتك نحوها قبلة إبراهيم خليلي عليه السلام وقبلة الأنبياء غيره كما حدثني المثنى، قال: حدثني إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: " قال الله تعالى ذكره لنبيه عليه الصلاة والسلام: {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} [البقرة: 147] يقول: «لا تكن في شك أنها قبلتك، وقبلة الأنبياء من قبلك» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، " {فلا تكونن من الممترين} [البقرة: 147] قال: من الشاكين؛ قال: لا تشكن في ذلك " والممتري: مفتعل من المرية، والمرية: هي الشك، ومنه قول الأعشى: [+البحر المتقارب] 02P674 تدر على أسؤق الممترين ركضا إذا ما السراب ارجحن فإن قال لنا قائل: أوكان النبي صلى الله عليه وسلم شاكا في أن الحق من ربه، أو في أن القبلة التي وجهه الله إليها حق من الله تعالى ذكره حتى نهي عن الشك في ذلك فقيل له: {فلا تكونن من الممترين} [البقرة: 147] قيل: ذلك من الكلام الذي تخرجه العرب مخرج الأمر أو النهي للمخاطب به، والمراد به غيره، كما قال جل ثناؤه: {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين} [الأحزاب: 1] ثم قال: {واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا} [الأحزاب: 2] فخرج الكلام مخرج الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم والنهي له، والمراد به أصحابه المؤمنون به. وقد بينا نظير ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته 02P673

قسم V02/P673–V02/P677

[البقرة: 148] القول في تأويل قوله تعالى: {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 148] يعني بقوله تعالى ذكره: {ولكل} [البقرة: 148] ولكل أهل ملة، فحذف أهل الملة واكتفى بدلالة الكلام عليه كما حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، 02P675 عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: {ولكل وجهة} [البقرة: 148] قال: لكل صاحب ملة " حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة: 148] فلليهود وجهة هو موليها وللنصارى وجهة هو موليها، وهداكم الله عز وجل أنتم أيتها الأمة للقبلة التي هي قبلته " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء، قوله: {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة: 148] قال: لكل أهل دين اليهود، والنصارى " قال ابن جريج. قال مجاهد: «لكل صاحب ملة» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة: 148] قال لليهود قبلة، وللنصارى قبلة، ولكم قبلة. يريد المسلمين " حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة: 148] يعني بذلك أهل الأديان، يقول: لكل قبلة يرضونها، ووجه الله تبارك وتعالى اسمه حيث توجه المؤمنون؛ وذلك أن الله تعالى ذكره قال 02P676 : {فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم} [البقرة: 115] " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، " {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة: 148] يقول: لكل قوم قبلة قد ولوها " فتأويل أهل هذه المقالة في هذه الآية: ولكل أهل ملة قبلة هو مستقبلها ومول وجهه إليها. وقال آخرون بما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة: 148] قال: هي صلاتهم إلى بيت المقدس، وصلاتهم إلى الكعبة " وتأويل قائل هذه المقالة: ولكل ناحية وجهك إليها ربك يا محمد قبلة الله عز وجل موليها عباده. وأما الوجهة فإنها مصدر مثل القعدة والمشية من التوجه، وتأويلها: متوجه يتوجه إليها بوجهه في صلاته كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، 02P677 عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " وجهة: قبلة " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، " {ولكل وجهة} [البقرة: 148] قال: وجه " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد " وجهة: قبلة " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، قال: قلت لمنصور، {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة: 148] قال: نحن نقرؤها: ولكل جعلنا قبلة يرضونها " وأما قوله: {هو موليها} [البقرة: 148] فإنه يعني: هو مول وجهه إليها مستقبلها كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " {هو موليها} [البقرة: 148] قال: هو مستقبلها " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله ومعنى التولية ها هنا الإقبال، كما يقول القائل لغيره: انصرف إلي، بمعنى أقبل إلي، والانصراف المستعمل إنما هو الانصراف عن الشيء، ثم يقال: انصرف إلى الشيء بمعنى أقبل إليه منصرفا عن غيره. وكذلك يقال: وليت عنه: إذا أدبرت عنه، ثم يقال: وليت إليه بمعنى أقبلت إليه موليا عن غيره. والفعل، أعني التولية في قوله: {هو موليها} [البقرة: 148] للكل «و» هو «التي مع» موليها «هو» الكل «وحدت للفظ» الكل ". فمعنى الكلام إذا: ولكل أهل ملة وجهة، الكل منهم مولوها وجوههم.

قسم V02/P677–V02/P678

وقد روي عن ابن عباس وغيره أنهم قرءوا: «هو مولاها» بمعنى أنه موجه نحوها ويكون الكلام حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة الله موليه إياها، بمعنى موجهه إليها. وقد ذكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك: «ولكل وجهة» بترك التنوين والإضافة. وذلك لحن، ولا تجوز القراءة به؛ لأن ذلك إذا قرئ كذلك كان الخبر غير تام، وكان كلاما لا معنى له، وذلك غير جائز أن يكون من الله جل ثناؤه. والصواب عندنا من القراءة في ذلك: {ولكل وجهة هو موليها} [البقرة: 148] بمعنى: ولكل وجهة وقبلة ذلك الكل مول وجهه نحوها، لإجماع الحجة من القراء على قراءة ذلك كذلك، وتصويبها إياها، وشذوذ من خالف ذلك إلى غيره. وما جاء به النقل مستفيضا فحجة، وما انفرد به من كان جائزا عليه السهو والخطأ فغير جائز الاعتراض به على الحجة 02P679

قسم V02/P678–V02/P682

[البقرة: 148] القول في تأويل قوله تعالى: {فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148] يعني تعالى ذكره بقوله: {فاستبقوا} [البقرة: 148] فبادروا وسارعوا من «الاستباق» ، وهو المبادرة والإسراع كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148] يعني فسارعوا في الخيرات " وإنما يعني بقوله: {فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148] أي قد بينت لكم أيها المؤمنون الحق وهديتكم للقبلة التي ضلت عنها اليهود، والنصارى وسائر أهل الملل غيركم، فبادروا بالأعمال الصالحة شكرا لربكم، وتزودوا في دنياكم لأخراكم، فإني قد بينت لكم سبيل النجاة فلا عذر لكم في التفريط، وحافظوا على قبلتكم، ولا تضيعوها كما ضيعها الأمم قبلكم فتضلوا كما ضلت كالذي حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148] يقول: لا تغلبن على قبلتكم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله " {فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148] قال: الأعمال الصالحة " 02P680 [البقرة: 148] القول في تأويل قوله تعالى: {أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 148] ومعنى قوله: {أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا} في أي مكان وبقعة تهلكون فيه يأت بكم الله جميعا يوم القيامة {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 148] كما حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا} " يقول: «أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا يوم القيامة» حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا} يعني يوم القيامة " وإنما حض الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية على طاعته والتزود في الدنيا للآخرة، فقال جل ثناؤه لهم: " استبقوا أيها المؤمنون إلى العمل بطاعة ربكم، ولزوم ما هداكم له من قبلة إبراهيم خليله وشرائع دينه، فإن الله تعالى ذكره يأتي بكم وبمن خالف قبلكم ودينكم وشريعتكم جميعا يوم القيامة من حيث كنتم من بقاع الأرض، حتى يوفى المحسن منكم جزاءه بإحسانه، والمسيء عقابه بإساءته، أو يتفضل فيصفح وأما قوله: {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 148] فإنه تعالى ذكره يعني أن الله تعالى على جمعكم بعد مماتكم من قبوركم من حيث كنتم وعلى غير ذلك مما يشاء قدير، فبادروا خروج أنفسكم بالصالحات من الأعمال قبل مماتكم ليوم بعثكم وحشركم 02P681 [البقرة: 149] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 149] يعني جل ثناؤه بقوله: {ومن حيث خرجت} [البقرة: 149] ومن أي موضع خرجت إلى أي موضع وجهت فول يا محمد وجهك يقول: حول وجهك. وقد دللنا على أن التولية في هذا الموضع شطر المسجد الحرام، إنما هي الإقبال بالوجه نحوه؛ وقد بينا معنى الشطر فيما مضى وأما قوله: {وإنه للحق من ربك} [البقرة: 149] فإنه يعني تعالى ذكره: وإن التوجه شطره للحق " الذي لا شك فيه من عند ربك، فحافظوا عليه، وأطيعوا الله في توجهكم قبله وأما قوله: {وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة: 74] فإنه يقول: فإن الله تعالى ذكره ليس بساه عن أعمالكم ولا بغافل عنها، ولكنه محصيها لكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة 02P682 [البقرة: 150] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} [البقرة: 150] يعني بقوله تعالى ذكره: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 149] من أي مكان وبقعة شخصت فخرجت يا محمد، فول وجهك تلقاء المسجد الحرام؛ وهو شطره ويعني بقوله: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم} [البقرة: 144] وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله فولوا وجوهكم في صلاتكم تجاهه وقبله وقصده 02P682

قسم V02/P682–V02/P684

[البقرة: 150] القول في تأويل قوله تعالى: {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني} [البقرة: 150] فقال جماعة من أهل التأويل: عنى الله تعالى بالناس في قوله: {لئلا يكون للناس} [البقرة: 150] أهل الكتاب ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {لئلا يكون للناس عليكم حجة} [البقرة: 150] يعني بذلك أهل الكتاب، قالوا حين صرف نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة البيت الحرام: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله {لئلا يكون للناس عليكم حجة} [البقرة: 150] «يعني بذلك أهل الكتاب، قالوا حين صرف نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه» فإن قال قائل: فأية حجة كانت لأهل الكتاب بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ قيل: قد ذكرنا فيما مضى ما روي في ذلك، قيل إنهم كانوا يقولون: ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن، وقولهم: يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا فهي الحجة التي كانوا يحتجون بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على وجه الخصومة منهم لهم والتمويه منهم بها على الجهال وأهل العناد من المشركين. وقد بينا فيما مضى أن معنى حجاج القوم إياه الذي ذكره الله تعالى ذكره في كتابه إنما هي الخصومات والجدال، فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وحسمه بتحويل قبلة نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام، وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه: {لئلا يكون للناس عليكم حجة} [البقرة: 150] يعني بالناس: الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت وأما قوله: {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] فإنهم مشركو العرب من قريش فيما تأوله أهل التأويل. 02P684 ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] قوم محمد صلى الله عليه وسلم " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال «هم المشركون من أهل مكة» حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] يعني مشركي قريش " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، وابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله " {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] قال: هم مشركو العرب " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله " {إلا الذين ظلموا منهم} [البقرة: 150] والذين ظلموا مشركو قريش " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء، «هم مشركو قريش» قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدا يقول مثل قول عطاء فإن قال قائل: وأية حجة كانت لمشركي قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في توجههم في صلاتهم إلى الكعبة؟ وهل يجوز أن يكون للمشركين على المؤمنين حجة فيما أمرهم الله تعالى ذكره به أو نهاهم عنه؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت وذهبت إليه، وإنما الحجة في هذا الموضع الخصومة والجدال. ومعنى الكلام: لئلا يكون لأحد من الناس عليكم خصومة ودعوى باطلة غير مشركي قريش، فإن لهم عليكم دعوى باطلة وخصومة بغير حق بقيلهم لكم: رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا.

الأسئلة