Taberî — Câmiü'l-Beyân
[الواقعة: 58_59_60_61] القول في تأويل قوله تعالى: {أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون} [الواقعة: 58_59_60_61] يقول تعالى ذكره لهؤلاء المكذبين بالبعث: أفرأيتم أيها المنكرون قدرة الله على إحيائكم من بعد مماتكم النطف التي تمنون في أرحام نسائكم، أأنتم تخلقون تلك أم نحن الخالقون وقوله: {نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين} [الواقعة: 60] يقول تعالى ذكره: نحن قدرنا بينكم أيها الناس الموت، فعجلناه لبعض، وأخرناه عن بعض إلى أجل مسمى وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني 22P346 الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {قدرنا بينكم الموت} [الواقعة: 60] قال: «المستأخر والمستعجل» وقوله: {وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم} [الواقعة: 61] يقول تعالى ذكره {وما نحن بمسبوقين} [الواقعة: 60] أيها الناس في أنفسكم وآجالكم، فمفتات علينا فيها في الأمر الذي قدرناه لها من حياة وموت بل لا يتقدم شيء من أجلنا، ولا يتأخر عنه وقوله: {على أن نبدل أمثالكم} [الواقعة: 61] يقول: على أن نبدل منكم أمثالكم بعد مهلككم فنجيء بآخرين من جنسكم وقوله: {وننشئكم في ما لا تعلمون} [الواقعة: 61] يقول: ونبدلكم عما تعلمون من أنفسكم فيما لا تعلمون منها من الصور وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وننشئكم} [الواقعة: 61] «في أي خلق شئنا» 22P346 [الواقعة: 62_63_64] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} [الواقعة: 62_63_64] يقول تعالى ذكره: ولقد علمتم أيها الناس الإحداثة الأولى التي أحدثناكموها، ولم تكونوا من قبل ذلك شيئا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {النشأة الأولى} [الواقعة: 62] قال: «إذ لم تكونوا شيئا» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولقد علمتم النشأة الأولى} [الواقعة: 62] «يعني خلق آدم لست سائلا أحدا من الخلق إلا أنبأك أن الله خلق آدم من طين» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {ولقد علمتم النشأة الأولى} [الواقعة: 62] قال: «هو خلق آدم» حدثني محمد بن موسى الحرسي قال: ثنا جعفر بن سليمان قال: سمعت أبا عمران الجوني، يقرأ هذه الآية {ولقد علمتم النشأة الأولى} [الواقعة: 62] قال: «هو 22P348 خلق آدم» وقوله: {فلولا تذكرون} [الواقعة: 62] يقول تعالى ذكره: فهلا تذكرون أيها الناس، فتعلموا أن الذي أنشأكم النشأة الأولى ولم تكونوا شيئا، لا يتعذر عليه أن يعيدكم من بعد مماتكم وفنائكم أحياء وقوله: {أفرأيتم ما تحرثون} [الواقعة: 63] يقول تعالى ذكره: أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه {أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} [الواقعة: 64] يقول: أأنتم تصيرونه زرعا، أم نحن نجعله كذلك؟ وقد: حدثني أحمد بن الوليد القرشي قال: ثنا مسلم بن أبي مسلم الحرمي قال: ثنا مخلد بن الحسين، عن هاشم، عن محمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقولن زرعت ولكن قل حرثت» . قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قول الله: {أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} [الواقعة: 64] 22P348
[الواقعة: 65_66_67] القول في تأويل قوله تعالى: {لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون} [الواقعة: 65_66_67] يقول تعالى ذكره: لو نشاء جعلنا ذلك الزرع الذي 22P349 زرعناه حطاما، يعني هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء وقوله: {فظلتم تفكهون} اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم من المصيبة باحتراقه وهلاكه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فظلتم تفكهون} قال: «تعجبون» حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {فظلتم تفكهون} قال: «تعجبون» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {فظلتم تفكهون} قال: «تعجبون» وقال آخرون: معنى ذلك: فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم جل ثناؤه، حتى نالكم بما نالكم من إهلاك زرعكم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، في قوله: {فظلتم تفكهون} يقول: «تلاومون» قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سماك بن حرب البكري، عن عكرمة {فظلتم تفكهون} قال: «تلاومون» وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظلتم تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجب لكم عقوبته، حتى نالكم في زرعكم ما نالكم ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثني ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، {فظلتم تفكهون} قال: «تندمون» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فظلتم تفكهون} قال: «تندمون» وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظلتم تعجبون ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {فظلتم تفكهون} قال: «تعجبون حين صنع بحرثكم ما صنع به» ، وقرأ 22P351 قول الله عز وجل {إنا لمغرمون بل نحن محرومون} [الواقعة: 67] وقرأ قول الله: {وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين} [المطففين: 31] قال: «هؤلاء ناعمين» ، وقرأ قول الله جل ثناؤه: {فأخرجناهم من جنات وعيون} [الشعراء: 57] إلى قوله: {كانوا فيها فاكهين} [الدخان: 27] . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى {فظلتم} فأقمتم تعجبون مما نزل بزرعكم وأصله من التفكه بالحديث إذا حدث الرجل الرجل بالحديث يعجب منه، ويلهى به، فكذلك ذلك وكأن معنى الكلام: فأقمتم تتعجبون يعجب بعضكم بعضا مما نزل بكم وقوله: {إنا لمغرمون} [الواقعة: 66] اختلف أهل التأويل في معناه، فقال بعضهم: إنا لمولع بنا ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال: ثنا زيد بن الحباب قال: أخبرني الحسين بن واقد قال: ثني يزيد النحوي، عن عكرمة، في قول الله تعالى ذكره: {إنا لمغرمون} [الواقعة: 66] قال: «إنا لمولع بنا» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر قال: قال مجاهد في قوله: {إنا لمغرمون} [الواقعة: 66] أي «لمولع بنا» 22P352 وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنا لمعذبون ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {إنا لمغرمون} [الواقعة: 66] أي «معذبون» وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنا لملقون للشر ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {إنا لمغرمون} [الواقعة: 66] قال: «ملقون للشر» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: إنا لمعذبون، وذلك أن الغرام عند العرب: العذاب؛ ومنه قول الأعشى: إن يعاقب يكن غراما وإن يع ط جزيلا فإنه لا يبالي يعني بقوله: يكن غراما: يكن عذابا وفي الكلام متروك اكتفي بدلالة الكلام عليه، وهو: فظلتم تفكهون «تقولون» إنا لمغرمون، فترك تقولون من الكلام لما وصفنا وقوله: {بل نحن محرومون} [الواقعة: 67] يعني بذلك تعالى ذكره أنهم يقولون: ما هلك زرعنا وأصبنا 22P353 به من أجل {إنا لمغرمون} [الواقعة: 66] ولكنا قوم محرومون، يقول: إنهم غير مجدودين، ليس لهم جد وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {بل نحن محرومون} [الواقعة: 67] قال: «حورفنا فحرمنا» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {بل نحن محرومون} [الواقعة: 67] قال: «أي محارفون» 22P353
[الواقعة: 68_69_70] القول في تأويل قوله تعالى: {أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون} [الواقعة: 68_69_70] يقول تعالى ذكره: أفرأيتم أيها الناس الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من السحاب فوقكم إلى قرار الأرض، أم نحن منزلوه لكم 22P354 وبنحو الذي قلنا في معنى قوله المزن قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {من المزن} [الواقعة: 69] قال «السحاب» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أأنتم أنزلتموه من المزن} [الواقعة: 69] «أي من السحاب» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {أأنتم أنزلتموه من المزن} [الواقعة: 69] قال: " المزن: السحاب اسمها، أنزلتموه من المزن " قال: «السحاب» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {أنزلتموه من المزن} [الواقعة: 69] قال: " المزن: السماء والسحاب " وقوله: {لو نشاء جعلناه أجاجا} [الواقعة: 70] يقول تعالى ذكره: لو نشاء جعلنا ذلك الماء الذي أنزلناه لكم من المزن ملحا، وهو الأجاج، والأجاج من الماء: ما اشتدت ملوحته، يقول: لو نشاء فعلنا ذلك به فلم تنتفعوا به في شرب ولا غرس ولا غرس ولا زرع وقوله: {فلولا تشكرون} [الواقعة: 70] يقول تعالى ذكره: فهلا تشكرون ربكم على 22P355 إعطائه ما أعطاكم من الماء العذب لشربكم ومنافعكم، وصلاح معايشكم، وتركه أن يجعله أجاجا لا تنتفعون به 22P354 [الواقعة: 71_72_73] القول في تأويل قوله تعالى: {أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين} [الواقعة: 71_72_73] يقول تعالى ذكره: أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم {أأنتم أنشأتم شجرتها } [الواقعة: 72] يقول: أأنتم أحدثتم شجرتها واخترعتم أصلها {أم نحن المنشئون} يقول: أم نحن اخترعنا ذلك وأحدثناه؟ وقوله: {نحن جعلناها تذكرة} [الواقعة: 73] يقول: نحن جعلنا النار تذكرة لكم تذكرون بها نار جهنم، فتعتبرون وتتعظون بها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {تذكرة} [الواقعة: 73] قال: «تذكرة النار الكبرى» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها 22P356 تذكرة} «للنار الكبرى» ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» قالوا: يا نبي الله إن كان لكافية قال: «قد ضربت بالماء ضربتين أو مرتين، ليستنفع بها بنو آدم ويدنو منها» حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، {تذكرة} [الواقعة: 73] قال: «للنار الكبرى التي في الآخرة» وقوله: {ومتاعا للمقوين} [الواقعة: 73] اختلف أهل التأويل في معنى المقوين، فقال بعضهم: هم المسافرون ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {للمقوين} [الواقعة: 73] قال: «للمسافرين» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ومتاعا للمقوين} [الواقعة: 73] قال: «يعني المسافرين» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ومتاعا للمقوين} [الواقعة: 73] 22P357 قال " للمرمل: المسافر " حدثني ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: {للمقوين} [الواقعة: 73] قال: «للمسافرين» حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ومتاعا للمقوين} [الواقعة: 73] قال: «للمسافرين» وقال آخرون: عني بالمقوين: المستمتعون بها ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ومتاعا للمقوين} [الواقعة: 73] «للمستمتعين، الناس أجمعين» حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، {ومتاعا للمقوين} [الواقعة: 73] «للمستمتعين المسافر والحاضر» حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الشهيد قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، في قوله: {ومتاعا للمقوين} [الواقعة: 73] قال: «للخلق» وقال آخرون: بل عني بذلك: الجائعون ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد في قوله: {ومتاعا للمقوين} [الواقعة: 73] قال: " المقوي: الجائع في كلام العرب، يقول: أقويت منه كذا وكذا: ما أكلت منه كذا وكذا شيئا " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عني بذلك للمسافر الذي لا زاد معه، ولا شيء له، وأصله من قولهم: أقوت الدار: إذا خلت من أهلها وسكانها؛ كما قال الشاعر: أقوى وأقفر من نعم وغيرها هوج الرياح بهابي الترب موار يعني بقوله: «أقوى» : خلا من سكانه، وقد يكون المقوي: ذا الفرس القوي، وذا المال الكثير في غير هذا الموضع 22P358
[الواقعة: 74_75_76_77_78_79_80] القول في تأويل قوله تعالى: {فسبح باسم ربك العظيم فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين} [الواقعة: 74_75_76_77_78_79_80] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فسبح يا محمد بذكر ربك العظيم، وتسميته وقوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] اختلف أهل التأويل في تأويل 22P359 قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] فقال بعضهم: عني بقوله: {فلا أقسم} [الواقعة: 75] أقسم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن سعيد بن جبير، {فلا أقسم} [الواقعة: 75] قال: «أقسم» وقال بعض أهل العربية: معنى قوله: {فلا} [الواقعة: 75] فليس الأمر كما تقولون ثم استأنف القسم بعد فقيل أقسم وقوله: {بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: فلا أقسم بمنازل القرآن، وقالوا: أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما متفرقة ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا حصين، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين بعد» قال: وتلا ابن عباس هذه الآية {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] قال: «نزل متفرقا» حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، في قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] قال: «أنزل الله القرآن نجوما ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن عكرمة: «إن القرآن نزل جميعا، فوضع بمواقع النجوم، فجعل جبريل يأتي بالسورة، وإنما نزل جميعا في ليلة القدر» حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مجاهد، {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] قال: «هو محكم القرآن» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} [الواقعة: 76] قال «مستقر الكتاب أوله وآخره» وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا أقسم بمساقط النجوم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، 22P361 عن مجاهد، قوله: {بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] قال «في السماء ويقال مطالعها ومساقطها» حدثني بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] «أي مساقطها» وقال آخرون: بل معنى ذلك: بمنازل النجوم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] قال: «بمنازل النجوم» وقال آخرون : بل معنى ذلك: بانتثار النجوم عند قيام الساعة ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] قال: قال الحسن: «انكدارها وانتثارها يوم القيامة» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: فلا أقسم بمساقط النجوم ومغايبها في السماء، وذلك أن المواقع جمع موقع، والموقع المفعل من وقع يقع موقعا، فالأغلب من معانيه والأظهر من تأويله ما قلنا في ذلك، ولذلك قلنا: هو أولى معانيه به 22P362 واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الكوفة (بموقع) على التوحيد، وقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين {بمواقع} [الواقعة: 75] : على الجماع والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وقوله: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} [الواقعة: 76] يقول تعالى ذكره وإن هذا القسم الذي أقسمت لقسم لو تعلمون ما هو، وما قدره، قسم عظيم من المؤخر الذي معناه التقديم، وإنما هو: وإنه لقسم عظيم لو تعلمون عظمه وقوله: {إنه لقرآن كريم} [الواقعة: 77] يقول تعالى ذكره: فلا أقسم بمواقع النجوم أن هذا القرآن لقرآن كريم، والهاء في قوله: «إنه» من ذكر القرآن وقوله: {في كتاب مكنون} [الواقعة: 78] يقول تعالى ذكره: هو في كتاب مصون عند الله لا يمسه شيء من أذى من غبار ولا غيره وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني إسماعيل بن موسى قال: أخبرنا شريك، عن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] «الكتاب الذي في السماء» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {في كتاب مكنون} [الواقعة: 78] قال: «القرآن في كتابه المكنون الذي لا يمسه شيء من تراب ولا غبار» حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله : {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] «زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد، فأخبرهم الله أنها لا تقدر على ذلك، ولا تستطيعه، وما ينبغي لهم أن ينزلوا بهذا، وهو محجوب عنهم،» وقرأ قول الله: {وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون} [الشعراء: 212] حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح قال: ثنا عبيد الله، يعني العتكي، عن جابر بن زيد، وأبي نهيك، في قوله: {في كتاب مكنون} [الواقعة: 78] قال: «هو كتاب في السماء» قوله: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] يقول تعالى ذكره: لا يمس ذلك 22P364 الكتاب المكنون إلا الذين قد طهرهم الله من الذنوب واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: {إلا المطهرون} [الواقعة: 79] فقال بعضهم: هم الملائكة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: «إذا أراد الله أن ينزل كتابا نسخته السفرة، فلا يمسه إلا المطهرون» قال: «يعني الملائكة» حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن الربيع بن أبي راشد، عن سعيد بن جبير، {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] قال: «الملائكة الذين في السماء» حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الربيع بن أبي راشد، عن سعيد بن جبير {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] قال: «الملائكة» حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن الربيع بن أبي راشد، عن سعيد بن جبير {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] قال: «الملائكة» حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح قال: ثنا عبيد الله، يعني 22P365 العتكي، عن جابر بن زيد، وأبي نهيك في قوله: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] يقول: «الملائكة» قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] قال: «الملائكة» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] قال: «الملائكة» حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن عاصم، عن أبي العالية، {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] قال: «الملائكة» وقال آخرون: هم حملة التوراة والإنجيل ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] قال: «حملة التوراة والإنجيل» وقال آخرون في ذلك: هم الذين قد طهروا من الذنوب كالملائكة والرسل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا مروان قال: أخبرنا عاصم الأحول، عن 22P366 أبي العالية الرياحي، في قوله: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] قال: «ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب» حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] قال: " الملائكة والأنبياء والرسل التي تنزل به من عند الله مطهرة، والأنبياء مطهرة، فجبريل ينزل به مطهر، والرسل الذين تجيئهم به مطهرون فذلك قوله: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] والملائكة والأنبياء والرسل من الملائكة، والرسل من بني آدم، فهؤلاء ينزلون به مطهرون، وهؤلاء يتلونه على الناس مطهرون "، وقرأ قول الله {بأيدي سفرة كرام بررة} [عبس: 16] قال: «بأيدي الملائكة الذين يحصون على الناس أعمالهم» وقال آخرون: عنى بذلك: أنه لا يمسه عند الله إلا المطهرون ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] «ذاكم عند رب العالمين، فأما عندكم فيمسه المشرك النجس، والمنافق الرجس» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] قال: «لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس» وقال في حرف ابن مسعود «ما يمسه 22P367 إلا المطهرون» .
والصواب من القول من ذلك عندنا، أن الله جل ثناؤه، أخبر أن لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون فعم بخبره المطهرين، ولم يخصص بعضا دون بعض؛ فالملائكة من المطهرين، والرسل والأنبياء من المطهرين وكل من كان مطهرا من الذنوب، فهو ممن استثني، وعني بقوله: {إلا المطهرون} [الواقعة: 79] وقوله: {تنزيل من رب العالمين} [الواقعة: 80] يقول: هذا القرآن تنزيل من رب العالمين، نزله من الكتاب المكنون كما: حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح قال: ثنا عبيد الله العتكي، عن جابر بن زيد، وأبي نهيك، في قوله: {تنزيل من رب العالمين} [الواقعة: 80] قال: «القرآن من ذلك الكتاب» 22P367
[الواقعة: 81_82_83_84_85] القول في تأويل قوله تعالى: {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} [الواقعة: 81_82_83_84_85] يقول تعالى ذكره: أفبهذا القرآن الذي أنبأتكم خبره، وقصصت عليكم أمره أيها الناس أنتم تلينون القول للمكذبين به، ممالأة منكم لهم على التكذيب به والكفر واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم في ذلك نحو قولنا فيه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون} [الواقعة: 81] قال: «تريدون أن تمالئوهم فيه، وتركنوا إليهم» وقال آخرون: بل معناه: أفبهذا الحديث أنتم مكذبون ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون} [الواقعة: 81] يقول: «مكذبون غير مصدقين» حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أنتم مدهنون} [الواقعة: 81] يقول: «مكذبون» وقوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] يقول: وتجعلون شكر الله على رزقه إياكم التكذيب، وذلك كقول القائل الآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، بمعنى: جعلت شكر إحساني، أو ثواب إحساني إليك إساءة منك إلي وقد ذكر عن الهيثم بن عدي: أن من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان: بمعنى ما شكر 22P369 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف فيه منهم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار قال: ثنا يحيى قال: ثنا سفيان قال: ثني عبد الأعلى الثعلبي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، رضي الله عنه {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] قال: «شكركم» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، رفعه {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] قال: «شكركم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا» وكذا " حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا يحيى بن أبي بكر، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] قال: «شكركم أنكم تكذبون» قال: ويقولون مطرنا بنوء كذا وكذا " حدثنا ابن بشار قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن 22P370 سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: " ما مطر قوم قط إلا أصبح بعضهم كافرا، يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا "، وقرأ ابن عباس {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن عطية قال: ثنا معاذ بن سليمان، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يقرأ {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] ثم قال: " ما مطر الناس ليلة قط، إلا أصبح بعض الناس مشركين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا " قال: وقال «وتجعلون شكركم أنكم تكذبون» حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: {وتجعلون رزقكم} [الواقعة: 82] يقول: " شكركم على ما أنزلت عليكم من الغيث والرحمة تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ قال: فكان ذلك منهم كفرا بما أنعم عليهم " حدثني يونس قال: أخبرنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية قال: أحسبه أو غيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا ومطروا يقول: مطرنا ببعض عثانين الأسد، فقال: «كذبت بل هو رزق الله» حدثني يونس قال: أخبرنا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله ليصبح القوم بالنعمة، أو يمسيهم بها، فيصبح بها قوم كافرين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا " قال محمد: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن 22P371 المسيب، فقال: ونحن قد سمعنا من أبي هريرة، وقد أخبرني من شهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يستسقي فلما استسقى التفت إلى العباس فقال: يا عباس يا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كم بقي من نوء الثريا؟
فقال: «العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعا» قال: فما مضت سابعة حتى مطروا حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن علي، {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] قال: كان يقرأها «وتجعلون شكركم أنكم تكذبون» يقول: " جعلتم رزق الله بنوء النجم، وكان رزقهم في أنفسهم بالأنواء أنواء المطر إذا نزل عليهم المطر، قالوا: رزقنا بنوء كذا وكذا، وإذا أمسك عنهم كذبوا، فذلك تكذيبهم " حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عطاء الخراساني، في قوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] قال: " كان ناس يمطرون فيقولون: مطرنا بنوء كذا، مطرنا بنوء كذا " حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 22P372 قوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] قال: " قولهم في الأنواء: مطرنا بنوء كذا ونوء كذا، يقول: قولوا هو من عند الله وهو رزقه " حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد قال: سمعت الضحاك، يقول، في قوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] يقول: «جعل الله رزقكم في السماء، وأنتم تجعلونه في الأنواء» حدثني أبو صالح الصراري قال: ثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك الأزدي قال: ثنا جعفر بن الزبير، عن القاسم عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ما مطر قوم من ليلة إلا أصبح قوم بها كافرين» ، ثم قال: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] «يقول قائل مطرنا بنجم كذا وكذا» وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتجعلون حظكم منه التكذيب ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] أما الحسن فكان يقول: «بئسما أخذ قوم لأنفسهم لم يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب به» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر قال: قال الحسن، في قوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] «خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله 22P373 إلا التكذيب» وقوله: {فلولا إذا بلغت الحلقوم} [الواقعة: 83] يقول تعالى ذكره: فهلا إذا بلغت النفوس عند خروجها من أجسادكم أيها الناس حلاقيمكم {وأنتم حينئذ تنظرون} [الواقعة: 84] يقول ومن حضرهم منكم من أهليهم حينئذ إليهم ينظر، وخرج الخطاب هاهنا عاما للجميع، والمراد به: من حضر الميت من أهله وغيرهم وذلك معروف من كلام العرب وهو أن يخاطب الجماعة بالفعل، كأنهم أهله وأصحابه، والمراد به بعضهم غائبا كان أو شاهدا، فيقول: قتلتم فلانا، والقاتل منهم واحد، إما غائب، وإما شاهد وقد بينا نظائر ذلك في مواضع كثيرة من كتابنا هذا يقول: {ونحن أقرب إليه منكم} [الواقعة: 85] يقول: ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم، {ولكن لا تبصرون} [الواقعة: 85] وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: قيل {فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون} [الواقعة: 84] كأنه قد سمع منهم، والله أعلم: إنا نقدر على أن لا نموت، فقال: {فلولا إذا بلغت الحلقوم} [الواقعة: 83] ، ثم قال {فلولا إن كنتم غير مدينين} [الواقعة: 86] أي غير مجزيين ترجعون تلك النفوس وأنتم ترون كيف تخرج عند ذلك إن كنتم صادقين بأنكم تمتنعون من الموت 22P373
[الواقعة: 86_87_88_89] القول في تأويل قوله تعالى: {فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم} [الواقعة: 86_87_88_89] يقول تعالى ذكره: فهلا إن كنتم أيها الناس غير مدينين واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {مدينين} [الواقعة: 86] فقال بعضهم: غير محاسبين ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {فلولا إن كنتم غير مدينين} [الواقعة: 86] يقول: «غير محاسبين» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {غير مدينين} [الواقعة: 86] قال: «محاسبين» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فلولا إن كنتم غير مدينين} [الواقعة: 86] «أي محاسبين» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قول الله: {فلولا إن كنتم غير مدينين} [الواقعة: 86] قال: «كانوا يجحدون أن يدانوا بعد الموت» قال: " وهو مالك يوم الدين، يوم يدان الناس بأعمالهم قال: يدانون: يحاسبون " حدثني يعقوب قال: ثنا ابن علية قال: أخبرنا أبو رجاء، عن الحسن، في 22P375 قوله: {فلولا إن كنتم غير مدينين} [الواقعة: 86] قال: «غير محاسبين» حدثنا ابن بشار قال: ثنا سليمان قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة {فلولا إن كنتم غير مدينين} [الواقعة: 86] قال «غير مبعوثين، غير محاسبين» وقال آخرون: معناه: غير مبعوثين ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار قال: ثنا هوذة قال: ثنا عوف، عن الحسن، {فلولا إن كنتم غير مدينين} [الواقعة: 86] «غير مبعوثين يوم القيامة، ترجعونها إن كنتم صادقين» وقال آخرون: بل معناه: غير مجزيين بأعمالكم وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: غير محاسبين فمجزيين بأعمالكم من قولهم: كما تدين تدان، ومن قول الله: {مالك يوم الدين} وقوله: {ترجعونها إن كنتم صادقين} [الواقعة: 87] يقول: تردون تلك النفوس من بعد مصيرها إلى الحلاقيم إلى مستقرها من الأجساد إن كنتم صادقين، إن كنتم تمتنعون من الموت والحساب والمجازاة، وجواب قوله: {فلولا إذا بلغت الحلقوم} [الواقعة: 83] ، وجواب قوله: {فلولا إن كنتم غير مدينين} [الواقعة: 86] جواب واحد وهو قوله: {ترجعونها} [الواقعة: 87] وذلك نحو قوله: {فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم} [البقرة: 38] جعل جواب الجزاءين جوابا واحدا وبنحو الذي قلنا في قوله: {ترجعونها} [الواقعة: 87] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {ترجعونها} [الواقعة: 87] قال: «لتلك النفس» {إن كنتم صادقين} [البقرة: 23] وقوله: {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان} [الواقعة: 89] يقول تعالى ذكره: فأما إن كان الميت من المقربين الذين قربهم الله من جواره في جنانه {فروح وريحان} [الواقعة: 89] يقول: فله روح وريحان واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار {فروح} [الواقعة: 89] بفتح الراء، بمعنى: فله برد {وريحان} [الواقعة: 89] يقول: ورزق واسع في قول بعضهم، وفي قول آخرين فله راحة وريحان وقرأ ذلك الحسن البصري (فروح) بضم الراء، بمعنى: أن روحه تخرج في ريحانة وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بالفتح لإجماع الحجة من القراء عليه، بمعنى: فله الرحمة والمغفرة، والرزق الطيب الهني واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {فروح وريحان} [الواقعة: 89] فقال بعضهم: معنى ذلك: فراحة ومستراح ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن 22P377 عباس، {فروح وريحان} [الواقعة: 89] يقول: «راحة ومستراح» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان} [الواقعة: 89] قال: " يعني بالريحان: المستريح من الدنيا " {وجنة نعيم} [الواقعة: 89] يقول: «مغفرة ورحمة» وقال آخرون: الروح: الراحة، والريحان: الرزق ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {فروح وريحان} [الواقعة: 89] قال: «راحة» وقوله: وريحان قال: «الرزق» وقال آخرون: الروح: الفرح، والريحان: الرزق ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب قال: ثنا ابن إدريس قال: سمعت أبي، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، في قوله: {فروح وريحان} [الواقعة: 89] قال: " الروح: الفرح ، والريحان: الرزق " 22P378 وأما الذين قرأوا ذلك بضم الراء فإنهم قالوا: الروح: هي روح الإنسان، والريحان: هو الريحان المعروف وقالوا: معنى ذلك: أن أرواح المقربين تخرج من أبدانهم عند الموت بريحان تشمه ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، {فروح وريحان} [الواقعة: 89] قال: «تخرج روحه في ريحانة» حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، {فأما إن كان من المقربين} [الواقعة: 88] قال: «لم يكن أحد من المقربين يفارق الدنيا، والمقربون السابقون، حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه، ثم يقبض» وقال آخرون ممن قرأ ذلك بفتح الراء: الروح: الرحمة، والريحان: الريحان المعروف ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فروح وريحان} [الواقعة: 89] قال: " الروح: الرحمة، والريحان: يتلقى به عند الموت " وقال آخرون منهم: الروح: الرحمة، والريحان: الاستراحة ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد قال: سمعت 22P379 الضحاك، يقول {فروح وريحان} [الواقعة: 89] " الروح: المغفرة والرحمة، والريحان: الاستراحة " حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن منذر الثوري، عن الربيع بن خثيم، {فأما إن كان من المقربين} [الواقعة: 88] قال: هذا عند الموت {فروح وريحان} [الواقعة: 89] قال: «يجاء له من الجنة» حدثنا ابن بشار قال: ثنا أبو عامر قال: ثنا قرة، عن الحسن، في قوله: {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم} [الواقعة: 89] قال: «ذلك في الآخرة،» فقال له بعض القوم قال: «أما والله إنهم ليرون عند الموت» حدثنا ابن بشار قال: ثنا حماد قال: ثنا قرة، عن الحسن، بمثله.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي: قول من قال: عني بالروح: الفرح والرحمة والمغفرة، وأصله من قولهم: وجدت روحا: إذا وجد نسيما يستروح إليه من كرب الحر وأما الريحان، فإنه عندي الريحان الذي يتلقى به عند الموت، كما قال أبو العالية والحسن، ومن قال في ذلك نحو قولهما، لأن ذلك الأغلب والأظهر من معانيه وقوله: {وجنة نعيم} [الواقعة: 89] يقول: وله مع ذلك بستان نعيم يتنعم فيه حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: {وجنة 22P380 نعيم} [الواقعة: 89] قال: «قد عرضت عليه» 22P379
[الواقعة: 90_91_92_93_94] القول في تأويل قوله تعالى: {وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم} [الواقعة: 90_91_92_93_94] يقول تعالى ذكره: {وأما إن كان} [الواقعة: 90] الميت {من أصحاب اليمين} [الواقعة: 90] الذين يؤخذ بهم إلى الجنة من ذات أيمانهم {فسلام لك من أصحاب اليمين} [الواقعة: 91] ثم اختلف في معنى قوله: {فسلام لك من أصحاب اليمين} [الواقعة: 91] فقال أهل التأويل فيه ما: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأما إن كان من أصحاب اليمين} [الواقعة: 90] " فسلام لك من أصحاب اليمين قال: سلام من عند الله، وسلمت عليه ملائكة الله " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: {وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين} [الواقعة: 91] قال: «سلم مما يكره» وأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال بعض نحويي البصرة {وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين} [الواقعة: 90] أي فيقال سلم لك وقال بعض نحويي الكوفة: قوله: {فسلام لك من أصحاب اليمين} [الواقعة: 91] أي فذلك مسلم لك أنك من أصحاب اليمين، وألقيت «أن» ونوي معناها، كما تقول: أنت مصدق مسافر عن قليل، إذا كان قد قال: إني مسافر عن قليل، وكذلك يجب معناه أنك مسافر عن قليل، ومصدق عن قليل قال: وقوله: {فسلام لك} [الواقعة: 91] معناه: فسلم لك أنت من أصحاب اليمين قال: وقد يكون كالدعاء له، كقوله: فسقيا لك من الرجال قال: وإن رفعت السلام فهو دعاء، والله أعلم بصوابه وقال آخر منهم قوله: {فأما إن كان من المقربين} [الواقعة: 88] فإنه جمع بين جوابين، ليعلم أن أما جزاء قال: وأما قوله: {فسلام لك من أصحاب اليمين} [الواقعة: 91] قال: وهذا أصل الكلمة مسلم لك هذا، ثم حذفت «أن» وأقيم «من» مقامها قال: وقد قيل: فسلام لك أنت من أصحاب اليمين، فهو على ذاك: أي سلام لك يقال: أنت من أصحاب اليمين، وهذا كله على كلامين قال: وقد قيل مسلم: أي كما تقول: فسلام لك من القوم، كما تقول: فسقيا لك من القوم، فتكون كلمة واحدة وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: معناه: فسلام لك إنك من أصحاب اليمين، ثم حذفت واجتزئ بدلالة من عليها منها، فسلمت من عذاب الله، ومما تكره، لأنك من أصحاب اليمين وقوله: {وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم} [الواقعة: 93] 22P382 يقول تعالى: وأما إن كان الميت من المكذبين بآيات الله، الجائرين عن سبيله، فله نزل من حميم قد أغلي حتى انتهى حره، فهو شرابه {وتصلية جحيم} [الواقعة: 94] يقول: وحريق النار يحرق بها؛ والتصلية: التفعلة من صلاه الله النار فهو يصليه تصلية، وذلك إذا أحرقه بها 22P381
[الواقعة: 95_96] القول في تأويل قوله تعالى: {إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ربك العظيم} [الواقعة: 95_96] يقول تعالى ذكره: إن هذا الذي أخبرتكم به أيها الناس من الخبر عن المقربين وأصحاب اليمين، وعن المكذبين الضالين، وما إليه صائرة أمورهم {لهو حق اليقين} [الواقعة: 95] يقول: لهو الحق من الخبر اليقين لا شك فيه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {إن هذا لهو حق اليقين} [الواقعة: 95] قال: «الخبر اليقين» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم إن هذا لهو حق اليقين} [الواقعة: 93] حتى ختم، إن الله تعالى ليس تاركا أحدا من خلقه حتى يوقفه على اليقين 22P383 من هذا القرآن فأما المؤمن فأيقن في الدنيا، فنفعه ذلك يوم القيامة وأما الكافر، فأيقن يوم القيامة حين لا ينفعه " واختلف أهل العربية في وجه إضافة الحق إلى اليقين، والحق يقين، فقال بعض نحويي البصرة قال: حق اليقين، فأضاف الحق إلى اليقين، كما قال: {وذلك دين القيمة} [البينة: 5] أي ذلك دين الملة القيمة، وذلك حق الأمر اليقين قال: وأما هذا رجل السوء، فلا يكون فيه هذا الرجل السوء، كما يكون في الحق اليقين، لأن السوء ليس بالرجل، واليقين هو الحق وقال بعض أهل الكوفة: اليقين نعت للحق، كأنه قال: الحق اليقين، والدين القيم، فقد جاء مثله في كثير من الكلام والقرآن {ولدار الآخرة} [يوسف: 109] {والدار الآخرة} [الأعراف: 169] قال: فإذا أضيف توهم به غير الأول وقوله: {فسبح باسم ربك العظيم} [الواقعة: 74] يقول تعالى ذكره: فسبح بتسمية ربك العظيم بأسمائه الحسنى [057] سورة الحديد مدنية وآياتها تسع وعشرون 22P384 [الحديد: 1_2] القول في تفسير السورة التي يذكر فيها الحديد: {سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير} [الحديد: 1_2] يعني تعالى ذكره بقوله: {سبح لله ما في السموات والأرض} أن كل ما دونه من خلقه يسبحه تعظيما له، وإقرارا بربوبيته وإذعانا لطاعته، كما قال جل ثناؤه: {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} وقوله: {وهو العزيز الحكيم} [إبراهيم: 4] يقول: ولكنه جل جلاله العزيز في انتقامه ممن عصاه، فخالف أمره مما في السماوات والأرض من خلقه {الحكيم} [البقرة: 32] في تدبيره أمرهم، وتصريفه إياهم فيما شاء وأحب وقوله: {له ملك السموات والأرض} يقول تعالى ذكره: له سلطان السماوات والأرض وما فيهن ولا شيء فيهن يقدر على الامتناع منه، وهو في جميعهم نافذ الأمر، ماضي الحكم وقوله: {يحيي ويميت} [البقرة: 258] يقول يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، وذلك بأن يحدث من النطفة الميتة حيوانا بنفخ الروح فيها من بعد تارات يقلبها فيها، ونحو ذلك من الأشياء، ويميت ما يشاء من الأحياء بعد الحياة 22P385 بعد بلوغه أجله فيفنيه {وهو على كل شيء قدير } [المائدة: 120] يقول جل ثناؤه: وهو على كل شيء ذو قدرة، لا يتعذر عليه شيء أراده، من إحياء وإماتة، وإعزاز وإذلال، وغير ذلك من الأمور 22P384
[الحديد: 3_4] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} [الحديد: 3_4] يقول تعالى ذكره: {هو الأول} [الحديد: 3] قبل كل شيء بغير حد {والآخر} [الحديد: 3] يقول: والآخر بعد كل شيء بغير نهاية وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه كان ولا شيء موجود سواه، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها، كما قال جل ثناؤه: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] وقوله: {والظاهر} [الحديد: 3] يقول: وهو الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه {والباطن} [الحديد: 3] يقول: وهو الباطن جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16] وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال به أهل التأويل ذكر من قال ذلك، والخبر الذي روي فيه: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} [الحديد: 3] ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في أصحابه، إذ ثار عليهم سحاب، فقال: «هل تدرون ما هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم 22P386 قال: «فإنها الرقيع موج مكفوف، وسقف محفوظ» قال: «فهل تدرون كم بينكم وبينها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم؟ قال: «مسيرة خمس مئة سنة» قال: «فهل تدرون ما فوق ذلك؟» فقالوا مثل ذلك قال: «فوقها سماء أخرى وبينهما مسيرة خمس مئة سنة» قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟» فقالوا مثل قولهم الأول قال: «فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء السابعة مثل ما بين السماءين» قال: «هل تدرون ما التي تحتكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «فإنها الأرض» قال: «فهل تدرون ما تحتها؟» قالوا له مثل قولهم الأول قال: «فإن تحتها أرضا أخرى، وبينهما مسيرة خمس مئة سنة» ، حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمس مئة سنة، ثم قال: «والذي نفس محمد بيده، لو دلي أحدكم بحبل إلى الأرض الأخرى لهبط على الله» ، ثم قرأ {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3] وقوله: {وهو بكل شيء عليم} [البقرة: 29] يقول تعالى ذكره: وهو بكل شيء ذو علم، لا يخفى عليه شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، إلا في كتاب مبين وقوله: {هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام} يقول تعالى ذكره: هو الذي أنشأ السماوات السبع والأرضين، فدبرهن وما فيهن، ثم استوى على عرشه، فارتفع عليه وعلا وقوله: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها} [سبأ: 2] يقول تعالى ذكره مخبرا عن صفته، وأنه لا يخفى عليه خافية من خلقه {يعلم ما يلج في الأرض} [سبأ: 2] من خلقه يعني بقوله: {يلج} [الأعراف: 40] يدخل {وما يخرج منها وما ينزل من السماء} [سبأ: 2] إلى الأرض من شيء قط {وما يعرج فيها} [سبأ: 2] فيصعد إليها من الأرض {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4] يقول: وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم، ويعلم أعمالكم، ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سماواته السبع {والله بما تعملون بصير} [البقرة: 265] يقول: والله بأعمالكم التي تعملونها من حسن وسيئ، وطاعة ومعصية، ذو بصر، وهو لها محص، ليجازي المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته، يوم تجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون 22P387
[الحديد: 5_6] القول في تأويل قوله تعالى: {له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور} [الحديد: 5_6] يقول تعالى ذكره: له سلطان السماوات والأرض نافذ في جميعهن، وفي جميع ما فيهن أمره {وإلى الله ترجع الأمور} [البقرة: 210] يقول جل ثناؤه: وإلى الله مصير أمور جميع خلقه، فيقضي بينهم بحكمه وقوله: {يولج الليل في النهار} [الحج: 61] يعني بقوله: {يولج الليل في النهار} [الحج: 61] يدخل ما نقص من ساعات الليل في النهار، فيجعله زيادة في ساعاته {ويولج 22P388 النهار في الليل} [الحج: 61] يقول: ويدخل ما نقص من ساعات النهار في الليل، فيجعله زيادة في ساعات الليل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: وقد ذكرنا الرواية بما قالوا فيما مضى من كتابنا هذا، غير أن نذكر في هذا الموضع بعض ما لم نذكر هنالك إن شاء الله تعالى: حدثنا هناد بن السري قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} [الحديد: 6] قال: «قصر هذا في طول هذا، وطول هذا في قصر هذا» حدثنا ابن بشار قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، في قوله: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} [الحديد: 6] قال: «دخول الليل في النهار، ودخول النهار في الليل» حدثني أبو السائب قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، في قوله {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} [الحديد: 6] قال: «قصر أيام الشتاء في طول ليله، وقصر ليل الصيف في طول نهاره» وقوله: {وهو عليم بذات الصدور} [الحديد: 6] يقول: وهو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير أو شر، أو حدثت بهما أنفسهم، لا يخفى عليه من ذلك خافية 22P388 [الحديد: 7] القول في تأويل قوله تعالى: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير} [الحديد: 7] يقول تعالى ذكره: آمنوا بالله أيها الناس، فأقروا بوحدانيته وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم فصدقوه فيما جاءكم به من عند الله واتبعوه، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، يقول جل ثناؤه: وأنفقوا مما خولكم الله من المال الذي أورثكم عمن كان قبلكم، فجعلكم خلفاءهم فيه في سبيل الله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {مستخلفين فيه} [الحديد: 7] قال: «المعمرين فيه بالرزق» وقوله: {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا} [الحديد: 7] يقول: فالذين آمنوا بالله ورسوله منكم أيها الناس وأنفقوا مما خولهم الله عمن كان قبلهم ورزقهم من المال في سبيل الله {لهم أجر كبير} [الحديد: 7] يقول: لهم ثواب عظيم 22P389
[الحديد: 8] القول في تأويل قوله تعالى: {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين} [الحديد: 8] يقول تعالى ذكره: وما لكم لا تؤمنون بالله، وما شأنكم أيها الناس لا تقرون بوحدانية الله، ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم يدعوكم إلى الإقرار بوحدانيته، وقد 22P390 أتاكم من الحجج على حقيقة ذلك ما قطع عذركم، وأزال الشك من قلوبكم، وقد أخذ ميثاقكم، قيل: عني بذلك؛ وقد أخذ منكم ربكم ميثاقكم في صلب آدم، بأن الله ربكم لا إله لكم سواه ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وقد أخذ ميثاقكم} [الحديد: 8] قال: «في ظهر آدم» واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق غير أبي عمرو {وقد أخذ ميثاقكم} [الحديد: 8] بفتح الألف من أخذ ونصب الميثاق، بمعنى: وقد أخذ ربكم ميثاقكم وقرأ ذلك أبو عمرو: (وقد أخذ ميثاقكم) بضم الألف ورفع الميثاق، على وجه ما لم يسم فاعله والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وإن كان فتح الألف من أخذ ونصب الميثاق أعجب القراءتين إلي في ذلك لكثرة القراءة بذلك، وقلة القراء بالقراءة الأخرى وقوله: {إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] يقول: إن كنتم تريدون أن تؤمنوا بالله يوما من الأيام، فالآن أحرى الأوقات، أن تؤمنوا لتتابع الحجج عليكم بالرسول وإعلامه، ودعائه إياكم إلى ما قد تقررت صحته عندكم بالإعلام والأدلة والميثاق المأخوذ عليكم 22P390 [الحديد: 9] القول في تأويل قوله تعالى: {هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم} [الحديد: 9] يقول تعالى ذكره: الله الذي ينزل على عبده محمد {آيات بينات} [البقرة: 99] يعني مفصلات {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الأحزاب: 43] يقول جل ثناؤه: ليخرجكم أيها الناس من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ومن الضلالة إلى الهدى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {من الظلمات إلى النور} [الحديد: 9] قال: «من الضلالة إلى الهدى» وقوله: {وإن الله بكم لرءوف رحيم} يقول تعالى ذكره: وإن الله بإنزاله على عبده ما أنزل عليه من الآيات البينات لهدايتكم، وتبصيركم الرشاد، لذو رأفة بكم ورحمة، فمن رأفته ورحمته بكم فعل ذلك 22P391
[الحديد: 10] القول في تأويل قوله تعالى: {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير} [الحديد: 10] يقول تعالى ذكره: وما لكم أيها الناس لا تنفقوا مما رزقكم الله في سبيل الله 22P392 وإلى الله صائر أموالكم إن لم تنفقوها في حياتكم في سبيل الله، لأن له ميراث السماوات والأرض، وإنما حثهم جل ثناؤه بذلك على حظهم، فقال لهم: أنفقوا أموالكم في سبيل الله، ليكون ذلكم لكم ذخرا عند الله من قبل أن تموتوا، فلا تقدروا على ذلك، وتصير الأموال ميراثا لمن له السماوات والأرض وقوله: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} [الحديد: 10] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: لا يستوي منكم أيها الناس من آمن قبل فتح مكة وهاجر ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} [الحديد: 10] قال: " آمن فأنفق، يقول: من هاجر ليس كمن لم يهاجر " حدثنا ابن حميد قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح} [الحديد: 10] يقول: «من آمن» قال: ثنا مهران، عن سفيان قال: «يقول غير ذلك» وقال آخرون: عني بالفتح فتح مكة، وبالنفقة: النفقة في جهاد المشركين ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10] قال: «كان قتالان، أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل الفتح فتح مكة أفضل من النفقة والقتال بعد ذلك» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {من قبل الفتح} [الحديد: 10] قال: «فتح مكة» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني عبد الله بن عياش قال: قال زيد بن أسلم في هذه الآية {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح} [الحديد: 10] قال: «فتح مكة» وقال آخرون: عني بالفتح في هذا الموضع: صلح الحديبية ذكر من قال ذلك: حدثني إسحاق بن شاهين قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر قال: «فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية، يقول تعالى ذكره» : {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} [الحديد: 10] الآية حدثني حميد بن مسعدة قال: ثنا بشر بن المفضل قال: ثنا داود، عن عامر، في هذه الآية، قوله: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} [الحديد: 10] قال: «فتح الحديبية» قال: «فصل ما بين العمرتين فتح الحديبية» حدثني ابن المثنى قال: ثنا عبد الوهاب قال: ثنا داود، عن عامر قال: فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية وأنزلت {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح} [الحديد: 10] إلى {والله بما تعملون خبير} [الحديد: 10] فقالوا: يا رسول الله فتح هو؟ قال: «نعم عظيم» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا عبد الأعلى قال: ثنا داود، عن عامر قال: «فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية،» ثم تلا هنا الآية {لا يستوي منكم} [الحديد: 10] الآية حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية: «يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم» ، قلنا: من هم يا رسول الله، أقريش هم؟ قال: «لا، ولكن أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبا» ، فقلنا: هم خير منا يا رسول الله؟
فقال: «لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه، ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس» ، {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح} [الحديد: 10] الآية، إلى قوله: {والله بما تعملون خبير} [الحديد: 10] حدثني ابن البرقي قال: ثنا ابن أبي مريم قال: ثنا محمد بن جعفر قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن أبي سعيد التمار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم» ، فقلنا: من هم يا رسول الله، أقريش؟ قال: «لا، هم أرق أفئدة وألين قلوبا» ، وأشار بيده إلى اليمن، فقال: «هم أهل اليمن، ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية» فقلنا: يا رسول الله هم خير منا؟ قال: «والذي نفسي بيده لو كان لأحدكم جبل ذهب ينفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه» ، ثم جمع أصابعه، ومد خنصره وقال: " ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10] " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال : معنى ذلك لا يستوي منكم أيها الناس من أنفق في سبيل الله من قبل فتح الحديبية للذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رويناه عن أبي سعيد الخدري عنه وقاتل المشركين بمن أنفق بعد ذلك، وقاتل وترك ذكر من أنفق بعد ذلك، وقاتل استغناء بدلالة الكلام الذي ذكر عليه من ذكره {أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} [الحديد: 10] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين أنفقوا في سبيل الله من قبل فتح الحديبية، وقاتلوا المشركين أعظم درجة في الجنة عند الله من الذين أنفقوا من بعد ذلك وقاتلوا وقوله: {وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] يقول تعالى ذكره: وكل هؤلاء الذين 22P396 أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وعد الله الجنة بإنفاقهم في سبيله، وقتالهم أعداءه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {من الذين أنفقوا} [الحديد: 10] : وآمنوا، {وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] قال: «الجنة» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] قال: «الجنة» وقوله: {والله بما تعملون خبير} [البقرة: 234] يقول تعالى ذكره: والله بما تعملون من النفقة في سبيل الله، وقتال أعدائه، وغير ذلك من أعمالكم التي تعملون، خبير لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميع ذلك يوم القيامة 22P396
[الحديد: 11] القول في تأويل قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم} [الحديد: 11] يقول تعالى ذكره: من هذا الذي ينفق في سبيل الله في الدنيا محتسبا في نفقته مبتغيا ما عند الله، وذلك هو القرض الحسن، يقول: فيضاعف له ربه قرضه ذلك الذي أقرضه، بإنفاقه في سبيله، فيجعل له بالواحدة سبع مئة وكان بعض نحويي البصرة يقول في قوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245] فهو كقول العرب: لي عندك قرض صدق، وقرض سوء إذا فعل به خيرا؛ وأنشد ذلك بيتا للشنفرى: سنجزي سلامان بن مفرج قرضها بما قدمت أيديهم فأزلت {وله أجر كريم} [الحديد: 11] يقول: وله ثواب وجزاء كريم، يعني بذلك الأجر: الجنة، وقد ذكرنا الرواية عن أهل التأويل في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته 22P397 [الحديد: 12] القول في تأويل قوله تعالى: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم} [الحديد: 12] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} [الحديد: 12] فقال بعضهم: معنى ذلك: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يضيء نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات} [الحديد: 12] الآية، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من المؤمنين من 22P398 يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين فصنعاء فدون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه حدثنا ابن المثنى قال: ثنا ابن إدريس قال: سمعت أبي يذكر، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن سكن، عن عبد الله قال: «يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورا على إبهامه يطفأ مرة ويقد مرة» وقال آخرون: بل معنى ذلك: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى إيمانهم وهداهم بين أيديهم، وبأيمانهم: كتبهم ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} [الحديد: 12] " كتبهم، يقول الله: فأما من أوتي كتابه بيمينه، وأما نورهم فهداهم " وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن الضحاك، وذلك أنه لو عنى بذلك النور الضوء المعروف ، لم يخص عنه الخبر بالسعي بين الأيدي والأيمان دون الشمائل، لأن ضياء المؤمنين الذي يؤتونه في الآخرة يضيء لهم جميع ما حولهم، وفي خصوص الله جل ثناؤه الخبر عن سعيه بين أيديهم وبأيمانهم دون الشمائل، ما يدل على أنه معني به غير الضياء، وإن كانوا لا يخلون من الضياء فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا: وكلا وعد الله الحسنى يوم ترون المؤمنين والمؤمنات يسعى ثواب إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم تتطاير ويعني بقوله: {يسعى} [القصص: 20] يمضي، والباء في قوله: {وبأيمانهم} [الحديد: 12] بمعنى في وكان بعض نحويي البصرة يقول: الباء في قوله: {وبأيمانهم} [الحديد: 12] بمعنى على أيمانهم وقوله: {يوم ترى} [الحديد: 12] من صلة وعد وقوله: {بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار} [الحديد: 12] يقول تعالى ذكره يقال لهم: بشارتكم اليوم أيها المؤمنون التي تبشرون بها جنات تجري من تحتها الأنهار، فأبشروا بها وقوله: {خالدين فيها} [البقرة: 162] يقول: ماكثين في الجنات، لا ينتقلون عنها ولا يتحولون وقوله: {ذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 72] يقول: خلودهم في الجنات التي وصفها هو النجح العظيم الذي كانوا يطلبونه بعد النجاة من عقاب الله، ودخول الجنة خالدين فيها 22P399
[الحديد: 13_14] القول في تأويل قوله تعالى: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور} [الحديد: 13_14] يقول تعالى ذكره: هو الفوز العظيم في يوم يقول المنافقون والمنافقات، واليوم من صلة الفوز للذين آمنوا بالله ورسله: انظرونا واختلفت القراء في قراءة قوله: {انظرونا} [الحديد: 13] فقرأت ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة {انظرونا} [الحديد: 13] موصولة بمعنى انتظرونا، وقرأته عامة قراء الكوفة (أنظرونا) مقطوعة الألف من أنظرت بمعنى: أخرونا، وذكر الفراء أن العرب تقول: أنظرني وهم يريدون انتظرني قليلا؛ وأنشد في ذلك بيت عمرو بن كلثوم: أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا قال: فمعنى هذا: انتظرنا قليلا نخبرك، لأنه ليس هاهنا تأخير، إنما هو استماع كقولك للرجل: اسمع مني حتى أخبرك. والصواب من القراءة في ذلك عندي الوصل، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب إذا أريد به انتظرنا، وليس للتأخير في هذا الموضع معنى، فيقال: أنظرونا، بفتح الألف وهمزها وقوله: {نقتبس من نوركم} [الحديد: 13] يقول: نستصبح من نوركم، والقبس: الشعلة وقوله: {قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا} [الحديد: 13] يقول جل ثناؤه: فيجابون بأن يقال لهم: ارجعوا من حيث جئتم، واطلبوا لأنفسكم هنالك نورا، فإنه لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات} [الحديد: 13] إلى قوله: {وبئس المصير} [الحديد: 15] قال ابن عباس: " بينما الناس في ظلمة، إذ بعث الله نورا؛ فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلا من الله إلى الجنة؛ فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا، تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: انظرونا نقتبس من نوركم، فإنا كنا معكم في الدنيا؛ قال المؤمنون: ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا هنالك النور " حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا} [الحديد: 13] الآية، كان ابن عباس يقول: بينما الناس في ظلمة، ثم ذكر نحوه وقوله: {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} [الحديد: 13] يقول تعالى ذكره: فضرب الله بين المؤمنين والمنافقين بسور، وهو حاجز بين أهل الجنة وأهل النار 22P402 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : {بسور له باب} [الحديد: 13] قال: «كالحجاب في الأعراف» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فضرب بينهم بسور له باب} [الحديد: 13] " السور: حائط بين الجنة والنار " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {فضرب بينهم بسور له باب} [الحديد: 13] قال: «هذا السور الذي قال الله» {وبينهما حجاب} [الأعراف: 46] وقد قيل: إن ذلك السور ببيت المقدس عند وادي جهنم ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال: ثنا الحسن بن بلال قال: ثنا حماد قال: أخبرنا أبو سنان قال: كنت مع علي بن عبد الله بن عباس، عند وادي جهنم، فحدث عن أبيه قال: {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} [الحديد: 13] فقال: «هذا موضع السور عند وادي جهنم» حدثني إبراهيم بن عطية بن رديح بن عطية قال: ثني عمي محمد بن رديح بن عطية، عن سعيد بن عبد العزيز، عن أبي العوام، عن عبادة بن الصامت، أنه كان يقول: {باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} [الحديد: 13] قال: «هذا باب الرحمة» حدثنا ابن البرقي قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عطية بن قيس، عن أبي العوام، مؤذن بيت المقدس قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: «إن السور الذي ذكره الله في القرآن» : {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} [الحديد: 13] «هو السور الشرقي، باطنه المسجد، وظاهره وادي جهنم» حدثني محمد بن عوف قال: ثنا أبو المغيرة قال: ثنا صفوان قال: ثنا شريح، أن كعبا كان يقول في الباب الذي في بيت المقدس: «إنه الباب الذي قال الله» : {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} [الحديد: 13] " وقوله: {له باب باطنه فيه الرحمة} [الحديد: 13] يقول تعالى ذكره: لذلك السور باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبل ذلك الظاهر العذاب: يعني النار وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وظاهره من قبله العذاب} [الحديد: 13] أي «النار» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {باطنه فيه الرحمة} [الحديد: 13] قال: «الجنة وما فيها» وقوله: {ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى} [الحديد: 14] يقول تعالى ذكره: ينادي المنافقون المؤمنين حين حجز بينهم بالسور، فبقوا في الظلمة والعذاب، وصار المؤمنون في الجنة، ألم نكن معكم في الدنيا نصلي ونصوم، ونناكحكم ونوارثكم؟
قالوا: بلى، يقول: قال المؤمنون: بلى، بل كنتم كذلك، ولكنكم فتنتم أنفسكم، فنافقتم، وفتنتهم أنفسهم في هذا الموضع كانت النفاق وكذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فتنتم أنفسكم} [الحديد: 14] قال: «النفاق، وكان المنافقون مع المؤمنين أحياء يناكحونهم، ويغشونهم، ويعاشرونهم، وكانوا معهم أمواتا، ويعطون النور جميعا 22P405 يوم القيامة، فيطفأ النور من المنافقين إذا بلغوا السور، ويماز بينهم حينئذ» وقوله: {وتربصتم} [الحديد: 14] يقول: وتلبثتم بالإيمان، ودافعتم بالإقرار بالله ورسوله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {وتربصتم} [الحديد: 14] قال: «بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم،» وقرأ {فتربصوا إنا معكم متربصون} [التوبة: 52] حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وتربصتم} [الحديد: 14] يقول: «تربصوا بالحق وأهله» وقوله: {وارتبتم} [الحديد: 14] يقول: وشككتم في توحيد الله، وفي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كما حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {وارتبتم} [الحديد: 14] «شكوا» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وارتبتم} [الحديد: 14] «كانوا في شك من الله» وقوله: {وغرتكم الأماني} [الحديد: 14] يقول: وخدعتكم أماني نفوسكم، فصدتكم عن سبيل الله وأضلتكم {حتى جاء أمر الله} [الحديد: 14] يقول: حتى جاء قضاء الله بمناياكم، فاجتاحتكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله} [الحديد: 14] «كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار» وقوله: {وغركم بالله الغرور} [الحديد: 14] يقول: وخدعكم بالله الشيطان، فأطمعكم بالنجاة من عقوبته، والسلامة من عذابه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: {الغرور} [الحديد: 14] أي «الشيطان» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وغركم بالله 22P407 الغرور} [الحديد: 14] «أي الشيطان» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {وغركم بالله الغرور} [الحديد: 14] «الشيطان» 22P407
[الحديد: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} [الحديد: 15] يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمنين لأهل النفاق، بعد أن ميز بينهم في القيامة {فاليوم} [الأعراف: 51] أيها المنافقون {لا يؤخذ منكم فدية} [الحديد: 15] يعني: عوضا وبدلا؛ يقول: لا يؤخذ ذلك منكم بدلا من عقابكم وعذابكم، فيخلصكم من عذاب الله {ولا من الذين كفروا} [الحديد: 15] يقول: ولا تؤخذ الفدية أيضا من الذين كفروا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا} [الحديد: 15] «يعني المنافقين، ولا من الذين كفروا» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {فاليوم لا يؤخذ منكم} [الحديد: 15] «من المنافقين» {ولا من الذين كفروا} [الحديد: 15] «معكم» {مأواكم النار} [الحديد: 15] 22P408 واختلفت القراء في قراءة قوله: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} [الحديد: 15] فقرأت ذلك عامة القراء بالياء {يؤخذ} [الحديد: 15] ، وقرأه أبو جعفر القارئ بالتاء وأولى القراءتين بالصواب الياء وإن كانت الأخرى جائزة وقوله: {مأواكم النار} [الحديد: 15] يقول: مثواكم ومسكنكم الذي تسكنونه يوم القيامة النار وقوله: {هي مولاكم} [الحديد: 15] يقول: النار أولى بكم وقوله: {وبئس المصير} [البقرة: 126] يقول: وبئس مصير من صار إلى النار 22P408 [الحديد: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} [الحديد: 16] يقول تعالى ذكره: {ألم يأن للذين آمنوا} [الحديد: 16] ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله، فتخضع قلوبهم له، ولما نزل من الحق، وهو هذا القرآن الذي نزله على رسوله صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} [الحديد: 16] قال: «تطيع قلوبهم» حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} [الحديد: 16] : «ألم يحن للذين آمنوا» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} [الحديد: 16] الآية ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول ما يرفع من الناس الخشوع» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: كان شداد بن أوس يقول: «أول ما يرفع من الناس الخشوع» واختلفت القراء في قراءة قوله: {وما نزل من الحق} [الحديد: 16] فقرأته عامة القراء غير شيبة ونافع بالتشديد (نزل) ، وقرأه شيبة ونافع، {وما نزل} [الحديد: 16] بالتخفيف، وبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب، لتقارب معنييهما وقوله: {ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد} [الحديد: 16] يقول تعالى ذكره: ألم يأن لهم أن ولا يكونوا، يعني الذين آمنوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم {كالذين أوتوا الكتاب من قبل} [الحديد: 16] يعني من بني إسرائيل، ويعني بالكتاب الذي أوتوه من قبلهم التوراة والإنجيل وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي معشر عن إبراهيم قال: جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود، فقال: يا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، فقال عبد الله: " هلك من لم يعرف قلبه معروفا، ولم ينكر قلبه منكرا، إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد، وقست قلوبهم اخترعوا كتابا من بين أيديهم وأرجلهم، استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، وقالوا: نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب، فمن آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه؛ قال: فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن، ثم جعل القرن بين ثندوتيه فلما قيل له: أتؤمن بهذا؟ قال: آمنت به، ويومئ إلى القرن الذي بين ثندوتيه، وما لي لا أومن بهذا الكتاب، فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن " ويعني بقوله: {فطال عليهم الأمد} [الحديد: 16] ما بينهم وبين موسى صلى الله عليه وسلم، وذلك الأمد الزمان وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، 22P411 قوله: {الأمد} [الحديد: 16] قال: «الدهر» وقوله {فقست قلوبهم} [الحديد: 16] عن الخيرات، واشتدت على السكون إلى معاصي الله {وكثير منهم فاسقون} [الحديد: 16] يقول جل ثناؤه: وكثير من هؤلاء الذين أوتوا الكتاب من قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فاسقون 22P411