Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

قسم V03/P676–V03/P679

[البقرة: 219] القول في تأويل قوله تعالى: {وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] يعني بذلك عز ذكره: والإثم بشرب هذه، والقمار هذا أعظم وأكبر مضرة عليهم من النفع الذي يتناولون بهما. وإنما كان ذلك كذلك، لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض وقاتل بعضهم بعضا، وإذا ياسروا وقع بينهم فيه بسببه الشر، فأداهم ذلك إلى ما يأثمون به. ونزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يصرح بتحريمها، فأضاف الإثم جل ثناؤه إليهما، وإنما الإثم بأسبابهما، إذ كان عن سببهما يحدث. وقد قال عدد من أهل التأويل: معنى ذلك وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما ذكر من قال ذلك ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] قال: منافعهما قبل التحريم، وإثمهما بعدما حرما " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " {ومنافع 03P680 للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] ينزل المنافع قبل التحريم، والإثم بعدما حرم " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرني عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: " {وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] يقول: إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم " حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: " {وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] يقوله: ما يذهب من الدين، والإثم فيه أكبر مما يصيبون في فرحها إذا شربوها " وإنما اخترنا ما قلنا في ذلك من التأويل لتواتر الأخبار وتظاهرها بأن هذه نزلت قبل تحريم الخمر، والميسر، فكان معلوما بذلك أن الإثم الذي ذكر الله في هذه الآية فأضافه إليهما إنما عنى به الإثم الذي يحدث عن أسبابهما على ما وصفنا، لا الإثم بعد التحريم. ذكر الأخبار الدالة على ما قلنا من أن هذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا قيس، عن سالم، عن 03P681 سعيد بن جبير، قال: لما نزلت: " {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219] فكرهها قوم لقوله: {فيهما إثم كبير} [البقرة: 219] وشربها قوم لقوله: {ومنافع للناس} [البقرة: 219] حتى نزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] قال: فكانوا يدعونها في حين الصلاة ويشربونها في غير حين الصلاة، حتى نزلت: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] " فقال عمر: «ضيعة لك اليوم قرنت بالميسر» حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا أبو عامر قال: ثنا محمد بن أبي حميد، عن أبي توبة المصري، قال: سمعت عبد الله بن عمر، يقول: " أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاثا، فكان أول ما أنزل: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} [البقرة: 219] الآية، فقالوا: يا رسول الله ننتفع بها ونشربها، كما قال الله جل وعز في كتابه.

قسم V03/P679–V03/P683

ثم نزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] الآية، قالوا: يا رسول الله لا نشربها عند قرب الصلاة قال: ثم نزلت: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] الآية، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمت الخمر» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد 03P682 النحوي، عن عكرمة ، والحسن، قالا: قال الله: " {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] و {يسألونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219] قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما فنسختها الآية التي في المائدة، فقال: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} [المائدة: 90] الآية " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا عوف، عن أبي القموص زيد بن علي، قال: " أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاث مرات؛ فأول ما أنزل قال الله: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] قال: فشربها من المسلمين من شاء الله منهم على ذلك، حتى شرب رجلان، فدخلا في الصلاة، فجعلا يهجران كلاما لا يدري عوف ما هو، فأنزل الله عز وجل فيهما: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] فشربها من شربها منهم، وجعلوا يتقونها عند الصلاة، حتى شربها فيما زعم أبو القموص رجل، فجعل ينوح على قتلى بدر: [+البحر الوافر] تحيي بالسلامة أم عمرو وهل لك بعد رهطك من سلام ذريني أصطبح بكرا فإني رأيت الموت نقب عن هشام وود بنو المغيرة لو فدوه بألف من رجال أو سوام 03P683 كأي بالطوي طوي بدر من الشيزى يكلل بالسنام كأي بالطوي طوي بدر من الفتيان والحلل الكرام قال: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فزعا يجر رداءه من الفزع حتى انتهى إليه، فلما عاينه الرجل، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا كان بيده ليضربه، قال: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله، والله لا أطعمها أبدا فأنزل الله تحريمها: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس} [المائدة: 90] إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: انتهينا انتهينا " حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا إسحاق الأزرق، عن زكريا، عن سماك، عن الشعبي، قال: " نزلت في الخمر أربع آيات: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219] فتركوها، ثم نزلت: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] فشربوها. ثم نزلت الآيتان في المائدة {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} [المائدة: 90] إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] " حدثني موسى بن هارون قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: نزلت هذه الآية: " {يسألونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219] الآية، فلم يزالوا بذلك يشربونها، حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم علي بن أبي طالب، فقرأ: قل يا أيها الكافرون ولم يفهمها، فأنزل الله عز وجل يشدد في الخمر: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] فكانت لهم حلالا، يشربون من صلاة الفجر حتى يرتفع النهار أو ينتصف، فيقومون إلى صلاة الظهر وهم مصحون، ثم لا يشربونها حتى يصلوا العتمة وهي العشاء، ثم يشربونها حتى ينتصف الليل وينامون، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صحوا.

قسم V03/P683

فلم يزالوا بذلك يشربونها، حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعاما فدعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم رجل من الأنصار، فشوى لهم رأس بعير ثم دعاهم عليه، فلما أكلوا وشربوا من الخمر سكروا وأخذوا في الحديث، فتكلم سعد بشيء، فغضب الأنصاري، فرفع لحي البعير فكسر أنف سعد، فأنزل الله نسخ الخمر وتحريمها وقال: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} [المائدة: 90] إلى قوله: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، وعن رجل، عن مجاهد، في قوله: " {يسألونك عن الخمر، والميسر،} [البقرة: 219] قال: لما نزلت هذه الآية شربها بعض الناس وتركها بعض، حتى نزل تحريمها في سورة المائدة " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن 03P685 ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {قل فيهما إثم كبير} [البقرة: 219] قال: هذا أول ما عيبت به الخمر " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال : ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219] فذمهما الله ولم يحرمهما لما أراد أن يبلغ بهما من المدة والأجل، ثم أنزل الله في سورة النساء أشد منها: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] فكانوا يشربونها، حتى إذا حضرت الصلاة سكتوا عنها، فكان السكر عليهم حراما. ثم أنزل الله جل وعز في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} [المائدة: 90] إلى: {لعلكم تفلحون} [المائدة: 90] فجاء تحريمها في هذه الآية قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر، وليس للعرب يومئذ عيش أعجب إليهم منها " وحدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " {يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر» ، قال: ثم نزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر» ، قال: ثم نزلت: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب 03P686 والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] فحرمت الخمر عند ذلك " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {يسألونك عن الخمر والميسر،} [البقرة: 219] الآية كلها، قال: نسخت ثلاثة في سورة المائدة، وبالحد الذي حد النبي صلى الله عليه وسلم، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يضربهم بذلك حدا، ولكنه كان يعمل في ذلك برأيه، ولم يكن حدا مسمى وهو حد. وقرأ: {إنما الخمر والميسر} [المائدة: 90] الآية " 03P686

قسم V03/P683–V03/P689

[البقرة: 219] القول في تأويل قوله تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] يعني جل ذكره بذلك: ويسألك يا محمد أصحابك: أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به، فقل لهم يا محمد أنفقوا منها العفو. واختلف أهل التأويل في معنى: {العفو} [البقرة: 219] في هذا الموضع، فقال بعضهم. معناه: الفضل ذكر من قال ذلك حدثنا عمرو بن علي الباهلي، قال: ثنا وكيع، ح وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: " العفو: ما فضل عن هلك " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قل 03P687 العفو: أي الفضل " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قال: «هو الفضل» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا عبد الملك، عن عطاء في قوله " العفو، قال: الفضل " حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد قال: ثنا أسباط، عن السدي قال: " العفو، يقول: الفضل " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] قال: كان القوم يعملون في كل يوم بما فيه، فإن فضل ذلك اليوم فضل عن العيال قدموه ولا يتركون عيالهم جوعا، ويتصدقون به على الناس " حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله: " {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] قال: هو الفضل فضل المال " وقال آخرون: معنى ذلك ما كان عفوا لا يبين على من أنفقه أو تصدق به ذكر من قال ذلك حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، 03P688 عن علي، عن ابن عباس: " {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] يقول: ما لا يتبين في أموالكم " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن جريج، عن طاوس، في قول الله جل وعز: " {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] قال: اليسير من كل شيء " وقال آخرون: معنى ذلك: الوسط من النفقة ما لم يكن إسرافا، ولا إقتارا ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن الحسن، في قوله: " {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] يقول: لا تجهد مالك حتى ينفد للناس " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء، عن قوله: " {يسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] قال: العفو في النفقة أن لا تجهد مالك حتى ينفد، فتسأل الناس " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء، عن قوله: " {يسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] قال: العفو: ما 03P689 لم يسرفوا، ولم يقتروا في الحق " قال: وقال مجاهد «العفو صدقة عن ظهر غنى» حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا عوف، عن الحسن في قوله: " {يسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] قال: هو أن لا تجهد مالك " وقال آخرون: معنى ذلك {قل العفو} [البقرة: 219] خذ منهم ما أتوك به من شيء قليلا أو كثيرا ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] يقول: ما أتوك به من شيء قليل، أو كثير، فاقبله منهم " وقال آخرون: معنى ذلك ما طاب من أموالكم ذكر من قال ذلك حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " {يسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] قال: يقول الطيب منه، يقول: أفضل مالك، وأطيبه " حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، قال: كان يقول: " العفو: الفضل.

قسم V03/P689

يقول: أفضل مالك " وقال آخرون: معنى ذلك الصدقة المفروضة ذكر ذلك من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد أو عيسى عن قيس، عن مجاهد، شك أبو عاصم قول الله جل وعز: " {قل العفو} [البقرة: 219] قال: الصدقة المفروضة " وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى العفو: الفضل من مال الرجل عن نفسه، وأهله في مئونتهم وما لا بد لهم منه. وذلك هو الفضل الذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإذن في الصدقة، وصدقته في وجه البر. ذكر بعض الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حدثنا علي بن مسلم، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: " قال رجل يا رسول الله عندي دينار قال: «أنفقه على نفسك؟ » قال: عندي آخر قال: «أنفقه على أهلك» قال: عندي آخر قال: «أنفقه على ولدك» قال: عندي آخر قال: «فأنت أبصر» حدثني محمد بن معمر البحراني، قال: ثنا روح بن عبادة قال: ثنا ابن جريج، قال أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه، فإن كان له فضل فليبدأ مع نفسه بمن يعول، ثم إن وجد فضلا بعد ذلك فليتصدق على غيرهم» حدثنا عمرو بن علي قال: ثنا يزيد بن هارون قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم، عن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله، قال: " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن، فقال: يا رسول الله، خذ هذه مني صدقة، فوالله ما أصبحت أملك غيرها فأعرض عنه، فأتاه من ركنه الأيمن، فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه. ثم قال له مثل ذلك فأعرض عنه. ثم قال له مثل ذلك، فقال: «هاتها» مغضبا، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجه، أو عقره، ثم قال: «يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى» حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم الهجري قال: سمعت أبا الأحوص يحدث عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « 03P692 ارضخ من الفضل، وابدأ بمن تعول، ولا تلام على كفاف» وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستقصاء ذكرها الكتاب. فإذا كان الذي أذن صلى الله عليه وسلم لأمته الصدقة من أموالهم بالفضل عن حاجة المتصدق الفضل من ذلك، هو العفو من مال الرجل؛ إذ كان العفو في كلام العرب في المال وفي كل شيء هو الزيادة والكثرة، ومن ذلك قوله جل ثناؤه: {حتى عفوا} [الأعراف: 95] بمعنى: زادوا على ما كانوا عليه من العدد وكثروا، ومنه قول الشاعر: [+البحر الوافر] ولكنا يعض السيف منا بأسوق عافيات الشحم كوم يعني به كثيرات الشحوم. ومن ذلك قيل للرجل: خذ ما عفا لك من فلان، يراد به: ما فضل فصفا لك عن جهده بما لم تجهده. كان بينا أن الذي أذن الله به في قوله {قل العفو} [البقرة: 219] لعباده من النفقة، فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفاقه هو الذي بين لأمته رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «خير الصدقة ما أنفقت عن غنى» وأذنهم به فإن قال لنا قائل: وما تنكر أن يكون ذلك العفو هو الصدقة المفروضة؟

قسم V03/P689–V03/P694

قيل: أنكرنا ذلك لقيام الحجة على أن من حلت في ماله الزكاة المفروضة، 03P693 فهلك جميع ماله إلا قدر الذي لزم ماله لأهل سهمان الصدقة، أن عليه أن يسلمه إليهم، إذا كان هلاك ماله بعد تفريطه في أداء الواجب كان لهم في ماله إليهم، وذلك لا شك أنه جهده إذا سلمه إليهم لا عفوه، وفي تسمية الله جل ثناؤه ما علم عباده وجه إنفاقهم من أموالهم عفوا، ما يبطل أن يكون مستحقا اسم جهد في حالة، وإذا كان ذلك كذلك فبين فساد قول من زعم أن معنى العفو هو ما أخرجه رب المال إلى إمامه، فأعطاه كائنا ما كان من قليل ماله، وكثيره، وقول من زعم أنه الصدقة المفروضة. وكذلك أيضا لا وجه لقول من يقول: إن معناه ما لم يتبين في أموالكم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له أبو لبابة: «إن من توبتي أن أنخلع إلى الله ورسوله من مالي صدقة» ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يكفيك من ذلك الثلث» وكذلك روي عن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له نحوا من ذلك. والثلث لا شك أنه بين فقده من مال ذي المال، ولكنه عندي كما قال جل ثناؤه: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} [الفرقان: 67] وكما قال جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] وذلك هو ما حده صلى الله عليه وسلم فيما دون ذلك على قدر المال، واحتماله. ثم اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل هي منسوخة، أم ثابتة الحكم على 03P694 العباد؟ فقال بعضهم: هي منسوخة نسختها الزكاة المفروضة ذكر من قال ذلك حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: " {يسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] قال: كان هذا قبل أن تفرض الصدقة " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " {يسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] قال: لم تفرض فيه فريضة معلومة، ثم قال: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] ثم نزلت الفرائض بعد ذلك مسماة " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: " {يسألونك ماذا ينفقون قل العفو} [البقرة: 219] هذه نسختها الزكاة " وقال آخرون: بل مثبتة الحكم غير منسوخة ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد أو عيسى، عن قيس، عن مجاهد،؛ - شك أبو عاصم 03P695 قال: قال: " العفو: الصدقة المفروضة " والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس، على ما رواه عنه عطية من أن قوله: {قل العفو} [البقرة: 219] ليس بإيجاب فرض فرض من الله حقا في ماله. ولكنه إعلام منه ما يرضيه من النفقة مما يسخطه جوابا معه لمن سأل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما فيه له رضا، فهو أدب من الله لجميع خلقه على ما أدبهم به في الصدقة غير المفروضات ثابت الحكم غير ناسخ لحكم كان قبله بخلافه، ولا منسوخ بحكم حدث بعده، فلا ينبغي لذي ورع ودين أن يتجاوز في صدقات التطوع وهباته وعطايا النفل وصدقته ما أدبهم به نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: «إذا كان عند أحدكم فضل فليبدأ بنفسه، ثم بأهله، ثم بولده» ، ثم يسلك حينئذ في الفضل مسالكه التي ترضي الله ويحبها. وذلك هو القوام بين الإسراف، والإقتار الذي ذكره الله عز وجل في كتابه إن شاء الله تعالى. ويقال لمن زعم أن ذلك منسوخ: ما الدلالة على نسخه؟ وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم على أن للرجل أن ينفق من ماله صدقة، وهبة، ووصية الثلث.

قسم V03/P694

فما الذي دل على أن ذلك منسوخ؟ فإن زعم أنه يعني بقوله: إنه منسوخ أن إخراج العفو من المال غير لازم فرضا، وأن فرض ذلك ساقط بوجود الزكاة في المال؛ قيل له: وما الدليل على أن إخراج العفو كان فرضا، فأسقطه فرض الزكاة؟ ولا دلالة في الآية على أن ذلك كان فرضا، إذ لم يكن أمر من الله عز ذكره، بل فيها الدلالة 03P696 على أنها جواب ما سأل عنه القوم على وجه التعرف لما فيه لله الرضا من الصدقات، ولا سبيل لمدعي ذلك إلى دلالة توجب صحة ما ادعى. وأما القراء فإنهم اختلفوا في قراءة العفو، فقرأته عامة قراء الحجاز، وقراء الحرمين وعظم قراء الكوفيين: (قل العفو) نصبا، وقرأه بعض قراء البصريين: «قل العفو» رفعا. فمن قرأه نصبا جعل «ماذا» حرفا واحدا، ونصبه بقوله: {ينفقون} [البقرة: 3] على ما قد بينت قبل، ثم نصب العفو على ذلك؛ فيكون معنى الكلام حينئذ: ويسألونك أي شيء ينفقون؟ ومن قرأه رفعا جعل «ما» من صلة «ذا» ورفعوا العفو؛ فيكون معنى الكلام حينئذ: ما الذي ينفقون، قل الذي ينفقون العفو. ولو نصب العفو، ثم جعل «ماذا» حرفين بمعنى يسألونك ماذا ينفقون؟ قل ينفقون العفو، ورفع الذين جعلوا «ماذا» حرفا واحدا بمعنى ما ينفقون؟ قل الذي ينفقون؛ خبرا كان صوابا صحيحا في العربية. وبأي القراءتين قرئ ذلك عندي صواب لتقارب معنييهما مع استفاضة القراءة بكل واحدة منهما. غير أن أعجب القراءتين إلي وإن كان الأمر كذلك قراءة من قرأه بالنصب، لأن من قرأ به من القراء أكثر وهو أعرف وأشهر 03P694

قسم V03/P694–V03/P697

[البقرة: 219] القول في تأويل قوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون، في الدنيا والآخرة} [البقرة: 220] يعني بقول عز ذكره: {كذلك يبين الله لكم الآيات} [البقرة: 219] هكذا يبين أي ما بينت لكم أعلامي، وحججي، وهي آياته في هذه السورة، وعرفتكم فيها ما فيه خلاصكم من عقابي، وبينت لكم حدودي، وفرائضي، ونبهتكم فيها على الأدلة على وحدانيتي، ثم على حجج رسولي إليكم، فأرشدتكم إلى ظهور الهدى، فكذلك أبين لكم في سائر كتابي الذي أنزلته على نبيي محمد صلى الله عليه وسلم آياتي وحججي، وأوضحها لكم لتتفكروا في وعدي، ووعيدي، وثوابي، وعقابي، فتجاوزا طاعتي التي تنالون بها ثوابي في الدار الآخرة، والفوز بنعيم الأبد على القليل من اللذات، واليسير من الشهوات، بركوب معصيتي في الدنيا الفانية التي من ركبها، كان معاده إلي، ومصيره إلى ما لا قبل له به من عقابي، وعذابي. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا علي بن داود، قال ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس، " {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} [البقرة: 220] قال: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة، وبقائها " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} [البقرة: 220] يقول: لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قوله: " {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} [البقرة: 220] قال: أما الدنيا فتعلمون أنها دار بلاء ثم فناء، والآخرة دار جزاء ثم بقاء، فتتفكرون، فتعملون للباقية منهما " قال: وسمعت أبا عاصم يذكر نحو هذا أيضا حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} [البقرة: 220] وأنه من تفكر فيهما عرف فضل إحداهما على الأخرى، وعرف أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء، وأن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء، فكونوا ممن يصرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة " 03P698

قسم V03/P697

[البقرة: 220] القول في تأويل قوله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] اختلف أهل التأويل فيما نزلت هذه الآية: فقال بعضهم نزلت في الذين عزلوا أموال اليتامى حين نزل قوله تعالى {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " لما نزلت {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] عزلوا أموال اليتامى، فذكروا ذلك 03P699 لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] ، {ولو شاء الله لأعنتكم} [البقرة: 220] فخالطوهم " حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " لما نزلت {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] و {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} [النساء: 10] انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، قال: " لما نزلت: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] قال: كنا نصنع لليتيم طعاما فيفضل منه الشيء، فيتركونه حتى يفسد، فأنزل الله: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] " حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا أبو أسامة، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، قال: سئل عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن مال اليتيم، فقال: " لما نزلت: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] اجتنبت مخالطتهم، واتقوا كل شيء حتى اتقوا الماء، فلما نزلت {وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] قال: فخالطوهم " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ويسألونك عن اليتامى} [البقرة: 220] الآية كلها، قال: كان الله أنزل قبل ذلك في سورة بني إسرائيل: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] فكبرت عليهم، فكانوا لا يخالطونهم في مأكل ولا في غيره. فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة، فقال: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: " لما نزلت: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] اعتزل الناس اليتامى فلم يخالطوهم في مأكل، ولا مشرب، ولا مال، قال: فشق ذلك على الناس، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " {ويسألونك عن اليتامى، قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم. . } [البقرة: 220] الآية، قال: فذكر لنا والله أعلم أنه أنزل في بني إسرائيل: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} [الأنعام: 152] فكبرت عليهم، فكانوا لا يخالطونهم في طعام ولا 03P701 شراب ولا غير ذلك. فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة فقال: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] يقول: مخالطتهم في ركوب الدابة، وشرب اللبن، وخدمة الخادم.

قسم V03/P697–V03/P703

يقول للولي الذي يلي أمرهم: فلا بأس عليه أن يركب الدابة ، أو يشرب اللبن، أو يخدمه الخادم " وقال آخرون في ذلك بما حدثني عمرو بن علي قال: ثنا عمران بن عيينة، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: " {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم} [النساء: 10] الآية، قال: كان يكون في حجر الرجل اليتيم، فيعزل طعامه، وشرابه، وآنيته، فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله: {وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة: 220] فأحل خلطهم " حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، قال: ثنا أشعث، عن الشعبي، قال: لما نزلت هذه الآية: " {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} [النساء: 10] قال: فاجتنب الناس الأيتام، فجعل الرجل يعزل طعامه من طعامه وماله من ماله، وشرابه من شرابه، قال: فاشتد ذلك على الناس، فنزلت: {وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة: 220] قال الشعبي: فمن خالط يتيما فليتوسع عليه، ومن خالطه ليأكل من ماله فلا يفعل " حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن 03P702 ابن عباس، قوله: " {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير} [البقرة: 220] وذلك أن الله لما أنزل: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} [النساء: 10] كره المسلمون أن يضموا اليتامى، وتحرجوا أن يخالطوهم في شيء، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال، سألت عطاء بن أبي رباح، عن قوله: " {ويسألونك عن اليتامى، قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] قال: لما نزلت سورة النساء عزل الناس طعامهم، فلم يخالطوهم قال: ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا يشق علينا أن نعزل طعام اليتامى وهم يأكلون معنا فنزلت {وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] " قال ابن جريج، وقال مجاهد: " عزلوا طعامهم عن طعامهم، وألبانهم عن ألبانهم ، وأدمهم عن أدمهم، فشق ذلك عليهم، فنزلت: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] قال: مخالطة اليتيم في المراعي، والأدم " قال ابن جريج: وقال ابن عباس: «الألبان، وخدمة الخادم، وركوب الدابة» قال ابن جريج: " وفي المساكن، قال: والمساكن يومئذ عزيزة " حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا الحسين بن الحسن الأشقر، قال: أخبرنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " لما نزلت: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] و {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} [النساء: 10] قال: اجتنب الناس مال اليتيم، وطعامه، حتى كان يفسد إن كان لحما أو 03P703 غيره، فشق ذلك على الناس، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير} [البقرة: 220] " حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد أو عيسى، عن قيس بن سعد، - شك أبو عاصم - عن مجاهد: " {وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] قال: مخالطة اليتيم في الرعي، والأدم " وقال آخرون: بل كان اتقاء مال اليتيم واجتنابه من أخلاق العرب، فاستفتوا في ذلك لمشقته عليهم، فأفتوا بما بينه الله في كتابه ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ويسألونك عن اليتامى، قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة: 220] قال: كانت العرب يشددون في اليتيم حتى لا يأكلوا معه في قصعة واحدة، ولا يركبوا له بعيرا، ولا يستخدموا له خادما، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عنه، فقال: {قل إصلاح لهم خير} [البقرة: 220] يصلح له ماله وأمره له خير، وإن يخالطه فيأكل معه، ويطعمه، ويركب راحلته، ويحمله، ويستخدم خادمه ويخدمه، فهو أجود.

قسم V03/P703–V03/P705

{والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة: 220] " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن 03P704 أبيه، عن ابن عباس، قوله: " {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير} [البقرة: 220] إلى: {إن الله عزيز حكيم} [البقرة: 220] وإن الناس كانوا إذا كان في حجر أحدهم اليتيم جعل طعامه على ناحية، ولبنه على ناحية، مخافة الوزر. وإنه أصاب المؤمنين الجهد، فلم يكن عندهم ما يجعلون خدما لليتامى، فقال الله: {قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم} [البقرة: 220] إلى آخر الآية " حدثت عن الحسن بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " {ويسألونك عن اليتامى} [البقرة: 220] كانوا في الجاهلية يعظمون شأن اليتيم، فلا يمسون من أموالهم شيئا، ولا يركبون لهم دابة، ولا يطعمون لهم طعاما. فأصابهم في الإسلام جهد شديد، حتى احتاجوا إلى أموال اليتامى، فسألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم عن شأن اليتامى، وعن مخالطتهم، فأنزل الله: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] يعني بالمخالطة: ركوب الدابة، وخدمة الخادم، وشرب اللبن " فتأويل الآية إذا: ويسألك يا محمد أصحابك عن مال اليتامى، وخلطهم أموالهم به في النفقة، والمطاعمة، والمشاربة، والمساكنة، والخدمة، فقل لهم: تفضلكم عليهم بإصلاحكم أموالهم من غير مرزئة شيء من أموالهم، وغير أخذ عوض من أموالهم على إصلاحكم ذلك لهم خير لكم عند الله، وأعظم لكم أجرا، لما لكم في ذلك من الأجر، والثواب، وخير لهم في أموالهم في عاجل دنياهم، لما في ذلك من توفر أموالهم عليهم. وإن تخالطوهم فتشاركوهم بأموالكم أموالهم في نفقاتكم، ومطاعمكم، ومشاربكم، ومساكنكم، فتضمنوا من أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم، وأسبابهم، وإصلاح أموالهم، فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضا، ويكنف بعضهم بعضا؛ فذو المال يعين ذا الفاقة، وذو القوة في الجسم يعين ذا الضعف. يقول تعالى ذكره: فأنتم أيها المؤمنون وأيتامكم كذلك إن خالطتموهم بأموالكم، فخلطتم طعامكم بطعامهم، وشرابكم بشرابهم وسائر أموالكم بأموالهم، فأصبتم من أموالهم فضل مرفق بما كان منكم من قيامكم بأموالهم وولائهم، ومعاناة أسبابهم على النظر منكم لهم نظر الأخ الشفيق لأخيه العامل فيما بينه وبينه بما أوجب الله عليه وألزمه، فذلك لكم حلال، لأنكم إخوان بعضكم لبعض كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " {وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] قال: قد يخالط الرجل أخاه " حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي مسكين، عن إبراهيم، قال: «إني لأكره أن يكون، مال اليتيم كالعرة» حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، عن عائشة، قالت: «إنى لأكره أن يكون مال اليتم عندي على حدة، حتى أخلط طعامه بطعامي، وشرابه بشرابي» 03P706 فإن قال لنا قائل: وكيف قال {فإخوانكم} [البقرة: 220] فرفع الإخوان، وقال في موضع آخر: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} [البقرة: 239] . قيل: لافتراق معنييهما، وذلك أن أيتام المؤمنين إخوان المؤمنين، خالطهم المؤمنون بأموالهم أو لم يخالطوهم. فمعنى الكلام: وإن تخالطوهم فهم إخوانكم. والإخوان مرفوعون بالمعنى المتروك ذكره وهو هم لدلالة الكلام عليه، وإنه لم يرد بالإخوان الخبر عنهم أنهم كانوا إخوانا من أجل مخالطة ولاتهم إياهم. ولو كان ذلك المراد لكانت القراءة نصبا، وكان معناه حينئذ وإن تخالطوهم فخالطوا إخوانكم، ولكنه قرئ رفعا لما وصفت من أنهم إخوان للمؤمنين الذين يلونهم خالطوهم أو لم يخالطوهم. وأما قوله: {فرجالا أو ركبانا} [البقرة: 239] فنصب لأنهما حالان للفعل غير دائبين، ولا يصلح معهما هو، وذلك أنك لو أظهرت هو معهما لاستحال الكلام. ألا ترى أنه لو قال قائل: إن خفت من عدوك أن تصلي قائما، فهو راجل أو راكب لبطل المعنى المراد بالكلام؟

قسم V03/P705

وذلك أن تأويل الكلام: فإن خفتم أن تصلوا قياما من عدوكم، فصلوا رجالا أو ركبانا؛ ولذلك نصبه إجراء على ما قبله من الكلام كما تقول في نحوه من الكلام: إن لبست ثيابا فالبياض، فتنصبه لأنك تريد إن لبست ثيابا فالبس البياض، ولست تريد الخبر عن أن جميع ما يلبس من الثياب فهو البياض، ولو أردت الخبر عن ذلك لقلت: إن لبست ثيابا فالبياض رفعا، إذ كان مخرج الكلام على وجه الخبر منك عن اللابس أن كل ما 03P707 يلبس من الثياب فبياض، لأنك تريد حينئذ: إن لبست ثيابا فهي بياض . فإن قال: فهل يجوز النصب في قوله: {فإخوانكم} [البقرة: 220] ؟ قيل: جائز في العربية، فأما في القراءة فإنما منعناه لإجماع القراء على رفعه. وأما في العربية فإنما أجزناه لأنه يحسن معه تكرير ما يحمل في الذي قبله من الفعل فيهما: وإن تخالطوهم فإخوانكم تخالطون؛ فيكون ذلك جائزا في كلام العرب 03P705

قسم V03/P705–V03/P709

[البقرة: 220] القول في تأويل قوله تعالى: {والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة: 220] يعني تعالى ذكره بذلك: إن ربكم وإن أذن لكم في مخالطتكم اليتامى على ما أذن لكم به، فاتقوا الله في أنفسكم أن تخالطوهم وأنتم تريدون أكل أموالهم بالباطل، وتجعلون مخالطتكم إياهم ذريعة لكم إلى إفساد أموالهم، وأكلها بغير حقها، فتستوجبوا بذلك منه العقوبة التي لا قبل لكم بها، فإنه يعلم من خالط منكم يتيمه، فشاركه في مطعمه، ومشربه، ومسكنه، وخدمه، ورعاته في حال مخالطته إياه ما الذي يقصد بمخالطته إياه إفساد ماله، وأكله بالباطل، أم إصلاحه وتثميره، لأنه لا يخفى عليه منه شيء، ويعلم أيكم المريد إصلاح ماله، من المريد إفساده كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله تعالى ذكره: " {والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة: 220] قال: الله يعلم حين تخلط مالك بماله أتريد أن تصلح ماله أو تفسده فتأكله بغير حق " حدثني أبو السائب، قال: ثنا أشعث، عن الشعبي: " {والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة: 220] قال الشعبي: فمن خالط يتيما فليتوسع عليه، ومن خالطه ليأكل ماله فلا يفعل " 03P708 [البقرة: 220] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو شاء الله لأعنتكم} [البقرة: 220] يعني تعالى ذكره بذلك: ولو شاء الله لحرم ما أحله لكم من مخالطة أيتامكم بأموالكم أموالهم، فجهدكم ذلك وشق عليكم، ولم تقدروا على القيام باللازم لكم من حق الله تعالى، والواجب عليكم في ذلك من فرضه، ولكنه رخص لكم فيه، وسهله عليكم، رحمة بكم ورأفة. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {لأعنتكم} [البقرة: 220] فقال بعضهم بما حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد أو عيسى، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، شك أبو عاصم، في قول الله تعالى ذكره: " {ولو شاء الله لأعنتكم} [البقرة: 220] لحرم عليكم المرعى، والأدم " قال أبو جعفر: يعني بذلك مجاهدا، رعي مواشي والي اليتيم مع مواشي اليتيم، والأكل من إدامه، لأنه كان يتأول في قوله: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] أنه خلطة الولي اليتيم بالرعي، والأدم حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " {ولو شاء الله لأعنتكم} [البقرة: 220] يقول: ولو شاء الله لأحرجكم، فضيق عليكم، ولكنه وسع ويسر، فقال: {ومن كان غنيا فليستعفف 03P709 ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} [النساء: 6] " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال، ثنا سعيد، عن قتادة: " {ولو شاء الله لأعنتكم} [البقرة: 220] يقول: لجهدكم، فلم تقوموا بحق، ولم تؤدوا فريضة " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، نحوه، إلا أنه قال: فلم تعملوا بحق حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ولو شاء الله لأعنتكم} [البقرة: 220] لشدد عليكم " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: " {ولو شاء الله لأعنتكم} [البقرة: 220] قال: لشق عليكم في الأمر، ذلك العنت " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قوله: " {ولو شاء الله لأعنتكم} [البقرة: 220] قال: ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال موبقا " وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرت عنه، وإن اختلفت ألفاظ قائليها فيها، فإنها اليتامى موبقا وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرت عنه، وإن اختلفت ألفاظ قائليها فيها، فإنها متقاربات المعاني؛ لأن من حرم عليه شيء فقد ضيق عليه في ذلك الشيء، ومن ضيق عليه في شيء، فقد أحرج فيه، ومن أحرج في شيء، أو ضيق عليه فيه فقد جهد، وكل ذلك عائد إلى المعنى الذي وصفت من أن 03P710 معناه الشدة والمشقة، ولذلك قيل: عنت فلان: إذا شق عليه وجهده فهو يعنت عنتا، كما قال تعالى ذكره: {عزيز عليه ما عنتم} [التوبة: 128] يعني ما شق عليكم وآذاكم وجهدكم، ومنه قوله تعالى ذكره: {ذلك لمن خشي العنت منكم} [النساء: 25] فهذا إذا عنت العانت، فإن صيره غيره كذلك قيل: أعنته فلان في كذا: إذا جهده وألزمه أمرا جهده القيام به يعنته إعناتا، فكذلك قوله: {لأعنتكم} [البقرة: 220] معناه: لأوجب لكم العنت بتحريمه عليكم ما يجهدكم ويحرجكم مما لا تطيقون القيام باجتنابه وأداء الواجب له عليكم فيه. وقال آخرون: معنى ذلك: لأوبقكم، وأهلككم ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: قرأ علينا: " {ولو شاء الله لأعنتكم} [البقرة: 220] قال ابن عباس، ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن فضيل، وجرير، عن منصور، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: " {ولو شاء الله لأعنتكم} [البقرة: 220] قال: لجعل ما أصبتم موبقا " 03P710

قسم V03/P709

[البقرة: 220] القول في تأويل قوله تعالى: {إن الله عزيز حكيم} [البقرة: 220] يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله عزيز في سلطانه لا يمنعه مانع مما أحل بكم من عقوبة، لو أعنتكم بما يجهدكم القيام به من فرائضه، فقصرتم في القيام 03P711 به، ولا يقدر دافع أن يدفعه عن ذلك ولا عن غيره مما يفعله بكم وبغيركم من ذلك لو فعله هو، لكنه بفضل رحمته من عليكم بترك تكليفه إياكم ذلك، وهو حكيم في ذلك لو فعله بكم، وفي غيره من أحكامه، وتدبيره لا يدخل أفعاله خلل، ولا نقص، ولا وهي، ولا عيب، لأنه فعل ذي الحكمة الذي لا يجهل عواقب الأمور، فيدخل تدبيره مذمة عاقبة، كما يدخل ذلك أفعال الخلق لجهلهم بعواقب الأمور، لسوء اختيارهم فيها ابتداء 03P710

قسم V03/P709–V03/P713

[البقرة: 221] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون} [البقرة: 221] اختلف أهل التأويل في هذه الآية: هل نزلت مرادا بها كل مشركة، أم مرادا بحكمها بعض المشركات دون بعض؟ وهل نسخ منها بعد وجوب الحكم بها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: نزلت مرادا بها تحريم نكاح كل مشركة على كل مسلم من أي أجناس الشرك كانت عابدة وثن أو كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو من غيرهم من أصناف الشرك، ثم نسخ تحريم نكاح أهل الكتاب بقوله: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} [المائدة: 4] إلى {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] . ذكر من قال ذلك حدثني علي بن واقد، قال: ثني عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن 03P712 صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: " {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] ثم استثنى نساء أهل الكتاب فقال: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} [المائدة: 5] حل لكم {إذا آتيتموهن أجورهن} [المائدة: 5] " حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، والحسن البصري، قالا: " {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] فنسخ من ذلك نساء أهل الكتاب أحلهن للمسلمين " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] قال: نساء أهل مكة ومن سواهن من المشركين، ثم أحل منهن نساء أهل الكتاب " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " {ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] إلى قوله: {لعلهم يتذكرون} [البقرة: 221] قال: حرم الله المشركات في هذه الآية، ثم أنزل في سورة المائدة، فاستثنى نساء أهل الكتاب، فقال: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا 03P713 آتيتموهن أجورهن} [المائدة: 5] " وقال آخرون: بل أنزلت هذه الآية مرادا بحكمها مشركات العرب لم ينسخ منها شيء ولم يستثن، إنما هي آية، عام ظاهرها خاص تأويلها حدثت بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] يعني مشركات العرب اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: " {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] قال: المشركات من ليس من أهل الكتاب؛ وقد تزوج حذيفة يهودية، أو نصرانية " حدثت عن عمار قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، في قوله: " {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] يعني مشركات العرب اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، 03P714 قوله: " {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] قال: مشركات أهل الأوثان " وقال آخرون: بل أنزلت هذه الآية مرادا بها كل مشركة من أي أصناف الشرك كانت غير مخصوص منها مشركة دون مشركة، وثنية كانت، أو مجوسية، أو كتابية، ولا نسخ منها شيء ذكر من قال ذلك حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، قال: ثنا أبي قال: ثنا عبد الحميد بن بهرام الفزاري، قال: ثنا شهر بن حوشب، قال: سمعت عبد الله بن عباس، يقول: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وحرم كل ذات دين غير الإسلام، وقال الله تعالى ذكره: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} [المائدة: 5] وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية فغضب عمر بن الخطاب رضي الله عنه غضبا شديدا حتى هم بأن يسطو عليهما، فقالا: نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: «لئن حل طلاقهن، لقد حل نكاحهن، ولكن أنتزعهن منكم صغرة قماء» وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله قتادة، من أن الله تعالى ذكره عنى بقوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] من لم يكن من أهل الكتاب من المشركات، 03P715 وأن الآية عام ظاهرها خاص باطنها، لم ينسخ منها شيء، وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها.

قسم V03/P713–V03/P716

وذلك أن الله تعالى ذكره أحل بقوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] للمؤمنين من نكاح محصناتهن، مثل الذي أباح لهم من نساء المؤمنات. وقد بينا في غير هذا الموضع من كتابنا هذا، وفي كتابنا «كتاب اللطيف من البيان» أن كل آيتين أو خبرين كان أحدهما نافيا حكم الآخر في فطرة العقل، فغير جائز أن يقضى على أحدهما بأنه ناسخ حكم الآخر إلا بحجة من خبر قاطع للعذر مجيئه، وذلك غير موجود أن قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} [المائدة: 5] ناسخ ما كان قد وجب تحريمه من النساء بقوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] فإن لم يكن ذلك موجودا كذلك، فقول القائل: «هذه ناسخة هذه» دعوى لا برهان له عليها، والمدعي دعوى لا برهان له عليها متحكم، والتحكم لا يعجز عنه أحد. وأما القول الذي روي عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، عن عمر رضي الله عنه من تفريقه بين طلحة، وحذيفة وامرأتيهما اللتين كانتا كتابيتين، فقول لا معنى له لخلافه ما الأمة مجتمعة على تحليله بكتاب الله تعالى ذكره، وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من القول خلاف ذلك بإسناد هو أصح منه وهو ما حدثني به موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا سفيان بن سعيد، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب، قال: 03P716 قال عمر: «المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة» وإنما كره عمر، لطلحة، وحذيفة، رحمه الله عليهم نكاح اليهودية، والنصرانية، حذرا من أن يقتدي بهما الناس في ذلك فيزهدوا في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، فأمرهما بتخليتهما كما حدثنا أبو كريب ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق، قال: " تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: خل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن " وقد حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا» فهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع على صحة القول به أولى من خبر عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب. فمعنى الكلام إذا: ولا تنكحوا أيها المؤمنون مشركات غير أهل الكتاب حتى يؤمن، فيصدقن بالله ورسوله، وما أنزل عليه 03P716

قسم V03/P716

[البقرة: 221] القول في تأويل قوله تعالى: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} [البقرة: 221] 03P717 يعني تعالى ذكره بقوله: {ولأمة مؤمنة} [البقرة: 221] بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند الله خير عند الله، وأفضل من حرة مشركة كافرة وإن شرف نسبها وكرم أصلها. يقول: ولا تبتغوا المناكح في ذوات الشرف من أهل الشرك بالله، فإن الإماء المسلمات عند الله خير منكحا منهن. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في رجل نكح أمة، فعذل في ذلك وعرضت عليه حرة مشركة ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم} [البقرة: 221] قال: نزلت في عبد الله بن رواحة، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها ثم فزع، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بخبرها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هي يا عبد الله؟» قال: يا رسول الله هي تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. فقال: «هذه مؤمنة» فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها، ولأتزوجنها ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين ، فقالوا: تزوج أمة. وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم. فأنزل الله فيهم: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} [البقرة: 221] وعبد مؤمن خير من مشرك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني الحجاج، قال: قال ابن جريج، في قوله: " {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] قال: المشركات لشرفهن حتى يؤمن " 03P718 [البقرة: 221] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو أعجبتكم} [البقرة: 221] يعني تعالى ذكره بذلك: وإن أعجبتكم المشركة من غير أهل الكتاب في الجمال، والحسب، والمال فلا تنكحوها، فإن الأمة المؤمنة خير عند الله منها وإنما وضعت «لو» موضع «إن» لتقارب مخرجيهما ومعنييهما، ولذلك تجاب كل واحدة منهما بجواب صاحبتها على ما قد بينا فيما مضى قبل 03P718 [البقرة: 221] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} [البقرة: 221] يعني تعالى ذكره بذلك: أن الله قد حرم على المؤمنات أن ينكحن مشركا، كائنا من كان المشرك من أي أصناف الشرك كان. فلا تنكحوهن أيها المؤمنون منهم فإن ذلك حرام عليكم، ولأن تزوجوهن من عبد مؤمن مصدق بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند الله خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك ولو شرف نسبه وكرم أصله، وإن أعجبكم حسبه، ونسبه. وكان أبو جعفر محمد بن علي، يقول: هذا القول من الله تعالى ذكره دلالة على أن أولياء المرأة أحق بتزويجها من المرأة حدثنا محمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي، قال: أخبرنا حفص بن غياث، عن شيخ، لم يسمه، قال أبو جعفر: " النكاح بولي في كتاب الله. ثم قرأ: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} [البقرة: 221] برفع التاء " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، والزهري، في قوله: " {ولا تنكحوا المشركين} [البقرة: 221] قال: لا يحل لك أن تنكح يهوديا، أو نصرانيا، ولا مشركا من غير أهل دينك " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: " {ولا تنكحوا المشركين} [البقرة: 221] لشرفهم {حتى يؤمنوا} [البقرة: 221] " حدثنا ابن حميد ، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، والحسن البصري: " {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} [البقرة: 221] قال: حرم المسلمات على رجالهم يعني رجال المشركين " 03P719

قسم V03/P716–V03/P721

[البقرة: 221] القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون} [البقرة: 221] يعني تعالى ذكره بقوله: {أولئك} [البقرة: 5] هؤلاء الذين حرمت عليكم أيها المؤمنون مناكحتهم من رجال أهل الشرك، ونسائهم يدعونكم إلى النار، يعني يدعونكم إلى العمل بما يدخلكم النار، وذلك هو العمل الذي هم به عاملون من الكفر بالله ورسوله. يقول: ولا تقبلوا منهم ما يقولون، ولا تستنصحوهم، ولا تنكحوهم، ولا تنكحوا إليهم، فإنهم لا يألونكم خبالا؛ ولكن اقبلوا من الله ما أمركم به، فاعملوا به، وانتهوا عما نهاكم عنه، فإنه يدعوكم إلى الجنة. يعني بذلك: يدعوكم إلى العمل بما يدخلكم الجنة ويوجب لكم النجاة إن عملتم به من النار، وإلى ما يمحو خطاياكم أو ذنوبكم فيعفو عنها، ويسترها عليكم. وأما قوله: {بإذنه} [البقرة: 213] فإنه يعني أنه يدعوكم إلى ذلك بإعلامه إياكم سبيله وطريقه الذي به الوصول إلى الجنة والمغفرة، ثم قال تعالى ذكره: {ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون} [البقرة: 221] يقول: ويوضع حججه وأدلته في كتابه الذي أنزله على لسان رسوله لعباده ليتذكروا فيعتبروا، ويميزوا بين الأمرين اللذين أحدهما دعاء إلى النار والخلود فيها، والآخر دعاء إلى الجنة وغفران الذنوب، فيختاروا خيرهما لهم. ولم يجهل التمييز بين هاتين إلا غبي الرأي، مدخول العقل 03P720 [البقرة: 222] القول في تأويل قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة: 222] يعني تعالى ذكره بقوله: {ويسألونك عن المحيض} [البقرة: 222] ويسألك يا محمد أصحابك عن الحيض وقيل «المحيض» لأن ما كان من الفعل ماضيه بفتح عين الفعل وكسرها في الاستقبال، مثل قول القائل: ضرب يضرب، وحبس يحبس، ونزل ينزل، فإن العرب تبني مصدره على المفعل، والاسم على المفعل مثل المضرب والمضرب من ضربت، ونزلت منزلا ومنزلا. ومسموع في ذوات الياء والألف المعيش والمعاش والمعيب والمعاب، كما قال رؤبة في المعيش: [+البحر الرجز] إليك أشكو شدة المعيش ومر أعوام نتفن ريشي وإنما كان القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لنا عن الحيض؛ لأنهم كانوا قبل بيان الله لهم ما يتبينون من أمره، لا يساكنون حائضا في بيت، ولا يؤاكلونهن في إناء، ولا يشاربونهن، فعرفهم الله بهذه الآية أن الذي عليهم في أيام حيض نسائهم أن يجتنبوا جماعهن فقط دون ما عدا ذلك من مضاجعتهن، ومؤاكلتهن، ومشاربتهن كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ويسألونك عن المحيض} [البقرة: 222] حتى بلغ: {حتى يطهرن} [البقرة: 222] فكان أهل الجاهلية لا تساكنهم حائض في بيت، ولا تؤاكلهم في إناء، فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك، فحرم فرجها ما دامت حائضا، وأحل ما سوى ذلك: أن تصبغ لك رأسك، وتؤاكلك من طعامك، وأن تضاجعك في فراشك إذا كان عليها إزار محتجزة به دونك " حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله وقد قيل: إنهم سألوا عن ذلك، لأنهم كانوا في أيام حيضهن يجتنبون إتيانهن في مخرج الدم ويأتونهن في أدبارهن. فنهاهم الله عن أن يقربوهن في أيام حيضهن حتى يطهرن، ثم أذن لهم إذا تطهرن من حيضهن في إتيانهن من حيث أمرهم باعتزالهن، وحرم إتيانهن في أدبارهن بكل حال ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا خصيف، قال: ثني مجاهد، قال: " كانوا يجتنبون النساء في المحيض، ويأتونهن في أدبارهن، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله: {ويسألونك عن المحيض} [البقرة: 222] إلى: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة: 222] في الفرج ولا تعدوه " وقيل: إن السائل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كان ثابت بن الدحداح الأنصاري حدثني بذلك موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي " 03P722

قسم V03/P721–V03/P723

[البقرة: 222] القول في تأويل قوله تعالى: {قل هو أذى} [البقرة: 222] يعني تعالى ذكره بذلك: قل لمن سألك من أصحابك يا محمد عن المحيض هو أذى. والأذى: هو ما يوذي به من مكروه فيه، وهو في هذا الموضع يسمى أذى لنتن ريحه، وقذره، ونجاسته، وهو جامع لمعان شتى من خلال الأذى غير واحدة. وقد اختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك على تقارب معاني بعض ما قالوا فيه من بعض، فقال بعضهم قوله: {قل هو أذى} [البقرة: 222] قل هو قذر ذكر من قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: " {قل هو أذى} [البقرة: 222] قال: أما أذى: فقذر " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {قل هو أذى} [البقرة: 222] قال: قل هو أذى، قال: قذر " وقال آخرون: قل هو دم ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} [البقرة: 222] قال: الأذى: الدم " 03P723

قسم V03/P723–V03/P725

[البقرة: 222] القول في تأويل قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة: 222] يعني تعالى ذكره بقوله: {فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة: 222] فاعتزلوا جماع النساء، ونكاحهن في محيضهن كما حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " {فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة: 222] يقول: اعتزلوا نكاح 03P724 فروجهن " واختلف أهل العلم في الذي يجب على الرجل اعتزاله من الحائض، فقال بعضهم: الواجب على الرجل اعتزال جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا عوف، عن محمد، قال: قلت لعبيدة: " ما يحل لي من امرأتي إذا كانت حائضا؟ قال: الفراش واحد، واللحاف شتى " حدثني تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا يزيد، قال: ثنا محمد، عن الزهري، عن عروة، عن ندبة، مولاة آل عباس قالت: بعثتني ميمونة ابنة الحارث أو حفصة ابنة عمر، إلى امرأة عبد الله بن عباس، وكانت بينهما قرابة من قبل النساء، فوجدت فراشها معتزلا فراشه، فظننت أن ذلك عن الهجران، فسألتها عن اعتزال فراشه فراشها، فقالت: إني طامث، وإذا طمثت اعتزل فراشي. فرجعت فأخبرت بذلك ميمونة أو حفصة، فردتني إلى ابن عباس، تقول لك أمك: «أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام مع المرأة من نسائه، وإنها لحائض، وما بينه وبينها إلا ثوب ما يجاوز الركبتين» حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، وابن عون، عن محمد، قالت لعبيدة، ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قال: «الفراش واحد، واللحاف شتى، فإن لم يجد إلا أن يرد عليها من ثوبه رد عليها منه» واعتل قائلو هذه المقالة بأن الله تعالى ذكره أمر باعتزال النساء في حال حيضهن، ولم يخصص منهن شيئا دون شيء، وذلك عام على جميع أجسادهن واجب اعتزال كل شيء من أبدانهن في حيضهن. وقال آخرون: بل الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن موضع الأذى، وذلك موضع مخرج الدم ذكر من قال ذلك حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: حدثني عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، قال: ثنا مروان الأصفر، عن مسروق بن الأجدع، قال: قلت لعائشة: " ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع " حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا عن عائشة، 03P726 أنها قالت: «وأين كان ذو الفراشين، وذو اللحافين؟ » حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، قال: قلت لعائشة: " ما يحرم على الرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: فرجها " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة: " أن مسروقا، ركب إلى عائشة، فقال: السلام على النبي وعلى أهل بيته فقالت عائشة: أبو عائشة مرحبا فأذنوا له، فدخل، فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحيي، فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابني. فقال، " ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت له: كل شيء إلا فرجها " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة، قالت له: «ما فوق الإزار» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن نافع: أن عائشة، قالت: " في مضاجعة الحائض: لا بأس بذلك إذا كان عليها إزار " حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي معشر، قال: سألت عائشة: " ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟

الأسئلة