Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V02/P728–V02/P730

[البقرة: 159] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] يقول: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات علماء اليهود وأحبارها، وعلماء النصارى، لكتمانهم الناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وتركهم اتباعه، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، والإنجيل من البينات التي أنزلها الله ما بين من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه وصفته في الكتابين اللذين أخبر الله تعالى ذكره أن أهلهما يجدون صفته فيهما. ويعني تعالى ذكره بالهدى ما أوضح لهم من أمره في الكتب التي أنزلها على أنبيائهم، فقال تعالى ذكره: إن الذين يكتمون الناس الذي أنزلنا في كتبهم من البيان من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وصحة الملة التي أرسلته بها وحقيتها فلا يخبرونهم به ولا يعلمون من تبييني ذلك للناس وإيضاحي لهم في الكتاب الذي أنزلته إلى أنبيائهم {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا} [البقرة: 160] الآية كما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير،؛ وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قالا جميعا: ثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس، قال " سأل معاذ بن جبل أخو بني سلمة، وسعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، وخارجة بن زيد أخو بني الحارث بن الخزرج، نفرا من أحبار يهود قال أبو كريب: عما في التوراة، وقال ابن حميد عن بعض، ما في التوراة فكتموهم إياه، وأبوا أن يخبروهم، عنه، فأنزل الله تعالى ذكره فيهم: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله " {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} [البقرة: 159] قال: هم أهل الكتاب " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} [البقرة: 159] قال «كتموا محمدا صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوبا عندهم، فكتموه حسدا، وبغيا» حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب} [البقرة: 159] «أولئك أهل الكتاب كتموا الإسلام وهو دين الله، وكتموا محمدا صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، والإنجيل» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب} [البقرة: 159] زعموا أن رجلا من اليهود كان له صديق من الأنصار يقال له ثعلبة بن غنمة، قال له: هل تجدون محمدا عندكم؟ قال: لا. قال: محمد «البينات» 02P731

قسم V02/P730–V02/P731

[البقرة: 159] القول في تأويل قوله تعالى: {من بعد ما بيناه للناس في الكتاب} [البقرة: 159] بعض الناس؛ لأن العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ومبعثه لم يكن إلا عند أهل الكتاب دون غيرهم، وإياهم عنى تعالى ذكره بقوله: {للناس في الكتاب} [البقرة: 159] ويعني بذلك التوراة والإنجيل. وهذه الآية وإن كانت نزلت في خاص من الناس، فإنها معني بها كل كاتم علما فرض الله تعالى بيانه للناس. وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار " وكان أبو هريرة يقول ما حدثنا به، نصر بن علي الجهضمي، قال: ثنا حاتم بن وردان، قال: ثنا أيوب السختياني، عن أبي هريرة، قال " لولا 02P732 آية من كتاب الله ما حدثتكم، وتلا: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] " حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، عن يونس، قال: قال ابن شهاب، قال ابن المسيب، قال أبو هريرة، " لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئا: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات} [البقرة: 159] إلى آخر الآية. والآية الأخرى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} [آل عمران: 187] إلى آخر الآية " 02P732

قسم V02/P731–V02/P733

[البقرة: 159] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] يعني تعالى ذكره بقوله: {أولئك يلعنهم الله} [البقرة: 159] هؤلاء الذين يكتمون ما أنزله الله من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وأمر دينه أنه الحق من بعدما بينه الله لهم في كتبهم، يلعنهم بكتمانهم ذلك وتركهم تبيينه للناس. واللعنة الفعلة، من لعنه الله بمعنى: أقصاه وأبعده، وأسحقه. وأصل اللعن: الطرد، كما قال الشماخ بن ضرار، وذكر ماء ورد عليه: [+البحر الوافر] ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين يعني مقام الذئب الطريد. واللعين من نعت الذئب، وإنما أراد مقام الذئب الطريد واللعين كالرجل. فمعنى الآية إذا: أولئك يبعدهم الله منه ومن رحمته، ويسأل ربهم اللاعنون أن يلعنهم؛ لأن لعنة بني آدم وسائر خلق الله ما لعنوا أن يقولوا: اللهم العنه، إذ كان معنى اللعن هو ما وصفنا من الإقصاء والإبعاد. وإنما قلنا إن لعنة اللاعنين هي ما وصفنا: من مسألتهم ربهم أن يلعنهم، وقولهم: لعنه الله، أو عليه لعنة الله؛ لأن محمد بن خالد بن خداش، ويعقوب بن إبراهيم، حدثاني قالا ثنا إسماعيل ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] البهائم، قال إذا أسنتت السنة، قالت البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم " ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله تعالى ذكره باللاعنين، فقال بعضهم: عنى بذلك دواب الأرض وهوامها ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال " تلعنهم 02P734 دواب الأرض وما شاء الله من الخنافس والعقارب تقول: نمنع القطر بذنوبهم " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] قال دواب الأرض: العقارب والخنافس يقولون: منعنا القطر بخطايا بني آدم " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد: {ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] قال " تلعنهم الهوام ودواب الأرض تقول: أمسك القطر عنا بخطايا بني آدم " حدثنا مشرف بن أبان الخطاب البغدادي، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، في قوله: {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] قال " يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] قال: اللاعنون: البهائم " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله {ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] البهائم تلعن عصاة بني آدم حين أمسك الله 02P735 عنهم بذنوب بني آدم المطر فتخرج البهائم فتلعنهم " حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله " {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] البهائم: الإبل، والبقر، والغنم، فتلعن عصاة بني آدم إذا أجدبت الأرض " فإن قال لنا قائل: وما وجه الذين وجهوا تأويل قوله: {ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] إلى أن اللاعنين هم الخنافس والعقارب ونحو ذلك من هوام الأرض، وقد علمت أنها إذا جمعت ما كان من نوع البهائم وغير بني آدم، فإنما تجمعه بغير الياء والنون وغير الواو والنون، وإنما تجمعه بالتاء، وما خالف ما ذكرنا، فتقول اللاعنات ونحو ذلك؟

قسم V02/P733–V02/P737

قيل: الأمر وإن كان كذلك، فإن من شأن العرب إذا وصفت شيئا من البهائم أو غيرها مما حكم جمعه أن يكون بالتاء وبغير صورة جمع ذكران بني آدم بما هو من صفة الآدميين أن يجمعوه جمع ذكورهم، كما قال تعالى ذكره: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا} [فصلت: 21] فأخرج خطابهم على مثال خطاب بني آدم إذ كلمتهم وكلموها، وكما قال: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} [النمل: 18] وكما قال: {والشمس 02P736 والقمر رأيتهم لي ساجدين} [يوسف: 4] وقال آخرون: عنى الله تعالى ذكره بقوله: {ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] الملائكة والمؤمنين ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، {ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] قال: يقول اللاعنون من ملائكة الله ومن المؤمنين " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله {ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] الملائكة " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال اللاعنون من ملائكة الله والمؤمنين " وقال آخرون: يعني باللاعنين: كل ما عدا بني آدم والجن ذكر من قال ذلك حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] قال: قال البراء بن عازب، «إن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته، إلا الثقلين 02P737 الجن والإنس» حدثنا المثنى، قال، ثنا إسحاق، قال، ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] قال «الكافر إذا وضع في حفرته ضرب ضربة بمطرق فيصيح صيحة يسمع صوته كل شيء إلا الثقلين الجن، والإنس فلا يسمع صيحته شيء إلا لعنه» وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: اللاعنون: الملائكة والمؤمنون؛ لأن الله تعالى ذكره قد وصف الكفار بأن اللعنة التي تحل بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين، فقال تعالى ذكره: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} [البقرة: 161] فكذلك اللعنة التي أخبر الله تعالى ذكره أنها حالة بالفريق الآخر الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس، هي لعنة الله التي أخبر أن لعنتهم حالة بالذين كفروا وماتوا وهم كفار، وهم اللاعنون، لأن الفريقين جميعا أهل كفر. وأما قول من قال: إن اللاعنين هم الخنافس والعقارب وما أشبه ذلك من دبيب الأرض وهوامها، فإنه قول لا تدرك حقيقته إلا بخبر عن الله أن ذلك من فعلها تقوم به الحجة، ولا خبر بذلك عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، فيجوز أن يقال إن ذلك كذلك. وإذ كان ذلك كذلك، فالصواب من القول فيما قالوه أن يقال: إن الدليل من ظاهر كتاب الله موجود بخلاف أهل التأويل، وهو ما وصفنا. فإن كان جائزا أن تكون البهائم وسائر خلق الله تلعن الذين يكتمون ما أنزل الله في كتابه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ونبوته، بعد علمهم به، وتلعن معهم جميع الظلمة، فغير جائز قطع الشهادة في أن الله عنى باللاعنين البهائم والهوام ودبيب الأرض، إلا بخبر للعذر قاطع، ولا خبر بذلك وظاهر كتاب الله الذي ذكرناه دال على خلافه 02P738

قسم V02/P737–V02/P739

[البقرة: 160] القول في تأويل قوله تعالى: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} [البقرة: 160] يعني تعالى ذكره بذلك أن الله واللاعنين يلعنون الكاتمين الناس ما علموا من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته في الكتاب الذي أنزله الله وبينه للناس ، إلا من أناب من كتمانه ذلك منهم وراجع التوبة بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والإقرار به وبنبوته، وتصديقه فيما جاء به من عند الله وبيان ما أنزل الله في كتبه التي أنزل إلى أنبيائه من الأمر باتباعه، وأصلح حال نفسه بالتقرب إلى الله من صالح الأعمال بما يرضيه عنه، وبين الذي علم من وحي الله الذي أنزله إلى أنبيائه وعهد إليهم في كتبه فلم يكتمه وأظهره فلم يخفه. فأولئك، يعني هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصفت منهم، هم الذين أتوب عليهم، فأجعلهم من أهل الإياب إلى طاعتي والإنابة إلى مرضاتي ثم قال تعالى ذكره: {وأنا التواب الرحيم} [البقرة: 160] يقول: وأنا الذي أرجع بقلوب عبيدي المنصرفة عني إلي، والرادها بعد إدبارها عن طاعتي إلى طلب محبتي، والرحيم بالمقبلين بعد إقبالهم إلي أتغمدهم مني بعفو وأصفح عن عظيم ما كانوا اجترموا فيما بيني وبينهم بفضل رحمتي لهم. فإن قال قائل: وكيف يتاب على من تاب؟ وما وجه قوله: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} [البقرة: 160] وهل يكون تائب إلا وهو متوب عليه أو متوب عليه إلا وهو تائب؟ قيل: ذلك مما لا يكون أحدهما إلا والآخر معه، فسواء قيل: إلا الذين تيب عليهم فتابوا، أو قيل: إلا الذين تابوا فإني أتوب عليهم؛ وقد بينا وجه ذلك فيما جاء من الكلام هذا المجيء في نظيره فيما مضى من كتابنا هذا، فكرهنا إعادته في هذا الموضع. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} [البقرة: 160] يقول " أصلحوا فيما بينهم وبين الله، وبينوا الذي جاءهم من الله، فلم يكتموه، ولم يجحدوا به: {فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} [البقرة: 160] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} [البقرة: 160] قال «بينوا ما في كتاب الله للمؤمنين، وما سألوهم عنه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كله في يهود» وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: {وبينوا} [البقرة: 160] إنما هو: وبينوا التوبة بإخلاص العمل. ودليل ظاهر الكتاب والتنزيل بخلافه، لأن القوم إنما عوتبوا قبل هذه الآية على كتمانهم ما أنزل الله تعالى ذكره وبينه في كتابه في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ودينه. ثم استثنى منهم تعالى ذكره الذين يبينون أمر محمد صلى الله عليه وسلم ودينه فيتوبون مما كانوا عليه من الجحود والكتمان، فأخرجهم من عذاب من يلعنه الله ويلعنه اللاعنون. ولم يكن العتاب على تركهم تبيين التوبة بإخلاص العمل. والذين استثنى الله من الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب: عبد الله بن سلام وذووه من أهل الكتاب الذين أسلموا فحسن إسلامهم واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم 02P740

قسم V02/P739–V02/P742

[البقرة: 161] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} [البقرة: 161] يعني تعالى ذكره بقوله: {إن الذين كفروا} [البقرة: 6] إن الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به من اليهود، والنصارى، وسائر أهل الملل والمشركين من عبدة الأوثان {وماتوا وهم كفار} [البقرة: 161] يعني وماتوا وهم على جحودهم ذلك وتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم؛ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة، يعني: فأولئك الذين كفروا وماتوا وهم كفار عليهم لعنة الله؛ يقول: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته {والملائكة} [البقرة: 161] يعني ولعنهم الملائكة والناس أجمعون. ولعنة الملائكة والناس إياهم قولهم: عليهم لعنة الله، وقد بينا معنى اللعنة فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته فإن قال قائل: وكيف تكون على الذي يموت كافرا بمحمد صلى الله عليه وسلم من أصناف الأمم، وأكثرهم ممن لا يؤمن به ويصدقه؟ قيل: إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبت إليه. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم: عنى الله بقوله: {والناس أجمعين} [البقرة: 161] أهل الإيمان به وبرسوله خاصة دون سائر البشر ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والناس أجمعين} [البقرة: 161] يعني بالناس أجمعين: المؤمنين " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، " {والناس أجمعين} [البقرة: 161] يعني بالناس أجمعين: المؤمنين " 02P742 وقال آخرون: بل ذلك يوم القيامة يوقف على رءوس الأشهاد الكافر فيلعنه الناس كلهم ذكر من قال ذلك حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، «أن الكافر، يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون» وقال آخرون: بل ذلك قول القائل كائنا من كان: لعن الله الظالم، فيلحق ذلك كل كافر لأنه من الظلمة ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} [البقرة: 161] فإنه لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: لعن الله الظالم إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه " وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا قول من قال: عنى الله بذلك جميع الناس بمعنى لعنهم إياهم بقولهم: لعن الله الظالم أو الظالمين، فإن كل أحد من بني آدم لا يمنع من قيل ذلك كائنا من كان، ومن أي أهل ملة كان، فيدخل بذلك في لعنته كل كافر كائنا من كان، وذلك بمعنى ما قاله أبو العالية، لأن الله تعالى ذكره أخبر 02P743 عمن شهدهم يوم القيامة أنهم يلعنونهم، فقال: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18] وأما ما قاله قتادة من أنه عنى به بعض الناس، فقول ظاهر التنزيل بخلافه، ولا برهان على حقيقته من خبر ولا نظر. فإن كان ظن أن المعني به المؤمنون من أجل أن الكفار لا يلعنون أنفسهم ولا أولياءهم، فإن الله تعالى ذكره قد أخبر أنهم يلعنونهم في الآخرة، ومعلوم منهم أنهم يلعنون الظلمة، وداخل في الظلمة كل كافر بظلمه نفسه، وجحوده نعمة ربه، ومخالفته أمره 02P742

قسم V02/P742–V02/P746

[البقرة: 162] القول في تأويل قوله تعالى: {خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} [البقرة: 162] إن قال لنا قائل: ما الذي نصب {خالدين فيها} [البقرة: 162] قيل: نصب على الحال من الهاء والميم اللتين في عليهم. وذلك أن معنى قوله: {أولئك عليهم لعنة الله} [البقرة: 161] أولئك يلعنهم الله والملائكة والناس أجمعون خالدين فيها. ولذلك قرأ ذلك: «أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعون» من قرأه كذلك توجيها منه إلى المعنى الذي وصفت وذلك وإن كان جائزا في العربية، فغير جائزة القراءة به لأنه خلاف لمصاحف المسلمين وما جاء به المسلمون من القراءة مستفيضا فيها، فغير جائز الاعتراض بالشاذ من القول على ما قد ثبتت حجته بالنقل المستفيض. وأما الهاء والألف اللتان في قوله: {فيها} [البقرة: 25] فإنهما عائدتان على اللعنة، والمراد بالكلام ما صار إليه الكافر باللعنة من الله ومن ملائكته ومن الناس والذي صار إليه بها نار جهنم. وأجرى الكلام على اللعنة والمراد بها ما صار إليه الكافر كما قد بينا من نظائر ذلك فيما مضى قبل كما حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، {خالدين فيها} [البقرة: 162] يقول: خالدين في جهنم في اللعنة " وأما قوله: {لا يخفف عنهم العذاب} [البقرة: 162] فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن دوام العذاب أبدا من غير توقيت ولا تخفيف، كما قال تعالى ذكره: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} [فاطر: 36] وكما قال: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} [النساء: 56] وأما قوله: {ولا هم ينظرون} [البقرة: 162] فإنه يعني ولا هم ينظرون بمعذرة يعتذرون كما حدثنا عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، {ولا هم ينظرون} [البقرة: 162] يقول لا ينظرون فيعتذرون، كقوله: {هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات : 36] " 02P744 [البقرة: 163] القول في تأويل قوله تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] قد بينا فيما مضى معنى الألوهية وأنها اعتباد الخلق. فمعنى قوله: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] والذي يستحق عليكم أيها الناس الطاعة له، ويستوجب منكم العبادة معبود واحد ورب واحد، فلا تعبدوا غيره ولا تشركوا معه سواه فإن من تشركونه معه في عبادتكم إياه هو خلق من خلق إلهكم مثلكم، وإلهكم إله واحد لا مثل له ولا نظير. واختلف في معنى وحدانيته تعالى ذكره، فقال بعضهم: معنى وحدانية الله معنى نفي الأشباه والأمثال عنه كما يقال: فلان واحد الناس وهو واحد قومه، يعني بذلك أنه ليس له في الناس مثل، ولا له في قومه شبيه ولا نظير؛ فكذلك معنى قول الله {واحد} [البقرة: 61] يعني به الله لا مثل له ولا نظير. فزعموا أن الذي دلهم على صحة تأويلهم ذلك أن قول القائل واحد يفهم لمعان أربعة، أحدها: أن يكون واحدا من جنس كالإنسان الواحد من الإنس، والآخر: أن يكون غير متفرق كالجزء الذي لا ينقسم، والثالث: أن يكون معنيا به المثل والاتفاق كقول القائل: هذان الشيئان واحد، يراد بذلك أنهما متشابهان حتى صارا لاشتباههما في المعاني كالشيء الواحد، والرابع: أن يكون مرادا به نفي النظير عنه والشبيه. قالوا: فلما كانت المعاني الثلاثة من معاني الواحد منتفية عنه صح المعنى الرابع الذي وصفناه. وقال آخرون: معنى وحدانيته تعالى ذكره معنى انفراده من الأشياء وانفراد الأشياء منه. قالوا: وإنما كان منفردا وحده، لأنه غير داخل في شيء ولا داخل فيه شيء. قالوا: ولا صحة لقول القائل واحد من جميع الأشياء إلا ذلك. وأنكر قائلو هذه المقالة المعاني الأربعة التي قالها الآخرون وأما قوله: {لا إله إلا هو} [البقرة: 163] فإنه خبر منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين غيره، ولا يستوجب على العباد العبادة سواه، وأن كل ما سواه فهم خلقه، والواجب على جميعهم طاعته، والانقياد لأمره وترك عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة وهجر الأوثان والأصنام، لأن جميع ذلك خلقه وعلى جميعهم الدينونة له بالوحدانية والألوهية، ولا تنبغي الألوهية إلا له، إذ كان ما بهم من نعمة في الدنيا فمنه دون ما يعبدونه من الأوثان، ويشركون معه من الأشراك وما يصيرون إليه من نعمة في الآخرة فمنه، وأن ما أشركوا معه من الأشراك لا يضر ولا ينفع في عاجل ولا في آجل، ولا في دنيا، ولا في آخرة. وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهل الشرك به على ضلالهم، ودعاء منه لهم إلى الأوبة من كفرهم، والإنابة من شركهم. ثم عرفهم تعالى ذكره بالآية التي تتلوها موضع استدلال ذوي الألباب منهم على حقيقة ما نبههم عليه من توحيده وحججه الواضحة القاطعة عذرهم، فقال تعالى ذكره: " أيها المشركون إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر من أن إلهكم إله واحد دون ما تدعون ألوهيته من الأنداد والأوثان فتدبروا حججي وفكروا فيها، فإن من حججي: خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزلت من السماء من ماء فأحييت به الأرض بعد موتها، وما بثثت فيها من كل دابة، " والسحاب الذي سخرته بين السماء والأرض. فإن كان ما تعبدونه من الأوثان والآلهة والأنداد وسائر ما تشركون به إذا اجتمع جميعه فتظاهر أو انفرد بعضه دون بعض يقدر على أن يخلق نظير شيء من خلقي الذي سميت لكم، فلكم بعبادتكم ما تعبدون من دوني حينئذ عذر، وإلا فلا عذر لكم في اتخاذ إله سواي، ولا إله لكم ولما تعبدون غيري. فليتدبر أولو الألباب إيجاز الله احتجاجه على جميع أهل الكفر به والملحدين في توحيده في هذه الآية وفي التي بعدها بأوجز كلام وأبلغ حجة وألطف معنى يشرف بهم على معرفة فضل حكمة الله وبيانه 02P747

قسم V02/P746–V03/P005

[البقرة: 164] القول في تأويل قوله تعالى: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} [البقرة: 164] اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. فقال بعضهم: أنزلها عليه احتجاجا له على أهل الشرك به من عبدة الأوثان، وذلك أن الله تعالى ذكره لما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] فتلا ذلك على أصحابه، وسمع به المشركون من عبدة الأوثان قال المشركون: وما الحجة، والبرهان على أن ذلك كذلك، ونحن ننكر ذلك، ونحن نزعم أن لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله عند ذلك: {إن في خلق السموات والأرض} احتجاجا لنبيه صلى الله عليه وسلم على الذين قالوا ما ذكرنا عنهم ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال " نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى ذكره: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار} إلى 03P006 قوله: {لآيات لقوم يعقلون} [البقرة: 164] فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء وخالق كل شيء " وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم من أجل أن أهل الشرك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية، فأنزل الله هذه الآية يعلمهم فيها أن لهم في خلق السموات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك آية بينة على وحدانية الله، " وأنه لا شريك له في ملكه لمن عقل وتدبر ذلك بفهم صحيح. ذكر من قال ذلك حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، قال " لما نزلت {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية فأنزل الله تعالى ذكره: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار} . الآية " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق بن الحجاج، ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال: حدثني سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، قال " لما نزلت {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية فأنزل الله تعالى ذكره {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار} الآية " حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال: حدثني سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، قال " لما نزلت هذه 03P007 الآية جعل المشركون يعجبون ويقولون: تقول إلهكم إله واحد، فلتأتنا بآية إن كنت من الصادقين فأنزل الله: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار} . الآية " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبى رباح: أن المشركين، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أرنا آية فنزلت هذه الآية: {إن في خلق السموات والأرض} " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد، قال " سألت قريش، اليهود، فقالوا: حدثونا عما، جاءكم به موسى، من الآيات فحدثوهم بالعصا، وبيده البيضاء، للناظرين، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى، من الآيات، فأخبروهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله.

قسم V03/P005–V03/P007

فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا فنزداد يقينا، ونتقوى به على عدونا فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه، فأوحى إليه: إني معطيهم، فأجعل لهم الصفا ذهبا، ولكن إن كذبوا عذبتهم عذابا لم أعذبه أحدا من العالمين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذرني وقومي فأدعوهم يوما بيوم» فأنزل الله عليه: {إن في خلق السموات والأرض} الآية، إن في ذلك لآية لهم، إن كانوا إنما يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبا، فخلق الله السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار أعظم من أن أجعل لهم الصفا ذهبا ليزدادوا يقينا " حدثني موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار} فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: غير لنا الصفا ذهبا إن كنت صادقا أنه منه فقال الله: إن في هذه الآيات لآيات لقوم يعقلون. وقال: قد سأل الآيات قوم قبلكم، ثم أصبحوا بها كافرين " والصواب من القول في ذلك، أن الله تعالى ذكره نبه عباده على الدلالة على وحدانيته وتفرده بالألوهية دون كل ما سواه من الأشياء بهذه الآية. وجائز أن تكون نزلت فيما قاله عطاء، وجائز أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير وأبو الضحى، ولا خبر عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذر فيجوز أن يقضي أحد لأحد الفريقين بصحة قول على الآخر. وأي القولين كان صحيحا فالمراد من الآية ما قلت 03P008

قسم V03/P007–V03/P011

[البقرة: 164] القول في تأويل قوله تعالى: {إن في خلق السموات والأرض} [البقرة: 164] يعني تعالى ذكره بقوله: {إن في خلق السموات والأرض} إن في إنشاء السموات والأرض وابتداعهما. ومعنى خلق الله الأشياء: ابتداعه وإيجاده إياها بعد أن لم تكن موجودة. وقد دللنا فيما مضى على المعنى الذي من أجله قيل «الأرض» ولم تجمع كما جمعت السموات، فأغنى ذلك عن إعادته. فإن قال لنا قائل: وهل للسموات والأرض خلق هو غيرها فيقال: إن في خلق السموات والأرض؟ قيل: قد اختلف في ذلك، فقال بعض الناس: لها خلق هو غيرها، واعتلوا في ذلك بهذه الآية، وبالتي في سورة الكهف: {ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم} وقالوا: لم يخلق الله شيئا إلا والله له مريد. قالوا: فالأشياء كانت بإرادة الله، والإرادة خلق لها. وقال آخرون: خلق الشيء صفة له، لا هي هو ولا غيره. قالوا: لو كان غيره لوجب أن يكون مثله موصوفا. قالوا: ولو جاز أن يكون خلقه غيره وأن يكون موصوفا لوجب أن تكون له صفة هي له خلق، ولو وجب ذلك كذلك لم يكن لذلك نهاية. قالوا: فكان معلوما بذلك أنه صفة للشيء. قالوا: فخلق السموات، والأرض صفة لهما على ما وصفنا واعتلوا أيضا بأن للشيء خلقا ليس هو به من كتاب الله بنحو الذي اعتل به الأولون. وقال آخرون: خلق السموات والأرض وخلق كل مخلوق، هو ذلك الشيء بعينه لا غيره. فمعنى قوله: {إن في خلق السموات والأرض} إن في السموات والأرض 03P009 [البقرة: 164] القول في تأويل قوله تعالى: {واختلاف الليل والنهار} [البقرة: 164] يعني تعالى ذكره بقوله: {واختلاف الليل والنهار} [البقرة: 164] وتعاقب الليل، والنهار عليكم أيها الناس. وإنما الاختلاف في هذا الموضع الافتعال من خلوف كل واحد منهما الآخر، كما قال تعالى ذكره: {وهو الذي جعل الليل، والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} [الفرقان: 62] بمعنى: أن كل واحد منهما يخلف مكان صاحبه إذا ذهب الليل جاء النهار بعده، وإذا ذهب النهار جاء الليل خلفه؛ ومن ذلك قيل: خلف فلان فلانا في أهله بسوء، ومنه قول زهير: [+البحر الطويل] بها العين والآرام يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم وأما الليل فإنه جمع ليلة، نظير التمر الذي هو جمع تمرة، وقد يجمع ليال فيزيدون في جمعها ما لم يكن في واحدتها. وزيادتهم الياء في ذلك نظير زيادتهم إياها في رباعية وثمانية وكراهية. وأما النهار فإن العرب لا تكاد تجمعه لأنه بمنزلة الضوء، وقد سمع في جمعه «النهر» قال الشاعر: [+البحر الرجز] لولا الثريدان هلكنا بالضمر ثريد ليل وثريد بالنهر، ولو قيل في جمع قليله أنهرة كان قياسا 03P010 [البقرة: 164] القول في تأويل قوله تعالى: {والفلك التي تجري في البحر} [البقرة: 164] يعني تعالى ذكره: إن في الفلك التي تجري في البحر. والفلك هو السفن، واحده وجمعه بلفظ واحد، ويذكر ويؤنث كما قال تعالى ذكره في تذكيره في آية أخرى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون} [يس: 41] فذكره، وقد قال في هذه الآية: {والفلك التي تجري في البحر} [البقرة: 164] وهي مجراة؛ لأنها إذا أجريت فهي الجارية، فأضيف إليها من الصفة ما هو لها. وأما قوله: {بما ينفع الناس} [البقرة: 164] فإن معناه: ينفع الناس في البحر 03P011 [البقرة: 164] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} [البقرة: 164] يعني تعالى ذكره بقوله: {وما أنزل الله من السماء من ماء} [البقرة: 164] وفيما أنزله الله من السماء من ماء، وهو المطر الذي ينزله الله من السماء وقوله: {فأحيا به الأرض بعد موتها} [البقرة: 164] وإحياؤها: عمارتها وإخراج نباتها، 03P012 والهاء التي في «به» عائدة على الماء، والهاء والألف في قوله: {بعد موتها} [البقرة: 164] على الأرض، وموت الأرض: خرابها ودثور عمارتها، وانقطاع نباتها الذي هو للعباد أقوات، وللأنام أرزاق 03P011

قسم V03/P011–V03/P015

[البقرة: 164] القول في تأويل قوله تعالى: {وبث فيها من كل دابة} [البقرة: 164] يعني تعالى ذكره بقوله: {وبث فيها من كل دابة} [البقرة: 164] وإن فيما بث في الأرض من دابة. ومعنى قوله، {وبث فيها} [البقرة: 164] وفرق فيها، من قول القائل: بث الأمير سراياه: يعني فرق. والهاء والألف في قوله: «فيها» عائدتان على الأرض. والدابة الفاعلة من قول القائل دبت الدابة تدب دبيبا فهي دابة، والدابة اسم لكل ذي روح كان غير طائر بجناحيه لدبيبه على الأرض 03P012 [البقرة: 164] القول في تأويل قوله تعالى: {وتصريف الرياح} [البقرة: 164] يعني تعالى ذكره بقوله: {وتصريف الرياح} [البقرة: 164] وفي تصريفه الرياح، فأسقط ذكر الفاعل وأضاف الفعل إلى المفعول، كما قال: يعجبني إكرام أخيك، يريد إكرامك أخاك وتصريف الله إياها: أن يرسلها مرة لواقح، ومرة يجعلها عقيما، ويبعثها عذابا تدمر كل شيء بأمر ربها كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وتصريف الرياح والسحاب المسخر} [البقرة: 164] قال «قادر والله ربنا على ذلك، إذا شاء جعلها عذابا ريحا عقيما لا تلقح، إنما هي عذاب على من أرسلت 03P013 عليه» وزعم بعض أهل العربية أن معنى قوله: {وتصريف الرياح} [البقرة: 164] أنها تأتي مرة جنوبا وشمالا وقبولا ودبورا، ثم قال: وذلك تصريفها. وهذه الصفة التي وصف الرياح بها صفة تصرفها لا صفة تصريفها؛ لأن تصريفها تصريف الله لها، وتصرفها اختلاف هبوبها. وقد يجوز أن يكون معنى قوله: {وتصريف الرياح} [البقرة: 164] تصريف الله تعالى ذكره هبوب الرياح باختلاف مهابها 03P012 [البقرة: 164] القول في تأويل قوله تعالى: {والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} [البقرة: 164] يعني تعالى ذكره بقوله {والسحاب المسخر} [البقرة: 164] وفي السحاب جمع سحابة، يدل على ذلك قوله تعالى ذكره: {وينشئ السحاب الثقال} [الرعد: 12] فوحد المسخر وذكره كما قال: هذه تمرة، وهذا تمر كثير في جمعه، وهذه نخلة، وهذا نخل. وإنما قيل للسحاب سحاب إن شاء الله لجر بعضه بعضا وسحبه إياه، من قول القائل: مر فلان يجر ذيله: يعني يسحبه. فأما معنى قوله: {لآيات} [البقرة: 164] فإنه علامات ودلالات على أن خالق ذلك كله ومنشئه إله واحد {لقوم يعقلون} [البقرة: 164] لمن عقل مواضع الحجج وفهم عن الله أدلته على وحدانيته. فأعلم تعالى ذكره عباده بأن الأدلة، والحجج إنما وضعت معتبرا لذوي العقول والتمييز دون غيرهم من الخلق، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنهي، والمكلفين بالطاعة والعبادة، ولهم الثواب وعليهم العقاب. فإن قال قائل: وكيف احتج على أهل الكفر بقوله: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار} الآية في توحيد الله، وقد علمت أن أصنافا من أصناف الكفرة تدفع أن تكون السموات والأرض وسائر ما ذكر في هذه الآية مخلوقة؟ قيل: إن إنكار من أنكر ذلك غير دافع أن يكون جميع ما ذكر تعالى ذكره في هذه الآية دليلا على خالقه وصانعه، وأن له مدبرا لا يشبهه شيء، وبارئا لا مثل له. وذلك وإن كان كذلك، فإن الله إنما حاج بذلك قوما كانوا مقرين بأن الله خالقهم غير أنهم يشركون في عبادته عبادة الأصنام والأوثان؛ فحاجهم تعالى ذكره فقال إذ أنكروا قوله: {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] وزعموا أن له شركاء من الآلهة: إن إلهكم الذي خلق السموات، وأجرى فيها الشمس والقمر لكم بأرزاقكم دائبين في سيرهما، وذلك هو معنى اختلاف الليل والنهار في الشمس والقمر، وذلك هو معنى قوله: {والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} [البقرة: 164] وأنزل إليكم الغيث من السماء، فأخصب به جنابكم بعد جدوبه، وأمرعه بعد دثوره، فنعشكم به بعد قنوطكم، وذلك هو معنى قوله: {وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} [البقرة: 164] وسخر لكم الأنعام فيها لكم مطاعم ومآكل، ومنها جمال ومراكب، ومنها أثاث وملابس، وذلك هو معنى قوله: {وبث فيها من كل دابة} [البقرة: 164] وأرسل لكم الرياح لواقح لأشجار ثماركم وغذائكم وأقواتكم وسير لكم السحاب الذي بودقه حياتكم وحياة نعمكم ومواشيكم؛ وذلك هو معنى قوله: {وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض} [البقرة: 164] فأخبرهم أن إلههم هو الله الذي أنعم عليهم بهذه النعم، وتفرد لهم بها. ثم قال: {هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء} [الروم: 40] فتشركوه في عبادتكم إياي، وتجعلوه لي ندا وعدلا؟ فإن لم يكن من شركائكم من يفعل ذلكم من شيء، ففي الذي عددت عليكم من نعمتي وتفردت لكم بأيادي دلالات لكم إن كنتم تعقلون مواقع الحق والباطل والجور والإنصاف، وذلك إني لكم بالإحسان إليكم متفرد دون غيري، وأنتم تجعلون لي في عبادتكم إياي أندادا. فهذا هو معنى الآية. والذين ذكروا بهذه الآية واحتج عليهم بها هم القوم الذين وصفت صفتهم دون المعطلة، والدهرية، وإن كان في أصغر ما عد الله في هذه الآية من الحجج البالغة، المقنع لجميع الأنام تركنا البيان عنه كراهة إطالة الكتاب بذكره 03P016

قسم V03/P015–V03/P017

[البقرة: 165] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب} [البقرة: 165] يعني تعالى ذكره بذلك: أن من الناس من يتخذ من دون الله أندادا له، وقد بينا فيما مضى أن الند العدل بما يدل على ذلك من الشواهد فكرهنا إعادته، وأن الذين اتخذوا هذه الأنداد من دون الله يحبون أندادهم كحب المؤمنين الله، ثم أخبرهم أن المؤمنين أشد حبا لله من متخذي هذه الأنداد لأندادهم. واختلف أهل التأويل في الأنداد التي كان القوم اتخذوها وما هي؟ فقال بعضهم: هي آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله ذكر من قال ذلك حدثنا بشر بن معاذ، ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قوله {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] من الكفار لأوثانهم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 03P017 نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى ذكره {يحبونهم كحب الله} [البقرة: 165] مباهاة، ومضاهاة للحق بالأنداد. {والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] من الكفار لأوثانهم " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} [البقرة: 165] قال: هي الآلهة التي تعبد من دون الله. يقول: يحبون أوثانهم كحب الله {والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] ، أي من الكفار لأوثانهم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} [البقرة: 165] قال " هؤلاء المشركون أندادهم آلهتهم التي عبدوا مع الله يحبونهم كما يحب الذين آمنوا الله {والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] من حبهم هم آلهتهم " وقال آخرون: بل الأنداد في هذا الموضع إنما هم سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى ذكره ذكر من قال ذلك، حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} [البقرة: 165] قال «الأنداد من الرجال يطيعونهم كما يطيعون الله إذا أمروهم أطاعوهم وعصوا الله» فإن قال قائل: وكيف قيل كحب الله، وهل يحب الله الأنداد؟ وهل كان متخذو الأنداد يحبون الله فيقال يحبونهم كحب الله؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه، وإنما نظير ذلك قول القائل: بعت غلامي كبيع غلامك، بمعنى: بعته كما بيع غلامك وكبيعك غلامك، واستوفيت حقي منه استيفاء حقك، بمعنى: استيفائك حقك. فتحذف من الثاني كناية اسم المخاطب اكتفاء بكنايته في «الغلام» و «الحق» ، كما قال الشاعر: [+البحر الوافر] فلست مسلما ما دمت حيا على زيد بتسليم الأمير يعني بذلك: كما يسلم على الأمير. فمعنى الكلام إذا: ومن الناس من يتخذ أيها المؤمنون من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله 03P018

قسم V03/P017–V03/P020

[البقرة: 165] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب} [البقرة: 165] اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأه عامة أهل المدينة والشام: (ولو ترى الذين ظلموا) بالتاء {إذ يرون العذاب} [البقرة: 165] بالياء {أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب} [البقرة: 165] بفتح «أن» و «أن» كلتيهما، بمعنى: ولو ترى يا محمد الذين كفروا وظلموا أنفسهم حين يرون عذاب الله ويعاينونه، أن القوة لله جميعا، وأن الله شديد العذاب. ثم في نصب «أن» و «أن» في هذه القراءة وجهان: أحدهما أن تفتح بالمحذوف من الكلام الذي هو مطلوب فيه، فيكون تأويل الكلام حينئذ: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا إذ يرون عذاب الله لأقروا. ومعنى ترى: تبصر أن القوة لله جميعا، وأن الله شديد العذاب. ويكون الجواب حينئذ إذ فتحت «أن» على هذا الوجه متروكا قد اكتفي بدلالة الكلام عليه. ويكون المعنى ما وصفت. فهذا أحد وجهي فتح أن على قراءة من قرأ: {ولو ترى} [الأنعام: 27] بالتاء. والوجه الآخر في الفتح، أن يكون معناه: ولو ترى يا محمد إذ يرى الذين ظلموا عذاب الله، لأن القوة لله جميعا، وأن الله شديد العذاب، لعلمت مبلغ عذاب الله. ثم تحذف اللام فتفتح بذلك المعنى لدلالة الكلام عليها. وقرأ ذلك آخرون من سلف القراء: (ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب إن القوة لله جميعا وإن الله شديد العذاب) بمعنى: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا حين يعاينوا عذاب الله لعلمت الحال التي يصيرون إليها. ثم أخبر تعالى ذكره خبرا مبتدأ عن قدرته وسلطانه بعد تمام الخبر الأول، فقال: إن القوة لله جميعا في الدنيا والآخرة دون من سواه من الأنداد والآلهة، وإن الله شديد العذاب لمن أشرك به وادعى معه شركاء وجعل له ندا. وقد يحتمل وجها آخر في قراءة من كسر «إن» في «ترى» بالتاء، وهو أن يكون معناه: ولو ترى يا محمد الذين ظلموا إذ يرون العذاب، يقولون: إن القوة لله جميعا، وإن الله شديد العذاب. ثم تحذف القول وتكفي منه بالمقول. وقرأ ذلك آخرون: {ولو يرى الذين ظلموا} [البقرة: 165] بالياء {إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب} [البقرة: 165] بفتح الألف من أن وأن، بمعنى: ولو يرى الذين ظلموا عذاب الله الذي أعد لهم في جهنم لعلموا حين يرونه فيعاينونه أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب، إذ يرون العذاب. فتكون «أن» الأولى منصوبة لتعلقها بجواب «لو» المحذوف ويكون الجواب متروكا، وتكون الثانية معطوفة على الأولى وهذه قراءة عامة القراء الكوفيين، والبصريين، وأهل مكة وقد زعم بعض نحويي البصرة أن تأويل قراءة من قرأ: {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب} [البقرة: 165] بالياء في يرى وفتح الألفين في «أن» و «أن» : ولو يعلمون، لأنهم لم يكونوا علموا قدر ما يعاينون من العذاب. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم، فإذا قال: «ولو ترى» ، فإنما يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ولو كسر «إن» على الابتداء إذا قال: «ولو يرى» جاز، لأن «لو يرى» : لو يعلم وقد يكون «لو يعلم» في معنى لا يحتاج معها إلى شيء، تقول للرجل: أما والله لو يعلم ولو تعلم، كما قال الشاعر: [+البحر الخفيف] إن يكن طبك الدلال فلو في سالف الدهر والسنين الخوالي هذا ليس له جواب إلا في المعنى، وقال الشاعر: وبحظ مما نعيش ولا تذ هب بك الترهات في الأهوال فأضمر «عيشي» .

قسم V03/P020–V03/P023

قال: وقال بعضهم: «ولو ترى» وفتح «أن» على «ترى» وليس بذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم، ولكن أراد أن يعلم ذلك الناس كما قال تعالى ذكره: {أم يقولون افتراه} [يونس: 38] ليخبر الناس عن جهلهم ، وكما قال: {ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض} قال أبو جعفر: وأنكر قوم أن تكون «أن» عاملا فيها قوله: {ولو يرى} [البقرة: 165] وقالوا: إن الذين ظلموا قد علموا حين يرون العذاب أن القوة لله جميعا، فلا وجه لمن تأول ذلك: ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله. وقالوا: إنما عمل في «أن» جواب «لو» الذي هو بمعنى العلم، لتقدم العلم الأول. وقال بعض نحويي الكوفة: من نصب: {أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب} [البقرة: 165] ممن قرأ: {ولو يرى} [البقرة: 165] بالياء فإنما نصبها بإعمال الرؤية فيها، وجعل الرؤية واقعة عليها. وأما من نصبها ممن قرأ: (ولو ترى) بالتاء، فإنه نصبها على تأويل: لأن القوة لله جميعا، ولأن الله شديد العذاب. قال: ومن كسرهما ممن قرأ بالتاء فإنه يكسرهما على الخبر. وقال آخرون منهم: فتح «أن» في قراءة من قرأ: {ولو يرى الذين ظلموا} [البقرة: 165] بالياء بإعمال «يرى» ، وجواب الكلام حينئذ متروك، كما ترك جواب: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض} [الرعد: 31] لأن معنى الجنة والنار مكرر معروف. وقالوا: جائز كسر «إن» في قراءة من قرأ بالياء، وإيقاع الرؤية على «إذ» في المعنى، وأجازوا نصب «أن» على قراءة من قرأ ذلك بالتاء لمعنى نية فعل آخر، وأن يكون تأويل الكلام: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يرون أن القوة لله جميعا. وزعموا أن كسر «إن» الوجه إذا قرئت: «ولو ترى» بالتاء على الاستئناف، لأن قوله: «ولو ترى» قد وقع على «الذين ظلموا» . قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندنا في ذلك: «ولو ترى الذين ظلموا» بالتاء من «ترى» {إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب} [البقرة: 165] بمعنى لرأيت أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب، فيكون قوله «لرأيت» الثانية محذوفة مستغنى بدلالة قوله: «ولو ترى الذين ظلموا» عن ذكره، وإن كان جوابا ل «ولو» ويكون الكلام وإن كان مخرجه مخرج الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم معنيا به غيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا شك عالما بأن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب، ويكون ذلك نظير قوله: {ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض} وقد بيناه في موضعه. وإنما اخترنا ذلك على قراءة الياء؛ لأن القوم إذا رأوا العذاب قد أيقنوا أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب، فلا وجه أن يقال: لو يرون أن القوة لله جميعا حينئذ، لأنه إنما يقال: «لو رأيت» لمن لم ير، فأما من قد رآه فلا معنى لأن يقال له: «لو رأيت» . ومعنى قوله: {إذ يرون العذاب} [البقرة: 165] إذ يعاينون العذاب كما حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب} [البقرة: 165] يقول: لو عاينوا العذاب " وإنما عنى تعالى ذكره بقوله: «ولو ترى الذين ظلموا» ولو ترى يا محمد الذين ظلموا أنفسهم فاتخذوا من دوني أندادا يحبونهم كحبكم إياي، حين يعاينون عذابي يوم القيامة الذي أعددت لهم، لعلمتم أن القوة كلها لي دون الأنداد والآلهة، وأن الأنداد والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئا، ولا تدفع عنهم عذابا أحللت بهم، وأيقنتم أني شديد عذابي لمن كفر بي وادعى معي إلها غيري 03P023

قسم V03/P023–V03/P024

[البقرة: 166] القول في تأويل قوله تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] يعني تعالى ذكره بقوله: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب} [البقرة: 166] إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} [البقرة: 166] فقال بعضهم بما حدثنا به، بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، 03P024 قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله " {إذ تبرأ الذين اتبعوا} [البقرة: 166] وهم الجبابرة، والقادة، والروس في الشرك {من الذين اتبعوا} [البقرة: 166] وهم الأتباع الضعفاء {ورأوا العذاب} [البقرة: 166] " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، " {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} [البقرة: 166] قال: تبرأت القادة من الأتباع يوم القيامة " حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال ابن جريج، قلت لعطاء: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} [البقرة: 166] قال «تبرأ رؤساؤهم، وقادتهم، وساداتهم من الذين اتبعوهم» وقال آخرون بما حدثني به، موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} [البقرة: 166] أما الذين اتبعوا فهم الشياطين تبرءوا من الإنس " قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي في ذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أن المتبعين على 03P025 الشرك بالله يتبرءون من أتباعهم حين يعاينون عذاب الله ولم يخصص بذلك منهم بعضا دون بعض، بل عم جميعهم، فدخل في ذلك كل متبوع على الكفر بالله والضلال أنه يتبرأ من أتباعه الذين كانوا يتبعونه على الضلال في الدنيا إذا عاينوا عذاب الله في الآخرة، وأما دلالة الآية فيمن عنى بقوله: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} [البقرة: 166] فإنها إنما تدل على أن الأنداد الذين اتخذهم من دون الله من وصف تعالى ذكره صفته بقوله: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} [البقرة: 165] هم الذين يتبرءون من أتباعهم. وإذا كانت الآية على ذلك دالة صح التأويل الذي تأوله السدي في قوله: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} [البقرة: 165] أن الأنداد في هذا الموضع إنما أريد بها الأنداد من الرجال الذين يطيعونهم فيما أمروهم به من أمر، ويعصون الله في طاعتهم إياهم، كما يطيع الله المؤمنون ويعصون غيره، وفسد تأويل قول من قال: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} [البقرة: 166] إنهم الشياطين تبرءوا من أوليائهم من الإنس؛ لأن هذه الآية إنما هي في سياق الخبر عن متخذي الأنداد 03P024

قسم V03/P024–V03/P028

[البقرة: 166] القول في تأويل قوله تعالى: {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] يعني تعالى ذكره بذلك: أن الله شديد العذاب إذ تبرأ الذين اتبعوا وإذ تقطعت بهم الأسباب. ثم اختلف أهل التأويل في معنى الأسباب فقال بعضهم بما حدثني به، يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، وثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عبيد المكتب، عن مجاهد، " {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] قال: الوصال الذي كان بينهم في الدنيا " حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهد " {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] قال: تواصلهم في الدنيا " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، وثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد جميعا، قالا: ثنا سفيان، عن عبيد المكتب، عن مجاهد بمثله حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نحيح، عن مجاهد، " {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] قال: المودة " حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال «تواصل كان بينهم بالمودة في الدنيا» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، قال: أخبرني قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس، في قول الله تعالى ذكره " {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] قال: المودة " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] أسباب الندامة يوم القيامة، وأسباب المواصلة التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها ويتحابون بها، فصارت عليهم عداوة يوم القيامة {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} [العنكبوت: 25] ويتبرأ بعضكم من بعض، وقال الله تعالى ذكره: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف: 67] فصارت كل خلة عداوة على أهلها، إلا خلة المتقين " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله " {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] قال: هو الوصل الذي كان بينهم في الدنيا " وحدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه، عن الربيع، " {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] يقول: الأسباب: الندامة " 03P028 وقال بعضهم: بل معنى الأسباب: المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، " {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] يقول: تقطعت بهم المنازل " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، " {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] قال: الأسباب: المنازل " وقال آخرون: الأسباب: الأرحام ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم بن الحسن، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، وقال ابن عباس، " {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] قال: الأرحام " وقال آخرون: الأسباب: الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، أما {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] فالأعمال " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] قال «أسباب أعمالهم، فأهل التقوى أعطوا أسباب أعمالهم وثيقة فيأخذون بها فينجون، والآخرون أعطوا أسباب أعمالهم الخبيثة فتقطع بهم فيذهبون في النار» قال: والأسباب: الشيء يتعلق به.

قسم V03/P028–V03/P029

قال: والسبب الحبل، والأسباب جمع سبب، وهو كل ما تسبب به الرجل إلى طلبته وحاجته، فيقال للحبل سبب؛ لأنه يتسبب بالتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا بالتعلق به، ويقال للطريق سبب للتسبب بركوبه إلى ما لا يدرك إلا بقطعه، وللمصاهرة سبب؛ لأنها سبب للحرمة، وللوسيلة سبب للوصول بها إلى الحاجة، وكذلك كل ما كان به إدراك الطلبة فهو سبب لإدراكها. فإذا كان ذلك كذلك فالصواب من القول في تأويل قوله: {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن الذين ظلموا أنفسهم من أهل الكفر الذين ماتوا وهم كفار يتبرأ عند معاينتهم عذاب الله المتبوع من التابع، وتتقطع بهم الأسباب. وقد أخبر تعالى ذكره في كتابه أن بعضهم يلعن بعضا، وأخبر عن الشيطان أنه يقول لأوليائه: {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل} [إبراهيم: 22] وأخبر تعالى، ذكره أن الأخلاء، يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، وأن الكافرين لا ينصر يومئذ بعضهم بعضا، فقال تعالى ذكره : {وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون} [الصافات: 25] وأن الرجل منهم لا ينفعه نسيبه ولا ذو رحمه، وإن كان نسيبه لله وليا، فقال تعالى ذكره في ذلك: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] وأخبر تعالى ذكره أن أعمالهم تصير عليهم حسرات. وكل هذه المعاني أسباب يتسبب في الدنيا بها إلى مطالب، فقطع الله منافعها في الآخرة عن الكافرين به؛ لأنها كانت بخلاف طاعته ورضاه فهي منقطعة بأهلها؛ فلا خلال بعضهم بعضا ينفعهم عند ورودهم على ربهم ولا عبادتهم أندادهم ولا طاعتهم شياطينهم، ولا دافعت عنهم أرحام فنصرتهم من انتقام الله منهم، ولا أغنت عنهم أعمالهم بل صارت عليهم حسرات، فكل أسباب الكفار منقطعة، فلا معنى أبلغ في تأويل قوله: {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة: 166] من صفة الله، وذلك ما بينا من جميع أسبابهم دون بعضها على ما قلنا في ذلك. ومن ادعى أن المعنى بذلك خاص من الأسباب سئل عن البيان على دعواه من أصل لا منازع فيه، وعورض بقول مخالفه فيه، فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله 03P030

قسم V03/P029–V03/P031

[البقرة: 167] القول في تأويل قوله تعالى: {وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 167] 03P031 يعني بقوله تعالى ذكره: {وقال الذين اتبعوا} [البقرة: 167] وقال أتباع الرجال الذين كانوا اتخذوهم أندادا من دون الله يطيعونهم في معصية الله، ويعصون ربهم في طاعتهم، إذ يرون عذاب الله في الآخرة: {لو أن لنا كرة} [البقرة: 167] يعني بالكرة: الرجعة إلى الدنيا، من قول القائل: كررت على القوم أكر كرا، والكرة: المرة الواحدة، وذلك إذا حمل عليهم راجعا عليهم بعد الانصراف عنهم كما قال الأخطل: [+البحر الكامل] ولقد عطفن على فزارة عطفة كر المنيح، وجلن ثم مجالا وكما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، « {وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا} أي لنا رجعة إلى الدنيا» حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، {وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة} [البقرة: 167] قال: قالت الأتباع: لو أن لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا " وقوله: {فنتبرأ منهم} [البقرة: 167] منصوب لأنه جواب للتمني بالفاء؛ لأن القوم تمنوا رجعة إلى الدنيا ليتبرءوا من الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله كما تبرأ 03P032 منهم رؤساؤهم الذين كانوا في الدنيا المتبوعون فيها على الكفر بالله إذ عاينوا عظيم النازل بهم من عذاب الله، فقالوا: يا ليت لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} [الأنعام: 27] 03P031

قسم V03/P031–V03/P033

[البقرة: 167] القول في تأويل قوله تعالى: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} [البقرة: 167] ومعنى قوله: {كذلك يريهم الله أعمالهم} [البقرة: 167] يقول: كما أراهم العذاب الذي ذكره في قوله: {ورأوا العذاب} [البقرة: 166] الذي كانوا يكذبون به في الدنيا، فكذلك يريهم أيضا أعمالهم الخبيثة التي استحقوا بها العقوبة من الله {حسرات عليهم} [البقرة: 167] يعني ندامات. والحسرات جمع حسرة، وكذلك كل اسم كان واحده على «فعلة» مفتوح الأول ساكن الثاني، فإن جمعه على «فعلات» ، مثل شهوة وتمرة تجمع شهوات وتمرات، مثقلة الثواني من حروفها. فأما إذا كان نعتا فإنك تدع ثانية ساكنا مثل ضخمة تجمعها ضخمات، وعبلة تجمعها عبلات، وربما سكن الثاني في الأسماء كما قال الشاعر: [+البحر الرجز] عل صروف الدهر أو دولاتها يدلننا اللمة من لماتها فتستريح النفس من زفراتها فسكن الثاني من «الزفرات» وهي اسم وقيل إن الحسرة أشد الندامة. فإن قال لنا قائل: فكيف يرون أعمالهم حسرات عليهم، وإنما يتندم المتندم على ترك الخيرات وفوتها إياه؟ وقد علمت أن الكفار لم يكن لهم من الأعمال ما يتندمون على تركهم الازدياد منه، فيريهم الله قليله، بل كانت أعمالهم كلها معاصي لله، ولا حسرة عليهم في ذلك، وإنما الحسرة فيما لم يعملوا من طاعة الله؟ قيل: إن أهل التأويل في تأويل ذلك مختلفون، فنذكر في ذلك ما قالوا، ثم نخبر بالذي هو أولى بتأويله إن شاء الله. فقال بعضهم: معنى ذلك: كذلك يريهم الله أعمالهم التي فرضها عليهم في الدنيا فضيعوها ولم يعملوا بها حتى استوجب ما كان الله أعد لهم لو كانوا عملوا بها في حياتهم من المساكن والنعم غيرهم بطاعته ربه فصار ما فاتهم من الثواب الذي كان الله أعده لهم عنده لو كانوا أطاعوه في الدنيا إذ عاينوه عند دخول النار أو قبل ذلك أسى وندامة وحسرة عليهم ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، { 03P034 كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} [البقرة: 167] زعم أنه يرفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا الله، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله ثم تقسم بين المؤمنين، فيرثونهم، فذلك حين يندمون " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله، في قصة ذكرها فقال " فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة. قال: فيرى أهل النار الذين في الجنة، فيقال لهم: لو عملتم فتأخذهم الحسرة. قال: فيرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن من الله عليكم " فإن قال قائل: وكيف يكون مضافا إليهم من العمل ما لم يعملوه على هذا التأويل؟ قيل: كما يعرض على الرجل العمل فيقال له قبل أن يعمله: هذا عملك، يعني هذا الذي يجب عليك أن تعمله، كما يقال للرجل يحضر غداؤه قبل أن يتغدى به: هذا غداؤك اليوم، يعني به: هذا ما تتغدى به اليوم، فكذلك قوله: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} [البقرة: 167] يعني: كذلك يريهم الله أعمالهم 03P035 التي كان لازما لهم العمل بها في الدنيا حسرات عليهم. وقال آخرون: كذلك يريهم الله أعمالهم السيئة حسرات عليهم: لم عملوها، وهلا عملوا بغيرها مما يرضى الله تعالى ذكر من قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} [البقرة: 167] فصارت أعمالهم الخبيثة حسرة عليهم يوم القيامة " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أعمالهم حسرات عليهم} [البقرة: 167] قال " أوليس أعمالهم الخبيثة التي أدخلهم الله بها النار حسرات عليهم؟

قسم V03/P033–V03/P035

قال: وجعل أعمال أهل الجنة لهم، وقرأ قول الله: {بما أسلفتم في الأيام الخالية} [الحاقة: 24] " قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال: معنى قوله: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} [البقرة: 167] كذلك يري الله الكافرين أعمالهم الخبيثة حسرات عليهم لم عملوا بها، وهلا عملوا بغيرها فندموا على ما فرط منهم من أعمالهم الرديئة إذ رأوا جزاءها من الله وعقابها؟ لأن الله أخبر أنه يريهم أعمالهم ندما عليهم. فالذي هو أولى بتأويل الآية ما دل عليه الظاهر دون ما احتمله الباطن الذي لا دلالة على أنه المعني بها. والذي قال السدي في ذلك وإن كان مذهبا تحتمله الآية، فإنه منزع بعيد، ولا أثر بأن ذلك كما ذكر تقوم به حجة فيسلم لها، ولا دلالة في ظاهر الآية أنه المراد بها. فإذ كان الأمر كذلك لم يحل ظاهر التنزيل إلى باطن تأويل 03P036

الأسئلة